تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
الفصل 31 — رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نورهان العشري
اخترق الصوت خلوتهم فارتعبت المرأة، فنهرها الحارس قائلًا:
_ لفي من الباب التاني بسرعة.
أطاعته بلهفة، بينما هرول الحارث لرؤية مصدر ذلك الصوت. ولكنه وجد قطة صغيرة قد أوقعت أحد أواني الزرع فتحطمت. بالرغم من كل شيء، أخذ يمشط المكان بنظراته لمعرفة إن كان هناك أحد قد رآهم أم لا. ليعود بنظراته إلى تلك المزهرية المحطمة ليجذبه شيء لامع من بين حطام الآنية، والذي لم يكن سوى قرط ماسي صغير. وهذا يعني أن امرأة كانت هنا، ولكن من تلك المرأة؟
_ أنتوا مش هتكبروا أبدًا!
هكذا تحدث سالم غاضبًا، فأجابه مروان بملل:
_ والله قوله الكلام ده. أنا كنت قاعد في حالي، قام زي الطور يجري ورايا، ويقولي هخلص عليك. يرضيك يا كبير!
جن جنون سليم من كلماته وصاح غاضبًا:
_ بقى أنا جريت وراك من الباب للطاق كدا! مش أنت اللي لسانك فالت ولبستني في حيط!
مروان بجدية زائفة:
_ يا عبيط افهم. أنا بعمل لمصلحتك.
سليم باستنكار:
_ مصلحتي! تخرب بيتي وتقولي مصلحتي!
ضاق ذرعًا من أولئك الحمقى فتركهم ليتوجه إلى الداخل ليجيب على هاتفه، بينما تابع مروان موضحًا:
_ هي البت جنة مش المفروض عرفت قيمتك وربنا هداها وبدأتوا صفحة جديدة؟
سليم بجفاء:
_ مفروض طبعًا، قبل ما تتنيل أنت وتبوظ كل حاجة.
مروان بتوضيح:
_ يا ابني وأنت تضمن منين إن الكلام ده صح. أنتوا اتصالحوا بالليل ولا بالنهار؟
تذكر سليم تلك الليلة الرائعة التي قضاها بين ذراعيها، فلانت ملامحه وارتسمت ابتسامة رائعة فوق شفتيه. فصاح مروان قائلًا:
_ بدل ضحكت كدا يبقى بالليل.
زجره سليم قائلًا بجفاء:
_ اتلم يا زفت أنت.
_ يا ابني مش القصد. بس أنا عارف الحريم. وبعدين كلام الليل مدهون بزبدة، يطلع عليه النهار يسيح. يبقى لازم يكون في اختبار قوي لمدى ثقتها فيك، وإنها فعلاً اتغيرت ومش هتقعد تقرفنا كل شوية غضبانه. فاضيين إحنا؟
لوهلة أقنعه ذلك الوغد بوجهة نظره، فأجابه سليم بتفكير:
_ أيوا. وبعدين هي لازم تكون عارفة إني عمري ما أعمل حاجة وحشة تغضب ربنا. الموقف كله كان غصب عني، ومكنش في وقت حتى أعترض.
مروان باندفاع:
_ تعترض إيه! أنت تطول؟
_ بس يا زفت أنت.
تابع مروان إقناعه قائلًا:
_ يا ابني مش القصد. بس أنت راجل مُرزق، حد يقول للرزق لا! واقف لا بيك ولا عليك لقيت واحد بيحط مزة في حضنك هتقوله لا!
سليم باحتقار:
_ تصدق إنك واد عينك زايغة وواطي! ولسه بتلوم على طارق! أنت يا ابني مش متجوز؟
مروان باندفاع:
_ والمصحف ما حصل. أنا متجوز! كان على عيني.
سليم بحنق:
_ اومال سما دي تبقى إيه؟
مروان بتهكم:
_ تكفير ذنوب. أو تقدر تقول عملي الأسود في حياتي، هي وعمتك.
سليم بتقريع:
_ يا ابني افهم. سما بتمر بمرحلة صعبة، هي وعمتك وشيرين. لازم تقف جنبها.
مروان بحنق:
_ والمصحف هموت وأقف جنبها، هي اللي مش راضية. يا بنتي أنا جوزك. طب ابن خالك. طب سبيني أعمل أي منظر، مفيش. عندك امبارح قعدت أطبطب وأنهن وأسف على ناجي وعلى شجرة العيلة نفر نفر عشان خاطرها، وربنا هداها. طلع النهار العفريت حضرتك، وهوب سابتني وراحت تزور أمها لوحدها. على الرغم إننا متفقين نروح سوا.
سليم بتفكير:
_ هي سما تحسها غريبة فعلًا.
مروان بحنق:
_ غريبة ومريبة، واحتمال تكون ملبوسة كمان. ماهو أنا أصلي مبخت.
لفتت انتباههم جوهرة التي تقدمت إلى الداخل، فاستفهم سليم قائلًا:
_ هي إيه الدنيا؟
مروان بسخرية:
_ الدنيا خربانة. الست جوهرة عينها من الكبير، وفرح بكرشها ده يا عيني مش عارفة تعمل إيه ولا إيه!
تنبه سليم لكلماته، فقال مصدومًا:
_ بتقول إيه؟
مروان بحنق:
_ اللي سمعته. حركاتها وتلميحاتها مقفوشة أوي.
سليم بتحفز:
_ ده حنا على كدا لازم ننبه سالم.
مروان بسخرية:
_ سالم مين اللي تنبهه؟ ده الباشا يا ابني. ده يطبقها ويحطها في جيبه الصغير، هي وعشرين زيها. أنا مش خايف غير على فرح. تحسها على آخرها ومش عايزة تبين، وبتتعامل على إن المواضيع عادية.
سليم بتفكير:
_ تفتكر فرح حست بحاجة؟
_ حست إيه؟ بقولك على آخرها. أنا اللي مش مريحني إن البت دي نظراتها فيها غدر، خايف تأذيها.
هكذا تحدث مروان لأول مرة بجدية تحمل طابع القلق الذي عرف طريقه إلى صدر سليم، الذي قال بتذمر:
_ بقولك إيه أنت هتقلقني ليه!
مروان بتقريع:
_ ما لازم تقلق، أومال أنت عايش معانا جبلة؟ ما كلنا قلقانين. وبعدين الحكاية لسه مطولة. وطول ما هي مخلصتش البت دي هتفضل هنا، وأنا دي أكتر حاجة مخوفاني.
سليم بتفكير:
_ يبقى كدا عيننا لازم تكون في وسط راسنا. دي كدا ناوية توسخ.
مروان بجمود:
_ أنا عيني عليها في كل مكان. يا أخي ده أنا بفكر أروح أبَات معاها في الأوضة.
قال جملته الأخيرة مازحًا، فزجره سليم قائلًا:
_ يا أخي مبتكملش جملة مفيدة أبدًا.
مروان ساخرًا:
_ طب خد واحدة مفيدة أهي. جالك الموت يا تارك الصلاة.
لم يفهم سليم معنى حديثه إلا حينما اتجه بعينيه إلى ما يناظره مروان، فوجد جنة تتقدم تجاههم بخطٍ غاضب وأعين ينبعث منها الشرر. فاردف مروان بحماس:
_ بص بقى يا ريس. سيبلي الطلعة دي وأنا زي ما عكتها هصلحها.
سليم بحنق:
_ تصلح إيه الله يخربيتك! دي زي ما تكون جايه ترتكب جناية!
مروان بسخرية:
_ بس متقاطعش. يالا أنت اخلع وأنا هفهمها.
_ اخلع إزاي يعني؟
هكذا استفهم سليم بحنق، فأجابه مروان بعجالة:
_ إعمل نفسك بتتكلم في الفون وابعد.
طاوعه سليم، الذي لأول مرة يشعر بالخوف من مظهرها الذي يبدو وكأنها ستقيم القيامة احتجاجًا على ما حدث. وعلى الرغم من عدم ثقته في ذلك الوغد، إلا أنه يأمل أن يستطيع إصلاح الأمر.
جن جنونها حين رأته يتحدث على الهاتف ويبتعد، وما أن أوشكت على ملاحقته حتى أوقفتها كلمات مروان المعاتبة:
_ ده كلام؟ بقى المارون جلاسيه بتاع البيت يتحول لهولاكو كدا عشان سلومة الأقرع؟
توقفت جنة قائلة باستنكار:
_ هولاكو! مين هولاكو ده؟
مروان بسخرية:
_ وكمان جاهلة؟ يا حظك المايل يا سليم.
جنة بغضب:
_ بطل استظراف وحسابك معايا بعدين.
مروان بتهكم:
_ ولا بعدين ولا قبلين. تعالي هنا بس. عاملي فيها سبع رجالة في بعض وأنتِ لو حد نفخ فيكِ هتطيري كدا.
اقتربت منه حانقة والعبرات تكاد تنبثق من مقلتيها، فتابع مروان قائلًا:
_ من غير يمين يابنتي. قولتله يا سلومة ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. مسمعش كلامي.
برقت عينيها وتبدل الحزن إلى الصدمة، وهي تقول:
_ نهار أسود! هما اجتمعوا فين؟
مروان باندفاع:
_ إيه ده هما اجتمعوا؟
جنة بسخط:
_ مش أنت اللي لسه بتقول؟
مروان باندفاع:
_ يادي النيلة يا مروان. أنت عايز تصلح بينهم. بقولك إيه أنا مقولتش حاجة. أنتِ اللي قولتي.
صاحت جنة بانفعال:
_ مروان اتظبط معايا.
مروان بمهادنة:
_ بقى دي آخرة تربيتي فيكِ! كلمة تجيبك وكلمة توديكِ كدا! معندكيش عقل! بقى جوهرة الحلوة المسكرة هتبص لسلومة الأقرع بردو.
خرجت الكلمات منها مندفعة، وهب القلب للدفاع عنه:
_ ومتبصش ليه! هي تطول. هو في زي سليم!
مروان بتخابث:
_ ولما مفيش زي سليم ياختي مشحططاه وراكِ ليه؟ هاه. الواد حليوة وجان ومتري.
رفع رأسه للسماء قائلًا:
_ سامحني يارب عالكذب ده.
ثم تابع بتقريع:
_ تسبيه كدا فريسة للفتيات الحسنوات. ده بدل ما تثبتي فيه. عمالة تمرمطي في اللي جايبينه. أكمن حماتك هطلة فاكرة إن مفيش حد هيوقفك!
أوشكت على الحديث، فلم يُمهلها بل صاح محذرًا:
_ كل شوية تغضبيلنا بقى. فاضيين إحنا. الست الصح متسبش بيت جوزها. اطردي في الشارع. هو ابن حلال ويستاهل، إنما أنتِ متخرجيش. وبعدين ابننا ميتعيبش بقى.
جنة باندهاش:
_ هو أنت شوية تقول عنه كلام حلو وشوية تقول عنه كلام وحش. أنا اخترت فيك.
مروان بجدية زائفة:
_ أيوا يا بنتي ما هو ابننا بردك. أي نعم هو كشري، ودمه يلطش، وعصبي، وعلى طول عاملنا المية حداشر بتاعته دي، وبوزه يقطع الخميرة من البيت، بس ابننا. يعرنا. نرميه يعني!
_ اوف بقى. بس بردو أنا هتشل. إزاي يشيل البت دي؟
مروان بجفاء:
_ يا بنتي حد يقول للنعمة لا. وبعدين تعالي هنا. أنتِ كاشفة نفسك كدا إزاي؟ مش المفروض تداري شوية يا هبلة. متبينيش للراجل إنك بتغيري عليه عشان ميتمرعش عليكِ. اتعلمي من أختك، هتتجلط يا عيني ومش قادرة تفتح بقها.
جنة بتفكير:
_ تصدق أنت عندك حق. إيه ده لحظة واحدة. مالها فرح؟ بعد الشر عنها. هو في حاجة أنا معرفهاش؟
مروان بتقريع:
_ هو أنتِ بقيتي تعرفي حاجة؟ بقيتي زي قلتك في البيت، ودا مش عاجبني يا أم محمود. لازم لنا قاعدة. انجري روحي صالحي سلومة الأقرع وتعالي وأنا أحكيلك.
شعرت جنة بالحماس والفضول لمعرفة ماذا حدث في غيابها، فهتفت بلهفة:
_ قشطة استناني.
مروان بتهكم:
_ هجهز اللب والسوداني على ما تيجي.
كانت تسير بخطٍ متعثرة، وقلب ينتفض داخل صدرها الذي أخذت أنفاسه تتناحر، ودقاته تتقاذف حتى تردد صداها في أذنها. فلم تعرف كيف وصلت إلى غرفتها لترتمي فوق سريرها بتعب وإرهاق، وكأنها كانت في سباق للعدو. والحقيقة أنها كانت تتسابق مع الزمن لتنجو. فبعد ذلك المشهد الذي رأته، شعرت بالذعر يتملكها بطريقة غريبة. فهي لا تسمع سوى جملة واحدة:
_ دبة النملة توصله!
تلك الجملة أصابتها بالذعر. فمن هذا المقصود؟ ولحساب من يعمل ذلك الحارس؟ والسؤال الأصعب والأقسى: هل نعمة خائنة؟
انتفض جسد فرح وهي تتخيل أن تكون تلك المرأة التي من المفترض أنها أكثر شخص موثوق في قاطني ذلك المنزل خائنة! استنكر عقلها تلك الجملة، ولم يقبل عقلها باحتمال أن تكون فعلًا خائنة. ولكن في تلك الأمور يحب أن تُنحي القلب جانبًا، فالأمور معقدة والخطأ عواقبه وخيمة وخسائره فادحة، قد تكون أرواحًا لا ذنب لها.
شعرت بألم حاد في أسفل بطنها، ربما من فرط التوتر الذي وقعت تحت وطأته. فما أن ضربت يدها تلك المزهرية بالخطأ، حتى انتفض قلبها وهي تستمع لصوت أقدام ذلك الحارس تقترب. لولا ذلك الحاجز الذي يفصل الزراعات عن بعضها والذي اختبأت خلفه، لكان مصيرها مجهولًا الآن. فلو كان فعلًا خائنًا، لربما كان قتلها، وخاصةً أن هذا الجزء من القصر لا يوجد به كاميرات مراقبة، فهو خاص جدًا لكونه بجانب المسبح.
زفرت الهواء المكبوت بصدرها دفعة واحدة، وأخذت تحاول تنظيم أنفاسها الهاربة، ولكن ذلك لم يكن يكفي. فقد شعرت بحاجتها لوجوده. تحتاج لأن تستشعر دفء ذراعيه وأمانها بداخله، لذا تحاملت على آلامها وتوجهت للأسفل تنوي الارتماء بين ذراعيه تنشد الراحة والأمان.
_ طيب يا صفوت. أنا كدا هغير البلان، وبدل ما عمتي تيجي على هنا تطلع على إسماعيلية تقعد معاكم يومين على ما نيجي إحنا.
صفوت بتفكير:
_ طب وهارون؟
سالم بتهكم:
_ ده واحد من العيلة. يعني لازم يكون موجود معانا في أي مكان.
زفر صفوت حانقًا:
_ حاسبها كويس يا سالم؟
سالم بخشونة:
_ سيبها لربنا. إن شاء الله هتعدي. بس أنت خلي عينك في وسط راسك.
_ متقلقش. أنا ظبطت كل حاجة هنا.
طرق على باب الغرفة جعله يقوم بإنهاء المكالمة، فقد توقع الشخص القادم، وصحت توقعاته حين وجدها جوهرة، التي أطلت عليه بجمالها البهي وخطواتها الرشيقة وهي تتهادى بمشيتها إلى أن وصلت إليه قائلة بنبرة جذابة:
_ كنت أود أن أقول صباح الخير، ولكن يبدو أن الصباح بدأ عندك منذ زمن.
سالم باختصار:
_ أجل. تفضلي.
تربعت على المقعد أمامه وعينيها لا تفارقان خاصته، لتقول بنبرة رفيعة:
_ مابك؟ يبدو أنه لم يكن صباحًا مشرقًا بالنسبة لك؟
سالم بلامبالاة:
_ لا. لمَ تظنين ذلك؟
جوهرة بنبرة جذابة:
_ يبدو على ملامحك الوجوم، وعينيك ليست صافية، هناك غيوم كثيرة في سمائها. ولهذا أقول إن صباحك لم يكن مشرقًا.
باغتها إجابته حين قال بفظاظة:
_ تخمينك خاطئ، فلا يوجد غيوم وما شابه. يبدو أنكِ تعانين من الفراغ هنا فبدأت بتوهم بعض الأشياء.
أصابتها كلماته في الصميم، فهو يحقر من شأنها وشأن اهتمامها به، لذا حاولت قمع غضبها واستغلال الأمر لصالحها، لذا قالت بلهجة خافتة:
_ لا. ليس الأمر كذلك، بل أنا فقط مهتمة بالأطمئنان عليك لا أكثر.
سالم بفظاظة:
_ هذه الأمور من اختصاص زوجتي، فاحذري قد تغضب منكِ وهنا ستكونين في مأزق كبير.
جوهرة بجرأة:
_ ولما سأكون في مأزق؟
سالم بلهجة جافة لم تخلو من التحذير:
_ لأنني لن أسمح بذلك، ولا أحب أن يتعكر مزاجها لأجل تفاهات. والآن جوهرة، هل لي أن أعلم ما هي خطتك التالية مع صديقك؟
تجاهلت استفهامه، وقالت بجرأة أضرمت نيران القلق بصدره:
_ ألأنها تحمل طفلك؟
سالم بنبرة جافة وعينيه أرعدت سماءها بتحذير:
_ لا. لأنها في المقام الأول زوجتي، وأنا أقدرها كثيرًا. والآن لنعد إلى موضوعنا الأساسي والوحيد، فأنا لست برجل صبور. عليكِ أن تعرفي هذا.
تشكلت سحابة من الغضب في سماء عينيها التي دكنت جراء كلماته التي أضفت وقودًا فوق نيران الحقد بقلبها، لتقول بنبرة ذات مغزى:
_ نتشارك في تلك الصفة سيد سالم، فأنا لست امرأة صبورة أيضًا، كما أنني ماهرة في تحقيق أهدافي، ولا أتنازل بسهولة.
ضيق ما بين حاجبيه قبل أن يقول بجفاء:
_ ما الذي علي فهمه من حديثك هذا؟
جوهرة بتخابث:
_ أقصد أنني لن أترك هارون إلا بعد ما أقنعه بالحقيقة. أليس هذا هو ما نتحدث عنه!
لم يرتح لمغزى كلماتها، ولكنه أومأ برأسه قبل أن يقول باختصار:
_ نعم.
جوهرة بنبرة لعوب:
_ لهذا أخبرك أن تطمئن، فأنا وضعت الأمر برأسي وانتهى.
ضيق ما بين عينيه قبل أن ينصب عوده وهو يقول بجفاء:
_ موعد الغداء اقترب، هي لنذهب.
طاوعته بصمت وتقدمته وهي تحاول قمع نظراتها الشيطانية، التي ما أن لمحت فرح تهبط الدرج حتى لمعت بخبث. وفجأة ارتمت فوق صدر سالم، الذي كان خلفها، وهي تصيح بألم زائف:
_ أووه. قدمي.
لم يكن أمامه مفر من إسنادها، وهو يقول باستفهام:
_ ماذا هناك؟
لم يكن قد رأى فرح، التي انتفضت كل خلية بصدرها ما أن شاهدت تلك المرأة تكاد تكون بين أحضان زوجها بتلك الطريقة، فتيبست أقدامها غير قادرة على الحركة، غافلة عن أعين يلمع بهم المكر الذي ينافي لهجتها حين تصنعت الألم قائلة:
_ لقد التوى كاحلي بطريقة سيئة. من فضلك ساعدني.
زفر سالم حانقًا من هذا الموقف السيء، وقام بإمساك كفها ويده الأخرى على مقربة من خصرها دون أن يلمسها. ولكنه فجأة استشعر وجودها، ليرتفع برأسه يجدها تقف في منتصف الدرج بأعين يلمع بهما الغضب الذي ينافي وهن ملامحها. فلعن داخله، وإذا به يجدها تواصل هبوط الدرج لتتقدم نحوهم وعينيها وكأنها خاصمته، فكانت مسلطة على تلك التي تدعي الألم تحاول الارتماء بثقلها فوقه، على الرغم من شعورها بنفوره منها، ولكن ذلك لم يردعها من التحدث بنبرة خافتة مغوية:
_ أووه. أشعر بألم كبير في كاحلي.
لم يكن معها، بل كانت جميع حواسه تتركز حول تلك التي أبت إعطاءه ولا نظرة واحدة من عينيها. وبالمقابل اقتربت قائلة بنبرة متهمة:
_ ماذا حدث؟ هل كسرت قدمك أم ماذا؟
رفعت جوهرة رأسها، وداخلها يشعر بسعادة عارمة. فرغم هدوء أعصاب فرح، إلا أن هناك نيران تنشب في غاباتها الخضراء. لذا قالت بمكر أنثوي:
_ لقد لويت كاحلي بطريقة سيئة. أخشى أن يكون هناك كسر.
فرح بأسف زائف:
_ أووه. عزيزتي. كم هو مؤسف ذلك. ولكن الجيد بالأمر أن تتعلمي ألا تنظري للأعلى، وإلا في المرة القادمة قد تكسرين عنقك.
حانت منها نظرة قاسية حدجته بها، قبل أن تتراجع برأس مرفوع وبنية شامخة تتوجه إلى الأعلى، مما جعل الغضب يجتاحه كطوفان، جعله يزمجر بصوت جهوري:
_ نعمة.
هرولت نعمة إلى حيث يقف سالم، الذي قال بجفاء وهو يتوجه إلى الأعلى:
_ شوفيها مالها.
ما أن غادر، حتى همهمت جوهرة بوعيد:
_ سنرى أيتها العاهرة، من منا ستكسر عنقها في المرة القادمة؟
بخطوات غاضبة توجه إلى غرفته، ليجدها تقف أمام النافذة تُعطيه ظهرها، على الرغم من أن باب الغرفة أصدر صوتًا عاليًا حين أغلقه، ولكنها لم تلتفت. لذا تقدم منها وهو يحاول تهدئة غضبه بشتى الطرق، ليقف خلفها مباشرةً قائلًا بلهجة خشنة:
_ فرح.
التفتت تناظره بصمت، وملامح هادئة تنافي ذلك الغضب الهائل بغاباتها الزيتونية. فلعن بداخله للمرة التي لا يعرف عددها، فقد كان موقفًا مريعًا بالنسبة له، وتبريره له هو السخافة بعينها، فقد كان الأمر برمته لا يليق به، ولكنه لسوء حظه يمس أغلى ما يملك. لذا تجاهل كل شيء وقال بنبرة هادئة:
_ الموقف اللي حصل تحت ده كان سيء، أنا عارف. بس أنتِ كمان عارفاني كويس.
فرح بجفاء:
_ عرفاك، ومش مستنية منك تبرير. لإني عارفة إنه بردو ميلقش بيك ولا بيا.
امتدت أنامله تلامس ملامحها بحنو، تجلى في نبرته حين قال:
_ أنا عارف إنك عاقلة وذكية. بس بردو حقك عليا.
لامست كلماته قلبها، ولكن كان التوقيت وتوالي الأحداث وقعه سيء عليها، إضافة إلى خوفها من كل ما يحدث. لذا قالت بلهجة جافة:
_ مش معنى إني ذكية وعاقلة إني هسمح لموقف زي ده يتكرر تاني.
لم يعجبه لهجتها، ولكنه كان يُقدر غضبها، لذا قال بجمود:
_ الموقف كان قضاء وقدر يا فرح.
فرح بجفاء:
_ طب ياريت لما القضاء والقدر ده يحصل تاني متكونش أنت موجود أو حتى في الصورة. عشان مش ضامنة رد فعلي هيبقى عامل إزاي؟
كان الغضب يموج بحدقتيها ويتجلى بوضوح فوق معالم وجهها، لذا استمسك بآخر ذرات الصبر لديه، وقال محاولًا انتزاعها من بين براثنه:
_ أول مرة أشوفك وأنتِ غيرانة على فكرة!
حاولت التغلب على ألمها الجسدي، وذلك الوجع الذي ينغز بصدرها جراء صورة تلك الحقيرة وهي متعلقة بزوجها، وقالت بجفاء:
_ الموضوع مالوش علاقة بالغيرة. بس مش هسمح أبدًا بأن أي حاجة تقلل من احترامي. كمان أنا لو هغير أغير من حد يكون ند ليا، وأنا مفيش واحدة تنفع تبقى ند ليا يا سالم يا وزان.
يبدو أن وقع الأمر هائل عليها للحد الذي جعله يتغاضى عن لهجتها وكلماتها الغاضبة، ويقترب محاوطًا خصرها ويديه تُمسدان وجنتيها المشعلة، وهو يقول بنبرة خشنة:
_ أنا أكتر واحد عارف الكلام ده. ماهو سالم الوزان لما اختار مختارش أي حد. اختار ست الحسن والجمال.
رغبة عاتية في البكاء اجتاحتها، ولكنها لن تبكي، خاصةً أمامه بعد ذلك الموقف الذي انطبع في قلبها الذي نشب به القلق حوافره. وقد أيقنت بأنها مقدمة على معركة ضارية مع تلك المرأة، فكل ما بها يثير ريبتها، وهي شبه متأكدة من أنها افتعلت تلك الواقعة. وما يثير حنقها أنها تكاد تجزم بأن زوجها يعلم ما يُحاك ضده، فكيف يتعامل مع الأمر؟ لا تكن معهم حين يتحدثون، وكبرياؤها يأبى أن تكون متواجدة لألا تسمح لتلك الحقيرة بأن تشعر بغيرتها، ولكنها غاضبة لحد الألم. لذا تراجعت من بين ذراعيه وهي تقول بجمود:
_ هاخد شاور وأريح شوية على ما ييجي معاد الغدا.
انفلتت من بين ذراعيه، ولم يوقفها، فهي غاضبة وهو غاضب، بل أكثر، فهو يكاد يستشيط غضبًا من كل ما يحدث. وقد بدأت أعظم مخاوفه بالحدوث، وهو لا يملك أن يلومها أو حتى أن يغير أي شيء في الوقت الراهن. لذا ترك الغرفة بأكملها وغادر، لتطلق العنان لانهيارها، فقامت بالارتماء فوق مخدعها تبكي حيرتها وغضبها وألمها وكل شيء.
_ ممكن أعرف بقى إيه اللي حصل بالتفصيل؟
هكذا تحدثت جنة بنبرة خافتة يشوبها الحزن، الذي جعله يقترب منها قائلًا بعتب:
_ وهتصدقيني ولا هتتجنني زي ما عملتي من شوية؟
جنة بخفوت:
_ أنا عمري ما كذبتك قبل كدا عشان أكذبك دلوقتي.
راق له هدوؤها الممزوج بالحزن، وأيضًا إجابتها التي أشعرته بالسعادة. فاقترب منها قائلًا بنبرة خشنة:
_ الموقف كله مكملش دقيقة. كنا فاكرين إنها بنت ناجي، وكان مفروض نجيبها هنا. طارق طلع أوضتها ولقيته جايبها وبحالتها دي. ملحقتش أستوعب الصدمة، سمعنا صوت هارون وعرفنا إن هو ابن عمتي همت مش هي. مكنش قدامنا وقت نفكر. اضطريت آخدها عـ العربية عشان طارق يستنى هارون فوق. ده كل اللي حصل.
كانت تعلم بأنه رجل صادق، لا يُغريه الكذب ولو كان سيُنجيه، لذا تجاهلت غيرتها وقالت بنبرة خافتة:
_ تمام. حصل خير.
برقت عينيه وهو يستمع إلى إجابتها، وقال بلهجة غير مصدقة:
_ أنتِ بتتكلمي بجد؟ حصل خير فعلًا ولا أنا سمعت غلط!
جنة بتعقل:
_ لا مسمعتش غلط. هعمل إيه يعني؟ أنت كنت مضطر ومكنش قدامك غير كدا، وأنا مينفعش أحملك فوق طاقتك أو ألومك في حاجة خارجة عن إرادتك.
شعر في تلك اللحظة أن صغيرته نضجت حقًا، وأنها قد تعلمت دروس الحياة جيدًا. وقد انتابته سعادة قوية جعلته يقوم باحتواء كفها بين يديه، واضعًا قبلة دافئة بين راحته، وهو يقول بحنو:
_ يسلملي العاقل. اللي مش عايز يحمل حبيبه فوق طاقته.
حاولت قمع ابتسامتها، فلم تفلح، فدارت وجهها للجهة الأخرى لتقول بخفوت:
_ اومال فاكرني ست مفترية مثلًا؟
أدارها لتقف بين يديه، وهو يقول بنبرة عاشقة:
_ أنتِ ست البنات كلهم.
غزى الخجل وجنتيها، فـ أخفضت رأسها وهي تقول بخفوت:
_ ست البنات مرة واحدة!
احتواها بين يديه وهو يقول بصدق اخترق أعماق قلبها:
_ بقى متعرفيش إنك في عيني ست البنات كلهم! أنتِ اختصار لكل حاجة حلوة في حياتي يا جنتي.
ما أن أوشكت أن تجيبه، حتى أتاهم صوت صارخ من خلفهم:
_ نهار أسود! أنتوا واقفين بتعملوا إيه لوحدكوا كدا من غير محرم! عايزين تفضحونا؟
استغفر سليم في سره، وهو يغمض عينيه بغضب تجلى في لهجته حين قال:
_ نفسي أخلص عليه.
قهقهت جنة بصخب على كلماته، وهي تقول من بين ضحكاتها:
_ يالهوي! وهو البيت يبقى له طعم من غير مارو؟ لا يا سولي ملكش حق.
سليم مبهوتًا من ضحكتها الرائعة وذلك اللفظ التحببي الذي نادته به:
_ إيه؟ قولتي إيه؟
جنة بدلال:
_ قولت سولي. بدلعك بلاش؟
سليم بلهفة:
_ بلاش إيه؟ إياكِ تقوليلي حاجة تانية غيره. بس بلاش قدام كلب البحر ده، عشان هيسيحلنا عـ الفضائيات.
تقدم مروان منهم تزامنًا مع وصول سيارة طارق، الذي كان يُقل سما إلى المنزل، فاندفعت الأخيرة إلى الداخل بغضب، فهتف مروان حانقًا:
_ أهي الأرملة السوداء بتاعتي شرفت أهي.
سليم بتشفي:
_ والله تستاهلها. دي اللي هتطلع عليك القديم والجديد.
مروان بسخط:
_ ماهو اللي هتعمله فيا هطلعه عليكوا. وحياة أمي لهتسبب في طلاقكوا كلكوا، بس الصبر.
التفت إلى سما، التي كانت تأخذ طريقها إلى باب القصر، فصاح بغضب:
_ أنتِ يا ولية واخدة في وشك ورايحة فين؟ ملكيش راجل يحكمك! بت! أنتِ ياللي تتشكي في صوابع رجلك استني.
تقدم طارق منهم وهو يقول بحبور:
_ إزيك يا جنة عاملة إيه؟
جنة بلهجة ودودة:
_ الحمد لله يا طارق. أنت عامل إيه؟
_ الحمد لله. بنحاول نعيش زي البني آدمين. ما أنتِ شايفة اللي بيحصل.
هكذا تحدث طارق حانقًا، فأجابته جنة بمواساة:
_ معلش يا طارق. هنعمل إيه؟ لازم نتحمل كلنا لحد ما الغمة دي تخلص. طمنيني على عمتو همت وشيرين؟
طارق بخشونة:
_ الحمد لله بخير، وشيرين هناك معاها. أنا جيت آخدلها هدوم وشوية حاجات كدا لحد ما نشوف هنعمل إيه.
_ ربنا يعينك. خليك جنبها. هي أكيد محتاجاك الفترة دي.
طارق بحزن:
_ الحقيقة هي محتاجانا كلنا يا جنة. شيرين حساسة أوي، والموضوع الزفت ده عاملها عقدة. لازم تحس إن الكل حواليها وبيحبوها.
جنة بلهفة:
_ ده طبعًا. كلنا أخواتها، ولازم نكون جنبها. اطمن أنا هروح أنا وسليم النهاردة إن شاء الله نطمن عليهم، وهشوف لو فرح جت معانا.
ابتهج قلبه لحديثها، فقال بلهجة مرحة:
_ على فكرة البيت كان مضلم من غيرك، والواد ده كان دمه يلطش. اكسبِ فينا ثواب، ومتجلبيش عليه تاني.
ابتسمت جنة بمرح قائلة:
_ عشان خاطركوا بس. هاجي على نفسي.
قهقه الثلاثة، فتوجه طارق للداخل، فاعتقلت يد سليم خصرها، وقال الأخير بوعيد:
_ لا والله. بقى عشان خاطرهم هتيجي على نفسك!
جنة بمرح:
_ أيوا اومال أسيب الناس تتظلم معاك يعني. بضحي أهو. أنا أصلي شمعة تحترق من أجل الآخرين.
ضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال:
_ لا، إحنا نطلع نشوف موضوع الاحتراق ده فوق، عشان ده موضوع خطير وفيه تضحيات عظيمة، وأنا عن نفسي راجل فدائي.
قهقهت على كلماته العابثة، وتوجه الثنائي إلى الداخل.
هرول الثنائي إلى المشفى بعد مكالمة منال لهم، والتي كانت تبكي بانهيار وهي تخبرهم عن نقل رؤوف إلى المشفى إثر إصابته بذبحة صدرية مفاجئة. فلم تحتمل ساندي، التي أخذ جسدها يرتعش من فرط الصدمة وربما الخوف، فقام عدي باحتوائها وهو يقول بنبرة جادة:
_ اهدي. هيبقى كويس إن شاء الله. مفيش حاجة تخوف. قولي يارب.
أخذت عبراتها تتناثر بقوة فوق خديها، وجسدها ازدادت رعشته، فقام بهزها بقوة تجلت في نبرته وهو يقول:
_ ساندي. اهدي، وقولي يارب. سمعاني. قولي يارب.
خرجت الحروف مبعثرة من بين شفاهها:
_ ي. ا. ر. ب.
_ قوليها من قلبك. بصوت عالي.
هكذا حثها على التمسك بحبال الإيمان القوية، لتستمع إلى حديثه وتقول بنبرة يشوبها الثبات:
_ يارب.
أخذ يومئ برأسه لتُعيدها مرارًا وتكرارًا، لتخرج الأخيرة من فمها بكل ما يعتمل بداخلها من وجع وسوء:
_ يااااااااارب.
أخذها بين ذراعيه بقوة وهو يقول بلهجة مطمئنة:
_ إن شاء الله هيبقى كويس، وكل حاجة هتتصلح. متخافيش.
ممتنة للقدر الذي جعلها بجانبه الآن، فقد كانت تشعر بالخوف الذي يضرب سائر جسدها فيجعل رعشة قوية تجتاحه، وهي غير قادرة على التحكم بها، لولا يديه الحانية التي تقبض بقوة على يديها من حين لآخر، وكأنه يخبرها أنه بجانبها، فتهدأ ويسكن جسدها. إلى أن وصلا المشفى، فما أن شاهدتهم منال حتى هرولت تحتضن ساندي وهي تقول بذعر من بين عبراتها:
_ الحقيني يا ساندي. أبوكي بيروح مننا.
رغمًا عنها وعن آلامها، وجدت نفسها تعانقها بقوة، وكأنها تشاركها في حمل ذلك الثقل الذي يكاد ينتزع الحياة من ملامحها، وخرجت كلماتها مواسية، لا تعلم من أين جاءت:
_ إن شاء الله هيبقى كويس. بس أنتِ قولي يارب.
كانت تردد كلماته التي طمأنتها سابقًا، لتفعل المثل مع والدتها التي أخذت تقول بتوسل:
_ يارب اشفيه يارب.
كانت يديه الحانية تمر فوق ظهرها، وكأنه يبثها طاقة كبيرة على المواصلة والبقاء صامدة، وهي التي كانت هشة، باستطاعة نسمة الهواء أن تبعثرها، لولا تلك الصخرة التي حين تراجعت للخلف بكامل ثقلها، وجدت أنها تحتويها بجميع ما تحمل من أوزار وخطايا وآلام. كان هو الجدار والمتكئ والسند الذي تحتاجه طوال حياتها، ولكنها لم تكن تدرك قيمة ما لديها حتى أوشكت على فقده. فالحياة دائمًا تعطينا الدروس على هيئة صفعات قاسية تترك بصماتها في نفوس البشر التي لا تدرك حجم النعم إلا حين ترى النقم، حينئذ تتبدل رؤيتها للأمور، وتنحصر أمانيها حول ما ظنته يومًا لا قيمة له، ولكن بات الآن أقصى أمانيها دوامه.
خرج الطبيب من الغرفة، فهرول عدي إليه قائلًا بلهفة:
_ طمنا يا دكتور حالته عاملة إيه؟
_ الحمد لله قدرنا نسيطر على الموضوع، بس لسه الخطر قائم. واضح إنه اتعرض لصدمة شديدة وهي اللي اتسببت في الذبحة اللي حصلتله.
لم يكد ينهي جملته حتى جاء صوت من خلفهم:
_ إيه يا جماعة طمنوني على رؤوف؟
كان هذا صوت منير، المحامي الخاص بشركة رؤوف، والذي أجابته منال باكية:
_ أنت اللي مفروض تقولي رؤوف حصل معاه إيه يخليه يتصدم لدرجة إنه يجيله ذبحة صدرية يا منير؟
استأذن الطبيب، فأجابها منير بحزن:
_ للأسف النهاردة رؤوف خسر أهم صفقة للشركة، وبنسبة كبيرة هيعلن إفلاسه.
شهقات قوية خرجت من فم الأم وابنتها، فاقترب عدي يعانق حبيبته وهو يقول بنبرة جافة:
_ إزاي دا يا متر؟ عمو رؤوف من أكبر رجال الأعمال وثروته تقدر بملايين، فجأة كدا يوصل للإفلاس.
منير بجفاء:
_ رؤوف بقاله فترة بيغرق، وللأسف كان بيقاوح، ومكنش بيسمع الكلام، وعنده هو اللي وصله لحد كدا.
لم يرتح عدي لهذا الرجل، لذا قال بنبرة يشوبها الوعيد:
_ لا الموضوع شكله كبير وعايزله قاعدة يا متر. نطمن على عمو رؤوف وهجيلك أفهم منك كل حاجة.
منير بفظاظة:
_ وتفهم مني بصفتك إيه؟
عدي بنبرة جافة حازمة:
_ بصفتي جوز بنته الوحيدة.
أومأ منير بصمت، وقد تنامى بداخله شعور بعدم الارتياح لهذا الشاب، فقال بنبرة ودودة إلى منال:
_ ألف سلامة يا منال هانم. لو احتاجتي أي حاجة كلميني.
أومأت منال بصمت، فانصرف منير تحت أنظار عدي الحارقة، والتي تحولت إلى اللهفة ما أن رأى ساندي ترتجف بين يديه وهي تقول بأسى:
_ يعني بابا خلاص. هيعلن إفلاسه؟ كل اللي قعد يبنيه في سنين هيضيع في لحظة! ده كل اللي كان بيمنعه إنه يلاحظ وجودي خلاص راح منه!
أسندها عدي، وقد شعر بمقدار الأسى في صوتها، فاحتواها بضمة قوية، وقد عزم أن يبدد ذلك الحزن الكامن في عينيها بأي طريقة كانت:
_ مفيش حاجة ضاعت. كل حاجة هتتحل خليكِ واثقة فيا.
همست بتوسل:
_ عدي. بابا خسر كل حاجة، وأول اللي خسره أنا.
_ مفيش الكلام ده. مفيش أي خساير. عايزك تثقي فيا. باباكِ هيقوم وهيبقى زي الفل وهياخدك في حضنه. في أحسن من كدا؟
أغمضت عينيها وهي تتذكر آخر مرة عانقته بها، فقد كانت منذ زمن بعيد، أبعد من أن تتذكره. فهبطت دمعة محرورة من عينيها، لتلتفت وتضع رأسها فوق صدره وهي تقول بخفوت:
_ متسبنيش يا عدي. خليك جنبي.
عدي بنبرة حنونة صادقة:
_ جنبك لآخر العمر يا عمري.
خيم الليل على تلك المزرعة التي سكن قاطنيها وخلدوا إلى النوم، غافلين عن شياطين تتخذ من الليل ستارًا لأفعالها. فقامت بالتسلل إلى المكان المنشود، ليقوم أحد الرجال بالحفر يدويًا حتى وصل إلى كيس بلاستيك، فقام بفتحه واستخرج حلقة من المفاتيح، ليتوجه إلى الداخل بهدوء ويقوم بوضع إحداهما في قفل باب المطبخ، الذي انفتح بسهولة، ليُشير إلى الرجال خلفه بالتسلل حتى وصلوا إلى منتصف الصالة الكبيرة، وبدأوا بالانتشار وأخذ أماكنهم. ليتوجه كبيرهم إلى الأعلى وهو ينظر إلى الأبواب الموصدة، ليجد ضالته في الباب الثالث كما أخبرته تلك المرأة. فقام بالتسلل بخفة ليقوم بفتح الباب بهدوء، متوجهًا إلى تلك النائمة بسلام، فقام باستخراج أحد المناديل المشبع بمخدر قوي، وبلمح البصر قام بجذب الغطاء ووضع المنديل فوق المرأة النائمة، ليتفاجأ بأنها إحدى العرائس!
صُعِق الرجل حين لم يجد ضالته وشعر بأن هناك شيء خاطئ، ليتفاجأ بذلك النور الذي أُضيء في الغرفة، وضربة قوية فوق مؤخرة رأسه أفقدته الوعي في الحال.
_ صفوت بيه الأمور تحت السيطرة.
هكذا تحدث الحرس إلى صفوت، الذي كان في طريقه إلى مدينة الإسماعيلية، ومعه كُلًا من سهام ونجمة وحلا ونجيبة، التي كانت تنتفض من فرط الذعر حين سمعت كلمات صفوت الغاضبة:
_ بتقول إيه؟ حرامية حاولوا يسرقوا البيت؟ إزاي حصل الكلام دا؟
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بغضب:
_ طب كتفوهم وسلموهم للمديرية، وأنا هكلم الظابط حسام يعمل اللازم، وهتابع معاكوا.
أغلق صفوت الهاتف، فاندفعت سهام قائلة:
_ في إيه يا صفوت وحرامية إيه؟
صفوت بغضب:
_ مسجلين خطر هاجموا على المزرعة، بس الحراس مسكوهم، وهييسلموهم للمديرية عشان يحققوا معاهم ويعرفوا جايين من أنهي داهية دول.
شهقات قوية خرجت من أفواه النساء، فتابع صفوت حانقًا:
_ هوصلكوا وأرجع أشوف الموضوع ده.
سهام بلهفة:
_ طب وكتب الكتاب؟ هتلحق ترجع؟
صفوت بسخط:
_ ما أنتِ شايفة يا سهام اللي حصل؟ حد كان على باله إن في ناس تجيلها الجرأة تدخل بيتي بالطريقة دي؟
تدخلت نجمة قائلة بذعر:
_ دول لازم جلبهم ميت. طب وليه يدخلوا بيتنا؟ جايين عايزين إيه دول؟
اندفعت نجيبة لتقول بلا احتراز:
_ أكيد جايين يسرقوا. اومال يعني هييجوا ليه؟
صفوت بتهكم:
_ وهو في حد عاقل يفكر يسرق بيت مدير الأمن بردو يا ست نجيبة؟
شعرت بفداحة ما تفوهت، فـ امتقع وجهها ولم تستطع النطق بأي شيء. فتدخلت سهام قائلة:
_ الحمد لله إنك جت في بالك فكرة السفر بالليل دي، وإلا كان زمانا موجودين والحرامية دول هناك. الحمد لله ربنا قدر ولطف.
صفوت بجمود:
_ الحمد لله. فعلًا قدر ولطف.
كانت حلا مشغولة عن كل ما يدور حولها، فلم تشارك بالحديث، بل اكتفت بالصمت، فقد كان الألم بقلبها يطغى على كل شيء، للحد الذي جعلها تقاوم عبراتها بشتى الطرق. فكلما تذكرت ما حدث قبل ساعات من الآن، يضيق صدرها وتتزايد الآلام.
_ بجولك إيه يا ياسين أنا مش عاجبني اللي بتعمله مع مراتك ده.
هكذا تحدثت تهاني بغضب، قابلة ياسين بنفاذ الصبر، حين قال:
_ بعمل إيه يا أمي؟ ما أنا سبتها تروح معاهم على الرغم إن أنا مش موافق أصلًا إنها تسافر، بس مردتش أزعلها.
تهاني بغضب:
_ لهو أنت بتتمنن عليها لما تخليها تروح بيت أهلها؟ من ميتا وأنت ظالم يا ولدي!
ياسين بغضب:
_ أنا مش ظالم يا أمي. أنا من حقي أحمي بيتي وأحمي مراتي وابني من شر الناس دي. مشاكلهم مبتخلصش، وأفلامهم كتير، وأنا مابحبش كدا، وأظن إن ده من حقي.
تهاني بسخط:
_ حجك مجولناش حاجة. بس هي فين حجها لما تبجى بتتجتطف يا جلب أمها عشان تزور أهلها. مفكر إن لو أهلها شيطاين هتجدر تمنعها عنهم! البت معندهاش أغلى من أهلها يا ابني اسألني أنا.
ياسين بعناد:
_ وده غلط. مفروض يبقى بيتها وحياتها وجوزها في المقام الأول.
صاحت تهاني بانفعال:
_ أيوا دي صوح. بس بردو أهلها ليهم حق فيها، ومش معنى إنك مش طايق أخوها إنك تمنعها عنهم وتاخدهم بذنبه. أنت ناسي إننا لينا بنتين هناك، والناس مهيحوشوش بناتنا عنينا أبدًا. هما أحسن منك ولا إيه؟
ياسين بانفعال:
_ إحنا اللي أحسن منهم، وبناتنا لما يجوا عندنا بيزيدوا مبينقصوش. إنما مراتي لما تروح هناك أنا مش ضامن ممكن يحصلها إيه. ومع ذلك حطيت في بقي جزمة قديمة وسبتها تروح.
_ بعد إيه؟ بعد ما كسرت خاطرها وسبتها تروح أول مرة عند أهلها مع عمها؟ بدل ما تعززها وتروح بنفسك توديها عنديهم.
أغضبه حديثها الذي لامس بقعة الندم بقلبه، ولكنه عاند قائلًا:
_ تحمد ربنا إني وافقت إنها تروح، وعلى فكرة أنا بردو مش هروح أجيبها لأني مش طايق أروح هناك. لما تبقى تزهق منهم وتعرف قيمة بيتها تبقى هي تيجي.
تفاجأت تهاني من حديث ولدها الذي جعلها تقول بغضب:
_ وماله يا دكتور. بس خليك كد كلامك بجى عشان أنا بنفسي اللي لو لجيتها رايدة ترجع هجعدها لحد ما تِعرف إن الله حج وتفهم حجوج مراتك عليك، وتشيل المخفي حازم ده من دماغك خالص.
لم تكن تريد الاستماع إلى حديثهم، حتى أنها لعنت تلك الصدفة التي جعلتها تقف لتستمع إلى كلماته القاسية، التي على الرغم من تأثيرها المريع عليها، إلا أنها مدتها بقوة كبيرة جعلتها ترسم أجمل ابتسامتها وهي تودع الجميع، وهي ترتدي قناع الفرح كونها ذاهبة لرؤية عائلتها. فحين عانقها عبد الحميد قائلًا بعتب:
_ أكده يا حلا فرحانة ولا أكني حابسينك وبنعذبوكي هنا إياك؟
حاولت إضفاء المرح على لهجتها والشوق أيضًا، حين قالت:
_ والله أبدا يا بابا الحاج، بس أهلي وحشوني أوي وبيتنا كمان. حاسة إني عايزة أطير وأروحلهم.
كانت تعلم أنها تثير غضبه، وقد كان هذا أقصى ما تتمناه في تلك اللحظة أن تعاقبه على حديثه المشين بحقها وحق عائلتها، وقد كان هذا بداية الطريق لتعليمه آداب التعامل معهم في المستقبل.
_ هتوحشينا يا بتي. اللي مصبرني إننا هناجابل في كتب الكتاب آخر السبوع إن شاء الله.
عانقتها حلا بحب كبير لتلك السيدة العظيمة التي لا تقبل في الحق لومة لائم، وقالت بحب:
_ وأنتِ والله هتوحشيني يا ماما حقك عليا والله. أصلا لما تيجي هخليكِ تقعدي معايا مش هسيبك تروحي.
عبد الحميد باندهاش:
_ وه. ناوية تجعدي هناك على طول ولا إيه؟ لا اسمعي أما أجولك البيت مينفعش من غيرك، وبعدين عايزين نجهزوا للبيه الصغير اللي مش مصدقين إمتى يشرفنا؟
تجاهلت استفهامه في البداية، وقالت بمرح:
_ والله يا بابا أنا عن نفسي بتمنى ييجي النهاردة قبل بكرة، حاسة إني تعبت وزهقت وأنا لسه في الرابع.
تدخل صفوت، الذي لاحظ حالة ياسين الجامدة:
_ إن شاء الله ييجي بالسلامة، وتفرحوا بشوفته يا حاج عبد الحميد. مش يالا بقى يا حلا عشان نلحق نمسك الطريق في النور؟
حلا بابتسامة تخفي الكثير:
_ يالا يا عمو.
التفتت إلى ياسين بنفس ابتسامتها المشرقة، لتقترب تعانقه بصورة خاطفة، وهي تقول بمرح:
_ خلي بالك من نفسك يا دكتور وقور. هتوحشني والله.
شعر بالاستخفاف والسخرية يقطران من بين كلماتها، لذا قال بجفاء:
_ خلي بالك من نفسك، ومن اللي في بطنك. مش هوصيكِ.
حلا بمرح:
_ فعلًا متوصنيش وفر توصياتك. أنا رايحة للدلع والاهتمام كله. متقلقش. خلي بالك أنت على نفسك.
عودة للوقت الحالي. تعلم كم أغضبته وتنوي إغضابه أكثر من ذلك، لكي يتعلم كيف يحترمها ويحترم أهلها وعلاقتها بهم. وإن كان خائفًا عليها كما يزعم، فلابد له من أن يعلم كيف يتعامل معها.
كان ينام كعادته فوق ذلك السرير المهتريء، فـ تفاجيء بصوت الباب يُفتح، وإذا بـ جوهرة تطل منه، فهتف بسخط:
_ ما السوء الذي فعلته بحياتي حتى أراكِ دائمًا بوجهي؟
جوهرة بسخط:
_ أنت ناكر للجميل، أتُعرف ذلك؟
_ وأنتِ لعينة. ما الذي أتى بكِ؟
جوهرة بنبرة حادة:
_ أريد أن أجعلك تعرف الحقيقة، فأنت صديقي ولا أقبل بأن أراك في هذا المكان أبدًا، ووالدتك التي تحتضر من أجلك…
قاطع حديثها صوت تكه الباب التي وصلت إلى مسامعهم، فتقدمت وعلى وجهها ابتسامة لعوب تشبه لهجتها حين قالت:
_ ما رأيك هل أنا بارعة في التمثيل؟
هارون بسخرية:
_ تُجيدين فعل كل ما هو سيء.
جوهرة بتذمر:
_ أنت تظلمني!
_ هيا أخبريني ما الجديد؟
جوهرة متصنعة الحزن:
_ والدك حالته مثل ما هي، والبرت غاضب للحد الذي يجعله يتأهب للهجوم على القصر بأي وقت.
انتفض هارون ذعرًا، ولكنه حاول الثبات قدر الإمكان، فقال باستفهام:
_ هل ألبرت هنا؟
جوهرة بترقب:
_ نعم، وهو ينوي الانتقام لصديقه.
حاول السيطرة على ما يعتريه من خوف، وقال بجفاء:
_ أنا من يجب عليه الانتقام وليس هو. لذا أخبريه ألا يفعل شيئًا قبل أن آمره.
جوهرة بقلة حيلة:
_ لا أملك سبيلًا معه، وهو غاضب، تعرفه جيدًا.
_ إذن أوصليني به.
_ لا يمكن ذلك.
حاول قمع غضبه وخوفه بقدر الإمكان، لتتابع جوهرة بمكر:
_ ولكني أعتقد أنه سيبدأ بتلك المرأة، والدتك المزعومة. تعرف، فهي السبب بكل شيء حدث له منذ البداية.
كلماتها قذفت الرعب بقلبه، فـ تلاحقت أنفاسه رغمًا عنه، وتولد بداخله طوفان من الغضب الذي جعله يريد أن يفقع عيني تلك الحية التي تتابع تأثير الحديث عليه بترقب، تحفظ بدقة كل ما يمر على ملامحه من انفعالات، لذا حاول أن يكون ثابتًا حين قال:
_ ليس الآن. هناك الكثير مما يجب عليه فعله معها قبل أن تأتي تلك الخطوة.
جوهرة باستفهام:
_ وهل قبلت أخيرًا أن تتخلص منها؟
_ لا لم أقبل ولن أفعل، وطرق الانتقام لا تتلخص جميعها في الدماء. هناك الكثير منها أشد وقعًا من ذلك.
زفر بقوة قبل أن يقول بلهجة آمرة:
_ أخبري ألبرت بأن ينتظر، وإلا سيجد نفسه في مواجهتي. أنا من سيأخذ انتقامه من تلك العائلة، وليس هو أو حتى والدي.
كانت لهجته تتضمن بها قدرًا كبيرًا من الشر، ما جعلها تقول إلى ناجي، الذي على الجهة الأخرى من الهاتف:
_ لا يزال حاقدًا، بل أكثر من ذلك، فقد رأيت في عينيه نيرانًا هوجاء تنتظر الإذن لتحرق الجميع.
ناجي بسعادة:
_ يالها من أخبار مفرحة. فأنا أعلم هذا الداهية سالم. أنه قادر على إدارة العقول بطريقة لا تتخيلينها. ولكن الآن أنا مطمئن بأن سمومي لازالت تسري بشرايين هارون.
ودت لو أخبرته أنه يستطيع إدارة القلوب أيضًا، ولكنها اكتفت قائلة بسخرية:
_ اطمئن، فتأثيرك أقوى من أن يُمحى بسهولة.
كانت تتلفت يمينًا ويسارًا وهي ترتعب من أن يتكرر ما حدث عصر اليوم، إلى أن وصلت إلى ذلك المكان المنشود، فوجدت هذا الحارس يقف في انتظارها، فهتفت بحنق:
_ الله يخربيتك! هتوديني في داهية؟ عايز إيه؟
الحارس بجفاء:
_ الداهية هتاخدك فعلًا لو مسمعتيش الكلام. لازم تعرفي بنتك وبنتها قدام عينينا دايمًا وتحت أيدينا، فظبطي نفسك كدا أحسنلك.
نعمة بذعر:
_ عايزين إيه المرة دي كمان؟
الحارس بقسوة:
_ تسمي فرح!