تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
الفصل 37 — رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نورهان العشري
داهمتها جملته لتستقر كـ طلق ناري اخترق منتصف قلبها الذي ارتج داخلها حين استمعت إلى جملته التي اختطفت الحياة من وجهها ليبدو شاحبًا، مبهوتًا، ساكنًا لتمتد يديه تُحيط بخصرها يقربها منه بحنو لامس كلماته حين قال:
_ يعني أول ما خلاص ابتديت أدخل جنتك عايزة تجيبيلي عزول ياخد مكاني فيها!
كان مُزاحًا ذو مذاق قاس على قلبها الذي استنكر كلماته ولكن من شدة الألم لم تقو على الاعتراض فبدا وجهها كساحة حرب لم يعرف أيًا من خصومها الانتصار يومًا لذا قام بسحب أكبر قدر كافي من أكسجينها الدافيء داخل صدره قبل أن يقول بلهجة خشنة:
_ مش هينفع يا جنة. مش هينفع دلوقتي خالص. جسمك مش هيتحمل.
زئير الوجع بداخلها انتفض لتُجيبه بحدة أجفلته:
_ وانت مالك؟ معلش أنا اشتكتلك!
_ مش هستناكِ تشتكي.
قاطعته بـ قسوة مُطعمة بالألم:
_ وانت تستناني ليه؟ في حين إنك عادي تاخد قرار إنك تقتلني وتقتل جزء مني بمنتهى الهدوء!
ابتلع وقع كلماتها بداخل قلبه قبل أن يقول بهدوء:
_ أنا ممكن أموت روحي لو طلبتي يا جنة. لكن مش هتحمل عليكِ الهوى، وقراري دا مش من دماغي، ولا بإيدي ولا بإيديك بردو.
ضاقت ذرعًا بكل تلك التناقضات المُـشبعة بالأسى فنزعت نفسها من بين يديه وهي تصيح باعتراض:
_ يعني إيه مش بإيدي ولا بإيدك؟ فهمني.
جذبتها يديه لتُعيدها إلى مكانها بين طيات صدره فيما أخذت أنامله تُمسد عضلات ظهرها المتشنج وهو يُجيبها بنبرة تحمل الكثير من الطُمأنينة:
_ مينفعش يحصل حمل بعد ما تخلصي رحلة الكيماوي غير لما يمر على الأقل ست شهور، ودا كلام الدكتور نفسه. أنا اتواصلت معاه لحد ما نروح ويشوف الحالة، بس بنسبة كبيرة لازم البيبي ينزل لإنه هيكون مشوه.
سقطت الكلمات فوق ساحة قلبها كالأسهم المشتعلة التي سرت كالهشيم في أوردتها لتفر العبرات من مُقلتيها هاربة من ثقل الوجع الذي كان أضعافه بقلبه فشدد من عناقها وهو يقول بنبرة مُهتزة:
_ قولي الحمدلله يا جنة. قولي الحمدلله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
خرجت حروفها مُهتزة مُتألمة راضية:
_ الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
تنهيدة حارقة خرجت من جوفها وهي تستند على ساحة صدره الواسع الذي احتوى آلامها وعبراتها طوال الساعة المنصرمة إلى أن هدأت غيومها وهي بين يديه فوق مخدعهما مستكينة، ولكنها برغم الألم راضية.
رفعت رأسها تناظره لتصطدم بجمرتيه المُشتعلتين وكأن غيومه هي الأخرى ذرفت كثيرًا من الوجع، ولكنها لم تشعر به فهمست باسمه بنبرة مُتحشرجة:
_ سليم.
شعرت بأنامله تُمسد بطنها المسطحة بحنو لامس كلماته حين قال:
_ أصعب حاجة على الراجل في الدنيا إنه يحس بالعجز قدام اللي بيحبها، وأنا حسيت الإحساس دا معاكِ مرتين. مرة لما طلبتي مني اجيبلك حقك منه، والنهاردة وأنا شايف وجعك وعاجز إني أخفف عنك.
بارود كلماته تفجر في قلبها الذي انتفض لتهب جالسة نصف جلسة وهي تستند فوق صدره قائلة بنبرة موقدة:
_ أوعى تقول كدا تاني. انت مش فاهم حاجة. انت لو مش موجود وبتتنفس أنا كان زماني ميتة. ميتة بالحيا يا سليم. مجرد جسم عايش يتألم وبس.
مدت أناملها تُلامس شعيرات ذقنه الغزيرة وهي تقول بصدق كان كشعاع نور اخترق ظلمته فأضائها:
_ انت الوحيد اللي بتفرح قلبي بتخليه يحس إنه عايش. لو كنت سمعت الكلام دا من الدكتور وانت مش جنبي كنت هقع من شدة الوجع. لكن وجودك هو اللي سندني.
جذبها لتستقر فوق موضع صدره واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يقول بخشونة:
_ احنا مننفعش من غير بعض. دي الحكمة اللي دايمًا بطلع بيها من كل اللي بيحصلنا.
استكانت على صدره واستكان بين ضفاف عشقها كلاهما يتألم، ولكن غفوة العشق الذي جذبتهما كانت كالبلسم الذي تطيب به الجراح.
_ دوا إيه اللي بتاخديه دا؟
كان هذا صوت «طارق» الخشن الذي اخترق سكونها فانتفض جسدها مُرتعبًا لتلتفت إليه غاضبة:
_ في حد يخض حد كدا؟ مش تكح!
حدتها أغضبته، ولكن ذبول عينيها وبهوت ملامحها كانوا سببًا في تراجعه عن غضبه ليقترب منها بجسده الضخم يحصرها بينه وبين طاولة المطبخ ليقول بنبرة شغوفة:
_ سلامتك من الخضة. لو أعرف إن الجميل هيتخض كدا كنت خبيته في حضني.
ارتج قلبها لكلماته رُغم ثقل اوجاعه، فأخذت تناظره بعينين تشكوان الألم صمتًا، فلم تجد من الحروف ما يُمكن أن يُعبر عنه، ولكنه كان أكثر من يشعر بها، لذا احتوت كفوفه كفها الذي أغلقت على حبة دواء لمعالجة الاكتئاب الذي ظنت أنها هجرته وهجرها، ولكنه الآن يُعيد هجومه السابق بطريقة أشرس، فعادت لها نوبات الصداع مُجددًا فلجأت إليه عله يُريحها.
_ دوا إيه دا يا شيرين؟
لم تستطع الكذب فصارحته بملل:
_ مهدئ اتعودت أخده زمان.
تراقص شبح الغضب في نظراته لثوان قبل أن يحتل محله العبث الذي تجلى في نبرته وهو يقول:
_ مهدئ! وهو أنا قصرت معاكِ في حاجة يا بنتي؟
ابتسامة خافتة لون ثغرها، ثم قامت بجذب يدها من بين يديه وهي تقول بنبرة جافة:
_ مصدعة، وعايزة أنام يا طارق.
لم يُفلت يدها إنما شدد من قبضته فوقها وهو يقول بنبرة ساخرة:
_ ودا اللي هينيمك يا روح طارق؟
_ سيب إيدي.
لم يستجيب لها إنما اخترقها بنظراته ويديه تلامسان ملامحها بحنو، وبلهجة يطفو عليها الإعجاب تحدث:
_ عارفة كل ما بقرب منك أكتر بتأكد إنك طفلة. حد بريء معندوش أي خبرة في أي حاجة. كل ثانية بتمر عليا جنبك بتثبتلي إني اخترت صح.
كلمات ليست كأي كلمات، إنما هي رذاذ مطر حانية احتوت تصدعات قلبها وروحها التي اهترأت بسبب ماضي مُشين وحاضر أليم ومستقبل تظنه جحيم كونها تحمل اسم ذلك الرجل كأب، وكأنه طبيب بارع أتقن تشخيص المرض وقام بمداواته، لتنهمر مياه عينيها بغزارة وتنفلِت الكلمات من بين شفاهها مجروحة كحال قلبها:
_ أنا كنت وحشة أوي يا طارق. كل الناس اللي هنا دي اتأذت بسببي. بس أقسم بالله غصب عني. كنت فاكرة إنه على حق وأنهم على باطل. كان نفسي يرضى عني وياخدني في حضنه. كان نفسي أقدر أرفع راسي قدامهم. والله يا طارق ما كنت أقصد أأذي حد.
كان انهيارها لأمرًا جلل على قلبًا لم يعرف للعشق سبيلًا سوى على يديها، لذا احتضنها بقوة وهو يُهددها كطفل صغير يرتجف بين ذراعي أبيه، وكم كانت تتوق لذلك الإحساس الذي حاربت لأجله في الماضي وضحت بالغالي والنفيس، ولكنها لم تجني سوى الخزي والألم.
_ تفتكري لو أنتِ وحشة كان ربنا هيعرفك حقيقته؟ لو أنتِ كنتِ وحشة كان ربنا هيحنن قلوب الكل عليكِ بالشكل دا؟
رفعت عينيها تستجدي الصدق في نظراته، فكان لها ما أرادت، فتهدلت أكتافها وهي تقول بحرقة:
_ أنا مش قادرة أستوعب كل اللي بيحصل دا. بقى بعد السنين دي كلها يطلعلنا أخ. لا وايه؟ دا كاره ماما ومفكر إنها رمته. مش كفاية كل العذاب اللي شافته بسببه كمان لسه مكمل في تعذيبها! هو دا يرضي ربنا؟
«طارق» بحنو:
_ ربنا كبير يا شيرين، ويمكن دا يكون عوض عمتي بعد كل العذاب اللي شافته معاه.
«شيرين» بتهكم مرير:
_ عوض إيه يا طارق! دا مش طايقها وفاكر إنها رمته. تقولي عوض.
«طارق» بإصرار:
_ مهمتنا إننا نعرفه الحقيقة عشان يقدر يحكم صح.
جال استفهام «طارق» على عقلها فهتفت متسائلة:
_ انت كنت عارف بوجوده قبل ما ييجي هنا؟
لا يعرف كيف الهرب من ذلك الاستفهام الذي كان يحمل همه كثيرًا، وها هو الآن يصطدم به:
_ أيوا كنت عارف.
شهقت بصدمة:
_ كنت وعارف ومقولتليش يا طارق؟
_ مش كل حاجة ينفع تتقال يا شيرين. أنتِ شوفتي بعينك الوضع كان لازم نتأكد الأول قبل ما نقول كل حاجة.
همست بخفوت:
_ وأتأكدتوا؟
«طارق» باختصار:
_ أتأكدنا.
_ في إيه كمان معرفوش؟
هكذا استفهمت بجفاء قوبل بالغضب من جهته حين قال:
_ مفيش حاجة متعرفيهاش، وبعدين تعالي هنا. أنتِ توهتيني عن الموضوع الأساسي. متاخديش الزفت دا تاني. سامعة ولا مش سامعة؟
«شيرين» بسخط:
_ على أساس إني باخده دلع! أنا باخده عشان أرتاح من كل اللي أنا فيه دا.
باغتها استفهامه الذي أفتعل عاصفة هوجاء بين حنايا صدرها:
_ وحضني كان قصر معاكِ في حاجة يا هانم؟
برقت عينيها وتفشى الخجل في أوردتها حتى ترك بصماته فوق وجنتيها، لتخفض رأسها وهي تتمتم بتلعثم:
_ أنا. يعني. محبتش أضايقك بهمومي.
بدأت أنامله بالعزف فوق خصرها فيما غازلتها حروفه حين قال:
_ مش قولتلك إن كل ما بقرب منك بتأكد إنك بريئة وطفلة مبتعرفيش تستغلي مواهبك لصالحك أبدًا ولا تستعملي صلاحياتك.
أنهى كلماته بغمزة عابثة دغدغت مشاعرها، فهربت الحروف من فوق شفتيها تأثرًا بحديثه الذي أضرم نيرانًا أخرى داخل قلبها الذي اجتاحه شعور عارم من الذنب تجاهه وتجاه تلك النظرة التي يراها بها، وكشخص في موقفها، أما أن تربح الجولة كاملةً أو تخسر بشرف، لذا نظفت حلقها قبل أن تقول بنبرة جريحة:
_ في حاجة مهمة لازم تعرفها قبل ما تقرر إن فعلاً حد بريء ولا لأ؟
تنبهت جميع حواسه لحديثها وظهر الاهتمام بنظراته قبل أن يقول بلهجة ثابتة:
_ أيًا كان اللي هعرفه أنا نظرتي فيكِ مش هتتغير.
كان يخشى من الذي أضرم نيران القلق بجوفه، لذا اختار أن يبثها الأمان الذي تفتقده في تلك اللحظة حتى ينجو كلاهما من ما هو آت، وقد شعرت هي به وبمحاولته في بثها ما يحتاج إليه كلاهما، لذا تحلت بفضيلة الشجاعة قبل أن تقول بنبرة هادئة:
_ لما كنت في ألمانيا حصلت مشكلة بيني وبين أحمد وروحت عند بابا وهو مكنش موجود وحازم كان لسه هناك واستغل موقفي وخدرني وصورني معاه صور مش كويسة.
كانت تطوف بداخل غرفتها وهي هائمة بمشاعر جديدة كُليًا عليها. لأول مرة بحياتها ترى رجلًا مثله. رجلًا كامل الرجولة وذو عنفوان وشكيمة، فظ، قوي، مسيطر، ولكن يكمن خلف السنة اللهب المطلة من عينيه حنان كبير لامسته في نظراته إلى تلك المرأة الحامل.
كلماته لازالت تتردد في أذنها. نظراته إليها وإلى الجميع انطباعت داخلها. وعوده لتلك المرأة ووالده «هارون» وعنفوانه في التعامل معه، وتلك الهيبة التي تُحيط به تجعل الجميع يخشونه. كل تلك الصفات الرائعة التي اجتمعت به ألهبت مشاعرها وحركت غرائزها بصورة لم تعتدها من قبل.
تلك النظرة الخاصة التي حدجها بها زعزعت شيء ما لطالما كان مدفونًا بين طيات صدرها، أيعقل أن يدق قلبها عشقًا؟
لم تعرف العشق يومًا وهي بصحبة ذلك المسخ، بل لم تعرف معنى أن تذوب المرأة بين ذراعي رجلها، فقد كان الأمر حلمًا أكبر من حدود خيالها، فهي منذ أن وقعت أسيرًا له وهي قد نست كل ما يخص أحلام المراهقة وحتى عنفوان الشباب، ولكن بنظرة واحدة إلى ذلك الرجل كانت كالتيار الكهربائي الذي أيقظ جميع حواسها دفعة واحدة، فطرح استفهام مثير في عقلها:
_ كيف يمكن للمرأة أن تشعر وهي بين ذراعي رجل مثله؟
انتشى قلبها من مجرد التخيل وتعالت دقاته لتنتابها رغبة قوية لخلق فرصةً لها معه ولو كلفها ذلك الكثير.
طرق على باب الغرفة أخرجها من خضم تخيلاتها لتتقدم وهي تفتحه بهدوء، فوجدت أحد الخادمات تقول بلهجة أجنبية ركيكة:
_ السيد يريدك في الأسفل.
فهمت أنه يريدها، فارتسمت ابتسامة هادئة على ملامحها، فقد أرادها في نفس التوقيت الذي كانت تفكر به في كيفية امتلاكه واعتبرتها ضربة حظ، لذا أومأت برأسها وأغلقت الباب تنظر إلى جمالها في المرآة، والذي كان مشعًا رغم بساطة ذلك البنطال وتلك الكنزة الباهتة، وقد قررت أنها ستحاول استغلال كل ما تملك لتجلبه إليها في أقرب فرصة.
كانت تحمل قدح القهوة التي كانت تتفنن في تحضيرها له كأي شيء تفعله معه. دائمًا ما تجعل كل شيء منها مميزًا يترك بصمة واضحة وعلامة جيدة بداخله، لذا بالرغم من ذلك الألم في ظهرها إلا أنها تحاملت على نفسها وأعدتها له لتتوجه رأسًا إلى غرفة مكتبه، فإذا بها تجد تلك الفتاة تقف بمنتصف البهو تتلفت حولها وكأنها تبحث عن شخص ما، فبادرتها «فرح» القول بلهجة جامدة:
_ هل تبحثين عن شيء؟
التفتت جوهرة إلى ذلك الصوت الآتي من خلفها، فإذا بها تجد تلك المرأة الحامل التي تعد الآن غريمتها، فيبدو أنها زوجة فارسها النبيل، فشملتها بنظرة كلية لم تعجب «فرح»، ولكنها لم تعلق، إنما انتظرت حتى تجيبها جوهرة التي قالت بنبرة هادئة مترفعة:
_ أراد السيد سالم رؤيتي، ولا أعرف أين أجده، هل يمكنك أن ترشديني إليه؟
اختلفت نبرتها حين نطقت اسمه، أو هكذا ظنت «فرح»، ولكن لا تعلم لما تولد بداخلها شعور بعدم الراحة لتلك الفتاة التي تبدو نظراتها كبحر أزرق عميق يشعرك بالرهبة، ولكن بنهاية الأمر حسمت أفكارها وتحدثت بترفع:
_ تعالي خلفي.
تقدمتها «فرح» بحركة مقصودة لتدلف إلى غرفة المكتب التي كانت خالية إلا من «مروان» و«سالم» الذي رقت نظراته وهو يراها تتقدم إليه حاملة أكثر ما يحتاجه في تلك اللحظة، فتقبل منها القهوة بابتسامة هادئة قابلتها بأخرى دافئة تشبه لهجتها حين قالت:
_ شفتني وأنا طيبة وجايبالك القهوة لحد عندك.
لاح العشق في سماء عينيه لوهلة قبل أن يتبدل للجمود الذي تنافى مع لهجته العابثة حين قال:
_ لا شفتك وأنتِ زي القمر وبتسمعي الكلام.
انتشى القلب بكلماته التي عززت من غرورها كثيرًا، وخاصةً بوجود تلك الحسناء التي كانت تتابع ما يحدث بترقب تخفيه جيدًا عن الأعين، ولكن للقلوب بصيرة لا تخطيء أبدًا.
_ تفضلي بالجلوس.
هكذا تحدث «سالم» بفظاظة وهو يناظرها بجمود استلذت به كثيرًا، فملامحه الخشنة ونبرته الفظة وعينيه الجامدة كانا مثالًا للرجل المثير الذي تتمناه الكثير من الفتيات، لذا أطاعته وهي تتمتم بعبارات شكر مختصرة، ليبدأ «سالم» الحديث فور أن غادرت «فرح» التي شعرت بأنه من اللائق أن تغادر حتى ولو كان قلبها يقرضها من الداخل للمكوث معه وعدم تركه مع تلك الفتاة، ولكن وجود «مروان» هدأ من روعها كثيرًا، على الرغم من أن ذلك الوغد أراد استفزازها حين قال بجانب أذنها وهي تغادر:
_ متخافيش يا أم منصور معاهم محرم.
زجرته بحنق فتابع بتسلية:
_ الكبير في أمانتي. الصاروخ يخصني أنا. حطي في بطنك بطيخة صيفي.
لم تعيره أي انتباه على الرغم من أنها غضبت من وصفه لتلك الفتاة بأنها جميلة، ولكنها في نهاية الأمر غادرت مرفوعة الرأس، ليبدأ «سالم» الحديث قائلًا بجدية:
_ لم أحب الطريقة التي جلبناكِ بها من ألمانيا، ولكنك تعرفين لدينا نزاعات مع سيدك، وأنتِ بدون قصد اقحمتي بها، لذلك اعذريني.
كانت هائمة بداخلها من هيئته ورجولته الفظة وطريقته الخشنة في الحديث، حتى في الاعتذار يبدو رائعًا، لم تُمَس هيبته أبدًا، وقد كان هذا يروقها كثيرًا، ولكنها كانت تتقن إخفاء جميع شعورها خلف ذلك البحر الأزرق الهادئ في عينيها، لتقول بلهجة يشوبها الانزعاج:
_ أقدر لك اعتذارك كثيرًا، ولكن ما الفائدة منه وأنا الآن بلا أي شيء. لا مال ولا مسكن ولا أوراق، وسيدي يرقد هناك بين الحياة والموت.
يعلم أنها امرأة لعوب، ذلك الهدوء القابع خلف زرقتها الداكنة لم يريحه أبدًا، ولكنه قرر أن يصل معها إلى أقصى ما يمكنه الوصول، لذا قال بخشونة:
_ كل ما ذكرته يمكن تأمينه عدا حياة سيدك فهي ليست بذات قيمة حتى أنظر لها.
أعجبها حديثه فقالت بنبرة رفيعة جذابة:
_ إذن سأنظر لها أنا، وسأطلب منك الإفراج عن هارون وإرجاعنا إلى بلدنا في أقرب وقت.
«سالم» بسخرية:
_ بإمكاني إعادتك الآن لو أردتي، ولكن هارون ليس زائرًا لكي يعود، إنه ولأول مرة في موطنه الأصلي، لذا أخرجيه من حساباتك.
«جوهرة» بتخابث أخفته جيدًا خلف ستار الاستنكار الغاضب:
_ أنت تتحدث عن كونه بجانب والدته التي ضحت به وهي رضيع. حبًا بالله أنت رجل ذكي، كيف تتوقع منه أن يتقبلها؟ أو حتى يشعر تجاهها بأي مشاعر؟
_ هذا ليس من شأنك.
أجفلتها جملته لثوان، فتابعت السير على خطتها باحترافية وهي تقول بسخط:
_ بلى إنه من شأني، فأنا من عاشرت هارون لسنوات وأكثر شخص يعرفه، وهو صديقي، لذا فأنا يحق لي أن أقف أمامك الآن وأخبرك بأن تطلق سراحنا.
تأكدت شكوكه حولها ووصل إلى مبتغاه معها، لذا رقق من لهجته قليلًا حين قال:
_ إذن إن كنتِ صديقته وأكثر من يعرفه، فهذا يعني أنك في بيتك، وإلى أن يصل هارون إلى معرفة الحقيقة ويختار في أي جهة عليه الانضمام، أنتِ ضيفتنا، ما رأيك؟
كان النرد في صالحها وحسمت جولتها الأولى لتترسم مكانها في ذلك البيت بجانبه، فانتابتها سعادة قوية خبأتها جيدًا في جوفها قبل أن تقول بنبرة يغلب عليها الانزعاج:
_ وهل وضعت أمامي أي خيار آخر؟
«سالم» بدهاء أخفاه جيدًا خلف نبرته الجامدة:
_ أنا لا أطرح الخيارات يا جوهرة. أنا أختصرها في طريق واحد يصل بي حيثما أريد.
رائع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هكذا ردت بداخلها وهي تناظره بعينين لمع بهما بريق الإعجاب الذي سرعان ما أطفأته وهي تقول بحنق مفتعل:
_ كلاكما أنت والسيد ناجي تملكان تلك العجرفة، ولكني سأتغاضى عنها مقابل البقاء بجانب هارون ومساندته. وهذا لا يعني أنني سأكون شخصًا متساهلًا مع أي خطأ بحقي أو بحقه.
شملتها عينيه بنظرة أوقدت حمية الرغبة بقلبها التي تضاعفت حين قال بفظاظة:
_ يعجبني كون هارون يمتلك شخصًا مثلك بجانبه.
_ أشكرك. هل يمكن أن أخرج الآن؟
_ تفضلي.
التفتت تنوي المغادرة، ولكن لم يفُتها نظرات «مروان» التي يتساقط منها الإعجاب الذي تجلى في نبرته حين قال ما إن غادرت:
_ بقى البت دي مطولة معانا؟ يخربيتك يا سما. طلقها قرب بنت الفقرية. أنا كدا اتأكدت إنها بومة.
«سالم» بحنق:
_ ليه إن شاء الله؟ بقى بتقارن سما بالبت دي؟
«مروان» باندفاع:
_ ليه أهبل! مفيش وجه مقارنة أصلًا.
_ قول لنفسك، هو في زي بنت عمتك!
_ الحمد لله إن مفيش، وبعدين دي مقارنة غير عادلة زي بالظبط لما تقارن بين كفر الشيخ وشرم الشيخ كدا. الاتنين عندهم شيخ آه، بس الأول شيخ جامع والتاني شيخ منطقة، وأنا بما إني فلاتي فهختار شيخ المنطقة.
«سالم» بتقريع:
_ تصدق حلال اللي بتعمله فيك عمتك.
_ ماهو ربنا خدلي حقي ورضاني. شوف سبحان الله عشان أنا نيتي طيبة ربنا بعتلي هارون يخلص تاري وجوهرة تطفي ناري. والله فعلاً الأعمال بالنيات.
ناظره «سالم» بحنق تراجع على إثره «مروان» الذي قال بتملق:
_ بس سيبك انت سنترتها. البت يا قلب أمها مكنتش عارفة تروح فين منك؟ بس انت ليه يا كبير هتقعدها معانا؟ بتكافئنا يعني ولا إيه؟
قال جملته الأخيرة باستفهام جعل «سالم» يقول بنفاذ صبر:
_ بكافئك على إيه؟ على لسانك اللي عايز أقطعه! البت دي ضيفة هنا، أي حد يقربلها وخصوصًا أنت. خلينا نشوف آخرتها إيه مع ناجي وأشكاله اللي شبهه دي.
«مروان» باندفاع:
_ لا شبهه إيه. بقى لهطة القشطة دي شبهه؟ سما اللي طلعت شبهه مناخيرها كبيرة زيه.
لم يستطع منع ضحكة انفلتت منه إثر كلمات «مروان» العابثة، ليصيح الأخير مازحًا:
_ شوفت أهو انت بتضحك، تبقى شبهه. حسرة عليا وعلى بختي الأسود.
زجره «سالم» قائلًا:
_ أتلم يا مروان، وخلي بالك من سما، هي محتاجاك الفترة دي.
«مروان» بجدية:
_ آه مانا واخد بالي، طلعت أطمن عليها، قفلت الباب في وشي. قال إيه عمتي نايمة. طب ماهو دا المطلوب، إنها تبقى نايمة عشان أعرف أواسيها. أواسيها إزاي وأنا عمتي صاحية!
تفهم «سالم» لسخطه فقال بتعقل:
_ سما أقرب واحدة لعمتك، ودا مخليها عايزة تخفف عنها بأي طريقة، عشان كدا هتلاقيها رخمت عليك، لكن هي محتاجاك.
«مروان» بحنق حاول إخفاءه قدر الإمكان:
_ مانا عارف، وخصوصًا إن العبد لله حنين، بس هي اللي غشيمة. هو أنا اللي خبيت البغل دا وداريته عنهم؟
_ يا ابني افهم، هي بتحاول تفهم وتستوعب اللي حصل.
هكذا تحدث «سالم»، فصاح «مروان» حانقًا:
_ اشمعنى طارق داير يطبطب ويحضن ويفهم ويستوعب، مفيش أوكرة حتى اتقفلت في وشه! ولا أنا مكتوب على وشي حزين الدنيا حزين الآخرة!
ضاق ذرعًا بعناده، فهتف غاضبًا:
_ سما غير شيرين، ويالا من هنا صدعتني.
ما أن خرج مروان حتى أعلن الهاتف عن اتصال جاء من «صفوت»، الذي ما إن أجاب «سالم» حتى صاح غاضبًا:
_ أنت بتستهبل يا سالم؟ إزاي تسهله الدنيا عشان يهرب؟ افرض مكنش جه القصر كان هيطير منك؟
«سالم» بجفاء:
_ مكنش هيغيب عن عيني وهو عارف الكلام دا. كنت محتاج أعرف هيتصرف إزاي وتفكيره هيوديه فين.
«صفوت» بحنق:
_ بس كانت مجازفة يا سالم، وأنت شفت همت واللي حصلها.
«سالم» بخشونة:
_ الخيرة فيما اختاره الله يا صفوت. ربنا أراد إنها تعرف عشان مبقاش ينفع حاجة. خلي اللعب على المكشوف.
«صفوت» باستفهام:
_ طب أنت ناوي على إيه؟
«سالم» بغموض:
_ مش ناوي. هبقى رد فعل المرة دي.
_ بمعنى؟
«سالم» بخشونة:
_ إحنا قدام احتمالين. يا إما ناجي قاصد إن كل اللي حصل دا يحصل. يا إما إننا فاجئناه، وموضوع إنه في العناية المركزة دا مش داخل دماغي. طارق عارف كان بيضرب فين بالظبط.
_ يعني تفتكر هو قاصد يزرعه جوانا؟
هكذا استفهام «صفوت»، فأجابه «سالم» بخشونة:
_ وارد. كل شيء وارد. بس خلينا معاه لحد الآخر. هو ساكت وأنا ظاهريًا ساكت، بس هـ أستغل الهدية اللي بعتهالي سواء بقصده أو لأ. لحد ما كل واحد يضرب ضربته الأخيرة.
تفاجأ «صفوت» من حديث «سالم» الذي يحمل حقدًا واضحًا، فاتبع معه منحنى الهدوء قائلًا:
_ تقصد إيه إنك هتستغل هديته؟
«سالم» بقسوة:
_ الواد دا هو اللي هاخد بيه تار أخويا اللي ضيع مستقبله، وحرمنا وحرم أمي منه.
★★★★★★★★
_ مصرين بردو تمشوا؟ طب ما تقعدوا معانا كمان يومين.
هكذا تحدثت «حلا» بحزن إلى «سليم» الذي ما إن انتهى الغداء حتى عجل بمغادرتهم لكي يعود إلى القاهرة مرة أخرى، فالأوضاع هناك محتدمة، هكذا أخبره «مروان» ليقرر بأنه عليه العودة في أسرع وقت.
_ حبيبتي يا حلا، صدقيني ورايا شغل كتير. بس إن شاء الله الدنيا تظبط كدا وهجيب ماما والعيلة كلها ونيجي نزوركوا.
تدخل «ياسين» يحتضن كتفيها وهو يقول بهدوء:
_ والله يا سليم، إحنا كان المفروض هنيجي نزور الحاجة أمينة بس حمل حلا كتفنا. غلط على البيبي السفر في الأول كدا.
_ ولا يهمك، أنا عارف. إن شاء الله لما تشد حيلها شوية تيجوا تقعدوا معانا يومين.
هكذا تحدث «سليم»، فأجابه «ياسين» الذي كان يتابع ملامح «جنة» الذابلة:
_ إن شاء الله. أنتِ كويسة يا جنة؟
حاولت أن تشحذ بعضًا من قواها لترسم ابتسامة باهتة على ملامحها قبل أن تقول بهدوء:
_ كويسة يا ياسين. الحمد لله.
اقتربت «تهاني» تعانقها بقوة وهي تقول بجانب أذنيها:
_ إن شاء الله دايمًا كويسة يا بتي. خلي بالك من نفسك ومن محمود.
«جنة» بهدوء:
_ حاضر يا طنط. متقلقيش.
تقدمت «حلا» لتُمسك بيد «جنة» تجذبها إلى ركن منعزل وهي تقول بمرح:
_ عن إذنكم هنقول شوية كلام بنات على ما تشربوا القهوة.
لم تُمهلهم الوقت إذ جذبت «جنة» إلى الشرفة الخارجية للقصر لتُجلسها على أحد الأرائك وهي تقول بتحذير:
_ قوليلي مالك فيكِ إيه؟ وإياكِ تخبي عليا. وشك متغير ولونك مخطوف وعينيكِ فيها دموع. سليم عملك حاجة؟
لم تستطع مقاومة طوفان العبرات التي تدحرجت فوق خديها كصخور مدببة تترك آثارًا مؤلمة لا يمكن محوها، فشهقت «حلا» بصدمة وسرعان ما جذبتها إلى أحضانها وهي تقول بتأثر:
_ أنا قولت فيكِ حاجة؟ مالك يا جنة احكيلي. فيكِ إيه؟ مين زعلك كدا؟
تعالت شهقاتها حتى بدت تؤلم صدرها الذي كان يعلو ويهبط من فرط الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ أنا حامل، والبيبي لازم ينزل.
شهقت «حلا» بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
_ إيه؟ بيبي إيه اللي ينزل؟
«جنة» بنبرة مشجبة:
_ الدكتور قال لسليم إنه مينفعش حمل في الوقت دا وأن البيبي هيكون مشوه بنسبة كبيرة عشان جرعات الكيماوي اللي أخدتها.
تعاظم الأسى بصدرها على تلك المسكينة التي لا تنفك الحياة تحاصرها بأزمات وعواقب تفوق طاقتها وسنوات عمرها، ولكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام حزنها، لذا قالت بنبرة هادئة:
_ طب وأنتِ زعلانة ليه يا هبلة؟ دا أنتِ حقك تفرحي.
انتزعت «جنة» نفسها من بين يدي حلا وهي تقول بصدمة:
_ أفرح! بقولك هنزل ابني يا حلا تقوليلي أفرح!
«حلا» بتأكيد:
_ أيوا تفرحي. عشان حملك دلوقتي يعتبر معجزة ربنا بعتهالك عشان يقولك إنك تقدري تحملي. مش كنتِ مرعوبة لما عرفتي بموضوع الكانسر لتكوني مش هتعرفي تحملي تاني؟ شوفتي ربنا بقى وجماله. بعتلك حتة معجزة صغيرة تقولك يا جنة أنتِ تقدري تحملي. حتى لو هتضطري إنك تنزليه وتصبري شوية بإذن الله ربنا هيكرمك.
أضاءت تلك الفكرة عقلها وارتج قلبها من فرط الرهبة التي سرعان ما تحولت لابتسامة بلهاء أسعدت قلب «حلا» كثيرًا، والتي قالت بحماس:
_ كنتِ خايفة وأهو ربنا طمنك. عارفة إن الموضوع صعب بس معلش كل دي ابتلاءات عشان ربنا يشوفنا ناس مؤمنة وهنصبر ولا لا؟ وأنتِ تستحقي كل خير ودايمًا افتكري إن في كل كرب مريتي بيه كان ربنا بينزل اليسر مع العسر. من بين حدوتة حازم ووجعها خرجتي بسليم ومحمود اللي لولاه مكنتيش عرفتي بتعبك واتعالجتي منه وهو لسه في أوله. شوفتي بقى ربنا رحمته واسعة إزاي؟
تساقط الدمع من عينيها تباعًا مع كلماتها حين قالت بقلب راضٍ ونفس هادئة:
_ ونعم بالله. عندك حق. الحمد لله أنا أقدر أخلف تاني. دا المهم. أنتِ عندك حق يا حلا.
عانقتها «حلا» بحنو تجلى في نبرتها وهي تقول:
_ أنتِ طيبة أوي يا جنة واتظلمتي كتير. بس ربنا كبير والله وهيبعتلك فرح الدنيا كله.
شددت من عناقها وهي تقول بأمل:
_ إن شاء الله.
رفعت «حلا» رأسها وهي تناظرها بعينين يخفيان الكثير، مما جعل «جنة» تقول باستفهام:
_ في إيه؟ حساكِ عايزة تقولي حاجة ومترددة؟
تحمحمت «حلا» قبل أن تقول بخفوت:
_ هو. هو أنتِ هتروحي مع سليم البيت؟
_ يعني إيه هروح مع سليم البيت؟ أومال هروح فين؟
هكذا تحدثت «جنة» باندهاش قابلته «حلا» بالتردد لتحثها «جنة» على الحديث قائلة:
_ في إيه يا حلا؟ مخبية عني إيه؟ أنتِ نسخة من مروان وبيبان عليكِ، احكي.
زفرت «حلا» قبل أن تقول حديثها دفعة واحدة:
_ طب هو أنتِ استعديتي عشان تقابلي لبنى؟
مر الاسم على عقلها دون أن يترك أثرًا له، قالت باستفهام:
_ لبنى مين؟
لم يكن هناك مفر من إخبارها، لذا سحبت قدر كبير من الأكسجين داخل رئتيها قبل أن تقول:
_ لبنى البنت اللي حازم اغتصبها قبل ما يسافر جت عشان تعيش في القصر معاكم!
شهقة قوية خرجت من جوفها قبل أن تهب من مكانها وهي تقول بصدمة:
_ إيه؟؟؟
_ جنة مش يلا اتأخرنا.
هكذا تحدث «سليم» يحثها على النهوض، فلم يفته ملامحها المصدومة، ولكنها سرعان ما استعادت جأشها وهي تلتفت إلى «حلا» قائلة بجمود:
_ نبقى نكمل كلامنا في الفون.
أومأت «حلا» بصمت، فيما اندفعت لتبادل السلامات مع الجميع لتتوجه معه إلى السيارة لتبدأ رحلة العودة الهادئة، وحين لاحت معالم مدينة القاهرة التفتت إليه قائلة بهدوء:
_ ينفع منروحش البيت على طول؟
كان يشعر بأنه هناك شيء خلف هدوئها هذا، ولكنه أرجحه إلى أن الأمر بسبب الحمل، لذا قال بحنو:
_ حابة تروحي فين؟
_ ممكن تروح أي فندق. يومين بس، وبالمرة نروح للدكتور ونشوف هنعمل إيه؟
لم يُجادلها إنما استجاب لذلك النداء المطل من عينيها لكي يحتوي بعثرتها التي اهتدت فوق ساحة صدره الدافئ، ليضع قبلة حانية فوق جبهتها، بينما عينيه مازلت على الطريق أمامه وهو يفكر كيف يمكنه أن يخبرها بكل ما فاتها دون أن يشير إلى الماضي بآلامه.
سبعة أيام بلياليها لم يفارق مصحفه، وكأن هناك خيطًا خفيًا يربطه بتلك الحروف التي تخترق غياهب صدره، لوقد نورًا وسكينة وهدوء نفسي لم يختبره مسبقًا، فقد كان كمن تاه بصحراء الحياة القاحلة وضاع بين رمالها الصفراء، نزل حتى ظن أنه هالك، ليأتيه ذلك الضوء الملائكي ليرشده إلى واحة سلام جعلته يرى صحراءه جنانًا خضراء يمرح بها، وهو يؤدي عمله بجد ومحبة بعد رحلة تمرينات شاقة، ثم ينزوي في صومعته يقرأ ويتفقه في تلك الكتب التي لا يعلم من أين أتى بها ذلك الرجل الذي كان مدينًا له بحياته التي أصبحت الآن شيئًا ذا قيمة.
_ صدق الله العظيم. فتح الله عليك يا شيخ حازم.
هكذا تحدث «جرير» بصوته الخشن وهو لأول مرة يبتسم بابتهاج لكونه يرى «حازم» الذي استعاد إنسانيته من جديد واتخذ مساره الصحيح في هذه الحياة، فقد راهن نفسه على نجاحه في مسعاه معه، والآن لاحت بوادر النصر على الرغم من أن الاختبار الحقيقي لم يأتِ بعد.
_ صباح الخير. شيخ إيه يا عم أنا لسه بقول يا هادي.
«جرير» بمرح:
_ طب يلا عشان الغداء عليك النهاردة.
«حازم» بعدم فهم:
_ يعني إيه؟ متقوليش هتخليني أطبخلك!
«جرير» بسخرية:
_ ليه حد قالك إني عايز أنتحر! قوم يلا أنت اللي هتجبلنا الأكل.
نصب عوده وهو يتقدم منه قائلًا بعدم فهم:
_ يا عم فهمني تقصد إيه؟ هروح أشتريلك الأكل يعني؟
_ هو أنت حيلتك حاجة؟
هكذا تحدث «جرير» ساخرًا، فشاركه «حازم» المزاح قائلًا:
_ على أساس إن المحلات مقطعة بعضها حوالينا! دا إحنا في المنفى دا من الله إننا مموتناش من الجوع.
_ بتتريق مش عاجبك! احمد ربنا غيرك مش لاقي اللقمة.
لامست جملته شيئًا ما داخل قلبه حين تذكر موقفًا مع «سليم» حين أراد أن يشتري سيارة جديدة ولم يمضِ على شراء سيارته السابقة ستة أشهر:
_ عربية إيه اللي تغيرها يا ابني! دي عربيتك مكملتش ست شهور. حرام عليك ربنا يحاسبنا!
تذمر «حازم» قائلًا:
_ يحاسبنا على إيه؟ هو أنت بتأفور ليه؟ ما كل الناس بتغير عربياتها على طول جت عليا يعني!
_ يا ابني حرام دا تبذير. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.
صاح «حازم» ساخطًا:
_ يا عم تف من بقك. هتشيطني عشان عايز أغير عربيتي! تبذير إيه دا أنت بخيل وجلدة، واقفلي عالواحدة وبتديني بالقطارة. أنا بعد كدا هتعامل مع سالم. ماليش كلام معاك.
برقت عيني «سليم» من كلماته التي تحمل بهتانًا كبيرًا في حقه:
_ أنا بخيل وباديلك بالقطارة! تصدق إنك إنسان جشع. دا أنت بتاخد مصروف في الشهر قد اللي أسرة كاملة بتصرفه في تلت شهور وبرضو مش عاجبك. احمد ربنا في غيرك مش لاقي اللضى.
_ وأنا مالي ومالهم. ذنب أمي إيه أدفع تمن إن في ناس مش لاقية. كل واحد وظروفه، وأنا ابن الوزان يعني أصرف براحتي. اعتبره من حقي في أبويا.
كان الجشع يتساقط من بين نبرته ونظراته، فتأثر «سليم» كثيرًا من رؤية شقيقه لتلك الدرجة من الجشع، لذا قال بخيبة أمل:
_ بكرة تندم لما النعمة تزول من وشك. وقتها هتعرف إن الله حق.
اخفض «حازم» رأسه ولسان حاله يهتف بحرقة:
_ عرفت إن الله حق يا سليم. عرفت.
سرعان ما زوى ما بين حاجبيه وهو يتذكر كلمات والدته المؤنبة التي قالتها ل«سليم» إثر ما حدث:
_ في إيه يا سليم؟ بتزعق لأخوك وتزعله ليه؟ ما براحته. إيه يعني أما يغير عربيته في السنة مرة ولا اتنين!
«سليم» بحنق:
_ يا ماما أنتِ كدا بتبوظيه! غلط. دا تبذير ربنا ميرضاش بكدا أبدًا.
«أمينة» بغضب:
_ أنت اللي هتعرفني ربنا يا سليم! ويار ترى ربنا بيقولك تقف قدام أمك تزعق بالشكل دا!
_ يا أمي...
قاطعته بحزم:
_ ملكش دعوة بيه، وأوعى بعد كدا تمنع عنه أي فلوس يطلبها، وإلا هتزعل مني. حازم يركب أحسن عربية في أصحابه، هو ابن أي حد دا ابن منصور الوزان.
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يرتفع برأسه لمطالعة «جرير» الذي تفهم ما يمر بداخله، فلجأ للصمت الذي قطعه «حازم» قائلًا بنبرة متحشرجة:
_ الحمد لله على كل حاجة.
_ يلا. عشان هعلمك تصطاد النهاردة.
_ نصطاد سمك؟
خرج الاستفهام مندفعًا من بين شفتيه مما جعل قهقهة قوية تخرج من فم «جرير» الذي صاح بصوت جهوري:
_ يا ابني مكنوش يؤدبوك زمان و يريحونا من غبائك. غزلان يا خفيف.
انتابه الحرج الذي سيطر على لهجته حين قال:
_ يا عم طلعت غصب عني مانا معرفش غيره بيصطادوه.
_ طب قدامي. قدامي ياخويا خلينا نشوف قرفتك هتبقى إيه؟
«حازم» بسخرية:
_ لا بلاش تراهن أنا فقر طول عمري، وإلا مكنتش قابلتك.
جميعنا نملك صندوقًا أسود بداخل قلوبنا تجتمع به جميع الخيبات والخسارات التي لا نجرؤ على التحدث عنها، فذكريات المرء لا تتبخر مع سنوات العمر ولا خيبات الإنسان تمحي آثارها أعظم انتصاراته.
_ صفوت بيه. الست اللي قولتلي أجمع معلومات عنها تبقى مرات مجرم سابق كنت أنت بتحقق في قضيته اسمه جندي الرفاعي. اللي مات محروق في السجن.
تلقى صفوت تلك المعلومات بصدمة، بينما أخذ يتذكر تلك القضية التي قضى بها أكثر من ثلاث سنوات ليتم القبض على أحد كبار تجار المخدرات في البلاد، وحين حالفه الحظ وقام بالقبض عليه توفي بعد سجنه في أسوأ ظروف قد يتوقعها أحد.
لا يعلم لما أخذه عقله إلى تلك القضية ليسترجع تفاصيلها، التي فقد كان بها الكثير من الأحداث المشينة، فهو لا يزال يتذكر ذلك التحقيق الذي أجراه منذ أكثر من تسعة عشر عامًا.
عودة لوقتٍ سابق:
_ ما تجيب من الآخر يا جندي، وتقول مين اللي مشغلك؟
لم ترهبه معالم الرجل الذي يرتسم بهم الإجرام ولا تلك النظرات المرعبة التي تطل من عينيه ونبرته القاسية حين قال:
_ إحنا بنشتغل لحسابنا يا بيه. قولتلك الكلام دا قبل كدا.
زفر «صفوت» حانقًا قبل أن يقول بجفاء:
_ كل الكميات دي لحسابكوا! فاكرني مختوم على قفايا ياله؟
شبح ابتسامة ساخرة لونت ملامحه بطريقة استفزت «صفوت» الذي برقت عينيه حين تمتم جندي بتهكم:
_ لسه واخد بالك دلوقتي!
زمجر «صفوت» بشراسة:
_ بتقول إيه ياله؟ علي صوتك يا روح أمك.
ابتلع جمر الإهانة وهو يرتفع برأسه يناظره بعينين لونتهما السخرية:
_ بقول حاميها حراميها.
برقت عيني «صفوت» بغضب جحيمي واقترب يمسكه من تلابيبه وهو يزمجر بوحشية:
_ تقصد إيه يا ابن الكلب؟
حاول التحدث وهو يجاهد لالتقاط أنفاسه بصعوبة:
_ أنت. عا. عارف. كل. حاجة. وعامل. نفسك. مش. فاهم. عشان اسم العيلة.
انسل من بين يدي «صفوت» الذي أصابه الجمود لكلماته الغامضة والتي فتحت أبواب الجحيم في عقله، فقد كان يشتبه بمصادر أموال شقيقه، ولكنه لم يكن يمسك عليه شيئًا، ولكن الآن دق هذا الوغد نواقيس الشك بعقله، ولكن قاطع تفكيره رنين هاتفه الذي جعله يتقدم ليجيب بجفاء في حديث دام لعدة دقائق، أنهاه وهو يرتفع برأسه يطالع «جندي» بجمود تجلى في نبرته حين قال:
_ ابنك نقلوه المستشفى امبارح الفجر، وحالته خطر. لسه بردو مصر تخبي؟ اعمل خير حتى يقعد لك في ابنك يمكن ربنا يشفيه.
اهتز الرجل بدرجة كبيرة، ولكن أخفى ما ينتابه من ذعر خلف قناع من الجمود تجلى في نبرته حين قال:
_ لو له عمر هيعيش سواء عملت خير أو شر.
زفر «صفوت» حانقًا ثم صاح مناديًا لذلك العسكري ليأخذه إلى الحبس، ولكن قبل أن يغادر تحدث «صفوت» بنبرة ذات مغزى:
_ فكر من هنا للصبح. أنا بايت هنا النهاردة. لو غيرت رأيك عرفني.
تعمقت نظرات «جندي» ب«صفوت» لثوان قبل أن يغادر بصمت.
أخذ «صفوت» يتذكر تلك الليلة في منتصفها حين جاءه أحد العساكر يخبره بأن المسجون بالأسفل يريد التحدث إليه، وبالفعل أرسل في طلبه ليقول المدعو «جندي» بلهجة يشوبها الألم:
_ مش هفتح بوقي بحرف إلا لو شفت ابني!
بدأ الهواء النقي بالدخول إلى رئتيه ليقول بخشونة:
_ موافق. بكرة زي دلوقتي هتشوفه.
«جندي» بنبرة جافة يشوبها الخوف:
_ وافرض مستناش لبكرة؟
_ لو مكتوبلك تشوفه هتشوفه، وبعدين هو خروجك من هنا سهل؟
«جندي» باستفهام:
_ مش خايف أهرب؟
_ لا. أنا وأنت عارفين إنك مش هتعمل كدا.
لم ينسى ذلك اليوم المقيت حين ساعده لرؤية طفله الذي توفي بعدها بثلاث ساعات، فلم يكن يعرف كيف يخبره أو أن كان عليه إخباره من الأساس، ولكنه أرجأ هذا الأمر إلى حين معرفة كل شيء منه، ليتفاجأ بإنذار حريق ضرب الحجز في الأسفل، وحينها توفي الجميع ومن بينهم جندي!
_ يا ترى سيادة النائب فاضيلي شوية؟
هكذا تحدثت «فرح» وهي تدلف إلى غرفة المكتب لتجده يقوم بتحضير حقيبته للمغادرة، وحين رآها توقف عن فعل كل شيء وامتدت يديه ترحبان بها في دعوة صريحة لاقترابها وهو يقول بخشونة:
_ سيادة النائب لو وراه الدنيا كلها يسبها عشان خاطرك.
اقتربت تحوط عنقه بدلال، بينما عاتبته نبرتها حين قالت:
_ جيت متأخر امبارح ومصحيتنيش، وقمت من جنبي الصبح من غير ما تصحيني. كدا عندك غرامة تأخير امبارح وحضور وانصراف النهاردة.
دغدغت خصرها أنامله فيما غازلتها نبرته حين قال:
_ وأنا بقول من امبارح ومزاجي وحش ليه؟
_ ليه؟
استفهمت بدلال كان رائعًا كروعة كلماته حين قال:
_ عشان مخدتش جرعة المهدئ بتاعتي امبارح ولا حليت بالفراولة بتاعتي النهاردة.
_ لا دا كدا خطر على صحتك. تعالي هنا.
اقتربت تعانقه بحنو كان في أمس الحاجة إليه، لتقتلع من قلبه أشواك القلق الذي تعلم كم يؤرقه ويشغل تفكيره، فكانت لحظات هادئة أدت مفعولها جيدًا، فرفع رأسه يطالعها بحب تجلى في نبرته حين قال:
_ ربنا يخليكِ ليا.
_ ويخليك ليا. قولي مفيش جديد؟
عاد الغضب يلوح بسماء عينيه ويتجلى بنبرته حين قال:
_ لسه. محتاجين أي طرف خيط نبتدي منه.
_ طب ما تتكلم معاه.
هكذا تحدثت بهدوء ليجيبها بفظاظة:
_ عشان أثبتله إنه نجح في إنه يلخبط لنا كل تفكيرنا.
_ طب بص. إحنا نمسك الحكاية من الأول، وأكيد هتلاقي حاجة توصلنا لطرف خيط. بس الأول نرتب أوراقنا.
«سالم» باختصار:
_ رتبي.
شرعت في ترتيب أفكارها أولًا قبل أن تقول بعملية:
_ أولًا الولد دا مترباش مع ناجي، ولا اتربى بره مصر. يبقى معناه إنه اتربى هنا، واتربى تربية زي بتوع الجيش والشرطة كدا، ودا طبعًا باين على جسمه وعلى ثباته الانفعالي.
أومأ برأسه ليحثها على الحديث، فتابعت بتعقل:
_ وطبعًا ناجي كون إنه هو أخده وخباه العمر دا كله يبقى غالي عليه، وخصوصًا إنه وريثه الوحيد. يبقى أكيد هيسيبه عند حد محل ثقة مش أي حد والسلام.
بدأت بطرق أبواب موصدة داخل عقله الذي يعمل في جميع الاتجاهات، لتتابع قائلة بحماس:
_ كدا يبقى إحنا بندور على حد من الماضي. حد كان قريب من ناجي زمان. من تلاتة وعشرين سنة وأكيد أكتر، والفترة دي هو كان عايش معاكم، فأكيد كان له حد قريب منه تعرفوه؟ افتكر كدا.
لا يزال على حالته الصامتة يفكر في حديثها ويتذكر أفعال ذلك الرجل، فلم يكن له أصدقاء من وسطهم أو أقربائهم، فقد كان مكروهًا من الجميع، لم يكن يرى معه أحد كثيرًا، فكل من يصادقهم كانوا يشبهونه، ولم يتطرق أحد منهم في التعرف إليهم.
زفر بقلة حيلة وتبلور الغضب بعينيه، فاقتربت منه تجذبه من يده وهي تقول بحماس:
_ كدا مينفعش. قوم تعالي معايا.
زوى ما بين حاجبيه وهو يقول باستفهام:
_ في إيه؟ وخداني على فين؟
«فرح» بغموض وعينين يتراقص بهما المكر:
_ هقولك على الحل السحري اللي بستخدمه لكل مشاكلي، بس فيك مين يحفظ السر.
اندهش كثيرًا من حديثها، ولكن راقت له كلماتها وطريقتها، فترك نفسه لها لتقودها حيثما تشاء، فإذا بها تجذبه إلى السيارة وهي تقول بهدوء:
_ يلا. اتفضل ورانا مشوار صغير.
تقود قلبه بمنتهى الاحترافية التي تجعله يتلقى الأوامر منها لأول مرة بحياته عن طيب خاطر، ولكنها كانت امرأته التي خُلقت منه واكتملت بها، لذا طاوعها دون حديث لتقوده إلى أحد محلات بيع ألعاب الأطفال، وإذا بها تشتري الكثير من الألعاب إلى أن امتلأت السيارة بهم، فلأول مرة يتحدث قائلًا بخشونة:
_ أنا ساكت مش راضي أسألك. بس أنتِ أكيد عندك تفسير.
«فرح» بثقة:
_ طبعًا عندي. يلا بينا.
بعد عشرين دقيقة توقفت السيارة أمام مبنى كبير للأيتام، فترجلت «فرح» لتخاطب الحارس الذي بدا وكأنه يعرفها، فقد كان رجلاً في أواخر الخمسينات يبتسم لها بود وبشاشة، مما جعل بسمة حانية ترتسم على ملامحه وهي تتقدم منه قائلة بلهجة رقيقة:
_ لما بتضيق بيا بفرح غيري، وبستنى نصيبي من الفرحة دي من ربنا.
قادته إلى الداخل ليرتج قلبه من مظهر الأطفال الصغار وهم فرحون للغاية بتلك الهدايا البسيطة وهي بينهم كالفراشة تنشر الفرح بكل مكان، فتضاعف عشقه لها، وخاصةً حين اقتربت تقول بتأثر:
_ فرحتهم متتوصفش إزاي؟ أنا بحس إن قلبي طاير وهو شايفهم فرحانين كدا.
احتوتها عينيه ويديه حين قربها لتقف بجانبه وهو يقول بنبرة عاشقة:
_ دانا اللي قلبي طاير عشان اخترتك من بين كل ستات الدنيا.
التفتت تناظره بحنو وهي تقول بلهجة هادئة:
_ الصدقة دي عبادة عظيمة أوي. أنا لما بتضيق بيا الدنيا بنزل أمشي في الشارع أدور على أي حد محتاج وأساعده. عارف بترفع البلاء، وسبب من أسباب البركة، وبتضيع الخنقة وبتشرح القلب، دوا لكل مرض ملوش علاج. بتطهر المال، وب تأمن الإنسان من الخوف. بتطفي غضب ربنا. الصدقة دي حقيقي من أروع العبادات اللي ربنا أنعم علينا بيها. المفروض إننا نستغل النعمة دي.
كانت كلماتها مهيبة على الرغم من أنه يعلمها جيدًا، ولكنه كان يحب أن يستمع إليها كثيرًا، وكعادته معها يأسر حديثها ويستحوذ على جميع حواسه، فأجابها بحنو:
_ كل كلامك جميل طبعًا، بس صدقيني أنا بطلع حق ربنا من كل قرش بيدخل جيبي.
قاطعته بقوة:
_ عارفه، وعارفه إن في ناس مخصوص بتعمل الموضوع دا. بس صدقني إنك تنزل من بيتك عشان تعمل كدا بنفسك دي ثوابها عظيم، ونتائجها أعظم. إحنا بنصلي ونصوم ونصدق لينا إحنا. ربنا مش محتاج دا، إحنا اللي محتاجينه، وعشان كدا إن شاء الله لينا مشوار زي دا كل شهر على الأقل ننزل بنفسنا ندي ربنا حقه.
كلماتها أضرمت الدفء بين حنايا صدره الذي عاهد ربه صامتًا على أن يكون هذا الأمر منهجًا له في العبادة طوال حياته، ولكنه اكتفى قائلًا بخشونة:
_ بإذن الله طول ما ربنا مطول في عمري هنعمل كدا سوا.
_ ربنا ما يحرمنامنش منك أبدًا ويطولنا في عمرك ويديمك نعمة في حياتنا.
احتواها بحنو، وبعد نصف ساعة كانت السيارة تتوقف في فناء القصر، ليتقابل الثنائي العاشق وجهًا لوجه مع «مروان» العابس الذي قال بتهكم:
_ جوز الكناريا راجعين منين كدا عالصبح؟
«فرح» بسخرية:
_ مجبتش معاك دفتر الحضور والانصراف عشان نمضيه بالمرة؟
«مروان» بسخط:
_ إيه دا إيه دا؟ أنتِ بتقلشي؟ حد قالك إن دمك خفيف؟ لا يا ست حلوتهم أنا بس اللي بقلش هنا، وكمان مش رايقلك.
«سالم» بتهكم:
_ كل دا ومش رايق! ويار ترى مالك؟ قالب وشك ليه؟
_ والله كفاية الخلق اللي معاشرينها اللي تسد النفس دي.
هكذا تحدث «مروان» حانقًا، فأجابته «فرح» بسخرية:
_ تقريبًا كدا مروان متنفضله وواخد استمارة ستة، ودا اللي مزعله.
صاح «مروان» بحنق:
_ ياريت متنفضلي وبس. دانا شايل الطين والسخام على دماغ أمي ولا أكني أنا اللي خبيت المحروس. أنا مالي. راجل خاين وعيل واطي. دخلي أنا إيه؟
غادرهم «سالم» الذي أتاه اتصال هاتفي فتوجه إلى غرفة المكتب، فيما قالت «فرح» باستفهام:
_ أيوا فعلًا أنت دخلك إيه؟
«مروان» بحنق:
_ قولي للبومة اللي فوق دي. كل شوية لو سمحت سيبني عشان عايزة أقعد مع ماما، ولما ماما تنام لو سمحت سيبني عشان متضايقة وعايزة أنام، ولما أقرص عليها في الكلام ألاقي الهانم تقولي ما انت لو مش زي ناجي الوزان كان زمانك قولتلي من أول ما عرفت بوجود هارون. يا بنتي دي أسرار. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي م