تحميل رواية «انصاف القدر» PDF
بقلم سوما العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد القصور الفخمة جداً، بعد الدخول إلى باحتها الواسعة مروراً بمساحات كبيرة جداً من الخضرة، نصل إلى الحديقة الداخلية للقصر. الجميع يعمل على قدم وساق تجهيزاً لحفل عيد ميلاد تلك الصغيرة، أصغر أفراد عائلة الخطيب. يتيمة الأب والأم، مليكة، اليوم هو عيد ميلادها الثامن عشر. بداخل القصر، يجلس الجميع على سفرة الطعام لتناول الإفطار. تتقدم الخادمة بالكرسي المتحرك الخاص بالسيدة الفت كي تشاركهم الإفطار. بينما يجلس محمد يتجاذب الحديث بهمس مع كارما، يبدو أنه يتغزل بها. واضح جداً من خجلها وهي تنظر أرضاً لا تع...
رواية انصاف القدر الفصل الأول 1 - بقلم سوما العربي
في أحد القصور الفخمة جداً، بعد الدخول إلى باحتها الواسعة مروراً بمساحات كبيرة جداً من الخضرة، نصل إلى الحديقة الداخلية للقصر.
الجميع يعمل على قدم وساق تجهيزاً لحفل عيد ميلاد تلك الصغيرة، أصغر أفراد عائلة الخطيب.
يتيمة الأب والأم، مليكة، اليوم هو عيد ميلادها الثامن عشر.
بداخل القصر، يجلس الجميع على سفرة الطعام لتناول الإفطار.
تتقدم الخادمة بالكرسي المتحرك الخاص بالسيدة الفت كي تشاركهم الإفطار.
بينما يجلس محمد يتجاذب الحديث بهمس مع كارما، يبدو أنه يتغزل بها. واضح جداً من خجلها وهي تنظر أرضاً لا تعرف ماذا تقول.
على الجهة الأخرى يجلس فادي هائم بتلك الجميلة التي تجلس لجواره.
أما الجميلة، فعينيها على الدرج، تنتظر فارسها، الرجل الوحيد الذي تراه على هذا الكوكب، وربما المجرة كلها.
زادت وتيرة أنفاسها بعنف وهي تراه.
يهبط الدرج خطوة خطوة، على مهل وتروي. يظهر أولاً حذاؤه الأسود اللامع، بعدها بنطال أسود لبذلة رسمية غاية الفخامة. إنها قطعة نادرة، لا يرتدي إلا "وان بيس".
تمرر عيناها على عضلات صدره المفتولة والظاهرة بوضوح، خصوصاً مع ذلك القميص الأبيض. تصل بهيام وتنهيدة حارة إلى لحيته الكستنائية. كم تعشق لحيته هي. ثم تستقر عيناها على عيونه الزيتونية، ثم شعره الكستنائي بنفس لون لحيته. إنه خطر، خطر على قلبها الصغير.
إنه خطر لأنه عامر الخطيب. من لا ترى عيناها غيره. وقعت له منذ أن وعَت وفهمت مشاعر الفتيات، أو ربما لا تعرف متى، لا تتذكر حقاً.
لكنها تحبه بشدة. تشعر أنه يحبها. نعم، تشعر أن له معاملة خاصة معها. بالتأكيد يحبها.
لم تنقطع عيناها ولو ثانية واحدة عن متابعة خطواته الواثقة وهو يبتسم بخفة حين اقترب منهم. يفتح أول أزرار بدلته يقول بهيبة ستقتلها يوماً:
"صباح الخير يا جماعة."
أشرق وجهها كأنها شخص آخر حين التفت إليها يقبّل مقدمة شعرها يقول:
"كل سنة وإنتي طيبة يا ميكا."
كل مرة يقترب منها يفعل بها هكذا. هي الآن متلعثمة في تلك اللحظة. هل تبتلع ريقها أم تبتسم أم تتنفس؟ لما لا يرحم قلبها الذي ما زال يحب أول خطواته في دنيا العشق.
تحدثت بتلعثم وهي تبتلع ريقها:
"وإنت طيب."
تدخل فادي قائلاً:
"كل سنة وإنتي طيبة يا مليكة."
التفت له وقالت:
"وإنت طيب يا فادي، شكراً."
فادي:
"هو فيه شكراً بين واحد وخطيبته ياهبلة."
اغتصبَت ابتسامة على شفتيها تكمل طعامها وهي تنظر ناحيته ترى ردة الفعل. يكمل طعامه بهدوء، يضع الجبن بالسكين داخل الخبز. ألن يتضايق؟ ينهره؟ يغضب؟ مليكة مدمنة روايات ترى ردات فعل الأبطال على حبيبتهم وتنتظر أن تطبق كل شيء يحدث في الواقع. لكن لما هو كأنه لوح ثلج هكذا.
أخذت تسأل وهي تنظر أمامها بشرود إلى أن قطع الصمت صوته وهو يقول لها:
"مليكة مش بتاكلي ليه."
تهلل وجه تلك المسكينة من جديد وأخذت تأكل سريعاً. يبدو أنه يهتم. يهتم جداً. لقد التفت إلى أنها لم تكن تأكل. إذاً هو يهتم.
على الجهة المقابلة لرأس الطاولة التي يترأسها عامر، كانت الجدة الفت تجلس بالمقابل. نظرها مسلط عليهم، مليكة وعامر. كأنها تود قول شيء ولكن لا تستطيع.
تحدثت كارما قائلة بغمزة:
"أيوه أيوه يا عم، ما حدش قدك. أبيه عامر عامل شوية تجهيزات عشانك ماتعملتش لاستقبال الإمبراطورة أوجيني."
عامر مبتسماً:
"هو إحنا عندنا كام مليكة يعني."
ابتسمت بفرحة شديدة. لا يسعها العالم من مجرد كلمات. أي كلمة بسيطة منه تجعلها تمتلك العالم كله. حتى أنها طوال اليوم تظل تعيد بحروفها وتسردها على نفسها تصبرها على انتهاء يومها أو إلى أن يعود مجدداً وتختلق أي حديث بينهما فيقول شيئاً جديداً يصبرها لليوم التالي.
وجدته يكمل قائلاً:
"أنا عارف إن مجموعك للثانوية العامة مش قد كده. طبعاً مش هسيبك تدخلي كلية عادية. لازم كلية قمة زينا كلنا. قدمت لك في الجامعة الإيطالية في هندسة."
لم تركز من أي شيء قاله أو تتعمق في حديثه. لم تشعر أن هناك إهانة لها. كل ما اعتبرته واهتمت به من حديثه أنه يهتم. يهتم جداً. فكر في كليتها. سحب الورق وقدم في الجامعة أيضاً. أووه كم يستحق العشق هذا العامر. إلى هذه الدرجة يعشقها.
وقف يغلق جاكيت بدلته يقول:
"أنا ماشي. يلا يا فادي وراك شغل. وإنت يا محمد الحسابات تكون عندي النهاردة عايزين نقفل الميزانية."
كانت عيونها تقطر قلوب. تراه لا يطيق أن يجلس فادي معها كثيراً. مثل الرواية التي سهرت عليها ليلاً بالضبط. البطل غيور. غيور جداً من خطيب البطلة ويبعده عنها. وهل يوجد بطل مثل عامر؟ إنه يفوق أي شيء. يعشقها جداً هو.
انتبهت على نفسها تنظر حولها وتزفر بضيق وإحباط. فهو قد رحل. عندما يرحل تشعر بكآبة المكان. كأنه ليس بتلك الحلاوة التي كان عليها وهو موجود.
نظرت حولها وجدت الكل غادر ما عدا كارما وجدتها.
لملمت كارما أشياءها وقالت وهي تغادر:
"طب سلام بقى يا ميكا عندي كام مشوار هعمله وكمان هروح أدفع دم قلبي عشان أجيب لسيادتك هدية. سلام... سلام يا تيتا."
قبلت الفت من وجنتها وغادرت سريعاً.
وقفت مليكة من مقعدها واتجهت لجدتها بعدما وجدت جدتها تومئ برأسها لها كأنها تناديها بحزن وحنان.
ذهبت عندها وفهمت من إشارتها أن تقترب لحضنها. ضمتها الفت لحضنها بأسى كبير وهي تتنهد ومليكة تنعم بدفء حضنها.
تعلم الفت ما بقلب تلك الصغيرة تجاه كبير العائلة. تراها ولا تستطيع الحديث أو حتى النصيحة.
جلست مليكة عند قدميها تبتسم قائلة:
"ياترى الفت هانم عبيد جابت لي هدية عيد ميلادي ولا لأ؟"
ابتسمت الجدة بحنان عيونها تومئ بحب وسعادة فابتسمت مليكة على الفور قائلة:
"إنتي هديتي يا تيتا. ربنا يخليكي ليا."
قبلت يدها بحب شديد وهي تستمع لصوت السيدة ناهد (والدة عامر) تأتي من الخلف تقول:
"امممم... البكاشة بتاعتنا كبرت سنة."
التفتت لها قائلة:
"يا صباح الحلويات على أحلى طنط في الدنيا."
ناهد:
"مممم. مش بقولك بكاشة. كل سنة وإنتي طيبة يا ميكا."
مليكة:
"وحضرتك طيبة. فين هديتي."
لكزتها على يدها وقالت:
"ده دايماً كده مستعجلة. بالليل. في الحفلة."
دبت قدميها بالأرض وهي تزم شفتيها كالأطفال وهي تغادر متمتمة بسخط.
تاركة الفت تبتسم بحب عليهم وناهد تقهقه بسعادة تعشق مناوشاتها معها كثيراً.
***
في أحد الأحياء الشعبية.
وقف ذلك الرجل الذي قارب على الخمسين عاماً يولّي ظهره لشقيق زوجته بغضب شديد، في حين يتحدث شقيقها قائلاً بغضب عاصف:
"إنتي أكيد جرى لمخك حاجة يا نجلاء. طلاق إيه اللي عايزة تطلقيه. بعد العمر ده كله. دي بنتك ندى بقت عروسة خلاص. اعقلي وحطي عقلك في راسك."
وقفت بغضب وقد نفذ صبرها:
"أنا مش صغيرة وحقي أعيش العيشة اللي تريحني. أنا تعبت ومش مرتاحة."
صرخت بها أمها تقول:
"اتخشي قطع لسانك. هو فيه زي سي الباشمهندس توفيق؟ راجل مكفّي بيته. مافيش حاجة ناقصاكي. اتخشي وحطي في عينك حصوة ملح. قول لي يابت. إيه اللي ناقصك؟ كل شهر بتاخدي مصاريف بيت يكفي عيلتين. تلاجتك مليانة على آخره. لبس، صيغة وكافة شيء. ألف واحدة بتحسدك على اللي إنتي فيه. وآخرتها عايزة تتطلقي وبنتك بقت عروسة على وش جواز. ياختي ده البطر وحش."
صرخت بعلو صوتها:
"حراااااام عليكوا. حد يحس بيا بدل ما أولع في نفسي."
وقفت أمها تقول بغل:
"قولي لي. قولي لي يابت مين اللي زغلل عينك ميل دماغك عشان تبقي عايزة تتطلقي."
كل ذلك وهو يقف يوليهم ظهره بغضب شديد. وهي فقط مصدومة من كلام أمها عنها. هل وصل بها الأمر كي تضغط عليها لتشكك بها؟ ماذا يحدث؟ وهو ما زال يقف صامتاً كأنه حقاً مظلوم.
انفجرت في الكل تقول:
"والله. حيث كده بقا هو قالكوا إنه رامي عليا اليمين مرتين قبل كده. ومن شوية كانت تالت مرة. إيه. ما تنطق يابيه."
اتجهت أنظارهم له بصدمة وهو يقف مصدوماً لم يتوقع أن تقول كل شيء. فقد عهدها كتومة خائفة. ظن أنه سيحل الأمر بينه وبينها.
تحدث شقيقها بصدمة وقال:
"وكل ده ساكت؟ مطلقها طلاق نهائي وساكت؟ كنت مستني إيه عشان تتكلم."
استدار توفيق يقول:
"أنا كنت ناوي أحل الموضوع أنا وهي يا خالد."
خالد:
"وده هيتحل بينكوا إزاي يابيه. ده خلاص طلاق نهائي. كده لازم محلل."
نجلاء:
"أنا مش عايزة أرجعله أصلاً."
أم نجلاء:
"إنتي اخرسي خالص أما نشوف آخرتها إيه. عايزة تخربي بيتك؟ تبلعي لسانك وما أسمعش حسك لحد ما نشوف حل للمصيبة دي."
خالد:
"مافيش حل. لازم تتجوز واحد غيره. جواز كامل. وده كمان مش سهل لأن صعب نلاقي حد يوافق."
نظرت لهم بجمود. هي لا تريد حلاً من الأساس. تدعو أن لا تجد من يوافق.
خرجوا سوياً بغضب شديد يهمون بالمغادرة ولكن استوقفهم جزار المنطقة (المعلم رجب) بلهفة:
"خير يا ست أم خالد. كان فيه حاجة عند أم ندى. إيه الزعيق ده."
أم نجلاء:
"لا ولا حاجة يا معلم. إنت عارف البيوت ياما بيحصل فيها. فوتك بعافية."
رجب:
"الله يعافيكي. نورتي. نورتينا يا أستاذ خالد."
خالد:
"تشكر يا معلم."
ذهبوا سريعاً وهو ما زال يريد أن يعلم ماذا حدث معها. دقائق ووجد توفيق يغادر هو الآخر بحقيبة ملابسه والغضب يعميه.
تهلل وجهه وانشرح صدره يبدو أنه خلاف كبير بينهم. عاود الجلوس خلف مكتب قذر من الخشب وهو يلتقط مبسم الأرجيلة يدخن باستمتاع وشرود وشبح ابتسامة خفيفة تلوح على وجهه.
***
كانت تجلس مع صديقتها المقربة ندى تقول بتصميم شديد:
"ندى أنا مش هفضل كده كتير. أنا أخدت القرار."
حاولت صديقتها الخروج من تلك المشاكل التي تحدث ببيتها وتندمج قليلاً مع صديقتها علها تنسى قليلاً وقالت:
"مليكة أنا اللي أعرفه إن الولد هو اللي لازم يروح يقول للبنت إنه بيحبها. اللي بتفكري فيه ده تهور وغلط."
أشاحت بيدها تجيب بهيام:
"اديكِ قولتيها بنفسك. الولد. لكن ده عااامر. راجل. مش ولد. صعب ييجي يقولي."
أشارت ندى إلى عقل مليكة قائلة:
"أمال فين مليكة ومخها اللي يودي في داهية؟ خططي وتكتكي لحد ما ييجي هو عند رجليكي يقولك ارحميني بحبك."
مليكة:
"يابت والله أنا حاسة. لالا أنا متأكدة إنه بيحبني. مش هحتاج بقى إني ألجأ لخطتي القذرة خالص. ولا أشغل مخي."
تنهدت ندى وقالت بتصميم:
"لأ لأ برضو. أنا شايفة إن كده تهور منك."
مليكة:
"فيه إيه بس يا ناس. هو ليه كل حاجة محتاجة حاجة؟ ليه الموضوع ما يتخدش ببساطة؟ لو واحدة بتحب واحد ماتروح تقوله. خصوصاً لو هي حاسة إنه بيحبها. ليه لازم خطة؟ ليه لازم تكتكة وتشغيل دماغ لحد ما يقع في المصيدة. إنه بحبه وهو كمان. يبقى خلاص."
ندى:
"أولاً مش أنا اللي هقولك إن الدنيا مش سهلة كده. ثانياً ده لما تبقي متأكدة من حبه ليكي. ثالثاً مانتي من يوم ما عرفتك وإنتي بتكتكي وتخططي ومخك ده يودي في داهية. إشمعنى بييجي عند سي عامر ويقف."
مليكة:
"هييييييح. مالكيش فيه. أنا عمري ما استخدمت عقلي عليه. ده عامر العشق."
ندى:
"اسمعي مني وجربي عقلك عليه مش هتندمي."
مليكة:
"بس يابت. مش هعمل كده. مش محتاجة أصلاً. واضحة جداً بيموت فيا. ده أنا اخترت لون الستاير اللي هغيرها في جناحه. ومن ساعتها بفكر أسمي البنت وعد ولا نغم."
ندى:
"آه يا خوفي."
مليكة:
"سيبك مني وخليكي في صبي الجزار بتاعك ده."
ندى:
"بت لمي لسانك. مش صبي جزار. إيه يعني لما أبوه يبقى شغال جزار مش ذنبه."
مليكة:
"وهتفضلوا تتقابلوا في السر كده كتير؟"
ندى:
"عندك حل تاني؟ مانها وأنا وهو من سن بعض ولسة بندرس. ما يقدرش ياخد أي خطوة دلوقتي. إحنا الاتنين عيال."
مليكة:
"أيوه عيال. خليني أنا في الراجل بتاعي."
ندى بغيظ:
"والله شكلك هتقعي على جدور رقبتك. قومي يلا عشان فاضل شوية على الحفلة يدوب تجهزي. قومي."
شهقت مليكة:
"يانهار أبيض. ده أنا نسيت. الحفلة. عموري. يلا بسرعة."
***
بقصر الخطيب.
اشتعلت الأجواء بذلك الحفل شديد الصخب والتكلفة أيضاً. الموسيقى تصدح في كل الأرجاء.
وهناك في حشد من رجال وسيدات الأعمال يقف بكل هيبته. بذلة رمادية مع قميص أسود. لحيته الكستنائية مهذبة يرفع شعره للخلف. عطره الفاخر يسكر كل النساء حوله. ينظرن له طامعين بأي التفاته إعجاب منه.
وهو يقف. ثابت. واثق. يوزع ابتسامات على الجميع بثقة.
وكل أفراد العائلة مجتمعين. كل منهم يقف مع أصدقائه ومدعويه.
حتى الفت تجلس مبتسمة على كرسيها تتابع الحفل تنتظر تلك الصغيرة معهم.
ثوانٍ وطلت عليهم بكامل حلتها. فستان من الأوف وايت. شعرها مفرود خلفها. مكياج مناسب. حذاء من نفس لون الفستان. تسير بتعجل. تريد أن يراها بهيئتها الخاطفة هذه.
تقابلت مع فادي الذي تقدم منها قائلاً:
"واااااو. قمر. بجد حلوة أوي يا ميكا."
ابتسمت باستعجال عيونها مثبتة ومنتظرة استحسان شخص واحد فقط.
ردت بسرعة:
"شكراً يا فادي. ربنا يخليك."
فادي:
"طب تعالي شوفي هديتك."
لم يأتي حتى الآن لها بلهفة كما قرأت برواية الأمس. لا بأس. لا يريد أن ينكشف حبه وهوسه كما قرأت برواية أول أمس.
وقفت تتلقى التهاني والإعجاب من الجميع بعد قدوم سارة مع حبيبها.
وأخيراً تقدم منها يبتسم قائلاً:
"كل سنة وإنتي طيبة يا ميكا."
أوه. لقبها المحبب منه هو فقط. هو من أطلقه عليها وتحبه منه هو فقط. اللعنة عليها لقد أصبحت مهووسة بعامر.
تسارعت دقات قلبها تقول بعيون تقطر قلوب:
"وإنت طيب."
عامر:
"هديتك بقى السنة دي مختلفة. خلاص تميتي 18 سنة. وتقدرين تطلعي رخصة سواقة. سو... هديتك... هناك أهي."
أشار حيث يوجد شيء كبير مغطى بغطاء أحمر.
بإشارة من يده رفع الغطاء أمام وشهق الجميع من منظر تلك السيارة (ميني كوبر) من اللون البمبي.
اتجهت إليها سريعاً لا تصدق. دائماً ما كانت تبدي إعجابها بتلك السيارة بالذات. تراها لطيفة مثلها.
تنظر له بانبهار لا تصدق وهو فقط يبتسم لها.
عادت إليه سريعاً وقالت:
"شكراً شكراً. حلوة أوي بجد. أنا. أنا عايزة أقولك على حاجة مهمة أوي."
قاطعهم صوت ناهد والدته. تنادي الجميع من بعيد وهي تتقدم بقالب الجاتوه مع صوت أشهر أغاني أعياد الميلاد.
اضطرت لتأجيل كل شيء وذهبت تطفئ الشمع وهي تصر على وجوده لجوارها.
تحدثت ندى بسرعة قالت:
"استني استني. غمضي عينك واتمني أمنية بسرعة."
وهل يوجد لديها أمنية غيره؟ لا شك بالتأكيد هذه هي الأمنية التي دعت بها الله في تلك اللحظة. تمنت أن يجن جنونه بها ويصبح مهووس مليكة كما تقرأ برواياتها المفضلة.
التف حولها الجميع يقدمون لها هداياهم التي لم تلتفت لها. عيونها مثبتة على عامر. وهي تراه يقف الآن مع تلك الأنثى الشقراء التي لا تعرفها. تراها تضع يدها على صدره بدلال وهي تضحك بغنج مستفز. والأكثر استفزازاً هو ضحكاته التي يطلقها. ألا يعلم ذلك الغبي أن هناك من يغير عليه بجنون؟ لما لا يعمل لها حساب.
تركت الكل واتجهت إليه سريعاً. لن تنتظر وتفكر أكثر. يجب أن تأخذ موضعها بحياته. أن تبدي غيرتها وحقها به أمام الكل وفي النور.
وقفت على مقربة منهم تقول:
"عامر ممكن دقيقة."
التفت لها مستغرباً. تناديه اليوم دون أي ألقاب كما عودها.
نظرت تلك الشقراء لها باستخفاف وقالت:
"إيه يا حبيبتي. مش تراعي الأدب وتقولي أبيه ولا عمو ولا أي حاجة. وكمان مش شايفة إنه واقف معايا."
ولا كأنها سمعت شيئاً. نظرت له بتصميم وقالت:
"ثواني لو سمحت."
نظر لها مطولاً وقال:
"أوكي. عن إذنك يا شاهي."
حاولت تناسي ذلك الغضب منه. لم يردع تلك الأفعى ويحذرها من أن تحدثها هكذا وأيضاً يستأذن منها. ولكن صبراً صبراً. الآن سيتغير كل شيء حينما تعطيه الضوء الأخضر فلا يخاف شيئاً ويعترف هو الآخر بحبه لها وبعدها يصبح كل شيء من حقها وفي النور.
وقفت بارتباك. لم تكن تعلم أنها ستكون هكذا. ظنت أنها ستقول كل شيء بقوة وثبات. ولكن عامر حبيبها. له هيبته على كل حال.
عامر:
"إيه يا مليكة هنفضل واقفين كده. قولي كنتي عايزة تقوليلي إيه. آه لو على الكلية. ماتخافيش أنا خلاص قدمت لك لازم تبقي كلية قمة طبعاً زي كل ولاد الخطيب."
أخذت شهيق عالٍ وقالت:
"لا أنا مش مش عايزة أقولك كده. أنا عايزة أقولك إني بحبك."
اتسعت عيناه فاكملت:
"أنا بحبك أوي ومن زمان وخلاص عايزة أقولك كل ده. أنا عارفة إنك بتحبني بس متردد تيجي تقولي عشان..."
قطع حديثها وهو لم يستطع كبت ضحكاته.
هوى قلبها بين قدميها. تشعر بالبرودة تسري وتنخر بعظمها وهي تستمع لقهقهاته العالية يقول:
"إيه يا ميكا اللي بتقوليه ده. بحبك إيه لأ ومتاكدة كمان. إنتي عندي زي كارما بالظبط. لأ لأ إنتي بنوتي اللي أنا مربياها. ههههههه مش معقول أنا مش مصدق بجد. عشان كده دايماً مؤجلة خطوبتك من فادي. إيه يا حبيبتي الخيال الأوفر ده. يا مليكة ده أنا لو كنت مبطل شقاوة من بدري شوية كنت جبت بنوتة قريبة من سنك."
كان قلبها هو الذي يدمع. عيونها لم تدمع بل قلبها. تستمع له بذهول وقد تجمد كل جسدها. قلبها ممزق كأنه يعبث به بيده والدم يسقط منه. وهو بكلماته تلك كأنه يده تقبض وتبسط على قلبها الذي في قبضة يده وهو لا يبالي. كأنه يعبث وهي تتألم.
حاولت إيجاد صوتها تقول بصوت مختنق:
"بس. بس إنت. إنت دايماً بتعاملني معاملة سبيشال. و. وو. ودايماً بتقولي يا حبيبتي."
عامر:
"مانتي بنوتي حبيبتي. أنا اللي مربياكي من وإنتي خمس سنين لما جيتي من عند جدتك بعد ما ماتت من إسكندرية."
تحدثت بضياع تشعر أن كل شيء انهار حولها بضياع:
"يع. يعني إيه."
عامر باستعجال:
"خلاص يا ميكا يا حبيبتي. ماتديش الأمور أكبر من حجمها. إنتي كنتي فاهمة غلط وأنا صححتلك الصورة. يلا بقى أنا لازم أمشي دلوقتي. كل سنة وإنتي طيبة."
قبل مقدمة رأسها كأنه لم يحطمها ويستهزأ بها وبقلبها الصغير. أراد أن يأخذ الأمر ببساطة لكن لم ينتبه أنه قد سخر واستهان بمشاعر بنت صغيرة. قلب صغير. حلمها أن ترفرف في سماء الحب. قلب بنوتة صغيرة رَقَّ وحب. أحب شخص استهان به بل واستهزأ وضحك.
لا، والأكثر والذي لن تنساه طوال عمرها وهي تتوارى خلف الشجر تراه وهو يرحل مع تلك السيدة. تسحبه معها بغنج مقزز. اليوم. وبنفس اللحظة. ألم يحترم حتى حرمة تلك المصارحة؟ إنه حطم ورفض حبها الآن. ألم يكن بمقدوره السهر معها غداً؟ في تلك اللحظة وهي تراه يقود السيارة يغلق زجاج النافذة ويغادر خارج بوابة القصر الضخمة سمحت لنفسها بالانهيار والبكاء. تبكي وتنتحب على ما فعله بها. لقد حطمها بكل برود.
جاءت ندى سريعاً بعدما كانت تقف من بعيد تراقب كل شيء. اقتربت وهي ترى انهيار صديقتها أرضاً. ودون أن ينتبه أحد على كسرتها وانهيارها سحبتها سريعاً لغرفتها. تستمع لكل ما حدث.
لقد قاربت الشمس على الشروق وهي تبكي وتخبر ندى بكل شيء.
انفجرت ندى بوجهها تقول:
"جايلك كلامي؟ هو ده عامر اللي بتموتي فيه. ده كلب. طب كان رفض بهدوء واحتواكي وفهمك بالراحة. ليه يضحك ويعمل كده. اتفاجئ أوى بروح*** يقوم يعمل كده. ورايح يسهر سهره حمرا في نفس اليوم."
استمعت إلى بوق سيارته يعلن عن وصوله حتى يفتح له البواب.
ندى:
"اتفضلي. لسه راجع من عند الهانم. ملتزم أوي عامر بيه الخطيب ده. من السرير للبيت على طول."
أغمضت مليكة عينيها بأسى وحزن على من حطم قلبها واستهان بمشاعرها البريئة. هو الوحيد الذي كانت وديعة معه ولم تشغل أفكارها الجهنمية عليه ولم تستمتع يوماً لنصائح صديقتها. إنما سارت وراء حبها العذري.
سحبت الغطاء عليها تريد أن تنام ولا تقوم ثانية.
أغلقت ندى الأضواء وهي تتصل بأمها أخبرتها بما حدث مع مليكة وأنها ستظل عندها حتى تتحسن.
ثلاثة أيام مرت وهي لم تبرح غرفتها. الجميع يسأل عنها وندى تخبرهم أنها مريضة قليلاً من يوم الحفل.
على الفطار كان يجلس كالعادة يترأس المائدة. ينظر لذلك المقعد الفارغ يقول بقلق:
"هي مليكة مش هتنزل النهاردة بردو."
ناهد (والدته):
"لسه تعبانة. الجو يومها فعلاً كان مرطب وهي كانت لابسة كت وقصير أوي. تبقى إن شاء الله كويسة."
شعر ببعض القلق يتذكر حديثه معها اعترافها له. أكيد مغتاظة نفسياً مما قاله. أو ربما لا تقوى على مواجهته.
صمت فهي بالتأكيد يومين وتكن بأفضل حال.
تحدث فادي:
"طب أنا هطلع أحاول أجيبها تفطر معانا. ماينفعش نسيبها كده."
ولكن صدح ذلك الصوت الذي جعل الكل ينظر خلفه وخصوصاً عامر تتسع عيناه بذهول وهو يراها بكل تلك القوة تتبختر على السلم بجوار صديقتها تقول:
"لا أنا جايه بنفسي يا فادي."
ينظر لها مستغرباً بشدة. يشعر أن هناك شيء مختلف بها. ربما قوة لم يعدها. بريق لامع بعينيها. ربما أنوثة زائدة. لا يعلم لكنها اليوم مختلفة. لما لم تهتم بنظراته عليها كما اعتاد دائماً.
يراها تجلس تسحب إحدى شرائح الجبن الرومي وهي تبتسم لصديقتها التي جلست لجوارها بمرح شديد. توقع أن تكون منهارة. لكن لم يحدث.
وهي تجلس بجوار ندى توعد بتغيير وقلب كل الموازين. من يظن نفسه كي يهزأ بمشاعر وقلوب الغير ويرفضها بتلك الطريقة. ستجعل الحلم حقيقة. تقسم أن تفعل.
رواية انصاف القدر الفصل الثاني 2 - بقلم سوما العربي
تجلس ببيت ندى لا تصدق ما تسمعه. والدة صديقتها، والتي تتخذها رمزاً للعقل والحكمة، خرجت عن صمتها وتريد الطلاق.
كانت نجلاء تقوم بصب القهوة لها ولمليكة لحين استيقاظ ابنتها الكسولة. تنهدت وهي تلاحظ نظرات مليكة موجهة لها بصدمة.
تحدثت قائلة:
"عارفة أنتِ بتقولي عليا إيه دلوقتي؟ زي أمي وإخواتي وكل الناس. الناس شايفيني اتجننت على كبر. شايفين قدامهم باشمهندس قد الدنيا، مكفي بيته وعياله. دايماً وهو راجع من شغله شايل ومحمل، وأي حاجة نطلبها بنلاقيها. ما يعرفوش إن الباشمهندس المحترم ده سرقني."
اتسعت أعين مليكة، فأكملت:
"أيوه سرقني. سرق عمري، سرق شبابي. لما تعيشي مع راجل عمره ما حبك ولا حتى حاول. عمره ما قالي كلمة حلوة ولا حتى شكر أو اعترف بأي مجهود بعمله. وكل كلامه: 'وانتِ قاعدة في البيت بتعملي إيه يعني؟'. على فكرة، أنا عارفة إن فيه رجالة كتير مش بتعرف تعبر عن حبها وبتتحرج من كده، بس على الأقل بتترجمه لأفعال حتى لو بسيطة. ده غير إن الباشمهندس توفيق لسانه حلو أوي بره. بره البيت بيتحول. عايش معايا وهو نافش ريشه، مستكتر نفسه عليا ودايماً موصلي الإحساس ده. لما بقولك سرق عمري مش ببالغ. عارفة يعني إيه لما تبقي طول عمرك عايشة مع بني آدم محسساكي إن هو ده بس اللي تستحقيه؟ هو ده أقصى حاجة ممكن توصليلها وماتحلميش ولا تطمعي في أكتر من كده. طول عمري شايفة نفسي حلوة. معاه بدأت أحس إني مش حلوة أصلاً من طريقته معايا. طول الوقت عنده علاقات، كلام خروج. ولما أنطق أمي تقولي: 'طالما بيخلص لف بره وييجي ينام في فرشتك يبقى خلاص'. خلاص خلاص خلاص. لما بقا العمر كمان خلاص. عمري اتسرق من غير ما أعيش ولا أحس بأي لحظة حلوة. دايماً عايشة في ضغط واسترس. لا الأكل بيعجبه ولا ذوقي في ترتيب البيت ولا حتى شايف إن بعرف ألبس عدل. هه، ده حتى تربيتي لبنتي مش عاجباه ودايماً كان يعلق على كلامي، ألفاظي. انتِ متخيلة أنا عايشة في إيه؟ ده غير إني تقريباً مش عارفة عنه حاجة. معاه كام بيقبض كام؟ ومش مسموحلي حتى أعرف. لما أتكلم يرد عليا بقرف ويقولي: 'مش ليكي إن اللي بتحتاجيه تلاقيه، مالكيش فيه بقى'. عارفة يعني إيه يا مليكة إن أعرف أخبار جوزي من سلفتي؟ وتبقى قاصدة تقول قدامي قال يعني وقعت بلسانها عشان بس تكيدني وتقولي: 'إيه ده هو توفيق مالكيش؟ طب والنبي ما تقولي لحد إني قولتلك حاجة'. متخيلة كل ده عيشت فيه سنين؟ ضيعت فيها شبابي وأنا بسمع لنصايح أمي العاقلة وأني أحافظ على بيتي وما أخربش على نفسي وكل الحاجات دي. وأدي النتيجة. عمري ضاع على الفاضي. تعبت ومابقتش قادرة أستحمل أكتر من كده."
كانت تستمع لها بصدمة. من يراها لا يصدق أبداً أنها هي نفسها تلك المرأة التي تبتسم وتتعامل وكأن لا شيء يحدث، كأنها تعيش حياة مستقرة هادئة.
تحدثت بصدمة:
"يعني ناويه على إيه يا طنط؟"
تنهدت نجلاء وقالت:
"مش عارفة. بس كل اللي أعرفه إن خلاص. إحنا اتطلقنا ومش هيقدروا يضغطوا عليا ويرجعونا لبعض. عمري ما هرجعله تاني."
مليكة:
"طب وندى؟"
نجلاء:
"ندى هي اللي استحملت عشانها كل ده وهي خلاص كبرت ومصيرها تفهم. زي ما انتِ فهمتيني هي هتفهم."
مليكة:
"بس ماينفعش. حبستك في البيت دي. لازم تخرجي وتغيري جو، كده غلط عليكي. انتِ بقالك أكتر من أسبوعين ما شفتيش الشارع."
نجلاء:
"لأ، مانا قررت أخرج معاكوا النهارده."
اتسعت أعين مليكة:
"إيه التحول الرهيب ده."
نجلاء بإصرار:
"أنا عيشت دور الضحية كتير أوي. وبعد كل السنين دي عرفت إن المسكنة والكسرة مش هتفدني ولا هتوصلني لحاجة. يمكن لو كان حصلي كده من كام سنة كنت انكسرت واكتئبت. بس دلوقتي وفي سني ده، أنا في عز النضج. هخرج وهتبسط. وفي الأول والآخر مش بعمل حاجة غلط. ده أنا كمان هتصل بيه أطلب فلوس."
كاد فم مليكة يسقط أرضاً وهي تستمع لها وتقول:
"بجد؟ وهتقبليها على نفسك؟"
احتست نجلاء بعض القهوة باستمتاع وهزت كتفيها قائلة:
"اممم. وما أطلبش ليه؟ دي أقل حاجة أصلاً. قولتلك مش هعيش دور الضحية. ده أنا هطلب وهطلب وهطلب. وأنا عارفة إنه هيدفع. ده حقي وحق بنتي. ما يجيش حاجة قدام عمري اللي راح معاه."
مليكة:
"أيوه بس هيبقي مديها لكِ وهو حاسس إنك محتاجاه أو إنه بيجبن عليكي."
ضحكت نجلاء بسخرية:
"ههههه. ضحكتيني والله يا مليكة. حبيبتي، هو هيفضل شايف كده طول عمره سواء طلبتي منه فلوس أو لأ. مش هستفاد حاجة لما أحسسه إن بجملت وأنا أكبر من إني أحتاجلك وكده. مش هيشوفني أصلاً. افهمي بقى، ده واحد مش حاسبني من البني آدمين أساساً. أنا هاخد منه اللي أقدر عليه ومش هاخدها على كرامتي خالص. مش هيبقى تعاسة وفقر كمان."
تعمقت مليكة في حديث نجلاء، تشعر أن معها كل الحق فيما قالت.
نجلاء:
"بتت. سرحتي في إيه. اشربي القهوة يلا على ما أدخل أصحى ندى وألبس أنا كمان."
بعد ساعة تقريباً.
كن يخرجن ثلاثتهن من البناية يخططن ليوم أكثر من رائع. كانت نجلاء ترتدي بنطال أبيض واسع مع توب أبيض وعليهم جاكيت صيفي طويل من اللون (البيبي بلو) وحجاب مدمج من اللونين. كانت في قمة أناقتها وأنوثتها، تسير معهن وكأنها قريبة من عمرهن.
جلس المعلم رجب أمام محل الجزار التابع له ينفس دخان أرجيلته وهو يضع قدم فوق الأخرى. اعتدل بسرعة وانشراح صدر وهو يرى تلك المرأة التي طالما كانت حلماً صعب المنال. تسير أمامه بكل تلك الأنوثة والجمال.
وقف سريعاً يقول بأدب:
"صباح الخير يا ست أم ندى."
وقفت نجلاء ومعها الفتاتين، وندى تسترق النظر داخل محل الحزارة.
نجلاء باستغراب:
"صباح النور يا معلم. خير في حاجة؟"
رجب باستعجال:
"الا انتِ رايحة فين كده؟"
نجلاء:
"نعم؟!"
استدرك نفسه وذلة لسانه النابعة من شغفه ولهفته عليها وقال:
"لا ولا مؤاخذة مش القصد. أنا... أنا بس بقالي كذا يوم مش بشوف سي الباشمهندس توفيق. الا هو فين؟ مش خير إن شاء الله؟"
نجلاء:
"وهو انت يا معلم قاعد راصد كل رجالة الحتة وعارف مين بات في فرشته النهاردة ومين لأ ولا إيه؟!"
رجب:
"ها؟!!..... لا مش القصد. إني بس شوفته من قيمة أسبوعين كده واخد شنطة هدومه ومن ساعتها مارجعش، فقولت نسأل لا يكون في حاجة ولا محتاجين حاجة ولا في مشكلة كبيرة إن شاء الله. ااالاسمح الله يعني."
رفعت مليكة حاجبها تنظر لندى وكذلك ندى لديها نفس الشعور.
نجلاء:
"لا كلك واجب يا معلم. لا خير إن شاء الله ماتقلقش. عن إذنك... يلا يا بنات."
ذهبت من أمامه وهو يقف بدقات قلب عاليه وانفاس مسلوبة. مجرد وجودها أمامه، طلتها، هيئتها، رائحتها، وقوفها أمامه وجهاً لوجه حلم كبير جداً. سبحان الله من النقيض للنقيض.
طوال اليوم ومليكة تحاول أن تقلد نجلاء في كل شيء. لن تعيش حياة الضحية، لن تكن نجلاء الثانية وتتزوج من رجل لا يراها من الأساس. تحاول أن تستمتع بيومها وتدخل السرور على قلبها بنفسها كما ترى نجلاء تفعل بالضبط. فقد ذهبت نجلاء للتسوق، اشترت الآيس كريم وأصرت على أن تأكله وهي تسير في الشارع. ذهبت معهم للملاهي، فعلت أشياء كثيرة بيوم واحد. كانت عازمة على الذهاب للبيت وهي لا ترى أمامها، تستلقي على الفراش بنفس ملابسها من شدة التعب وقد كان.
كذلك فعلت مليكة مثلها بالضبط. لطالما كانت علاقتها بوالدة ندى جميلة جداً، كأنهم أصدقاء. لكن طوال يومها وأثناء ما هي تتخذ قراراً بأن تحيا بسعادة لم تنسَ أبداً تارها مع عامر الخطيب. لن تصمت أبداً أو تجعل الأمر يمر هكذا، لن تعيش هي أيضاً بدور الضحية.
عادت للبيت منهكة جداً. لا تريد أو تقدر إلا على النوم. كانت قد دلفت للداخل وهي بطريقها لصعود الدرج. جاء صوته من خلفها يقول بغضب:
"مليكة... كنتِ فين لحد دلوقتي؟"
استدارت له بتعب في أول مواجهة لهم بعد ذلك اللقاء المخزي منذ أسبوعين.
مليكة بثبات:
"في حاجة يا ابيه."
عامر:
"أظن سمعتي سؤالي. كنتِ فين لحد دلوقتي؟"
مليكة:
"كنت فين؟ باينة أوي إني كنت برا البيت."
عامر:
"إيه ده بجد؟ تصدقي ما كنتش واخد بالي."
بعدها هدر بغضب يقول:
"كنتِ فين؟"
مليكة بتعب:
"هو حضرتك بتعلي صوتك عليا ليه؟"
عامر:
"لما بنت من بنات الخطيب تخرج طول اليوم لوحدها ومن غير ما تقول لحد وكمان ترجع متأخرة كده عايزاني أسكت. بصي حواليكي يا هانم... كل البيت نايم وحضرتك لسه راجعة من بره. قولتي لمين إنك خارجة أصلاً."
مليكة:
"قولت لفادي."
عامر:
"وانتِ بقيتي بتاخدي إذنك من فادي دلوقتي؟ ما طول عمرك بتاخديه مني أنا."
مليكة:
"مش هو خطيبي؟ وبكرة يبقى جوزي. لازم أتعود آخد الإذن منه هو وبس."
عامر:
"والله؟"
أغمضت عينيها تبتسم داخلياً بخبث تقول بإعياء شديد:
"آه. والنبي سبني بقى يا ابيه عشان مش قادرة أقف على رجلي، حاسة هقع وأنام هنا دلوقتي."
مثلت أن قدميها لم تعد تحملها بإحتراف شديد، فتقدم سريعاً بغضب يتلقفها بيده ويحملها على ذراعيه يصعد بها الدرج يقول:
"ليه كنتِ فين كل ده مش قادرة تقفي على رجلك كده."
مليكة بخمول:
"على فكرة ما يصحش كده، أنا هطلع لوحدي."
عامر:
"لأ ماهو واضح إنك قادرة تطلعي أوي... كنتِ فين كده طول اليوم مخلياكي مش قادرة تقفي على رجلك."
مليكة:
"في الملاهي."
عامر:
"الملاهي؟ ولوحدك بقا؟"
مليكة:
"لأ طبعاً مع صحابي."
نظر لها بنظرات مذبذبة، يشعر بشيء غريب وهو يحملها كعروس هكذا بين يديه. رغم أنه فعلها كثيراً جداً وهي صغيرة. ماذا؟ وهل كبرت الآن عليه؟ هي لازالت مليكة الصغيرة التي رباها. كان يتمتم بذلك يقنع نفسه بشدة. لكن رائحتها أصبحت مختلفة عن آخر مرة حملها فيها. آخر مرة حملها كانت رائحتها ممتلئة بالطفولة والبراءة، لكن الآن رائحتها تذبذبه وتوتر جسده. لكنه تمالك حاله بغضب مما يفكر به، ينظر لها بغضب لما جعلته يشعر به. وضعها على الفراش ببعض من الحدة يقول:
"طب نامي... والصبح لينا كلام تاني."
هم بخلع حذائها فقالت بسرعة وتوتر:
"إيه إيه.. إيه يااا ابيه أنا هقلعها وأنام."
عامر:
"إيه؟ مانا ياما غطيتك ونيمتك."
مليكة:
"أنا كبرت خلاص مابقاش ينفع. لو سمحت اطلع عشان أغير هدومي."
كانت تتحدث بجدية وخبث في نفس الوقت. وهو ينظر لها صامتاً لدقيقة يتمعن ويستوعب، إلى أن هز رأسه وقال:
"أوكي. تصبحي على خير."
خرج من عندها مذبذباً حقاً وأفكاره مبعثرة وهي تخلع كل حذاء على حدة تلقيه أرضاً بإهمال وكبر، توعد له بالكثير والكثير.
صباح يوم جديد.
يجلس الكل على طاولة الإفطار كالعادة. الكل موجود ما عدا فادي الذي ذهب بعطلة لأيام مع أصدقائه. ومليكة التي لم تحضر حتى الآن. كانت الجدة تهمهم كأنها تود قول شيء، فقالت ناهد:
"إيه يا ماما... بتسألي عن مليكة؟"
نظر لهم بطرف عينيه يرى الفت تومئ برأسها إيجاباً فتجيب أمه:
"خلاص بعت داده اعتماد وصحت ونازلة أهي."
ابتسمت الفت تحاول تناول طعامها بصعوبة بيدها. أكملت ناهد حديثها وقالت:
"على فكرة يا ماما.. أختي صفاء وبنتها جايين يقضوا معانا يومين. ده طبعاً بعد إذنك."
ابتسمت لها الفت مرحبة وهو يغمض عينيه بملل. هل كان ينقصه خالته وابنة خالته (هديل) ومخططات أمها بزواجها منه؟ أيضاً مشاكل مليكة الدائمة معها. همممم الآن فقد ترجم كل شيء واستوعب. إنها الغيرة. كانت تفعل معها ذلك وهي تعلم أن هناك خطط لأن تكون هديل هي عروسه. لذا اليومين القادمين ستكون هناك مشاكل كبيرة من الغيرة وخلافه.
عاود تناول طعامه بغرور وهو يتذكر ويعرف ركض مليكة خلفه واهتمامها الكبير.
ثواني وكانت تهبط الدرج ترتدي فستان ناعم من الأخضر. ترفع شعرها عالياً، تشع جمال ورائحة جميلة، يبدو أنها غيرت عطرها. هذا ما كان يفكر به وهو يقلب عينيه بملل. يعلم، سيجن جنونها الآن وتزيد من جرعة الاهتمام بعد معرفتها بقدوم هديل.
ماذا؟! لم تهتم حتى بقول سلام خاص به كما كانت تفعل، وإنما ألقت سلاماً جماعياً. ينظر لها بقوة وهو يجدها لا تنظر له ولو مرة واحدة، لم تحن منها أي التفاته ناحيته. ماذا هناك؟ أين مليكة التي كانت دائماً عيونها عليه، تراقب كل حركة وكل كلمة. كان بالطبع يلاحظ اهتمامها الكبير وتوددها واختلاق أي حديث تماطل به كي يطول. لم يكن يعلم السبب ولكنها بيوم عيد ميلادها فسرت له كل شيء.
أين كل هذا الآن؟ حسناً، لا بأس فهى على أي حال سيجن جنونها الآن بعدما تعلم أن خالتها قادمة. ولكن لما لم تتحدث أمه بالأمر ثانية؟ تباً، ألا تعلم الآن؟ يريد أن تتحدث أمه من جديد كي تعلم تلك الصغيرة وينتشي من ردة فعلها المجنونة كما عهدها سابقاً. لا بأس، اهدأ يا عامر لا تقلل من هيبتك، بالتأكيد ستتحدث أمك الآن.
مرت دقائق والجميع على وشك الانتهاء من الفطور وأمه لم تعيد حديثها. وتلك مليكة لم تلتفت له ولو بنظرة. عصبيته جعلت كل شيء يخرج عن السيطرة، فتحدث فجأة وقال:
"وهما هيقعدوا قد إيه يا أمي؟"
عامر سيظل عامر. هيبته وكبره جزء لا يتجزأ منه. برغم عصبيته يتحدث بكبر وكلمات مقتضبة وعلى الطرف الآخر أن يفهم ما يقصده بتلك الكلمات القليلة بل ويجب سريعاً. يستمع لأمه وعيونه مثبتة بغضب عليها وهي لم يرمش لها جفن، بل تضع المربى على الخبز وتقضم بأسنانها باستمتاع شديد رغم حديث أمه التي قالت:
"ممكن تلات أيام. انت عارف خالتك صفاء بتحب جو البيت هنا أوي هي وهديل."
لازالت تكمل طعامها وهي تبتسم لجدتها، كأنه غير موجود، كأن الجميع غير موجود. ألا يوجد على تلك المائدة غير جدتها تنظر لها وتتفاعل معها. أين مليكة التي عهدها تختلق معه أي حوار وتصب كل اهتمامها عليه هو فقط حتى نظرات العيون. وهناك على طرف الطاولة فرد وحيد يتابع كل شيء بفرحة كبيرة، وهي الجدة الفت. تنظر لمليكة تبتسم وكأنها تدعم ما تفعله. هي الوحيدة التي تلاحظ غضب عامر مهما حاول كبته.
مازال ينظر لها بغضب ينتظر أي نظرة أو التفاته، لكنها لم تفعل كأنه هواء. لم يعد يحتمل أكثر تحدث بغضب فجأة افزع البعض وجعلهم ينظرون له باستغراب:
"مليكة... خلصي فطارك وحصليني على المكتب."
هم يغادر بثقة وثبات ولكنه توقف على صوتها الناعم:
"مش هينفع يا ابيه أنا اتاخرت ولازم أخرج دلوقتي. خليها بعدين."
استدار لها بغضب وألفت تبتسم بشماتة وانتشاء.
عامر:
"نعم؟ أنا أما أقول تيجي ورايا يبقى تيجي ورايا. وكمان تعالي هنا... رايحة فين وقولتلي لمين إنك خارجة وهتروحي فين ومع مين وراجعة إمتى؟"
تدخلت ناهد:
"فيه إيه بس ياحبيبي ماتهدى إيه كل الأسئلة دي. ماتسيب البت تخرج وتفك."
عامر:
"لو سمحتي يا أمي ماتدخليش."
عاود النظر لها يقول:
"ماتردي."
مليكة بهدوء:
"أنا قولت لتيتا إني خارجة. صح يا تيتا."
أومأت الفت برأسها تبتسم بشماتة عليه.
عامر:
"لأأأأ.. ده أنا لازم أفهم فيه إيه. أقل من دقيقة وتكوني قدامي في المكتب. سامعة."
هدر بالأخير بغضب افزعها رغم أي شيء وشتت ثباتها. أخذت نفس عميق تهدأ روعها تستعد للقادم وهي تضع زيتونة كبيرة في فمها تنظر لالفت التي تتابعها بحماس وسعادة. وقفت تعدل من ثيابها وتعيد فرد خصلات شعرها خلفها بكبر. مالت على جدتها تقبل رأسها قائلة:
"مالك مبسوطة بزيادة كده النهاردة."
اتسعت ابتسامة الفت أكثر وأكثر فقالت مليكة:
"والله شكلك فاهمة كل حاجة ومدبرة."
أومأت لها الجدة سريعاً بحماس توافقها الرأي فاتسعت أعين مليكة:
"أنا قولت كده بردو يا تيتة يا سوسا انتي."
لكزتها الفت توبخها في حين صدح صوته بغضب يستعجلها:
"ملييييييكه."
نظرت لالفت بابتسامة وقالت:
"هاااااي. استعنا على الشقا بالله. قوينا على الشر يارب."
ضحكت الفت وهي ذهبت بهدوء وثبات له.
دقات على مكتبه تبعها صوته الغاضب:
"ادخلي."
دَلفت بهدوء فقال:
"اقفلي الباب وتعالي."
نفذت الأمر بهدوء وثبات واتجهت لتقف مقابل مكتبه.
عامر:
"أنا عايز أفهم حالا فيه إيه؟"
"كتلة برود وغرور متحركة. يسأل وكأنه لم يفعل شيئاً. كأنه لم يكسر قلبها وخاطرها من أسبوعين. كأنه لم يحرج طبيعتها ويرفضها. ولم يكن رفضاً عادياً، إنها رفض مهين، مخزي. تتألم كلما تذكرت ضحكاته التي فشل في كبتها، ومغادرته في نفس الدقيقة مع تلك الشقراء. وبعد كل هذا يغضب لأنها تحولت ولو قليلاً. كم هو أناني. يريد أن ترفضه وتظل تهتم كالسابق."
ردت بثقة:
"عايز تفهم إيه؟ هو إيه اللي محتاج شرح مثلاً وأنا أشرحلك."
توترت نظراته. تلك الصغيرة تضعه بخانة إليك. ماذا يقول الآن؟ هل يخبرها أنه غاضب من زوال اهتمامها ولهفتها عليه... أم لأنها أصبحت لا تأخذ أوامرها منه؟ لأول مرة يضعه شخص بهذا الموقف، أن يقف عاجزاً عن الرد. وقد فعلتها مليكة. أصغر فرد يتعامل معه في حياته كلها.
تحدث بعد مدة يحاول الثبات:
"إزاي تتأخري امبارح برا كل ده.. وما تقوليش إنك خارجة."
مليكة:
"أولاً أنا قولت لحضرتك.. إني قولت لفادي وأنا..."
قاطعها بغضب:
"وانتِ بقيتي بتاخدي إذنك من فادي خلاص؟"
قلبت عينيها بملل مصطنع تقول:
"على فكرة حضرتك قولتلي كده امبارح بردوا وأنا قولتلك إنه خطيبي وهو اللي المفروض آخد الإذن منه مش حد تاني."
ينظر لها بغضب. منذ متى هذا الكلام.
تحدث هو:
"ومن إمتى الكلام ده."
مليكة:
"اعتبره من النهارده أو امبارح وات إيفر يعني. وبعد إذنك بقا عشان مستعجلة ولازم أمشي."
عامر:
"أنا لسه ما خلصتش كلامي."
مليكة:
"ممكن نكمل لما أرجع.. لازم أخرج دلوقتي."
عامر بغضب:
"مالك بقيتي متسرعة كده وعايزة تخلصي كلام معايا وتجري. فيه إيه؟"
أعادت فرد خصلاتها البنية خلف ظهرها بدلال وكبر تقول وهي تهم للمغادرة:
"معلش مستعجلة.. نكمل كلامنا بالليل. باي يا ابيه."
عامر:
"ماشي.. ماشي يا مليكة أما أشوف فيه إيه."
قالها وهو يتحجج بالأساس. ما صدق أن وجد حجة تجعله يفتح معها حديثاً بالمساء بعد ذلك التجاهل الذي أصبح يواجهه منها وهو غير معتاد على ذلك.
مر اليوم سريعاً على الجميع وها هو يجلس بغرفته ينتظر أن تأتي وتكمل حديثها الذي قطعته في الصباح. يعلم، لقد عادت منذ ساعة. وكما تعود ويعلم، ستأتي الآن تفتح معه الحديث. بكل غرور وثبات ظل يجلس على مقعده بهدوء داخل مكتبه ينتظر أن تأتي إليه وهو سيتصنع الانشغال بالطبع.
مرت 15 دقيقة أخرى ولم تأتِ. تفاقم غضبه من تجاهلها له وخرج من مكتبه سريعاً يصعد الدرج. كانت تجلس بغرفتها تضع طلاء الأظافر على يديها وهي تغني بدلال وخبث:
"أنا مش مبيناله أنا ناوياله على إيه.. ساكتة ومستحلفاله ومش قايلة له ساكتة ليه.. خليه يشوف بعنيه.. إيه اللي ناوية عليه هخليه يخاف من خياله لما أغيب يوم عن عنيه.. كتر خيري إني آمنته واستحملته يا قلبي زمان ييجي عليا واعديه ويسوق فيها معايا كما..."
قطع غناءها وهي تراه يفتح باب غرفتها بغضب. ابتسمت داخلياً كانت تعلم أن ذلك سيحدث ولكن ليس بهذه السرعة أبداً. ادعت الغضب تقول:
"إزاي حضرتك تدخل أوضتي كده من غير ما تخبط؟ ما يصحش كده أبداً. عيب."
لم يعير حديثها اهتماماً وقال:
"انتي قاعدة تغني وتحطي بتاع على ضوافرك وسيباني أقعد استنى كل ده."
استدارت تكتم ضحكاتها المتشفية تقول:
"ما اسمهوش بتاع اسمه 'مونيكير'. وبعدين حضرتك مستنيني ليه؟ هو فيه حاجة؟ (كان فيه حاجة إن شاء الله 😅)"
عامر:
"نعم؟ أنا مش قولتلك هنكمل كلامنا بالليل.. ماهو ساعتك كنتِ مستعجلة أوي الصبح."
مليكة:
"أنا مش فاهمة بجد إيه اللي هنتكلم فيه. حضرتك بصراحة مدي الموضوع أكبر من حجمه الطبيعي. خلاص خرجت وجيت. أخدت الإذن من فادي مـا حصلش حاجة لكل ده. الموضوع بسيط. وبعدين حضرتك راجل كبير ومسؤول عندك مسؤوليات واهتمامات أكبر بكتير من إنك تقعد تدقق مليكة الصغيرة راحت فين وجت منين. كان الله في العون والله. اهدى وكبر دماغك كده صحتك. هتركز في إيه ولا إيه."
"من هذه؟" سؤال يردده الآن. أين مليكة التي كان هو شغلها الشاغل؟ الآن تطلب هي منه ألا يعيرها اهتمام. تضعه بين المطرقة والسندان تحرجه، كأنها تقول له لا حجة لديك كي تهتم.
نظر لها بعند وكبر وقال:
"ماشي. أنا جيت بس أحذرك هديل جاية بكرة ومش عايز بقى شغل العبط ولعب العيال والمشاكل والمناكفة بتاعت زمان دي سامعة؟"
رغم كل شيء كانت داخلها غيرة مشتعلة ولكنها انتبهت على حديثه. يحدثها بكل غرور يخبرها بمنتهى العنجهية ألا تفعل أفعال الغيرة هذه لا يريد مشاكسات. ابتلعت غصة مؤلمة بحلقها وقالت:
"لأ ماتقلقش. ممكن بعد إذنك بس عشان راجعة تعبانة ومحتاجة أنام."
هز رأسه بمعنى نعم؟
مليكة:
"إيه؟ عايزه أنام. اتفضل."
ردد بذهول:
"اتفضل؟!"
مليكة:
"آه اتفضل. هو أنا بشتمك؟ بقولك اتفضل عشان عايزة أنام."
قبض على أصابعه يده بغيظ وقال:
"هتفضل ماشى."
خرج من عندها بغضب ولكنه رغماً عنه أصبح ينتظر قدوم هديل بفارغ الصبر.
في الصباح.
تقدمت السيدة صفاء تدخل من بهو القصر يرحب بها الجميع. ومعها فتاة ذات جمال هادئ، وجه خمري مستدير وعيون سوداء. ترتدي دريس سماوي بأكتاف حول الذراعين وحذاء أرضي بسيط. كانت خجولة وجميلة حقاً. تجلس تبتسم وتتحدث مع الجميع.
جاء عامر فغمرته صفاء بقبلات وأحضان ترحب به ترحيب شديد:
"أهلاً أهلاً يا حبيبي وحشتني."
عامر:
"أهلاً بيكي منورانا. أهلاً يا هديل إزيك."
ابتسمت برقة:
"الحمد لله. إزيك أنت يا عامر."
أجابها وعيونه على الدرج ينتظر تلك اللحظة منذ الأمس:
"الحمد لله تمام."
صفاء:
"والله انتوا وحشتونا أوي. وخصوصاً انت يا عامر. أهههه.. ده حتى هديل هي اللي أصرت وقالتلي لازم نروح نزور خالتو وعامر. مش كده يا هديل؟ أههه."
أغمضت هديل عينيها بحرج وقد سئمت أفعال أمها وتلك المواقف التي تصر على وضعها بها. هي يوماً لم تسعَ لأي شيء مما تخطط له والدتها ولكنها ذات شخصية ضعيفة ومهزوزة جداً.
أما عامر فتهلل وجهه يبتسم بثقة وخبث يستعد لتلك المعارك والمناوشات التي ستحدث الآن بين مليكة وهديل كالعادة.
يستمع لصوت خطواتها على الدرج، وهو يراها ترتدي بنطال من الجينز ضيق به بعض الخدوش. وفوقه تيشرت عليه رسمة شبابية. جمعت شعرها قطتين. ترتدي نظارة مدورة من الزجاج الشفاف. يبدو أنها ستخرج اليوم بلوك جديد أو فعلت ذلك لتبرز جمالها أمامه وأمام هديل. لكنها وللحق جميلة جداً اليوم وبهيئة يجب أن يعترف فعلاً بذلك.
لكنه ما زال يبتسم بثقة ينتظر وكله فرحة القادم. ولكن تلاشت ابتسامته وتحلت معالم الصدمة وجهه وهو يراها تتقدم منهم بهدوء ووداعة مرحبة:
"طنط صفاء إزاي حضرتك... إزيك يا هديل... إيه الجمال ده؟ احلوّينا أوي."
احتدمت علامات وجهه بغضب لم يكن يتوقع أن يغضب يوماً من تصالحهم هكذا. ما الذي يحدث هنا؟........
رواية انصاف القدر الفصل الثالث 3 - بقلم سوما العربي
يجلس مقابل صديقه (كارم) الذي يرمقه بنظرات محتارة.
يرتشف بضع من قهوته ويعاود النظر إليه.
كارم: في إيه يا عامر مالك كده؟
عامر: مالي؟
كارم: مش عارف.. مش مظبوط خالص.. كأنك مستني حاجة او حد.. قاعد عمال تفرق على الكرسي زي العيال الصغيرين.
عامر: إيه اللي بتقوله ده.. ماتلم نفسك يالا.
كارم: الله مش بقولك اللي أنا شايفه... انت مش مظبوط والله.
عامر: بقولك إيه.. انت هتعمل شغل المباحث ده عليا... اشرب قهوتك وانت ساكت.
كارم: ياخي حرام عليك دي رابع قهوة أشربها، أمال فين الغدا.
عامر: قول كده بقا.. حاضر يا سيدي هنأكلك.
ثم أخذ يتطلع حوله ربما تكون قد عادت من الخارج.
منذ الصباح بعدما رحبت بخالته وابنتها بحفاوة غير عادية أو متوقعة خرجت.. حتى لم تتناول الفطور معهم.
وقد قارب المغرب على الأذان ولم تأتي حتى الآن.
كارم يجلس يتابعه... كل حركاته.. بحكم مهنته هو متأكد أن صديقه به شئ.
كانت كارما تسير باتجاه هديل تحمل معها بعض المسليات فتحدث عامر سريعاً: كارما... كارما.
أتت سريعاً تقول: مساء الخير.. مساء الخير يا حضرة الظابط.
كارم: مساء النور ازيك يا كارما.
كارما: الحمد لله.
عامر: احمم.. اا لو الكل بقى موجود قوليلهم يحضروا الغدا.
كارما: ماشي هخليهم يحضروه.
عامر: يعني مليكة رجعت؟ أنا قاعد من بدري في الجنينة ماشوفتهاش.
كارما: لا ماهي بعتت رسالة على موبيل تيتا إنها هتتغدى برا.
حاول عدم الشعور بالضيق.. عادي... فلتأكل بالخارج وما يعنيه هو بالأساس.
ذهبت كارما وظل كارم يسلط نظراته الثاقبة على صديقه.
كارم: هي فين مليكة صحيح... وحشتني العفريتة دي.. بقالي مدة ماشوفتهاش.
عامر: ها. مش عارف.. خرجت من بدري.
كارم: اممم... بس انت بتسأل عليها ليه؟
عامر: إيه يابني مش مسؤلة مني.
كارم: مسؤلة منك اااه.. صح عندك حق.
نظر له عامر بضيق وصمت.
وكارم مازالت نظراته عليه يبتسم بخبث يود الضحك بشدة.
عامر: في إيه ياض انت بتبصلي كده ليه... أنا غلطان إني مصاحب واحد زيك.
كارم: والله أنا اللي غلطان في حق نفسي إني مصاحب واحد زيك.. حويط ومش صريح أبداً... قاعد من الصبح فيك حاجة.. عمال تفرك وتتلفت حواليك زي اللي عامل عامله وبتتحجج وتسأل على مليكة... عبط إحنا بقا.. مانا أكيد هربط الأحداث ببعض يعني وأفهم إنك بتتلف تشوفها رجعت ولا لأ.
عامر: إيه الهبل اللي بتقوله ده.. انت عبيط.
كارم: بص بس عشان القفشة بتاعتك دي مش هتجيب معايا.. أنا قاريك يالا.. انطق وقولي إيه سر التغيير المفاجئ ده.. في إيه؟
عامر: يابني مفيش.. كل الحكاية إني عايز أتابعها بنفسي.. حصل حاجة كده من فترة خلتني أحس إني لازم أتابعها أكتر.
زم كارم شفتيه بعدم اقتناع يضع أصبعيه تحت ذقنه يقول: اممم... بجد.. حاجة إيه دي؟
عامر بلامبالاة وكبر: أبداً يا سيدي.. جت يوم عيد ميلادها تقولي إنها بتحبني وبتاع وكلام كده... مش عارف إزاي تفكر كده أصلاً.. ولا فاكرة أو بتقول إنها متأكدة إني بحبها بردو.. شغل هبل في هبل كده.
ينظر لصديقه ينتظر الانبهار أو الصدمة.
كارم يعلم ذلك.. يعلم أن صديقه ينتظر منه أن يصدم ولكنه لن يفعل فليجعله يهبط من سماءه العالية قليلاً ولا يتحدث هكذا عن مشاعر بنت صغيرة كل ذنبها أنها أحبته.
كارم بهدوء: طيب وبعدين.
عامر: إيه اللي وبعدين.. انت ماسمعتش اللي أنا قولته؟
كارم: لا سمعت.. بس عااادي جداً وبيحصل كتير.
زوى عامر مابين حاجبيه بضيق وقال: هو إيه اللي عادي يابني انت؟
كارم: أيوه.. بص هفهمك... هي قالتلك بحبك صح؟
عامر: هممم صح.
كارم: بطل تناكة أهلك دي ورد عليا عدل وحياة أبوك.
عامر: احترم نفسك يا***** وكمل.
كارم: ماعلينا.. هبلع الإهانة عشان مش عايز أضربك قدام أهلك.. أول حاجة طبيعي جداً إن بنت في سنها تقريباً انت اللي مربيها تقولك كده.. دي مشاعر مراهقة يعني ممكن حست كده ساعتها بعدها بساعة واحدة لأ.. بطلت.. مابقتش بتحبك ولا حاجة.. في السن ده وخصوصاً البنات بيبقى عندهم تغيرات كبيرة وسريعة.. يعني ممكن اللي تحبه النهاردة تاني يوم تشوفه عادي... مراهقة.
صدم عامر كلياً وقال وهو يعتدل قليلاً على مقعده: نعم؟
كارم: إيه أول مرة تسمع الكلام ده.. مادرستش علم نفس قبل كده؟
كان عامر صامتاً فقط مصدوماً مما يقال.
فاكمل صديقه: طب احكيلي كده بعدها كانت بتتعامل معاك إزاي؟
تحدث عامر بعد دقيقة من الصمت والزهول يخبره بما حدث وأنها تغيرت كثيراً بل وتتعامل كأنها لم تخبره شيئاً.
كل ذلك وكارم يشعر أنه لا.. تلك الصغيرة حقاً تكن له شيئ.. هذه ليست أول مرة يكن فيها بيته ويلاحظ اهتمامها به.. لكن ليربي عامر قليلاً ربما تحدث المعجزة ويتغير جبل الجليد هذا.
كارم بهدوء: طيب شوفت... زي ماقولتلك بالظبط.. والدليل على كده إنها بتتعامل بهدوء وبراحة خالص.. هو حاجة من الاتنين.. يا أما هي كانت بتحبك فعلاً ولما انت قلت كده اتضايقت من نفسها إنها حبت واحد حيوان وجلف زيك.
عامر: ولااا.
كارم: اسمع مني أنا بكلمك كأخ.. رد فعلك على كلامها كان بشع يعني لو هي بتموت فيك ردة فعلك كفيلة إنها تكرهك ألف مرة.. مش بتحبها ومش عارف تشوفها كده ترفض أه بس تحترم مشاعرها مش تقعد تضحك وتقرقع أوي.. هي قالتلك نكتة ده انت حيوان أوي.
عامر: كاااارم.
كارم: بلا كارم بلا زفت على دماغك.. بنوتة صغيرة وحلوة جايه تقولك وبنفسها بمنتهى البراءة أنا بحبك تقوم انت تقعد تتقهقه أوي كده يا اللي ما عندكش دم يا زبالة... يا خي ياريتها كانت حبتني أنا وأنا كنت فتحت حتة من ضلوعي كده ودخلتها جواها خبيتها وروحت نمت وأنا مرتاح ومبسوط... عارف يعني إيه يا مهزق يا عديم الدم لما بنوتة في سنها تروح تقول لواحد إنها بتحبه عارف ولا أنت أعمى القلب والبصر.... مش كفاية إنها حبت واحد زيك بسنك اللي عجز وتقلت دمك وبرودك.. يخربيتك ده أنت ما فيش فيك ميزة... وكمان بتتنك أوي... أنت عارف واحدة حلوة جدا جدا جدا زي مليكة وصغيرة كام واحد يتمناها وأنت تقولها انتي بنوتي... يا أخي جتك البلا في تقل دمك وسماجتك.
كل هذا وعامر مصدوم.
هل كل ما اعتقده غير موجود.. هل فعلاً أصبحت لا تهتم.. توقفت عن حبها له.. والدليل على ذلك تغيرها الكامل.
نظر بصدمة ناحية كارم وقال: والاحتمال التاني؟
كارم: الاحتمال التاني إنها مشاعر مراهقة سريعة وجديدة عليها... حست كده وقتها فاجأت تقولك وبعدها مافيش... هما شوية أحاسيس جديدة حست بيهم وعبرت عنهم وبعدها خلاص مافيش.
عامر: إيه؟
كارم: لأ ده في احتمال أنيل وأنيل.
عامر: إيه هو؟
كارم بمكر: إنها بتحبك.. أب.. أخ. مش أكتر وهو ده كان قصدها ساعتها.
صدم عامر على الأخير يتحدث بزهول: إيييه؟
كارم ببرود: آه.. هي مثلاً قالتلك عايزاك تتجوزيني.. تخطبني.. أي حاجة من الحاجات دي؟
ردد عامر بصدمة: لأ.
كارم: طيب ما يمكن قصدها إنها بتحبك بالشكل ده. الأب والأخ.. أنت ليه دماغك راحت في حتة تانية؟
ابتلع لعابه يقول: لأ.. لا يا كارم ماكنش قصدها كده.
كارم: وأنت تعرف منين.... ولا أنت اللي من جواك بتتمنى إن ده يكون قصدها.
رفع نظره له بتفاجئ يقول: قصدك إيه؟
كارم: مش قصدي.. بص أنا عارف إنك طول عمرك شايفها بنتك.. ولحد دلوقتي أنا عارف ومتأكد إنك يعني ملحقتش تحبها.. بس أنت الكبر اللي بيجري في دم أهلك ده صورلك إنها جايه تقولك بموت فيك.. ما يمكن قصدها حاجة تانية... هو هو نفس الكبر اللي مخليك دلوقتي مش متقبل فكرة إنها بطلت تجري وراك ويبقى كل اهتمامها متركز عليك أنت لوحدك وأنت لا تهتم ولا تاخد بالك.. عايز ترفض حبها وكمان تهين مشاعرها اللي عبرت عنها بمنتهى الفطرة والبراءة وهي لازم تفضل متجننة بيك بردوا.. طب أنت مين قالك أو فهمك إن ده هيحصل.. هتتصدم شوية وتفوق من الوهم ده... ده كلامي ده كله أصلاً على اعتبار إنها كانت قاصدة تقولك بحبك كحبيب وحبيبة مش أب وبنته.
ابتلع عامر ريقه مرة أخرى بصعوبة وقال: يعني.. يعني دلوقتي إيه اللي حاصل.
كارم ببرود: ياسيدي ماتهتمش ولا تاخد في بالك.... كله بيتنسي.
احتدمت نبرة عامر قليلاً وقال: ماتنطق يازفت.
كارم بمكر: ياسيدي أنت بتكلمني كده ليه... هو أنا دكتور نفسي ده أنا ظابط شرطة.. هما بس كلمتين قاريهم من الكتب بتاعة أمي اللي مالية البيت مش أكتر.
عامر: طب قول كلامك للآخر.
كارم بخبث: أنت مدي الموضوع أكبر من حجمه ليه بس.. الموضوع خلص خلاص.
عامر: خلص؟!
كارم: أيوه أمال أنت مفكر إيه... خلص.. هي تقريباً كده هتلاقيها اتصدمت يومين طبعاً ده بفضل رد فعلك الكيوت الحساس وبعدها فاقت وقررت تخرج من الدايرة اللي هي عملتها لنفسها.
عامر: يعني إيه.
كارم: هو كل حاجة يعني إيه يعني إيه. مش عارف حاجة في دنيتك خالص فالح بص هقهقه قوي وهي بتقولك.
عامر: كاكاااارم.. أخلص أنا مش ناقصك.
كارم: أنا مش عارف الموضوع ده مخلي أعصابك فلتت ليه. بس هفهمك وخد في واحد زيك ثواب.. بص ياسيدي دلوقتي وبحكم إني دخلت بيتكم كتير هقولك إنها كانت مخلية يومها أو مركز حياتها أنت. بمعنى أصح كانت عايشة في عالم عامر الخطيب.. كل حاجة متركزة حواليك أنت.. بعد اللي سيادتك هببته وبعد ما فاقت من الصدمة أول خطوة هتعملها إنها تخرج بره الدايرة دي وتحاول تصنع لنفسها دايرة جديدة تعيش بيها وعليها... الأيام الجاية هيبقى كل تركيزها إنها إزاي تبسط نفسها.. نفسها وبس.
عامر: يعني إيه تخرج بره دايرتي؟!
كارم: ومالك مصدوم كده.. مش هو ده اللي أنت عايزه.
صمت عامر فقال كارم: هو الخوف الأكبر من حاجات تانية.
رفع عيونه له وقال بسرعة: حاجات إيه؟
كارم: يعني.. واحدة مصدومة في حبها الخوف تروح تدور على حب تاني بسرعة عشان تثبت لنفسها إنها حلوة ومرغوبة خصوصاً بعد ما أنت كسرتها بالشكل ده.
عامر: كسرتها؟
كارم: أيوه... أمال أنت مفكر إيه.. أنت حطمتها مش بس كسرتها... الخوف الأكبر هو إنك بقيت تهتم قوي وأنت مش واخد بالك.
عامر: إيه اللي بتقوله ده.. دي مسؤولية وأنا دايماً بتابعها.
كارم: يبقى خلاص.. اللي حصل حصل وللأسف أنت مش هتقدر تصلح فيه حاجة.. الأمل الوحيد واللي ممكن يبقى زي ما قولتلك احتمال كبير إنها كانت بتعبر عن حبها ليك كأب وأخ حد مربيها وليه فضل عليها يعني مش أكتر.
صمت ينظر بخبث لملامح صديقه التي بهتت وقال: ادعي معايا.
أما عامر فلم يدعي بشيء.. بماذا ينصحه أن يدعي ذلك الأبله.. لقد صدم من حديثه الأخير.. لا يتوقع أن يكون اعترافها على أنه أب وأخ... لا أبداً.. كانت تنظر له بعشق وو..
قطع حبل أفكاره المصدومة صوت كارم: إيييه روحت فين... خليهم يحضروا الغدا بدل ما أقلعكوا هنا... يالا أنا جوعت.
***
في أحد المقاهي على النيل كانت تجلس مع مجموعة من أصدقائها منهم من يدخن الأرجيلة ومنهم من يشرب سجائر.. الجميع يضحك يتحدثون مع بعض.
على أحد الجوانب كانت تجلس تحتسي مشروب الكوكتيل المثلج تستمع لهم يخططون لرحلة جديدة.
ندى: ها إيه رأيك... تعالي نغير جو.
مليكة: لا ماليش نفس.
ندى: يابنتي فكي بقا... يالا نطلع لنا يومين أنا بجد عايزة أهرب من مشاكل البيت دي.
مليكة: أمشي أروح فين وأسيبه؟
اتسعت أعين ندى وقالت بصدمة: ينهار أسود.. هو أنتِ لسه زي ما أنتِ.
بادلتها مليكة باستخفاف وقالت: لا مش زي ما أنا.. كل حاجة اتقلبت.. مش هسكت يا ندى على اللي عمله... مش هسيبه إلا أما يجيب حقي برقبتي.. أنا بني أدمة لحم ودم.. قلبي فيه نار بتغلي ومش هيبردها إلا أما يبقى مكاني.
ندى: أنا حاسة بيكي بس هتعملي كده إزاي هو مش شايفك أصلاً.. كان من باب أولى كنتِ عرفتي تخليه يحبك.
مليكة: كنت بتعامل بطيبة.. أنتي كان عندك حق.. مفيش حاجة في الدنيا دي بتمشي بالساهل كده.. فعلاً كل حاجة محتاجة حاجة... لازم خطة. لازم يبقى فيه بلان بي.. أنا كنت بتعامل بالفطرة.. خلينا نجرب مخنا بقا.
ندى: يخربيتك... ناوية على إيه.
مليكة: كل خييير. اطلبيلي بقا واحدة بيتزا لارج عشان مهبطة.
***
في تلك الحارة التي تسكن بها نجلاء.
كانت تجلس تقلب في هاتفها بملل.
لقد أخذت دش بارد للتو يقلل من ذلك الحر قليلاً.. ثم قامت بتشغيل المكيف.. وضعت طلاء أظافر من اللون البمبي وأخذت تقلب بهاتفها.. فلتحترق توفيق ولتحترق أيامه.. تدعو الله ألا تعود تلك الأيام ثانية.. كم تشعر بالراحة في البعد عنه.. طوال ما هو موجود تشعر بالتوتر.. الارتباك.. أن لديها ألف شيء وشيء تفعله.. لا وقت لديها لتدليل حالها أبداً... طلاء الأظافر هذا ما كانت تجد وقت حتى لتضعه.
أغمضت عينيها لا تريد أن تتذكر تلك الأيام.
أخرجها من شرودها صوت جرس الباب.
أحضرت شيئاً طويلاً تغطي به رأسها.. فتحت القليل من الباب تخرج رأسها فقط كي لا يظهر جسدها بمنامة البيت.
أطلت برأسها للخارج وجدت المعلم رجب يقوم بتمشيط شعره الأسود على جنب.. يعدله بيده كل ثانية وهو يبتسم باتساع: مساء الخير يا ست أم ندى.
نجلاء باستغراب من هيئته ومن وجوده ومن كل شيء: مساء النور.. أهلاً يا معلم. خير في حاجة؟!
رجب بابتسامة واسعة بلهاء: أبداً دول شوية كوارع ولحمة راس لسه طازة يستاهلوا بوقك.. أول ما جالي الطلب الوصاية ده جيتي على بالي على طول.
رمشت بعينيها ببلاهة تقول: اا.. ليه يعني يا معلم أنا ما وصيتكش على حاجة أنا أصلاً مش باكل الكوارع ولا لحمة الراس لا أنا ولا ندى.
رجب: إزاي بس يا ست البنات.. دول يروموا العضم ويشدوا الجتة ويقووا الصحة.
رددت ببلاهة: ست البنات؟!!... لا كتر خيرك يا معلم متشكرين.
رجب ببعض الحزن الحقيقي: ليه بس كده يا ست البنات ده النبي قبل الهدية.
نجلاء: وكمان هدية! لا شكراً يا معلم أنا مش بقبل هدايا من حد غريب.
رجب بحزن: وهو أنا غريب بردوا يا ست البنات.. ده إحنا جيران وولاد حتة واحدة.. أحياة النبي ماتكسفيني.
أحرجت نجلاء كثيراً وقالت كي تنهي الموقف ويذهب من أمام بيتها: معلش يامعلم أعفيني.. أنا حتى مش بعرف أطبخهم وبقرف من ريحتهم.
اتسعت ابتسامته على الفور يقول بسرعة: لاااا لو على كده محلولة بعون الله... بالاذن أنا دلوقتي يا ست البنات.
ذهب سريعاً بفرحة عارمة وهي تنظر لأثره بزهول تردد: ماله الراجل ده... وإيه ست البنات ست البنات هو شايفني راجعة من درس ولا مدرسة.. ده أكيد عبيط.
***
في المساء.
كان يجلس وحيداً في بهو الفيلا المطل على الحديقة يفكر في كلمات صديقه.. حتى الآن لا يعلم لما هو متضايق من فكرة عدم اهتمامها به كالسابق.
وجدها تدلف بهيئتها تلك التي خرجت بها في الصباح نفس البنطلون الجينز والتيشرت الأبيض وتلك القطتين التي تصنعهم بشعرها البني الجميل... شرد بها قليلاً وهي تتقدم في الحديقة تتصفح هاتفها.. يقر أنها جميلة جداً جداً.. بل رائعة التكوين... ينظر تجاهها وهو يعلم أنها لن تعيره انتباه بالتأكيد.. ربما ستلقي سلام عابر وتصعد لغرفتها.
بالفعل تحدثت قائلة: مساء الخير يا أبيه.
نظر لها أووه. إنها تبتسم. رد سريعاً: مساء الخير يا مليكة.. عاملة إيه؟
كان يسأل بصدق.. يود أن يطول الحديث ولو لثواني قبل أن تتركه مع تجاهلها الجديد هذا.
لكن.. انشرح صدره وهو يجدها تقترب منه تجلس لجواره قائلة بمرح: الحمد لله كويسة جداً.
استغرب كثيراً جلوسها معه كالسابق وقال: كنتِ فين؟
مليكة: كنت مع صحابي.
عامر: أكلتي؟
قالها باهتمام حقيقي وهي تنظر له بتتمعن ثم قالت بخبث: مش أوي.. تيجي نعمل حاجة سريعة ناكلها... ولا.. لا لأ خلاص سوري.. ماكنتش أقصد.. أنا عارفة إن ماينفعش عامر بيه يدخل المطبخ أصلاً.. هروح أنا.
وهل سيضيع تلك الفرصة فهي وبعد أيام طويلة من التجاهل عادت تهتم من جديد.
رد سريعاً: لا هاجي معاكي.. يالا.
ابتسمت بوداعة وقالت: بجد.. طب تعالى.
مدت يدها تسحبه خلفها.. وهو.. ينظر ليديها يشعر بأشياء جديدة عليه كلياً وأهمها أنه سعيد جداً.
ذهبت به للمطبخ تخرج بعض أنواع من الجبن المختلفة.. تصنع لها وله بعض الشطائر... وهو يتابعها بعينين متحمسة سعيدة.. كأنه يكتشفها من جديد.
انتهت من صنع الشطائر واقتربت منه بهدوء.
فجأة وجد نفسه قريب منها جداً... يتنفس بصعوبة وهي ملتصقة به هكذا تقريباً داخل أحضانه.. يغمض عينيه باستمتاع رهيييب وجديد وهو يجدها تحاول أن تطول بيدها ماكينة القهوة التي خلف ظهره.
مليكة بهمس: سوري ممكن بس أعمل كوفي لينا.
تاه عامر بها وبقربها.. ينظر لها نظرات جدية ولا يجيب.
أخرجته من تلك المتاهة وهي تقول مجدداً: ماكينة القهوة وراك.
رمش بعينيه وتزحزح قليلاً لكنه لم يبتعد إنما أفسح لها فقط.. يريد أن يظل على ذلك القرب وتلك المسافة منها.. ملامحها بذلك القرب مذهلة وهي تكاد أن تكون ملتصقة به يشتم رائحتها.
كانت منشغلة بصنع القهوة وهو منشغل بمتابعتها.. لا يعرف لماذا يحرقه الشوق لاحتضانها.
انتهت سريعاً ونظرت له بابتسامة لطيفة: خلصت... تعالي نقعد.
جلست على أحد المقاعد تعطيه القهوة مع أحد الشطائر تقول: أمال الناس فين... مش شايفة حد هنا خالص؟
لازال سحرها واقع عليه ولم يستفق أو يجيب.
مليكة: أبيه.. أبيه عامر.
عامر: ها.
مليكة: سرحت في إيه؟
عامر: لا ولا حاجة كنتي بتقولي إيه؟
مليكة: كنت بسأل على باقي الناس فين كارما ومحمد وطنط وتيتا وهديل وطنط صفاء.
عامر: جدتك أخذت الدوا ونامت من بدري.. وباقي الناس راحوا حفلة لمسرح مصر.
مليكة: واااااااو.. بجد طب وما حدش قالي ليه؟
عامر: وأنتِ بقيتِ فاضيلنا أصلاً ولا بنشوفك.
مليكة: لا موجودة أهو بس بحب أخرج مع صحابي اللي من سني مش أكتر.
عامر: اللي من سنك امم.. ماشي.
مليكة: وأنت ماروحتش معاهم ليه؟
عامر: أنا.. أنا أروح أوبرا.. أروح حفلة أوركسترا.. مش الهلس ده لأ لأ.
مليكة: امممم.. صح عندك حق. وهي تتمتم داخلياً (بتاع النايت كلوب بيروح أوبرا حور أوي حور يا بتاع الستات أنت).
عامر: كنتِ فين بقا؟
مليكة: طب كل الأول عشان أحكيلك.
ابتسم باتساع وانشرح قلبه فقد عادت مليكة القديمة.
أخذ يأكل سريعاً يستمع لها تحكي ما فعلته بيومها إلى أن وصلت لرحلتهم جميعاً فقال بسرعة: إيه.. رحلة.. وأنتِ هتروحي معاهم.
وضعت يدها على يده بسرعة جعلت القشعريرة تسري بجسده سريعاً وقالت بوداعة وبحة مميزة أغرقته: لأ وأنا من امتى بروح مكان أنت مش فيه أو من غير ما أقولك.
لأول مرة يفرح بحديثها الذي طالما كانت تقوله... لكنه الآن سعيد بكل حرف تنطق به... سعيد جداً بيدها التي على يده ينظر لعيونها تارة وليدها على يده تارة أخرى وهو غارق بأشياء كثيرة لا يعرف لها تفسير إطلاقاً.
انتهت من الطعام سريعاً وظلت جالسة معه تختلق الأحاديث كما كانت تفعل قبل ذلك اليوم المخزي... لكن الجديد الآن أنه مهتم جداً وسعيد على عكس الماضي حينما كان يستمع لثرثرتها فقط كي لا يحرجها.
يتحدث معها ويسأل عن أشياء كثيرة كي يطول الحديث أكثر وأكثر.
وقفت تقول: الوقت اتأخر... يالا نطلع ننام.
عامر: لأ لسه بدري دول حتى لسه ما حدش فيهم رجع.
مليكة: لأ مش قادرة أفتح عيوني خالص بنام على نفسي.
عامر: لأ خلاص يبقى لازم تنامي.
ابتسمت له بلطف وتعلقت بيده تقول: طب يالا وصلني لأوضتي.
وهل سيرفض.. هو الآن يحلق في السماء من جديد.. كل أحاديث كارم التي كانت تزعجه طوال يومه غير صحيحة.. لقد عادت له مليكة من جديد... مليكة التي تهتم به أكثر من أي شيء على الإطلاق.
صعد معها السلم وهي تضع يدها بيده.. ينظر على يدها الصغيرة داخل يديه يريد أن يستشعر أصابعها كل على حدى مثل أي مراهق.
وقف على باب غرفتها وهم لفتح الباب فقالت: يالا تصبح على خير بقا.
عامر: إيه هدخلك تنامي زي ما كنت بعمل زمان.
اقتربت من أذنه حد الخطر تهمس بحرارة تقصدها جداً: ده كان زمان وأنا صغيرة مش شايف أنا كبرت إزاي.
قالت كل حرف قاصدة به هدفها ببراعة... تشعر بأن حرارته قد ارتفعت بالفعل وهو يقف متصلباً مزهولاً هكذا وهي كل ما فعلته أنها دلفت لغرفتها وأغلقت الباب.
وهو ظل لدقيقة يقف يستوعب ما يحدث له وما أصبح يشعر به.
تحرك ببطء لا يقوى عليه وذهب تجاه جناحه.. يلقي بجسده على الفراش بإهمال وهو يغمض عينيه بمتعة رهيبة وكل ما يشغل باله.. لقد عاد اهتمام مليكة من جديد.
***
في صباح اليوم التالي.
بشقة نجلاء خرجت من المطبخ تمسح يدها بمنشفة صغيرة خاصة بالمطبخ وهي تسير بسرعة إثر صوت ذلك الجرس المزعج وابنتها نائمة.
فتحت ندى باب غرفتها تقول: إيه ده في إيه يا ماما مين اللي بيرن الجرس كده وعلى الصبح.
نجلاء بعصبية: أنا عارفة.
فتحت الباب وجدت صبي في الثانية عشر من عمره يحمل لفة كبيرة بيده يقول: صباح الخير يا خالتي أم ندى.
نجلاء: صباح الخير يا بني أنت مين ولا عايز مين؟
الصبى: أنا حوكشا.. اللي شغال في مسمط أم تغريد.
نجلاء: تشرفنا يا سي حوكشا أمر.
حوكشا: ما يأمرش عليكِ ظالم.. الطلب ده ليكوا.
رددت ندى التي تقف خلفها بزهول: لينا؟!
حوكشا: أيوه. المعلم رجب الجزار موصي عليه بنفسه وقال لازم يجيلكم على الفطار... ده موصي المعلمة وخلاها تفتح بدري مخصوص عشانكم... اتفضلوا... بالاذن أنا بقا.
ذهب سريعاً وتركهم ينظرون لبعض ثم لتلك اللفة بصدمة حيرة كأنها قنبلة وعلى وشك الانفجار بوجههم.
***
في قصر الخطيب.
استيقظ من نومه وعلى شفتيه ابتسامة تعرف طريقها ذاتياً لوجهه لأول مرة.
أخيراً عادت مليكة كالسابق... وقف سريعاً يؤدي روتينه اليومي كي يهبط لهم.. اشتاق لأن تصب اهتمامها عليه.. سيذهب سريعاً كي يحظى به أمام الجميع كما كان.
ارتدى بدلة من اللون الأسود.. ساعة يده الماركة. عطره الخاص به وحده وقميص أسود مشدود.. حذاء لامع.
هبط الدرج بسرعة ينظر تجاهها هي فقط... ابتسم براحة وهو يجدها جالسة من قبله كما كانت تحرص دائماً ولم تتأخر مثلما أصبح يحدث منذ أسبوعين.
مليكة عادت له.
ألقى السلام على الجميع وللعجب وجد نفسه يلقي بسلام خاص لها فقط.. كانت هي تفعلها دائما سلام للجميع ثم سلام خاص به وهو الآن فعلها بفطرة.
لكن كانت الصدمة من نصيبه وهو يجدها ترد على سلامه ببرود دون أن تنظر له.. تكمل طعامها وكل تركيزها مع جدتها من جديد.
ثم وقفت دون أن تلقي عليه نظرة واحدة.. تخطف قبلة من وجنة جدتها تقول: أنا رايحة لندى زي ما قولتلك يا تيتا.
أومأت لها الفت سريعاً وهي تبتسم بفرحة وتشفي.
وهو فقط يشعر أنه بدوامة... تدور به الدنيا من حوله لا يفهم أو يعي شيئاً........
رواية انصاف القدر الفصل الرابع 4 - بقلم سوما العربي
كانت الأيام تمر وهو يزيد انشغاله بها. أسبوع آخر مر وهي على نفس الحالة من التجاهل واللامبالاة.
حتى إقامة هديل لديهم بالبيت وتوددها وجلوسها الدائم معه لم يؤثروا بها.
جلس يفكر بروية وهدوء. ماذا يريد هو؟ هل فقط يريد اهتمامها أم شيء آخر؟
لما يرى انعكاس صورتها الآن على مياه حمام السباحة؟
عطرها الجميل أنبأه وجعله ينظر خلفه. تسارعت أنفاسه وهو يجدها ترتدي ذلك الفستان من الكاروه لا يكاد يصل لمنتصف فخذها الأبيض. حزام على الوسط يحدد خصرها وتفاصيل جسمها التي يبدو أنها نضجت دون أن يدري.
ترفع شعرها ديل حصان لأعلى وتضع (هيدباند) صغيرة على شعرها. وجهها مشرق يبتسم بنعومة.
تحدثت برقة قائلة:
ممكن أقعد معاك شوية.
وجد لسانه من شدة الإعجاب عاجزاً عن الرد وأخذ يهز رأسه بإلحاح شديد.
ابتسمت داخلياً وهي تراه هكذا بهذه الحالة أمامها.
اقتربت منه حد الخطر وهو بالأساس لا ينقصه ذلك القرب المهلك.
أغمض عينيه بغضب. متى أصبح يفكر فيها هكذا.
انتبه على ماتفعله وجدها تخلع حذاءها البسيط وتضع قدميها البيضاء الملفوفة في المياه مثله.
ثم نظرت له تبتسم بلطف ووداعة ولكن بداخلها مكر كبير وهي ترى الإعجاب واللهفة بعينيه.
تحدثت برقة:
قاعد لوحدك ليه وسايبهم كلهم جوا.
لم يستمع لسؤالها ولا لأي شيء، إنما باغته بما يشغله:
انتي ليه متغيره معايا كده؟
زوت ما بين حاجبيها تقول:
أنا؟ متغيره إزاي؟
عامر:
مابقتيش مليكة اللي أنا أعرفها. متغيره... متغيره عليا... لا بقيتي تكلميني ولا تفتحي معايا مواضيع زي الأول... ولا بشوفك خالص. انتي كنتي بتيجي تجري عليا أول واحدة وأنا راجع من الشغل كنتي بتبقي مستنياني. تقريباً بقيتي طول اليوم برا. مش بشوفك. ولو موجودة مش بتبصي ناحيتي خالص. ولا بقيتي تهتمي برأيي في أي حاجة تخصك. انتي ماكنتيش بتمشي خطوة غير لما تاخدي رأيي. كنتي دايماً تطلبي مني أخرجك. أوصلك. أفسحك. كل ده راح فين.
كان الألم يملأ قلبها وهي تراه يعد كل ما كانت تفعله بشوق ولهفة واهتمام. ألآن فقط شعر بها! قدمت كل شيء ولم تجد أي شيء. يريدها دوماً مهتمة. كيف لعامر الخطيب أن يخسر واحدة من معجبينه. واحدة ممن يلهثن خلفه.
حاولت رسم دور الرقة ببراعة وهي تضع يدها الصغيرة على ظهر يده بشعرها الكثيف.
وهو أول ما فعلت ذلك أغمض عينيه بقشعريرة واستمتاع لذيذ.
مليكة:
مش عايزة بس أشيلك همي وأقرفك معايا.
عامر بشعور جديد وغريب:
مين قالك إنك هم؟
مليكة:
أنا خلاص كبرت وأقدر أعتمد على نفسي.
عامر:
مهما كبرتي. هتفضلي بنوتي الصغيرة اللي ربيتها على إيدي.
كتمت غيظها ببراعة فهو للتو قد ذكرها بذلك اليوم. هل بعد كل ما تفعله هذا يظل مصر على أنها ابنته.
تكلمت بلطافة:
لا سيبك مني. انت خلاص كبرت ولازم تتجوز وتجبلنا بنوتة صغيرة نلعب بيها.
كانت تقولها بكل ألم تتحامل على حالها كي تنطق وتتخيل ذلك. لابد وأن تتعود فهو عاجلاً أو آجلاً سيتزوج غيرها.
عامر بضيق:
انتي عايزاني أتـجوز؟
أزاحت يدها من على يده فشعر بالضيق.
تحدثت هي:
مانت لازم تتجوز. أمال هتترهبن؟
كان يود أن يطلب منها أن تعيد يدها على يده مجدداً لكن لم يستطع.
أكملت هي:
صحيح انت ماتجوزتش ليه لحد دلوقتي؟
عامر:
عشان لسه ماحبتش.
مليكة:
عايز تقول لي إن عمرك ماحبيت.
زم شفتيه يقول:
اممم. مش عارف. ساعتها كنت فاكرة حب طبعاً بس دلوقتي وبعد السنين دي مش بشوفه حب. أنا وهي كنا في جامعة واحدة وشغل باباها معانا وهي كانت بتساعده. هي كانت بنت هايلة بصراحة. بس اختلفت معايا على كذا حاجة بعدها اتفقنا زي أي اتنين محترمين إننا ننهي علاقتنا دي بهدوء ونحاول نحافظ على الذكريات الكويسة اللي كانت بينا.
مليكة:
ههههههه نعم؟ هو ده حب يعني ولا كنتوا just frinde no more؟
عامر:
لا كان حب وزي ما قولتلك هي كانت بنت كويسة فعلاً بس أنا اللي لما بحب بيبقى المشكلة مني. يعني شوية طباع هي ما عرفتش تتعايش معاها وبصراحة كان عندها حق.
كانت تشعر بالغيرة مهما مثلت على ملامحها الدبلوماسية والسلام. كان يعشق بجنون. لدرجة أن الأخرى لم تتحمل.
لكنها رفعت حاجبيها وقالت:
مش شايف إن كلامك مش راكب على بعضه.
عامر:
مش راكب على بعضه؟!
مليكة:
مش منطقي يعني. إزاي بتحب بطريقة صعبة كده وإزاي قبلت إنكم تقعدوا وتتكلموا بهدوء وتنهوا العلاقة دي. هو الحب فيه عقل؟ ولو انت بتحبها بالطريقة الصعبة دي لدرجة أنها ما قدرتش تستحملها إزاي هتقدر تفترق عنها. وكمان بتتكلم دلوقتي كأن عادي. مش شايف إن الموضوع مش راكب على بعض.
عامر:
عندك حق. بس. هو انتي كبرتي كده إمتى؟
ابتسمت داخلياً تتصنع الاستغراب قائلة:
إزاي مش فاهمة قصدك.
تحدث وعيونه تمشط كل مفاتنها:
يعني بقيتي بتتكلمي في حاجات الكبار لا وليكي وجهة نظر وبتتناقشي. كأني بكلم حد كبير.
مليكة:
وهو أنا كنت هفضل صغيرة يعني. ما عملتش حسابك إني هكبر في يوم من الأيام؟
نظر لها يردد بشرود:
لا ما عملتش أبداً حساب اليوم ده.
مليكة:
لأ كبرت ياسيدي. وقريب قوي هتجوز وأشوف عيالي كمان.
شعر بضيق غير مبرر وردد:
تتجوزي؟!
مليكة:
اه أكيد يعني. أمال فادي ده هـنـوديه فين؟
عامر:
وانتي بتحبيه؟
مليكة:
والله ده سؤال مش بفكر فيه دلوقتي. أنا اللي بفكر فيه إني عايزة أنزل أعوم حالا في حمام السباحة.
نظر حوله وقال:
لا طبعاً استنى لبكرة.
مليكة:
نعم؟ واستنى لبكرة ليه؟ الجو حر والمية حلوة. إيه اللي يخليني استنى لبكرة. ما أي حد هنا بيبقى عايز يعوم في أي وقت بينزل عادي مش بتقولوا بكرة يعني.
عامر:
أنا قولت بكرة يبقى بكرة.
مليكة:
لا أنا عايزة أنزل دلوقتي. أنا هروح أغير وأجي.
همت للمغادرة فقبض على ذراعها يقول:
تغيري إزاي يعني. لا تكوني بتفكري تلبسي مايوه.
مليكة:
أمال الناس بتعوم بإيه دلوقتي.
عامر بغضب شديد:
لو حصل وقسماً بربي هيبقى عقابك عسير.
مليكة:
وفيها إيه؟ ما طول عمري بلبس مايوه وبنزل أعوم في أي وقت عادي.
عامر:
في إنك خلاص كبرتي ياهانم. هتنزلي كده إزاي بمايوه وفي شغالين في القصر.
أخيراً ابتسمت داخلياً ثم قالت بعند:
ما كارما بنت كبيرة وبتنزل أي وقت وانت كنت بتنزل مع هديل كمان. إشمعنى أنا بقى؟ أنا هنزل خلاص.
هدر بغضب أفزعها:
الكلام يتسمع وإنتي ساكتة فاهمة.
وقفت بغضب تدب الأرض بقدميها وهي تغادر:
لا مش فاهمة وهعمل اللي أنا عايزاه بس.
رحلت بغضب وهو ينظر لأثرها بضيق يتمتم:
هي قامت ليه؟ أنا قولتلها تسكت مش تمشي وتسبني. قال تنزل حمام السباحة قال. أووووف يخربيتها. هي كبرت واتـدورت واحلوت كده إمتى؟
ثم تمتم بغضب:
وعايزة تلبس مايوه.
بعدها انتبه على نفسه. تفكيره. كل شيء.
***
في منزل نجلاء
جلست مقابل والدتها وشقيقتيها (صفاء وهناء).
مديحة (أم نجلاء) بعديد:
ارتحتي يا معدلة. خربتي بيتك وقعدتي. ياما قولتلك ووعيتك. حافظي على راجلك. ده ألف واحدة تتمناه.
نجلاء:
ياما حرام عليكي بقا كفاياكي تقطيم فيا. راجل إيه اللي أحافظ عليه. ده معيشتني في ذل ومرار. أشحال لو ما كنتش يوماتي أجلك أشكي ودمعتي على خدي.
مديحة:
ياختي ده حال كل المتجوزين والأيام على ده وده.
نجلاء:
ياما ده تملي كاسر نفسي. غلبت لما جبت آخري. أنا ما عدتش طايقة العيشة مع الراجل ده.
صفاء:
مابراحه ياما هي اللي فيها مكفيها.
مديحة:
ماحدش قالها تتـطـقـه في عيشته لحد ما يطلقها كذا مرة يا عين أمك.
صفاء:
وهو يعني كان بخاطرها ياما.
هناء:
حقي ياما ده كان تملي كشري. باصص علينا من فوق. إلا مافي مرة عزمناه معانا وجه كل مرة يتحجج بحجة شكل. كأنه هيقل من نفسه لو قعد معانا. مع إنه لابد دايماً عند أمه وأخواته وهما من نفس المنطقة بردك. شايف نفسه على إيه. ولا عشان أخد شهادة يعني وبقى باشمهندس.
مديحة:
بقولك إيه منك ليها. اللي عندها كلمة عدلة تقولها واللي ماعندهاش تبلع لسانها جوه بوقها. تنقطنا بسكاتها هي مش ناقصة.
صفاء:
إحنا بنقول الحق ياما. هي استحملت بما فيه الكفاية وخلاص هو اللي طلقها.
هناء:
بكفاية بقا وكفاية نقطم فيها. هي عملت اللي عليها وزيادة وماهياش ناقصة. كل واحد يسلخ فيها من ناحية. ده بدل ما نقف جنبها ونقويها.
تنهدت مديحة وهي تجد ابنتها على وشك البكاء وقالت:
وأنا بعمل كده. أهو أضغط أنا حبة وانتو حبة عشان لو دماغها راكبة غلط نعدلها. هو أنا خاطري إيه غير إني أشوفها متهنية ومرتاحة. دي بنتها على وش جواز. من هييجي يخبط على بابها ولا ينكشها وهي أبوها وأمها مطلقين.
لم تستطع نجلاء أن تقاوم أكثر وانخرطت في البكاء. أسرعت إليها شقيقتيها يضمونها يحاولن تهدئتها.
هناء:
مش قولنا بكفاية ياما. ده بدل ما نهونها عليها بنزود همها.
صفاء:
هي أول ولا آخر واحدة تتطلق. ما ياما بنات أهالي أطلقوا واتخطبوا واتجوزوا عادي.
مديحة:
مش بالساهل كده. وهو ده اللي قاهرني. بتي خربت بيتها وتلفت أمل بنتها من بعدها.
نجلاء من وسط بكاءها الحار:
وأنا ذنبي إيه. ما على يدك كل حاجة. هو أنا اللي سعيت لطلاقي ياما.
مديحة:
أمال مين يا خيبة الأمل.
انتفضت من موضعها بحدة. لن تصمت أكثر. انفجرت بصراخ:
انتي ياما. انتي اللي خليتيه يبيع ويشتري فيا كده وكل كام يوم يرمي عليا يمين طلاق. ليه؟ ماهو عارف هيجيبك يقعد يقول ويحكي اللي حصل وأنا غلطانة مش غلطانة. بتجيبي الحق عليا وتغلطيني ليه. لحد ما فمرة قالهالي بلسانه إذا كان أمك نفسها غلطتك. مستنية منه إيه. ده اللي خلاه يبيع ويشتري. وانتي كل اللي عليكي عيشي وربي بنتك. عيشي ماتخربيش بيتك. لو كنتي وقفتيله ووريتيله العين الحمرا كان عملك 100 ألف حساب وفكر ألف مرة قبل ما يزعلني. لكن ده هو عارف. حتى لو مشيت زعلانة هتجبيني من إيدي وترجعيني. انتي رخصتيني أوي ياما. لو فيه حد سبب في خراب بيتي فهو انتي. أنا ما أفتكرش في مرة جيت اشتكيلك ونصفتيني ولا قولتيلي عندك حق كملي وأنا في ضهرك. تملي محسساني إني من الحيطة ماحدش معايا. وده اللي قوى قلبه عليا. استحملت إني مش طايقاه. حتى الإهانة كنت ببلعها. وإنه كل يومين جايلى بريحة واحدة عليه. قولولي كنت أستحمل إيه تاني. عملت إيه أنا عشان أطلق. البيه من كتر ماهو مستقوي القلب عليا وبيبيع ويشتري وهو عارف إن ماحدش هيحاسبه. بقا يرمي اليمين عمال على بطال من غير ما يحسب ولا يعد ولا ياخد باله إن ده تالت يمين. ماهو مش همه. الجارية بنت الجارية راجعاله راجعاله. هتروح منه فين. لزقتيني فيه لحد ما زهدني. زهق مني من كتر ما أنا مضمونة ولازقاله. من كتر ما بقا عارف إن مفيش مني مهرب. بدل ما أنا اللي أزهق منه ومن عمايله. هو اللي زهق. هو اللي زهق ياما. شوفتي وصلتي بيا لفين. لا وما كفاش. لاااا. جايه كمان تطيني الدنيا فوق دماغي بعد ما كنت بعافر عشان أعيش وأخد نفسي. جيتي تكملي عليا كأني بنت ضرتك. جايه تكملي دبح فيا. خلاص ياما أنا خربت بيتي وتلفت أمل بنتي معايا كمان. عايزة حاجة تاني. ابعدوا عني بقاااااااا.
تركتهم بحزن وغضب العالم وقد ضاق صدرها حتى انفجر بالكل.
كانوا ينظرون لأثرها بحزن كبير ومديحة لا تصدق كيف وإلى أين أوصلت الأمور.
تحدثت صفاء:
شوفتي آخرتها ياما. تنتك تتـضـغـطي تـضـغـطي لحد ما انفجرت.
مديحة:
وأنا يا بنتي كان غرضي إيه غير المصلحة. قولت أصاحبوا وأبقى قريبة ليه عشان يبقى في عـبـنـا.
صفاء بصوت ساخر:
هيهي. عبـنـا. ده بأمارة إيه. إلا ما عمره استعبرنا ولا جيه عندنا. ويوم ما ييجي يبقى بيتكلم بالقطارة.
هناء:
انتي عمرك شوفتي واحد بيحب حماته لو حتى أدتله صوابعها العشرة شموع. الحما حما ياما.
صفاء مكملة:
وطالما عمره ما هيحبك يبقى يعملك 100 حساب ويخاف منك.
هناء:
آه. وعلى رأي المثل تسلم العين اللي تخوف.
صفاء:
ياما إحنا مالناش ضهر وإخونا زي ما انتي شايفة. لازم نبقى عضمة جامدة تقف في زور (حلق) أي حد يضايقنا.
ظلت تستمع لهم بشرود. مابين كلامهم وبين ما تربت عليه وعلى أحاديث والدتها وجدتها لا تعلم هل تظل على نهجهم أم تتبع حديث بناتها خصوصاً وهي أقرب للميل له بعدما رأته من ابنتها.
***
كانت تقف في شرفة غرفتها وهي تتابعه يجلس يضحك ويتسامر مع ابنة خالته. تعلم أن هديل فتاة طيبة وجميلة لكنها تنصاع وراء تعليمات أمها.
وها هو منعها من السباحة لكنه يجلس مستمتعاً بوقته إلى أقصى حد.
دَلـفَت لغرفتها سريعاً. لن تكن مليكة إن ظلت في موقف المتفرج. كان حديث نجلاء يتردد في أذنها. لن تعيش دور الضحية. حتى لو لم تستطع أن تجعله يعجب بها. حتى لو لم تقدر على أن تحبه على الأقل لن تجلس تنفذ الأوامر فقط. على الأقل ستتمرد. ستكن فعلت ماتريد ولن تظل تلك الطفلة التابعة له.
بعد نصف ساعة تقريباً.
كان مازال يجلس وهديل بجواره. تقدمت كارمن تقول:
هممم قاعدين انتوا هنا ومنفضين للكل.
هديل:
بصراحة الجو على البول تحفة. أحسن من هوا التكييف.
كارما:
صح الجو النهاردة حلو. أنا هروح أنادي ماما وطنط من جوا. وكمان هخليهم يجبولنا الغدا هنا. نادر أخوكي لسه متصل بيهم وقال إنه خلاص على وصول.
عامر:
إيه ده. هو نادر جاي. وحشتني والله ابن الإيه ده. بنات أوروبا لحسوا دماغه.
كارما:
ده تقريبا بقاله سنتين مانزلش. شفت صورته على فيس بوك. وااااو بقا فظيع. يخربيت حلاوته.
عامر:
طب لمي نفسك يا حلوة وحاسبي لا محمد يسمعك.
كارما بخوف:
لا الطيب أحسن. هو في زي مودي وحلاوته. أنا هروح أوصي على الغذا. وأنادي مليكة.
هديل:
هههه يا جبانة.
كارما وهي تسير للداخل:
الجبن سيد الأخلاق.
ضحكوا عليها بشدة وهي تختفي للداخل.
فجأة تلاشت ابتسامته وهو يرى مليكة. تلك الصغيرة تخرج إليهم ترتدي روب طويل عليها متجهة إلى حمام السباحة.
اتجه إليها على الفور بغضب شديد حتى توقف أمامها يمنعها عن التحرك خطوة أخرى.
مليكة:
إيه؟
عامر:
انتي إيه. وعلى فين.
مليكة ببساطة:
هعوم.
عامر:
وأنا مش قولت لا. مش النهاردة.
مليكة:
بس أنا عايزة النهاردة. ولو سمحت أوعى من قدامي عشان أتحرك.
نظر لذلك الروب وقال:
وانتي إيه اللي لابساه ده. هتنزلي بيه يعني؟
مليكة وهي تهم لخلعه:
لا طبعاً أكيد هقلعه.
نظر إليها بزهول وغضب وهو يرى ذلك الجسد الخرافي. ترتدي مايو قطعة بلون الأسود منقط بالأبيض.
عامر بصدمة منها:
يانهارك أسود. انتي إيه ده.
مليكة:
إيه. لابسة مايو. هو أنا أول مرة ألبسه؟
رفع عليها ذلك الروب سريعاً يقول بغضب:
لا ما كنتيش كبرتي كده.
همت لخلع الروب من جديد تقول:
مهما كبرت يا ابيه عمري ما هكبر عليك. ده أنا بنوتك.
قالتها بخبث شديد وهي تبتسم داخلياً بسخرية.
وضع عليها الروب من جديد:
أنا بحذرك يا مليكة. داري جسمك ده واطلعي فوق بمنظرك ده حالا.
خلعت الروب مجدداً تقول:
ماله منظري بس. انت لو كنت مبطل شقاوة من زمان كان زمانك جبن بنت أصغر مني بشوية.
هم للرد عليها وجد شخصاً يقف خلفهم يصفر بإعجاب شديد ويقول:
واااو.
التفتوا بصدمة تفاجأوا بوجود نادر الذي صدم هو الآخر يردد:
مليكة؟!!!! مش معقول.
رفع عامر الروب سريعاً يلفه عليها بإحكام شديد ويضمها قليلاً له يقول:
نادر. أهلاً وسهلاً.
تقدم بذهول لا يهتم بحديث عامر ولا ترحيبه:
مليكة انتي كبرتي كده واحلويتي إمتى. أنا مش مصدق.
ابتسمت بذلك الإطراء اللطيف وهمت للرد لكنه تقدم وقف مقابل نادر ولأول مرة يرد عليه بتلك السماجة:
لا ماتصدقش أوي. هي لسه صغيرة.
نادر:
لا صغيرة إيه. ده أنا لفيت كتير ماشوفتش كده أبداً.
عامر بغضب:
وهو انت شوفت إيه؟
نادر:
بصراحة مالحقتش للأسف. بس ملحوقة. ده أنا هبات هنا.
قال الأخيرة بفرحة وبلاهة. تقدمت هديل تقول بفرحة:
نااادر. حبيبي. وحشتني.
نادر:
انتي كمان وحشتيني أوي يا حبيبتي.
هديل:
كل ده سفر وحشتني. غبت المرة دي أوي.
نادر:
آه فعلاً بقالي كتير. وحاجات كتير أوي اتغيرت. ماكنتش أعرف إن مليكة كبرت أوي كده.
عامر:
لا ماكبرتش. لسه. لسه صغيرة.
مليكة بغضب منه قالت لنادر بابتسامة لطيفة:
لا كبرت. وتميت الـ 18 وقريب هطلع رخصة سواقة بس لما أتعلم سواقة الأول.
كانت تتحدث وهي تقصد كل كلمة خصوصاً الأخيرة. وعلى الفور رد نادر يغتنم الفرصة:
أنا ممكن أعلمك. هعلمك كل حاجة على إيدي.
تقدم عامر بغضب يقول:
تعلمها إيه يا قذر يا زبالة انت.
نادر:
السواقة يا عامر السواقة. في إيه. انت ليه دماغك بتروح في حتت بعيدة وقذرة كده. وبعدين انت متضايق ليه. ماهي كبرت ومسيرها تتعلم كل حاجة.
عامر:
أنا اللي هعملها.
نادر:
إيه؟
استدرك نفسه وقال:
السواقة يا زبالة.
كل هذا وهي تتابع كل شيء بخبث ومكر شديد.
نادر:
ياخسارة. بس مش مشكلة أنا قاعد. وشكل كده إقامتي هتطول هنا.
هديل بفرحة:
بجد يانادوره. دي ماما هتفرح أوي. تعالي ندخلها.
نادر وهو ينظر ناحية مليكة:
لا أدخل إيه. حد يسيب المناظر الطبيعية دي ويدخل جوه. خليها هي تيجي. روحي قولي لها. روح معاها يا عامر. سيبوا مليكة ترحب بيا.
ذهبت هديل بسرعة تنادي والدتها وعامر ينظر بغضب لنادر. طوال عمره على مقربة وصداقة شديدة من نادر. لما لا يطيقه الآن.
نادر:
وانتي بقا في سنة كام يا مليكة.
همت لتجيب عليه فتحدث عامر بغيظ:
انتي لسه هتردي. إيه هتفضلي واقفة كده كتير. اطلعي البسي حاجة ياهانم.
تقدم نادر يقول:
فعلاً. تعالي أوريكي أوضتك أنا عارف الأوض هنا أوضة أوضة. يالا بينا.
توقف عامر أمامه يقول:
حيلك حيلك. رايح فين؟
نادر ببراءة:
هاوريها أوضتها.
عامر:
لا والله. وهي مش عارفاها؟!
مليكة:
خلاص يا ابيه ماتضايقهوش. بصراحة نادر دمه خفيف أوي.
عامر:
نعم؟ نادر؟!! إيه نادر دي. اسمه ابيه نادر. زيي بالظبط.
مليكة:
لا انت اللي عايزني أقولك يا ابيه. هو لأ صح يا نادر.
نادر بسرعة:
صح جداً. وبعدين لعلمك أنا أصغر من عامر بـ 4 سنين. وبحب دايماً أقرب المسافات.
ابتسمت له بوداعة وخبث في نفس الوقت الذي يقف فيه عامر يغلي من الغضب يحاول أن يحافظ على هدوئه وهيبته.
لكن للصبر حدود. لم يعد يتحمل. تحدث من بين أسنانه يقول:
أخـفـي من هنا حالا.
مليكة:
لا أنا لسه عايزة أنزل البول.
مسك نادر يديها يقول:
طب يالا بسرعة الجو فعلاً حر أوي.
إلى هنا ولم يتحمل جذبها سريعاً بقوة ورفعها على ذراعيه يحملها كالعروس يسير بها بغضب وهي تصرخ به:
نزلني يا ابيييه. عايزة أعوم بقا.
وصل إلى غرفتها فتح الباب يقول بغضب:
اخرسي خالص. يظهر إني لازم أعيد تربيتك من جديد.
وضعها على الفراش بغضب فوقفت تقول:
إيه ده. إيه اللي انت عملته ده. أنا كنت عملت إيه يعني؟
عامر:
بقا مش عارفة. واقفة جسمك كله باين وعمالة تتمرقعي مع البيه ولا كأني واقف ومش عاملالي أي احترام.
مليكة:
وفيها إيه. أنا بالنسبة له عيلة عادي بيهزر معايا زي ما أكون بنته.
عامر:
بس انتي ما بقتيش عيلة. مين اللي قالك كده.
مليكة:
لا عيلة وانت اللي قولتلي كده.
بهت وجهه فوضعت يدها بخصرها تقول:
إيه غيرت رأيك يا ابيه؟
خرج سريعاً كأن خلفه شياطين الإنس والجن تطارده. لا يريد أن يجيب على أسئلتها ولا على تلك الأسئلة التي اندلعت بعقله.
***
في محل الجزارة التابع للمعلم رجب.
انتفض من مقعده بلهفة يقول للواقف أمامه:
لااااا. ده انت تقعد كده ياسطا سيد وتحكي لي واحدة واحدة بالله عليك.
جلب مقعد بلاستيكي بترحاب شديد يشير له عليه فجلس سيد يقول:
ده هما كلمتين وقع لي بيهم خالد أخوها وأنا بغير له كاوتش العربية الصبح. مش عارف بقا وقع لي بيهم ولا عايزني أشوف له حد.
الـتـمـعـت أعين رجب فقال سيد:
بس ده أهبل ولا بيستهبل. ده مين ده اللي يرضى بكده.
رجب:
لا انت هتقوله إن عندك حد وموافق.
سيد:
حد مين بس يا معلم. أنا ما أعرفش حد كده. اللي أعرفه إن في ناس واخدينها شغلانة بس ناس مش ولابد. ما يشرفنيش إني أعرفهم أصلاً.
رجب:
مين قالك إن فيه حد.
سيد:
الله. انت هتحيرني معاك ليه بقا يا معلم. مش لسه قايل تقوله لاقيت.
رجب:
قوله بس. وسيبه يومين يستوي على نار هادية.
وقف سيد يقول:
نارد إيه ويستوى إيه يا معلم. هي حتة لحمة؟
رجب:
بس اعمل اللي بقولهولك بس واعتبرها خدمة ليا.
سيد:
ولو إني مش فاهم اللي في دماغك بس ماشي. تكرم لأجل العشرة والجيرة. بالاذن أنا بقا هشوف الزبون اللي هناك ده. سلام.
رجب:
سلام.
جلس على كرسيه يبتسم باتساع يحلم بذلك اليوم.
لكن قاطعه صوت ابنه:
هي حصلت يابا. عايز تفضحنا. محلل يابا؟!!!.
رواية انصاف القدر الفصل الخامس 5 - بقلم سوما العربي
مرت أيام أخرى ورجب تقريبا لا يذهب لبيته، إنما فقط يراقب بيت نجلاء وكأنه أصبح يخشى ولا يتقبل فكرة أنه من الممكن أن يأتي توفيق للعيش معهم مرة أخرى. بالنسبة له، لقد انتهى أمره ولا يحق له أبداً العودة والعيش معهم من جديد.
وقف بلهفة وهو يرى نجلاء، تلك الجميلة التي يحلم بها ليلاً ونهاراً. تخرج من البيت ترتدي عباءة سمراء بسيطة. تقدم منها سريعاً يقول:
"يسعد صباحك يا ست البنات."
نظرت له باستغراب وتفاجئ من أين يظهر لها فجأة هكذا؟ وما كلمة ست البنات هذه التي يرددها لها دائماً؟ أصبحت في ريبة منه ومن أمره.
نجلاء: "في حاجة يا معلم؟ ممكن توسع عشان أشوف طريقي."
همت للتحرك فقال:
"والنبي ما انتي تعبّي نفسك... انتي اللي زيك يتخدم ويتشال فوق فوق الراس... أمري يا ست البنات، شوفي عايزة إيه من بره."
نجلاء: "ما خلاص بقى يا معلم، ما يصحش كده. خليني أعدي أشوف طلبات بيتي في إيه؟"
رجب: "إني كان غرضي أخدم بس والله يا ست أم ندى."
نجلاء: "حصل خير يا معلم، بس ماهو ماينفعش في الرايحة والجاية التحقيق ده."
رجب بمكر:
"إني بس شايف البيت ما فيهوش راجل، قلت آخد بالي منكم... انتوا تعزوا عليا أوي يا ست أم ندى."
لم تأخذ ببالها كلامه الأخير، كل ما شغلها هو جملته الأولى. قالت بتلعثم:
"و مين قالك إن راجلها مش موجود؟"
رجب:
"جرى إيه يا ست أم ندى؟ هو أنا اللي هقولك... ده الحتة دي ما بيستخباش فيها خبر لساعتين... الكل عارف إنك وأستاذ الباشمهندس توفيق اتطلقتوا... طلاق بلا رجعة إن شاء الله."
نجلاء: "ها؟!"
رجب:
"لا ولا حاجة، بدعي ربنا يصلح الحال."
كانت في متاهة بسبب حديثه، لم تكن تعلم أن الكل قد عرف. كانت ستتكتم على الأمر حتى لا يعرف الكل، وهي تقطن هنا بمفردها مع ابنتها. استغل الأمر جيداً وقال بسرعة:
"ها، قوليلي طلبات إيه اللي عايزاها من بره وأنا أشيع أجيبهالك هو... انتي عارفة الناس مش بترحم وانتي ست حلوة وصغيرة."
كان يقول الأخيرة بصدق وإعجاب شديد، لكنه لا يخلو من المكر والخبث. أملت عليه ما تريده بوجه شاحب متعب، ودلفت للداخل من جديد. لقد تفاجأت أن الكل يعرف. أما هو، فظل ينظر لأثرها بوله يردد: "قرب البعيد يارب."
جاء من خلفه صوت ساخر يقول:
"ههههي... ربنا يهدّي العاصي يا معلم."
التفت لذلك الصوت وتغيرت معالم وجهه كلياً من الهيام للنفور:
"خير يا حكمت؟ في حاجة؟"
حكمت:
"إيه ياخويا؟ انت لسه عايش على الأمل؟ خليك كده لا طايل سما ولا أرض من بنت الـ ****** دي."
رجب بغلظة:
"لمّي روحك يا حكمت. عملتلك إيه هي دلوقتي عشان تشتميّها؟"
حكمت بغل:
"عملت إيه؟ وبتسأل كمان؟ مش هي دي السبب في خراب بيتي؟ مش هي سبب طلاقي؟"
رجب:
"لا مش هي... انتي وأهلك مفترية والعيشة معاكي تقصّر العمر... لسانك متبري منك ومابتكبريش لحد... كنتي مفكرة أمي هتحميكي مني لمتى؟ عشان خالتك يعني... خلاص الواد اللي بينا كبر وبقى راجل، مافيش حاجة تجبرني على العيشة اللي تزهّق دي."
حكمت:
"وانت مفكر إنها هترضا تتجوزك بعد ما طلقتني؟"
رجب:
"بطّلي ظلم وافترا... أنا طلقتك من 3 سنين وهي كانت لسه على ذمة جوزها... مالهاش دعوة بطلاقك... انتي اللي طفّشتيني منك ومن عشرتك."
حكمت بغل:
"لو مفكر إنها ممكن تبصلك تبقى بتحلم يا معلم... خليك كده احلم لحد ما تقع على جدور رقبتك... بكرة ترجعيلي... بعد ما هي ترفضك وتقول لأ... وحياة شعري دي ولا يبقى على ذكر إن ما جيت بخبّة الأمل ألطم وأعدد جنبي."
احمر وجه رجب بضيق يقول:
"عرفتي انتي اتطلقتي ليه يا حكمت؟ اخلصي قولي كنتي جاية ليه؟"
حكمت:
"أبدا ياخويا، وأنا هعوز من وشك إيه... أنا جايه لابني... يوسف... يا يوسف."
أخذت تنادي عليه إلى أن جاء من الداخل يقول:
"ماما؟! خير إيه اللي جابك؟"
حكمت:
"أبدا يا ضنايا، جايه أقولك إني سمعت من الأستاذ رشاد جارنا إن التقديم للكليات آخره النهاردة وبكرة، وانت ياحبة عيني بترجع كل يوم هلكان من الشغل... عايزّاك تخطف رجلك نص ساعة تروح أي سايبر."
تقدم يوسف:
"سايبر إيه يا ماما؟ انتي قديمة أوي. روحي انتي روحي، أنا هتصرف."
حكمت: "ماشي. خلي بالك على روحك يا حبيبي. لا إله إلا الله."
يوسف: "محمد رسول الله. خلي بالك وانتي ماشية."
حكمت: "حاضر يا ضنايا."
رجب: "مؤمنة أوي يا أختي."
حكمت: "طول عمري."
رحلت حكمت ووقف يوسف ينظر لوالده بغضب شديد. فمنذ ذلك اليوم وأمام إصرار والده على ما يفعله، وهو غاضب منه. تقريباً لا يتحدث معه. ذهب سريعاً من أمامه وترك والده يتنهد بحزن... لا أحد يفهمه حتى الآن... لا أحد.
***
بقصر الخطيب، ومنذ ذلك اليوم وهو تقريباً لا يراها كثيراً. حاله كله متغير منذ ذلك اليوم الذي رآها فيه وهي شبه عارية بثوب السباحة خاصتها. كلما أغمض عينيه يراها تقف به وتبتسم له. أين هي؟ وإلى متى ستظل هكذا؟
فجأة فتح باب المكتب. دخلت هي، مالاعصار، تقول:
"أبيه عامر... ممكن أفهم مين اللي قال لحضرتك إني عايزة أقدم في جامعة خاصة؟"
وأخيراً هي أمامه. كان ينظر لها نظرة شمولية بفستانها البيتي القصير وذلك الخف البسيط في قدميها... شعرها الذي تضفره وتجمعه على جانب واحد... ذراعيها... صدرها... خصرها... أووه، لقد كبرت مليكة وأصبحت فتنة متنقلة. هذا كل ما كان يفكر به. لم يكن أبداً يفكر لا بعصبيتها ولا بحديثها أو أي شيء.
مليكة بغضب:
"أبيه... أنا بكلمك."
أخيراً انتبه عليها وقال:
"في حاجة يا حبيبتي؟"
أصبحت كلمة حبيبتي منه تعصبها. لازال يتحدث مع طفلة، مع ابنته. فيقول حبيبتي هكذا؟ تلك الكلمة الجميلة التي تتمنى أن تسمعها منه بإحساس وشعور مختلف. يستخدمها هو للتعبير عن حبه لابنته التي رباها... وكأنها كلمة عادية.
تقدمت منه بغضب وقالت:
"ماتقوليش ياحبيبتي تاني."
عامر: "ليه؟"
مليكة: "هو كده وخلاص."
عامر: "ياسلام... عموماً، مش موضوعنا... تعالي اقعدي وقوليلي كنتي بتقولي إيه؟"
مليكة: "أنا مش عايزة أقعد... كل اللي عايزة أقوله إني مش هقدم في جامعة خاصة ولا هدخل هندسة زي ما حضرتك شايف ومخطط."
عامر بحدة: "نعم؟ امال هتعملي إيه؟"
مليكة: "هقدم في جامعة القاهرة عادي زيي زي أي حد وأشوف مجموعي هيوديني فين."
عامر: "مجموعك ده يوديك الملاهي يا حبيبتي... اسمعي الكلام يلا."
مليكة: "إيه اسمعي الكلام؟ ناقص تقول لي اسمعي الكلام يا شاطرة... أبيه عامر لو انت شايف نفسك كبير أوي كده، دي مش مشكلتي... مش هقبل إني أفضل أتعامل على إني العيلة الصغيرة اللي المفروض إنها تنفذ كلامك. أنا مش ذنبي إنك كبير وأنا أصغر منك."
نظر لها بذهول يردد:
"انتي بتقولي إيه؟"
مليكة: "زي ما سمعت حضرتك... حتى لو كنت شايفني صغيرة، فدا بقى آخر همي... مش مهم انت شايفني إيه، المهم إنك تحترم رأيي ورغبتي... كون إنك شايف نفسك كبير في السن ده ما يديكش الحق أبداً إنك تشوفني عيلة صغيرة وتختزل كل تصرفاتي وقراراتي المصيرية من خلال رغبتك انت... الصغيرة دي ماهي بن آدمة وليها قلب وعقل وعايزة الكل يحترمهم زي ما هي بتحترم قلب وعقل اللي أكبر منها، ولا بتقول دول دقة قديمة ولا بتتفزلك عليهم."
تركته ينظر لها بصدمة وغادرت. هوى على المقعد خلفه وهو لا يصدق أن من كانت تقف أمامه منذ قليل هي مليكة... تلك الطفلة التي رباها على يده... قالت كلام جديد عليه كلياً. منذ متى وهي بهذا النضج والعمق؟ لقد كبرت مليكة دون أن يدري أو يلاحظ.
أخذ الأمر منه أكثر من نصف ساعة حتى يستوعب كل ما قالت... إلى أن وقف وخرج من مكتبه يتجه إليها. دق الباب مرة... مرتين... ثلاثة. إلى أن جاء صوتها:
"أدخل."
فتح الباب ودلف للداخل. وجدها متكورة على فراشها تخبئ وجهها في الوسادة. تحدثت بوهن:
"لو سمحتي يا كارما، أنا مش جعانة دلوقتي زي ما قولتي. اتغدوا انتو وأنا هبقى آكل بعدين."
تقدم منها يرفعها له يقول:
"بس أنا مش كارما."
نظرت له بذهول مرددة:
"أبيه... في حاجة؟"
عامر بحنان:
"مش عايزة تاكلي ليه؟"
نظرت له بحزن وقالت ببرود:
"مش جعانة، ماليش نفس."
عامر: "إيه اللي مضايقك أوي كده؟ كل ده عشان الكلية؟ هو إحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده وأنا قولتل..."
قاطعته هي تتحدث بمرارة ووجع:
"إن مجموعي مش قد كده ولازم أدخل كلية قمة زي كل ولاد الخطيب... مش كده يا أبيه... هو مين اللي أدالك الحق إنك تقلل مني كده؟ بأي صفة يعني؟ وهى كلية القمة اللي هتخليني بني آدمة؟ يعني مثلاً لو دخلت حقوق ولا آداب ولا حتى معهد سنتين، قمتي هتقل؟ الناس بتحترم بس الدكاترة والمهندسين... أحب أقولك إني أنا اللي هجبر اللي قدامي إنه يحترمني بقوة شخصيتي واحترامي... انت إزاي تقول لي كلام زي ده عادي كده وقدام الكل وأنا إزاي سكت وقبلت كلامك ده؟ ولا أنا كنت مغيبة وف دنيا تانية؟"
عامر: "مليكة... أنا مش مصدق إني بسمع الكلام ده منك انتي... انتي إمتى كبرتي كده وامتى بقى تفكيرك كبير كده... أنا مش متخيل بجد... ده أنا اللي مربيكي."
مليكة: "مش مصدق إيه؟ إنّي كبرت. ولا إني بني آدمة وبحس. ولا الأصعب إنك لا مصدق ولا متخيل إن مليكة هتقول لك لأ على قرار أخدته في حياتها؟"
بالضبط كان هذا جزء من تفكيره. كيف تستطيع تلك الصغيرة أن تعري عقله فتظهر أفكاره لها هكذا؟ ابتسمت بمرارة وهي تراه ينظر لها باستغراب، فكيف علمت ما يجول بخاطره. أغمضت عينيها بحزن، فهو لطالما اعتبرها تابع له... في ذيله... خلفه... في الخلف تلهث... لم ولن يراها يوماً في المقدمة... ولا أمامه. كفى... كفى كل هذه السنوات.
تحدث هو قائلاً:
"بصراحة آه... أنا طول عمري باخد لك كل قراراتك وانتي..."
قاطعته مجدداً:
"كنت بوافق وأنا فرحانة ومبسوطة، مش كده؟"
صمت موافقاً، فقالت:
"بس خلاص، أنا كبرت. حتى لو حضرتك مش واخد بالك، فبراحتك خلاص، ما بقاش فارق لي. اللي مهم عندي دلوقتي إني مش هفضل تابع لحد."
احتدمت عيناه عند هذه الفكرة يقول:
"يعني إيه؟ ويعني إيه مش فارق لك؟"
مليكة: "يعني من هنا ورايح كل قراراتي هاخدها بنفسي وهدخل الكلية اللي أنا عايزها."
عامر بغضب: "وهتعملي كده إزاي بقى؟ وريني... ماتنسيش إن أنا الواصي عليكي، يعني بتحكم في كل خطواتك... ماتقدريش تعملي كده إلا بموافقتي."
وقفت أمامه بغضب تقول:
"مانا برضه قررت إن هننقل وصايتي لفادي."
عامر بصدمة: "إيه؟ فادي؟"
مليكة: "آه... اهو يتدرب على مسؤوليتي، ياخد هو قراراتي... كفاية عليك لحد كده تشيل مسؤوليتي."
هدر فيها بغضب: "وأنا كنت اشتكيلك."
مليكة: "لو سمحت يا أبيه... خلينا نخلص الموضوع ده بجد... انقل وصايتي لفادي وأنا بعرف أتفاهم معاه."
كل هذا وحديث صديقه يتردد بإذنه... إنه بعد ما حدث، أول شيء ستفعله مليكة هي أن تخرج من دائرته التي صنعتها حول نفسها لسنوات وتعمل على صنع حياة ودنيا جديدة يكون هو خارجها. عندما وصل به تفكيره لهما تزامناً مع حديثها عن فادي، قال بغضب:
"يعني إيه... بتعرفي تتفاهمي معاه عني؟ خلاص بقى هو اللي فاهمك؟"
ابتسمت بحزن وتحسر قائلة:
"انتو ما فيش ولا واحد فيكوا فاهمني... ما فيش غير تيتا بس اللي بحس إنها فهماني حتى وهي لا بتتحرك ولا بتتكلم... صحيح الإحساس ده أكبر نعمة. تملي تقول: أنا اللي مربياكي، أنا اللي مربياكي. طيب قولي يا أبيه... تعرف عني إيه؟ ها؟ يعني بحب إيه، بكره إيه... طب إيه الألوان اللي بحبها. طب بحب أخرج فين... بلاش... عندي مواهب ولا ما عنديش؟ بحب القراءة مثلاً ولا بحب الأغاني. طب إيه أكتر أكلة بحبها... بحب لما نسافر نسافر فين؟"
وقف مبهوتاً أمامها صامتاً... عاجزاً عن الرد. فقالت:
"مش معنى إني عايشة معاكوا هنا وانت اللي مسؤول عن شغل المجموعة يبقى انت اللي مربيني... انت أصلاً مش واخد بالك مني ولا مركز معايا... أنا... أنا اللي دايماً واخده بالي ومركزة... مركزة في كل تفاصيلك يا كبير يا اللي مربيني... يعني مثلاً عارف إنك بتحب اللون الأسود والفيروزي والأزرق... بتحب تسمع أغاني جاز وغربي أكتر... أكتر أكلة بتحبها المكرونة بالبشاميل والبيتزا... بتحب دايماً تسافر إسبانيا ولو هتخرج بتحب تروح أماكن مقفولة بس... تحب أكمل ولا كفاية كده... انت ولا واخد بالك مني ولا مربيني زي ما كنت فاكر... أنا بالنسبة لك كنت أمانة... واجب... وواجب تقيل كمان لما ماما ماتت وبعدها تينا واضطريت أجي أعيش هنا... لكن خلاص بكفاية لحد كده وأنا بعفيك من المسؤولية... أنا كبرت ومش محتاجة حد يبقى بالاسم مسؤول عني ويختار ويحدد مصيري على كيفه ومش واخد في اعتباره غير سمعة عيلته وبس."
لأول مرة يشعر كم هو صغيييييييير هكذا أمام أحد... وليس أي أحد... إنها مليكة... أصغر فرد يتعامل معه بحياته... والأكثر من ذلك أنه يستشعر طعم المرارة التي تتدفق بقلبها وحلقها... كأن قلبه ممزق من وجعها الظاهر بعينيها وصوتها. تحدثت بصرامة تقول:
"لو سمحت اتفضل عشان عايزة أنام."
عامر: "مليكة أنا..."
قاطعته بقوة:
"لو سمحت بعد إذنك اتفضل مش عايزة أتكلم تاني. كلامي خلص... خلاص الكلام مش هيطول لأنك عايز وحابب نتكلم... كل ده خلص. دلوقتي أنا خلصت اللي عندي يبقى الكلام خلص... هتخرج ولا هتفضل واقف لما أغير قدامك مثلاً؟"
نظر لها بصدمة... لا يصدق ذلك الإصرار والقوة بعينيها. أمام كل ذلك خرج بدون التفوه بحرف. وهي سقطت على الفراش خلفها تبكي بحرقة.
على طاولة الطعام يجلس وهو يقلب في طعامه بشرود. يفكر فيها... حديثها... صوتها الموجوع... أيضاً حديث كارم يقفز لعقله كل ثانية. ينظر إلى مقعدها الفارغ وهو صامت يفكر كأنه معزول عن الجميع. لكنه انتبه على صوت نادر ينظر له بغضب ووحدة حين وجده يسأل:
"هي فين مليكة؟ ما جتش تتغدا معانا ليه؟"
وجد عامر يرد بغضب غير مبرر يقول:
"وانت مالك انت؟"
نادر: "إيه يا عامر؟ ماتتكلم كويس... البنت فين؟ مش المفروض حد يناديها على الغدا."
عامر: "نادر لو سمحت مالكش علاقة بمليكة ولا أي حاجة تخصها."
نادر: "ليه يعني؟ مش فاهم؟... أنا هطلع أناديها أنا عشان تاكل."
عامر بغضب: "تطلع فين يا أستاذ انت؟ ده اللي هو إزاي يعني؟"
كل ذلك الشجار وهنااااااك على الطرف الآخر من المائدة تجلس الجدة الفت تمضغ قطعة لحم بتلذذ واستمتاع رهيب. تنظر تجاه عامر المشتعل بشماتة واستمتاع.
تدخلت ناهد في تلك اللحظة وقالت:
"إيه يا عامر؟ بتزعق لابن خالتك ليه؟ الحق عليه إنه واخد باله من البنت."
في ذلك الوقت دق هاتف نادر فقال:
"هرد بس على المكالمة وراجعلك... ها."
ظل ينظر لأثره بغضب وانتبه على حديث خالته تقول:
"احمم... بقولك إيه يا عامر... كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع كده قبل ما يرجع."
عاود الجلوس على كرسيه يحاول أن يهدأ وقال:
"آه طبعاً اتفضلي."
هدى: "هو يعني... احمم.... فادي بيحب مليكة؟ أقصد يعني عايز يتجوزها أوي؟"
ضيق عينيه يقول:
"بتسألي ليه؟"
هدى: "بص بصراحة كده أنا واخدة بالي إن نادر مشغول ومهتم أوي بمليكة وأنا ما صدقت حد عجبه ويبعد عن بنات بره دول وهو شكله معجب بيها... لا معجب إيه ده ابني وأنا عارفاه، هو شكله بيحبها وأنا..."
قاطعها بغضب يحرق كل أوردته: "بي إيه؟ انتي مين قالك كده؟"
هدى: "باينة أوي... ده من ساعة ما جه وهو دايماً مشغول بيها ومش وراه غيرها... أكلت إمتى، صحيت ولا لأ، رجعت من بره ولا لسه."
عامر: "الله الله... كل ده بيحصل وأنا في شغلي مش داري بحاجة... وانتي كنتي فين يا أمي؟ والفت هانم فين من كل ده؟"
ابتلعت الفت ما كانت تمضغه تنظر له بوداعة كأنها تخبره: "وأنا مالي بس يا خويا." بينما تحدثت ناهد:
"إيه يا عامر... نادر ما عدّاش حدود الأدب معاها ده غير إن مليكة بنت مؤدبة وكل حاجة قدامنا."
عامر: "مش عايز أسمع كلمة واحدة عن الموضوع ده... ولازم أعرف إيه اللي بيحصل من ورا ضهري وأنا قاعد في شغلي."
ألقى معلقته بغضب يتجه للدرج كي يصعد لها.
كارما ببلاهة: "هو ماله بيتكلم كده كأن مراته بتخونه مع حد كده ليه؟!"
أشارت لها الفت أنها تريد عصير برتقال. أخذته منها وظلت ترتشف منه بتلذذ وخبث. وصل لغرفتها وبدون أي استئذان فتح الباب بغضب. وجدها تمشط شعرها كأنها تستعد للخروج. نظرت له بغضب شديد تقول:
"إزاي تدخل كده من غير ما تخبط."
اقترب منها وقبض على ذراعها يقول:
"إيه اللي بينك وبين نادر؟"
مليكة: "يعني إيه؟ مش فاهمة؟"
عامر: "إيه اللي بيحصل من ورا ضهري وأنا مش عارف؟"
نفضت يده من عليها بغضب تقول:
"إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟"
عامر: "وطّي صوتك وانتي بتتكلمي معايا وجاوبي على اللي بسأله."
مليكة: "أجاوب على إيه؟ مش لما أفهم."
عامر: "مهتم بيكي وبخروجك ودخولك وأكلك... لا ده كمان عايز يطلع هنا... في أوضتك... من إمتى كل ده بيحصل. وإيه تاني حصل وأنا مش عارف؟"
إلى هنا ولن تتحمل. سقطت دموعها رغماً عنها. لن تستطيع لعب دور القوة أكثر من هذا. تحدثت وهي تشهق دموعها تسري على خديها:
"انت بتقول إيه... معقول تفكر فيا كده؟ أنا؟!"
أوجعه قلبه بشدة وهو يراها هكذا... لم يتحمل أكثر من ذلك... أخذها بين ذراعيه بغضب منها ومن نفسه ومن كل شيء. أخذ يهدهدها وهو يمسح على طول ظهرها مردداً:
"أنا آسف... آسف حقك عليا."
وفي لحظات تغير كل شيء ووجد حاله مستمتعاً باحتضانها. يديه التي كانت تهددها توقفت عن ذلك وبقت كأنها تستكشفها. يضمها له وداخله تتفجر مشاعر جديدة... يتحسس ظهرها... عنقها بحرارة واستماع رهيب... لديه شعور جميل ومختلف لها الآن... وجد نفسه دون أن يدري يضمها له بتملك شديد... تملك رافض أن يخرجها من ضلوعه... دون أن يدري وجد حاله مجنون... يقبل عنقها بوله شديد...
رواية انصاف القدر الفصل السادس 6 - بقلم سوما العربي
حين أخذها باحتضانه غضباً من نفسه ومنها، كان يريد أن يهدّئ من روعها. لكن من سيهدّئ من روعه الآن وهو فجأة قد تحولت يديه التي تهدهدها إلى يد تضمها له بتملك شديد.
يمرر يده على طول ظهرها كأنه يكتشفها من جديد. رغماً عنه، وجد شفتيه تتجه بالحاح غير قادر على السيطرة عليه، وتقبّل عنقها بقبلات بطيئة متفرقة وهي لا تزال تبكي.
دقات عالية على الباب جعلته يتوقف بصدمة. تدلت يديه عن ضمها المجنون كي يزرعها داخله. توقفت شفتيه منفردة أمام رقبتها. شملته الصدمة مما هو به وفعله، بالأكثر مما أراد.
مليكة؟! مليكة؟! أيعقل؟!
هذا ما كان يصرخ به عقله، يحاول صم أذنيه عن قلبه وما يريد الآن. لا يريد لهذا الباب أن يفتح، ولا أن تخرج الآن، أو يأتي إليها أحد. كل ما يريده أن يظلا على هذا الوضع، ويا حبذا لو تتطور وضعهما أكثر من هذا.
كان ما زال متصنماً، يديه مرتخية بعض الشيء عن ضمها. شفتيه مقابل عنقها يغطيه شعرها الكثيف. فجأة خاف عليها من نفسه، من جنونه وتملكه.
يعرف أنها لا تتحمل صفاته هذه. ابتعد قليلاً ينظر لها بوله وتفحّص. كانت صامتة.
على الجانب الآخر، ومنذ أن شعرت بيديه تضمها له بتلك القوة، تلك القبلات على نحرها الجميل، كالعادة سرت القشعريرة بجسدها. مثلها مثل أي مرة اقترب منها يضمها له.
ضحكت بسخرية وألم. هه، ولما لا وهو يعتبرها ابنته. عند هذه النقطة انتهى أي احتمال داخلها بتفسير قبلته لشيء آخر. لطالما كانت الطفلة المتيمة بغباء شديد، تفسر أي شيء منه على أنه حب. اهتمامه، حديثه، ضمه لها. بالتأكيد هذه المرة هكذا أيضاً.
تعالت شهقاتها من جديد. لقد فشلت حتى بعد كل تخطيها هذا، للان لم ولن يراها. هل هي صغيرة إلى هذا الحد، أم أنها بشعة؟
كل هذا يدور داخل كل منهم، والطارق ما زال على الباب.
استمعوا من الخارج لصوت كارما يقول:
مليكة.. مليكة انتي صاحية؟ لو صاحية يالا تعالي افطري معانا. مليكة.. مليكة.
حاولت إخراج نفسها من أحضانه وتحدثت بنبرة متوسطة:
حاضر يا كارما.
نظر لها ينتظر أي رد فعل على حضنه وقبلاته، لكنه لم يجد. أليست هذه مليكة التي جاءت منذ شهر تقريباً يوم عيد ميلادها تعترف بحبها الكبير له؟ ما الذي حدث أو تغير؟ هل فعلاً توقفت عن ذلك؟
هنا صرخ عقله: أوليس هذا كل ما تريده؟ هي تفعل الآن ماذا تريد أنت؟
رافضاً بشدة فكرة توقفها عن حبه، ينظر لها ببعض الغضب يقول:
إيه؟!
رفعت عينيها له تقول:
إيه؟! نعم!!
كان يريد أي شيء، أي فرحة أو رد فعل سعيد بما فعله، وليس أن تصمت باعتياد هكذا كأنه لم يفعل أو يحدث بينهم شيء.
تحدث ببعض الجدية:
انتي مش عايزة تقوللي حاجة.
مليكة:
آه.. اتفضل اطلع عشان أكمل لبس.
اتسعت عيناه بزهول منها، من جفائها وردها. لم يكن يتوقع أبداً.
أمام إصرار عينيها بأن يذهب الآن، ذهب. خرج وهو لأول مرة بحياته يشعر بذلك التيه. إنه ترك جزءاً منه مهم بالداخل.
عاود الجلوس على طاولة الطعام من جديد، لكن هذه المرة بقلب وعقل شارد.
انتهى نادر من الحديث بهاتفه وانضم لهم يقول:
هي مليكة لسه مانزلتش؟ معقول كل ده نايمة؟ مش عوايدها.
رفع عينيه له والغضب يسيطر عليه مهما حاول أن يتمالك حاله:
وانت تعرف منين عوايدها؟ انت مابقالكش يومين هنا.
قضم نادر طعامه يقول:
مش بكتر الأيام يا عموري. ثم رفع له حاجبه بتحدي ومكر لذلك الذي يشتعل غيظاً منه.
لما لا يطيق وجوده الآن؟ أليس هذا نادر، صديقه من سنوات وليس فقط ابن خالته؟ نادر خفيف الظل المحب للمرح وللحياة، وكان قديماً يرحب جداً بوجوده معهم ويصر على استضافته هنا. ما الذي تغير الآن وغيره هكذا؟
ظلت نظراته مسلطة بغضب عليه إلى أن وجده يبتسم باتساع وإعجاب.
نظر خلفه وجدها تتقدم. ترتدي فستاناً صيفياً رقيقاً عاري الكتفين، يضيق من الخصر وينزل باتساع حتى ركبتيها.
حاول أن يبدو وقوراً، لكن رغماً عنه كان كاللصوص والمراهقين. يختلس النظر إلى قدميها البيضاء، وهي تسير هكذا أمام عينيه تتجه لمقعدها.
رفع عينيه بصمت. غاضب منها ومن نادر ومن الجميع. فهو وهو يسترق النظر إليها تذكر وجود نادر، ذلك المعجب الجديد.
غضبه يتفاقم وهو يراها بكل هذا الجمال. يمرر عينيه عليها من شعرها الذي فردته على ظهرها كالعادة، وجهها الجميل المشرق تضع به بعض الزينة الخفيفة. هبط بعينيه إلى جسدها الناعم وذلك الفستان يحتضن ويفصل كل منحنياتها بروعة مستفزة. لما هي جميلة اليوم هكذا؟
يتمعن بالنظر إليها وهي تجلس هكذا على كرسيها. ناعمة وصغيرة. تمسك قطعة خبز بيدها تقضمها بهدوء. تبدو لطيفة جداً وهي هكذا، فرغماً عنه وجد شفتيه تبتسم بخفة. واكتمل الأمر حين تذكر ضمه لها.
وقبلاته على عنقها جعلت رجفة لذيذة تستحوذ عليه. حالته غريبة جداً.
كان ذلك هو الرأي الذي يندلع من أعين الكل. حين فتح عينيه وجد الجميع يحدقون به بتعجب.
ناهد: عامر. مالك. فيك حاجة؟
حاول التماسك يقول بخشونة:
مالي؟ أنا كويس.
كارما: كده وكويس... هو انت كنت فين صحيح. أنا روحت جناحك أدور عليك لما اختفيت فجأة مالقتش. حتى بعدها روحت أصحّي ميكا... أصلاً افتكرنا إنك طالع لها، بس لما روحت لها ماسمعتش أي صوت ليك جوا.
ابتسم داخلياً بخبث وانتشاء. وهل للقبلات صوت؟
رفع عينيه مجدداً فاصطدمت بأعين الفت. تنظر له بخبث ومكر شديد، وهو يقسم داخله أن تلك الداهية الفت تعلم عنه أشياء هو نفسه لا يعرفها. فهي بنظراتها هذه تشعره أنها هي التي كانت تقبل مليكة بدلاً منه.
كل ذلك يدور ولا أحد من الجالسين يدري بشيء. لكن هناك شخص واحد، شخص واحد يراقب كل شيء ويخشى من أن يفسد كل ما يخطط له.
نظرات عامر تجاه تلك الصغيرة متغيرة، ليست ككل مرة تأتي فيها إلى هنا.
يجب أن تسيطر على الأمور قبل أن يخرج كل شيء عن سيطرتها.
بحسبة بسيطة، هي تريد عامر لابنتها. وترى الإعجاب بعين نادر لتلك التي تشكل خطراً على ما تفكر به. لما لا يزداد الخير خيرين وتزوج مليكة لنادر وتضمن إرثاً آخر من عائلة الخطيب لها ولأولادها؟ حسناً، لن تضيع هذه الفرصة أبداً.
أجّلت صوتها تتحدث بنعومة تقول:
بس إيه الجمال ده كله يا ميكا... احلويتي وكبرتي.
مليكة:
شكراً يا طنط ربنا يخليكي.
هدى: انتي عارفة إن نادر ابني ده مش بيعجبه العجب، بس من ساعة ما جه وهو مش مبطل كلام عنك... دي مش بتحصل أبداً، خلي بالك ههههه.
ابتسمت لها مجاملة تقول:
شكراً.
هدى: طب انتي وراكي إيه النهارده؟ كنا خرجنا كلنا مع بعض... إيه رأيكوا يا جماعة بدل ما نقعد في البيت؟ شوية وعامر هيروح شغله واحنا نخرج.
أيد الجميع الفكرة وهو يجلس ينظر للكل بحدة.
ناهد متدخلة: طب ما تيجي معانا يا عامر تغير جو الشركة ده.
هدى: عامر مستحيل.. لو انطبقت السما على الأرض. خليه هو يا حبيبي يشوف مصالحه ونخرج إحنا، وأهو نادر معانا أهو.
لو قام وقطع عنق خالته هل سيحدث شيء؟ لن يحدث شيء؟
هممم. إذاً سيذهب هو لعمله اللعين، يتابع سير العمل ويراجع الحسابات ويستقبل عملاء جدد، ونادر اللطيف الخفيف سيذهب للتنزه معهم. هو عامر الغاضب العصبى وذاك هو نادر المنطلق والمحب للحياة. ماشاء الله.
قرر بشيء لا يقبل التفكير أنه لن يذهب لعمله وسيرافقهم، أو بالأحرى يرافقها هي.
لكن... احمم، كيف يقولها وبنفس الوقت يحافظ على هيبته.
أتته النجدة منها وهي تقول بإحراج:
أنا آسفة يا جماعة لازم أروح لندى صاحبتي دلوقتي عشان عندها مشكلة كبيرة ولازم أبقى جنبها. اخرجوا انتوا واتبسطوا.
هدى: أبداً... لازم تبقي معانا مش هنخرج من غيرك أبداً.
حمحم هو بوقار وخشونة يقول:
خلاص روحوا انتوا وأنا هخلص كام حاجة مهمة في الشغل وأعدي أجيبها من عند صاحبتها ونيجيلكوا.
ناهد بزهول: تيجيولنا؟! معقول يعني هتسيب شغلك.
كارما: زمن المعجزات صحيح... دي عمرها ما حصلت.
لم يجيب على أحد وتصنع الانشغال بطعامه يهرب من نظرات الكل، خصوصاً تلك الماكرة الفت.
بينما هدى تتابع كل شيء بغيظ شديد، تلكز ابنتها بكتفها كي تتحدث أو تفعل أي شيء يلفت انتباهه لها، لكنها لا تستجيب.
***
كان يجلس على كرسيه بالحارة كأنه يجلس على جمر مشتعل. لا يطيق تلك الجلسة المعقودة بشقتها. الجميع مجتمع عندها بالتأكيد يبحثون عن حل كي يعيدوها له.
لا، لن يجلس ينتظر أكثر. وقف يعدل من هيئته وذهب ينادي صديقه الأسطى سيد.
رجب: سيد.. يا سيد.
سيد: أهلاً... ازيك يا معلم صباح الخير.
رجب: لا صباح ولا مساء. بقولك إيه؟ انت قلت إيه لخالد؟
سيد: خالد مين؟ آآآه أخو الست نجلاء... مش انت قلت يا معلم سيبه يستوي على نار هادية.
رجب: لحد إمتى؟ مابدهاش بقى... يلا بينا.
سيد: على فين بس يا ريس.
رجب: فوت قدامي وأنا هفهمك واحنا ماشيين.. يلا خلص.
ببيت نجلاء، تجلس بصمت تام تراقب الكل. يتحدثون بصوت عالٍ.
عتاب.. شجار.. وبحث عن حل.
كأنها غير موجودة. يريدون إرجاعها له حتى بعد كل ما قالته وانفجرت به بوجه أمها من أيام.
في تلك الأثناء، كانت ندى بغرفتها تجلس مع مليكة.
مليكة: يعني إيه يعني مش فاهمة.
ندى: ولا أنا بردوا فاهمة. فجأة اتغير، ولا بيتصل ولا بيبص حتى ناحيتي لو عديت من قدامه أو طلعت البلكونة. حتى بتصل بيه في اليوم 200 مرة مش بيرد.
رفعت مليكة حاجبيها وقالت بعصبية وغضب أكبر من الموقف:
خلاص ماتكلميهوش تاني. إحنا هنتحايل على أهله؟ رضينا بالجزار والجزار مش راضي بينا. بقولك إيه يا بت انتي، حسك عينك أعرف إنك كلمتيه ولا عبرتيه تاني. يا حلاوة، لاهو كمان اللي هيتنك علينا. صوني نفسك وكرامتك وكفاية بعزقة فيها يمين وشمال بلا قرف. رجالة مش بتحس، ده إيه الحظ ده ياربّي. لا وكمان مش عاجبهم.
ندى: براحة يا بت في إيه؟ مالك انفجرتي مرة واحدة كده؟ مش شايفة إنك أوفر؟
مليكة: بلا أوفر بلا زفت. وبدل ما انتي مركزة في سي يوسف بتاعك، شوفي المشكلة اللي برا دي.
ندى: لا، اللي بيحصل ده أنا تقريباً اتعودت عليه. وما تحوريش وتتوهي الموضوع، اخلصي انطقي في إيه.
صمتت مليكة بحزن وقالت:
تعبت خلاص. مش شايفني ولا هيشوفني حتى بعد كل الشقلبظات اللي عملتها دي. أنا في مستوى النظر حتى. خلاص روحي وقلبي تعبوا. تعبوا من كتر الذل والإهانة وأنا بحاول أتودد لواحد بيقابل كل ده بولا حاجة. يعني حتى مش بالرفض، لا ده مش شايف ولا واخد باله أصلاً عشان يرفض. دي بتوجع أكتر.
ندى: طب ليه يا مليكة ليه كملتي وعملتي كل ده؟ ماهو سبق ورفضك بأبشع الطرق. المفروض كنتي لميتي اللي باقي من قلبك وبعدتي عنه.
مليكة: أبعد إزاي وأنا عايشة معاه في مكان واحد؟
ندى: خلاص روحي عند خالتك. مش كنتي كل إجازة بتروحي لها أسبوع ولا اتنين؟ وكنتي دايماً بتروحي غصب عنك، مش عايزة تسيب سي عامر بتاعك. لولا خوفك من زعل خالتك وعيالها ما كنتيش ترضي تسيبيه أبداً. روحي... روحي وابعدي شوية عن كل ده. يمكن هو وبحر إسكندرية ينسوكي شوية.
مليكة: خالته.. صحيح وحشتني أوي. أنا فعلاً محتاجة أبعد فترة. طب تعالي معايا. ابعدي عن مشاكل البيت وابعدي عن الزفت جو ده وتعالي معايا. أنا هكلم مامتك.
فكرت ندى قليلاً وقالت:
يا ستي لا، هتحرج.
مليكة: من إيه بس؟ جوز خالتو الأيام دي من السنة بيبقى مسافر في شغله، وخالتو وولادها من كتر حكيي عنك نفسهم يشوفوكي. وافقي بقى... خلينا نفك.
ندى: خلاص ماشي، أنا فعلاً عايزة أغير جو. سامعة صوت خناقهم جايب لآخر الشارع إزاي؟ مصرين يرجعوهم لبعض عشاني. ههه، قال يعني كده أنا هبقى تمام وهما ليل نهار خناق ومش متفقين أبداً. أنا بجد تعبت. لا ومن كل ناحية جه يوسف وكملها.
بالخارج.
كان الشد والجذب بين كل الأطراف وللان لا يوجد حل.
تحدث خالد يقول:
إحنا ماسكين في خناق بعض على الفاضي ليه؟ هي قفلت.
البيه قفلها لما رمى آخر يمين، مالهاش مخرج غير بالمحلل.
انتفض شقيق توفيق الكبير يقول:
إيه؟ محلل إيه يا خالد؟ انت عايز تجرسنا.
خالد: خلاص يديها بقى كل حقوقها ويروح يطلع قسيمة طلاق وكل واحد مننا يروح بيته ومالهاش لازمة القعدة دي. بقولك إيه يا حاج شكري، أنا لفيت على كل المشايخ وروحت دار الإفتاء. كله أجمع إنها خلاص ماتحلش ليه وإنه طلقها طلاق نهائي.
شكري: وهما يعني اللي قالوا إن المحلل حلال؟
خالد: لا طبعاً ماقالوش... بس هي معروفة مابيننا إن ده حلها. الله... هو أكل ولا بحلقة، قال يعني لاقيين اللي يوافق بكده. أنا شخصياً بقالي قد إيه بدور اهو وسألت توب الأرض ومش لاقي.
تعالت الأصوات المعترضة من توفيق وإخواته، كذلك خالد وأمه. إلى أن دلف رجب وسيد من الباب الذي كان مفتوحاً.
سيد: خير يا أخونا، كفا الله الشر. صوتكوا جايب لأول الشارع.
شكري: مشكلة كده يا سطا سيد وبنحاول نلاقي حل.
سيد: خير... خلونا نفكر مع بعض ونرد الشور على بعض، يمكن حد فينا يوصل لحل بدل ما هي مقفلة كدا.
أمام تلك العقدة، لم يجدوا بد من أن يقصوا لهم. ربما وجدوا حل أو شخص يوافق على تلك الزيجة.
تحدث رجب:
يااااه... دي مشكلة عويصة أوي، ودي هتحلوها إزاي.
سيد: كده لازمهم محلل.. ولا فيش حد هيرضى بكده أبداً. أنا شخصياً ماعرفش حد.
شكري: والعمل يا جماعة.... خلاص هنسيب البيت يتخرب؟
سيد: لكن أنا شايف الباشمهندس ساكت، يعني كأنه مش هو سبب كل ده.
شكري: خلاص يا سطا، اللي حصل حصل وهو بإيده إيه دلوقتي يعني.
رجب باستخفاف:
بس مايبقاش قاعد ساكت كده وكلنا بننشال ونتنهبد وهو راسي كده... دي مصيبة وسبحان من يحلها.
سيد بمكر ومراوغة:
يحلها.. يحلها إزاي يا معلم؟ هو مين هيرضى بكده أبداً؟
نظر ناحية نجلاء الصامتة تماماً بعجز وصدمة وقال:
أنا مش قصدي يا ستي أم ندى، ده انتي فوق راسي. بس أنا أقصد ظروف الجوازة يعني انتي فاهمة.
بعد مدة طويلة، خرج كل من رجب وسيد يبتسمون لبعض بخبث وانتصار بعد أن تمت مهمتهم. فقد ظلا يغنيا عليهم ويلقّفانهم لبعض، سيد بكلمة ورجب بكلمة، إلى أن اقترح سيد اسم المعلم رجب وأن يتطوع مجبراً ويحل تلك المعضلة ويأخذ بهم الثواب، خصوصاً وهو الوحيد بدون امرأة سترفض ذلك الوضع بعدما طلق حكمت.
وأبدى رجب زهوله وتضرره الشديد على الأمر كله، لكن ماذا يفعل هو بشهامته ومروءته التي تجبره على فعل ذلك. حسناً، سيوافق وأمره إلى الله، كله فداء ألا يخرب هذا البيت.
نظروا لبعض وانفجرا ضاحكين بما فعلوه، تاركين أسرتان كل منهم بصدمة مختلفة.
نجلاء لا تصدق إلى أين وصل الأمر. وتوفيق ينظر لها بشماتة. سيعقد قرانها على جزار. ابتسم بسخرية ومن ذا الذي كان سيأتي لها أفضل منه.
وقف وهو يهم بالرحيل يقول بإذنها:
والله هو ده يادوب توبك.. جزار... يلا اتجوزيه يوم ولا اتنين عشان لما نرجع تاني تبقى مخروصة وبايسة ايدك وش وضهر بعد ما عرفتي مقامك العالي.
تركها يغادر ولا على باله شيء، وهي تفكر مما صنع هو وما هذا الذي يسري بعروقه، بالتأكيد ليس بدم. أخذت تتمتم بأنه (مريض نفسي). أما باقي العائلة، فالكل يحمد الله أنه أخيراً وجدوا الحل.
بنفس الوقت، وصل عامر أسفل بيت ندى، كله شوق لذلك اليوم. يفكر: لما لا يأخذها ويخرجا سوياً بعيداً عن أعين الجميع. لكن عاودت هيبة عامر تلومه: كيف وبأي حجة سيفسر لهم الأمر؟ استفاق على حاله وإلى أي درجة من التصابي والجنون وصل به التفكير، فنهر عقله بشدة وحاول التماسك قدر المستطاع.
أشرقت ابتسامته تدريجياً وهو يجدها تخرج بهدوء من بيت صديقتها بعدما هاتفه. تفتح الباب وتجلس لجوارة دون قول أي شيء. أين مليكة تلك التي تعشقه؟
هل توقفت عن حبه كما قال كارم؟ أم هل وهل وهل.
أشياء كثيرة تندلع لعقله وهو فقط يراقبها تجلس تنظر من نافذة السيارة بشرود. لم تنطق بأي حرف، وللعجيب أنه لا يجد ما يقوله. عامر الخطيب المتحدث اللبق لا يجد ما يقوله أو يفتح به حديث.
بـنهاية اليوم الأكثر من كارثي بالنسبة له.
أوقف سيارته بغضب أفزع الجميع وهم لا يجدون أي سبب لغضبه.
وحده فقط من يعلم السبب. طوال الوقت وهي تجلس بعيدة عنه. ظن أن هذه فرصة جيدة ستقتنصها وتتقرب منه، تحادثه، تشاكسه كما كانت تفعل طوال تلك السنوات عندما يخرجون سوياً. لكن لم يحدث. بل ما حدث أن ذلك السمج نادر، يجلس يحدثها، يفتح معها أي حوار. اشتعل غضبه من جديد وهو يتذكر حينما أخرج هاتفه يود التقاط بعد الصور معها. هل جن هذا؟
انتهى اليوم بخلاف بينهم. حاول هو بعدها مراضاته، فبالنهاية هو ابن خالته وضيف ببيته.
صعدت بسرعة لغرفتها بعدما أصبحت رؤيته وفكرة وجوده أمامها وهو لا يشعر بها تسبب لها الاختناق. كل تصرفاته تدل على ذلك، حتى شجاره منذ قليل مع نادر لا يدل إلا على شيء واحد يشعر به ناحيتها: المسؤولية. إنها مسؤوليته وفقط.
في يوم جديد، كان يجلس في مكتبه بالشركة يعود بظهره على كرسيه للخلف مسترخياً بشدة. اليوم هو الثلاثاء. مليكة تعامله جيداً يوم الثلاثاء منذ فترة، وهو يراقب كل تصرفاتها. لاحظ أنها تتعامل بحب وتظهر عشقها وتقترب منه بيوم الثلاثاء. أغمض عينيه باستمتاع وهيام. همممم، يريد أن ينهي عمله اليوم والعودة للبيت سريعاً كي يحظى بقربها وعشقها.
فتح عينيه وجد كارم يقف ينظر له كأنه برأسين. انتفض من مجلسه يقول:
يخرب بيتـك، أنت دخلت امتى.
رفع كارم حاجبه يقول:
مالك ياض ساهيان على نفسك كده ليه؟
عامر:
إيه ساهيان دي؟ يخربيت ألفاظك على بيت شغلتك دي.
جلس كارم يقول:
همممم، خلصت شتيمة يا حيوان. قول لي بقى مالك كده مش على بعضك ليه.
عامر بدون تفكير ابتسم باتساع:
أصل النهاردة التلات.
كارم:
وهو ده اللي باسطك أوي كده؟ النهاردة التلات. ده الشعب المصري كله بيكره يوم التلات.
عامر:
ليه؟
كارم:
ماعرفش، ولا حد عارف. بس هو كده.
عامر:
إيه اللي جابك؟
كارم:
تشكر يا ذوق. هي دي مقابلة؟
عامر:
أصلاً إزاي تدخل كده؟ ماعدتش على السكرتيرة برا.
كارم:
آه، اللي بتبقى قاعدة كل ما بأجي دي. لا، بتقابل.
عامر:
بتقابل؟
كارم:
آه، الجو بتاعها. شوفتها واقفة مع موظف هنا ونازلين حب في بعض. خلينا أنا وانت كده مناحيس مش لاقيين حتى كلبة.
عامر باندفاع:
ما تلم نفسك يالا، إيه كلبة دي؟
كارم:
إيه ده إيه ده؟ هو انت فيه واحدة معينة؟
عامر:
وواحدة؟ واحدة مين؟ قصدك إيه؟
كارم:
همممم، أنا التأتأة دي عارفها. بتأتأ ليه؟ وإيه سر انشكاحك النهاردة ده؟
تلجلج عامر قليلاً إلى أن وقف يقول:
ولا.. انت شكل مهنتك طبعت عليك. إيه هتستجوبني؟ أنا رايح وأنت يالا من غير مطرود.
وقف كارم يقول:
إيه بدري كده؟ إيه عايز تلحق يوم التلات من بدري في البيت.
زاغت عينا عامر يميناً ويساراً، يبدو أنه كُشف.
كارم: استنى أنا جاي معاك، عايز أجرب أجواء التلات في بيتكم. شكلها أحسن من عندنا.
نظر له بغضب وخرج بغيظ.
جلسوا على سفرة الطعام لتناول الغداء، وهي تجلس بكل هدوء ينتظر أي حديث منها. لما هذا الصمت؟ أليس اليوم هو الثلاثاء؟
صامتة صامتة وهو مترقب، ولما نطقت كانت الصدمة.
مليكة: أنا مسافرة بكرة عند خالتي تيتا، هقضي الإجازة هناك.
رواية انصاف القدر الفصل السابع 7 - بقلم سوما العربي
وقف في شرفة غرفته يفكر بحزن كيف وباى حق سيمنعها من السفر.
بالأساس هي كل عام تسافر لخالتها عدة أيام، ما الجديد الآن؟
وقف يتعمق بداخله يبحث عن الإجابة. ما الذي تغير به هو؟
قديماً ما كان يهتم لمنعها من السفر، كل الأسرة تسافر، تذهب وتأتي وهو لا يهتم ولا حتى لها، ما الذي حدث الآن؟
يجب عليه أن يواجه نفسه أولاً.
دقائق وخرجت من شرفتها تنظر للأمام بشرود.
الهواء يطير شعرها من خلفها وهي تغمض عينيها تحاول حبس أكبر كمية من الهواء بداخلها.
منظرها من عنده هكذا يخطف العيون والقلوب.
ينظر لها بإعجاب شديد لا يريد أن يزحزح عينه عنها.
مليكة الجميلة... كبرت وأصبحت فتاة جميلة جداً ذات جمال خاص.
قطع وصلة شروده بها صوت طرقات عالية على الباب تخبره الخادمة أن العشاء جاهز.
فليذهب سريعاً ويجلس معها.
جلس على طاولة العشاء والكل موجود حتى فادي الذي حضر منذ ساعات.
وهو فقط يراقب عبسها بالطبق شاردة لا تندمج مع أحد.
تحدثت ناهد:
هتوحشينا والله يا ميكا، البيت مش هيبقى له حس من غيرك.
فادي:
بقى ده اسمه كلام؟ أنا آجي من هنا وإنتي تمشي.
ابتسمت بصعوبة وقالت:
ماعلش، عايزة أغير جو، وكمان خالتي وحشتني.
هدى بخبث:
تروحي وترجعي بالسلامة يا حبيبتي... ده نادر زعلان أوي إنك ماشية.
تجهم وجه عامر وقال فادي:
لا ماعلش، هو نادر هنا أصلاً؟ وزعلان ليه إن مليكة ماشية؟
هدى بخبث:
يوه، مش أصحاب.
فادي:
ياسلام... هممم، ماشي.
كارما:
سيبك من كل ده... غنيلنا حاجة... مين هيغنيلى وإنتي مسافرة.
نظر لهم بتفاجئ... هل تمتلك موهبة الغناء؟
مليكة:
ابقى شغلي أغاني على الفون ياستي مش مشكلة يعني.
ناهد:
لا طبعاً، إحنا بنحب الأغاني منك إنتي.
فادي:
يالا يا ميكا حتى عشان تيتا الفت.
نظرت لجدتها وجدتها تنظر لها بحنان تطلب منها، وهي تومئ برأسها موافقة.
أغمضت عينيها وغنت أول شيء خطر ببالها.
قلبي ومفتاحه... دول ملك إيديك ومساه وصباحه بيسألني عليك...
قلبي ومفتاحه... دول ملك إيديك ومساه وصباحه بيسألني عليك...
قلبي ومفتاحه مفتاحه دول ملك إيديك....
كان حبك شمعة في يوم عيدي... وطفاه الدمع وتنهيدي...
كاااان حبك شمعة في يوم عيدي... وطفاه الدمع وتنهدي...
من يوم ما إيديك لمست إيدي... وكأنك قولت يانار إيدي..
من يوم ما إيديك لمست إيدي.. وكأنك قولت قولت يانار إيدي..
ومدام مشغول ياحبيبي مش كنت تقول يا حبيبي
ومدام مشغول يا حبيبي مش كنت تقول يا حبيبي.
ده القلب جراحه.. من رمش عينيك ومساه وصباحه بيسألني عليك...
قلبي ومفتاحه مفتاحه دول ملك إيديك.
يا حبيبي ياريت أبقى حبيبك.
وأكون من بختك ونصيبك...
ياااحبيبي ياريت أبقى حبيبك واكون من بختك ونصيبك..
ده أنا مهما تقسى بردو راضي بك وتسبني الروح قبل ما أسيبك..
ده أنا مهما تقسى بردددو راضي بك وتسبني الروح قبل ما أسيبك..
قلبي عمل إيه يا حبيبي ليه تقسى عليه ياحبيبي..
قلبي عمل إيه يا حبيبي ليه تقسى عليه ياحبيبي..
وحشته أفراحه.. من شوقه إليك..
ومساه وصباحه بيسألني عليك..
وحشته أفراحه من شوقه إليك..
ومساه وصباحه بيسألني علييييك..
قلبي ومفتاحه مفتاحه دوول ملك ايدييييك.
انتهت من غنائها بشجن، رغماً عنها تذكرت كل شيء حدث وكيف كسر قلبها الصغير بذلك اليوم وذهب.
الكل يصفق ويصفر لها تحية.
وحده هو من يجلس متصلب على كرسيه.. كأن كل كلمة خارجة بقطرة دم تزرف معها الدمع... كل كلمة موجهة له وهو الوحيد الذي يعلم... تلومه عن كل ما فعله... لأول مرة يدرك كم قسى عليها ذلك اليوم. يوم عيدها.
وقفت تستأذن من الجميع تريد النوم.
أصبحت لا طاقة لها برؤياه... رؤيته تؤلمها... هي بالفعل بحاجة لتلك السفرة، ربما تبتعد قليلاً.. لربما تتعافى.. لكن أن تعيش معه في بيت واحد تتشارك معه الطعام والشراب حتى الهواء وهو لا يشعر بها ولا حتى يراها أمر مؤلم جداً وفوق قدرة استيعابها، مهما مثلت القوة أمام الجميع لن تستطيع الصمود في التمثيل طويلاً... سيأتي يوم وتنهار به وهي لا تريد ذلك... ستذهب من هنا تحت أي ظرف، ربما تلك الفترة تجعلها أحسن أو أقل ما فيها ستعتاد غيابه.
كانت مازالت تسير متجهة لغرفتها حين لحق بها.. وجدته يناديها فالتفت له.
عامر:
مليكة... أنا....
أخذ نفساً عميقاً وقال:
أنا أول مرة أعرف إنك بتغني.. وصوتك حلو.
ابتسمت بمرارة:
وإنت من إمتى تعرف عني حاجة.. مش قولتلك. إنت ما تعرفش عني أي حاجة وحكاية أنا اللي مربياكي دي كلمتين كده وبس... أنا بالنسبة لك فرد.. فرد صغير عايش هنا في البيت اللي بتيجي تنام فيه آخر اليوم.
عامر:
مليكة ليه بتقولي كده... أنا مش وحش أوي كده... أنا واخد بالي من الكل وو..
قاطعته هي:
هو عشان بتدي كل واحد الفلوس اللي محتاجها وزيادة يبقى إنت كده واخد بالك من الكل... عارف يا أبيه...
صمتت قليلاً وأكملت بيأس:
ولا أقولك... إنت تمام.. إنت صح.. مش إنت اللي ماشي غلط.. أنا اللي لازم أغير تفكيري وأكبر شوية عن كده وكفاية هبل بقى.
عامر:
يعني إيه؟
مليكة:
مش يعني حاجة.. عن إذنك.
همت بالرحيل فمسك ذراعها يوقفها، التفتت له فقال:
ما تسافريش.
نظرت له دقيقة بصمت وقالت:
لا هسافر.. أنا عايزة كده فهعمل كده.
عامر:
طيب لو محتاجة تسافري أوي كده أنا هاخد إجازة وأسفرك.
أغمضت عينيها بمرارة:
لأ أنا عايزة أسافر لوحدي.. مش هستنى لما كل الأسرة السعيدة تجهز نفسها وتفضى عشان أسافر معاك يومين... خلاص مليكة كبرت.. أنا محتاجة أعمل كده دلوقتي فهعمله.. وأظن إني واخدة الإذن من تيتا وفادي.
عامر ببعض الحزن:
وإنتي خلاص بقيتي تاخدي إذن سفرك من فادي؟
مليكة:
آه.. أنا شايفه إن ده الصح فعمله.. بعد إذنك.
خلصت ذراعها من قبضة يده تسير تجاه غرفتها... لن تظل مليكة التابع له.. فلتحرر قليلاً ربما وقتها تستطيع التأقلم... تستطيع النسيان.
***
جلس المعلم رجب على كرسيه أمام محل الجزاره خاصته.. أحد فتيان القهوة يضع له أرجيلته مع الشاي ويرحل.
ينظر كل ثانية لشرفة شقتها.. ربما يراها ولو لثانية.. ما بها منذ ذلك اليوم لم تخرج لا من باب ولا من شباك... حتى مستلزمات البيت تأتي بها ندى.. هل هي حزينة على فراق هذا البغل أم حزينة لأنها مضطرة على الزواج بشخصه.
نفس دخان أرجيلته يقول: يا رب... قرب البعيد.
في نفس الوقت كانت ندى تقف بتردد عند الباب الآخر للمحل بعيداً عن أنظار المعلم رجب حيث يجلس معطيها ظهره.
حسمت أمرها ستتحدث معه وليكن ما يكون.
نادت عليه بخفوت:
يوسف.. يوسف.. جو.
التفت لها وعلى الفور تغيرت معالم وجهه.. الغضب والرفض كان واضحاً عليه بشدة.
أمام ملامحه هذه وصمته اتجهت هي له تقول:
يوسف مش بترد ليه.
أجابها بجفاء وهو يعد بعض الأوراق المالية:
إيه اللي جابك هنا. هتشترى لحمة؟
ندى:
لحمة؟! هو ده اللي ممكن يجيبني هنا بس.
يوسف:
آه مافيش هنا غير كده.
ندى:
لا فيه.... إنت.. أنا جيالك عايزة أعرف فيه إيه بقالي أد إيه بكلمك مش بترد ولما أشوفك ألف وشك الناحية التانية.
يوسف:
فيه حاجة يا آنسة عايزة حاجة؟
اتسعت عينيها تقول بصدمة:
يوسف.. إنت بتكلمني أنا كده... أنا ندى... إيه اللي جرالك؟
يوسف:
روحي اسألي الست والدتك.. أبويا عشان خاطرها عايز يتجوزها... محلل. عشان يفضحنا ويجرسنا وفوقها يقهر قلب أمي اللي مش مبطلة عياط من يومها.
ندى:
وأنا أمي ذنبها إيه... عم سيد هو اللي اقترح الحل ده وأبوك ماحدش غصب عليه هو وافق من نفسه يبقى أمي ذنبها إيه أصلاً ماحدش ندبه يحل المشكلة هو وعم سيد جم من نفسهم.
يوسف:
هممم.. وبعد كل ده ماوصلتيش لحاجة.. أبويا يعمل كل ده ليه؟
ندى:
لا ماوصلتش ومش فاهمة فهمني إنت.
يوسف:
لا أفهمك ولا تفهميني... كل واحد يخليه في حاله أحسن بكرة تفهمي وكل حاجة تبان.
بهت وجهها وقالت:
يعني إيه الكلام ده يا يوسف.. إنت بتسبني؟
يوسف:
أسيبك؟! هه هو أنا كنت ماسك عشان أسيبك.. مش عارف بتتكلمي كده على أساس إيه يعني.
وقفت مصدومة لا ترمش جفن واحد وهو يقف كتلة ثلج متجمعة أمام عينها كأنها لأول مرة تراه.
انتبهت على صوت المعلم رجب يقف بينهم قائلاً:
فيه حاجة يا يوسف.. موقف ندى كده ليه؟
يوسف بسخرية:
لا يابا هي ماشية خلاص مالقتش طلبها هنا.
رجب:
كنتي عايزة إيه يابنتي وأنا أبعتلك الواد عطوة يجيبهولك.
أشاحت عينيها المسلطة على يوسف بصدمة ونظرت لرجب تقول:
لا كتر خيرك يا عم رجب... أنا فعلاً طلبي مش هنا ومش موجود.
رجب:
طب ما تقولي يابنتي وأنا أبعت حد يجبهولك بدل ما تروحي إنتي الوقت اتأخر.
تحركت من أمامهم تقول:
مانا مش هروح... هو هيجيلي.
عاود يوسف لعد المال وكأن شيئاً لم يكن ووالده ينظر له بحيرة وندى ركضت مسرعة إلى منزلها تحتمي بجدرانه كي تخفي بكاءها وضعفها.
***
في الصباح الباكر.. لم تذق مليكة طعم النوم.. هذه عادتها حينما يكون لديها سفر أو مشوار مهم.. ولكن هذه المرة كانت تغلي من الغضب وهي تتذكر مكالمة صديقتها لها تقص لها كل ما فعله يوسف الحيوان... رفضها بكل برود مثله مثل عامر بالضبط.
أخذ الأمر منها أكثر من ساعة كي تعيد إقناع ندى بالذهاب معها عند خالتها كما سبق واتفقوا... مطبعة نفس منهجها مع نفسها... جلوسها هنا أمامه سيتعبها كثيراً.. فلتبتعد وتغير جو أفضل.
اجتمع الجميع على طاولة الطعام إلا هو.
لقد ارتدى كل ثيابه العملية كاملة ولكن لم يهبط لهم حتى الآن.. هو الآخر لم يذق طعم النوم.. يؤرق مضجعه تلك الأفكار التي تندلع برأسه ناحية مليكة... هكذا فجأة.. يرى أن كل ذلك خطأ.
هو خطأ.. وأحاسيسه هذه خطأ.. لا يجب أن يحدث أي شيء من هذا القبيل.
أغمض عينيه بألم واستعد للنزول... يهبط على الدرج بتعب وحزن واضح... ينظر لها من بعيد وهي تجلس هكذا.. ذلك التيشرت الأبيض مع بنطال من الجينز.. تعقد شعرها كحكة كبيرة للأعلى أظهرت عنقها الجميل.
بسيطة هي وجميلة.. ينظر لها بحب وتأمل وهي تجبره على ذلك بجمالها الناعم هذا.
لا يزال لم تلتفت له رغم رائحة عطره التي تغلغلت داخل أنفها ونفدت إلى دمها وروحها.
رفعت عينيها على صوت هديل الناعم:
صباح الخير يا عامر.
عامر:
صباح الخير يا هديل.. صباح الخير يا جماعة.
الكل:
صباح النور.
وقفت هديل تضع له بعض المربى أمامه باهتمام بالغ وهي تبتسم له بود شديد.
ابتسم لها هو الآخر وقال:
شكراً يا هديل.
هديل:
العفو.
ثم شردت قليلاً بأحداث ليلة أمس.
فلاش باك
جلست بغرفتها مع أمها ونادر يتحدثون وهم يتواصلون بالفيديو مع والدها بلندن.
هديل:
حرام عليك يا بابا الشركة دي أنا اللي أسستها.. وتعبت فيها أوي أنا حتى اخترت كل عامل وموظف بنفسي... كنا كام واحد يتعدوا على الصوابع.. ولا هي غلطتي إني سجلتها باسم حضرتك... أنا عملت كده عشان كنا لسه جداد وعايزين اسم كبير نندمج معاه ويبقى لنا وضع.
والدها:
طول ما إنتي مش بتسمعي الكلام مش هتطولي حاجة ولا حتى شركة البرمجة بتاعتك دي.
تدخل نادر:
بس يا بابا ده حقها هي اللي عملتها وتعبت فيها.
هدى:
عايزاها يا حبيبي تاخدها بس تعمل اللي إحنا عايزينه الأول.
هديل:
هو بالعافية.. أنا مش بحبه ولا هو بيحبني.
هدى:
وإنتي مين قالك؟
هديل:
يا ماما مش لازم تتقال.. بتتحس.. بتتحس يا ماما.
والدهم:
ماهي دي مهمتك بقا... تخليه يحبك أو مش لازم يحبك بس المهم يتجوزك غير كده مش هتعرفي تاخدي شركتك.
بكت بحرقة وقالت:
ليه يا بابا تعمل فيا كده.. ده حقي. ليه عايزني ألزق نفسي لواحد مش شايفني.
والدها:
أنا بعمل كده عشانك.. مش هلاقيلك عريس أحسن من عامر بكرة تعرفي إن كل ده عشانك إنتي وأخوكي.
أغلق الاتصال لا يريد نقاش آخر.
نادر:
هديل... أوعي تعملي كده.
هديل ببكاء:
إنت شايف حل تاني؟
نادر:
ماما... كلميه إنتي يا ماما.. مش هقدر أشوف أختي وهي بتتلزق في واحد كده.. طب بلاش هي. ما فكرتوش فيا... رجولتي وأنا شايف أختي بتتمحك في واحد عيب علينا والله عيب... هديل.. ارفضي ابدئي من جديد.
هديل:
أبدأ من حديد؟! إنت عارف أنا عندي كام سنة.. أبدأ من الصفر تاني بعد ما كبرت ووصلت لكل النجاح ده. مش هعرف.
نادر بغضب:
مش أحسن ما تروحي ترمي نفسك على واحد مش بيحبك... ياما ناس أكبر منك وبدأوا من جديد وكملوا ونجحوا... مش هتعرفي تبدأي من جديد بس هتعرفي تتلزقي في عامر.
صمتت لا تجيب فقال:
لو ده حصل يا أمي... أنا هرجع لندن... مش هقدر أشوف كل ده بيحصل قدامي...
خرج من عندهم بغضب لا يستطيع التحمل.
بااااك
جلست بسخط على حالها وما تفعله لكنها لن تخسر شركتها أبداً مهما حدث.
وقف نادر بغضب لا يستطيع رؤية أخته وهي تهين نفسها وتهين رجولته أيضاً هكذا... بدون أي كلام خرج من باب القصر لا يستجيب لنداء أي أحد.
مليكة:
هو ماله يا جماعة؟
رفع عامر عيونه لها بحدة لكنه لم ينطق.
هدى:
هيرجع لندن.
كارما:
لندن.. ليه مش قال هيقعد فترة؟
هدى:
مش عارفة.. خليه على راحته.
أخذت تتمتم بعقلها (أجوز بس هديل لعامر وبعدها أرجعه ويمكن ساعتها نستعين بمليكة الحلوة هههههه)
نظرت لها هديل بسخط غير راضية عن كل ما يحدث أبداً ولكن ما بيدها حيلة.
جاء لعامر اتصال هام من أحد الأشخاص المهمين بالدولة.
وقف من مقعده واتجه لمكتبه يجيب عليه.
بالخارج
فادي:
خلاص يا مليكة جاهزة نتحرك؟
نظرت تجاه مقعده الخالي بحزن.. لم يكلف خاطره حتى يسلم عليها.. أو أي شيء.. أي شيء منذ الصباح... فقط هديل واهتمام هديل وردها عليها. بئساً لها ولليوم الذي عشقت به.
وقفت سريعاً تحمل حقيبة ظهرها وفادي حمل حقيبة ملابسه الكبيرة.
وقفت تسلم على الجميع يوصونها بنفسها وأن تهتم لحالها وتهاتفهم دائماً.
في مكتب عامر
كان يتحدث على عجالة وضيق يريد أن ينتهي من تلك المكالمة الهامة ويذهب لها لكنه لا يستطيع غلق الهاتف الآن إنه أحد أعمدة الدولة والكل يسعى لدقيقة واحدة معه.
انتهت المكالمة سريعاً وهو خرج بسرعة يسأل عنها.
كارما:
برا في عربية فادي هيمشوا.
خرج مسرعاً مطلقا لساقيه العنان ولكن لم يجدها... تحركت سيارة فادي بسرعة وهو يحاول أن يصل لهم.
وقف مكانه ينظر لخروج السيارة بحزن شديد وكأنها تأخذ قطعة منه بداخلها وتذهب.
وهي تجلس بالسيارة تشعر بتكرار طعناته المؤلمة لها... لم يكلف خاطره ويأتي ليودعها... يسلم عليها.. يلقي حتى سلام عابر.. حتى هذه بخل بها... ألم يقل إنها ابنته فلما لم يودعها حتى كونها ابنته ويوصيها أن تنتبه لحالها... يسألها إن كانت بحاجة لمال أو لشيء... هكذا بكل بساطة أخذ هاتفه واتجه للداخل وأغلق الباب.. لا يريد إزعاج.. لا يهتم لوجودها من عدمه.. جلست... سافرت الأمرين سيان لديه... إلى هذه الدرجة لا يراها ولا تفرق معه. لقد كذب حتى حينما قال ابنته... هو لا يطيقها بالأساس وربما حتى وجودها يضايقه.. لو كانت ابنته لأحبها حتى حب الأب لابنته واهتم بها بناءً على هذا الحب.. لكن حتى هذه لم يفعلها.. لا هي ابنته ولا ستكون حبيبته... الوصف الوحيد لها لديه.. إنها حمل.. عبء ثقيل وقد سئم منه ولابد أن تخلصه منه هي.
كان هذا تفكيرها الذي توصلت به لا تدري بذلك الذي مازال على وقفته بحزن... يتمنى لو تعود ثانية.
جلست بجانب فادي في طريقهم لندى.
تحدثت بدون تفكير أو ترتيب:
فادي... هو احنا هنتجوز ليه؟ هو احنا بنحب بعض؟!
نظر لها بتفاجئ.. هو حقاً بوغت بسؤالها هذا.. لم يسأل نفسه يوم هذا السؤال.
لقد برمج على أنه لمليكة ومليكة له.
فادي:
إيه السؤال ده يا مليكة. هو أصلاً سؤال ولا إجابة؟
مليكة:
بص يا فادي.. أنا وإنت محتاجين نعيد تفكير في كل حاجة هما رتبوها لينا... هما شافوا وقرروا إننا مناسبين لبعض فنتجوز لكن... مش عارفة أوصلك إحساسي بس أنا جوايا لخبطة جامدة أوي.. محتاج أقعد أفك اللخبطة دي وأفهم إيه اللي عايزاه وإيه اللي فهماه غلط... عشان أرتب حياتي صح وعلى تنظيم مش على هبل ومشاعر مش متفسرة.. قبل ما نتجوز ونجيب طفل وفي الآخر نكتشف إحنا الاتنين في نفس الوقت إننا مش بنحب بعض أصلاً.
فادي بتيه:
أيوه.. بس. بس أنا بحبك يا مليكة.
مليكة:
بتحبني إيه يا فادي.. أخت. ولا بنت عم... ولا حبيبة وعايز تتجوزني... أصل مش كل الحب للحبيبين بس.. فيه حب أخوات. وحب قرايب... اعرف يا فادي الأول قبل أي حاجة وبلاش نمشي على اللي الكل رسمه وخططه لينا.. فكر وقرر اختار إنت لنفسك عشان دي حاجات ماينفعش حد غيرنا ياخدها لينا حتى لو كنا مناسبين لبعض في كل حاجة.. أنا مش هستنى لما ييجي اليوم اللي تبقى متجوزني فيه وبنا أولاد بس إنت بتحب واحدة تانية وأنا كمان أبقى بحب واحد تاني بس إحنا الاتنين مجبرين نعيش ونكمل.
فادي بزهول:
عندك حق... أنا عمري ما فكرت في الموضوع ده.
مليكة:
دي فرصة كويسة.. إني مسافرة.. خد وقتك ولما نفضل ولاد عم من الأول كده أحسن ما نخسر بعض صح.
فادي:
صح جدا.... إنتي طيبة أوي وأنا مش عايز نخسر بعض في المستقبل... عموما دي فعلاً فرصة كويسة لأني مسافر بلد كده في الأرياف لينا مشروع هناك وأنا اللي هشرف عليه.. فرصة أبقى بعيد عن البيت وضغط أي حد.. أفكر وأوصل لقرار.
مليكة:
صح كده يا فادي... اقف هنا ده بيت ندى.
خرجت ندى تجر حقيبتها بصعوبة... فاتجه إليها فادي بسرعة يحملها عنها.
في نفس الوقت وقف يوسف يقوم بسن سكينه على الأخرى ينظر لهم بغضب ونفور ثم أعطاهم ظهره وأكمل تقطيع اللحم.
تبادلت هي ومليكة النظرات الحانقة وسريعاً تحرك فادي بسيارته.
بعد مرور ساعتين.
وقفت الفتاتين على باب إحدى الشقق السكنية الفاخرة يدقن الباب.
فتحت لهم سيدة في أواخر الأربعين من عمرها ذات جمال أخاذ طبيعي.. تبتسم لهم ببشاشة كبيرة تفتح ذراعيها بترحاب شديد:
بنت اختي القمر.
ارتمت مليكة بأحضانها تقول:
ملكة جمال إسكندرية والبحر المتوسط كله.. دلال هانم.
دلال:
حبيبتي وحشتيني وحشتيني.
نظرت خلفها وقالت:
أكيد إنتي ندى صح؟
ندى بزهول من جمال تلك السيدة:
آه.
دلال:
تعالوا... تعالوا يا حبيبي اتفضلوا.
سارت أمامهم للداخل وهم يسيرون خلفها مالت ندى على إذن مليكة:
يخربيت حلاوتها إيه ده.
ابتسمت لها مليكة بصمت وجلسوا سوياً.
دلال:
بصوا بقا.. دلوقتي هتدخلوا تاخدوا شاور كده عشان السفر أكون أنا حضرت لكم سندويتشات كده في السريع تاكلوهم وتناموا تريحوا على ما تصحوا تكون نهى ومازن جم من برا ونخرج بقا بالليل وننزل البحر إيه رأيكوا.
ندى:
نهى ومازن مين.
دلال:
ولادي... نهى الكبيرة وبتشتغل معيدة هنا في جامعة إسكندرية... أما مازن بقا الصغير في امتياز طب السنة دي... هتحبيهم أوي... يلا يلا مش عايزين نضيع وقت.
وقفتا سريعاً معها يمتثلون لأمرها... كل منهم تريد تحرير روحها من هذا الحزن الجاثم عليها ربما وجدت حياة جديدة.
***
بعد مرور أسبوعين
وقف المعلم رجب أمام منزل عائلة توفيق.
رجب:
معناته إيه الكلام ده يا حاج شكري ده إحنا أدينا ولا عشرين يوم أهو من يوم القعدة وهو مطلقها من قلبها بييجي شهر.. المفروض العدة تكون قربت تخلص مش العدة 3 شهور بردوا ولا إيه.
الحاج شكري:
آه بس بينهم وبين ربنا بس على الورق هو لسه ماطلقهاش.
رجب:
نعم.. معناته إيه الكلام ده؟!
شكري:
يعني يا معلم هو طلقها شفهوي كده بالبق... لازم يطلقها على الورق عند مأذون وتستنوا عدتها كاملة على الورق عشان تقدر تتجوزها.
وقف رجب يغلي من الغضب مما يسمعه وقال وهو يشير على توفيق الصامت المتفرج:
وكل ده مستني إيه.
توفيق:
مافضتش.
رجب:
إيه... مافضتش... مش عارف تفضي نفسك لحاجة مهمة زي دي امال فاضي لإيه.
نظر له توفيق بتمعن يقول:
وإنت مالك كده متسربع ومتضايق كده ليه.
شمله رجب بنظرة مشمئزة وقال بسخرية:
اصل أنا بعيد عنك دمي حامي وجسمي سخن ماعرفش أبقى بارد في أي موضوع أنا داخل فيه من قريب ولا من بعيد... حاجة ماتسمعش إنت عنها.
ثم تركهم ورحل.
توفيق بغضب لأخيه:
هو قصده إيه الراجل ده.
شكري:
لو ما فهمتش على طول يبقى عمرك ما هتفهم.. عليه العوض.
ثم رحل هو الآخر تاركين ذلك البارد ينظر لأثرهم باستغراب وغضب.......
رواية انصاف القدر الفصل الثامن 8 - بقلم سوما العربي
جلست هديل مقابل أخيها في أحد المقاهي الشهيرة، وكان عصبياً جداً يقول:
هديل، أنا مش عايز أسمع أي كلام منك، اللي في دماغك ده مرفوض.
أخذت نفساً عميقاً وردت:
نادر، هو أنت عمرك شفت واحدة راحت خطبت واحد؟
نادر بضيق:
يعني إيه، وضحي كلامك، أنا على آخري أصلاً.
هديل بهدوء:
هقولك... دلوقتي السيد والدنا حاططني تحت ضغط، يا أوقع عامر وأخليه يخطبني، يا يحرمني من حقي، صح؟
نادر:
هممم.
هديل:
طيب، هو أنا المطلوب مني إيه؟ أصلاً عامر ابن خالتنا، وهو بني آدم كويس، وإحنا من الأساس بنتعامل حلو... يبقى أنا هعمل إيه غير إني أزود الاهتمام بيه قدام ماما شوية؟ عامر مش بيحبني، وأنا زي أخته بالظبط، دي حقيقة مش هتتغير. كل اللي هعمله إني هلاعب بابا وأكسب وقت، أهو أبقى عملت اللي عليا. مش هروح أغصبه يتجوزني يعني... اللي هو أنا، أنا عملت كل حاجة، هو اللي ما جاش واتقدملي، يبقى خلاص.
نادر:
برضه لا، شوفي حل غيره.
هديل:
بقولك إيه، أنا بقالي أسبوعين بلفها في دماغي، لما دماغي ورمت. هو ده الحل الوحيد. عامر مش هيخطبني أبداً، بس أنا هاخد شركتي، اللي هي تعبي ومجهودي. قولت إيه؟ هتقف جنبي ولا هتكبر وتعيش أنت مع البنات؟
نادر:
ليه؟ هو أنا مطلوب مني إيه؟
هديل:
مطلوب إنك تبقى أخ عدل وتفضل جنبي في المحنة دي.
نادر:
ما أنا برضه مش بلعها الحكاية دي.
هديل:
معلش، هي فترة وهتعدي، وكل حاجة هتخلص. قولت إيه... معايا؟
زفر بضيق وقال على مضض:
معاكي يا ستي، أما نشوف آخرتها.
***
في الإسكندرية
جلست مليكة بفستان صيفي مناسب للبحر على الرمال، شاردة كأنها في عالم آخر. شعرت بأحدهم يجلس بجوارها، ولم تكن سوى خالتها، التي قالت:
بتفكري في إيه وشاغلك كده؟
ابتسمت مليكة:
ولا حاجة.
دلال:
على خالتو... يعني ماروحتش لحد عامر كده ورجعتي؟
تلاشت ابتسامتها وقالت بحزن:
مابقاش ينفع بقى... أنا تعبت... هو لا حبني ولا هيحبني، كفاية كده.
دلال:
أنا من الأول كنت رافضة الموضوع ده.
نظرت لها مليكة كأنها كائن فضائي وقالت:
والله... ما عرفتكش أنا كده، يعني؟ ده أنتِ أكتر واحدة كنتي مشجعاني.
دلال:
أنا؟! إعدمك ما حصل.
مليكة بجنون:
يانهار أسود ومنيل.
اقتربت ندى منهم تقول:
إيه ده؟ مالكم في إيه؟
دلال:
تعالي... تعالي يابنتي، تعالي شوفي صاحبتك قاعدة لا بيا ولا عليا، إلا والاقيها لكِ ملبسانى مصيبة. قال إيه أنا كنت مشجعاها تحب عامر.
اتسعت عينا ندى وقالت لمليكة:
احيييه... هي عارفة؟
مليكة:
هه، عارفة... دي ماشية معايا خطوة بخطوة ومن زمان. اللي قدامك دي هي السبب في إن عقلي يبوظ بسبب الروايات اللي خلتني أدمنها زيها... عايشة في عالم وردي بأبطال على ورق، وعيشتني معاها فيه. حسبنا الله ونعم الوكيل.
دلال:
أنتِ هتحاسبيني عليا في وشي؟ وأنا مالي؟ أنا دايماً أقرأ عن البطل الكبير اللي حب البنت الصغيرة اللي رباها، ما كنتش أعرف إنه جبله كده.
ندى:
لأ، هو أنتِ اللي ضيعتي دماغ البت كده يا طنط بالروايات والهبل ده.
احتدمت دلال تقول:
ماتقوليش على حاجة أنا بحبها هبل... لأنها مش هبل. والعيب مش في الروايات، العيب فينا... إحنا اللي بنستسلم للواقع ومش بنحاول نغير أي حاجة فيه. مع إن أي رواية بنشوف إزاي البطلة بتعافر عشان توصل لحبها أو للحياة اللي هتسعدها... أنا كنت شخصية انطوائية وماليش لا تجارب ولا علاقات، تفتكري إيه اللي كان ممكن يديني خبرة غير الروايات؟ لما تكشفلي عن قصص وأفكار نصها من الواقع ونصها خيال... حتى لو في رواية ما طلعتش منها بعبرة، على الأقل فصلتني عن العالم شوية وخلتني أستمتع بيها. فما تجيش أنتِ تتريقي عليها وعلى اللي بيقرأوها.
ندى:
اهدّي يا طنط، في إيه؟ أنا مش قصدي.
دلال:
أصلك مش أول واحدة تقولي كده. جوزي دايماً يتريق عليا كده برضه. فيها إيه لما أكون بحب الروايات؟ ما ناس بتموت في الأفلام والمسلسلات الهندي، وأنا بشوف إنها مش بس هبل، لا دي حاجة كده ميكس بين هبل على تخلف على عبط على عدم احترام لعقلنا، بس مش بقول حاجة ولا بتريق على اللي بيتفرجوا عليها. كل واحد حر... العيب على اللي استسلم للواقع بتاعه وعاش فيه. أنا كبرت وولادي كبروا، بس لحد دلوقتي بحاول لو عرفت أعيش أي لحظة أو لقطة شفتها في رواية أشوفها... بحاول أخلي جوزي يعيشني أي لقطة منها. صحيح بتبقى بمعاناة وساعات بتريقة أو من غير نفس، بس مش مهم... المهم إني عشتها. لحد دلوقتي لسه بطلب منه شوكولاتة، ولما يجيبها بفرح بيها زي العيال، مع إن عيالي بقوا أطول مني. خديها نصيحة مني، ماتسمحيش لحد يهدمك أو يتريق على الحاجة اللي هتبسطك. اللحظة اللي تقدري تخطفيها من الحياة بالغصب أو بالرضا، اخطفيها وعيشيها. العمر ما بيرجعش وماحدش هيتبسطلك... فاعملي اللي يفرحك وبس.
كانوا يستمعون لها بهدوء وشرود، مقتنعين بكل حرف يقال.
ظلوا على صمتهم وشرودهم إلى أن قطع ذلك الصمت رنين هاتف مليكة.
على الجهة الأخرى
كان يجلس على مائدة الطعام على مضض... يوجد شيء ناقص... شيء مهم... أهو الهواء كي يتنفس؟ أم الشهية كي يأكل؟ أم روحه أو قلبه... أو أن كل شيء تلخص بها ولم يعد موجود بغيابها.
وقف عامر حين فجأة فقالت ناهد:
رايح فين يا عامر؟
عامر وهو يسير لمكتبه:
تليفون شغل مهم كنت ناسيه يا أمي.
نظرت هدى لابنتها، لكن هديل تصنعت أنها فعلاً تهتم، ثم ما لبثت أن أكملت طعامها. هي جائعة جداً الآن، ترجو دائماً ألا يسألها أحد عن شيء أو يطلب منها أن تفكر حتى وهي جائعة.
وقف في شرفة مكتبه يهاتفها، يتصل وهي لا تجيب.
منذ متى وهي تتجاهل اتصالاته هكذا؟ عاود الاتصال مجدداً بإصرار، إلى أن فتح الخط.
فتحدث بلهفة:
ألو. مليكة... مش بتردي على طول ليه؟
أغمضت عينيها بغضب... عامر سيظل عامر، تحكمات فقط، أسئلة فقط.
أجابت بهدوء قاتل له ولأعصابه:
ما سمعتش.
عامر:
كنتي فين كل ده؟
مليكة:
يا "أبيه"، ما سمعتش؟ في إيه بتحصل؟
عامر:
والله بتحصل... اممم... وإنتي بقا من ساعة ما سافرتي، إن ما كنتش أكلمك، ماتكلميش؟
مليكة:
عادي... بنسى. مش بييجي على بالي.
اتسعت عيناه وهي تخبره عن عمد أنه لا يخطر على بالها ولو صدفة. هو مشغول بها، وهي بالمقابل لمجرد عدم وجوده أمامها تنسى أنه بالحياة من الأساس.
عامر:
إيه اللي بتقوليه ده؟
مليكة:
قولت إيه؟ بص، هو أنا ممكن أقفل، بس دلوقتي عشان بينادولي.
كل ثانية يتلقى صفعة أجد من الأولى. انتهى شغفها به، تبخرت لهفتها، وهو يحرقه الشوق.
هم ليجيب عليها بحدة، لكن احمر وجهه غضباً وهو يستمع لصوت شاب بجوارها يناديها (يالا يا ميكا عشان ننزل الميا).
تحدث من بين أسنانه يقول بهدوء مرعب:
مين ده؟ ومية إيه اللي هتنزليها معاه يا هانم؟
مليكة:
ده مازن.
ثم أبعدت الهاتف وقالت بصوت عالٍ وصل له بالطبع:
حاضر يا مازن، جايه.
عادت تقول:
طب أنا هقفل دلوقتي... سلام.
حاول التحدث لينذرها ألا تفعل، لكنها أغلقت الخط وهو في قمة غضبه.
وضع هاتفه في جيب بدلته وخرج سريعاً.
ناهد:
رايح فين يا عامر؟
عامر بغضب وهو يغادر:
رايح أجيب مليكة.
احتدمت عينا هدى ونظرت لابنتها، التي فهمت على الفور وتصنعت الاهتمام:
عامر... خد، هقولك.
رفعت كتفيها لأمها ببراءة مصطنعة:
يا خسارة، مشي... قلقني عليه والله. هاتلي يا كارما بانيه من اللي قدامك ده... أيوه، أيوه الحتة العريضة دي.
نظرت لها هدى بغيظ، بينما الفت تبتسم باستمتاع شديد.
في الإسكندرية
دلال:
يعني بيغير من مازن؟ أنا إزاي ما جتش على بالي الحكاية دي؟ ده أنا قريتها في ولا 100 رواية. بس... إحنا نخلي مازن يخطبك عشان نخليه يغير وينطق.
تناولت مليكة كف دلال تقبله قائلة بترجّي:
أبوس إيدك يا شيخة، كفاية خططك دي.
دلال:
يابت، اسمعي ده، أنا بهديكِ أحلى هدية والله.
مليكة:
مالقتيش إلا مازن الهبل؟
دلال:
فشرررر... قطع لسانك ده، دكتور قد الدنيا.
أشاحت مليكة بيدها:
هو بالشهادة... أهبل وأنا وإنتي عارفين.
دلال:
احمم... مش أوي يعني، ييجي منه والله... استني بس يا مازن، مازن.
جاء إليها من بعيد وقال:
نعم.
دلال:
بقولك إيه، ماتيجي أخطبلك مليكة.
مازن:
نعم؟ مليكة إيه؟ هو أنا طايقها؟ نظر ناحية ندى وقال بغزل: أنا عايز أتزوج البنت الحلوة العاقلة دي.
تخضب وجه ندى بالخجل، بينما مليكة ودلال أعينهم متسعة فرحة وتفاجؤ.
بعد مرور أكثر من ساعتين
توقف أمام المبنى السكني الذي تقطن به خالتها. ترجل بغضب وصعد سريعاً يدق الباب.
مازن:
حاضر، حاضر، جاي والله.
فتح الباب فوجد عامر، شاب وسيم إلى درجة كبيرة في مقتبل العمر.
عامر:
انت مين؟
يريد أن يتأكد إن كان هو ذلك المازن أم لا.
مازن:
عامر بيه، أنت مش عارفني؟ أنا مازن.
عامر:
آه... معلش، أصل آخر مرة شفتك كنت عيل.
مازن:
لا، أنا كبرت... أنت كمان كبرت شويتين. اتفضل، اتفضل.
تقدم وهو ينظر له ولكلامه المبطن بغيظ. دلف للداخل وهو يبحث بعينيه عنها. صك أسنانه وهو يجدها تخرج من المطبخ بتلك المنامة القصيرة تقول بغضب:
انت يا بارد، انت إزاي تاكل الآيس كر...
قطعت حديثها وهي متسعة العين من وجود عامر أمامها ينظر لها بحاجب مرفوع والغضب يقفز من عينيه قفزاً.
مليكة:
أبيه عامر!!!
عامر:
آه، شفتي أبيه عامر؟ اتفضلي يالا، البسي عشان هنرجع القاهرة. يالا بسرعة عشان مستعجل.
اغتظت كثيراً من نبرة حديثه وأوامره، ذلك التغطرس الذي لم ولن يتخلى عنه.
أظهرت اللين والهدوء على ملامحها وقالت:
بس أنا مش هرجع معاك يا أبيه... لسه الإجازة ما خلصتش، وأنا مش عايزة أرجع دلوقتي.
عامر من بين أسنانه:
مش شايفه إنك طولتي هنا أوي؟ للصبر حدود يا مليكة.
مليكة:
والله أنا مش عارفة ده يضايقك في إيه؟ إيه اللي جد مثلاً؟
زم شفتيه بغيظ وقال:
خلصي يا مليكة، عايزين نبقى في البيت قبل الليل.
مليكة:
أنا لسه عايزة أقعد... قولتلك إنه خلاص، أنا مش هعمل غير اللي عايزاه وبيريحني وبس.
جاءت دلال على صوتهما وقالت:
إيه ده؟ في إيه؟ عامر؟! أهلاً وسهلاً، نورتنا. اتفضل واقف كده ليه؟ مش كنت تناديني يا مازن؟
مازن:
هو ساب لحد فرصة يا أمي.
دلال:
طب اتفضل يا عامر بيه، اتفضل.
كان مازن نظره مسلط بغضب على تلك التي تتحدّاه... تربت على يده، وأول ما كبرت، كبرت عليه هو.
دلال:
عامر بيه... عامر بيه، اتفضل اقعد.
انتبه إليها وقال:
ها... لا، ما فيش وقت. لازم نرجع دلوقتي... مش عايز أسوق بالليل.
مليكة:
أيوه، أنا قولت إني مش هرجع دلوقتي.
هم ليجيب عليها بحدة، فتدخلت دلال تقول:
استهدوا بالله يا جماعة. إيه يا عامر بيه؟ ده أنت بقالك مدة ما جتش إسكندرية... هتيجي صد رد كده؟ طب ده اسمه كلام بالذمة؟! أنت تقعد وتاخدلك إجازة يومين هنا... تريح أعصابك وتتفسح. كمان عشان خاطر ندى، البنت جاية ضيفة مع مليكة، ولا أنت ناسي؟
هدأ قليلاً أمام حديثها اللين وجلس قائلاً:
أيوه بس...
قاطعته وقالت بخبث:
ولا بس ولا حاجة... بالمرة تشوف لي حل، أنا تعبت... كذا عريس اتقدم لميكا، وأنا مش عارفة أتصرف.
نظر لها بتفاجؤ يؤكد:
عريس؟
دلال:
عريس إيه؟ أنا قولت عرسان... عرسان يا عامر بيه، وأنا... أنا خلاص مابقتش عارفة أتحكم في الموضوع، الموضوع خرج من إيدي.
عامر:
اممم... وشافوها فين؟
دلال:
معايا. بصراحة بفكر أوافق على واحد فيهم ده كل...
قاطعها بصرامة:
توافقي وترفضي إزاي يا مدام؟ مليكة مسؤوليتي، مش مسؤولية أي حد تاني، وأنا بس اللي أحدد إمتى الوقت المناسب للجواز.
نظرت له مطولاً ثم تحدثت بهدوء وقالت:
أنت مصدق اللي بتقوله؟ هو أنت عشان بتديها اللي يكفيها من المصاريف، يبقى أنت كده مربيها؟ طب أنت عمرك خرجتها؟ فسحتها؟ عمر كان فيه اهتمام خاص منك ليها، حتى لو على سبيل الأبوة أو الإخوة؟ ما حصلش.
عامر:
غريبة.
دلال:
إيه اللي غريب؟
عامر:
لا، بس أصلها قريب قالت لي كلام شبه ده.
دلال:
لأن للأسف دي الحقيقة. في ناس بتفضل طول حياتها كده فاكرة إنها عاملة اللي عليها وزيادة، بس هي يا دوب بتقدم للي قدامها أبسط حقوقه. يعني أنت مثلاً، يا دوب بتديها اللي يكفيها من مصاريفها وزيادة، بس هي أصلاً الوريثة الوحيدة لأبوها طبعاً مع ولاد عمها، لأن ما عندهاش أخ، بس برضه نصيبها كبير. هي عايشة في بيتك، اللي هو بالأساس بيت عيلة الخطيب كلها، يعني ليها ورث فيه. أنت مش مقدم لها أي حاجة سبيشال. بلاش تعيش فاكر إنك عامل لها كتير يديلك الحق إن يبقى ليك كتير عندها. ومليكة بنت ذكية ولامحة وعارفة إنك مالكش أي فضل عليها... فما تنتظرش منها أي مكانة خاصة أو إنها تديك حقوق مش ليك، زي إنك تحدد مصيرها مثلاً.
يستمع لها بإمعان... يعلم أن كل حرف تقوله خلفه ألف هدف ومعنى. لا يود أن يحتد عليها بالحديث... وبأي عين سيحتد وهي تتحدث عن حقيقة؟ بالفعل هذه هي الصورة الصحيحة.
كانت تنظر له تتفرس ملامحه تحاول سبر أغواره. شعرت بقرب الوصول لتلك النقطة فقالت بمهادنة:
إيه رأيك تفتح معاها صفحة جديدة؟ يعني تحتويها أكتر؟ تخرجوا؟ تبقى حنين عليها أكتر وقريب منها؟ أنت مش بتقول إنها بنوتك؟
استساغ الفكرة كثيراً، ولكن نظر لها بغيظ وهي تكمل بخبث، تكتم ضحكتها:
أهو حتى عشان لما هي تتجوز وتخلف، يبقى ولادها يقولوا لك يا جدو.
عامر:
جدو؟ أنا مش كبير أوي كده.
دلال:
أيوه، ده على اعتبار يعني إنك بتعتبرها بنتك.
زم شفتيه بغيظ منها ومن ابنة أختها تلك. لكن أخذ نفساً عميقاً يتنهد وهو يفكر: لما لا؟ يومين إجازة معها... معها فقط.
***
على باب شقة نجلاء وقف المعلم رجب يهندم ملابسه وبضربات قلب عالية. درجة حرارته تعلو وتهبط في الدقيقة هبوطاً وصعوداً. يحمر وجهه من الحرارة وبعدها بثانية يشحب من البرودة. كأنه مراهق يقابل حبيبته لأول مرة. لما لا تفتح ذلك الباب وترحمه.
ثوانٍ وفتحت نجلاء الباب بتلك العباءة الذهبية تضع وشاحاً ثقيلاً على شعرها. نظرت له بحرج. كلما تتذكر ذلك الموقف والوضع الذي وضعت فيه معه تشعر بالحرج.
حمحمت بتوتر قائلة:
مساء الخير يا معلم. في حاجة؟
نظر لها بوله ونفسه يعلو ويهبط بعشق:
مساء النور يا ست البنات... أنا... احمم.
أخذ الأمر منه ثانية حتى وجد الحجة:
أنا قولت أجي أشقر عليكِ، إلا تكوني محتاجة حاجة... ناقصك حاجة.
نجلاء:
كتر خيرك يا معلم، كلك واجب.
رجب:
اا... يعني ما يلزمش أي خدمة، أي طلبات... أنا مش بشوفك تخرجي تجيبي طلباتك.
نظرت له بتركيز... يبدو أنه يراقب أفعالها. لم تحظ أو تجرب أن يهتم أحد أو يراقب تفاصيلها هكذا.
طال الصمت وشعر بالحرج فحك رأسه وقال:
طب بالاذن أنا بقى... ولو عاوزتي أي حاجة... أي حاجة، أنا عيني على الشباك، نزلي بس السبت وفيه ورقة بالطلبات، وكل حاجة تكون عندك.
كانت مصدومة من ذلك الاهتمام الذي لم تحظ به من قبل، وعندما يأتي يكن من الشخص الخطأ. تحرك ليغادر بحرج ولكن عاد بتردد يقول:
اااه... كان فيه حاجة جايبها لك معايا.
سريعاً سريعاً أخرج مغلفاً من الشيكولاتة وأعطاه لها بيدها وهرب سريعاً يشعر بالحرج والتوتر. أما هي، فتقف فمها وعينيها متسعتين بنفس المقدار. تنظر للسلم تارة ولما بيدها تارة أخرى، لا تصدق ما حدث ومن من؟ من المعلم رجب الجزار.
أغلقت الباب بسعادة كبيرة... جلست على أقرب كرسي تنظر بفرحة كبيرة لذلك اللوح من الشيكولا. همت لفتح الكيس ولكن حدثت نفسها: (لا، ده ما يتاكلش كده... ده عايز يتاكل بمزاج). وقفت سريعاً وذهبت للمرحاض... استمتعت بحمام منعش من المياه الباردة. ثم خرجت تجفف شعرها وذهبت لارتداء إحدى المنامات الوردية... صنعت لنفسها قهوة من البن المحوج... جلست أمام التلفاز تفتح الشيكولاتة بهدوء، تضع أول قطعة بفمها تتذوقها باستمتاع.
ثوانٍ واستمعت لرنين هاتفها.
نجلاء:
ألو... مين معايا.
تنتحنح الطرف الآخر وقال بتوتر:
ده أنا المعلم رجب يا ست البنات.
لا تزال تتعجب من هذا اللقب الذي دائماً يلصقه بها. لم يتلقى منها رداً، فقال:
أنا جبت نمرتك من أستاذ خالد على أساس يعني إننا...
صمت بتوتر وحرج، فقالت:
أيوه، أه، فاهمة.
ابتسم وهو يتنفس سريعاً وقال:
طب نزلي السبت بس، هحط لك حاجة.
ولم يترك لها فرصة للرفض أو الاعتراض، إنما أغلق الهاتف سريعاً. ذهبت بفضول للشرفة، وجدته يقف أسفل البناية ينتظرها. قامت بإنزال ذلك الوعاء المصنوع من الخوص له. وضع به كيساً كبيراً من الكرتون وظل واقفاً ينظر لها بفرحة وسعادة. سحبت السبت حتى وصل لها، ثم اتسعت عيناها لا تصدق، مرددة:
كنتاكي؟!!
عاودت النظر له، وكان مازال واقفاً يبتسم. يبتسم لأن فعلته أعجبتها، خصوصاً وهو يرى تلك السعادة، حتى لو كانت تقطن الطابق الثاني. حملت الكيس بفرحة كبيرة لا تصدق... وجدت القهوة التي صنعتها محلها، والشكولاتة كذلك. حدثتهم بسعادة كأنهم أشخاص أمامها:
كويس، خليكوا ابقى أحلى بيكم... بعد الكنتاكي... ياااااه.
أخذت الطعام سريعاً وشرعت في تناوله بفرحة وشراهة كأنها لم تأكل لأيام.
***
صباح يوم جديد
خرج عامر من ذلك الفندق الذي مكث به ليلة أمس. وقد استمع لنصيحة كارم كما قال له: "اخرج بقى من أم البدلة دي ورحرح كده وخليك فريش".
وقف أمام شقة خالتها بذلك التيشرت الأبيض مع بنطال من الجينز القصير حتى ركبتيه... وحذاء رياضي أبيض. كان قمة في الشياكة ويتمتع بنفس الفخامة التي لا يتخلى عنها تحت أي سبب.
دق الباب ففتح له نفس المازن.
مازن:
أهلاً وسهلاً، اتفضل.
ابتسم له ابتسامة سمجة وقال:
لا، ما علش... ناد لي بس مليكة.
جاءت دلال من خلف مازن تردد:
أهلاً وسهلاً، اتفضل.
عامر:
أهلاً بيكي. أمال فين مليكة؟
جاءت سريعاً بتلك الفستان الجميل تقول:
أنا اهو.
ابتسم لها وهو يمشط هيئتها بإعجاب وقال:
طب يالا بينا.
همت للخروج معه لكن توقفت قائلة:
طب وندى؟
أسرع مازن يقول:
لا، ما تشيليش هم... أنا هفسح الغلبانة اللي هتسيبيها لوحدها دي وأمري لله.
دلال:
مش قولتلك مضحّي.
مليكة:
أنا همشي قبل ما أدمع.
نظرت تجاه عامر، وهي لأول مرة ستخرج معه... معه فقط... بدون العائلة... بدون الجميع...
رواية انصاف القدر الفصل التاسع 9 - بقلم سوما العربي
جلست لجواره وهو يقود شاردة. تفكر بكل شيء... ما زال طعم ذلك المرار في فمها حين سافرت وهو حتى لم يهتم بتوديعها. فعل أشياء كثيرة أحزنتها، ولكن ذلك اليوم وهي تراه لم يبالِ حتى إن ظلت معهم أو سافرت، الأمران سيان. ألهذه الدرجة لا يشعر أو يبالي بها؟
أشاحت عينيها عن الطريق ونظرت له. تمعنت به... هي الوحيدة التي تعرفه، والفضل لعشقها الغبي له... بفضل ذلك العشق الذي للأسف شبت عليه، فهي تعلم كل تفاصيل وجهه. حتى حركة يديه وذراعيه... تستطيع بنظرة واحدة أن تفرق بين تنهيدة حزن... تنهيدة راحة... تنهيدة فرحة... تنهيدة تعب.
وهو الآن سعيد... يتنهد براحة... ملامح وجهه مرتاحة... يغمض عينيه كل ثانية أو اثنتين، يسحب أكبر كمية من الهواء داخله ويزفره بهدوء. ينظر لها كأنها كنزه الثمين... كان في رحلة بحث طويلة عنه وأخيرًا وصل له.
عادت تنظر أمامها مجددًا، فمنذ متى كانت نظرتها صحيحة كما تعتقد أو تظن. أليست هي من اعتقدته يعشقها وذهبت كالبلهاء تعترف له كي يتجرأ ويزيل أي عواقب تقف أمامه، وبالنهاية حطم قلبها ولم يكن تحطيمًا عاديًا... هو حتى لم يشعر أنه حطمها... حتى لم يلحظ أنها ظلت مريضة وطريحة الفراش لأيام. تعامل مع الأمر ومع غيابها بمنتهى الاعتياد... وكأنه لا يوجد فرد ناقص في عائلته.
كل تلك الشحنات العكسية كانت تتدفق على قلبها وعقلها. ولكن شحنة الخذلان منه كانت أقوى... لن تسير خلف قلبها الأحمق مجددًا. قلبها الذي يصر بأن يموت على يدي ذلك العامر.
كان هذا هو القرار النهائي الذي اتخذته وهي توبخ نفسها على موافقتها له، وأيضًا فرحتها واستعدادها السريع للذهاب معه.
أما هو، فلا شيء يصف حالته الآن... كلمة سعادة وراحة أقل بكثير من أن تصفه. ما يشعر به أكبر من أي صفة أو أي كلام. ينظر لها بين لحظة والأخرى، يلاحظ شرودها... يتذكر كل كلمة خرجت منها بمنتهى القوة تخبره كم كانت تحبه وكم خذلها هو.
عامر الخطيب.... آآآه وألف آآآه من عامر الخطيب... ذلك الرجل ذو المظهر المهيب والنفوذ بالمال والمعارف... من يراه يقسم أنه أكثر الأشخاص اتزانًا وعقلًا... أكثرهم حكمة ونجاح. ألف آآه وأخرى لو يعلمون.... عامر بداخله شخص مذبذب... متردد... لم ينجح بأي شيء غير عمله... شخص يعتقد أنه يفعل دائمًا ما عليه وأكثر... أنه يفعل ما يريد وسيأخذ ما يريد... لو اقتحم أحدهم شخصيته لكانت الطامة الكبرى، وهو يجده غير قادر على اتخاذ أهم القرارات في حياته... حتى الأقل من اتخاذ القرار هو غير قادر عليه. هو حتى غير قادر على مواجهة نفسه ليرى ماذا يريد من ربيبته.
عامر الخطيب، والذي يعتمد عليه الجميع لحل مشاكلهم، وهو بكل جدارة وحسم يحلها، غير قادر على حل مشاكله النفسية... أزمات قلبه الذي يخفق الآن بجنون. صراعه ما بين العقل والقلب... ما بين الصح والأصح. عامر دائمًا ما يفعل الأصح... منتظر منه دائمًا أن يفعل الأصح... وهذه هي مشكلته مع تلك التي بجواره، يقسم أنها لا تطيق النظر إليه مما فعله مسبقًا، ومعها كل الحق.
آه لو تعلم أنه حتى يخشى مواجهة نفسه بما يكنه لها... لو تعلم أنه يتهرب من أن يحدد هذا الشيء لأجلها. هل أحبها.. أم أنه العشق... هل هو عشق فقط أم سيتخطى كل الحواجز ويصبح جنونًا يجعلها تفر منه كما فرت من قبل غيرها. الطامة الكبرى أن هذه المرة لن يستطيع... حينما حدث ذلك مسبقًا كان على استعداد ولم يتأثر إلا قليلاً، ولكن مع مليكة لو حدثت ستكون فاجعة بالنسبة له.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء، يرتب أفكاره التي بعثرها منذ قليل، وهو يقول إنه قد قفز سلم قلبه سريعًا. من قال إنه أحبها حتى يصل لمرحلة العشق ثم للجنون... هو لم يقر ويحدد ذلك، فليهدأ إذا. كل ما هو به الآن لا يتخطى مرحلة الأب الذي يصالح ابنته الصغيرة... آخر العنقود ذات المكانة الخاصة. هذا وفقط... أخذ يفكر كيف يسعدها ليرى تلك الضحكة التي تثلج قلبه مجددًا.
توقف أمام أحد المطاعم الشهيرة. فسألت:
"وقفنا ليه؟!"
ابتسم لها وقال:
"مش نفطر أحلى مليكة الأول."
ومن التي لا تعشق الدلال حتى لو كانت حزينة من ذلك الشخص. كائنات رقيقة نحن ونعشق الدلال. لذا وسريعا ارتسمت على وجهها أجمل ابتسامة وقفزت من السيارة تسير لجواره.
طلب له ولها وجبتين من الفاست فود. استغربت كثيرًا، بل صعقت، وهي تراه يأخذ الطعام دليفري.
"مش هنقعد ناكل."
"لا ناكل هنا إيه... تعالي بس."
اتسعت عينها وهي تجده بعد قيادته لمدة عشر دقائق يتوقف بالسيارة أمام الكورنيش. ترجل من سيارته وقام بسحب يدها لداخل أحد الشواطئ. رغم معرفتها الجيدة به، بل تركيزها به على مدار حياتها كلها، أو كما تقول ندى (معاكي ماجستير ودكتوراه في عامر الخطيب)، إلا أن هذا العامر الذي أمامها الآن لا تعرفه ولم تره من قبل.
يقوم بفتح أغلفة الطعام ويضعه على الأرض الرملية مقابل موج البحر مباشرة، يدعوها أن تجلس لتأكل. من هذا العامر المتحرر... أولًا من بذلته... ثانيًا من غطرسته... والآن من قيوده. جلست تتكئ على ركبتيها أمامه وهو يطعمها أحيانًا ويأكل أحيانًا. يطلب منها أن تحدثه عن كل تلك الأيام التي قضتها هنا... كلما انتهت من إخباره باستفاضة عن شيء، يعاود سؤالها عن شيء آخر حتى يطول الحديث ولا ينقطع... أو ربما شيء آخر... عامر يريد أن يجعلها سعيدة، أن تحب الجلوس معه، أن تشعر أن سعادتها معه... لا يصدق أنه الآن كما القرد الذي يصنع حركات بهلوانية كي يرى استحسان الجمهور له... بالضبط هو الآن (بيعمل شقلبظات عشان يعجبها).
بعد مرور وقت طويل... وجدوا أنهم قد قضوه في الطعام والحديث... صاعقة ألجمت اثنتين وهما تنظران لتلك الوجبات التي تكفي على الأقل أربعة رجال أو خمسة... لقد قضوا عليها ولم يبقَ أي شيء. مهلًا، لقد مرت ساعات وهما يأكلان.
"يانهار أسود... حد يعمل كده... انت عارف احنا كلنا قد إيه... أنا بطني بتوجعني من الأكل."
"الحق عليا عايز أغذيك عشان تكبر."
"بذمتك بطنك مش وجعاك؟"
"وجعاني بصراحة... أقولك... قومي نتمشى على البحر شوية عشان نهضم."
"إحنا كده محتاجين نرجع للقاهرة مشي عشان نهضم كل ده."
وقف، مادا يده لها يقول:
"قومي بس تعالي."
جذبها لجواره يسير معها... حديث طويل مع هواء البحر ورائحة اليود... شمس يوم ربيعي كأنها اتفقت مع الهواء لتصنع يومًا أكثر من رائع كي يظل ذكراه لسنين. مر وقت طويل وهما على سيرهما... أوقف أحد الباعة كي يشتري لها (فريسكا). طعام لذيذ ويوم جميل... أفعال مجنونة يبادر بها هو كي يخطف تركيزها وعقلها... قلبها... كل شيء.
بدأ يسرع بخطواته... يجذبها للركض معه... وهي بدأت تسايره... بدأ المرح وهو أكثر من سعيد... وهي نسيت كل شيء أو لا تتذكر الآن، لقد أنساها. مع حلول الليل كان اللهو ما زال قائمًا... حتى توقف يقول بعينين تشع حماس:
"تيجي ننزل الميا."
"ميا إيه بالليل ومش معانا لبس غير ده."
"ده العوم بالليل ده حاجة تانية."
"مش معانا لبس... مستحيييييل."
بعد مرور مدة طووويلة... كانت تخرج من المياه معه وهي ترتجف وتضحك قائلة:
"يا مجنون! أنا مش عارفة إزاي طاوعتك... هموت من البرد."
وهو يضحك كثيرًا. لقد زاد جنونه اليوم بعض الشيء.
"يالااااا بسرعة على بيت خالتك عشان تغيري."
"عاااااا... الهوا ساقع أوي وهدومي كلها اتبلت."
لم تستطع كبت ضحكاتها على جنونهم اليوم أكثر من ذلك... هو أيضًا انفجر بالضحك وبلا مقدمات ضمها لحضنه. أخذها لحضنه يعتصرها بداخله وهو يغمض عينيه يحدث نفسه (كدااااااااب ياعامر... أنت بتحبها). أخرجها من حضنه ينظر لها بوله... مليكة الجميلة... هو بالفعل أحبها.
ذلك الحضن جعلها تشعر ببعض الدفء... والخجل أيضًا بملابسها الملتصقة عليها هكذا... لا تريد أن تنصاع مع قلبها الأبله. تحدثت بتوتر:
"طب يالا عشان أرجع لخالتو وأغير."
كان ما زال ينظر لها بعشق اعترف به لنفسه توا. هز رأسه فقط وهو يبتسم ابتسامة جديدة كليًا.
يقود بسيارته متجهًا لبيت خالتها وكل دقيقة ينظر لها ثم يعاود التركيز على الطريق. كل ما فعله اليوم لم يكن بذلك الجنون أو كونه عامر الخطيب لم يفعلها لاااا... لقد مارس كل هذا الجنون وأكثر مسبقًا... فعل أشياء حتى لن تخطر على بال أحد... لكنه يومًا لم تسعده هذه الأفعال قدر اليوم... الغريب أن الفتيات كن يفعلن كل ذلك من أجله كي يشعر بالحياة وأن السعادة معهن... بعضهن بخبث وخبرة وذكاء، بعضهن ببراءة شديدة كي تعجله يرى أن السعادة معها، ولكن لم يحدث... كل ما حاولن فعله، فعله هو لمليكة. كي تشعر أن لا طعم للسعادة والجنون إلا معه... هو ذلك الشخص الذي سيجعلها تشعر بالسعادة... هو من يفعل الأشياء الفريدة لا غيره.
ودعها بابتسامة عاشقة وقال:
"هجيلك الصبح بدري عشان نخرج تاني."
أومأت له بسعادة كبيرة تبتسم بحماس. أوقفها بصوت غاضب وهي على أعتاب البناية. ينظر بتفحص لملابسها الملتصقة باستفزاز على منحنياتها... هل سيبدأ الجنون من الآن.
"في حاجة؟"
ضغط على أسنانه يقول:
"خدي ده البسيه عليكي لحد ما تدخلي أوضتك."
نظرت لذلك الجاكيت وقالت:
"جبته منين ده؟"
"إلى كنت لابسه امبارح وقلعته ونسيته في العربية."
"أنت صحيح كنت جاي من غير لبس... جبت لبس ليك إزاي."
زم شفتيه بغضب وهي ما زالت تقف أمام المارة هكذا:
"حطي الجاكيت عليكي... أكيد يعني اشتريت أون لاين... اطلعي حالا وداري جسمك كويس فاهمة لحد ما تدخلي أوضتك وتغيري واول ما تغيري كلميني."
"ها؟!"
قاطعها:
"إيه؟ ها إيه؟!... يالا ماتقفيش في الشارع كده."
سارت من أمامه سريعًا وهي مستغربة من تحكماته وتزمته الجديد عليها ولا تجد له تفسير... لكنها اليوم سعيدة ولن تفكر في شيء يضيع سعادتها. دلفت للمنزل بتلك النسخة التي أعطتها لها خالتها. تعلم أن ندى مع مازن وخالتها بالخارج. كانت تسير بهيام إلى أن اصطدمت بأحدهم.
"هيييييى... حرام عليكي يا نهى خضتيني."
نظرت لها تلك الفتاة ذات الوجه الخمري المستدير... ضغطت على نظارتها من بين عينيها تقول كأنها المحقق كونان:
"هممم... كنتي فين كده وجاية مبلولة... وجاكيت مين ده؟"
"ده جاكيت عامر."
"عامر.... تاني عامر.... مش قولتي هتشيلي الموضوع ده من دماغك... يابنتي بقا هتجنيني أنتِ وأمي اللي ممشياكي وراها بالروايات الهبلة بتاعتها دي."
"بصي مش هجادلك... اليوم كان حلو وأنا مش ناوية أختمه.. يالا تصبحي على خير."
أعادت نهى الضغط على نظارتها بغيظ وغضب تقول:
"هبلة... وهتفضلي طول عمرك هبلة... أنا مالي أولعوا أنتم الاتنين أنا ورايا حاجات أهم."
ثم أخذت إحدى المراجع وبدأت في التركيز فيهم بشدة.
_______________________
صباح يوم جديد
استيقظ عامر من النوم وجد أنه قد غفى وهو يرتدي رداء الحمام الأبيض. كل ذلك بسبب التعب. أول ما خرج من حمامه ليلة أمس ولمس جسده فراش الفندق المريح غرق في نوم عميق جدًا. انتبه على صوت هاتفه... نظر لرقم المتصل وكان يعلم ما هو آتٍ من صديقه المجنون:
"أنت فين يا جدع أنت... مش عارف إن اليومين دول إجازتي وأنا كل فين وفين لما أعرف آخد إجازة... ماترد... ساكت ليه يا بجم."
قلب عينيه بملل وأجاب:
"مستني تخلص شتيمة وتفكر في وصلة شتايم غيرها لما تعرف إني أصلاً مش في القاهرة."
على صوت كارم بغضب قال:
"نعم.... هتهزر يالا... مانت عارف إني هاخد النهاردة وبكرة إجازة من الأسبوع اللي فات.... أنت فين ومسافر أنهي داهية على دماغ اللي خلفوك."
عامر بهدوء لأنه سعيد:
"بطل طول لسان يابن ال**** بدل ما أجيلك."
"اخلص وانطق... أنت في أنهي مصيبة؟"
"يخربيت شغلتك دي يا أخي حولتك شتيمة شتيمة شتيمة إيه."
"انجزيييي ياض."
"مانا مش هقولك إني في إسكندرية عش......"
اتسعت عينيه وهو ينظر للهاتف بتفاجؤ... همممم بالطبع أخذ المعلومة وأغلق الهاتف بوجهه. تنهد مغمضًا عينيه وهو يتذكر يومه أمس معها.... كارم بالتأكيد سيأتي... صديقه الغبي ماذا يفعل به؟ ذهب ليأخذ حمامًا سريعًا يزيل أثر النوم.
بعد مرور وقت طويل استغرقه في الحمام. خرج يجهز ثيابًا جديدة مريحة لنزهة اليوم مع مليكة قلبه. وجد الهاتف يعاود الاتصال... وضع ما بيده بملل وأجاب على الهاتف:
"همممم... أشجيني."
"عامر يا حبيبي أنت في أوتيل إيه عشان أنا جايلك."
"خلي عندك دم وارجع وأنا جايلك بكرة."
"أنت واطي وزبالة ومش هتيجي بكرة ولا حتى بعده سو.. أنا قررت أجيلك."
"لم نفسك وارجع يا كارم."
"مش هينفع يا عامر أنا خلاص.. عديت البوابات."
"أنت لحقت؟!"
"آه مابخفش من الرادار... يالا يالا زي الشاطر كده قولي اسم الفندق يالا.. يالا يا بابا قول لعمو."
تنهد بغيظ وهو يخبره عن اسم الفندق الشهير الذي ينزل به.
___________________
في بيت دلال
استيقظت مليكة من النوم على صوت دقات مازن العالية على الباب. وندى تقف تعبث بأغراضها.
"خلصي يالا كل ده بتلبسي."
"ماتعليش صوتك... الله... خلاص نص ساعة وأجي."
"ماشي.. بس لو اتأخرتي أنتِ حرة."
استدارت تنظر لمليكة تعلم... سيل من الأسئلة الملحة سيهبط فوق رأسها الآن... وقبل أن تهم بفتح فمها قالت ندى:
"بصي هو مهتم بيا أوي... ودمه خفيف.... وسنه قريب مني... وبيقولي كلام حلو... وخالتك بتقولي هتيجي القاهرة لما باباه يرجع كمان أسبوع تخطبني ليه.. إيه رأيك."
راقصت مليكة حاجبيها لها تقول:
"رأيي إيه بقا ده أنتي اخترتي اسم العيال كمان... بس أحسن خلينا نغيظ الجحش اللي اسمه يوسف ده."
امتعض وجه ندى تقول:
"اقفلي على السيرة دي مش عايزة أفتكر عمايله كان شايف نفسه أوي... فرق كبير بينه وبين مازن. مازن بيعاملني حلو أوي يا مليكة.. طب عارفة طول ما أنا مع يوسف ده كنت ببقى حاسة إني بمشي الخطوات اللي هتخليني نسخة من أمي ومعاملة بابا ليها بس مش عارفة أوقف نفسي. الحمد لله إنها جت منه أو هي وقفت من ربنا... ربنا هو اللي اختارلي عشان كده أنا ما زعلتش كتير... لما بصيت للموضوع من الناحية دي بطلت زعل عليه. بعدها لقيت ربنا رمى قدامي موضوع مازن فهمت إنه بيقولي أنا وقفت ده عشان كنت باعِتلك ده... وأنا فرحانة أوي."
ضمتها مليكة بسعادة تقول:
"وأنا مبسوطة عشانك أوي."
انتفضوا اثنتين على صوت نهى تقول:
"مراهقات... أنتم الاتنين... وحتى أمي كمان.... مراهقات... أنا عايشة وسط شوية مراهقين... فين النضوج؟ اعمل إيه... أعمل فيكوا إيه."
"إيه بس يا نهى في إيه.. هو إحنا عملنا حاجة غلط؟"
"أكبر غلط... أكبر غلط... في السن ده حب وخطوبة... ده كل تفكيركم... فين الأحلام... الخطط.. الطموحات.. مخططات لمستقبل كبير.. خلاص كلكم هتتجوزوا وتقعدوا في البيت."
"براحة بس.. هو إيه اللي هيخلي الخطوبة تقف قدام المستقبل.. دي دبلة... بس."
"لا.. هتقف... أنتم لسه صغيرين... اكبروا.. انضجوا.. عشان حتى تختاروا صح."
ابتسمت ندى واقتربت منها تتمسح بها وقالت:
"يعني.. يعني أنتِ يعني عمرك ما حبيتي."
زاغت عيني نهى وقالت:
"ها."
"إيه؟"
احتد صوت نهى من جديد وقالت:
"ححححب إيه. اتلمي وعيب كده... أوعى.. أنا بتكلم مع مين أصلًا شوية عيال.... أنا أكبر من كده... أنا هروح أكمل شغلي في الصالة."
تعالي أصوات ضحكاتهم فنظرت لهم بغيظ وهي تغلق الباب تضغط على نظارتها مرددة:
"مراهقات."
___________________
وصل كارم لعند صديقه وهو بالطبع يمارس عمله عليه... تحقيق طويل عريض لكن بالطبع لم يخرج بإجابة مفيدة من صديقه.
"طب اخلص هنخرج فين؟"
"أنت حيوان يالا... هو أنا الجو بتاعك هخرجك.. حد قالك تيجي يا اللي ما عندكش دم."
"لم لسانك.. وآه هخرج معاك يعني هخرج معاك."
بعد مرور ساعتين... خلافات بين كل الأطراف. قررت دلال أن يقضوا جميعًا اليوم معها على البحر. مازن لجوار ندى وعامر منشغل بمليكته... وكارم..... كارم يجلس لجوار صاحبه النظارة السميكة. عينه عليها وهي عينها على الطعام. تأكل ولا تهتم لأحد... مسك الشوكة منها وهي في طريقها لفمها وقال:
"ما كفاية بقا وحسي على دمك أنا بقالي كتير سنجل مش كده."
رفعت حاجبها تقول:
"أنت أهبل؟"
"لأ أنا صايع وقليل الأدب ومش لاقي حد يلمني من الشوارع وما فيش واحدة هتقدر تربيني غيرك."
أما هي فظلت تنظر له بعينين متسعتين وهي تراه على وشك جلب مأذون واثنين شهود.
_________________________
في تلك الحارة. كانت الحياة أكثر بهجة... تفتح ذراعيها للمعلم رجب. لكنه الآن غاضب بشدة... يوم الذبح الأسبوعي وصبيانه متغيبين لظروف طارئة... حتى يوسف يدعي أنه مريض ولم يأتِ. زحام أمام المحل وهو يقطع اللحم على عجالة... جلبابه متسخ بقطرات الدم. كل تلك الزحمة لم تمنعه أن يراها تخرج من البيت. خرج من بين كل تلك الجموع ينادي عليها:
"ست أم ندى... ست أم ندى."
توقفت تقول:
"مساء الخير يا معلم."
"رايحة فين؟"
"هشترى طماطم لاحسن خلصت."
"رايحة كده."
قالها وهو يشير بغضب لعباءتها الضيقة قليلاً. أكمل حديثه يقول:
"اطلعي أنتِ وأنا هبعت حد يجبلك... يالا."
لا تعلم لما انصاعت لأمره وهي تراه غاضبًا هكذا. دلفت للبناية تصعد السلم لكن وجدته يناديها وقد دلف خلفها. توقفت تقول:
"نعم."
وضع يديه في سروال جلبابه. فجأة وجدته يخرج من جلبابه الملوث بالدم بين يديه وردة حمراء قصيرة. وردة حمراء خرجت من جلباب تقريبًا قذر... ويد عالقة بها دماء ذبيحته... لكن والله هو جميل... المعلم رجب إنسان أكثر من ذلك الباشمهندس البارد. أعطاها الوردة بتوتر وخرج سريعًا من شدة ارتباكه. وهي تحتضن الوردة لا تصدق ما يحدث.
__________________
بنفس الحارة وفي أحد البنايات... يجلس يوسف يدلك قدمي جدته المغتاظة لما قصه عليها:
"أنت متأكد من اللي بتقوله ده يا يوسف؟ رجب ابني عمل كده."
"آه والله زي ما بقولك كده يا ستي."
"وأمك الخايبة النيابة دي كانت فين... قوم معايا ساعدني البس وأروح لها أشوف هتفضل حاطة إيدها في المية الباردة كده لأمتى؟ قوم وصلني."
رواية انصاف القدر الفصل العاشر 10 - بقلم سوما العربي
جلست حكمت تقوم بقطف وريقات الملوخية لصنع غذاء دسم لها ولابنها.
إلى أن دق جرس الباب يعلن عن قدوم زائر.
وقفت تنفض جلبابها البيتي من بعض العوالق به وذهبت لفتح الباب.
أدرك عقلها كل شيء سريعًا وهي ترى يوسف يقف يسند ذراعي جدته التي تناظرها بعدم رضا.
"جرى إيه مش هتدخلينا ولا إيه يا بنت اختي؟" تحدثت الجدة (جليلة).
ابتسمت حكمت سريعًا بسياسة وقالت: "إزاي يا خالتي ودى تيجي ده بيتك... اتفضلي اتفضلي.. سند ستك يا يوسف."
قالت الأخيرة وهي تنظر له بغيظ، تعلم ابنها جيدًا وتعلم ما قاله، فجعل خالتها تخرج من بيتها وهي خطوتها للخارج عزيزة.
ساعد يوسف جدته كي تجلس براحة بعض الشيء.
وحكمت ذهبت لعمل الشاي.
بعد دقائق كانت تخرج من المطبخ تحمل صينية بها كوبان من الشاي.
"منورانا يا خالتي. اتفضلي الشاي."
مطت جليلة شفتيها وقالت: "شاي.. جايبالي شاي في عز الحر... يا أختي هاتلي ساقع الجو نار."
"قوم يا يوسف هات لستك حاجة ساقعة من عمك لطفي البقال."
"حاضر." ذهب يوسف سريعًا.
وجلست حكمت تنتظر ما جاءت لأجله خالتها: "منورانا يا خالتي."
"مش هتكلم إلا أما أشرب الساقع أنا حلقي بقى نار."
تنهدت حكمت وجلست بغير راحة تنتظر قدوم يوسف.
بعد عشر دقائق وضعت جليلة الزجاجة النصف فارغة وهي تنظر تجاه حكمت تقول: "بقى انتي تبقي على علم بكل اللي حاصل واللي بيعمله رجب وساكتة.. أما ما جيتي تقوليلي عشان نشوف حل للمصيبة دي.... لولا يوسف جه وقالي ما كنتش هعرف."
نظرت حكمت ليوسف بتوبيخ وقالت: "كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه يا خالتي... ورجب راجل حر يعمل اللي هو عايزه أنا ماليش عنده حاجة."
احتد صوت جليلة بانفعال: "يعني إيه مالكيش عنده حاجة... يعني إيه مالكيش عنده حاجة مش أبو ابنك ده وجوزك."
"قصدك طليقي يا خالتي... إحنا اتطلقنا من زمان."
"ما أفهمش أنا الكلام ده.. عندنا مافيش حاجة اسمها طلاق ولو حصل فأنا سبتكم عشان كل واحد فيكم كان راكب راسه قولت شوية لما النفوس تصفى وهرجعهم... لكن أجي ألاقيكم عارفة بالفضيحة اللي هو عايز يعملها وساكتة."
"فضيحة إيه يا خالتي كفالله الشر وحاجه وهيتجوز في حلال ربنا فين الفضيحة في كده."
"أهتزت حليلة: انتي عايزة تجلطيني يابنت اعتماد؟"
"الله يرحمها."
"أيوه الله يرحمها ماهي لو كانت عايشة كانت كسرتلك دماغك على اللي بتقوليه ده... يا أختي يا برودك!!.. ده جواز الراجل زي ضربة المرزبة على النفوخ... بتوع زمان قالوا (جنازته ولا جوازتوا) وانتِ بتقولي كده؟!"
"ده لما يبقى لسه جوزي يا خالتي كنت هعمل البدع لأجل ما وقفه لكن دلوقتي أنا ماليش عنده حاجة."
"بت... فُوقي كده واصحي والكلام الخايب اللي بتقوليه ده ماسمعوش تاني... انتي عايزانا نسيبه يجرسنا... بقا المعلم رجب اللي شنبُه يقف عليه الصقر يرضى يبقى محلل. محللللل.. اااااه يا أنا يا ناري... وانتي تقولي فيها إيه."
"طب ما انتي جيتي لمربط الفرس أهو يا خالتي.... المعلم رجب هيرضى يبقى محلل؟"
"قصدك إيه؟ يعني مش هيتجوزها خلاص."
"لا ما فهمتيش قصدي... ابنك أبو شنب يقف عليه الصقر زي ما بتقولي دماغه فيها شغل تاني خالص."
"حيرتيني معاكي يابت."
"بكرة تفهمي يا خالتي.. أنا بس اللي عِشِرتُه وأنا اللي عارفة دماغه."
"أنا قايمة أمشي عشان ألحق معاد حباية السكر وانتي تخلصي اللي بتعمليه وتجيلي عشان نتكتك للموضوع ده ونوقفه انتي فاهمة."
"اااه. ربنا يسهل يا خالتي.. أنستينا والله البيت نور."
"أتكسي عليكي وعلى خيبتك قال نور قال... بقا يارب ما كنتش توقعتني في بنت اخت مدردحة كده بدل الخيبة دي."
"الله يسامحك يا خالتي... روح وصل ستك يا يوسف."
"حاضر." قال يوسف بضيق.
"فوتك بعافية بكرة بعد المغرب تعدي عليا انتي سامعة؟"
"حاضر يا خالتي ربنا ييسر."
أغلقت الباب خلف خالتها تتنهد بضيق.
ماذا يظنونها هم؟ لقد وافقت على الزواج منه على أمل أن يحبها يومًا.
ظلت لسنوات لم تجد منه غير التقدير فقط.
لقد كان طيب المعشر ولكن هذا ما لم تكن تريده.
فقد كان معها جسدًا فقط.
مع مرور الوقت وبسبب ضيقها من فشلها بأن تجعله يعشقها أصبحت عصبية وضيقة الخلق معه هو بالتحديد فبدأ الخلاف.
مع مرور الأشهر والسنوات توقفت يومًا أمام المرآة وجدت سيدة غير تلك التي هي عليها.
امرأة صوتها عالٍ، عصبية، تتشاجر لأتفه الأسباب خصوصًا معه.
امرأة جيدة مع الجيران والأصدقاء إلا معه.
كل هذا لأنه لم يحبها.
أيقنت في ذلك اليوم أنه لن يحبها.
لذا اتخذت القرار الصحيح.
وليتها فعلت مسبقًا.
فقد اكتشفت أنها تركت أثرًا سيئًا لديه.
كوّنت فكرة سيئة عنده بسبب عصبيتها وصوتها العالي على أشياء تعلم أنها بالفعل كانت لا تستحق وكثيرًا ما تكون هي المخطئة.
هو يومًا لم يكذب عليها أو حتى يعدها أنه سوف يعشقها.
كل شيء كان واضحًا من البداية ولكن خالتها تلك هي السبب.
هي من لعبت بعقله وأوهمتها أنه مع الوقت سيعشقها.
جلست على مقعدها تعاد إعداد الطعام.
وجدت جرس الباب يدق ثانية.
فتحت الباب ونظرت بتعجب وهي ترى الأسطى سيد جارها وصديق رجب واقفًا أمامها يحمل بيده صينية بها دجاجة مسلوقة.
"احمم.. مساء الخير يا يوسف."
"يسعد مساك يا أسطى سيد.. خير في حاجة."
"هاا.. ده.. د.. الفرخة أه.. أصلي كنت عايز أحمرها والفرن بايظ البت مي مش بترضا تاكلها غير محمرة وانتي عارفة ماحدش عندي يعملي بعد المرحومة أم مي."
"الله يرحمها.... طب عيني هات وأنا أحمرها وأبعتها مع يوسف هو راح يوصل ستك وزمانه جاي."
"لا ماتتعبيهوش... أنا هاجي آخدها بنفسي وأطلع... اااقصد يعني مش هنتعبكوا أكتر من كده كفاية هوقفك قدام الفرن في الحر ده."
"لا ما فيش حاجة ده إحنا جيران ومي دي زي يوسف ابني بالظبط."
"ماهو ده العشم برضو من ست كومل زيك."
"تسلم."
"مع السلامة أنا بقى."
"سلام."
أغلقت الباب وهي تنظر لتلك الدجاجة باستغراب شديد.
لكن تنهدت وذهبت لتضعها بالفرن.
في الإسكندرية
كان يتمشى على موج البحر وهو يمسك كف يدها بحب شديد.
اعترف لنفسه ولم يعترف لها.
ولا حتى يعرف متى سيقولها.
أما هي فقد أصاب عقلها التخبط.
تشعر بشيء جديد في معاملته، كلامه، حتى نظرته لها مختلفة كليًا.
أخرست عقلها بغضب فمنذ متى وهو صحيح.
ألم يكن ذلك العقل هو من فسر كل تصرفاته مسبقًا كونها عشق، لا بل وجعلها تذهب كالبلهاء تعترف له كي تعطيه إشارة المرور أو لا يتردد.
يكفي ما فعله كتلة الغباء إلى اليوم لن تسير خلفه مجددًا.
لن تنتظر أن ينفطر قلبها مجددًا ويخبرها أنه كان يفعل كل ذلك كابنته أو شقيقته.
قطع ذلك الصمت قائلاً: "إيه رأيك نسهر النهاردة مع بعض."
نظرت له بتفاجئ: "بجد.. فين."
"هتعرفي بالليل.. هاجيلك الساعة 10 تكوني جاهزة أوكي؟"
"أوكي."
أما نهى فكانت تجلس وهي تمدد جسدها على أحد مقاعد البحر المفرودة تضع على عينيها نظارتها السميكة وبيدها مرجع كبير تصب عليه كل تركيزها.
فجأة وجدت من ينتشله من يدها يقول بغضب: "يا جبلاية يا برميل برود يا شوال التناحة... قاعدة وسيباني كده لوحدي."
"هات الكتاب يا بني آدم أنت أنت اتجننت إزاي تعمل كده مين اداك مساحة تعمل كده أصلاً... أنت أكيد مجنون." قالت نهى بحدة.
"لا بصي جو الشتيمة ده مش هياكل معايا ولا هيخليني أرتجع أنا أساسًا بايع دمي."
"فعلاً واضح أوي.. يلا أمشي بقا من هنا مش فاضيالك."
عادت للجلوس تفتح كتابها من جديد.
انتشله منها مجددًا يقول: "يا عنوان البؤس يا رمز الكآبة قومي اقعدي معايا خلصي."
نظرت له بغيظ: "انت عايز إيه يا جدع أنت عامل دوشة زي العيال الصغيرة كده ليه؟"
"بقا أنااا.. الرائد كارم الحسيني يتقالي عيال.. أنا... يابت انتي عارفة أنا كام واحدة تتمنى تقعد معايا خمس دقايق مش أبقى كمان اللي بحايلها يا وحيدة عصري." قال كارم بصدمة.
"شكرًا... وفر مجهوداتك... يلا هوينا."
"هوينا دي عايدة عليا أنا؟ ده انتي نهارك مش معدي... فزي قدامي."
"انت عايز إيه مني يا جدع أنت عامل دوشة زي العيال الصغيرة كده ليه؟" قالت نهى بعصبية مفرطة وصوت عالٍ وقفت تشيح بيدها بعصبية أمام وجهه.
"بتشوحلي بإيدي يا نهى... ده انتي ليلتك سودة... هكون عايز إيه منك... عايز أخدم البشرية وأخطبك يا آخرة صبري."
"بشرية إيه اللي تخدمها... بقا أناااااً.... الدكتورة نهى.. معيدة في كلية التجارة جامعة اسكندرية وحاصلة على الماجستير والدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف وياما رفضت عرسان يوم ما اتجوز.. اتجوز واحد زيك."
"زيك... إيه زيك دي يابت."
"صايع وبتاع بنات... مش صاحب علم زيي."
"يابنتي أنا ظابط شرطة يعني من غيري متعرفوش تناموا... اصحي معايا للكلام."
"اهو بقا ظباط الشرطة اللي مقضينها دول لأ... مش هتصيع وفي الآخر عايز تخطب واحدة مؤدبة وصغيرة زيي."
"طب مؤدبة وماشي... مانتي لازم تبقي مؤدبة ده أنا جايب عنك تحريات من يوم ما اتولدتي... لكن صغيرة دي إيه ده انتي جبتي الـ 27 سنة."
"وإيه يعني 27 يا جاهل يا متخلف أنت... بردو لسه صغيرة إيش عرفك أنت."
"ياستي صغيرة وكل حاجة يالا نتخطب بقا."
"نتخطب إيه انت عبيط.. وبعدين تعالى هنا تحريات إيه اللي عملتها عني مين سمحلك بكده."
هز كتفيه ببرود: "أنا سمحت لنفسي."
"ده انت بجح."
"شكراً على المعلومة."
"ولحق تعمل بقا تحرياتك امتى من الصبح لدلوقتي."
"أنا مش أي حد... مشغل معايا ناس جامدين... احمم... زيي بالظبط."
تنظر له لا تستطيع رؤيته شخص جد ومتزن أبدًا.
لم ينتظر كثيرًا سحبها من يدها واتجه حيث تجلس دلال: "احمم مساء الخير يا طنط أنا عايز..."
قاطعته دلال: "طنط مين يا حبيبي ده انت أعرض مني إيه طنط دي."
"الله ما مليكة وندي بيقولولك من الصبح يا طنط ماتكلمتيش هو أنا ماحدش بالعلى كلمة هنا ليه؟"
"دول كتاكيت صغيرين بتقارن نفسك بيهم إزاي يعني.... وبعدين مالك ماسك بنتي من إيدها كده شيل إيدك واختشي."
"ماهو ده الموضوع اللي عايزك فيه.. أطنط."
"برود طنط... يا عااامر. عااامر... تعالى شوف الجدع اللي جايبه معاك ده."
وصل عامر وبيده مليكة لهم وهو ينظر لكارم: "علمت إيه تاني الله يخربيتك."
"جرى إيه يا ناس ماحدش طايقني ليه... ده أنا عايز حتى أتلم وأخطب."
"ما تلم نفسك وسيب إيد البت هي سايبة."
ترك يدها وقال: "أهو... كده حلو.. مرضية كده... نتكلم بقى.. أنا بالأصالة عن نفسي وبمحض إرادتي... عايز أطلب إيد الحنتوسة الننوسة... الآنسة نهى."
"دكتورة نهى." صحح كارم حديثه بنفاذ صبر.
"قولتي إيه؟" ابتسمت دلال تقول بكبر: "مش لما نسأل عنك الأول... وأجيب تاريخك كله.... وأعرف عندك إيه؟ مرتبك كام؟ هتسكن فين."
"الله... شغل الحماوات بدأ."
في المساء
وقف عامر بسيارته ينتظرها في الموعد المحدد.
وجدها تخرج من البناية ترتدي ذلك الفستان القصير.
أخرجت شياطينه التي لا يريدها أن تتعرف عليهم حتى.
يعلم لن تتحمل ولكنها من بدأت.
ترجل من سيارته بغضب يقول لها بغضب: "اقفي عندك."
ارتعدت حقًا من نظرات عينيه الحارقة ووقفت بخوف حتى اقترب منها: "في إيه بس يا ابيه."
قبض على عضدها يقول من بين أسنانه وهو يشير على ذلك الفستان الذي يبرز مفاتنها بإغراء مستفز لأي شخص: "إيه الهباب اللي لابساه ده... انتي اتجننتي."
لم يكن ذلك الفستان جديد عليها.
لقد ارتدت شيئًا قريبًا منه سابقًا.
"ماله.. مانا لبست زيه قبل كده."
"قبل كده غير دلوقتي.. فاهمة.... من غير نقاش اطلعي غيري الزفت ده.. عشر دقايق وتبقى قدامي."
استدارت تنفذ أوامره: "استني عندك."
نظرت له فقال: "استنى خدي الجاكت ده عليكي... عايزة تمشي قدام اللي اسمه زفت مازن ده كده... البسي."
ارتدت الجاكيت عليها فقال: "تعالى أنا جاي معاكي مش هسيبك تطلعي في الأسانسير لوحدك... يالا."
ذهبت معه وهي مستغربة لكل شيء.
لا تريد أن تصل لاستنتاج أي شيء فقد تكن مخطئة ثانية.
بعد مدة طويلة كانت ترقص بين يديه في أحد المطاعم الشهيرة.
وهو ينظر لها بعشق يكبر رغماً عنه يقول: "شفتي كده شكلك أحلى إزاي وانتي لابسة حاجة كويسة."
"يعني عجبك."
"انتي اللي عجباني."
اتسعت عينيها وقالت: "بجد يا ابيه؟"
"لا بعد كده مافيش ابيه دي سامعة."
فرحت أكثر وأكثر وقالت: "أنا ما كنتش بقولها أصلاً انت اللي طلبت."
"كنت غلطان.. بس كل حاجة ممكن تتصلح صح؟"
"اه.. ااه ممكن تتصلح."
"يبقى من هنا ورايح.. مافيش ابيه... مافيش خروجات من غيري.. لبسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسق انا الى هشتريه.. يعنى لو شفت عندك فستان زي اللي كان من شوية هتشوفي عامر تاني ماحدش شافه قبل كده... كمان مافيش مازن... مافيش أي صحاب ولاد... معظم وقتك يبقى في البيت وخروجاتك اللي كانت في الفترة اللي فاتت دي تتغير عايز تبقى دايما قدام عيني في البيت... باسورد الفيس بوك وانستجرام وأي حاجة ليكي على الميديا تبقى معايا دلوقتي... لو اتصرفتي أي تصرف من غير ما أعرف هتبقى سنة سودة... أوكي؟"
كانت تستمع له بذهول.
فرحت بشدة بكل تلك التحكمات.
غير منتبهة أو مهتمة كونه فرض كل تلك التحكمات المتزمتة دون قول أي شيء.
ولا حتى أنه يحبها.
غير منتبهة أنه هكذا يتحكم بها بطريقة غير آدمية وما ينقصه غير التحكم بالهواء الذي تتنفسه.
لم تهتم لكل هذا.
كل ما أهمها أنه يهتم بها.
ولا شيء بذلك غير الحب حتى لو لم يقولها للان.
ولكنها راضية الآن بذلك الإنجاز.
من يصدق أن عامر حلم حياتها سيهتم يومًا بها هكذا.
أمام رضاها بكل أوامره زاد حبه لها أكثر وأكثر.
هذه هي طريقة حبه التي كان يخشى من أثرها عليها.
أن تتركه من شدة أحكامه الخناق حولها.
لكنه وجد ابتسامة رضا وترحاب أراح قلبه وطمأنته.
ضمها له براحة وهو يتنهد بهدوء.
حبيبته بين يديه الآن راضية بأوامره ولم تعترض أو تجادل ماذا يريد أكثر من ذلك ليطمئن.
تحدث بهدوء: "هنرجع بكرة القاهرة بقا."
"ليه بس خلينا هنا يومين كمان."
"انتي عايزة تفضلي بايته بعيد عن عيني وشاب تاني كده كتير... أنا لسه قايل إيه من شوية.. اسمعي الكلام يا مليكة واعرفي إنني مش هسمح بكده."
"وفيها إيه ده مازن زي أخويا."
"بس مش أخوكي.... خلصنا منه الموضوع ده... لا مازن ولا محمد ولا نادر ولا فادي ولا أي حد... وخصوصًا نادر وفادي سامعة؟"
"طب فادي.."
قاطعها بغضب: "أنا لسه قايل إيه...."
قاطعته هي: "أنا اللي عايزة أقولك إنني اتكلمت مع فادي واتفقنا ننسى موضوع إننا مخطوبين ده وإني شايفاه أخ بس."
"بجد؟" قال عامر بذهول.
"بجد."
"وهو قال إيه؟"
"هو كمان شايف كده وتقريبًا إحنا متفقين."
تنهد براحة وقال: "ماشي... بس بردو مش عايز احتكاك كتير فاهمة."
"حاضر."
"بكرة هنرجع القاهرة... ابقي عرفي صاحبتك."
"حاضر."
ابتسم براحة وحب يضمها له مجددًا يواصل رقصته الهادئة معها.
بعد مرور أسبوع
استيقظت من نومها بغرفتها في قصر الخطيب وفتحت الهاتف وجدت من يصرخ بوجهها على أول النهار: "مين ده اللي عامل لك لاف على كل صورك يا هانم ومنزلتش للفطار ليه لحد دلوقتي."
أغمضت عينيها بتعب تقول: "صباح الخير الأول."
"صباح الخير مين اللي عامل لك لاف على صورك ده.. انطقي أحسن لك."
"ماعرفوش ياعامر ماعرفوش... واحد دخل صفحتي وعمل لاف هتحكم فيه إزاي بس." قالت مليكة بتعب ونفاذ صبر.
"تعملي صورك للأصدقاء بس... ولا أصلاً تشيلي صورك."
"ساعتها بردو هتيجي تقولي مين عامل لك لاف على البوست ده."
"آه يا مليكة هقول كده... واتعودي على كده فاهمة... إيه ده انتي لسه مكانك مانزلتيش... خمس دقايق وتكوني برا على السفرة فاهمة."
تنهدت بتعب وهي تغلق الهاتف.
منذ عودتهم من الإسكندرية وهو هكذا.
صعب صعب صعب.
لديه تحكمات غريبة ورهيبة.
هي سعيدة ولكن.
ولكنها لا تستطيع ملاحقة كل ذلك.
أوامره كثيرة وخلف بعضها.
وقفت من موضعها تنتقي شيئًا لن يعترض عليه عامر بيك.
بعد عشر دقائق كانت قد تجهزت تمامًا.
ذهبت لتهبط الدرج وجدت نادر يخرج من غرفته المخصصة له بالقصر.
"إيه ده. ميكا... حمد الله على السلامة رجعتي امتى؟"
"احمم.. الله يسلمك... رجعت من أسبوعين انت اللي ماكنتش موجود." قالت مليكة، توترت.
توترت كثيرًا تعلم ستقوم القيامة الآن.
"آه كان في حوار كده... بس على فكرة انتي وحشتيني أوي."
وجدت يقف في المنتصف فجأة: "هي مين دي اللي وحشتك."
"عامر... قصدي ابيه... كان في حاجة؟"
عيونه لم تتزحزح عن نادر يناظره بغضب: "طلعت أشوفك مانزلتيش ليه لحد دلوقتي.... يلا على تحت."
"أنا بس..."
قاطعها بصرامة وغضب: "قلت على تحت."
فرت من مكانها سريعًا تهبط الدرج.
أما هو تقدم من نادر أكثر وقال: "نادر... مالكش دعوة بمليكة تاني. أوكي؟"
"ليه... فيها إيه يعني؟" قال نادر بتحدٍ لأول مرة.
احتل قلبه الغضب.
ظهرت العصبية على وجهه بوضوح مهما حاول التماسك: "فيها إنها مسؤوليتي.. سامع."
"ااااه.. قول كده يا أخويا وقعت قلبي... كنت هفهمك غلط.. قصدك يعني عشان بنت ابن عمك وانت في مقام أبوها... طب وفين المشكلة يعني لو أنا مثلاً معجب بيها؟"
"مليكة لسه صغيرة ومش هتتجوز دلوقتي." قال عامر بصرامة غير قابلة للنقاش.
ذهب من أمامه منهيًا بذلك النقاش لا يريد أن يكشف عشقه أكثر من ذلك.
عامر سيظل عامر ولن يعرض صورته للاهتزاز أمام أحد أبدًا.
أما هي كانت تجلس على طاولة الطعام تستمع بغضب لحديث خالتها الشبه صريح عن خطبة ابنتها من عامر.
ووالدته على ما يبدو لا تمانع.
وهي تسمع ولا تستطيع الاعتراض.
لا تستطيع الصراخ بأن ذاك الرجل لها وحدها.
كيف وكل شيء في الخفاء حتى أنها أمامهم لابد وأن تناديه بلقبه "ابيه عامر".
يفرض تحكماته في كل شيء، كل شيء.
على وشك التحكم في عدد الأنفاس وهي موافقة وراضية دون أي تصريح منه بالحب.
وأيضًا ما زاد وكفى أن تستمع لخططهم لزواجه القريب من ابنة خالته الأكثر من مناسبة على الإطلاق وهي تستمع لكل ذلك بقلب مفطور.
لا أحد يشعر بتلك القهرة التي تتضخم داخل قلبها الصغير.
لكن هناك فرد واحد يستمع لكل ذلك.
الفت جدتها.
تنظر لها كأنها على علم بكل شيء.
نظرت لها مليكة وجدت بعيونها نظرة عدم رضا.
كأنها تقول لما أنتِ صامتة.
لا ترتضي بهذا الوضع.
أخيرًا شرف عامر بيك على طاولة الإفطار وخلفه نادر.
جلس بهدوء وهو ينظر ناحيتها نظرات خاصة جانبية.
الحديث دائر بين الجميع وهو نظره مرتكز عليها.
"مليكة... مش بتاكلي ليه."
نظرت ناحية هديل وهي تضع له مكعبات من الزبدة في صحنه واعتصرها الألم.
شعر بألم متصل من قلبها لقلبه.
يشعر بها جيدًا ولكن هيبته.
وقفت تمسح فمها بمنديل صغير وقالت: "أنا رايحة عند ندى خالتو وجوزها جايين يخطبوها النهاردة لمازن."
احتدمت معالم وجهه وهو يستمع لما تقول وأنها فقط تخبره.