تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
الفصل 25 — رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان العشري
تلاحمت قلوبنا فمن يقدر على فراقها؟ واهتدت أرواحنا بعناق الأمل في غدٍ يجمعنا بعالمٍ يخلو من آثام الماضي وأخطاء الحاضر، فأنا بكل ما أملك من كبرياء وألم أحتاجك، ورغمًا عن غروري وعنادك سأصنع من حطامنا جدارًا قويًا تتكئ عليه قلوبٌ أضناها الأسى ولن يروي شجوجها سوى التلاقي.
تالله أستحلفكِ يا حبيبتي باسم الهوى الذي آلف بين قلوبنا يومًا أن تصفحي عن قلبٍ ما أعياه سوى الفراق.
إما أن يقتل وجعه المتمثل بها أو يُقتل عشقًا بين ذراعيها ولو كان قسرًا، لذا قمع رغباته الشيطانية في تلقينها عقابًا تستحقه، وقام بسفح شوقه فوق شفاهها بضراوة أفزعتها، فقد كانت قسوته أمرًا مستحدثًا بينهم، كذلك الألم الباتر الذي يجتاح صدره كلما تردد بمسامعه تصريحها المقيت بكرهها له، فأخذ يقسو في عناقه واحتوائه، وكأنه قاصدًا فرض سطوة وجوده على سائر كيانها الذي كان ينتفض بين يديه، ليكن بمثابة صاعقة كهربائية لقلبه الذي استفاق من لجة الغضب التي اجتاحته، ليدفع بتلك القسوة بعيدًا ويقايضها برفقٍ لا حدود له، فصار ينثر بتلات عشقه فوق ضفتي التوت خاصتها، وفوق قسمات وجهها، وكأنه يعتذر عن قسوته وقسوة العالم معها، مما أيقظ الوجع من ثباته اللحظية، لتجعلها تقول بأسى:
_ ابعد عني.
لم يرتضِ قلبه بغيرها، ولن تكتمل روحه دونها، ولن يقبل الهزيمة أو الارتضاء بفراقها، لذا غمغم بخشونة وهو يشدد من احتوائها:
_ هشش. سيبني أشبع منك وبعد كده اعملي اللي أنتِ عايزاه.
يرى العشق عيانًا في نظراتها، يستشعر الشوق الذي يتساقط مرافقًا لعبراتها، لذا قرر تجاهل صوت الكبرياء الذي يتحكم بها وقال بهسيس خشن:
_ اعتبريها لحظة مسروقة من الزمن. لا أنا ولا أنتِ هنتحاسب عليها، وخليكِ في حضني.
إغواء قاتل لقلبٍ يهفو لنسمة هواء قد تحمل رائحته. ذلك الرجل الذي ينحصر العالم بعينيه، ولو ذاقت من العذاب ألوانًا، يتحول رمادي أحزانها بحضرته إلى قوسٍ زاهٍ مشرق.
_ وحشتني قوي.
تغلب صوت القلب وتولى دفة القيادة، فقام بحملها بحنوٍ اشتاقت له كثيرًا بين يديه، حتى أنها غاصت معه للحد الذي جعلها غفلت عن تلك المسافة التي قطعها إلى غرفتها بالقصر، لتتفاجأ بصوت إغلاق باب الغرفة، فغمرتها موجة حياء قوية جعلتها تتململ بين يديه التي اشتدت وكأنها طوق حديد صُنِع من نيران العشق الغاشم، الذي جعله يزمجر محذرًا:
_ مش هسيبك. متحاوليش.
إعلان رائع كانت أكثر ما تحتاجه في تلك اللحظة، لذا استكانت بين يديه التي أراحتها فوق مخدعها برفق، لتجد نفسها في مواجهة ضارية مع عينيه اللتين تبدلت غيومهما العاصفة إلى أخرى داكنة أذابت عظامها لفرط ما تحمله من رغبة قوية ومشاعر عميقة، ولكنه لم يتحرك أو يقترب أكثر، بل ظل على حالته يطالعها بصمتٍ جعلها تهمس بخفوت:
_ ساكت ليه؟
_ وحشتيني.
باغتها إجابته، وكان الرد استفهامًا محيرًا من جانبها، لما لم تقترب إذن؟ وكأنه استشعر سؤالها ليجيبها بسلاسةٍ أهلكتها تحت وطأة ما تحمل من مشاعر:
_ بملي عيني من ملامحك. اضحكي.
رغمًا عنها تشكلت ابتسامة بلهاء على وجهها من كلمته التي بدت غريبة على الموقف المحيط بهم، ولكنها كانت بمثابة إطلاق سراح لأنفاسه الأسيرة بداخل صدره منذ رحيلها، والآن خرجت بسلام بعد أن قرت عينيه بضحكتها الرائعة.
_ وحشتني ضحكتك قوي.
رغمًا عنها انساقت خلف عشقها، فقد تخدرت أوجاعها أمام كل هذا الهيام الذي تراه يتساقط من بين حروفه المشبعة لقلبها وغرورها الأنثوي.
_ أنت كمان وحشتني قوي. أنا مش مصدقة إنك هنا.
انتشى قلبه بكلماتها التي أوقدت حمية العشق بقلبه، فاقترب يضم رأسه بين حنايا عنقها، تاركًا لشفتيه العنان لتنقش خطوط شوقه الضارية فوق ساحته، فغيبها معه في عالم رائع يعج بمشاعر ضارية، كان ختامه صرخة قوية شقت جوفها حين شعرت بأسنانة القوية تغرز بجلدها الطري، فدفعته عنها بغضبٍ تجلى في نبرتها حين قالت:
_ سليم. وجعتني. أنت بتستهبل؟
باغتها إجابته حين قال بغل:
_ آه بستهبل. زي ما أنتِ استهبلتي كتير وعدتلك. أقولك الصراحة أنا متغاظ منك أوي.
برقت عيناها من كلماته التي أوقدت نيران القتال بصدرها، فدفعته بيديها وهي تقول بحنق:
_ طب أوعى بقى وإياك تقربلي تاني.
لم يتزحزح قيد أنملة، على العكس شدد من إلصاقها به وهو يقول بوعيد:
_ مش عايز أفاجئك وأقولك إني مش هعمل حاجة بعد كده غير إني أقرب منك وأقرب أوي، لدرجة إني احتمال ألبسك كلبشات عشان متبعديش لحظة عني.
توقف عقلها عن العمل لثوانٍ، فكلماته توحي بمدى رغبته في قربها، ولكنها كانت تُقال بطريقة مستفزة، جعلتها تقول بسخرية:
_ ابقى شوف مين هيسمحلك!
_ بقى استغنيتي عني وروّحتي لدكتور نفسي يا ست هانم؟
لا ينفك هذا الرجل يفاجئها، حتى أن عقلها أصبح مرهقًا، وها هي لم يمضِ على وجودها معه سوى عشر دقائق، لذا أدارت رأسها للجهة الأخرى لتطلق العنان لزفرة حارة في العبور من بين شفتيها، علها تهدئ كل تلك النيران التي بداخلها، وسرعان ما توقفت الأنفاس بصدرها حين تفاجأت بشيء رطب يستقر فوق مقدمة صدرها، والذي كان عبارة عن قبلة رطبة نقشتها شفتاه فوق موضع نبضها، وحين التفتت تناظره باغتها حين قال بلهجة تحمل عتابًا خفي:
_ بتقوليله إيه أنا معرفوش؟
همست بأنفاس مقطوعة:
_ بقوله اللي في قلبي.
_ قلبك الخاين بيقوله أسراري ويخبيها عني!
_ قلبي مش خاين، قلبي لقى حد يسمعله من غير غضب وزعل وخناق.
قست عيناه وشابهتها لهجته حين قال بوعيد أخافها:
_ حلو. اديني سبب كمان عشان أخلص عليه!
هتفت بصدمة:
_ ليه بقى؟
«سليم» بنبرة جافة:
_ عشان شاركني في حقي إني أكون أنا الوحيد اللي عارف اللي جواكِ. أخد مساحات مش مسموح له بيها. مساحات تخصني أنا وبس. زي ما أنتِ كلك على بعضك تخصيني.
همست بنبرة ملتاعة تخفي ضجيج قلبها بكلماته العاشقة:
_ أنت عارف كل اللي جوايا بس مش قادر تفهمه.
_ محدش في الدنيا هيفهم اللي جواكِ قدي، ومحدش في الدنيا هيحس بيكِ زيي. حتى لو قسيت، حتى لو اختلفنا، حتى لو الظروف في وقت من الأوقات كانت أقوى مننا، أنتِ ليا بكل ما فيكِ. لازم تفهمي كده.
هتفت بلوعة:
_ سليم.
قاطعها بحدة:
_ متقاوحيش، ومتفكريش إني هقولك متروحيش. بس أنتِ بتضيعي وقتك، دكتورك موجود.
أجابته بعتب لامس زوايا قلبه:
_ الدكتور بيداوي مش بيجرح على فكرة!
رقت عيناه واقترب يزين جبهتها بقبلة اعتذار، غفل عن نطقه ليقول بعبث:
_ أنا بعمل كل اللي تتخيليه واللي مش تتخيليه، والجرح اللي سببته أقدر أداويه، ومفيش في الدنيا حد يقدر يعمل كده غيري ولا ميت دكتور.
اهتزت دواخله وزلزلت كلماته ثباتها، ولكنها لازالت موصولة بحبال جراحها منه، فقالت بجفاء:
_ مشكلتك إنك أناني. بتدي نفسك حقوق وتحرمها عليا.
_ أنا أناني فعلًا. بس أنتِ غبية عشان بتستنيني أديكِ حقوق هي أصلًا من حقك. مش محتاجة إعلان مني بيها.
يلاعبها ويلقي اللوم عليها إذن! تلك المرة باغتته حين قامت بدفعه لتصبح هي أعلاه بحركة خاطفة لم يتوقعها منها، كما كلماتها حين قالت:
_ حقوقي! قولتلي، طب وبالنسبة لغضبك اللي بيخلي قلبي يرجف من الخوف، ياترى له علاج أنا معرفوش دا كمان؟ الداء اللي معتقدش إنه له دوا في أي مكان في الدنيا؟ له عند سيادتك أي اقتراحات؟
تلك الحركة التي فعلتها وعينيها اللتين كانتا تبرقان غضبًا، أثنت عقله عن العمل، ليتوقف كل شيء أمام فتنتها التي يحاول منذ البداية مقاومتها حتى يصل معها إلى برٍ تأمن وقلبه على مرساه، لكن الآن تبدلت الرؤية وأصبح شوقه وفتنتها يتراقصان أمام نظراته بإغواء قاتل لم يسعه تجاوزه، لذا قال بنبرة موقدة وأنفاس مقطوعة:
_ دوايا ودائي في الدنيا أنتِ.
أنهى جملته، وبحركة خاطفة أمسك بيديها اللتان كانت تستند على صدره لتسقط فوق شفتيه مباشرةً، فقد نفذ مخزون الصبر لديه وضاق قلبه بكل ذلك الشوق الذي أغدقها به، حتى وقعت أسيرة بين ذراعيه لا تبغي الرحيل أبدًا، فالأسر بين يديه حرية، والعشق بين ذراعيه حياة لا تبغي سواها، فأخذت تبادله ضراوته بأشد منها، حتى تخلت عنه آخر ذرة تعقل لديه، ليُسقط جميع الأقنعة والحواجز بينهم، ويلتحم شقي الرحى في ملحمة شرسة طالت كل شيء حولهم، وصار صخب أصواتها سيمفونية عاشقة أطربت جدران الغرفة التي شهدت عن اكتمال قلوب ظنت أن الضياع مصيرها الدائم.
عند مرور تلك الآية الكريمة على مسامعه شعر بقشعريرة تضرب سائر جسده، فهل للغفران مجال أمام جبال الذنوب التي تثقل كاهله؟ أيُمكن لذلك القلب الذي لطخت صحيفته بقذارة الفواحش أن يعرف يومًا مذاق العفة؟
أنهى صلاته التي أصبحت أنيسة في صحراء حياته الموحشة، دربه الوحيد للخلاص من كل تلك الذنوب التي تثقل كاهله، ولدهشته العظيمة حين وجد بها لذة رائعة لم يصل لأدنى درجاتها سابقًا، على الرغم من كل ذلك البذخ والحياة الرغيدة والدلال، ولكنه كان غافلًا غارقًا في لذة الحياة الفانية، هائمًا على وجهه خلف شهواتها الزائلة التي لا تساوي مثقال ذرة من ذلك السلام الذي يشعر به الآن، ولكن يبقى السؤال حائرًا بين جنبات صدره: هل يستحق من مثله الغفران؟
قطع حبال أفكاره صوت «جرير» الذي قال بغلظة:
_ تقبل الله.
تمتم «حازم» مجيبًا:
_ منا ومنكم.
مازحه «جرير» قائلًا:
_ إيه يا شيخ حازم؟ أنت أدردرت ولا إيه؟ مالك مسهّم كدا؟
لم يلتفت لمزاحه، بل أطلق العنان لذلك الاستفهام الذي يؤرق لياليه وصباحاته، عله يجد عند ذلك الرجل الضخم إجابة قد يسكن لها قلبه:
_ هو اللي زيه باب التوبة ممكن يتفتح له؟
كان رجلًا ذا شكيمة وعقل راجح، وقد كان يلاحظ بدقة كل ما يحدث مع ذلك الشاب من تخبط واندثار، حتى أنه كان يتقصد تلاوة آيات التوبة التي من شأنها أن تسكن أنات قلبه المتواري في دروب الحيرة، لذا قال بصوته الخشن:
_ بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
واتبعها بآية أخرى أشد وقعًا على قلبه:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
كان يستمع بقلبه الذي يهفو لهذا النسيم العليل الذي أضافته تلك الآيات على مسامعه، فتابع «جرير» بنبرة يشوبها اللين:
_ باب التوبة مفتوح على طول عمره، ما بيتقفلش في وش حد. ربك دا كبير أوي وكريم أوي، ورحمته واسعة بيغفر الذنوب جميعًا، ما عدا حاجتين: الشرك به وحقوق العباد.
اخفض رأسه يروي الأرض بعبراته التي تحمل رائحة الندم والقهر معًا، فهتف بنبرة معذبة:
_ حقوق العباد اللي في رقبتي كفيلة إنها تحنيها دنيا وآخرة وتقفل في وشي كل أبواب الرحمة.
«جرير» بتعقل:
_ ياخي سيبك من ذنوب العباد وارضي ربهم الأول، وهو قادر يحنن قلوبهم وينزل على قلبهم الرحمة والرأفة بيك.
رفع رأسه بلهفة، وكأنه الغريق الذي تلمس قشة نجاته:
_ تفتكر؟ يعني ممكن الناس اللي ظلمتهم يسامحوني في يوم من الأيام؟
«جرير» برزانة:
_ هسألك سؤال يا حازم، وتجاوبني عليه بصراحة.
_ اسأل.
_ في يوم من الأيام اتخيلت إنك تقعد قعدتك دي وتبكي بالشكل ده؟
لاح شبح ابتسامة ساخرة مريرة على شفتيه وهو يتذكر مجونه وتبجحه، وانزوى من بين حاجبيه أسفًا على تلك الأيام التي يتمنى لو أنها صفحات فيحرقها من كتاب حياته.
_ لا.
«جرير» بقوة:
_ يبقى تقول يا رب ومتتقاطعش. اعمل اللي عليك، وقلوب العباد لربهم. أهم حاجة في التوبة إنها تكون توبة نصوحة حقيقية. مترجعش فيها أول ما الكرب اللي أنت فيه يزول. الصدق مع ربنا دا عبادة عظيمة أوي. أوعى تعاهد ربك وتخلف عشان غضبه عليك هيكون عظيم، ووقتها فعلًا هتعرف يعني إيه ندم.
قشعريرة قوية ضربت سائر جسده الذي استنكر ما تشير إليه كلماته، وصاح باندفاع:
_ والله تبت ومن قلبي. والله ندمان ونفسي في أي فرصة تخليني أصحح أخطائي، أمحيها واعتذر لكل اللي أنا ظلمتهم في حياتي.
_ يبقى تسيب كل حاجة لربك. متعرفش بكرة فيه إيه. وبعدين تعالي هنا. أنت هتفضل قاعد كده طول النهار؟ مش ورانا خناقة كمان شهر ونص هضحضح عضمك فيها؟ ما تقوم كده تلعب لك شوية ضغط ولا تجري لك شوية، شوف أما أقولك. أنا مش هسمي عليك، أنا لسه متغاظ من النعجة اللي موتها لي دي وناوي آخد تارها.
ابتسم «حازم» على كلماته المشجعة وقال ساخرًا:
_ يا عم أنا موافق خد تارها دلوقتي، أهم حاجة مكونش شايل ذنبها هي كمان، دانا كده هدخل جهنم بصاروخ.
_ ربما يكفينا شر جهنم. متقولش كده. خليك عندك إرادة، أنت لسه في أول حياتك. خليها أيام تستحق إنها تتعاش. أيام تتحسب لك مش تتحسب عليك. اليوم اللي بيعدي مبيتعوضش.
أومأ برأسه وهو يعبئ صدره من أنفاس الصباح العطرة، ليقول بلهجة هادئة يملؤها التصميم:
_ عندك حق.
فجأة تحول «جرير» إلى وحش بعينين تبرقان ويتناثر منهم القسوة:
_ أنت كلت دماغي عالصبح ياد! قوم فز ورانا تمارين صباحية هتعملها، وشغل كتير هنخلصه، ومن هنا ورايح دا البرنامج اليومي لجنابك، مش فاضي لرغي الحريم بتاعك ده، وانشف شوية مش كل شوية تسحسل في دموع، مش ناقص نكد أنا.
فزع «حازم» من مظهره، وعلى الفور نصب عوده ليتوجه إلى حيث أشار له «جرير»، لينخرط معه في مجموعة من النشاطات الرياضية التي كانت في بدايتها خفيفة، ثم تحولت إلى مضنية، وقد كان هذا أكثر ما يحتاجه في حياته الشقاء، حتى يعلم قدر ما كان يحيا من رخاء ورفاهية.
_ أحكيلي يا ساندي. حاسة بأيه دلوقتي؟
أغمضت عينيها وهي تسحب أكبر قدر من الهواء داخل رئتيها، حتى تستطيع الإجابة بروية على هذا الاستفهام الذي لأول مرة تراوغها إجابته، فقد كانت دومًا تشعر بالسوء، والآن اختلف الأمر كثيرًا، لذا قالت بخفوت:
_ متلخبطة. شوية تايهة، بس على الرغم من كده مرتاحة.
الطبيبة بهدوء:
_ إزاي متلخبطة وتايهة وإزاي مرتاحة؟
ذرفت مشاعرها بأكثر الطرق اختصارًا:
_ متلخبطة عشان أخدت قرار إني أفضل معاه للأبد، وتايهة عشان حاسة إني استعجلت، ومرتاحة أوي وأنا جنبه. يعني حضنه بينسيني كل التوهة واللخبطة دي، والأهم من ده كله إني مبقتش خايفة زي الأول.
أومأت الطبيبة بابتسامة هادئة تلاها استفهامًا مُباغتًا:
_ لسه بتفتكري الموقف اللي عمله معاكِ قبل كده؟
فتحت عينيها على مصرعيها وهي تحاول محاربة شبح ذلك اليوم المقيت، لتقول في نهاية الأمر:
_ أول يومين نام فيهم جنبي، منكرش إني كنت خايفة منه. معرفتش طعم النوم وأنا بتخيل إنه ممكن يهجم عليا في أي لحظة. بس كان بيعمل حاجة بسيطة أوي بالنسبة للي خلتني أحسه.
_ حاجة إيه؟
انسابت عبرات هادئة من عينيها وهي تقول بخفوت:
_ كان بيطبطب عليا. طول الوقت بيطبطب عليا. كأنه بيقول لكوابيسي: أنا هنا جنبها. كأنه بيطرد الشياطين من جوه عقلي عشان متأذنيش.
_ طب لما كان بيعمل كده مكنتيش بتحسي بخوف منه؟
_ أبدًا. كان بيعمل كده بحنية بتخليني مش عايزاه يبطل، وكأنه ده دواء سريع المفعول عشان أنام مرتاحة، وأصحى متطمنة.
الطبيبة برزانة:
_ طب شايفة علاقتكوا فين بعد كده؟
أغمضت عينيها تاركة المجال لمخاوفها في الظهور على السطح:
_ خايفة أحلم إنها تدوم أصلًا. خايفة تحصل حاجة متخليهاش تكمل.
_ أنتِ قولتي لوالدة عُدي كده ليه؟ عشان بتحبيه ولا عشان شايفة إنك أحق بيه منها؟
خرجت كلماتها دون تفكير:
_ أنا أحق بيه من أي حد. هو محتاجني وأنا كنت دائمًا محتاجاله. هو دائمًا كان جنبي وأنا كنت دائمًا جنبه في الوقت اللي هي مكنتش بتتنازل عن ساعة من وقتها عشانه. أنا اللي كنت بهوّن وأطبطب في عز الوجع. عُدي جنبها هيضيع ويتوه، لكن جنبي هيكون في أمان، هيكون مطمن، هيكون بخير.
_ طب وأنتِ عايزاه مطمن وفي أمان وبخير ليه بعد اللي عمله معاكِ؟
كان استفهامًا مُباغتًا أطاح بسدٍ ظنت أنه منيع، ولكن الحقيقة أنه انهار أمام حقيقة تبلورت في إجابة ذلك السؤال:
_ عشان بحبه.
غافلتها الإجابة للحد الذي جعلها تنتفض من نومتها المريحة، لتنظر إلى طبيبتها بعينين تبرقان من وقع المفاجأة، لتقول الأخيرة بابتسامة هادئة:
_ إحنا خلاص خلصنا النهاردة، تقدري تروحي، ووقت ما تحبي حددي ميعاد الجلسة الجاية.
أخذت جملتها تتردد على مسامعها وهي تغادر عيادة الطبيبة النفسية الخاصة بها، حتى أنها لم تلاحظ تجهم ملامحها ولا شرود نظراتها التي توقفت عند ذلك الوسيم الذي يستند فوق سيارته بكسل، واضعًا يديه في جيوب بنطاله ينتظر قدومها، فلم تفته ملامحها ولا تبدل حالها قبل أن تأتي إلى هنا.
تجاهلته والتفتت لتجلس بجانب المقعد المخصص للقيادة، ولكن يديه لم تسمحا لها بفتح باب السيارة حين باغتها مستفهمًا بقلق:
_ مالك؟ في إيه؟ حاجة ضايقتك؟
التفتت تناظره وضجيج جملتها يتردد على مسامعها، فقد أعلنت أنها تحبه. هل فعلًا تحبه؟ أخذت عينيها تبحران على ملامحه بروية، وكأنها تتشربها، فلانت تقاسيمها المتجهمة وتبدلت نظراتها الضائعة إلى أخرى لاح بها شبح لحبٍ دفين لم تتعرف على ملامحه سابقًا، فغفلت عن نظراته التي شابها القلق، ليقترب محاوطًا وجهها بحنوٍ ينافي قلق حروفه حين قال:
_ ردي عليا. أنتِ كويسة؟
_ عُدي!
خرجت حروف اسمه عذبة من بين شفتيها، ولكن جمر القلق كان يحرقه من الداخل، لذا صاح بغضب:
_ ما تقولي حصل إيه؟ الولية اللي فوق دي ضايقتك؟
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بسخط:
_ أنا كان قلبي حاسس إنها بتقوّمك عليا. والله لآطْلَع جايباها من باروكتها الصفرا دي.
بسمة هادئة لونّت ملامحها، جعلت قلبه يخر صريعًا في الحال، وخاصةً حين اقتربت قائلة بخفوت:
_ احضني.
وعلّ الحب عِناق؟
عانقها بكل ما أوتي من شغف، بكل ما يحمل بقلبه من هوى فاض به الصدر، فأخذ يشدد من احتوائه لجسدها حتى آنت العظام، وصرخت وجعًا كان الأجمل والأروع مذاقًا بين كل الآلام التي خابرتها في حياتها.
خيم الحزن على عالمها منذ ذلك اليوم الذي أتى به ورأى ابنته عمّه في قصرهم، تعلم بأنه له حق الغضب منها، ولكنه لها حق العتب عليه، فهي كانت ممزقة بين قسمها بالوفاء لـ«جنة» وبين ولائها لقلبه بألا يكون بينهم ما هو خفي، لذا لامت على قلبه قسوته واختارت أن تبتعد مادام لم يتفهم ثوابت شخصيتها ومبادئها، ولكن لكل منا مبدؤه التي لا تتململ وتتنحى إلا أمام عشقٍ بقدر ذلك الذي يحمله لها بقلبه، الذي أتى به جرًا لعتابٍ تكن نهايته ضحكتها الرائعة ووعدًا بالبقاء إلى الأبد.
_ مكشرة ليه عاد؟ ولا أكمن الدنيا ما تنورش غير بضحكتك البهية بتتجلّى عليها وعلينا؟
دق القلب بل تراقص حين استمعت لكلماته التي جعلتها تلتفت بلهفة لتقر عينيها برؤيته بعد أن أضناها شوقٌ لا يرحم:
_ وه. من ميتا وأنت هنا؟
هكذا تحدثت بتلعثمٍ التقطته عينيه العاشقة، والتي كانت تعانقها بطريقة زلزلت دواخلها وزعزعت ثباتها، وخاصةً حين أجابها بلهجة موقدة:
_ الوقت قدام عينيك الحلوة ما يتحسبش. ممكن أكون واقف من دقايق أو أقل، المهم إني رويت قلبي من شوفتك حتى ولو كان واخد على خاطره.
تلمع الحزن بنظراتها وكذلك لهجتها حين قالت:
_ أنت بردك اللي واخد على خاطرك؟ إيش حال لو مكنتش روحت وجولت عدولي، ولا أكأنك ما صدقت تلقى حاجة تخليك تبعد.
جاءتها إجابته الواثقة لتمحي أي ذرة شك في ثوابت عشقها بقلبه:
_ ما فيش حاجة واصل تقدر تبعدني عنك، ولا حتى أنتِ نفسك. إني زعلت وجوي، لكن ده مش معناه البُعد. لاهو إني كنت لسه دُقت قُربك يا بت الناس عشان أبعد!
غافلتها ابتسامة رائعة زينت شفتيها حين سمعت جملته الأخيرة، والتي قالها بسخطٍ يوحي بمدى شوقه وغضبه من وضعهما، لتقول بدلالٍ أضرم نيرانًا هوجاء بصدره:
_ وهو قُربي ده حاجة هينة أياك عشان تدوجه بسهولة! دا أنت لازم تتمرمط وتتبهدل لحد ما تنوله يا سيد الناس.
دكنت نظراته وتعانقت بهم الرغبة والعشق معًا، ليختصر الخطوات الفاصلة بينهم حتى صارت الأنفاس تتشارك بينهم، وهو يقول بنبرة شغوفة:
_ وإني قابل. أدوق النار وأبلع جمرها عشان أنول القرب. بس كله سلف ودين يا ست البنات، ولما تيجي تحت ضرسي.
صاحت باندفاع تقاطعه:
_ هتعمل إيه يعني؟
باغتها ابتسامته الرائعة وكلماته العذبة حين قال:
_ هخبّيك جوه قلبي وأقفل عليك بميت مفتاح يا نبض القلب وروح الروح.
كادت كلماته أن تصيبها بنزلة قلبية من فرط المشاعر التي قذفتها حروفه داخل صدرها، فخرجت كلماتها مبهورة كحال قلبها تمامًا:
_ وه. أنت بتجيب الحديث الحلو ده منين؟ أنا حاسة إن قلبي هيجف.
_ سلامة قلبك من كل شر. القلب بيقول اللي جواه، وبعدين هو إني مالك غير الحديث على ما ربنا يفرّجها علينا وتنحل عقدتنا.
ابتسمت على كلماته الساخطة، فاستطرد قائلًا بتحذير:
_ اللي حصل خلاص هننساه، بس إني يا بت الناس راجل أحب الوضوح والصراحة. أوعاك تخبي عني حاجة تانية واصل، ومن بعد ما تبقي مرتي مفيش بينا كلمة سر، دي فاهمة؟
أومأت بلهفة:
_ فاهمة.
_ يلا ندخلوا جوه. أمك الغلبانة ما تقدرش توقف قدام القطر أكتر من كده.
ابتسمت على كلماته وتبعته إلى الداخل، لتجد والديها ينتظران في غرفة الجلوس استعدادًا للفطور، ينتظران الجميع حتى تجمعهم مائدة واحدة، خاصةً حين أعلن «صفوت» عن وجود «سليم» قصدًا أمام «عمار»:
_ كويس إنك هنا عشان تقابل سليم، وبالمرة نفطر كلنا سوا.
رفع «عمار» رأسه وهو يبتسم بمكر قبل أن يقول بسخرية:
_ طبعًا ده من حسن حظي. أصله كان واحشني قوي.
ابتسمت «سهام» على كلمات «عمار» وهي تقول لأحد الخدم:
_ لو سمحتي اطلعي نادي على ست جنة وسليم بيه عشان الفطار.
أطاعتها الخادمة باحترام، فتوجه «صفوت» بنظراته لـ«عمار» قائلًا بغموض:
_ فكرني بعد الفطار عشان عايزك في موضوع مهم.
فطن «عمار» إلى مغزى حديثه، فاومأ برأسه دون حديث.
أخذت أنامله تلهو خصلات شعرها المشعث جراء أفعاله العابثة في الليلة الماضية التي شهدت ضراوة عشقهم، الذي تنحت أمامه جميع العثرات وتزلزلت في حضرته عقبات الحياة جميعها، ليغفو أخيرًا بين طيات صدرها هانئًا مرتاحًا، ولو كان ذلك لوقت قليل، فهو يعلم أن الصباح سيأتي بثورة جنونها مرة أخرى، فبالرغم من شوقهم الكبير إلا أنه لم يكن رادعًا لخلافاتهم ولم يحمل حلاً لمعاناتهم.
_ جنة. جنة قلبي. اصحي يلا.
هكذا بدأ يحاول إيقاظها، فتململت بين ذراعيه رافضة أن تعود لواقع قد يعيدها إلى بؤرة الخلاف بينهم مرة أخرى:
_ سيبني أنام شوية. لسه مشبعتش نوم.
_ بطلي كسل. في ناس مستنيانا تحت.
هكذا تحدث وأنفه يداعب أنفها بطريقة دغدغت حواسها، ففكت أسر عينيها لتتفتح رموشها وتسطح سماءها الرائعة أمام أنظاره العاشقة، فاقترب ينثر عشقه فوق جفونها بروية، كانت لها وقعًا قاتلًا على قلبها الذي تراقصت دقاته حد الجنون، ثم انخفض ليزرع الورود بجانب شفتيها المتورمتين إثر هجومه الكاسح ليلة أمس، قبل أن يرفع رأسه وهو يقول بنبرة موقدة:
_ لو تعرفي السلام اللي في عيونك قادر يريح قلبي إزاي؟ مكنتيش تقسي عليه في يوم!
اخترقت كلماته أعماق قلبها الذي ارتج تحت وطأة تأثره، وذلك التوسل الخافت الذي يصل عينيها بخاصته، فوجدت نفسها تهمس بخفوت:
_ أنا آسفة.
_ على إيه؟
_ على كل وجع اتسببتلك فيه. على تعب قلبي وقلبك الفترة اللي فاتت دي. بس أنا كنت خايفة. تايهة. عايزة أخرج من كل اللي أنا فيه بأقل الخساير، ونسيت إني ماليش مكان غير حضنك. فكرت إني بحميك وبحمي نفسي، بس الحقيقة إني مملكتش القوة اللي تخليني أعمل كده.
استمهلت نفسها بعد أن أعطتها عيناه الضوء الأخضر لكونه بانتظار سماع المزيد منها، فتابعت بنبرة يشوبها اللوعة:
_ وجعي وخوفي وقلة حيلتي اتجمعوا واستقووا على قلبي وخلوني أوجعك، وأنا كل اللي بتمنّاه في الدنيا دي حضنك. كنت بخبط بقسى وأنا في عز ضعفي. بضغط عليك وأنا نفسي أترمى في حضنك.
صارحته عينيها بحديث لم تفلح الكلمات في سرده، ولكنها كانت صادقة حين قالت:
_ مش هنكر قلبي وجعني ونار الغضب دبّت فيه لما عرفت إنه عايش، واتجددت كل جروحي اللي فكرتها دبلت، وكان نفسي فعلًا يدوق كل قهره دوقهالي، بس بعيد عنك أنت. أنت عوض ربنا ليا.
أفصحت عينيها عن مكنوناتها وهي تضيف بنبرة عاشقة حد النخاع:
_ أنت اللي جنتي يا سليم. أنا كنت في جحيم ونار بتاكل فيا، وأنت بس اللي دوقتني معنى الجنة. أنت اللي طيبت الجروح وداويت الألم.
تعانقت عبراتها مع كلماتها حين أضافت بعشق:
_ حضنك ده المكان الوحيد اللي ارتحت فيه، وبغبائي كنت هضيعه من إيدي. سامحني.
كانت كلماتها أكثر مما حلم يومًا، تحمل من الصدق ما جعل قلبه يرق حد الذوبان وروح ترفرف حد أن تطير بأجنحتها في سماء العشق، الذي جعله يقول بحنو:
_ أسامحك! أسامحك إنك أدّيتيني أحلى حاجة في حياتي. وجودك ده أحلى حاجة حصلتلي يا جنة. أنا اللي جنتك! أومال أنتِ تبقي إيه؟
ملّست أناملها على وجهه وهي تقول بحنو:
_ أنا عايزة أكون كل حاجة حلوة ليك.
ـ أنتِ فعلًا كده وأكتر كمان، وأنا اللي آسف مليون مرة على كل حرف قلته اتسبب في وجعك. يوم موت مروة كان يوم من أصعب أيام حياتي.
_ قست نظراته وتبلور بهم الألم حين قال:
_ تخيلي إنسان يموت بسببك وبين إيديك، وكل ذنبه إنه أنقذك من الموت! مروة جت برأتني عشان عارفة إن فراقك والموت عندي واحد.
تابعت يديها إضفاء السكينة على ملامحه المتجهمة في صمتٍ أتاح له فرصة مواصلة الحديث، قائلًا:
_ نفس اللي حصل معاكِ بالظبط. اجتمع غضبي وحزني وقلة حيلتي، ولقيت نفسي بطلع كل ده فيكِ، بالرغم من إن كل اللي كنت بتمنّاه في اللحظة دي حضنك وأعيط لحد ما نفسي يتقطع، لحد ما كل الوجع ده يروح ويختفي.
زفر ذرات الوجع العالقة بقلبه قبل أن يقول بلهجة هادئة:
_ مشكلتنا إننا اخترنا نرمي ذنوبنا على بعض، وفكرنا إن ده ممكن يريحنا، بس لو كنا دفناها في حضن بعض كنا ارتحنا فعلًا.
احتوت برأسه بين ذراعيها وهي تقول بمؤازرة:
_ عندك حق في كل كلمة قولتها، وأنا من النهاردة مش هبني بينا حيطان تاني ولا هسمح لحاجة تحرمني منك، هجري أترمى في حضنك حتى لو كنت أنت اللي موجعني.
أضاءت ملامحه ابتسامة عاشقة أظهرت ذلك الجويف الرائع في إحدى خديه، فاقترب يقتطف وعدها من فوق ضفتي الفراولة خاصتها بروية وشغف أذاب عظامها، ليفصل اقترابهم قائلًا بلهجة عاشقة:
_ أنتِ جنة قلبي ونور عيني، وطول ما أنا عايش مفيش وجع هيقرب من قلبك أبدًا.
_ توعدني؟
_ أوعدك وأدي إمضتي كمان.
اقترب ينقش وعده فوق موضع نبضها، يتلمس بشفاهه جلدها الأبيض قبل أن يرتفع برأسه يطالعها بعشقٍ سطرته حروفه حين قال:
_ حب الدنيا كله ميغلاش عليكِ، ياللي الروح استكانت بوجودك، والقلب نجاته كانت على إيديكِ.
خضت حربًا في اليوم الواحد، وعندما ألتقيكِ تسقط الراء ولا أتذكر شئ سوى وجودك بين أحضاني، حينها تتلمس روحي معنى السلام ويغفو قلبي آمنًا مطمئنًا.
كان الصباح مشرقًا كحال تلك الحورية النائمة على صدره بملامح فاتنة تحمل سلام العالم أجمع، تخبره بأن القادم رائع وأن المستقبل زاهي وأن تلك العقبات والأزمات ليس لها وجود.
امتدت يديه ترسمان ملامحها المنحوتة فوق جدران قلبه الذي يضج عشقًا وهيامًا، لا يعلم من أي جهة تسرب إلى قلبه؟ ولكنه عاشق لتلك المرأة لدرجة لم يتخيلها بحياته.
_ يا ريت كل حاجة في الدنيا تبقى شبهك.
خرجت حروفه همسًا عرف طريقه لقلبها، فبدأت ترفرف برموشها لتفتح أمامه مقاليد جنته بين عينيها الخضراء التي تحمل شعار السلام لعالمه.
_ صباح الخير.
هكذا تحدثت بنبرة متحشرجة دغدغت دواخله وأضرمت نيران الرغبة بثباته، لذا اقترب يلحم أنفه بخاصتها وهو يقول بنبرة موقدة:
_ صباح الفرح.
امتدت أناملها تسكب السكينة فوق ملامح وجهه وهي تقول بلهجة محبة:
_ يا رب يجعل حياتك كلها فرح.
أشرقت ملامحه بابتسامة رائعة وهو يقول بنبرة خشنة:
_ دي أجمل دعوة سمعتها في حياتي.
تراقصت البسمة على شفتيها حين سمعت كلماته، فاندفعت تمازحه قائلة:
_ طب يا رب يجعل في طريقك فرح، وفي صباحك فرح، وفي مسائك فرح، وفي حياتك فرح، وكل حاجة فرح في فرح.
قهقهة رائعة خرجت من بين شفتيه وهو يضمها لصدره قائلًا بصدق:
_ يا رب يا أحلى فرح في الدنيا.
عانقته بقوة ورأسها يستريح على موضع نبضه لتقول بحنو:
_ حساك أحسن النهاردة.
_ طبيعي وأنتِ جنبي هكون أحسن. اجلي إحساسك لما أنزل للغجر اللي تحت عشان تعرفي تحكمي صح.
هكذا تحدث بسخرية قابلتها مازحة:
_ طب ما إحنا كده عندنا الحل. كل ما الغجر اللي تحت يزهقوك هاجي أحضنك جامد أوي تقوم تبقى أحسن. إيه رأيك في الاقتراح ده؟
تراجع لينظر إلى داخل عينيها وهو يقول بنبرة رخيمة:
_ ليه الدنيا كلها متبقاش أنتِ وحضنك وبس؟
_ عشان أكيد هتزهق.
جملة كان يشوبها استفهام خفي جعله يقول بتخابث:
_ ما يمكن أنتِ اللي هتزهقي!
«فرح» بعشق تبلور في ملامحها ونظراتها وكذلك كلماتها حين قالت:
_ جنة حضنك دي نعمة ربنا اختصني بيها وأنا مقدرش أجحد بنعم ربنا عليا. تقولي أزهق! دانا لو عمري الجاي لحظة هختار أعيشها في حضنك.
عانقتها نظراته بشغف قاتل جعل الحروف تتلعثم فوق شفتيه لأول مرة، لا يعرف كيف يجيبها، بل لأول مرة يقف عقله عن العمل كليًا أمام عذوبة كلماتها وروعة نظراتها في تلك اللحظة.
_ غلبتيني يا فرح. أول مرة في حياتي أبقى مش عارف أقول إيه؟
تغنجت واضعة مرفقها تستند فوق ساحة صدره قائلة:
_ مش أول مرة أغلبك يا عيون فرح.
رفع إحدى حاجبيه إثر كلماتها، بينما تلكأت نظراته فوق مفاتنها الواضحة كالشمـس أمامه، تغريه بالاحتراق بين جنباتها، ليقول بهسيس خشن:
_ شامم ريحة غرور كدا مش مريحاني.
_ و متتغرش ليه؟ تقريبًا كده في واحد قالي: زلزلتِ عرش الوزان يا فرح. يبقى أتغر ونُص ورباع كمان.
هكذا تحدثت بدلالٍ كان يقوده إلى الجنون، فقام بعض شفتيه السفلية قبل أن يقول بوعيد:
_ هو إحنا فينا من كده؟ مش قلت دا سرنا؟
_ وهو أنا خرجته بره لا سمح الله؟ دانا حتى كتوّمة أوي والله.
عانقت يديه خصرها لتطفو بجسدها فوق ساحة جسده وهو يطالعها بشغفٍ أذاب عظامها، كما فعلت لهجته حين قال:
_ طب بما إنك كتومة بقى، ما تيجي أقولك على سر خطير.
نفذت سهام إغوائه إلى سائر جسدها، فتلاشى ثباتها أمام غزوٍ ضارٍ لا تجرؤ على مقاومته، فقالت بنبرة شغوفة:
_ بموت أنا في الأسرار يا وزان قلبي.
جملة فتحت أبواب الجنان على مصرعيها، فصار يغترف من خزائن نعيمها، ينهل من عذب شهدها، يتمزز من بحور هواها بنهم قاتل، وبالمقابل يغمرها بسيل عشقه الشره لها، ينقشه فوق معالم جسدها الذي كان يستجيب له بكل ما يمتلك من أحاسيس لم تعرف بوجودها سوى معه، ذلك الرجل الذي حطم قيود لعنتها وفك أسر قلبها، محررًا أجنحته لتعبر فضاء العشق الفسيح معه، والذي لا ينتهي مهما بلغت ضراوته.
ارتمت على صدره لاهثة، راضية، ممتنة لقدرها الجميل الذي جمعها بذلك الرجل الرائع، الذي لا تفلح الكلمات في وصف مدى عشقها له.
_ إحساسي بيكي في حضني دا أحلى إحساس حسيته في حياتي.
كانت جملته رائعة، خاصةً حين اتبعها بقبلة رقيقة فوق جبهتها، ليخبرها كم أنها أكثر من مرضية له كرجل، وعلى الرغم من قلة كلماته العاشقة لها، إلا أنه دائمًا ما يعزز من غرورها الأنثوي بكلماته البسيطة التي تشعرها بأنها ملكة متوجة على عرش النساء، لذا التفتت تعانقه بقوة وهي تقول بنبرة عميقة صادقة:
_ ربنا يخليك لقلبي.
بعد مرور نصف ساعة كانت تنزل معه الدرج، تمسك بيده كزهرة متفتحة في ريعان ربيعها، تشع جمالًا يخطف الأنظار والقلوب، وقد كانت «أمينة» أول من وقع عينيها على ذلك الثنائي الرائع، فابتهج قلبها عند رؤيتهم، وهمست تتلو آيات الذكر الحكيم لتحفظهم من كل شر، فلاحظ «مروان» تأثرها، فالتفت ليرى إلى ماذا تنظر، فإذا به يتفاجأ بقدومهم، فهتف بصياح:
_ صباح الفل على عم الكل.
التفت الجميع إثر جملته إلى الوافدين، لتتوالى عليهم تحية الصباح، ويقول «مروان» بمزاح:
_ منصور عامل إيه يا أم منصور؟
أغاظت «فرح» من ذلك الاسم وتكراره على مسامعها، لذا قالت بحنق مكتوم:
_ مصدّع. ياريت تحرمنا من صوتك البديع عشان إحنا لسه عالصبح.
واصل استفزازها قائلًا:
_ لا معلش بقى، منص حبيب عمه استحالة يصدع من صوتي. ده أنا الحاجة الحلوة اللي هينزل يقابلها في الدنيا دي.
«فرح» بسخرية:
_ لما دي أحلى حاجة إنه هيقابلك، أومال أنيل حاجة تبقى إيه؟
_ إنك أمه.
تدخل «سالم» محذرًا:
_ لم لسانك أحسن لك.
«مروان» بسخط:
_ لا بقى يا كبير، أنت كده مش بتعدل. هي اللي ابتدت.
تدخلت «فرح» بسخط:
_ هو أنت ضرتي ولا حاجة؟
«مروان» بغرور:
_ ضرتك؟ حصلت تحطي نفسك في مكانة واحدة معايا؟ لا ده إحنا كده لازم نحط النقط على الحروف بقى، وكل واحد يعرف مكانه!
تدخل «سالم» مبهوتًا من حديثه:
_ مروان أنت ليه محسسني إني واعدك بالجواز!
مروان باندفاع:
_ أنا ابنك الكبير وأنت باصم على الموضوع ده، وفي حضن بينا في الغيطان يشهد بكده. وبعدين هو كل حاجة جواز؟ فيه حاجات أهم بكتير، وعلاقات أسمى من كده.
هنا اندفعت «همت» قائلة:
_ ابن حلال. أياك بقى تصدعني كل شوية عايز أتزوج، عايز أتزوج. بما إن فيه علاقات أسمى، روح دور لك على بغل زيك اتبناه وسيب لي بنتي.
تدخل «طارق» بسخرية:
_ هدف قاتل في مرماك، وريني هتصد إزاي يا معلم.
برقت عيني «مروان» من حديث «همت» فقال بصدمة:
_ الاه! أنتِ قاعدة هنا من امتى؟ مش تكحي ولا تعطسي ولا تعملي أي منظر؟ وبعدين هو أنا عايز أتزوج بنتك ليه؟ مش عشان أجيب لك أحفاد تتلهي فيهم؟ وأهو بالمرة أحسن النسل في عيلتكم.
تدخلت «سما» قائلة بحدة:
_ ليه؟ وحد قالك إن نسلنا وحش ولا حاجة؟
تحولت نظراته إلى أخرى عاشقة وهو يقول بمغازلة:
_ الكلام مش ليكي يا حلو أنت. هو أنتِ في زيك يا بالوظة أنت.
_ احترم نفسك يا واد أنت. بتعاكسها قدامنا!
هكذا صاحت «همت» فأجابها «مروان» بتذمر:
_ ما أنتِ لو بتسبيني أعاكسها من وراكِ مكنتش فتحت بقي قدامك. قاطعه عليه مية ونور. حسبي الله ونعم الوكيل.
تدخلت «أمينة» التي التقطت عينيها تلك الفتاة التي كانت تقدم خطوة وتؤخر أخرى، فنادتها بحنو:
_ تعالي يا لبنى يا حبيبتي. واقفة عندك ليه؟
صاح «مروان» بمزاح:
_ خدي يا لولي. تعالي عشان تدافعي عني ضد هجمات السلطعون المتكررة. تعالي يا حليفتي اقعدي جنبي.
في البداية كانت محرجة، ولكن كلمات «مروان» بدلت حرجها إلى ذهول جعلها تقول بصدمة وهي تتقدم لتأخذ مقعدها بجانب «أمينة»:
_ أنا حليفتك! حليفتك في إيه؟
«مروان» ساخرًا:
_ في أي حاجة. المهم متضربش آخر اليوم لوحدي.
قهقه الجميع على كلماته، فيما ارتسمت ابتسامة خافتة على ملامحها، فقد بدت كطفلة ضائعة تشبه أخرى انشرح قلبها حين رأتها، فتقدمت قائلة بلطف:
_ أنا ريتا وأنتِ لبنى، صح؟
«لبنى» بخفوت:
_ صح. عاملة إيه؟
«ريتال» ببراءة:
_ من بره حلوة، من جوه زعلانة.
تدخل «مروان» ساخرًا:
_ ابتدينا جو الأرامل أهو. زعلانة ليه يا حزينة الأمل؟ سبونش بوب خلى بيكِ ولا مش لاقيين بامبرز في السوق!
التفتت «ريتال» تناظره بعينين تبلور بهما الحزن الحقيقي، والذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ لا دا ولا دا. بس كنت فاكرة إني عمري ما هزهق هنا ولا هحس إني لوحدي. بس لقيت نفسي لوحدي وأكتر من الأول كمان.
كانت كلماتها لها وقع السوط على قلب ذلك الذي كان قادمًا من الخارج، لتستوقفه كلمات صغيرته التي لم يعلم يومًا ما هي الطريقة الصحيحة للتعامل معها، وأتت كلمات «مروان» لتزيد من لوعته حين قال:
_ حقك يا بنتي والله. بس معلش أبوكي راجل مشغول لدرجة إنه ممكن يقضي خمس ست ساعات بيتمرن عشان عضلة التراي متاخدش على خاطرها، فمش فاضي يقول: أما أفسح بنتي ولا أخرجها. اعذريه، المسؤولية كبيرة عليه. في رقبته كوم عضلات بيجري عشان يربيهم.
كان يتقصد كل حرف يتفوه به، وعلى الرغم من أن كلماته مستفزة، ولكنها كانت صادقة إلى حد كبير، لذا تدخلت «شيرين» قائلة بحزن مفتعل:
_ كده حرقتي المفاجأة يا ريتا؟
تبلور الحماس في عيني الطفلة وصاحت باستفهام:
_ مفاجأة إيه؟
«شيرين» بحنو:
_ بابا كان متفق معايا إننا هنخرج بكرة ونروح الملاهي سوا، وكان محلفني مقولكيش عشان تبقى مفاجأة.
_ بجد يا أنطي شيرين؟
«شيرين» بطريقة مسرحية:
_ ومش كده وبس، لا. ده كمان كان ناوي إنه ييجي يحضر معاكِ الحفلة بتاعة النيو يير اللي في المدرسة، بس اشترط عليا إنه هو اللي يختار لك لبسك. قولتله لو وافقت يبقى تمام.
_ موافقة طبعًا. بس افرض كان ذوقه وحش زي عمو مروان هعمل إيه؟
تدخل «مروان» ساخطًا:
_ يادي النيلة على مروان وسنينه. أنتِ يا بت حد كلمك. لما أنا ذوقي وحش، أبوكي ذوقه إيه خراوي؟
«شيرين» بتحذير:
_ اتلم أحسن لك، ذوقه أحسن ذوق في الدنيا. كفاية إنه اختارني.
«مروان» بتهكم:
_ دي بجملة عمايله السودا. دي من علامات سوء الخاتمة يا بنتي.
كان غائبًا عن هذا الحديث الدائر بينهم، فقد كان هناك ما يشغله، ولم يغب ذلك عن عينيها، مما جعلها تقترب منه قائلة بخفوت:
_ في شبه منها؟
وصل إلى عقله المغزى خلف سؤالها، وقد أعجبه كثيرًا كونها تشاطره ما يفكر به، حتى ولو لم يُفصح عنه، لذا أجابها بخشونة:
_ نظرة عينيها، ورفعة حواجبها لما بتتعصب. حتى حركة وشها لما بتتريق.
_ الولد ده مترباش بره مصر. الولد ده اتربى هنا وفي مكان كان متساب فيه على سجيته. الغرب بيعرفوا يتحكموا في انفعالاتهم أوي، ودايمًا التحفظ بيكون مسيطر عليهم، خصوصًا لو في موقف هارون ده.
التفت يناظرها بأعينٍ تبلور بها الإعجاب، قدام صمتٍ بالف حديث بينهم، قاطعه حين قال بخشونة:
_ تعالي ورايا عالمكتب.
استأذن من الجميع وخرج وهي خلفه، فجاءها صوت «مروان» العابث:
_ أيوا الزقيلة ياختي. الزقيلة بعد كده هنجيبك من جيب الجاكت بتاعه.
التفتت تناظره شذرًا قبل أن تقول بشماتة:
_ اهري يا مهري وأنا على مهلي.
ثم انتقلت عينيها إلى «لبنى» التي كانت مبهورة بسلاسة ما يحدث حولها وبساطته، لتقول «فرح» بمزاح:
_ اختاريلك أي حلف غير الواد ده. إحنا باعتين ملفه للسرايا الصفرا.
انطلقت الضحكات حولهم، فيما تركتهم هي وذهبت إلى حيث ينتظرها لتدلف إلى داخل الغرفة وتغلق الباب خلفها، فإذا به يأمرها قائلًا:
_ بالمفتاح. اقفليه بالمفتاح وتعالي.
على ضجيج قلبها وتراقصت دقاته وهي تطiعه، لتتوجه إليه بخطٍ متغنج تحت أنظاره التي كانت تبحران فوق قسماتها بشغفٍ شمل جسدها بأكمله، لتستقر على شفتي التوت خاصتها، حين توقفت أمامه مباشرةً تستند على المكتب خلفها، فظهر بوضوح بروز بطنها الذي يحمل ثمرة عشقهم، فامتدت يديه تُمسدها براحة قبل أن يقول بلهجة خطرة:
_ من امتى وأنتِ بقيتي قريبة مني كده؟
أجابته بلهجة شغوفة خافتة:
_ من زمان أوي.
_ لدرجة إنك تفهمي وتعرفي بفكر في إيه من غير ما أقول؟
كانت النظرات التي تُطل من عينيه تُذيبان عظامها من فرط الشغف الذي نشب بسائر جسدها، فجاءت لهجتها خطرة حين قالت:
_ وأكتر من كده كمان. أنا لما بتتنهد بعرف التنهيدة وراها إيه؟ حزن، غضب، قلق.
عض على شفتيه بطريقة أضرمت نيرانًا هوجاء بثباتها، الذي تلاشى أمام تنهيدة قوية أطلقها من جوفه، تلاها كلماته حين قال بنبرة موقدة:
_ طب تقدري تقوليلي التنهيدة دي وراها إيه؟
كانت تشاطره رغبات القلب والجسد معًا، تحفظ عن ظهر قلب تقلب قوس عينيه الذي كان أكثر ما يميزه، ذلك الظلام الذي يجتاح عينيه حين يرغبها، لذا قالت بنبرة حارقة:
_ وراها شوق كبير أوي. نار عايزة اللي يطفيها.
أجادت وصف ما بداخله، فلاحت ابتسامة خطرة على ملامحه حين قال بخشونة:
_ طب وأيه ورا النار دي؟
_ أول مرة حاجة تستعصي على سالم الوزان. دا حدث قادر يسبب براكين مش مجرد نار.
دام الصمت لثوانٍ قبل أن تخترقه قهقه قوية تحمل رذاذ الغضب، الذي جعله يقسو على خصرها وهو يجذبها لتستقر بين ذراعيه قائلًا بحنقٍ يحاول كظمه قدر استطاعته:
_ عارفة أول مرة في حياتي أحس إني عايز أضرب حد لحد ما يموت في إيدي. عايز حقيقي أكسر عضمه عضمة عضمة لحد ما نفسه يتقطع من كتر الوجع. إزاي كان قادر يكون قذر كده معاها بالرغم من إنها رفعته وخلته بني آدم بعد ما أبوه رماه زي الكلب؟ إزاي الإنسان قادر يكون وحش كده!
امتدت أناملها تُمسد ذلك العرق النابض بالغضب في صدغه الأيمن في محاولة ناجحة منها لتهدئة نيران غضبه الموقدة، تلاها كلماتها الهادئة:
_ مشكلة الإنسان الكويس إنه دايمًا بيستنكر الوحش لما يشوفه. عشان بيحكم على الناس من منظوره ومن رؤيته. يعني أنت كنت عارف إنه وحش بس مش بالصورة دي. لكن طلع أوحش، وده سبب غضبك دلوقتي.
أومأ برأسه وهو يقول بجفاء:
_ إزاي هقولها إن ليها ابن بعد السنين دي كلها؟ إزاي هقولها إن الذلة اللي كان ماسكها لها طول حياتها كانت مجرد وهم استخدمه عشان يدبحها بيه كل لحظة؟ دي ممكن تموت فيها!
تابعت منحنى الهدوء معه وهي تحاول امتصاص أكبر قدر من غضبه حين قالت:
_ مش يمكن العكس وتكون دي المعجزة اللي هتحييها وتخليها تطمن وتحس إن الحياة ضحكتلها ولو لمرة واحدة!
لأول مرة يحمل استفهامه رائحة التوسل:
_ تفتكري؟
_ أنا متأكدة من كده. ناجي حالته مشخصة من زمان إنه مريض نفسي وهي عارفة كده، ومتوقعة منه أي شيء. مش هتتفاجئ إنه عمل كده، لأنها أكتر حد عاشرته، وبالتالي عارفة.
هدأت كلماتها من غضبه قليلًا، فأخذت عيناه تستعرضان ومضات من الذاكرة التي تحمل مواقف مهينة لذلك الرجل حولته من إنسان إلى مسخ، فتحدث بأسى حقيقي:
_ عارفة يا فرح، فيه مشكلة قاتلة دايمًا بيقع فيها الناس وبتتسبب في كوارث بيدفع تمنها الكل، حتى المذنب والبريء.
_ إيه هي المشكلة دي؟
«سالم» برزانة:
_ المقارنات. المقارنات دي بذرة الفتن في كل بيت وعيلة.
ضاقت عينيها بعدم فهم، ليتابع بخشونة:
_ لما تفضل تقارن بين ابنك وابن اختك وتقوله: ده أحسن منك. ده مجتهد وناجح عنك. الكلمتين دول لوحدهم قادرين يهدموا طموح إنسان ويحولوه لمسخ بيكره كل اللي أحسن منه.
أومأت برأسها مؤيدة حديثه:
_ فعلًا عندك حق.
_ أنا افتكر زمان قد إيه عمي رفعت كان قاسي مع ناجي لمجرد إنه مش ناجح في التعليم، وكان دايمًا يقارنه بوالدي. ونسي إنه كان ناجح في الزراعة والفلاحة وكل الأنشطة اللي من النوع ده. كان ممكن بشوية تشجيع يكون أحسن من كده، بدل تكسير الماديف والمعايرة بحاجة مش في إيده، وعلى فكرة ده سبب توتر علاقة أبويا الله يرحمه بعمي. المقارنات بردو من الأهل والعيلة، وده اللي خلاه يهرب لبعيد عشان يتفادى أي كلمة ممكن تهبط عزيمته أو تدمر طموحه. والنتيجة إننا مشتتين أهو، وأولاده فين وفين لما عرفوا إن لهم عيلة محتاجينهم.
احتوت رأسه بين ذراعيها وهي تقول بمؤازرة:
_ كل حاجة هتتصلح إن شاء الله وهيلم شملكم من تاني، أنا واثقة فيك. أنت تقدر تعمل كده.
ما كاد أن يجيبها حتى وصل إلى مسامعهم أصوات جلبة في الخارج اخترقت صفو العاشقين، فتوجه «سالم» ومن خلفه «فرح» لمعرفة ماذا يحدث، فتفاجأ الجميع بذلك الضخم الذي قال باستمتاع:
_ أهلًا يا ولاد خالي، والله لكم وحشة كبيرة أوي.