تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
الفصل 30 — رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان العشري
_ طمني يا دكتور ماما عاملة ايه دلوقتي ؟
هكذا تحدثت «شيرين» بلهفة إلى الطبيب الذي طمأنها قائلًا:
_ اطمني مفيش حاجة تقلق. مجرد كسور بسيطة ودي هتتعافى مع الوقت، والجرح اللي في راسها سطحي. كلها حاجات بسيطة.
ـ طب يا دكتور هي ممكن تخرج على امتى؟
_ دلوقتي لو حبيتوا.
تدخل «طارق» يُجيبه بدلًا عنها:
_ طب ياريت تكتب لنا على خروج. عمتي أكيد مش هتحب تقعد في المستشفى أكتر من كدا.
_ هي هتصحى امتا يا دكتور دي نايمة بقالها كتير اوي؟
استفهمت «شيرين» بقلق، فطمأنها الطبيب قائلًا:
_ متقلقيش، احنا بنديها منوم عشان الكسور دي متتعبهاش، لكن لما تخرجوا هكتبلها على مسكنات قوية، ومع الوقت مش هتحتاجها أصلًا.
انصرف الطبيب تزامنًا مع بدأ استيقاظ تلك التي كانت تتخبط بين أوجاع الجسد والقلب، وإن كانت أوجاع الأخير أشد وأقسى، ولكن رغمًا عن ذلك كانت تقاوم، فهمست بخفوت:
_ شيرين.
هرولت «شيرين» إلى والدتها قائلة بلهفة:
_ ماما. حبيبتي. أنتِ كويسة؟
فاجأتها حين قالت بابتسامة واهنة:
_ أنقذ حياتي. ابني هو اللي لحقني. شفت في عينيه لهفة عليا. ابني مش بيكرهني يا شيرين.
لا تعرف بماذا تُجيبها، فالتفت لـ«طارق» الذي تقدم قائلاً باستفهام:
_ عاملة ايه دلوقتي يا عمتي؟
_ الحمد لله.
دارت عينيها في الغرفة حولها قبل أن تقول باستفهام:
_ الساعة كام؟
_ عشرة الصبح.
حاولت أن تعتدل فشعرت بألم حاد يضرب كتفها الأيمن، فخرجت منها صرخة خافتة، فاقتربت «شيرين» تسندها بلهفه:
_ راحه فين يا ماما؟ كتفك مكسور.
خرج صوتها مُتألمًا واهنًا:
_ عايزة اروح. لازم اخلي سالم يرجع هارون البيت. مش هسيبه يتبهدل أكتر من كدا.
تقدم «طارق» يجلس بجانبها وهو يقول بخشونة:
_ عمتي. أهم حاجة صحتك دلوقتي، ولما تبقي كويسه ابقي اعملي اللي أنتِ عايزاه.
حاولت أن تتحدث بملء صوتها فصاحت غاضبة:
_ أنا كويسة. مش هسيب ابني قاعد في اسطبلات الخيل، وأفضل نايمة هنا. هارون مش وحش. مش زيه. أنا عارفه.
قوموني.
تبادل الثُنائي النظرات، فأومأ «طارق» برأسه يُخبرها بأنه سيتصرف، وبالفعل توجه إلى الخارج و قام بالاتصال بـ«سالم» ليقص عليه ما حدث، فأجابه الأخير بحزم:
ـ خلي عمتك عندك كمان يومين.
«طارق» باندهاش:
_ ازاي يا سالم؟ بقولك الدكتور كتبلها على خروج.
قاطعه «سالم» بصرامة:
_ بقولك تقعد عندك يا طارق. مينفعش ترجع البيت دلوقتي. أنا هكلم الدكتور وأعرفه هيعمل إيه؟
زفر «طارق» بحنق بعد أن أغلق الهاتف ليجد «شيرين» تخرج من باب الغرفة وبعينيها استفهام صامت، فبادر بالإجابة عليه:
_ إنها مينفعش تروح النهاردة، ولا حتى بكرة.
_ إيه؟ يعني إيه الكلام دا؟
هكذا استفهمت باندهاش، قابله «طارق» ساخطًا:
_ يعني مينفعش. معرفش في إيه في دماغ سالم، بس هو قال هيكلم الدكتور وهيفهمه يعمل إيه؟
أنهى جملته تزامنًا مع قدوم الطبيب ومعه أحد الممرضات، وعلى وجهه أمارات قلة الحيلة وهو يتوجه إلى غرفة «همت»، وتبعته «شيرين» وخلفها «طارق»، الذي صحت توقعاته، فقد أعطاها الطبيب إبرة منومة، مما أغضب «شيرين»، الذي ما أن أصبحوا وحدهم حتى صاحت بانفعال:
_ هو يعني إيه اللي بيحصل دا؟
«طارق» بملل:
_ في خاين في القصر بيتجسس لحساب ناجي، وممكن يكون مش عايز العلاقة تتحسن بين عمتي وبين هارون دلوقتي لحد ما نعرفه. دا تخميني.
عند تلك النقطة سقطت فوق المقعد بقهر، تناثر من بين عينيها، ونبرتها حين قالت:
_ خاين. كمان. أنا تعبت بقى. أنا والله العظيم تعبت.
هو هيرحمنا امتى؟ هيحل عننا امتى؟
اقترب يحتويها بين ذراعيه يحاول امتصاص ذلك الوجع الذي يتساقط من بين عينيها، والذي كان أضعافه بقلبه، الذي لم يحتمل انهيارها، على الرغم من غضبه، ولكنه طمأنها بلهجة حانية حين قال:
_ هانت يا حبيبتي. كل حاجة هتنتهي قريب وهنرتاح كلنا.
رفعت رأسها تطالعه بأسى تجلى في نبرتها حين قالت:
_ أصعب وجع أن يكون أبوك أكتر حاجة بتتكسف منها في الدنيا. أبوك اللي هو مفروض سندك وضهرك والحاجة اللي بتفتخر بيها في حياتك، هو اللي يخليك تكره حياتك. أنا بكره حياتي وبكره نفسي بسببه يا طارق.
أنهت جملتها وانفلت زمام الوجع لـ يتناثر على هيئة شهقات متتالية احتواها صدره الذي عانقها بقوة، وكأنه يُريد إدخالها بين ضلوعه ليحميها من كل تلك الشرور المُحيطة بهم، فجاءت نبرته عاشقة محرورة حين قال:
_ مينفعش تقولي كدا عشان حياتك دي واقف عليها حياة ناس كتير، وأولهم أنا. أنا ماليش حياة من غيرك.
لثمت كلماته جراحها، ولكنها لم تفلح في إخماد تلك الحرائق المُشتعلة في جوفها، فهمست بأسى:
_ أنا تعبت أوي. تعبت أوي يا طارق.
رفع رأسها يحتوي بكفوفه الخشنة وجهها، وعينيه تُطالعها بنظرات عاشقة تشبه نبرته، حين قال:
_ وأنا فين يا روح طارق؟ تتعبي وأنا موجود! دانا عشان خاطر عينيك الحلوة دي أولع في الدنيا دي كلها.
انتزعها عنوة من بين براثن الألم، ولكنه ترك حوافر القلق تنهش بداخلها، فهمست باستفهام يرتعب قلبها من إجابته:
_ يعني مش هتزهق في يوم، ولا هتيجي تقولي يا بنت ناجي!
اقترب ينثر ورود عشقه فوق عينيها الباكية، وخديها المتوردان، قبل أن يرتفع برأسه قائلًا بمُزاح:
_ هو أنا ممكن أقولك يا بنت الجزمة لو ضايقتيني. لكن بنت ناجي دي يتقطع لساني لو قولتها.
ابتسمت على مزاحه، ليُتابع بنبرة جدية:
_ هو أنتِ بنته أصلًا! أنتِ من النهاردة بنتي أنا شيرين طارق الوزان. شيلي ناجي دا من حساباتك خالص.
كانت كلماته رائعة للحد الذي جعل ابتسامة جميلة تُلون ثغرها، فتابع بنبرة يشوبها الندم:
_ أنا مكنتش أب كويس لريتال. كنت بعيد عنها ومش عارف أقرب، لكن واثق إنك هتساعديني أقرب منها، وواثق إن حياتنا هتبقى جميلة.
تلك الكلمات قذفت في قلبها سعادة عارمة، جعلت الكلمات تخرج صادقة من بين شفتيها، حين قالت:
_ هنقرب منها سوا، وهنبقى ليها أحسن أب وأم. انتوا نعمة من ربنا في حياتي عمري ما هفرط فيها ولا هبطل أشكرُه عليها.
احتواها بين ذراعيه بقوة، وكأن الكلمات لم تعُد تُسعفه ليُخبرها عن مكنوناته، فقد كان داخله يرتج عشقًا لها، تلك المرأة التي أحيت بداخله شخصًا لم يكُن يعرفه، شخصًا يملك قدرة على العطاء والعشق أيضًا.
_ إيه يا حلا يا بتي مبتاكليش ليه؟
هكذا تحدثت «تهاني» إلى «حلا» الشاردة، فتنبهت الأخيرة إلى حديثها وقالت باستفهام:
_ بتقولي حاجة يا ماما؟
تدخل «عبد الحميد» قائلًا باهتمام:
_ مالك يا بتي؟ أنتِ بخير؟
«حلا» بخفوت:
_ بخير يا بابا الحاج متقلقش.
كان هذا يحدث أمام عيني «ياسين» الذي يلاحظ شرودها منذ البارحة، ولكنه لم يُريد أن يُضايقها أكثر، و خاصةً وهو يعرف السبب وراء حالتها تلك، وإن كان يستنكره، ولكنه سألها وكانت الإجابة المُعتادة:
_ أنا كويسة مفيش حاجة.
تدخلت «تهاني» قائلة باهتمام:
_ طب نفسك رايحة لحاجة مُعينة؟
«حلا» بابتسامة واهنة:
_ والله يا ماما ماليش نفس لحاجة. الأكل كتير قدامي أهو.
تدخل «عمار» بمُزاح:
_ يمكن البيه الصغير زهجان ولا حاجة؟
رفعت رأسها تُطالعه بحزن لم تُفصِح عنه، ولكن تفهمه «ياسين» جيدًا، لذا اقترب منها قائلًا بحنو:
_ مش هتيجي توصّليني طيب!
أجابته بهدوء:
_ آه طبعًا هاجي. بالهنا والشفا.
قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر إلى الجميع حول الطاولة، قبل أن تتوجه خلف «ياسين» الذي اقتادها إلى إحدى غرف المنزل ليكُن على راحته معها، فما أن دلفت خلفه حتى جذبتها يديه لتستقر بين ذراعيه وهو يقول بحنو:
_ حلوة قلبي زعلانة ليه؟
رغمًا عنها تناثرت العبرات من عينيها وتبلور الحزن بنبرتها حين قالت:
_ قلبي واجعني على اخواتي أوي يا ياسين. عمالة أشوفلهم أحلام وحشة، وتعابين محاوطاهم في كل مكان، وأنا عمالة أصرخ ومش عارفة ألحق حد فيهم.
أدهشه خوفها الذي يتجلى بوضوح في نبرتها، وكذلك ارتجافة جسدها الذي يئن بين ذراعيه، فحاول التغلب على شعوره وقال بلهجة مُطمئنة:
_ اهدي يا حلا. مفيش أي حاجة من دي. أنتِ على تواصل دائم مع مامتك، ولو في حاجة كانت هتقولك.
تراجعت من بين ذراعيه قائلة بحنق:
_ التليفون مش هيغنّيني إني أشوفهم، وأطمن عليهم بنفسي يا ياسين. أنت ليه مش فاهم علاقتي بأهلي وقد إيه أنا مرتبطة بيهم.
«ياسين» بسخط:
_ بصراحة حاسس إنك مزوداها يا حلا. يعني أخوكي كان هنا وشوفتيه واطمنتِ عليه، مامتك بتكلميها كل يوم، وكمان سما عايزة إيه تاني؟
«حلا» باستنكار:
_ مزوداها! وكمان سليم أنا حتى ملحقتش أقعد معاه، وبعدين هو انت عادي تبقى بعيد عن أهلك وتطمن عليهم فون بس.
«ياسين» ببساطة أصابتها بالجنون:
_ الطبيعي إن الست بتتجوز وتروح تعيش في بيت جوزها مش العكس. وبعدين أنا منعتكيش تروحي عندهم لو مش غلط عليكِ عشان الحمل كنت ودّيتك تشوفيهم.
«حلا» بانفعال:
_ عارف؟ المستفز في الموضوع إنك شايف حاجة تافهة وإني مزوداها. دول أهلي. عارف يعني إيه أهلي؟ إني أكون بعيدة عنهم المسافة دي كلها صعب عليا. أنا بقالي كام شهر مدخلتش بيتنا، وانت مستهون بالموضوع بطريقة تغيظ.
زفر «ياسين» بنفاذ صبر، قبل أن يقول بحنق:
_ عشان أنتِ فعلًا مهولة الموضوع. بقالك كام يوم قالبة وشك، وملككيش مزاج تنزلي الجامعة، ولا حتى تنزلي من أوضتك، والكل ملاحظ. هل الموضوع مستاهل كل دا؟
حاولت ابتلاع جمرات غضبها وقررت أن تحسم هذا النقاش لصالحها، لتقول بنبرة هادئة ولكنها تحوي عتبًا:
_ لكن بالنسبالك مش مستاهل. عارف ليه؟ عشان مش ناقصك حاجة. أهلك حواليك، أصحابك، جامعتك، شغلك، مراتك. قولي يا ياسين حاسس إن حاجة ناقصاك؟
كان الحزن والتأثر يظهر عيانًا في نظراتها، على الرغم من أنها حاولت أن تكون هادئة، وقد آلمه ذلك، و خاصةً حين طرحت عليه ذلك الاستفهام الذي كانت إجابته ستزيد من الأمر سوء، ولكنها في نهاية الأمر قال بلهجة خشنة:
_ يا حلا يا حبيبتي دي سنة الحياة.
لم تنصع خلف طريقه في تغيير دفة الأمور، فتابعت بلهجة حادة بعض الشيء:
_ أجاوبك أنا. لا مش ناقصك حاجة. تعالى أنت بقى اسألني ناقصك إيه يا حلا؟ أقولك ناقصني إني أترمي في حضن مامي لما أكون تعبانة، وخصوصًا إن دا أول حمل ليا وأنا عاملة زي العبيطة مش فاهمة حاجة. ناقصني أصحابي أخواتي. ناقصني إني أشوف جدران بيتنا اللي وحشتني. أملي عيني منها. مفيش حاجة في الدنيا تغني البنت ولا تعوضها عن وجود أهلها.
شعر «ياسين» بأن هناك خطب ما في الأمر، وقد تسلل الخوف إلى قلبه من طريقتها وما يحويه حديثها من أمور مُبطنة، لتُتابع هي بنبرة مُعاتبة:
_ بيت أهلي دا نعمة من ربنا هفضل أتمنى أنه يديمها العمر كله، وأنت لازم تعرف إن زي ما ليك عليا حقوق عليك ليا واجبات، وأنا مش ملاك هدي من غير ما آخد.
زفر حانقًا وقال بنفاذ صبر:
_ ممكن أعرف أنتِ عايزة توصلي لأيه؟ قولي اللي عندك؟
اقتربت منه قائلة بنبرة هادئة لينة:
_ أنا عارفة إنك بتحبني، وعارفة إنك لسه متأثر باللي حصل قبل كدا، وظهور حازم مضايقاك، وأنا مقدرة دا. بس إنك تبعدني عن أهلي صعب. مستحيل هقبل بكدا. أنا بحاول أريحك على قد ما أقدر. لكن أنت بتيجي عليا أوي، أنا فعلاً مش قادرة أتحمل.
فطن إلى معرفتها بما حدث، فقال بجفاء:
_ أنتِ سمعتيني وأنا بتكلم مع الدكتور صح؟
_ صح، وعلى فكرة زعلت. لما تقوله ينبه عليا مفيش سفر قبل تلت شهور، وأنت عارف إن أعد الأيام عشان تقرب وأعرف أروح أزور أهلي، وتيجي أنت تحرمني من دا بالطريقة دي. ليا حق أزعل ولا لأ؟
عاتبته بطريقة أشعرته بالخجل من نفسه، ولكنه عاند ذلك قائلًا بجفاء:
_ دا جزاتي عشان خايف عليكِ!
«حلا» بحزن:
_ لا يا ياسين أنت كدا مش خايف عليا. أنت كدا أناني معايا. عشان الدكتور قالك إن الحمل مفيش فيه مشكلة وإني أقدر أسافر عادي، وممكن يديني مُثبت احتياطي.
تجاهل عتابها وتقريعها الخفي، وقال بنبرة جافة:
_ يعني عايزة إيه دلوقتي؟ عايزة تروحي عند أهلك؟
«حلا» باختصار وبنبرة جافة:
_ أيوه عايزة.
_ ماشي. شوفي عايزة تروحي امتى، وأنا هوديكِ.
هكذا تحدث بفظاظة، ففاجأته حين قالت بجمود:
_ بكرة.
أغضبه إصرارها على الرغم من أنه يعلم أنها تملك هذا الحق، ولكن شيء بداخله يجبره على إبعادها عن كل ما يُحيط بهم الآن، فالأجواء ملبدة بغيوم الماضي، والذي سيجعل مستقبلهم متضرر بصورة كبيرة، ولكنه لم يُفصح عن مكنوناته، وارتضى أن تراه أنانيًا على أن يضطر لشرح ما يُقلقه، لذا قال باختصار:
_ حاضر. جهزي نفسك.
خرج من الغرفة وهو غاضب وهي حزينة، يؤلمها كونه يُريد إبعادها عن عائلتها بتلك الطريقة، وإن كان ما حدث في السابق لا يزال أثره ممتدًا بداخله، ولكنها لا ذنب لها بكل ذلك، لذا توجهت إلى غرفتها باكية مُتألمة، بينما هو توجه رأسًا إلى «عمار» الذي تفاجأ من حديثه الغاضب:
_ عرفني ولاد الوزان وصلوا لحد فين مع الحيوان دا؟
«عمار» باستفهام:
_ تقصد أنهي كلب فيهم؟
«ياسين» باختصار:
_ عمهم.
_ ولا حاجة. إني مبسألش كتير، بس صفوت بيه بعت عايزني في موضوع مهم. هروح وأشوف. بتسأل ليه؟
«ياسين» بحنق:
_ حلا عايزة تروح تزورهم.
_ طب وأيه المشكلة؟
«ياسين» بانفعال:
_ مش عايزها تدخل في صراعاتهم دي تاني. يحلوا مشاكلهم بعيد عنها. عايز علاقتها بيهم تبقى سطحية. دي ناس مشاكلها كتير.
«عمار» بتعقُل:
_ وإحنا مشاكلنا أوقات كتير بتكون أكبر وأكتر. فكرك وجتها هتبقى حلا بنت أصول لو جالتلك خلي علاقتك سطحية بأهلك عشان مشاكلهم كتير؟
مسح على وجهه، فقد كان «عمار» مُحقًا، ولكنه يخاف عليها من نسمة الهواء، وأيضًا هو أكثر من يعرف بحبها لهذا الوغد، فقد رآها تُمسك هاتفها تتفحص الصور، والتي كانت صورته من بينهم، وقد أغضبه هذا كثيرًا، لذا صاح بانفعال:
_ لا مش هتبقى بنت أصول، بس الوضع هنا يختلف. حلا لو قابلت الحيوان أخوها دا أنا هطربق الدنيا فوق دماغهم. كمان قريبهم دا قاتل قتلة، شوفت عمل إيه في بناته وفي أهله. أضمن منين إن الأذى ميطولهاش هي كمان.
«عمار» بتفكير:
_ ليك حق تخاف عليها. بس برضو الحذر لا يمنع الجدر، وعشان كده لازم تهدى شوية، ومتخنقهاش يا ياسين. اشتري خاطرها وروح معاها لو جلجان عليها.
كان أكثر الحلول ضررًا بالنسبة إليه، لذا زفر بحدة قبل أن يقول بجفاء:
_ هشوف. ربنا يسهل. أنت هتروح لصفوت امتى؟
_ كمان ساعة.
_ ابقى عرفني هيقولك إيه؟
«عمار» بتهكم:
_ أكيد هيقولي كل حاجة إلا اللي أنا عايز أسمعه.
_ يعني إيه يا صفوت هنسافر أكيد؟
هكذا تحدثت «سهام» إلى «صفوت» الذي أجابها بهدوء:
_ آه هنروح نغير جو، وبالمرة نجمة تتعرف على أهلها. دي متعرفش فيهم حد.
اقتربت «سهام» تحتضن ذراعيه وهي تقول بنبرة ودودة:
_ طب ممكن نتكلم شوية؟
_ أكيد ممكن.
«سهام» بنبرة لينة:
_ اسمعني للآخر ويا ريت متقاطعنيش. موضوع إنك مأجل جواز عمار ونجمة دا بسبب ناجي، أنا مش بلعاه بصراحة. الولد محترم كل ظروفنا، والبنت بتحبه وروحها متعلقة بيه، واحنا مش عارفين هنخلص من الزفت دا امتى، الولاد حرام يفضلوا مرهونين كدا بسببه.
يعلم أنها مُحقة، ولكنه يخشى حدوث أي كوارث بسبب هذا الشقيق الذي يتجسد به الشيطان ليُعكر صفو حياتهم، لذا قال بتعب:
_ طب الحل إيه يا سهام؟ أنا خايف عليهم.
سهام بتعقُل:
_ إيه رأيك لو نستغل الغيبوبة اللي هو فيها دي ونكتب حتى الكتاب.
أوشك على مقاطعتها، فاندفعت قائلة بلهفة:
_ كدا كدا بيت العيلة في إسماعيلية واحنا ملناش حد هنا، لو مكنش شغلك كان زمان يا هناك يا في القاهرة. إيه رأيك نكتبه في القصر هناك، احنا كدا كدا مسافرين، والفرح بتاعهم هما هيعملوه هنا أصلًا؟ ها قولت إيه؟
بدا اقتراح مقبول بالنسبة إليه، و خاصةً وأن ذلك الشيطان في غفوة قد لا تطول، لذا أمعن التفكير قبل أن يقول بحيرة:
_ هو اقتراح مش وحش. بس تفتكري الوقت مناسب إننا نفتح الموضوع أصلًا؟
_ مناسب جدًا، ولو بتتكلم على سالم، وموضوع همت، فـ سالم شخص عملي جدًا وبيفكر دايمًا في المصلحة، ولو اتكلمت معاه هيقولك نفس رأيي. خلينا نرتاح بقى ونفرح، هنفضل لحد امتى مغمومين بسببه!
صمت لثوانٍ يُفكر في حديثها قبل أن يقول بهدوء:
_ ربنا يسهل.
تدلت على استحياء وهي تهبط من الدرج لـ تستقبله، ولأول مرة ترتدي مثل تلك الثياب التي أصرت عليها «سهام» لترتديها، والتي كانت عبارة عن بذلة طويلة بلون الكريمة مكونة من جاكت طويل يصل إلى ما فوق ركبتيها، وأسفله قميص من اللون البني الفاتح وبنطال من نفس لون الجاكت، وخصلات شعرها تتدلى بحرية خلف ظهرها، بينما كان وجهها مُنيرًا كالبدر بتلك اللمسات البسيطة من أدوات التجميل التي أبدعت في وصف حسنها، مما جعله يقف مُتسمرًا مبهوتًا من تلك الحورية التي هبطت من السماء لتسرق قلبه، فأخذ يُطالعها بانبهار كان جليًا على ملامحه، مما جعل الخجل يغمرها ويطبع أثاره فوق وجنتيها اللتين أنبتت زهورًا وردية كانت لها فتنة من نوعٍ خاص، جعلت الحروف تخرج عفوية من بين شفتيه حين قال:
_ هو الجمر نزل من السما، ولا إني اللي بحلم؟
اخفضت رأسها وهي تقول بخجل:
_ يمكن تكون بتحلم؟
«عمار» بنبرة خطرة:
_ يبقى أجرب عشان أتأكد ده حلم ولا حقيقة!
تراجعت خطوتين إثر كلماته وقالت بتحذير:
_ وه تجرب كيف يعني؟ هي وكالة من غير بواب!
«عمار» باستنكار:
_ ومالك هبيتي فيا زي وابور الچاز ليه كدا؟
اقترب خطوتين وعينيه تعانقها بنظرات شغوفة تُشبه لهجته حين قال:
_ وماله لما أجرب يعني! مش لاجيت حورية من السما واقفة جدامي. حد جالك عليا حجر!
لونت ثغرها بسمة رائعة قبل أن تقول بخفوت:
_ يعني اللبس دا حلو عليا صوح كيف ما أمي بتقول؟
طافت أنظاره فوقها بطريقة دغدغت حواسها كما فعلت لهجته الموقدة حين قال:
_ حلو بس! ده هياكُل منك حتة. برنسيسة. برنسيسة جلبي.
عبأت صدرها بأنفاس قوية مُثقلة بثقة كبيرة قذفتها كلماته بداخلها، لترفع رأسها تُطالعة بامتنان، فتابع بنبرة مُحذرة:
_ بس طبعًا اللبس الحلو ده مهيتلبسش غير جوه الدار. يعني متحلميش إنك ممكن تخطي خطوة واحدة بيه بره عتبة الباب، وإلا هتبجي سواد على الكل.
«نجمة» باندهاش:
_ ليه بجى إن شاء الله؟ أنت مش لسه جايل إنّي برنسيسة.
«عمار» بغضب:
_ وأنتِ حمارة. مسمعتنيش وأني بجولك برنسيسة جلبي. يعني إني بس اللي مسموحلي أشوفك حلوة أكده. إنما جدام الناس تبجي كيفك كيف مخيمر الغفير.
«نجمة» باستنكار:
_ مخيمر الغفير! لاه أني مش موافجة على الجوازة دي.
هنا صدح صوت عالٍ من خلفهم:
_ والله يا بنتي أنتِ بنت حلال. وفرتي عليا كتير. يالا بالسلامة أنت يا عمار معندناش بنات للجواز.
تفاجيء الثنائي من كلمات «صفوت» التي جعلت «عمار» يقول بصدمة:
_ إيه الحديت ده؟ انتوا عاملينلي كمين ولا إيه؟
«صفوت» بتهكم:
_ لا والله يا ابني. دا أنت اللي ابن حلال وبتقع لوحدك.
«عمار» بسخرية:
_ والله إني عارف إنّي مش هسمع منك حاجة تسُر أبدًا.
اقترب «صفوت» يحتوي كتف «نجمة» وهو يقول بتحذير:
_ متغيرش الموضوع، مزعل بنتي حبيبتي ليه؟
«عمار» باندهاش:
_ هو إني لحقت أتكلم من أساسه!
التفت «صفوت» إلى «نجمة» قائلاً باستفهام:
_ حصل إيه يا نجمتي؟ الواد دا زعلك؟
تدخل «عمار» مغتاظًا:
_ هي مين دي اللي نجمتك أنا اللي بجولها أكده. هنجطع على بعض ولا إيه؟
شعرت بسعادة عارمة كون هذان الرجلان الرائعان يتنافسان في تدليلها، فقالت بابتسامة رائعة:
_ ربنا يخليكوا ليا.
«عمار» بهيام:
_ ويخليكِ ليا يا جلبي.
صاح «صفوت» غاضبًا:
_ أنت هتحب فيها قدامي يا ابني أنت؟ اتلم أحسنلك.
«عمار» بسخط:
_ والله إني ملموم على جد ما أقدر. بالك أنت لو ملحقتنيش هنفرط وهتبجى فضايح.
«صفوت» بحنق:
_ طب ياخويا قدامي على أوضة المكتب، وأنتِ يا حبيبتي عايز فنجان قهوة من إيدك الحلوين دول.
«نجمة» بحبور:
_ عيني.
توجهت إلى المطبخ لتقوم بإعداد فنجان القهوة، فلفت انتباهها حركة ما في الحديقة الخلفية، فتوجهت لترى ماذا يحدث، فإذا بها تجد تلك المرأة «نجيبة» تقوم بدفن شيء ما بجانب شجرة كبيرة في الحديقة الخلفية، فدب القلق حوافره في قلبها من ما حدث.
_ يا بنتي أنتِ أساسًا واقفة علينا أنتِ وأبوكِ بخسارة. إحنا لولا الفضايح كان زمانا اتبرينا منكم من زمان.
هكذا تحدث «مروان» إلى «ريتال» التي ناظرته بصدمة من حديثه، ثم صاحت مستنكرة:
_ على فكرة بقى جدو بيحب بابي أكتر واحد، ودايمًا يقول إن هو شبهه وانت لأ.
«مروان» بتهكم:
_ طبعًا أنا مفيش حد شبهي أصلًا. أنا اللي مفيش منه يا بنتي. أنا بس اللي متواضع وقاعد معاكوا عادي.
جاء صوت ساخر من خلفهم:
_ ياعم التواضع اللي بينقط منك هنتزحلق.
هكذا تحدثت «جنة» فالتفت جميع الأعين تناظرها ليتجمد الجميع بأرضه حين شاهدوا «لبنى» التي تسير بجانبها، ويبدو أن الاثنتين كان يجمعهما حديث، فتبلور الترقب بنظراتهم، ليخترق «مروان» الأجواء قائلًا بمرح:
_ أهي واحدة مش جاية طول ركبتي وبتتريق.
«جنة» بسخرية:
_ اللي يشوفك يقول طويل أوي. أنت موهوم يا ابني.
توجهت لتجلس بجانب «أمينة» التي كان العتب يلون نظراتها، فتقدمت «جنة» تحتويها بحب وهي تقول بجانب أذنيها:
_ عايزة أقولك كلام كتير أوي بس لما نبقى لوحدنا. لكن مبدئيًا يعني حقك عليا.
ابتسمت «أمينة» بحب تجلى بنبرتها حين قالت:
_ بنتي حبيبتي اللي مغلباني معاها. بس مع ذلك مقدرش أزعل منها.
ابتسمت «جنة» بسعادة، فتدخل «مروان» قائلًا بسخرية:
_ أيوا ياختي أبلفي الست الطيبة أنتِ وأختك. فاكرين إنها ملهاش حد يوعيها!
تحدثت «أمينة» إلى «لبنى» قائلة بحنو:
_ تعالي يا لولو اقعدي جنبي. خلينا نشوف الواد اللي مصدعنا دا.
تقدمت «لبنى» تجلس بجانبها، فتدخل «مروان» ساخرًا:
_ ومتقعدش جنبي أنا ليه بعض؟ تعالي يا بت هنا جنبي أنا مش قولتلك أنتِ من الحزب بتاعي!
«لبنى» بخفوت:
_ حزب إيه؟ أنا ماليش دعوة بيك أصلًا.
«مروان» بصياح:
_ إيه؟ بتبيعيني أنتِ كمان. إيه الناس الواطية اللي أنا عايش معاها دي! مفيش صاحب يتصاحب!
تدخلت «فرح» قائلة بسخرية:
_ أومال سما فين تيجي تلمك؟
«مروان» بسخرية:
_ سما راحت تمارس الطقوس السوداء في المستشفى. هتقعد تندب هي وعمتي شوية. بتستمد طاقتها من النكد.
قهقه الجميع على كلماته، فجاءهم صوت «سليم» القادم من الأعلى:
_ أنت يا ابني مصدعنا ليه ما تقوم تشوفلك شغلانة؟
«مروان» بتهكم:
_ على أساس إنك ماسك الحي هنا ولا حاجة؟ ما أنت مُرابط في البيت أهو، والراجل الكوبارة بتاعنا هو اللي جايبها من شرقها لغربها من صباحية ربنا.
تدخلت «فرح» بحنق:
_ طب كويس والله إنك بتحس وبتشوف وعارف، بدل ما تسببه لوحده مروحتش معاه ليه؟
«مروان» بطريقة أغاظتها وهو ينظر إلى «جوهرة» القادمة من الداخل:
_ أصل الدكتور قالي أقعد في حتة طراوة.
تجاهلت قدومها وقالت بنبرة ساخرة:
_ حلو عشان لما سما تيجي هخليها تغيرلك الدكتور دا. أصله بيقول حاجات ميصحش.
«مروان» باندفاع:
_ شوفي يا أم منصور أنا مستعد أكتبلك الجنينة اللي ورا وتخلي سما تغير عليا.
تدخلت «جنة» القابعة بجانب «سليم» الذي يلف يديه حولها بتملك:
_ والله بتفهم. دي أشكال يتغار عليها!
التفت «مروان» قائلًا بتهكم:
_ واحدة متجوزة سلومة الأقرع وبتتكلم عن الأشكال. يا ماما دانا مشفق على البشرية من سلالتكم.
اخترق حديثهم «جوهرة» التي قالت بنبرة مُستفزة:
_ هل السيد سالم في الخارج؟
قمعت «فرح» رغبة قوية في إفراغ كوب الماء الذي أمامها فوق رأس تلك الشمطاء لـ تلقينها درسًا قاسيًا لـ ألا تذكر اسم زوجها أبدًا، ولكن صوت «مروان» أنقذها من أفكارها الجنونية حين قال:
_ أجل السيد سالم في الخارج، ولكن السيد مروان ينوب عنه في الداخل، فأنا الرجل الثاني في العائلة، وذلك الرجل هو العاشر بعدي، وهذا الضخم الذي حملك بردء الحمام لا نعتبره من العائلة وسنتبرأ منه قريبًا.
هنا تنبه الجميع لحديثه وامتقع وجه «سليم»، بينما قالت «فرح» باستفهام:
_ إيه مين اللي جابها بردء الحمام مفهمتش.
«مروان» باندفاع:
_ آه انتوا متعرفوش صحيح. الشيكولاته دي دخلت البلد ملفوفة في شوال. البغل عبده موته ابن المحظوظة لفحها على كتفه بالبرنص.
شهقات قوية خرجت من جوف الفتيات، بينما كاد «سليم» أن يموت من فرط الرعب أن يتفوه ذلك الأبله بأي شيء خاطئ، فالتفت «مروان» قائلًا بغباء:
_ متخافش مش هجيب سيرتك متقلقش.
تنبهت «جنة» لحديث «مروان» والتفت تقول باستفهام حاد:
_ مش هتجيب سيرته في إيه؟ انطق.
شعر «سليم» بألم حاد في معدته وتبلور الغضب في نظراته تجاه «مروان» قبل أن يقول بنبرة هادئة:
_ مفيش يا حبيبتي، هو أنتِ مش عارفه مروان وسخافته؟
«مروان» بحنق:
_ مين دا اللي سخيف يا ابني أنت؟ بقى أنا بداري على بلاويك. تقوم تقول عليا كدا؟
تدخلت «أمينة» قائلة بتحذير:
_ بطل هزارك دا يا مروان. بلاوي إيه يا ابني. كفايانا مرار.
تدخلت «جنة» بإصرار:
_ أنا مُصرة أعرف الواد دا يقصد إيه؟
«سليم» في محاولة لتهدئة الموقف:
_ يا حبيبتي دا واد لسانه فالت وعايز يضرب أسفين بينا، هتديله الفرصة!
حاولت التحلي بالهدوء والنظر إلى ملامح «مروان» التي كانت البراءة تُسيطر عليها بشكل كبير، فشعرت بأنه هناك خطب ما، فقالت بشك:
_ شكلك كدا مش مريحني!
«مروان» ببراءة:
_ بتكلميني!
_ أومال بكلم خيالك؟
«مروان» ببراءة مُستفزة:
_ طب خلي خيالي بقى يبقى يقولك بلاوي الأخ اللي عامل فيا جون استيسان وشغال موصلاتي. لا بس الصراحة آخر توصيلة كانت عنب، وأهو العنب قاعد مأنسنا أهو.
لحظة وبرقت عينيها بصدمة، فقامت بتوجيه نظرات غاضبة إلى «سليم» قبل أن تقول بنبرة خطرة:
_ جون استيسن وتوصيلة وعنب. أنا قلبي بيقولي إنك ليك يد في مجيء البت دي هنا. جاوبني بقى بهدوء كدا. طارق بس اللي مش مشترك في الجريمة دي ولا أنت كمان ليك يد فيها!
كان يود في تلك اللحظة إزهاق روح «مروان» الذي كان يُتابع ما يحدث باستمتاع، جعل «فرح» تقول بغضب:
_ هادم اللذات ومُفرق الجماعات. اعمل فيك إيه؟
«مروان» ببراءة:
_ بتكلميني؟
«فرح» بحنق:
_ كلمتك جنابك.
«مروان» ببراءة:
_ ربنا يسامحك.
_ رد عليا يا سليم.
تحمحم «سليم» قبل أن يقول بنبرة هادئة:
_ طب ممكن نتكلم لوحدنا؟
«مروان» باندفاع:
_ هي محتاجة كلام لوحدكوا؟ ماتقولها اللي حصل. الواد طارق جابها من فوق بالبرنص وسلمهالك، قوم أنت وصلتها العربية بالبرنص برضو.
«جنة» بصدمة:
_ يا نهار أسود.
«مروان» باندفاع:
_ أسود إيه يا بومة. هو في نهار أبيض أكتر من كدا! ياريتني كنت مكانه وربنا كنت شيلتها على كتفي وجبتها مشي من هناك لحد هنا.
اندفع «سليم» كالثور الهائج يُزمجر غاضبًا:
_ أنا قولتلك هخلص عليك، وحياة أمي مانسايبك. يانا يا أنت النهاردة.
كان عائدًا من شركته ينوي أن يتجهز للسفر إلى مسقط رأسه مدينة الإسماعيلية لعقد اجتماع مع مواطني دائرته ومعرفة أزماتهم والعمل على حلها، فقد كان هذا الأمر من ضمن مسؤولياته ويجب ألا ينساه في خضم ما يُعانيه، لذا عزم على السفر ليوم واحد والعودة غدًا صباحًا حتى لا يبتعد عن المنزل، فهو لا يستطيع المغامرة فلا يعرف ميعاد الضربة القادمة ولابد أن يكون دائمًا مستعدًا، فتفاجيء بـ«مروان» يُهرول وخلفه «سليم» يُمسك بقطعة حديدية، فأوقفهم نداءه الصارم حين قال:
_ مروان. سليم. في إيه؟
«سليم» بنبرة صارخة:
_ الواد دا جاب آخره معايا هخلص عليه النهاردة.
احتمى «مروان» خلف «سالم» قائلًا بأنفاس مقطوعة:
_ شايف يا كبير. بيستقوى عليا إكمني طيب وغلبان.
«سليم» بغضب جنوني:
_ طيب وغلبان الله يحرقك هتخرب بيتي.
«مروان» بسخرية:
_ أخرب بيتك إيه هو متنيل من غير حاجة أصلًا.
تدخل «سالم» بصرامة:
_ بطلوا لعب عيال انت وهو. إحنا فاضيين للكلام دا؟
كان الجميع مشغولًا بمشاهدة ماذا يحدث، فلم يرى أحد تلك التي تسللت إلى الحديقة الخلفية بخطوات متعثرة، فما أن استدارت إلى الجهة الأخرى حتى وجدت ذلك الحارس يقول بجفاء:
_ اتأخرتي ليه؟
_ مكنتش عارفه أجي، الكل عينه في وسط راسه.
الحارس بتقريع:
_ طب البوص باعتلك رسالة وبيقولك اظبطي نفسك وبعد كدا دبة النملة توصله. فاهمة؟
لم تكد تُجيبه حتى استمعوا إلى صوت شيء يسقط بقوة على الأرض، فخرجت شهقة قوية من فم المرأة، ليتوجه الحارس بخطٍ مرتبكة لمعرفة من الذي كان يُراقبهم، والذي برقت عينيه حين شاهد...