تحميل رواية «انما للورد عشاق» PDF
بقلم ماهي عاطف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتفضت من سباتها ترتجف بذعر، متوجسة من الأحلام البشعة التي تراودها. شهقت عدة مرات متتالية لتهدئة ضربات قلبها التي تقرع كالطبول. سحبت نفسًا عميقًا محاولة إدخاله عنوة إلى رئتيها. استحوذ عليها فجأة الشعور بالاختناق، وكأن روحها تسلب منها دون إرادة. شحب وجهها، وصار جسدها يرتجف كورقة خريفية وحيدة فوق غصن شجرة في مهب الريح؛ لكن ليس ارتجاف ألم، إنما بسبب الرجفة الحادة من فرط الوجع الذي يضرب بجسدها. أغمضت جفونها تعتصرهم بقوة؛ فلم تعد تشعر بالاطمئنان بتاتًا، خاصة في الآونة الأخيرة. يظل "فريد" ابن عمها يقت...
رواية انما للورد عشاق الفصل الأول 1 - بقلم ماهي عاطف
انتفضت من سباتها ترتجف بذعر، متوجسة من الأحلام البشعة التي تراودها.
شهقت عدة مرات متتالية لتهدئة ضربات قلبها التي تقرع كالطبول.
سحبت نفسًا عميقًا محاولة إدخاله عنوة إلى رئتيها.
استحوذ عليها فجأة الشعور بالاختناق، وكأن روحها تسلب منها دون إرادة.
شحب وجهها، وصار جسدها يرتجف كورقة خريفية وحيدة فوق غصن شجرة في مهب الريح؛ لكن ليس ارتجاف ألم، إنما بسبب الرجفة الحادة من فرط الوجع الذي يضرب بجسدها.
أغمضت جفونها تعتصرهم بقوة؛ فلم تعد تشعر بالاطمئنان بتاتًا، خاصة في الآونة الأخيرة.
يظل "فريد" ابن عمها يقتحم غرفتها كي يبث بقلبها الذعر والتعامل معها بخشونة، وكأنها لا تعني له شيئًا، ولا ابنة عمه الذي حثه على معاملتها بحنو أخوي؛ كي لا تخشاه والشعور بالغرابة بينهم.
لكن حينما توفاه الله، كل شيء أخبره به صار كالرماد.
تلك المسكينة التي لم تنل أي شيء سوى الإهانة والذل، تركها والديها وحيدة منكسرة لا تعي بشيء سوى أنها لا تستطيع الخروج من هذا المنزل الذي سلب حريتها الكاملة والإذعان لكل شيء دون وجه اعتراض منها.
انتظرت عدة دقائق حتى استعادت السيطرة على جسدها، ثم تحركت نحو المرحاض تغتسل وتعاون ذاتها على الثبات من جديد بهيئة قوية لا تغمض لها جفن.
بعد ثوان وقفت تتلو بخشوع بعض آيات من الذكر بعدما هدأت ذاتها، فالله معها مهما توالت عليها الصعاب المنغمسة بها في حياتها.
وعندما لامست جبهتها الأرض، انفجرت باكية وظلت تدعو بكل ما يجول بطياتها من حديث مرير تخفيه.
انفتح الباب فجأة؛ ليرتجف جسدها بقوة بعدما انتهت من وردها اليومي، لتجده يبتسم بانتشاء مقتربًا من مجلسها على الأرضية، فأخذ كتاب الله يقبله، ثم وضعه بجوارها على الطاولة مغمغمًا بخفوت: صدق الله العظيم.
ليوجه نظراته الماكرة لها، يقتلعها من النظر أمامها بتوجس نحوه، قائلًا بنبرة ساخرة: ربنا يقوي إيمانك يا ست ورد.
أغمض جفونه مضيفًا بهيام وتلذذ: الله اسم على مسمى فعلًا ورد، وأنتِ وردة الجوري بتاعت البيت.
رمقته شزرًا، ثم بصقت عليه ما بجوفها وأشارت نحو الباب قائلة بنبرة تحذيرية: اطلع برا يا فريد بدل والله العظيم لهقول لعمي.
مسح وجهه من فعلتها المقززة تلك، فأمسك بعض خصلاتها المتحررة ليشتم رائحتها قبل أن يعقب بعتاب زائف: كده برضو يا ورد، عايزة تروحي تقولي لأبويا؟
ثم جذبها بقوة من رسغها مغمغمًا بفحيح: لو طاوعتيني وقولتي موافقة أجيب عيل منك مش هضايقك تاني، بس طول ما أنتِ معاندة معايا مش هسيبك أبدًا.
أطبقت على جفنيها من ذبذبات صوته التي اخترقت قلبها، تألمت من قبضته القوية فوق خاصتها الناعمة، فهدرت به: ابعد عني يا حيوان، وقولتلك لأ مش موافقة.
عايزني روح اتقدم لي من عمي إللي هو أخو أبويا.
لتتابع بوجع: اللي آمنك عليا وأنت طلعت متستاهلش، منك لله وجعتني أكتر ما أنا موجوعة.
جاء ليضع يده فوق ذراعها، فدفعته بعيدًا مجيبة بشراسة: ابعد عني بقولك واطلع برا بدل اقسم بالله هصوت وهعملك فرح وسمعة زي الزفت في البيت.
ازدرد لعابه بصعوبة من تهديدها، ليقول بارتباك محاولًا إخفاءه: هطلع يا ورد بس مش علشان سواد عيونك، لأ يا روحي دا علشان مزاجي بس.
مرسلًا غمزة عابثة: نتقابل تحت على الفطار، سلام مؤقت يا حبيبي.
أرسل لها قبلة في الهواء، ثم غادر.
لتطلق زفرة محملة بالأوجاع، قائلة بنحيب وعبراتها تتساقط من مقلتيها بغزارة: يارب ساعدني اخلص من القرف دا وابعده عني.
***
تقدمت من الكومود لتزيحه من موضعه قليلًا؛ فوجدت تلك الحقيبة البلاستيكية خلفه.
التقطتها بتلهف، مخرجة منها ذلك الغلاف الممتلئ بمسحوق أبيض.
فـنـظـرت نحو الباب وجدته مفتوحًا على مصراعيه، ثم هبت واقفة مهرولة نحوه لتحكم إغلاقه.
أفرغت محتوى الغلاف فوق ظهر كفها؛ فقربته من أنفها لتستنشقه بانتشاء جلي فوق قسمات وجهها رويدًا رويدًا، غير عابئة بخطورة ما تقوم به من جلد ذاتها والمخاطرة التي تقوم بها من عذاب يفترسها فيما بعد.
ما استنشقته لم يجعل جراحها تندمل إطلاقًا؛ بل يجعلها تفكر لو أذعنت بقرارها المحتوم بالتوقف عن هذا الشيء البشع، ستتوقف عن التفكير بمعذاب فؤادها؟
ابتسامة وجع ارتسمت فوق شفتيها حينما تذكرت نظراته العاشقة لكيانها، حديثه الناعم معها ككل مرة تراه، اطمئنانه عليها من حين لآخر غير عابئ بها هي.
هي ابنة عمه، متواجدة أمامه دومًا، على الرغم من جمالها الفاتن، إلا أنه لم يهتم بها قط، كأنها شخص غريب مجهول عنه.
استفاقت من اضطراب دواخلها على نداء ابنة عمها لها، لتسرع بتخبئة الكيس أسفل الفراش، ثم هندمت ثيابها على عجالة وهرولت للأسفل حيثما جلوسهم في الصباح الباكر.
وجدت الجميع يتناول طعامه بصمت مريب، فتقدمت ملقية السلام ثم جلست بجوار زوجة عمها الحنونة، طالعته بنظرات عاشقة، بينما هو غير مكترث بها وبوجودها من الأساس.
زفرت بيأس، ثم شرعت بتناول الطعام.
لتوجه لها الحديث "عنان" ابنة عمها قائلة بحماس: بت يا فرح، جهزي نفسك، علشان أنا استأذنت من ماما وهنروح نقضي اليوم في الغيط مع البت منار ونهال.
بتر حديثهم "عاصي" بقوله الحاد: بس مستأذنتيش مني، يبقى مافيش خروج يا عنان.
تنهدت بيأس، فتحدثت برجاء: علشان خاطري يا عاصي، والله مش هنتأخر، هنرجع قبل المغرب.
ضرب بقبضته فوق الطاولة ليقول باحتداد: قلت لأ يعني لأ، واتفضلي افطري يلا علشان هنروح عند ورد، ماما عايزة تشوفها.
أومأت له شقيقته بغضب، بينما "فرح" ابتـلـعت ريقها بمرارة، ثم وقفت في موضعها مغمغمة بخفوت: بعد إذنكم.
بتر مغادرتها حديثه بتساؤل جعلها تبتسم بسعادة من اهتمامه بها: أكلك زي ما هو ليه يا فرح؟
ازدردت لعابها فردت بتوتر: مليش نفس يا عاصي.
أجابت والدته "فيروز" بامتعاض: قول لها يا بني، دا أنا تعبت من الكلام معاها.
تحرك نحوها مما جعلها تتسع عينيها من فعلته الصادمة لها.
أمسك بيدها جاعلًا تمسك بالخبز عنوة، فتحدث بجدية مشيرًا بسبابته نحو الطعام الموضوع أمامها: اتفضلي كلي كويس علشان متتعبيش، مش كل شوية هنعلق محاليل ليكِ.
أومأت له بعينيها مصاحبًا خجلها الذي جعل وجنتيها تشتعل بحمرة من اهتمامه وحنانه.
فلأول وهلة تراه يهتم بشيء خاص بها، تساءلت هل لو قفزت الآن من فرط السعادة سيقولون هل جنت أم ماذا؟
***
جلست تتناول الطعام كالعادة، بشرود غير عابئة بنظرات زوجة عمها المخترقة لها وهيئتها المنكسرة تلك.
لا تعلم أتشفق عليها من أجل أيامها المريرة البائسة أم تنهرها لمكوثها معهم بعد رحيل والديها.
تصنعت "كوثر" القيام من مجلسها لفعل شيء؛ لكنها فعلت شيئًا غير متوقع حينما أمسكت بكوب العصير الطازج أمامها، ليقع فوق ثياب "ورد"، مما جعلها تصدر شهقة قوية نتيجة ما حدث لها.
رفعت نظرها بغضب لتقول الأخرى بأسف مصطنع: يوه غصب عني يا ورد يا حبيبتي.
اصطكت أسنانها ببعض معقبة باختصار: حصل خير يا مرات عمي، بعد إذنكم هغير هدومي.
ثم صعدت لتغير ثيابها.
بينما "فريد" رفع حاجبيه لوالدته قائلًا بحدة: اهدي شوية عليها، علشان هي مش حمل عمايلك دي.
رفعت يدها باستسلام وهزت رأسها بلامبالاة، ثم وجهت نظرها نحو زوجها الذي ينفث دخان سيجارته غير عابئ بما يحدث من ضجيج حوله، مما جعلها تسعل ليبتسم بسعادة.
فها هو قد حقق مراده.
أردفت بعصبية: أنا مش قلت لك ما تشربش سجاير قدامي؟ متشربش أصلا، هو لازم كل شوية أزعق.
زفر بتوتر بالغ، ثم أردف بتلعثم: مـ... ماهو يا حبيبتي ...
بترت حديثه بعدوانية: بلا حبيبتي بلا زفت، مش قلت لك لما تعوز تشرب سجاير تأكل بدلها حاجة مسكرة؟ بتعمل إيه دلوقتي؟
تحدث "فريد" بنرفزة: ماهو عنده السكر يا ماما، حاجة مسكرة إيه اللي هيأكلها؟
بامتعاض أجابت: اسكت أنت يا فريد.
ثم أشارت نحو زوجها الجالس كالفأر المبلل بتحذير: آخر مرة يا محمود، أنت سامع؟
أومأ لها بلهفة، ثم قال بتساؤل مغيرًا مجرى الحديث: كلمتي ماجد؟
تنهدت ثم قالت بغضب سافر: قافل موبايله من امبارح، بس لما يكلمني والله لهنكد عليه.
رمق "فريد" والدته شزرًا من حديثها المحتدم دومًا.
فالتقط أشيائه وصعد ليرى "ورد" التي تأخرت عن هبوطها لتناول الطعام مرة أخرى.
صعد ليجدها تقف في الشرفة بهيئة مهينة مذلة من الخزي بالكسر، كأن الحزن أصبح يلاحقها كظلها، ومازالت مرتدية ثيابها المتناثر عليها العصير.
ابتلع ريقه بمرارة مغمضًا جفونه.
هي حبيبته، نعم قلبه عاشق لها ولكل شيء تمتلكه.
حينما علم بعشق ابن خالتها لها، أراد التقرب منها وفعل أي شيء يجعل بينهم ترابط قوي بدلًا من صلة القرابة.
فلا يجد طريقة تجعلها تخضع له سوى هذه الطريقة المقززة المهينة.
استحوذ عليه شعور الغثيان لحديثه ولكل شيء بغيض فعله معها.
كلما تذكر انتفاضة جسدها، ينهر ذاته: كيف يتحدث معها ويجعلها تفعل شيء لا ترغب به من الأساس؟
كيف تغير مئة وثمانون درجة هكذا، وانقلابه في لمح البصر من ابن عمها لشخص تنفر من وجوده؟
تنهد مقتربًا منها قائلًا بنبرة هادئة لم تعتاد عليها: ورد.
التفت له بذعر، قائلة بارتباك: أنت بتعمل إيه هنا؟
شعر بالوجع من نبرتها وهيئتها المذعورة من وجوده، فابتسم ردًا بدعابة: بشوف الأستاذة اللي بتهرب من الفطار كل شوية زي العيال الصغيرة.
ابتسامة اعتلت ثغرها الشهي كعنقود العنب، لتتلاشاها مسرعة قبل أن تعقب بامتعاض: مش بهرب من الفطار، مليش نفس أصلا.
لتتابع بحنق طفولي: وزعلانة علشان مرات عمي وقعت العصير على الفستان الجديد بتاعي.
قهقه برجولة مغمغمًا بخفوت: هجيب لك أحسن منه، بس متزعليش.
رمقته باستغراب جلي فوق قسمات وجهها.
منذ قليل كان يرغمها على فعل شيء بغيض، والآن يداعبها بحديثه؟
هي تعلم بأنه حنون، لكن قسوة الحياة هي من فعلت به هكذا، جعلته شخصًا آخر لا تعرفه بتاتًا.
تنهدت قبل أن تعاود حديثها باختصار: أنت مافيش حاجة وراك غيري؟ كل شوية تيجي هنا وكده مينفعش، أنا مش عايزة كلام يتقال عني يضايقني لو سمحت.
زفر محاولًا التريث، فتحدث بجدية: ورد، أنتِ بنت عمي وعمر ما حد يتجرأ ويجيب سيرتك، عايزك تعرفي إني مش هاسمح بده، ياريت تفهمي كده.
ليسترسل بنبرة جامدة وتحذيرية في آن واحد: أنا مش وحش، بس زعلي وحش، وأحسن لك متجربهوش علشان هتزعلي جامد مني.
ليُشير نحو جبهتها مستكملًا بقوة: عقلك دا يوزك، تخرجي من البيت ده هيكون يومك أسود، أنتِ سامعة؟
دفعته بعيدًا عنها، ترمقه بغضب، فصاحت باهتياج: أنت ملكش حكم عليا، وأنا مش في سجن.
أنا لو قاعدة هنا فعلشان دا حقي وبيت أبويا الله يرحمه، غير كده أقسم بالله ما كنت قعدت هنا.
مش كفاية مستحملة وحاطة جزمة في بؤقي، لكن مسمحلكش تلغي شخصيتي وتحط قرارات بدالي.
ثم تحركت نحو الباب، صافقة إياه بقوة جعلته غير مصدق ما أخبرته به من حديث قوي، جعله ينظر نحو طيفها مبتسمًا بإعجاب صارخ: البنت طلعت جامدة وبتخربش كمان، مش عارف هاحب فيكِ إيه والا إيه ...
بتر حديثه حينما استمع لصوت بوق سيارة اقترب من شرفتها، فوجد "عاصي" يترجل منها ومعه والدته وشقيقته الصغرى.
شعر بالغيرة وبركان جحيمي يتملك به من تواجده هنا، فهرول إلى أسفل كي يجعلها بعيدة عن نظراته المخترقة لها.
فكلما جاء يتفحصها بنظراته العاشقة، فتجعل "فريد" يشعر بغليان قوي بداخله، مما جعله لا يصمت وكاشفًا بداخله حبها المخترق لقلبه.
***
ترك الهاتف فوق المنضدة بعدما وجد العديد من المكالمات الفائتة من والدته، فتنهد متحركًا نحو المرحاض ليسترخي قليلًا من عناء اليوم في عمله الهندسي.
انتهى ثم خرج، قام بتشغيل المكيف واستلقى فوق الفراش متنهدًا بارتياح، مغمضًا جفونه لعله يستريح من التفكير في حياته البائسة.
بعدما ابتعدت عنه زوجته لمعرفتها بأنه عقيم لا يستطيع الإنجاب.
تزوج بها سرًا مستغلًا مكوثه ببلدة أخرى بعيدًا عن عائلته.
شعر بوخزة مؤلمة شقت صدره لنصفين متذكرًا ما حدث قبل شهر حينما أخبرته بأنها تحمل بين أحشائها جنين من شخص سواه.
(عودة بالوقت للسابق)
قبض فوق خصلاتها فكاد أن يقتلعها بين يديه من شدة ضغطه، يكاد أن يجن.
فمنذ إخبار الطبيب له قبل قليل بأنه سيصبح أب، جعله يشعر بالتوهان والحيرة التي استحوذت عليه، متشككًا بما وقع على مسامعه، متسائلًا هل أخطأت بحقه واللجوء للخيانة؟
فصاح بها بفحيح وجنون: حامل إزاي يا زبالة وأنا مبخلفش؟ ردي عليا!
نفضت يدها بعد عناء من قبضته القوية لتهدر به بقوة: أنت فاكر نفسك جوزي بجد والا إيه؟ لأ فوق يا حبيبي، دا أنا استحملتك كتير ووافقت أتجوزك في السر واتخرست كمان لما عرفت إنك مبتخلفش.
أنا مليش دعوة بكل دا، أنا عايزة أكون أم.
استشاط غيظًا من حديثها الوقح ليتفوه بجنون: بالخيانة يا حقيرة؟ دا أنا أولى بقي، كنت أطلقك وتروحي تشوفي حياتك بدل من القرف اللي عملتيه دا.
ليتابع بنبرة حادة مقتربًا منها كالأسد ينقض على فريسته: دا أنا هموتك النهاردة، قوليلي مين الكلب اللي خونتيني معاه يا زبالة، ردي عليا!
صاحت فيه بهيستيريا وهي تبتعد للخلف خوفًا من بطشه، فقبض على ذقنها بعصبية فارطة: هوريكي إزاي تخدعيني وتلوثي سمعتي يا خاينة.
وقعت في أحضانه بجسد مرتعش ناتجة عن انخفاض نسبة السكر في جسدها الهزيل، لتُصاب بالصاعقة وهي تهمس بجزع: أبوس إيدك سيبني، وصدقني مش هتشوفني تاني يا ماجد.
قال بصوت ضعيف وتحسر على حبه لها: دا أنا كنت بحبك ليه، عملتي فيا كده ليه؟
تجلت معالم الذعر على نبرتها الواهية وهي تكافح ألمها الجسدي، روحها المُتعبة، لتتحدث بترقب من حالته المزرية: ماجد، سيبني بالله عليك، أنا حامل، أرجوك متعملش فيا حاجة.
اتسعت عيناه يرمقها بنظرات جحيمية، مقتربًا منها قبل أن ينهال عليها بالصفعات واللكمات، وهي تصرخ بإنهيار وعقلها لا يصدق أي شيء من فعلته وضربه المهين لها.
ابتعد عنها فجأة بأنفاس لاهثة، قابضًا فوق خصلات شعرها بعنف، فصرخت ببكاء مرير وهي ترجو منه أن يتركها، لكن نهرها بقوة: اطلعي برا يا زبالة، أنتِ طالق، مش عايز أشوف وشك تاني، بــرا.
هرولت نحو الخارج غير عابئة بمظهرها وثيابها الممزقة نتيجة ضربه المبرح لها.
بينما هو نظر نحو طيفها بخذلان ووجع، مُبتلعًا ريقه بمرارة؛ نتيجة اختياراته الخاطئة دومًا، لينتهي به المطاف كما جاء كي يهتم بعمله فقط دون اللجوء للتفكير بتكرار هذه الزيجة مرة أخرى.
استفاق من شروده وتفكيره المخزي على صوت هاتفه يصدع بالأرجاء، ليزفر بضيق ثم التقطه هاتفًا بضيق: إزيك يا ماما.
لتُجيب بعصبية كالعادة دون مراعاة الزمان والمكان: أنت فين يا ماجد؟ مبتردش عليا ليه من امبارح؟
تنهد مجيبًا بلامبالاة: كنت في الشغل، هاكون فين يعني؟
رفعت حاجبيها قائلة باحتداد: طب تاني مرة مش عايزة أرن عليك متردش، أنت سامع؟ بدل أقسم بالله هسافر لك بني سويف وهاخدك معايا القاهرة حتى لو غصب.
قهقه برجولة، فأردف بسخرية: تاخديني معاكِ فين؟ أنتِ ناسية إني كبرت وبقيت مهندس زراعي قد الدنيا؟
ليريح ظهره، مضيفًا بقوله الحاد غير عابئ بنبرته نحو والدته: يعني محدش يقول ليا تعالى واقعد، غير بمزاجي.
تفوهت بنبرة ساخطة: لأ مش ناسية، بس يمكن بقول كده علشان أمك مثلًا.
زفر بعصبية قائلًا بغضب سافر: ماما، أنا مش فاضي دلوقتي، لسه جاي من الشغل تعبان، هنام شوية وهكلمك بعد أسبوعين أكون ارتاحت.
ليُغلق الهاتف مُسرعًا ويذهب في سبات عميق.
بينما هي اتسعت عينيها من فعلته وعدم تقديره لها ولمكانتها بالمنزل؛ فهي تعتبر كما يلقبونها بـ"الكبيرة" لشخصيتها القوية، الأمر والنهي لها فقط.
فزوجها ليس لديه شخصية إطلاقًا، تعتبر طيبة قلبه وحنانه الدائم في التعامل بالنسبة لها شيء بغيض لاذع.
فلهذا هي المتحكمة دومًا في كل شيء، وهو لا يستطيع الرفض لها مطلقًا.
حاولت التقاط أنفاسها ببطء من شدة الضغط على ذاتها، مُلتقطة بخاخ الربو لتسهيل التنفس لديها، فحمدت ربها بأنه في جيب جلبابها وإلا العواقب ستكون وخيمة.
وجدت زوجها "محمود" يهبط الدرج يدندن، لكنه ابتلع ريقه ناظرًا بذعر نحوها حينما وجدها تنظر نحوه بسخرية: متجوزة تامر عاشور يا أخواتي.
ليبتسم ببلاهة قائلًا بدعابة: لسه ورد قايلة برضو كده 'عمي تامر عاشور'.
رمقته شزرًا مغمضة بخفوت: جتك نيلة أنت وهي.
لتُشير نحو الأعلى مستطردة بحدة: فهم بنت أخوك إن قاعدتها في أوضتها دي مش عجباني، طالما هتطفح يبقى تنزل تساعدني، أنا مش هطبخ لتلات عجول، كفاية عجلين عليا.
تحدث بعدم فهم: قصدك مين؟
كبحت ضحكتها بقوة، فحمحمت مغيره مجرى الحديث بنبرة جامدة: أنت سامع بقول لك إيه؟ ياريت تطلع تقولها تنزل علشان تساعدني في عمايل المحشي.
_"بس ياحبيبتي المحشي بيسود الأيد، وهي ما شاء الله عليها رقيقة مش زيك يعني و ..."
بتر حديثه حينما رأى نظراتها المخترقة له، ليصحح بتلعثم: هطلع أندهلها حاضر.
جاء ليصعد، فوجد "فريد" يقول بعصبية: ورد مش هتساعد حد في المطبخ.
ليتابع بجمود: هاتي المحشي هعمله أنا معاكِ لو محتاجة مساعدة، غير كده هي مش هتمد إيدها في حاجة.
شهقت ضاربة فوق صدرها لتصيح به: أنت بتستعبط يا فريد؟ محشي إيه اللي أنت هتعمله؟
لتُضيف بضيق حينما لمحت جموده: خلاص يا أخويا، خلي السنيورة فوق تحضر عفاريتها، وهروح أنا هعمل الخلطة وأعبيه، مش عايزة حاجة منها.
لتتحرك نحو المطبخ، تسبها بأفظع الشتائم.
بينما "فريد" جلس بجوار والده قائلًا بدعابة: بقول لك يا حج، مفكرتش تتجوز تاني بدل الولية دي؟
قهقه "محمود" ردًا بخفوت: أمك كرهتني في صنفهم والله منها لله.
ليقهقه "فريد" بقوة ثم تحرك نحو الخارج ليُباشر أعماله، مُحاولًا عدم التفكير في معشوقته.
***
بعد خمس ساعات، ظلت تجول بغرفتها ذهابًا وإيابًا تكبح غيظها من حديثه وعناده اللاذع معها ككل يوم، لا تعلم لماذا يتعامل معها بحنق دومًا وكأنها قتلت له شخص عزيز.
انفتح الباب على مصراعيه لترمقه شزرًا من فعلته الوقحة تلك.
اقترب منها يقف قبالتها قائلًا باختصار: هو بيجي هنا ليه؟
شهقت من تساؤله المفاجئ لأمر ابن خالتها من مجيئه إلى هنا كل يوم مطمئنًا عليها، لتقول بغضب سافر: إيه قلة الذوق دي؟ هو دا إكرام الضيف؟ وبعدين هو بيجي علشان يطمن عليا.
تحدث بجنون رافعًا حاجبيه لها من حديثها المثير لإغضابه: يـ إيه يا ختي؟ لأ سمعيني كده؟ لأ دا حلو أوي اللي بسمعه دا لأ وجديد كمان يعني سيادتك عارفة إنه بيجي علشانك وعلشان يشوفك وعادي جدًا بالنسبة لك؟
زفرت بضيق معاودة حديثها بعناد: عاصي ابن خالتي متنساش دا لو سمحت.
حرك رأسه بالنفي قائلًا بامتعاض: لأ أنا نسيت صلة القرابة بينكم لما شوفت نظراته ليكِ.
تفوهت بعدائية: أخرس هو كل الناس زبالة زيك والا إيه؟
بتر حديثها بعصبية مفرطة: أخرسي أنتِ ولو عايزة خالتك تيجي يبقى لوحدها، غير كده انسي.
ليُشير بسبابته قائلًا بنبرة قوية جادة غير محتملة للنقاش: اقسم بالله لو خالتك جات بعد كده وهو معاها ما هخليها تلمح طيفك.
لمعت عينيها بالذعر بتوجس، أجابت: هتموتني يا فريد؟
انتفض من وقفته حينما لمح مقلتيها على مشارف تساقط عبراتها ليقول بلهفة: لأ يا ورد مستحيل أعمل كده دا أنا أقتل نفسي ومعملش كده، اهدي طيب وبطلي عياط.
تنهد بيأس لضعفه أمام عينيها الباكية قائلًا بتساؤل: طب إيه يرضيكي وأنا هعمله؟
نظرت نحو عيناه ببطء ترتشف من ملامحه الرجولية، مُغمضة بخفوت: بجد؟
ابتسم ليومئ لها قائلًا بابتسامة: بجد.
اصطنعت التفكير لتُجيب بحماس: نفسي أروح شرم وأقعد أسبوع علشان خاطري وافق.
هز رأسه فأردف بإيماءة: حاضر، هاخد إجازة من شغلي ونروح كلنا شرم.
تحدثت بدعابة جعلته يقهقه بشدة: هو أنت بتشتغل أصلا؟ أنت يعتبر راشق في البيت وأربعة وعشرين ساعة عندي في الأوضة.
رفع حاجبيه لها بتساؤل: عاجبك والا مش عاجبك؟
ابتسمت قائلة بتوجس مصطنع: هو أنا قلت حاجة؟
ابتسم على دعابتها مجيبًا بحزم: يلا روحي نامي دلوقتي.
جاءت لتغادر لتُعاود الوقوف أمامه من جديد حينما استمعت لنداءه لها يقول بنبرة هادئة: امسكي.
رمقته باستغراب جلي فوق قسمات وجهها لتمسك بالحقيبة البلاستيكية كي ترى ما بها.
اتسعت عيناها من هول جمال الفستان الذي أحضره لها بدلًا من الآخر المتسخ بفعل والدته في الصباح: الله ذوقك حلو يا فريد.
ابتسم ليقول بدعابة: أدام عجبك خلاص يا ستي عندي استعداد كل ما تلبسي فستان حلو وجديد هوقع لك عليه عصير.
بمشاكسة قال: حلو كده؟
غمغمت له بإشادة: شكرًا يا فريد.
أومأ لها قائلًا بنبرة جعلتها ترتجف من شعور استحوذ عليها: العفو يا مولاتي، تصبحي على خير.
بخفوت استطردت: وأنت من أهل الخير.
ثم تحركت نحو المرحاض بشعور جديد لم تعتاد عليه من قبل معه.
بينما هو ظل ينظر لطيفها متنهدًا بابتسامة وجع: يارب يا ورد لو نصيبي مع حد غيرك منولهوش.
رواية انما للورد عشاق الفصل الثاني 2 - بقلم ماهي عاطف
هبط الدرج يلتفت يمينًا ويسارًا، تحرك بخطوات متأنية نحو المطبخ؛ ليجد به فتاة في منتصف العشرينات تقبع فوق المقعد نائمة، مُبتلعًا ريقه بذعر من رؤية أحد له. ثم اتجه نحو البراد ليمسك بالعصير المفضل لها، ويخرج من جيب بنطاله قرص دواء يضعه به ثم وضعه مكانه بعد التقليب.
اقترب من الفتاة يهزها برفق؛ ففزعت حينما رأته أمامه. حمحم كي تخرج نبرته هادئة بعض الشيء:
عايزك متسمعيش كلام حد هنا غيري، سامعة يا سعاد؟
تفوهت بخجل يصاحبه ارتباك من تواجده الآن معها:
حاضر يا أستاذ فريد.
فتحدث بتوتر محاولًا إخفاءه:
عندك عصير برتقال بتاع ورد هانم في التلاجة، بعد ساعة بالظبط تطلعي الأوضة عندها تديها منه علشان صحتها الفترة دي مش كويسة، أنتِ سامعة.
ليتابع بتهديد:
وحسك عينك حد يشرب من العصير دا غيرها والا متلوميش غير نفسك.
أومأت له بلهفة من تهديده، فابتسم بمكر ثم غادر كي يصعد لغرفته وكأنه لم يفعل شيء بتاتًا. فتحدث بغموض:
هنشوف إزاي مش موافقة عليا يا ورد.
***
جلست في الحديقة تستنشق الهواء، مُداعبًا خصلاتها المتمردة بادئة كشعاع شمس تسلل بين الغيوم، متمنية في نهاية المطاف ألا يأتي يوم تعلم فيه أن ما بذلت روحها من أجله كان سرابًا لا غير. أصبحت ضائعة بين كل هذه الطرقات والوجوه، كل الاتجاهات باتت مؤلمة وغريبة. لم تجد في هذا العالم ملاذًا ومصدرًا للأمان يحتويها سوى ذاتها!
تمنت لو تستطيع نسيانه ونسيان حبه المهلك لقلبها العاشق له، لكن لا بيدها حيلة لتفعلها، فحبه كاللعنة المصاحبة لها، فلا تعلم كيف ستتوقف عن التفكير به وهو أمامه دومًا كظلالها!
استفاقت من شرودها على يد زوجة عمها تربت فوق ذراعها بحنو لتقول بتساؤل:
فرح، ليه بحسك دائمًا سرحانة ولوحدك؟
تنهدت مغمضة بنفي:
لأ يا روزا عادي والله مافيش حاجة.
رمقتها بشفقة لهيئتها تلك، فأردفت بنبرة هادئة:
طب ممكن تعتبريني زي ماما وتحكيلي عن اللي مزعلك؟
زفرت بعمق قائلة بحيرة استحوذت عليها:
هو ليه كل واحد بيتمنى حاجة مش بتتحقق؟ يعني أنا عمري ما فرحت في حياتي وحاسة إن باقي عمري كمان مش هفرح.
رمقتها بدهشة من حديثها الذي يحمل الكثير بطياتها من خذلان ووجع بحياتها، لتتحدث بنبرة تعقلية:
عايزة اقول لك بس إن الإنسان لما بيصبر بينول اللي بيتمناه وأكتر كمان؛ فمتخليش الشيطان يلعب بيكِ ويخليكِ تكفري. قومي صلي ركعتين قيام ليل وادعي بكل اللي بتتمنيه، ربنا يرزقك السعادة يارب يا حبيبتي.
عانقتها بحنان لم تعتاد عليه من قبل سوى مع والدتها المشتاقة لها بشدة، أدمعت عيناها من شعور الاشتياق نحو والديها الذي توفاهم الله وباتت وحيدة بمنزلها. وأمام إصرار زوجة عمها على المكوث معهم أذعنت بعد عناء من تفكيرها والخجل المصاحب لها من تواجد حبيبها معها بمنزل واحد.
ابتلعت ريقها بتوتر حينما وجدته يترجل من سيارته، فاستأذنت من "فيروز" ثم هرولت لغرفتها وسط اندهاشه من تصرفاتها الطائشة والمجهولة له. اقترب من والدته يقبل يدها ثم جلس بجوارها مُريحًا ظهره فوق المقعد قائلًا بتساؤل:
هي فرح مالها يا ماما؟
مطت شفتيها بعدم معرفة مستطردة بتنهيدة:
مش عارفة فيها حاجة غريبة، المهم عايزاك تاخدها معاك هي واختك السفرية اللي هتطلعها بكرة.
ضيق حاجبيه لها ساخرًا:
بقول لك طالع الغردقة عندي شغل، تقولي لي خدهم معاك؟
تحدثت بغضب سافر:
يابني خلي عندك دم، بقول لك مكتئبين، وكمان زعلت منك علشان رفضت إنهم يروحوا الغيط رغم إنهم استأذنوا مني، بس أنت مدتش ليا أي اعتبار.
بنبرة هادئة أجاب:
اعتبارك وكلك على رأسي يا روزا، بس مش حابب الاختلاط بينهم وبين الناس التانية. الدنيا بقت وحشة، وبعدين أنا مش عارف مين أصلًا منار ونهال اللي طلعوا صحابهم مرة واحدة دول.
لكزته بخفة قائلة بغيظ من عناده وتوجسه من القادم نحوهم:
بطل خوفك والأوفر اللي أنت فيه دا، وبعدين مش بتحب الاختلاط يبقى خدهم معاك.
فتابعت بمشاكسة:
اينعم أنا مش بحب السفر والخروج بس هروح معاكم علشان توافق.
ابتسم قائلًا بدعابة:
أنا كنت رافض بس لو هتروحي معانا يبقى مافيش مانع، نقعد أسبوع كمان. احنا عندنا كام روزا يعني؟
غمغمت بارتياح:
طب كويس، أنا كمان اطمنت على ورد فهنروح احنا بقي.
رد بإهتمام شديد:
مالها ورد؟!
تنهدت مجيبة بتهلل:
كانت بتكلمني من شوية وقالت لي إن الحمدلله فريد وافق يوديهم أسبوع شرم علشان نفسيتها مش أحسن حاجة.
تحدث بانزعاج جلي فوق قسمات وجهه:
يادي فريد، أنا مش عارف أصلًا هي قاعدة عندهم بتعمل إيه؟ أنتِ المفروض خالتها وليكِ كل الحق فيها.
أردفت شارحة له بتفهم:
يا عاصي متنساش إن دا كمان بيت أبوها الله يرحمه، وغير كده عرضت عليها كتير تيجي بس عمها رافض. وأنا بصراحة مش عايزة اعمل مشاكل واهو الحمدلله يعني كل يوم بنروح عندها وبنكلمها، فمافيش داعي للقلق دا.
تنهد بضيق جلي في نبرته:
ماشي يا ماما أنا هطلع أنام.
صعد لغرفته لتُصيبه الدهشة حينما وجد باب غرفتها مفتوح على مصراعيه، فقادته قدميه بخطوات متأنية نحوها ليجدها جالسة فوق المقعد ترتدي جلباب الصلاة، مطبقة جفنيها بقوة.
فولج بتوتر يهزها برفق لتفزع، فجاءت لتصرخ فأسرع يكمم فمها بيده قائلًا بخفوت:
اهدي دا أنا.
تنفست الصعداء حينما وجدته هو. ابتلعت ريقها بصعوبة فتحدثت بتلعثم:
فـ في حاجة يا عاصي؟
ازدرد لعابه قائلًا بنبرة مهزوزة:
كنت داخل أوضتي لاقيتك قاعدة كده، أنتِ كويسة؟
طأطأت رأسها أرضًا مغمغمة بخجل:
الحمدلله.
فأردف بنبرة جامدة:
طب تاني مرة هتقعدي في أوضتك يبقى تقفلي الباب عليكِ، مش حابب المنظر اللي شوفته دا.
اتسعت عينيها بدهشة قائلة بنبرة حادة:
منظر إيه اللي شوفته إن شاء الله؟
بتر حديثها المحتدم بقوله الصارم:
نقاش دلوقتي مش مستعد ليه، أنا داخل أوضتي وبلاش تطاول ومجادلة، قولي حاضر وخلاص.
زفرت بعصبية، مضيفًا بامتعاض:
ولما تصحي ابقي جهزي حاجتك، علشان هنروح الغردقة بكرة بعد العصر.
بضيق أجابت:
لأ مش عايزة اسافر.
رفع حاجبيه بذهول من رفضها، فتحدث بسخرية:
ليه بقى إن شاء الله؟ مش كنتِ هتموتي وتخرجي برا البيت؟
أشاحت بوجهها بعيدًا عن نظراته المخترقة لها، فتحدثت بتلعثم:
مـ مش عايزة، غيرت رأيي.
زفر بضيق ليُعاود حديثه باحتدام:
قلت مش بحب الكلام الكتير والعناد، قولي حاضر وخلاص تمام؟
لم يتلقى إجابة منها، ليُحرك رأسه بيأس ثم غادر مغلقًا الباب خلفه. لتقول بتوجس شديد وحيرة في آن واحد:
لازم اكلم فخري يجبلي جرعات زيادة اخدها معايا، يارب عدي السفرية دي على خير ومحدش يشك فيا.
***
التقط ثيابه المتناثرة فوق الأرضية يرتديها على عجالة، ثم نظر نحو الراقدة بجسدها الفاتن، مُبتلعًا ريقه شاعرًا اليوم بانتشاء على غير العادة. فها هو قد حقق مُبتغاه وامتلكها دون علمها، بفجيعة ما حدث وجهلها بما وُضع بالعصير من شيء جعلها تغفو سريعًا.
نهر ذاته لفعلته الشنيعة تلك، كيف يجرؤ على فعل هكذا مع ابنة عمه؟ كيف تصرف بحماقة معها دون الشعور بالشفقة نحوها؟
لكنها أغلقت جميع الأبواب أمامه، أعلنت رفضها القاطع لحديثه الصميم للإنجاب خاصة منها. فكيف ستواجه الله بفعلته هذه وبتسليمها له كما أراد هو؟
شعر بأهدابها ترمش ببطء، فهرول نحو الباب مغادرًا لغرفته وكأنه لم يفعل شيء بتاتًا. شعرت بوجع يشتد في أنحاء جسدها فتأوهت بشدة. دلكت عنقها بيدها كي يتوقف عن آلامها، استغربت من شدة شعورها بالآلام التي استحوذت عليها فجأة. فنفخت في سأم ثم وقفت في موضعها تتحرك بخفة نحو المرحاض كي تستحم، لعل جسدها يهدئ قليلًا من فرط شعورها بالوجع.
انتهت من الاستحمام ثم وقفت أمام المرآة تضع مئزرها عليها، فأطلقت شهقة فزع حينما وجدت العديد من الكدمات الزرقاء على عنقها وأماكن أخرى بجسدها. لترتدي ثيابها على عجالة ثم هرولت إلى أسفل نحو غرفة زوجة عمها غير عابئة بوجعها، طرقت الباب بعنف فلم تجد إجابة، فاقتحمت الغرفة وجدتها تجلس في شرفتها ترتشف قهوتها الصباحية مع سمفونية اللحن الصادع من المذياع، تدندن معه بشغف.
لتسرع نحوها تجلس أرضًا فزعت "كوثر" حينما وجدتها بجوارها، فتحدثت بعصبية قبل أن تفتل على يسارها ثلاث مرات دليلًا على ارتعابها:
قطعتي خلفي منك لله، في إيه؟
ابتلعت ريقها بتوتر لتقول بتلعثم:
مـ مرات عمي، بالله عليكِ أركني أي خلافات دلوقتي بينا وركزي معايا.
اقتربت من أذنها لتهمس بتوجس:
في عفريت في الأوضة بتاعتي.
تفوهت الأخرى باحتدام:
عفريت إيه يابت أنتِ؟ شكلك اتلبستي من كتر قعدتك لوحدك.
_"يا مرات عمي أنا ... "
بترت حديثها بشراسة:
بلا مرات عمك بلا مرات خالك، أنا صاحية دماغي هتتفرتك. مش كفاية عمك عليا هتكوني أنتِ وهو؟
لتضيف بضيق عارم:
أوعي من وشي، جتكم القرف، الواحد مش عارف يتمزج بالقهوة بتاعته. طب والله مانا شارباها.
ثم أمسكت بالكوب وقذفته أسفل شرفتها، ثم رمقتها بغيظ وغادرت دون أن تنبث بكلمة أخرى. بينما الأخرى تحدثت بحيرة:
أومال مين اللي عمل في جسمي كده؟
على الجانب الآخر، قهقه بشدة من ردة فعل والدته وجنون حبيبته، ثم تحدث بآسف وشفقة لأجل هيئتها المزرية الحائرة تلك:
آسف يا ورد، أنتِ اللي أجبرتيني أعمل كده فيكِ لما رفضتيني.
***
سعدت بشدة حينما علمت من والدتها بأنها ستذهب مع شقيقها "عاصي" إلى الغردقة. ظلت تقفز بموضعها ثم ركضت نحوه كي تعانقه بحب، فابتسمت "فرح" لأجل حب الأشقاء لبعض. ابتلعت غصة مريرة لشعورها بالفقد، وكأن مغادرة والديها معهم كل شيء كانت ترغب به.
رمقها "عاصي" بشفقة، فهو يعلم مدى حزنها لشعورها بالوحدة، لكن وعد ذاته بعدم التخلي عنها كشقيق مطلقًا. كيف يقول هذا؟ هي تحبه، بينما هو لا يفكر بها سوى إنها شخص من عائلته فقط.
اقتربت منها "فيروز" لتهمس لها بدعابة:
لأ فكي كده يا فروحة، عاصي لو شافك مبوزة مش هيخلينا نروح حتى المقابر.
قهقهت "فرح" لحديثها، فهذا ما أرادته زوجة عمها، أقسمت بأنها ستفعل كل شيء حتى تعاود ارتسام بسمة فوق شفتيها.
بتر حديثهم "عاصي" بجدية:
ماما، لو كل حاجة جاهزة فينا نتحرك؟
أومأت له بحماس، ثم خرجوا نحو السيارة ليجلس هو بمقعد القيادة وبجواره والدته، وفي الخلف شقيقته وهي. لم تحرك أهدابها بتاتًا، ظلت ترتشف من ملامحه الوسيمة الحادة. لم يغمض لها جفن عكس شقيقته ووالدته ذهبا في سبات عميق وتركوها معه.
لاحظ نظراتها نحوه فابتسم لها بالمرآة قبل أن يعقب بتساؤل:
فرح، أنتِ بجد مش حابة تسافري معانا؟
دهشت من تساؤله عن أمر رفضها له بالأمس، مجيبة بارتباك:
لأ عادي يعني تغيير جو وكده، وكمان علشان روزا فاتحمست أروح معاكم.
وجه لها ابتسامة أقسمت بأنها لم ترى بجمالها، ليقول بنبرة هادئة:
حابب بس تسيبك من الحزن والاكتئاب اللي أنتِ فيه دا، وصدقيني هتنبسطي جدًا.
ابتسمت له بتكلف، ثم وجهت نظرها نحو الحقيبة السوداء التي تحملها قابضة فوقها بقوة، فهي بحاجة لأخذ جرعة الآن لم تعد تحتمل بعد.
ازدادت أنفاسها بتوتر وضربات قلبها تنبض بقوة، لتقول على عجالة مما أدهشه نبرتها:
عاصي لو سمحت عايزة أدخل الحمام دلوقتي ضروري.
زفر بضيق قائلًا باقتضاب:
فرح، نص ساعة بس وهخليكي تروحي، احنا لسه يدوب متحركين فمش هينفع.
هدرت به بقوة، فلم تعد قادرة على الصمود أكثر:
بقول لك مش قادرة، عايزة أروح الحمام افهم بقى.
صف سيارته بجوار الطريق والتفت لها قائلًا بشراسة، مشيرًا بسبابته:
صوتك ميعلاش عليا ومش دلوقتي استحملي شوية، قلت وياريت توطي صوتك. ماما وعنان لو مش ملاحظة يعني إنهم نايمين.
تساقطت العبرات من مقلتيها وسط دهشته، فتحدثت بنحيب ورجاء:
بالله عليك اتصرف، مش قادرة يا عاصي.
أومأ على مضض ثم ترجل من سيارته متجهًا نحوها ليقول بنبرة تحذيرية، مشيرًا نحو البناية التي أمامه:
اطلعي العمارة دي أول دور وشوفي بقى أنتِ ونصيبك. لاقيتي حد يفتح لك خير وبركة، ملقتيش يبقى تنزلي ومتطلعيش الدور التاني، أنتِ فاهمة؟
حركت رأسها بتلهف ثم هرولت نحو البناية كما أخبرها؛ فقهقه بشدة ضاربًا كف فوق الآخر، فهذه الفتاة تدهشه كل يوم من أفعالها تلك.
بعد نصف ساعة زفر بعصبية من انتظاره لها ولم يحتمل التمهل أكثر، فصعد الطابق الأول. لم يجد إجابة من أحد فاصطكت أسنانه ببعض من عنادها الدائم معه. فالتفت لها عاقدًا ذراعه فوق الآخر حينما وجدها تخرج من المصعد بسعادة، عكس طريقة صعودها فمنذ قليل كانت تبكي.
فابتسمت ببلاهة حينما وجدته يقترب منها قائلًا بجمود:
أنا قلت لك إيه يا فرح؟
تفوهت بخفوت:
قلت اطلع أول دور بس ولو ملقتش حد انزل تاني.
فتحدث بتساؤل عكس ما بداخله:
وسيادتك دخلتي الحمام في الدور الكام أصل شايفك نازلة بالأسانسير يعني.
غمغمت بنبرة خافتة كابحة ضحكتها بصعوبة:
الدور العشرين.
قهقه بشدة فلم يحتمل الصمود أكثر أمام مشاكستها، ليحرك رأسه بيأس قائلًا بجفاء بعدما توقف عن المزح:
خلصتي اللي هتعمليه يعني؟
أومأت له مسرعة يصاحبه خجلها من الحديث عن هذا الأمر، ثم هبطت أمامه تحمد ربها بمرور فعلتها تلك قبل رؤيته لها وهي تستنشق جرعتها بانتشاء. بينما هو صعد للسيارة من جديد صامتًا لم يتحدث إليها كي لا يحتد النقاش بينهم مرة أخرى.
****
كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. تنظر تارة لجسدها المليء بالكدمات وتارة يمينًا ويسارًا بتوجس شديد؛ فمازالت تخبر ذاتها بأن أحدهم يمكث معها بغرفتها وهو من تسبب بفعلته الشنيعة تلك.
ابتلعت ريقها بصعوبة كلما تذكرت هواجسها التي تخبرها بأن "فريد" هو من فعل بها هكذا. هي تعلم بأن عقلها يتلاعب بها ومن المستحيل فعل هذا الشيء البشع، رغم عجرفته وحديثه اللاذع معها؛ لكنه شخص جيد بالنهاية.
يا للسخرية حقًا، لا تثق بالقريب هكذا يا عزيزي كي لا تسلم من خذلانه فيما بعد.
طرق خفيف على الباب استمعت له جيدًا ولم تبالي للرد على الطارق، والذي دخل فورًا بعد طرقه، وكانت زوجة عمها التي جلست بجوارها هاتفة بضيق طفيف:
عمك بيقول إنك تعبانة، مالك؟
نظرت إليها لثوان بجمود ثم أشاحت بصرها عنها، فأجابت باستهزاء:
مليش، أنا كويسة.
أطلقت "كوثر" شهقة لعجرفتها في الحديث معها، لتتحدث بعصبية:
صحيح خيرًا تعمل شرًا تلقى، بقي أنا جاية لك أشوف فيكِ إيه رايحة تتعوجي عليا؟
زفرت بحنق لتجيب بتزمر:
بقول لك يا مرات عمي، أنا مافيش دماغ ليكِ.
رمقتها الأخرى باشمئزاز فأردفت باهتياج:
بلا دماغ بلا رجل، منه لله عمك جايب ليا الكلام دايمًا من اللي يسوى والا ما يسواش.
ثم تحركت بشموخ صافقة الباب خلفها بقوة. بينما "ورد" شددت من عناق ذاتها بقوة تهذي بنحيب:
يارب أنا مش حمل الوجع دا كله، ألهمني الصبر من عندك يا رب.
رواية انما للورد عشاق الفصل الثالث 3 - بقلم ماهي عاطف
عاد من الخارج يترنح بخطوات متعثرة، وذهن غير واع، رائحته مفعمة بالخمر.
كان الظلام دامسًا يعم المكان، لكن بعينيه الشبه مغلقة استطاع رؤية شخص ما يجلس فوق فراشه.
لم تبين ملامحه من الظلام، هيئته تنبعث منها شرارات الغضب.
استطاع بصعوبة أيضًا فتح الضوء ليجد نظرات والدته النارية نحوه؛ فنفخ في سأم من تواجدها هنا في وقت لا يصح فيه الحديث بتاتًا.
جلس فوق الفراش يخلع حذائه عنه غير عابئ بتلك الواقفة أمامه بملامح متهجمة من هيئته المقززة لكل من يراه.
عقدت ساعديها أمام صدرها لتتفوه بإستخفاف:
بعد إذن قلة احترام جنابك ليا، تقوم تكلمني.
حرك رأسه بنفي؛ لتتحرك نحو الغطاء الموضوع فوقه ثم ألقت به على الأرضية، مشيرة بسبابتها قائلة بتحذير:
يا تقوم تكلمني زي ما قلت، يا أقسم بالله رد الفعل بعدين مش هيعجبك يا فريد.
نفخ بعصبية قائلًا باحتدام:
أنتِ مش شايفة إني تعبان ودا وقت نوم يا ماما، والا أنتِ طول اليوم بتبقي صاحية مبتناميش؟
رمقته شزرًا متفوهة بنبرة ساخرة:
وهيجي نوم منين يا حبيبي وأنت وأخوك مخليني مش عارفة أتهنى بحياتي.
قهقه باستهزاء قائلًا باقتضاب:
خليكي بس أنتِ في حياتك وسيبي كل واحد في حاله، وصدقيني كله هيبقى تمام.
لكزته بقوة في ذراعه ليتأوه، فبتر حديثه بعصبية:
ممكن أعرف سيادتك طول اليوم بتبقى في أوضة الست ورد ليه؟
ازدرد لعابه بتوتر بالغ، فأردف بتلعثم:
وأنا هعمل إيه في أوضة بنت عمي يا ماما؟
بشراسة أجابت:
قول أنت بقى بتعمل إيه في أوضتها، أصل مش كل ما أجي هنا أشوفك ألاقي البت اللي أنت جايبها تخدم عليك تقول ليا إنك عند ورد.
ثم تابعت بغيظ:
ثم هي مش بتسمع كلامي ليه؟ كل ما أقول لها تعمل لي حاجة تقول أنا بخدم فريد باشا بس، دا ليه يا خويا إن شاء الله؟
قهقه برجولة مغمغمًا بدعابة وتعالٍ:
علشان أنا هنا الملك يا حبيبتي، لازم الكل يسمع كلامي واللي بتخدم عليا بتنفذ تعليماتي.
أطلقت شهقة فتحدثت بامتعاض:
بقى أنت اللي قايل لها متسمعش كلامي؟
أومأ لها بلامبالاة مستطردًا بمكر:
طول ما أنتِ بتضايقي ورد مش هخلي حد هنا يسمع كلامك.
أجابته بشيء من الحدة:
بقى كده، كل دا علشان السنيورة؟
تحدث بغضب عارم:
بقول لك إيه يا ماما، أنا دماغي هتتفرتك من الصداع، يلا طريقك أخضر.
رمقته بتقزز ثم غادرت دون أن تنبس بكلمة أخرى، متوعدة بداخلها لفعل العديد في تلك الورد.
بينما "فريد" فرك جبهته بإرهاق، ملتقطًا هاتفه فجاءه الرد قائلًا بنبرة جادة:
ساعتين وتطلعي لورد هانم العصير وتجي الأوضة عندي تصحيني.
فتابع بشراسة:
وزي ما قلت لك، ماحدش يشرب من العصير دا غيرها، أنتِ سامعة يا سعاد؟
أغلق الهاتف ثم ارتمى فوق الفراش غائصًا في سبات عميق دون الشعور بالشفقة نحو ما يفعله بأبنة عمه ومعشوقته، كأنه فقد الإحساس.
***
جلست فوق المقعد، تنظر نحو البحر، شاعرةً بانتعاش على غير العادة.
شعورٌ مختلف كليًا عن استنشاقها لتلك العقاقير.
أغلقت جفونها متنهدةً بعمق، فحينما تتوقف عن التفكير به يجعلها تشعر بالارتياح.
لكن باتت أحلامها جميعها مرهقة، ومازالت تتساءل: هل هي بداية لمرحلة جديدة أو نهاية لكل شيء؟
أطلقت زفرة محملة بالأوجاع لوجعها المكبوت بداخلها، لحديثها الخفي عن عشقها، تشعر نحوه بوجع وقلب مهترئ، بمرارة فقدانه وضياع حبها الذي بات كالسم منتشرًا في أشلاء قلبها.
لم تنكر حقيقة ضربات قلبها الشغوفة حينما تلمح طيفه، مدركةً حبها له بعشق متيم، لكن أصبح الأمر معقدًا بالفعل لإنشغال عقله وقلبه بابنة خالته.
استفاقت من اضطراب دواخلها، واقفةً في موضعها كي تسير فوق الرمال عائدة لحالة الشرود مرة أخرى، كأنها جاءت لتجلد ذاتها وليس آتية للمتعة.
شعرت بنداء شخص خلفها، فالتفتت نحوه بجمود عكس ما بداخلها، فهدرت به:
نعم، عايز إيه؟
ازدرد لعابه بصعوبة من نبرتها المتهجمة، قائلًا بنبرة هادئة:
مجرد سؤال والله، مش أكتر.
هدأت قليلًا من ذاتها، فأومأت له بعينيها ليستطرد بتساؤل:
سرحانة ليه وشايلة هموم الدنيا؟
لا تعلم بما تجيب، فطأطأت رأسها أرضًا، مما جعله يتمادى ويضع أنامله أسفل ذقنها كي تنظر نحوه.
فلم يشعر بذاته سوى إنه فوق الرمال من قوة الصفعة التي أخذها للتو.
اتسعت عينيها بصدمة حينما وجدت "عاصي" يلكمه بقسوة، فجعله يرتطم بالأرضية بقوة، ولم يغمض له جفن من فعلته.
ابتعدت للخلف قليلًا عن نظراته المخترقة لها؛ فبات جسدها يرتجف بقوة.
بينما هدر به بغضب عارم:
تعرفها منين علشان تلمسها كده يا حيوان؟
ثم اقترب منها كالأسد المنقض على فريسته، يجذبها من رسغها غير عابئًا بمن حوله، فرد بعصبية شديدة:
وأنتِ إزاي تسمحي له بكده يا آنسة فرح؟ وإلا علشان أبوكي وأمك ماتوا هتبقي سايبة؟ لأ فوقي دا أنا اقتلك مكانك.
لم تحتمل حديثه القوي الصادم لها، فنفضت يدها عنوة ثم هرولت للأعلى كي تستطيع البكاء.
فمهما حدث لا ترغب برؤية أحد لدموعها بتاتًا، فبرغم هشاشتها تتصنع القوة.
ظلت ثلاث ساعات حبيسة بغرفتها، عبراتها المتساقطة بغزارة فوق وجنتيها لم تتوقف؛ فالصدمة من حديثه مازالت حليفتها.
فلأول وهلة يصيح بها بتلك الطريقة السيئة، حديثه اللاذع المهين لها.
طيلة الآونة الأخيرة وجدت معاملته نحوها بحنو كي لا تشعر بالغرابة بينهم، لكن اليوم شعرت بأنه شخص مجهول عنها لا يهمه أمرها.
انفتح باب الغرفة بعدما رفضت دعوة الطارق للدخول، فمسحت عبراتها حينما وجدتها زوجة عمها.
اقتربت منها بشفقة من هيئتها الباكية المزرية، ربتت فوق ذراعها بحنو قائلة بآسف:
حقك عليا أنا يا فرح، متزعليش يا حبيبتي.
طأطأت رأسها أرضًا قائلة بتحشرج حزين:
شوفتي عاصي بيقول لي إيه يا روزا؟ بيعايرني علشان مليش أهل.
وكزتها بخفة مجيبة بنبرة ساخرة:
أومال احنا إيه بقي؟ دا احنا أهلك وناسك غصب عنك أنتِ وهو، لو كنتي ناسية.
حركت رأسها بالنفي لتتحرك نحو الخزانة كي تعد حقيبتها من جديد، قائلة بنبرة مهزوزة:
أنتِ وعنان فوق رأسي، لكن الوضع دا مش هيستمر خلاص، زي ما بيقولوا طفح الكيل.
رمقتها بعد فهم، مستطردة بتساؤل:
يعني إيه؟
زفرت بعمق قائلة بجدية شديدة:
أنا هبيع كل حاجة تخصني هنا وهسافر أقعد في أي بلد تانية.
لتتابع بمرارة:
أنا أهلي لو كانوا عايشين كان زماني بتعامل ملكة، مش كل شوية إهانة يا مرات عمي، أنا تعبت.
اقتربت منها برجاء، أجابت:
طب أهدي علشان خاطري، بلاش تقولي كلام زي كده يا فرح، والله هزعل منك.
تنهدت قائلة بنبرة خافتة:
زعلك وأنتِ فوق رأسي والله، ويشهد ربنا بحبك وبحترمك قد إيه، بس توصل بعاصي يقلل مني مش هسمح بده أبدًا.
تفوهت الأخرى بصرامة:
اسمعي الكلام ماتبقيش عنادية زي أمك الله يرحمها، والله هرجع أجيبه مخصوص يعتذر لك.
لم تجد إجابة منها، فحركت رأسها بيأس مغادرة دون أن تنبث بكلمة، بينما "فرح" لم تعي بحديثها، فوضبت حقيبتها ثم وضعتها بجوار الفراش، وجاءت لتتحرك نحو المرحاض، لكنها لمحت شاشة هاتفها تنير معلنة عن اتصال، فهرولت نحو الباب لتحكم إغلاقه، فردت بتوجس شديد:
عايز إيه؟ مش قلت لك متتصلش بيا غير لما أكلمك؟
تحدث الطرف الآخر بمكر:
براحة بس علينا يا فروحة، دا أنا بكلمك علشان جبت لك حاجة حلوة أوي، هتمزجك على الآخر.
قلبت عينيها بملل، فتحدثت بضجر:
هو أنت بيجي من وراك حاجة حلوة يا فخري؟
قهقه مغمغمًا بنبرة ساخرة وتحذيرية في آن واحد:
الله يكرم أصلك، هعدي لك تريقتك وكلامك دا علشان لو معدتهوش مش هتلمحي تظبيط دماغك تاني.
ازدردت لعابها فصمتت كي لا ينفذ قوله، فتابع بإزدراء:
بكلمك علشان أقول لك جبت لك برشام جديد، نزل السوق هيخليكي تركبي الطيارة وتلفي العالم كله.
تحدثت برفض قاطع:
لأ، أنا قلت لك آخرها شنط إنما حقن وبرشام انسي.
قال بحنق من رأسها اليابسة:
طول عمرك فقرية وبترفضي النعمة.
تحدثت بنفاذ صبر:
لأ دا أنت شكلك اللي محتاج فلوس، فعايز أي مصلحة والسلام.
لتتابع بغضب عارم:
بقول لك إيه، بلاش رغي، دماغي مصدعة، ومش كل شوية تهددني، فلوسك بتاخدها وملكش حاجة عندي، يعني عجرفتك معايا دي تنساها فاهم.
أغلقت الهاتف ثم اقتربت من الباب كي ترى هل يوجد أحد أم لا، فتنفست الصعداء حينما وجدت المكان بالخارج شاغرًا، ثم توجهت نحو المرحاض مرة أخرى.
***
تراجعت للخلف عندما وجدته أمامها فجأةً، ابتلعت ريقها برعب عصف بكيانها، بينما هو يتقدم منها بتمهلٍ شديد كأنه يستلذ بالخوف الذي تزرعه نظراته المخترقة بداخلها.
حركت رأسها بنفي ونظراتها الجزعة تتوسله أن يرأف بها هذه المرة فقط.
لكنه استدار على غفلةٍ ينظر أمامه قائلًا بمكر:
متخافيش، مش هاجي جنبك بس لو سمعتي الشرط اللي هقوله، هديكي أسبوع راحة من غير ضرب، اتفقنا يامريومة؟
أومأت له بتلهفٍ ليتابع بنبرةٍ حادة:
عزمت صاحبي ماجد على الغداء يعني نص ساعة بالكتير وهتلاقيه هنا.
عايزك تقلعي النقاب اللي لبساه دايمًا ده وتلبسي الفستان الأحمر اللي على السرير جوه وشوية أحمر وأخضر في وشك.
عايزك حلوة من الآخر.
أزدرد لُعابها بصعوبة لتقول بتلعثم جعله يبتسم بإنتشاءٍ حينما شعر بتوجسها نحوه:
بس حرام كده يامُعاذ، أنا منتقبة ومينفعش راجل غريب يشوفني و...
أمسكها من رسغها بقوة جعلتها تتأوه، فتحدث بخشونة:
بتعصبي أمي ليه دلوقتي؟ قلت تسمعي الكلام من غير بجاحة ومناقشة.
نفضت يدها عنوة، فهدرت به ولم تحتمل ما يريده ويفعله بها، فقد طفح الكيل:
مش هسمع حاجة منك، يخربيتك دا أنا أختك بتعمل فيا كدة ليه؟ منك لله سيبني في حالي بقى.
جذب خصلاتها المتحررة من الحجاب بعنف لتصرخ به أن يتركها، لكنه حرك رأسه بنفي بشراسة، أجاب:
مش هسيبك وهفضل أزهقك في حياتك لحد ما تنتحري زي ما خلتيها تنتحر.
تساقطت العبرات فوق وجنتيها، ثم حركت رأسها بقوة مبتعدة عنه لتقول بلهث نتيجة الفرار من قبضته القوية، قائلة بصوت لا حياة فيه:
ورحمة بابا وماما، هي اللي قتلت نفسها علشان مش عايزة تخلف منك، والله العظيم سمعتها بتقول لواحد كده قبل ما تنتحر بساعة.
لتتابع بنحيب:
والله العظيم دا اللي حصل، أبوس إيدك سيبني أمشي ومش هتشوفني تاني، بس الرحمة هموت في إيدك.
جاء ليقترب منها كي يلطمها بقسوة كي تكف عن حديثها هذا، لكن قاطعه طرقات الباب لينفخ في سأم، مشيرًا بسبابته بغضب سافر:
حظك حلو ماجد لحقك مني، بس والله ما هسيبك يا مريم.
قامت بتجهيز الطعام لهم وسط نحيبها وارتجاف جسدها الضعيف من حياتها المريرة البائسة، ذعرها الدائم من قسوة شقيقها ومعاملته الفظة معها.
رحب "مُعاذ" برفيقه بحفاوة، ليبتسم الآخر بتكلف ثم ذهب نحو الطاولة حيثما أشار "مُعاذ" لتناول الطعام.
بعد ثوانٍ، خرجت "مريم" بعدما هندمت ثيابها ومسحت عبراتها الغزيرة، فيكفي ما تشعر به من عذاب يفترسها لقلة حيلتها بما يحدث معها، ذعرها وخضوعها الدائم، ضعف شخصيتها.
استفاقت من اضطراب دواخلها على صوت "مُعاذ" يصك أسنانه ببعض، أقسمت بأنها شعرت بغضبه نحو ارتدائها لملابسها من جديد، لكن لا يهم غضبه فليذهب إلى الجحيم ولا تغضب ربها.
تحدث شقيقها بخشونة:
مريم أختي يا ماجد.
طأطأ "ماجد" رأسه أرضًا ردًا باحترام:
أهلًا وسهلًا بحضرتك.
غمغمت له بالإجابة كابحة قهقهتها على هيئة شقيقها الغاضبة نحو رفيقه لإحترامه الزائد؛ فهو يرغب بأنه يراها ويفعل مايرغب به من شهر وهو يفكر وعندما تسنح الفرصة كل شيء يصبح كالرماد !!
رمقها "مُعاذ" بعيون كالصقر لتبتلع ريقها ثم انتهت من وضع الطعام وركضت نحو غرفتها تحتمي بها من بطشه.
فحمحم قائلًا بنبرةٍ خافتة:
إيه رأيك فيها ياماجد؟
رفع حاجبيه بدهشةٍ ليقول بتساؤل:
مش فاهم رأيي في مين؟
زفر "مُعاذ" بعمق قائلًا بمكر:
هيكون مين غيرها معانا، مريم أختي.
وقف "ماجد" في موضعه بحدة أجاب:
متكملش يامُعاذ، وأنا مرفعتش عيني ناحية أختك علشان عقلك الغبي ده يصور ليك حاجة.
تفوه الأخر بهدوء رغم إرتباكه الشديد من نبرة"ماجد":
مقولتش كده بسألك رأيك فيها وكده بس.
جلس فوق مقعده مرةً أخرى فزفر ليُعاود قوله المستفسر:
برضو عايز اعرف لية السؤال مش فاهم؟
_" بصراحة أنا عازمك علشان تشوف أختي ولو تتجوزها يعني"
قهقه بقوةٍ كأنه أخبره بمزحةٍ للتو فتحدث بخشونة:
لأ، مش عايز ولا حابب أخوض التجربة مرة تاني أو بمعني أصح مش بثق في الستات أصلًا.
هدر به غير عابئًا بوجوده في منزله:
نقي كلامك ياماجد دي أختي مش معني إني بعرض عليك الجواز منها تقول لي كده، عمومًا أنا غلطان ياعم اعتبر مقولتش ليك حاجة.
تنهد قائلًا بنبرةٍ تعقُلية:
مُعاذ متزعلش منى دا أنت يعتبر الوحيد إللى عارف حصل معايا إيه في جوازي الأول فمابقتش بحب الكلام في الموضوع دا.
تحدث بهدوء رغم حنقه البادئ فوق قسمات وجهه من رفضه القاطع نحو شقيقته:
ولا يهمك ياماجد أنا مقدر زعلك وإنك مش حابب تخوض التجربة تاني بس مش كل الستات ياصاحبي زي بعض.
حرك رأسه بالنفي فصاح بعنف:
لأ، الخيانة بتجري في دمهم والثقة مابقتش في قاموسي من ناحيتهم.
قهقه"مُعاذ" قائلًا بيأس من رأس رفيقه اليابسة:
والله ما أنت قايل حاجة تاني أنا استاهل علشان اتكلمت في الموضوع دا معاك.
بعد نصف ساعةٍ من توتر الجو استأذن" ماجد" للمغادرة ، بينما "مُعاذ" تحرك نحو غرفة شقيقته بغضب سافر،
فتح باب الغرفة علىٰ مصراعيه؛ ليطلق شهقة فزع حينما وجدها تجلس علىٰ الأرضية وبيدها مقص وخصلاتها تتساقط من يدها الأخرى، ترمقه بعتاب وعيناها تآبى التوقفعن هطول عبراتها الغزيرة فتحدثت بتحشرج حزين:
ليه بتعاملني بالرخيص أوي كده؟ ليه مش بتعاملني زي أي بنت وتشيلني فوق رأسك وتمني يكون بالغالي؟
عملت لك إيه علشان تتذل لصاحبك وبمنتهى الجرأة تقول له إيه عاجبك في أختي؟!!
لتتابع بذهول ونحيب في آنٍ واحد:
دا أنا سيبت خطيبي الأول علشانك، علشان اقعد معاك اونسك بعد مراتك اللي اتهمتني إني قتلتها، افتكر ليا حاجة أخيرة حلوة عملتها ليك بالله عليك، متخليش قلبك يقسي عليا زي الدنيا ماقست وجات عليا، خلي آخر ذكرى بينا حلوة.
نشـب الذعر مخالبه من حديثها الغامض ليقول بتلعثم:
آ آخر ذكرى بينا إزاي يعني؟
وقفت في موضعها لتترنح في وقفتها جاء ليركض نحوها لتُشير بيدها بأن لا يتحرك أنش واحد فتحدثت بمرارة:
يعني آخر ذكرى بينا يامُعاذ، أنت قلت لي من شوية إنك هتفضل تزهقني في حياتي لحد ما انتحر زي ماخلتها تنتحر صح؟ وأنا هحقق لك أمنيتك دلوقتي.
جاءت لتركض نحو الشرفة، ولم يمهلها للتحرك من موضعها، فدفعها بقوةٍ ثم هرولت وقامت بإلقاء نفسها.
بينما "مُعاذ" حدق بها برعب وعيون دامعة متسعة، وصدر يخفق في عنف؛ فلم يستطع الصمود أكثر ليصيح بصوتٍ عالٍ حتى كادت أن تنقطع أحباله الصوتية من فرط ندائه بها: " مـــريـــم !!!".
رواية انما للورد عشاق الفصل الرابع 4 - بقلم ماهي عاطف
جذبها من رسغها بقوةٍ كي يتحدث معها، لكنها حركت رأسها بنفي.
علمت "فيروز" بأن القادم عاصفة هوجاء تحمل الكثير في طياتها، نظرًا لتحدي "فرح" وغضب "عاصي" من حديثها التي أخبرت بهِ والدته، وأنها ستُغادر البلاد بعيدًا عنهم.
بينما "عنان" زفرت بيأس تاركة إياهم ذاهبة نحو المطبخ، فحينما يحدث مشاجرة تُعد طبقًا من الذرة وتجلس تستمتع بهذا.
صاح "عاصي" بها بعدما استنفذت طاقته بالحديث معها:
اثبتي بقى وكفاية قلة احترام ليا.
رمقته شزرًا قائلة بغضب سافر:
وكان فين احترامك ليا وسط الناس وأنت بتقول لي إني متربتش؟
نفضت يده بقوةٍ بعيدًا عن خاصتها لتتابع بإحتدام:
والا علشان أنت الكبير تتصرف براحتك؟ ابعد إيدك عني مش مسموح لك تلمسني كده.
شهقت "فيروز" بتوجسٍ من عدوانية "فرح" نحو ابنها، مُدركة بأن هناك فجيعة ستُقام لا محال.
أغمض "عاصي" جفونه مُحاولًا السيطرة على ذاته كي لا يفتك بها.
زفر بعمق ليُعاود التُمهل قائلًا بنبرةٍ هادئة:
طب خلاص، حقك عليا متزعليش مني يافرح، أنا افتكرته والله بيضايقك فعلشان كده اتعصبت.
طأطأت رأسها أرضًا فأجابت بعتاب:
لو بيضايقني هجيب حقي وأنت عارف، بس كلامك وجعني أوي حسيت إني مليش سند ولا ناس في الدنيا بعد أبويا وأمي.
شعر بالشفقة نحوها ليتقدم منها، مما جعلها تتسع عينيها مُبتلعة ريقها من قُربه المُهلك لقلبها العاشق له.
وضع يده فوق ذراعها قائلًا بحنوٍ أخوي:
أنتِ مش بنت عمي بس يافرح.
اتسعت ابتسامتها لتتحدث بداخلها مع ذاتها:
ياربّ يقول أنتِ حبيبتي يافروحة ياربّ.
مُغمغمًا بخفوت:
أنتِ بنت عمي وأختي الصغيرة، صدقيني عمري ما فرقت بينك وبين عنان.
لتتلاشا سعادتها ويُعاود لديها الشعور بالحزن من حديثه المخترق لقلبها.
سحقًا بما تشعر به من خيبة أمل واستسلام مخزي لحياتها البائسة وقلبها!
ومن جهة أخرى ذكرياتها السعيدة وعشقها له الذي يشعل النيران في صدرها وتآكلها حتى النهاية!
ابتلعت غصّة مريرة نتيجة حديثه فابتسمت بتكلف قائلة بخفوت:
ربنا يخليك ياعاصي، بس معلش هرتاح أكتر لو مشيت وسافرت برا مصر.
لتُسرع "فيروز" بقولها الحاد:
مش هتمشي يافرح والله ماهتمشي، حتى لو فيها موتي.
تشنجت ملامح وجهه بقسوة قائلًا بعصبية:
بس ياماما اسكتي، واتفضلي جوه عند عنان.
رمقت "فرح" بعتاب ثم غادرت دون قول حديثٍ آخر.
بينما "عاصي" سحب نفس عميق مُحاولًا التمهُل أكثر كي لا يعنفها لرأسها اليابسة تلك.
قائلًا بنبرةٍ هادئة:
هتسافري لية ولمين يافرح؟ أنا اعتذرت منك و لو بتحبي ماما اقعدي، ووعد منى مش هتكلم معاكِ ولا انصحك تاني طالما مش بتتقبلي النصيحة، بعد إذنك.
تركها في حيرة من أمرها مُتسألة ذاتها هل تبقي أم تغادر؟
لا تعلم، لكنها مُدركة جيدًا بأنه لا مفر من نسيانه مهما ابتعدت عنه يظل حبه كالسُم في قلبها المهترئ!
أطلقت زفرة محملة بالأوجاع مُلتقطة حقيبتها استعدادًا للمغادرة غير عابئة بحديثٍ أحد.
زفرت بحنق حينما استمعت لنداء "عنان" قائلة بنحيب:
علشان خاطري متمشيش يافرح، مليش حد اتكلم معاه ولا احكي له مشاكلي غيرك.
التفتت لها لتتسع عينيها بدهشة من عبراتها الغزيرة لتقول بتلعثم:
عـ عنان أنا...
بترت حديثها برجاء:
اوعدك والله هروح لدكتور نفسي زي ما كنتِ بتقولي لي وهعمل كل حاجة عايزاها والله، بس متمشيش.
مسحت عبراتها المتساقطة لتتابع بسعادة وتهللٌ:
طب اقولك على خبر هيفرحك ويجبرك تقعدي؟
نظرت إليها بتساؤل تُحثها علىٰ تكملة الحديث مُضيفة بعيون لامعة بشغف:
عثمان زميلي في الكورس اتقدم لي وأنا مبسوطة أوي علشان دلوقتي هقدر اخد ميعاد من عاصي.
تلاشت "فرح" بريق عينيها نحو الحديث الذي وقع على مسامعها لتقول بعدوانية:
قلتي لحد؟
قهقهت "عنان" قائلة بتوجسٍ مصطنع:
أنتِ أول حد ياكبيرة.
اقتربت منها مُعانقة إياها بسعادة رابتة فوق ذراعها بحنوٍ، فابتعدت عنها قائلة بإنشراح:
مبسوطة أوي ليكِ ياعنان، ربنا يكمل ليكِ على خير ياحبيبتي ويرزقك بالسعادة دايمًا ياربّ.
ابتسمت لها بإمتنان لتستطرد الأخرى بشيء من الحدة:
هقعد، بس لو أي إساءة تاني حصلت لي همشي بجد.
أومأت لها بلهفة ثم امسكت بالحقيبة واليد الأخرى بيد "فرح" ثم دلفا إلىٰ الغرفة مرةً أخرى، غافلين عن الأعين التي تراقبهم بإبتسامة لعلاقتهم القوية المحببة لأي شخصٌ يراهم، متواعدًا بداخله نحو "عنان" لحديثها الخفيّ هذا.
***
كانت مشدوهة ملجمة اللسان لا تستطيع الحركة والحديث، رغمًا عنها فرت دمعة حارة من عيناها، ظلت تلطم وجنتيها بقسوة كأنها فقدت أعز الأشخاص لديها للتو!
ضربت بقبضتها الملاءة مُطلقة صرخة تحمل الكثير والكثير.
يكفي عذابٌ يتفرس بين طياتها حتىٰ أصبح كأنين باهت تفوح منه رائحة الموت!
فُتح الباب علىٰ مصراعيه ليدخل "فريد" لاهثًا نتيجة ركضه حينما استمع لصراخها بالأسفل.
جلس بجوارها فوق الفراش قائلًا بلهفة:
مالك ياورد، أنتِ كنتِ بتحلمي والا إيه؟
حركت رأسها بنفي متفوهة بنحيب وتلعثم:
أنا عايزة امشي من هنا في عفاريت، والله في عفاريت.
أغلق جفونه متنهدًا، لاعنًا ذاته بما فعله معها لكن لا بيده حيلةٍ ليفعلها فحُبه لها أصبح كاللعنة المصاحبة أينما كان!
عاد إليها الخوف مرةٌ أخرى ليدب في أعماقها بأشد صورة كلما نظرت نحو جسدها المليئ بالكدمات الزرقاء لترتجف كورقةٍ خريفية وحيدة فوق غصن شجرة في مهب الريح.
قائلة بتوجسٍ:
بالله عليك خليني اروح عند خالتي مش عايزة اقعد هنا، بص جسمي مليان علامات إزاي؟
لتتسع عينيها مُغمغمة بخفوت:
ومش بحس بحاجة خالص، ولا بفتكر حصل إيه معايا، ومين اللي عمل فيا كده؟
نهض من موضعه حينما وجدها تُعاني بهذا الشكل الموجع، ألمًا مفرط اجتاح كل خلية بجسدهُ، روحهُ تتمزق، عبراتها أمامه تحولت إلىٰ قطع زجاج تشحذ صدره.
اقترب منها هامسًا بنبرةٍ هادئة وأخرى مُراوغة كأنه لم يفعل شيء مطلقًا:
حقك عليا ياورد من كل حاجة، خلاص اهدي وقومي البسي نروح للدكتور نشوف إيه سبب الكدمات دي.
حركت رأسها بذعر ناظرة يمينًا ويسارًا مما جعله يتسأل هل جنت أم ماذا!
أشفق كثيرًا لهيئتها المذعورة تلك فتحدث بهدوء نسبي:
هوديكي للدكتور وبعدين نيجي نحضر الشنط علشان نسافر شرم زي ما أنتِ عايزة، اتفقنا؟
لم تجب، فقط حركت رأسها بإيماءة لتهبط الدرج خلفه.
أخبرها بالانتظار بالخارج ثم تحرك صوب المطبخ ليجد "سعاد" تقبع فوق المقعد شاردة، لكنها فزعت مُبتلعة ريقها.
حينما وجدته أمامها ليقول بخفوت مُشيرًا نحو البراد:
ادلقي عصير البرتقال ومتديش ورد حاجة تانية غير بأمر مني، فاهمة؟
أومأت له بلهفة ثم غادر دون أن ينبث بكلمة أخرى معها.
بينما هي وجدت هاتفها يُنير فابتسمت بسعادة ثم أخذته وخرجت تتحدث بالخارج غير عابئة بحديثه والعواقب الوخيمة التي ستحدُث!
****
طرق الباب بخفة فلم يجد إجابةٍ فتنهد بيأس ثم وضع يده فوق المقبض، دلف ليجد هدوء منبعث من الغرفة إلاّ صوتٍ ضجيج يصدر من الشرفة.
تسحبَ ببطء ليجد "فرح"، وشقيقته "عنان" صوت القهقهة يملئ المكان.
فاقترب من موضعهم ليرى بالأسفل رجلٌ ذو جسد نحيف يقف بجوار زوجته الثمينة ويغمرها بالمياه عنوةٍ وعلامات الغضب فوق قسمات وجهها.
فكبح قهقهته مُحمحمًا ليخرج صوته الصارم:
ممكن افهم بتضحكوا على إيه أوي كده؟
ارتجفا كلتاهما لتبتسم "عنان" ببلاهة قائلة بتلعثم:
مـ مافيش حاجة ياعاصي، كنا بندردش عادي.
نظر نحو "فرح" ليجد ملامحها المتهجمة، فزفر بعمق مُوجهًا حديثه لها بنبرةٍ هادئة:
فرح عايز اتكلم معاكِ، ممكن؟
رمقته بإستغراب جليٍ فوق قسماتها، فأومأت له مُتحركة معه نحو الخارج، بينما هو ظل يهدئ من ذاته وملامحه الحادة القاسية فمن يراه يهابهُ.
وقفت معه بالأسفل أمام البار الخاص بالمشروبات ليجلب لها العصير المفضل لديها فابتسمت بسعادة لإهتمامه بأمرها، ثم تلاشتها مُسرعة ليحل محلها الوجوم مرةً أخرى.
بينما "عاصي" ابتسم على هيئتها فتحدث بدعابة:
لأ بقول لك إيه اضحكي ما تحسسنيش إني واخدك غصب.
شق ثغرها ابتسامة صغيرة فتابع بمشاكسة:
أخيرًا ضحكتي، بصي الشمس طلعت إزاي؟
تسألت هل لو اقتربت منه الآن وقبلته فوق شفتيه سيغضب أم ماذا؟
لعنت ذاتها لتفكيرها الوقح هذا، لكن ماذا تفعل فهو وسيم، ملامحه الرجولية تجعلها تعشقه بشدة.
لتستفيق على صوته بنفاذ صبر:
فرح مش كل مكان هنروح فيه هتفضلي سرحانة، قبل أي تفكير وشرود حابب أعرف منك عن عثمان إللى عنان بتحبه، الدكتور النفسي إللى عايزاها تروحه.
ضاقت حديقتيّ "فرح" بغرابة من سؤاله وردت عليه بعدما أطرقت رأسها بخجل فهو استمع لحديث شقيقته معها:
عثمان زميلها في الكورس بقاله أربع شهور، حاول يكلمها علشان يجي يتقدم بس أنت كل مرة بتكون مشغول؛ فهي بترفض تدي ليه ميعاد، لما عرف إننا مسافرين استجمام وكده فقال إنها فرصة يعني كويسة علشان يتقدم.
فتنهدت شارحة له ما حدث مع "عنان" منذُ فترةٍ مضت:
بالنسبة للدكتور النفسي من تسع شهور تقريبًا دخلت في حالة اكتئاب وكان في تخيلات بشعة بتحصل ليها، روزا قالت إنها لازم تروح لدكتور نفسي بس هي رفضت ولما جيت أنا أحاول معاها رفضت وفضلت تتخانق معايا علشان افتكرت إن إللى بيروح ليهم بيكون مجنون وهما بيعالجوه.
شعر بالوجع نحو شقيقته الصغرى كيف يمكث معها بذات المنزل ولا يعلم أي شيء عنها!
تحدث بمرارة كابحًا الكثير بداخله من تأنيب ذاته:
طب ودلوقتي يافرح ممكن نعمل إيه يعني يخرجها من الوحدة والاكتئاب؟
شعرت بحزنه الدفين فتلاشت حزنها نحوه لتقول بحماس جَليٍ في نبرتها:
لأ متقلقش خالص والله، الحل بسيط جدًا وهو إنك توافق تقابل عثمان، وهي وعدتني إنها هتفكر في موضوع الدكتور ونروح سوا.
اتسعت ابتسامته قائلًا بإشادة:
شكرًا يافرح، بجد شكرًا.
رفعت حاجبيها لتقول بغيظ مكتوم:
متقولش شكرًا، عنون دي أختي.
قهقه ليقول بدعابة مُقتربًا من مقعدها قليلًا مما جعلها تطلق شهقة ذعر:
طب وبالنسبة إني أخوكي وكده، عايز اقول لك على موضوع وتساعديني فيه.
ابتلعت غصّة مريرة لتقول بإبتسامة زائفة:
اتفضل ياسيدي قول.
تنهد قائلًا بلهفة ولهجة جعلتها ترغب في البكاء من شدة وجعها لفقدانه:
طبعًا أنتِ عارفه ورد بنت خالتي صح؟
لتؤمى له بعينيها مُستكملًا بخفوت:
بقالي فترة بقنع ماما تخطبها لي وكل شوية تقول استني وبصراحة اتخنقت ومش قادر اصبر.
أزدرد لُعابها بصعوبة فغمغمت بصوت لا حياة فيه:
والمطلوب مني إيه ياعاصي؟
اهتزت حدقتاه بتردد متفوهًا بنبرةٍ خجولة بعض الشيء:
هي بتحبك وبتحب تقعد تحكي لك حاجات كتير مش بتحكيها لعنان حتى، فعايزك تقنعيها يعني توافق وتروح معايا نخطبها.
صمتت فلا تستطيع مجارته خاصةً في هذا الحديث، اقسمت بأنها ستموت لا محال من تفاقم الضغط عليها، شعرت بإهتزاز الأرض أسفلها لتغمض جفونها بإرهاق شديد.
فجأةً شحب وجهها لا إراديًا، ثم ترنحت في وقفتها ليُسرع "عاصي" بإحاطة جسدها بلهفة قائلًا:
مالك يافرح أنتِ تعبانة؟
حركت رأسها بنفي مُغمغمة بنبرةٍ خافتة:
لأ، بس شكلي هاخد برد.
"برد في الصيف إزاي؟ وبعدين إيدك بتترعش كده ليه؟ تعالِ نروح عند الدكتور أحسن نطمن."
أسرعت بقولها على عجالة:
لأ لأ أنا هطلع ارتاح بس شوية وهبقي كويسة بإذن الله.
جاءت لتُغادر فتحدث بصرامة جعلتها تصمت عن هرتلتها في الحديث معه:
من غير نقاش هطلع معاكِ لحد الأوضة وهسلمك لعنان علشان أكون مطمن أكتر.
زفرت بيأس ثم سارت بجواره، ظلت ترمقه بنظراتٍ هائمة فلم تسنح لها الفرصة لإرتشاف ملامحه أكثر من هذه اللحظة، تمنت لو فارقت الحياة الآن وهو بجوارها ومعها تنعم بوجوده.
****
تنهد بإرتياح حينما انتهى الطبيب من فحصها ثم أخذ بيدها وسار علىٰ عجالة وسط اندهاشها، لكنها لم تُعاير الأمر أهمية بتاتًا.
بعد ساعة ترجل من سيارته وقام بفتح الباب لها، ركضوا حينما استمعوا لصراخ قادمًا من الداخل.
دلف ليجد والده يقفز في موضعه كأنه جن!
اقترب منه بلهف قائلًا بلهث:
في إيه يابابا، بتصرخ ليه كده؟
تفوهه "محمود" بسعادة:
أمك ماتت يافريد، ماتت أخيرًا.
اتسعت عيني "فريد" علىٰ مصراعيها من هول ماسمعه مُبتعدًا للخلف فتحدث بعدم تصديق:
لأ أنت أكيد بتهزر يابابا صح؟
لم يجد إجابة فركض صوب المطبخ، وجد والدته مرتمية فوق الأرضية وبجوارها "سعاد" تبتلع ريقها بذعر مما يحدث.
جثا على ركبتيه بجوارها، تساقطت عبراته بغزارةٍ فوق وجنتيه كطفلٌ صغير فقد والدته للتو!
اقتربت منه "سعاد" فأردفت بنفاذ صبر مما يحدث حولها:
حضرتك بقالي ربع ساعة بَفهِم أستاذ محمود إنها نايمة وهو عمال يقول ماتت أخيرًا ماتت، طالما بيكرهها أوي كده وعايزها تموت متجوزها ليه، مش فاهمة؟
مسح عبراته مُقتربًا منها ليقول بنبرةٍ جامدة:
عرفتي منين إنها نايمة بس؟
أزدرد لُعابها بصعوبة، داعية ربها أن يمر هذه اللحظة دون حدوث عوائق ومشاجرة.
فطأطأت رأسها أرضًا قبل أن تُعقب بإيجاز:
أصل يعني، أصل هي شربت من عصير البرتقال بتاع الست ورد.
شدد علىٰ خصلاته كاد أن يقتلعهم بيده من شدة الضغط ليتنفس بإرتياح فتحدث بصوت فحيح:
مش قُلت ترميه في الزفت، أنتِ إيه مافيش فهم خالص؟
ابتلعت اهانته لها فردت بتحشرج حزين:
الله يسامحك، والله جيت ادلق العصير زي ما حضرتك قُلت، راحت قالت لي لأ هاتي منه كوباية.
شعر بزيادة حنقه نحوها ليقلل من حدته قائلًا بآسف:
متزعليش ياسعاد حقك عليا، أنا بس اتخضيت لما لاقيت ماما كده، روحي أنتِ بيتك دلوقتي، خدي اجازة أسبوع نكون رجعنا من شرم، هتلاقي ظرف سبته ليكِ الصبح على السفرة خُديه.
ابتسمت له بإمتنان ثم غادرت أمتثالًا لأوامره، بينما هو حمل والدته وصعد بها الدرج رامقًا والده بغضب شديد لأفعاله البلهاء تلك.
بينما "ورد" جلست فوق الأريكة كابحة قهقهتها بصعوبة لرؤية ما حدث وحينما صعد بوالدته أطلقت ضحكتها الرنانة مُتناسية آلامها المكبوتة ووجع جسدها، غافلة عن الأُذن المستمعة لها بتمعنٍ كطربٍ لغنوة، وإبتسامة عاشقة زُينت محياه مُتمنية السعادة الدائمة لها.
بعد ثلاثة ساعات شعر بالاطمئنان نحو والدته ثم هبط الدرج ليجد والده الغضب يعلو وجهه فتنهد بيأس، بينما "ورد" صامتة في مقعدها فهي تعلم بأن الحديث لا يصح بتاتًا في هذا الوقت.
تقدم من "محمود" يجلس بجواره قائلًا بدعابة:
يعني أول ما ماما تقع تفتكر أنها ماتت؟ ياعم طلقها وخلاص.
ابتسم والده ليقول بإمتعاض:
فرحت والله يابني قلت أخيرًا خلصت منها.
قهقه "فريد" مُغمغمًا بإرتياح:
الحمدلله صحيت وبتاخد شور كمان.
ثم نظر نحو "ورد" لينتشلها من شرودها بقوله الهادئ:
ورد اطلعي جهزي شنطك يلا علشان هنتحرك بعد ساعتين بإذن الله.
أومأت له في صمت ثم صعدت، بينما "فريد" نظر نحو طيفها مُتنهدًا ثم صعد هو الآخر كي يوضَّب حقيبته.
***
اجتاح قلبه ألم هائل فأنهار عالمه وأصبح كجسد موتى بعد فراق شقيقته، كأنه اكتوي ألمًا ووجعًا كلما تذكر دموعها ورجائها كي يتركها وشأنها لكن لا جدوى!
ظل حبيس بمنزله لم يخرج، تُقيده أصفاد الندم بلا رحمة، أصبحت التعاسة كرفيق له، ماكثًا في غرفتها الصغيرة طوال الوقت، ينظر لكل شيء خاص بها مُتخيلًا ماذا كانت تفعل هُنا وهُناك.
ابتسامة مرارة اعتلت ثغره حينما أخبرته ذاك اليوم بتذكّرٍ لحظاتهم سويًا.
لم يرغب بها وبوجودها من الأساس فعن أي لحظاتٍ تتحدث؟
استمع لصوت الباب يطرق فتحرك نحوه بخذلان وهيئة مزرية؛ فوجد رفيقه "ماجد" الذي عانقه بشفقةٍ رابتًا فوق ذراعه بقوةٍ.
جلسا فوق الأريكة ليقول بحزن نحو رفيقه:
عامل إيه دلوقتي يامُعاذ؟
رفع يده بإستسلام مخزى قائلًا بيأس:
زي ما أنت شايف ياصاحبي عايش، هعمل إيه يعني.
تنهد "ماجد" مُجيبًا بنبرةٍ هادئة:
شد حيلك ياغالي، متخليش الحزن يلازمك، هون على نفسك علشان مريم حتى.
تحدث بنحيب وعبراته تتساقط بغزارة:
علشان مريم؟ اللي كنت السبب في موتها؟ والله متستاهلش إني اكون أخوها، مريم شافت كتير مني أوي آخر أيامها، كتير أوي ياماجد.
استطرد "ماجد" بجدية:
وهي والله مش زعلانة منك، على حسب كلامك يعني إنها مكانتش بتزعل من حد؛ فتخيل بقى لما يكون أخوها الكبير؟
وقف في موضعه مُستطردًا بدعابة كي يقلل من حزنه البادئ علىٰ قسمات وجهه:
أنت بخيل ليه كدا؟ مافيش ماية حتى جبتها لي، ماشي هطلع أنا الجدع يعني؟ هنزل اجيب فطار لينا علشان جعان أوي وهعمل حسابك معايا، مش هتأخر عليك.
أومأ له دون حديثٍ فتحرك للمغادرة، لكنه استدار عائدًا ركض حينما استمع لصوت يرتطم فوق الأرضية بقوةٍ فوجده "مُعاذ"!
ظل يضرب فوق وجنته برفق لكن لا جدوى.
قام بإحضار الطبيب ليفحصه فتقدم منه مُستطردًا بآسف:
البقاء لله، شد حيلك.
ارتمى بجسده فوق المقعد بجواره لا يصدق ما وقع على مسامعه فهو كان يتحدث معه قبل قليل!
لا يصدق ما حدث بتاتًا، اقترب من فراشه ليقول بحزن دفين:
الدنيا صغيرة أوي يامُعاذ، أنا عارف إنك ارتاحت دلوقتي لما روحت لأختك، ربنا يرحمك ياصاحبي ويصبرني على فراقك.
رواية انما للورد عشاق الفصل الخامس 5 - بقلم ماهي عاطف
شعرت بوجعٍ حاد شديد في الأمعاء.
وضعت يدها فوق فمها لمقاومة هذا الغثيان الذي انتابها فجاةً لا تعلم سببه.
صرخت متأوهةٍ بصُحبةِ الدموع الغزيرة.
هرولت "كوثر" نحوها حينما استمعت لصراخها.
اقتربت منها مُتحدثة بتوجسٍ لأولِ مرةٍ نحوها:
مالك يابت ياورد بتصرخي لية؟
قبضت بيدها فوق الملاءة فأجابت بنبرةٍ باكية:
بطني، بطني يامرات عمي وجعاني أوي، مش قادره حاسة إني بموت، خديني للدكتورة بالله عليكِ.
صاحت بها فلم تعد قادرة علىٰ الصمود أكثر.
هاتفت زوجة عمها "فريد" الذي وقع الخبر علىٰ مسامعه كالصاعقة وجاء راكضًا من عمله.
مر بضعٌ من الوقت قام الطبيب بفحصها ثم خرج إليهم.
فركض "فريد" نحوه الذي تغلغل القلق داخل أوصاله من الانتظار.
ليتحدث الطبيب بنبرةٍ هادئة:
مبروك يا أستاذ فريد المدام حامل في الشهور الأولى.
أطلقت "كوثر" شهقة فزع لتقول بتلعثم بعدما استوعبت الأمر:
ح حامل إزاي؟
بتر "فريد" حديث الطبيب ليُسرع بقوله:
الله يبارك فيك يادكتور، اتفضل.
أشار بيده نحو الدرج؛ ليهبط مع "سعاد" التي جاءت للتو.
بينما هو جاء ليدخل الغرفة كي يطمئن عليها.
فأمسكته والدته من يده بقوةٍ قائلة بإحتدام:
البت دي حامل من مين يافريد؟
لم يجد إجابةٍ فأردفت بنبرةٍ قوية تحمل التحذير:
لو مقولتش ليا الحقيقة ورحمة الغاليين هطلع سُمعة زفت عليها ولا هيهمني حد.
لم يعبئ بكونها والدته فصاح بفحيح:
جربي تتكلمي نص كلمة بس عليها وهتشوفي هعمل إيه ياكوثر.
رفعت حاجبيها مُستطرة بدهشة:
أنت بتهددني؟ بتهدد أمك علشانها؟
نظر أمامه بجمود مُتابعًا بقوة:
واعمل أي حاجة فأي حد ينطق بكلام يخص أم ابني بالباطل.
اتخذت خطوةٍ للخلف مُحركة رأسها بنفي من حديثه الذي اخترق أذنيها.
رغمًا عنها فرت دمعة حارة من عيناها لتلطم وجنتيها بقسوة:
يخربيتك عملت فيها كدا ليه؟ منك لله يابني. مين اللي هيرضي يتجوزها بعد عملتك دي؟
أجاب بلا مُبالة كأنه لم يفعل شيء بتاتًا:
ما أنا عملت كدا علشان محدش يتجوزها أصلًا، فكفاية صريخ بقى وبلاش تكسري فرحتي، نتكلم بعدين يعني.
تركها ثم تحرك نحو غرفة "ورد".
لتنظر نحو طيفه بخذلان ووجع لأولِ مرةٍ تشعر بالشفقة نحوها.
بالداخل هزت رأسها رافضة لحديثه ودموعها انسدلت بشدة فوق وجنتيها.
تراجعت للخلف تضم ساقيها إلىٰ صدرها، مطبقة جفونها؛ لتعتصر عيناها ألمًا من حديثه الذي شطر قلبها لنصفين وكأن لها يد بما حدث لها.
اقترب من مجلسها لتنفض يده بعيدًا عنها لتقول بشراسة:
حامل إزاي مش فاهمة، رد عليا بقولك.
علم بأن القادم عاصفة هوجاء تحرق الأرض واليابس في طياتها.
فتابعت بتلعثم بعدما لم تجد إجابة منه كأنه بات كالصنم:
أ أنت بتقول إيه؟ وكلام الدكتور دا مش فاهـ ...
لتشهق بذعر حينما لمحت بعينه بريق السعادة فاتضح الأمر لها:
هو أنت اللي ...
بتر حديثها حينما طبع قبلة مطولة فوق رأسها مُبتعدًا عنها قائلًا بإيجاز:
آه ياحبيبتي أنا، ما هو مش معقول يعني يكون غيري.
اتسعت بؤبؤة عينيها لترمقه بإشمئزاز قبل أن تُعقب بنحيب:
يا حيوان يا ...
وضع يده فوق ثغرها مُجيبًا بصرامة:
قلة أدب مش عايز، اللين منفعش معاكِ فلجأت للعنف، والأصول بتقول إني معنديش غلط في كدا.
لطمت وجنتيها لتصيح بهِ بقوةٍ:
منك لله عملت فيا ليه كدا؟ أنا عملت لك إيه؟ يخربيتك دا أنا بنت عمك.
يعي بصياحها ليناطحها بقوله البارد مما جعلها ترغب في الفتاك بهِ:
بقول لك إيه العصبية في الحمل مش كويسة، ريلاكس كدا ياحبيبي وآه أنا عايز ولد ويكون فرفوش زي أبوه، مش بنت نكدية زيك.
قهقهت كأنه أخبرها بمزحةٍ لتتفوه بإستهزاء:
دا لو الحمل كمل بقى.
تنهد قائلًا بنبرةٍ جعلتها ترتجف من قوتها:
ومش هايكمل ليه ياحبيبتي؟ معقول بتفكري تلعبي بعداد عمرك معايا؟ أعتقد لأ فعلشان كده اهدي وبطلي تفكير سطحي ومتخلف.
ركضت نحوه تمسكه من تلابيب قميصه مُجيبة بعدوانية:
هاقتلك يافريد والله لهقتلك.
زفر بيأس محاولًا الابتعاد عن قبضتها فتحدث بحنق:
ورد بطلي بقى تهديد والشغل دا مش بحبه يابيبي.
رمقته بصدمة ثم جلست فوق فراشها مرةً أخرى لتقول بنبرةٍ حزينة وعدم استيعاب للأمر بعد:
أنا مصدومة فيك بجد إزاي قادر تكون بوشين؟ بتتعامل حلو وبإحترام ووش خسيس بان على حقيقته بعد عملته الحقيرة.
لتتابع بدهشة كلما تذكّرت توجسه نحو مرضها:
يعني الخوف ونظرات القلق دي كلها كدب؟ طب ليه عملت فيا كدا؟ ليه خلتني غضبت ربنا لــيــه؟
بكت بقوةٍ لقد تحملت الكثير والكثير من المعاناة والآلام معه، والآن يُخبرها بأنها تحمل بين أحشّائها جنينه، ألّا يكفي.
شعر بوجعها المكبوت بداخلها، بخوفها منه وكأنه كأشواكٍ تخربش فوق جروحه المؤلمة، الشعور بالشفقة نحو هيئتها المزرية، نحو ذاته بالتقزز من فعلته الشنيعة تلك.
ليبتلع ريقه قائلًا بجمود عكس ما بداخله:
لمي الدور مش عايز غلط، وآه أنا بوشين ارتاحتي كده ياورد؟
مُستكملًا بتهديد مُشيرًا نحو أحشّائها:
وهقول تاني لو حصل إنك سقطتي غصب أو بإرادة ربنا مش هخليكِ تتهنى بحياتك، سامعة.
جاء ليُغادر فأستدار نحوها بلهفة حينما استمع لندائها له.
تبادلا النظرات للحظاتٍ كانت كالدهر لكلاهما قبل أن تردف بصوت متحشرج حزين:
قول لي عملت كده إزاي؟ وإزاي بصحي مش بفتكر أي حاجة خالص؟
جلس فوق الفراش امامها شارحًا لها ما فعله في الفترة الماضية:
بحط برشام مفعوله قوي في عصير البرتقال قبل ما تنامي بحجة إن بابا طلب منك تشربيه، بس كل حاجة بتم في أوضتي مش هنا وقبل نص ساعة بجيبك أوضتك ولا كأن حاجة حصلت.
اهتزت حدقتاه بتردد مُردفًا بإرتباك:
ومافيش هنا عفريت ولا حاجة الكدمات دي أنا اللي بعملها.
أومأت له بهيئة لا حياة فيها.
انتفض ذعرًا مُرتسمًا القلق علىٰ محياه حينما لاحظ شحوب وجهها وارتخاء جسدها.
لكنها أشارت بيدها صائحة بهسترية:
اطلع بره يافريد دلوقتي علشان لو فضلت هنا اقسم بالله ما هتلمح طيف اللي في بطني دا ولا طيفي حتى.
أومأ لها علىٰ مضض مُبتلعًا ريقه بتوجسٍ من حديثها عن فقدانها وفقدان جنينه الأول.
ثم غادر دون أن ينبث بكلمةٍ معها.
بينما هي ظلت تبكي بقوةٍ وتدعو الله أن يغفر لها ما حدث دون إرادة منها.
فمسحت عبراتها لتردف بقوةٍ وتوعد:
وحيات دموعي اللي مش فارقة مع أي حد فيكم دي لهخليكم تعيطوها دم، خصوصًا أنت يافريد الكلب.
شعر بوخزةٍ مؤلمةٍ شقت صدره لنصفين حينما وجدها تنفر من وجوده، رافضة له ولإعطائه فرصة أن يقتحم قلبها بعشقه لقلبه الهائم لها بجنون.
كلما تذكّر دموعها أراد ضمها بكل قوة حتى يشبع روحيهما معًا؛ لكنه توقف حينما رأى نظرات النفور والأشمئزاز نحوه.
زفر بسأم راغبًا في التمهُل كي يقتحم قلبها فيما بعد بعشقه النازف لها.
نظر خلفه لتتسع عيناه حينما وجد شقيقه "ماجد" يهبط الدرج مُبتسمًا له فاقترب من موضعه؛ ليعانقه بشدة رابتًا فوق ذراعيه.
ثم جلسا في غرفة المعيشة ليتحدث "فريد" بسعادة:
مش معقول بجد، أنت هنا من امتي؟
أراح ظهره مُجيبًا:
وصلت بقالي ساعتين يدوب غيرت ونزلت، بس مش لاقي لا ابوك ولا امك ولا ورد حتى، هو في إيه؟
_"تلاقيهم خرجوا، المهم حمد الله على السلامة."
تفوه "ماجد" بإمتنان ودهشة في آنٍ واحد:
الله يسلمك يافريد، مالك أنت كنت بتعيط والا إيه؟
تنهد طويلًا قبل أن يُعقب بخفوت:
الحمدلله على كل حال.
رفع حاجبيه قائلًا بعدم تصديق لحديثه الخفيّ:
لأ التنهيدة دي وراها كلام غامض كتير، تعالي احكي ليا.
اصطحبه نحو الخارج حيثما الهواء النقي، الهدوء الليلي والسكون الذى نأوى إليه كل ليلةٌ، يتجمع ما بنا من أحزان وآلام موجعة، وصرخات دموع وذكريات مؤلمة.
جلس فوق المقعد ينظر نحو شرفتها بشرود مما جعل شقيقه يقول بتساؤل:
لسه بتحبها يافريد؟
نظر له مُتماسكًا قبل أن يذرف الدموع مُخبرًا إياه بوجع:
هيفرق ياماجد؟ ما خلاص اللي حصل حصل.
نبرته تدل على شيء واحد وهو الافتقاد لتبادل الشعور ليربت فوق ذراعه قائلًا بدعابة:
إيه النكد ده ياعم، بقي أنا سايب بنى سويف وجاي القاهرة علشان الاقي المنظر دا؟ هو دا الاستجمام اللي جاي أعمله؟
ليتابع بمشاكسة:
وبعدين إيه اللي حصل يعني؟ ما هي لسه زي ما هي قاعدة أهو مش متجوزة ولا حاجة، ماتتقدم لها والا مكونتش نفسك لسه؟
ابتسامة باهتة اعتلت ثغره مُجيبًا بنبرةٍ حزينة:
لأ حصل كتير يا ماجد، واللي حصل عمر ما ورد هتسامحني عليه، كنت فاكر إن خلاص كدا هتبقي ليا برضاها، روحت بغبائي وتسرُعي بوظت الدنيا.
رمقه بعدم فهم فأردف بإستفهام:
لأ معلش كده فهمني عملت إيه؟ وليه بتقول كده؟
طأطأ رأسه أرضًا ليُسرد عليه ما حدث؛ مما جعل عيني "ماجد" تتسع من هول صدمته بشقيقه، هو الآخر مُذنب مثله لكنه لم يفعل شيء يغضب ربه.
تنفس بعمق مُحاولًا التريُث كي لا يعنفه لفعلتِه بأبنة عمهُ؛ لكنه يعلم جيدًا حبه لها منذ الصغر؛ فأراد الوقوف بجواره والاستماع لمعانته دون اللجوء للقسوة معه.
عانقه حينما لمح عيناه على مشارف هطول الدموع مما يُعانيه من عذابٍ قاسٍ يفترسه؛ ليربت فوق ظهره كي يهدئ من ذاته قليلًا.
ليقول "ماجد" بغموض استغربه شقيقه:
تحس إن الإنسان دايمًا عايش في حالة اللاوعي مش مدرك هو بيعمل إيه ولا بيفكر إزاي أصلًا، يعني أنت ندمان على اللي عملته في ورد.
ليستكمل بتأنيب ذاته:
وأنا ندمان إني مشيت ورا عقلي مش قلبي لما فكرت إن بجوازي هاقدر أحل أي مشكلة، لما افضفض لحد ومكتمش جوايا بس طلعت غلطان، أديت الأمان لواحدة متستاهلش الحلو اللي عملته علشانها وكل دا ليه؟ علشان مش بخلف تخيل.
شهق "فريد" مُردفًا بعدم تصديق:
أنت اتجوزت من ورانا؟ يخربيتك إزاي تعمل كدا؟
قهقه الأخر مُجيبًا بإستخفاف:
دا على أساس إنك شيخ جامع؟ ما أنت زاني يعني داخل النار بصاروخ.
_"يا نهار أسود يا نهار أسود إيه إللى سمعته دا؟"
نظروا نحو الصوت ليجدوا "كوثر" تقف بأعين متسعة كأنها استمعت للحديث الذي دار بينهم للتو.
لطمت وجنتيها متفوهه بعصبية وهي تشير بسبابتها نحوهم:
يا عيني على رجالتي اللي هما المفروض يكونوا سند ليا.
واحد متجوز في السر ويا عالم عمل إيه تاني وهو في الغُربة.
لتتابع بجنون وإحتدام: والتاني خلي بنت عمه تحمل منه غصب عنها علشان يضمن إنها متروحش لغيره، وابوكوا المدهول على عينه لا باخد منه حق ولا باطل، منكم لله على كسرة قلبي وحزني على تربيتكم، منكم لله ياولادي.
تحدثت بهذا الحديث ثم تحركت للأعلى صوب غرفتها.
بينما كليهما ظلا في موضعهم والحزن يتملك بهم من فعلتهم البشعة وحديث والدتهم القاسي لهم.
انتهت من رياضة الركض ثم صعدت لأعلى كي تبدل ثيابها.
فوجدت باب غرفة زوجة عمها مواربًا؛ فاقتربت بخطوات متأنية.
حينما استمعت لصوت قهقهات صاخبة؛ اختلست النظر إلى من في الغرفة لتجد "عاصي" بصُحبة شقيقته "عنان" في جوء محبب مليئ بالحنان فابتسمت لهيئتهم تلك.
ثم جاءت لتتحرك فأستدارت مرة أخرى بلهفة عندما استمعت لحديث "عاصي" المليئ بالحماس:
يعني خلاص اجهز للحفلة علشان عيد ميلاد فرح الأسبوع الجاي؟
كبحت شهقاتها وعبرات الفرحة التي شعرت بها من حديثه عن يوم ميلادها.
إذن من وجهة نظرها يُكن لها مشاعر حب واهتمام.
اتخذت خطوة للخلف حينما لمحت "عنان" تخرج من الغرفة ثم ركضت هي نحو غرفتها قبل رؤية أحد لها.
امسكت بهاتفها كي تُهاتف "نيرة" التي أصبحت صديقتها عبر الفيسبوك لتُخبرها بسعادةٍ مُفرطة:
طلع بيحبني يانيرة، سمعته بيظبط لحفلة علشان عيد ميلادي، عايزة انزل اقول له أنا بحبك ياعاصي مش قادرة بجد هموت من الفرحة.
لتتحدث الأخرى بنبرةٍ تحذيرية:
فرح قلت لك اوعي تسرحي مشاعرك لحد أنتِ مش عارفه هو حاسس ناحيتك بإيه؟ لحد ما تتأكدي منها، علشان ميدلدلش رجله عليكِ، كسرة القلب قاسية أوي ومش هتستحملي يافرح.
ثم أضافت بوجع:
اسأليني أنا، ياما اتجرحت واتأذيت بسبب الحب فاستني تيجي منه هو، بلاش يافرح صدقيني بلاش.
أومأت لها بشرود ثم أغلقت الهاتف مُتنهدة.
فامسكت بحقيبتها تخرج منها مسحوق أبيض كي تستنشقه، ثم اتجهت نحو المرحاض تُهدئ من ذاتها كي تكف عن التفكير به وبحبه المهترئ لقلبها اللعين والتريث كما أخبرتها رفيقتها.
رواية انما للورد عشاق الفصل السادس 6 - بقلم ماهي عاطف
هبطت الدرج لتناول الطعام بوجه مكفهر لكن بهيئة قوية لا يغمض لها جفن، تمنت لو تسترد حقها الآن.
ألا يأتي يوم تعلم فيه أن ما بذلت روحها من أجله كان سرابًا لا غير.
جلست فوق مقعدها ترمق الجميع بإشمئزاز، تتواعد بداخلها لهم بالكثير خاصةً هذا السيكوباتي الذي يدعى "فريد".
اقترب منها بجسده بصوت عفوي مازحًا إياها:
البطة المدملكة مالها النهارده؟
اعتلى الغضب قسمات وجهها مُجيبة بإحتدام:
احترم نفسك وماتتكلمش معايا يافريد.
حملت سعاد عصير البرتقال الطازج لتضعه أمامها، لكنها امسكت به وقذفته فوق الأرضية ليتناثر الزجاج إلى أشلاء كحال قلبها.
انتفضا الجميع من مقعده حينما فعلت هذا لترمق كوثر بإستهزاء قبل أن تعقب الأخرى بإهتياج:
أنتِ مجنونة يابت أنتِ؟
أزدرد لعاب محمود قائلًا بخفوت وهو يلكزها بخفة أن تصمت:
خلاص ياكوثر حصل خير.
ثم نظر نحو ورد مُستفهمًا:
حصل حاجة لإيدك ياورد؟
بترت حديثه زوجته بشراسة:
اسكت أنت يامحمود.
استشاطت غيظًا من تجاهلها نحو حديثها مُستطرة بإستخفاف:
أنتِ بترمي الكوباية لية يابطة لاقيتي فيها صرصور والا إيه؟
لم تصمت بعد الآن، فرفعت حاجبيها مُردفة بسماجة:
آه يامرات عمي لاقيتك فيها.
ثم وجهت حديثها نحو سعاد بتحذير:
بعد كدا ماتجبيش ليا عصير وخصوصًا برتقال، أنتِ فاهمة.
علم فريد بأن هناك مشاجرة ستحدث لا محال، فتحدث بنبرةٍ هادئة لوالدته الغاضبة:
اهدي بس ياماما، روحي يا سعاد شوفي شغلك.
أومأت له ثم تحركت نحو المطبخ، بينما كوثر تفوهت بجنون من وقوفه بجوارها كوالده غير عابئ بكونها والدته:
أنت مش شايف يافريد قلة أدبها عليا؟
زفر زوجها بيأس قائلًا بإمتعاض:
خلاص ياكوثر بقى.
"بقول لك اسكت أنت يامحمود."
بترت ورد حديثهم هذا بقولها الشرس كأنه لا يعني لها:
أنا رايحة عند خالتي كمان شوية، النهارده خطوبة عنان ولازم اكون موجودة.
لتلتفت نحو فريد الجالس بجوارها مُستطردة بشيء من الحدة:
على فكرة ببلغ عمي مش أنت، ويكون في علمك بعد كده هاخرج وهاعمل اللي عايزاه بإذن منه هو، يعني وجودك دلوقتي زي عدمه.
تفوهت بهذا الحديث ثم صعدت لأعلى نحو غرفتها تاركة الجميع ينظر نحو طيفها بصدمة باستثناء ماجد الذي كبح قهقهته نحو ما حدث لكنه سعيد.
أجل سعيد، لهيئتها القوية تلك والتخلي عن صمتها في الأوقات العصيبة التي سببت لها جرحًا في قلبها لا زال يقطر حزنًا إلى الآن.
كانت التجهيزات على قدم وساق، الزغاريد عمّت بالأرجاء، السعادة مُرتسمة على وجه الجميع خاصةً عاصي، فقد علم مؤخرًا بأن شقيقته تُكن مشاعر نحو عثمان العاشق لكيانها.
ومن جهة أخرى سعيد باتخاذ خطوة لتكوين صداقة معها كي تبوح له بما يجول بخاطرها.
صعد نحو غرفتها كي يطمئن عليها فلم يجد إجابة ففتح الباب، ليطلق شهقة فزع حينما وجد فرح تخرج من الحمام الخاص بشقيقته تضع منشفة بيضاء فوق رأسها وأخرى تغطي بها جسدها العاري الرطب، فأستدار مُسرعًا يعطيها ظهره قائلًا بتلعثم:
أنا آسف بجد يافرح افتكرت عنان موجودة.
لم يحصل على رد منها، فالصدمة ما زالت حليفتها من رؤيته لهيئتها العارية تلك.
عضت شفتيها من شدة شعورها بالخجل، بينما هو خرج سريعًا شاعرًا بالغضب والخزي من ذاته ومن فعلته.
وجد شقيقته تخرج من غرفة فرح ليقترب منها بغضب مُردفًا بعتاب:
مش تقولي إنك في أوضة فرح، منك لله بجد على الموقف اللي اتحطيت فيه بسببك.
كبح قهقهتها على تذمره فتحدثت بنبرةٍ هادئة مُحاولة منها لتجعله يهدئ قليلًا:
في إيه طيب متعصب ليه؟ فرح قالت لي استخدم أوضتها علشان صحابي لما يجوا وعلشان كبيرة عن أوضتي، مالك بقى وإيه اللي حصل؟
زفر بحنق قائلًا بإمتعاض:
دخلت الأوضة على أساس إنك جوه لاقيتها خارجة من الحمام.
أطلقت ضحكة رنانة مما جعله يستشيط غيظًا منها ليلكزها بخفة قبل أن يُعقب بعدوانية:
اخرسي بقى وروحي أعتذري منها بدالي.
أومأت له ثم جاءت لتتحرك نحو غرفتها كي ترى ابنة عمها.
ثم جاء ليهبط الدرج مرةً أخرى فوجد ورد تصعد حاملة بعض الأشياء بيدها، شعر بخفقان قلبه، مُتمنيًا لو عانقها الآن ليحطم ضلوعها لكن لا يحق له فعل هذا بتاتًا كونها تعتبر غريبة عنه.
توقف عن كثب يرتشف ملامحها الهادئة باشتياقٍ شديد، شعرها الأسود الذي يشبه سواد الليل، يضاهيه بحر عيناها الأسود اللامع، كل شيء بها يجذبه حتىٰ بشرتها الحليبية يزيدينها خدان شهيان وثغر كعنقود العنب.
مُردفًا بهيام وعيناه تشع بريقٍ في حضرتها:
عاملة إيه ياورد؟
طأطأت رأسها أرضًا بخجل من نظراته الهائمة لها قائلة بنبرةٍ خافتة:
الحمدلله، إزيك أنت ياعاصي.
أراد لسانه أن ينطق مابداخله من شعورٍ مُختبئ منذُ سنواتٍ، لكن عندما يراها امامه كل شيءٍ يريد قوله يتبخر كالريح.
هناك غصة تعتلي قلبه من شدة الحزن وكتمان البوح بمشاعره الدفينة لكن عليه التريُث كي يجني ثمار حبها ثم معاقبتها لبُعدها عنه فيما بعد.
بعد امتداد غابة السكون بينهم حمحم بصوته الرجولي مُردفًا بعيون لامعة:
الحمدلله، عقبال ما نفرح بيكِ ياورد.
ارتسم بسمة باهتة فوق شفتيها مُجيبة بوجع:
ربنا يخليك.
صدع هاتفها لتزفر بعصبية حينما لمحت اسمه فتحدثت بضيق:
بعد إذنك، هرد على فريد ابن عمي.
أومأ لها بإمتعاض ثم هبط الدرج غاضبًا، لمح والدته تجلس فوق المقعد بالحديقة ليذهب نحوها والشياطين تلاحقه.
عقد ساعديه امام صدره مُتفوهًا بنبرةٍ جامدة:
هتقولي لها امتي إني عايز اخطبها؟
قطبت جبينها بعدم فهم، ليزفر بحنق مُستطردًا بإيجاز:
ورد يا ماما هايكون مين غيرها يعني.
ابتسمت لغضبه فوق وقفت في موضعها قائلة بيأس من عناده:
هاستني أسبوعين وهاقول لعمها.
تفوه بجنون وعدوانية لحديثها الغير لائق له:
أسبوعين ليه؟ لأ كتير أوي.
تنهدت مُجيية بمراوغة لأجل هيئته وتزمره الطفولي:
يا بني يكون عدي وقت على خطوبة أختك وعيد ميلاد بنت عمك، علشان العين ماتبقاش علينا.
أومأ لها على مضض ثم تحرك نحو الخارج بوجه متجهم، بينما هي صعدت لأعلى كي ترى ابنتها ولمعرفة شؤون ورد المخبأة عنها.
جلست فرح تنظر نحوها بفضول بعدما رأت تشنج ملامحها ونبرتها القوية كأنها تتشاجر مع أحد في الهاتف.
قطع هذا الصمت فيروز مطلة عليهم بإبتسامة نحو ورد لتُبادلها الأخرى الابتسامة بصعوبة.
جلست بجوارها تربت فوق ذراعها بحنو افتقدته مُتسائلة:
عاملة إيه ياورد، متزعليش مني ياحبيبتي علشان مش بسأل وكده، والله كلمت عمك من يومين يجيبك تقعدي معانا شهر حتى بس رفض.
ابتسامة مرارة ارتسمت فوق ثغرها، عبراتها علىٰ مشارف الهطول لكنها تماسكت، تُخبر ذاتها بعتاب وتأنيب ضمير:
ياريت كنت جيت قعدت هنا ياخالتي من الأول ولا كان حصل اللي حصل.
استفاقت علىٰ يد خالتِها بنبرةٍ خجولة بعض الشيء:
بقول لك إيه ما تكلمي فريد يجيب أهله ويجوا، مينفعش ما نعزمش حد منهم.
لتتابع بآسف وخفوت حزين:
أنا والله طلبت من عاصي يكلمه، بس زي ما أنتِ عارفه مش بيقبله ولا بيقبل وجوده.
أمتثلت لأوامرها بعد إلحاح شديد ثم ذهبت للخارج كي تُهاتفه، تحركت نحو فرح الشاردة تلكزها بخفة بغيظ مكتوم أجابت:
بت أنتِ وشك مقلوب ليه من ساعة ما ورد جات؟ ماكنش وشك كدا الصبح في إيه؟
اتسعت عينيها مُتفوهة بتلعثم:
إيه إللى بتقوليه دا ياروزا؟ وأنا مالي ومال ورد؟
رفعت حاجبيها بإستهزاء قائلة بنبرةٍ ساخرة:
شوفي أنتِ بقى.
تحدثت بإحتدام جعل عيني فيروز تتسع من نبرتها:
وأنا هاتضايق من وجودها ليه ياطنط فيروز؟ مايهمنيش وجودها ولا حاجة تخصها أصلًا، أنا رايحة أشوف عنان، نتقابل بليل، باي.
ثم تحركت للخارج بخطواتٍ شبة راكضة تبتعد عن نظراتها المريبة الشكاكة نحوها، بينما فيروز قالت بغموض:
ماشي يافرح هاشوف مخبية إيه عني.
في المساء امتلأ المنزل ليعم الضجيج بين الحاضرين، وقف عاصي بإبتسامة جذابة يستقبل الجميع بحفاوة لكن تلاشاها ليحل محلها الوجوم حينما وجد البغيض فريد مُقبلًا عليه بسماجة وبجواره والديه وشقيقه ماجد.
امسك فريد هاتفه مُصطنعًا التحدث مع ورد بهيام وصوت مرتفع نسبيًا كي يستمع له عاصي:
وحشتيني أوي ياورد، بقالك سبع ساعات غايبة عن عيني و..
بتر حديثه حينما راها تهبط الدرج بوجه عابس، لكنه انتصب في وقفته وتحفزت حواسه لرؤيتها ولجمالها الذي لطالما أرق مضجعه وأذهب عنه النوم ليالٍ طويلة، مما جعله ينتهك جسدها ببشاعة، قضى على روحها وثقتها بذاتها.
استفاق من تسمُره حينما استمع إلىٰ قهقهات سخرية بجواره ليلتفت فوجد عاصي يرمقه بإستهزاء قائلًا بإستخفاف:
أنت تعرف ورد تاني والا إيه يافريد؟
رمقه بغضب أن يصمت عن هرتلته ثم جاء ليرد عليه، فأشار له عاصي بالصمت مُتحركًا من موضعه نحو ورد التي تقف في زاوية بعيدة عن الجميع، ترمق فريد بغيظ مكتوم.
فلقد جاءت كي تبتعد عن عيناه الجريئة ونظراته المتفحصة التي تجعلها تشمئز منه والآن يقف أمامها بكل برود يرتشف العصير ناظرًا لها بعمق لا يغمض له جفن.
تقدم عاصي يقف أمامها قائلًا بنبرةٍ مرتفعة كي يجذبها للحديث معه:
واقفة ليه بعيد ياورد كأنك غريبة؟
أزدرد لعابها بصعوبة ثم تحدثت بخفوت:
لأ أبدًا هو بس علشان معرفش حد هنا، غير كدا منتظرة عنان تنزل.
أومأ لها بهيام ووقف بجوارها ينعم بوجودها الشبيه بالجنة، بينما هي طأطأت رأسها أرضًا بتوجسٍ من نظرات الغضب المنبعثة من فريد لوقوفها معه ولحديثها غير عابئة به.
اقترب ماجد من شقيقه مُردفًا بإقتضاب بعدما لاحظ استشياطه نحو ابنة عمه:
فريد، سيبها تشم نفسها شوية، بلاش نظراتك اللي بتخوفها دي.
رمقه بعصبية ثم تحدث بإنزعاج مصطكًا أسنانه ببعض من حديثه المثير للغضب:
مش شايف اللي بتعمله الهانم؟
زفر بيأس مُجيبًا بدهشة ضاربًا كف فوق الآخر:
لا إله إلا الله، هي عملت حاجة يا بني ما هي واقفة مع ابن خالتها بإحترام اهو.
أشار بيده أن يصمت ولا يتحدث كي لا يفتك به.
ظل عاصي يبتسم بتشفي له، بينما فريد ينظر نحوه بتهجم وغضب شديد من سماجته، متواعدًا لها.
استأذنت فرح كي تذهب نحو المرحاض ظلت تلتفت يمينًا ويسارًا ثم أخرجت من حقيبتها الهروين مُفرغة محتواه فوق ظهر كفها، فقربته من أنفها تستنشقه بإنتعاش شديد وسعادة غير مبررة.
أطلقت شهقة فزع حينما وجدت باب الحمام مواربًا وعينان ترمقها بمكر، فأزدرد لعابها بصعوبة مما جعلها تتوتر، فأجابت بتلعثم:
أنتِ مين؟ وبتعملي إيه هنا؟
فتحت الباب على مصراعيه بخطواتٍ متأنية كالسلحفاه مُقتربة منها، ثم وضعت خصلاتها المتمردة خلف أذنيها لتقول بتعالٍ:
أنا مين فأنا كوثر هانم مرات عم حبيبة ابن عمك، وبعمل إيه فمش مهم تعرفي دلوقتي.
جاءت لتتحدث فبترت حديثها بجمود وهي تغادر:
وقتك انتهى.
نظرت نحو طيفها بصدمة، بتوجسٍ من نبرتها القوية، حديثها الذي يحمل الكثير والكثير في طياتها، داعية ألّا تخبر أحد بفعلتها واستنشاقها لتلك العقاقير.
رواية انما للورد عشاق الفصل السابع 7 - بقلم ماهي عاطف
دق باب المنزل.
هبطت الدرج بعدما قام مندوب الشحن بمهاتفتها لأخذ ما أرادته منذ أسبوع.
تبسمت "ورد" بتوتر وهي تأخذ الحقائب البلاستيكية بأيدي مرتعشة.
"لحظة هاجيب لك الفلوس."
لمع المكر والخبث بعينيها.
"هو للأسف افتكرت أنه مش معايا كاش يكفي، فالحساب كامل عند الأستاذ فريد هابعت لك رقمه وهو هايحول لك الفلوس، مش هما عشرين ألف صح؟"
أومأ لها بالإيجاب ثم تحرك للمغادرة بعدما أخذ رقمه الخاص.
بينما هي اصطدمت بوجه "كوثر" التي كانت تُعد قهوتها قبل قليل وأرادت الخروج لها كي تسمم بدنها بحديثها اللاذع ككل يوم.
"هو أنتِ هاتفضلي مضيعة الفلوس كدا على الأوردرات الهايفة بتاعتك؟"
نفخت بعصبية فردت بنبرةٍ قوية غير عابئة بكونها زوجة عمها.
"دي نضافة يامرات عمي مش ذنبي إنك ما تعرفيش حاجة عنها."
لتتابع بجرأة عكس المتوقع منها لأول مرة.
"ثم دي فلوسي وفلوس أبويا الله يرحمه يعني مقولتش ليكِ سلفيني والنبي."
أطلقت شهقة فزع من حديثها المُهين لشأنها قائلة بشراسة.
"إيه قلة الأدب دي؟ طب ياورد ماشي لما يجي لك عمك."
مصمصت شفتيها لتتابع بنبرةٍ ساخرة.
"صحيح عمك مين دا اللي هاشتكي له وهو طول عمره لا بيهش ولا بينش."
وضعت يدها فوق أحشّائها بمراوغة مُخبرة إياها بدلال.
"بقول لك إيه يا مرات عمي نفسي رايحة على البيتزا، ماتعملي لي النهاردة."
اتسعت عينيها من وقاحتها لتصيح هادرة بها.
"شوف قلة الأدب، منك لله يا فريد على اللي عملته فينا، منك لله يا بني."
رمقتها بإنزعاج مصطنع قبل أن تُعقب بإستخفاف.
"لو سمحتي ماتقوليش كده، ماتنسيش إنه يبقى أبو ابني."
مُستكملة بقهقه ساخرة.
"وفي حُكم خطيبي زي ابنك ما بيقول."
قهقهت "كوثر" بشدة كأنها أخبرتها بمزحة لتغادر نحو المطبخ.
بينما "ورد" جلست فوق الأريكة محاولة السيطرة على دموعها بقوة.
أغلقت جفونها كي تهدئ من ذاتها قليلًا مُغمغمة بمرارة.
"ياربّ خرجني من اللي أنا فيه ده، مش قادرة اتصنع القوة أكتر من كده."
***
جلست بجوار زوجة عمها فوق الأريكة بيدها ألبوم الصور الخاص بخطبة أمس.
كانت "فيروز" تُعرَّفها علىٰ الجميع.
فلمحت "فرح" بعينيها صورة لتلك المرأة التي تحدثت معها بقوة كأنها لا تخشّى أحد بتاتًا.
ارتجف جسدها لوهلةٍ خائفة كي تفشّى سر أدمانها لأحد !!
أشارت بيدها بإرتجافة نحو صورتها مُتسائلة.
"مين دي ياروزا؟"
قهقهت "فيروز" مُجيية بدعابة.
"يعني يافرح سيبتي كل المعازيم ومسكتي في الحرباية دي؟"
ابتسمت "فرح" لدعابتها فردت الأخرى بتنهيدة.
"دي كوثر مرات عم ورد."
ظلت تفكر بحديثها طوال الليل والآن اتضح لها الأمر من حديثها الغامض وذات مغزى حينما أخبرتها بجملتها الساخرة.
" مرات عم حبيبة ابن عمك ."
اتسعت عينيها من هول الصدمة مُتسائلة هل الجميع يعلم بحب "عاصي" لابنة خالته وهي لا ؟!
هي فقط النائمة وتعش حُلمٌ ورديًا كبقية أحلامها !!
مغرمة بهِ عشقًا والجميع يعلم بعشقه لأخرى، سواها !!
استأذنت ثم صعدت نحو غرفتها بخطواتٍ شبه راكضة.
تعثرت في مشيتها أكثر من مرة لكن لا يهم الأمر.
أرادت الصعود والتفكير في شيء لحل تلك المعضلة؛ كي يجعل تلك المرأة تصمت ولا تخبر أحد برؤيتها له.
لكنها نفخت في سأم فلا تملك الرقم الخاص بها فكيف ستتحدث معها إذن ؟!
بعد نصف ساعة صدع هاتفها في الأرجاء لينتشلها من الحيرة التي استحوذت عليها.
فتنهدت مُجيبة بحنق دون النظر لهوية المتصل المدون برقم مجهول.
" ألو؟"
جاءها الرد بحماس جليٍ في نبرتها.
" فروحة حبيبتي، أنتِ معايا؟"
عقدت حاجبيها معًا ثم نظرت نحو شاشة الهاتف لتُعاوده فوق أذنها مرةً أخرى بنبرةٍ هادئة أجابت.
" أنتِ مين؟"
اصطكت أسنانها ببعض من تلك البلهاء.
فردت بغيظ مكتوم.
" قُلت لك أنا مين امبارح، فمافيش داعي اعرفك كل شوية عليا، فكك مش مهم، لما نتقابل ابقي اديكي الكارت بتاعي وصورة تذكار علشان تفتكريني."
وقفت في موضعها فتحدثت بإحتدام.
" أنتِ هاتعملي معايا صحوبية والا إيه؟ انجزي قولي عايزة إيه؟"
بداخلها تعلم كيفية ترويضها وتأتي راكعة لها.
فتحدثت بمكر ونبرةٍ قوية ذات مغزى.
" أنا هاعذُرك على قلة أدبك دي علشان تقريبًا كده أنتِ مش لاقية تظبيط لدماغك الفترة دي، فالجنونة بتاعتك هاتشتغل."
أزدرد لُعابها بصعوبة فأردفت بتوجسٍ.
" عايزة إيه يامدام كوثر مني؟"
اعتلى شفتيها ابتسامة انتصار فها هي قد حققها مُرادها.
فقهقهت قائلة بنبرةٍ جامدة.
" حلو الإصغاء دا، المهم بعد ساعتين من دلوقتي عايزاكي تيجي عندي البيت."
تنهدت "فرح" بأرهاق شديد لتُجيب بإستهزاء.
" هاجي اعمل إيه عندك، عازماني علىٰ الغداء مثلًا؟"
تفوهت بنبرةٍ تحذيرية.
" دمك خفيف بس ماتستخفيش تاني معايا، هابعتلك العنوان في رسالة، هاتيجي علىٰ الميعاد المحدد علشان مواعيدي بحبها تكون مظبوطة، مش مستنية الموافقة والرفض منك، أنا اتكلمت يبقي بدون تفكير هاتيجي، سلام."
ارتمت فوق المقعد ثم وضعت يدها فوق رأسها.
أغلقت جفونها متنهدة بوجع لتقول بتحشرج حزين.
" ياربّ ساعدني اخلص من القرف دا، علشان حقيقي تعبت من كل حاجة."
***
بعد ثلاثة ساعات وقفت بسيارتها امام بوابة ضخمة وقضبان حديدي طويل.
تلقائيّ فُتحت البوابة الإلكترونية لها.
وجدت مساحة خضراء كبيرة بها حمام سباحة.
ما أن خطت أطلقت شهقة ذعر حينما استمعت لنباح كلب صادرًا من مكان قريبٌ منها.
فأزدرد لُعابها محاولة المشي بأقصى سرعة كي تهرب من هذا الصوت المزعج بالنسبة لها.
لمحت "كوثر" تقف في شرفتها ترمقها من أعلى لأخمص قدمها بنظرات غامضة.
عقدت ساعديها امام صدرها تومئ لها بعينيها ثم هبطت لأستقبالها.
جلست في غرفة المكتب حيثما أشارت لها "سعاد".
استغربت بشدة حينما لمحت العديد من الصور المعلقة على الحائط لها.
فتسألت لِم هذه المرأة صارمة وتتحلى بالجمود والثبات دومًا؟
استفاقت من حيرتها على فتح الباب على مصراعيه لتظهر بهيئة تنبعث منها شرارت الغضب.
مُقتربة منها بعيون نارية قائلة.
" شكلك بتحبي التهديد وقلة القيمة يافرح، جاية متأخر ليه؟"
وضعت قدم فوق الأخرى مُجيبة بلا مُبالة.
" قولي اللي عايزة يامدام كوثر علشان مشغولة جدًا، أنا أصلًا ماكنتش هاجي بس قُلت اجي اشوفك علشان وحشتيني من امبارح ومعرفناش نتكلم كويس."
تلك الفتاة ماكرة، تعلم جيدًا تتلاعب بالحديث مع الجميع لكن الآن تعبث مع الشخص الخطأ !!
جلست "كوثر" فوق المقعد الأمامي للمكتب ترمقها بخبث.
ثم أخرجت من ضلفة المكتب كيس أبيض جعل "فرح" يسيل لُعابها من شدة احتياجها له الآن !!
لكن "كوثر"امسكته بحذر قائلة بمكر أنثوي.
" سمعتك امبارح بتقولي إن السوق واقف، بصراحة كان صعب عليا اجيب حاجة زي دي بس كله يهون لأجلك ياحلوة."
اقتربت" فرح" منها تنظر نحو الكيس بلهفة.
جاءت كي تجذبه من يدها لكن الأخرى نفضت يدها عنوةٍ مخبأة خلفها فأردفت بتلاعب.
" نتفق هتاخديه، هانختلف مش هاتلمحي طيفه، اتفقنا."
أومأت لها على عجالة لتبتسم بإنتصار.
تحدثت وهي تراقب ملامح وجهها بدقة.
" كيس الهروين دا مقابل إنك تتجوزي ماجد ابني، بما إن ابن عمك مش شايفك!"
اتسعت عينيها من هول حديثها الذي وقع على مسامعها.
فحركت رأسها بنفي.
بلحظة اقتربت من "كوثر" تنتزع منها الكيس عنوةٍ دافعة إياها فوق الأرضية لتتأوه بوجع لإرتطام جسدها بقوة !!
ثم وقفت في موضعها تستنشق الهروين بلهفة كأنها حصلت على شيء صعب المنال !!
انتهت من فعلتها المنعشة لجسدها.
لتجد "كوثر" تسعل وما زالت تجلس في موضعها تُشير نحو صندوق صغير بجوار الأريكة.
فذهبت نحوه بعدم فهم ثم فتحته.
وجدت جهاز الربو الخاص بها لتبتسم بمكر ثم أخذته وسارت بخطواتٍ متأنية نحوها.
جلست فوق المكتب تنظر نحوها لبضعٌ ثوانٍ ثم قذفته بوجهها مُستطردة بسخرية.
" علشان تعرفي بس إني مش نادلة زيك، كان ممكن اسيبك تموتي عادي جدًا وامشي بس قُلت اطلع أجدع منك واساعدك بدون مقابل."
لتتابع بنبرةٍ تحذيرية.
" ياريت التهديد دا مايتعملش معايا علشان زعلي وحش جامد وماترنيش عليا نهائي، لو حد عرف إني مدمنة اقسم لك ما هتشوفي الهنا في حياتك."
تحدثت بهذا الحديث الصارم ثم تحركت للخارج بإبتسامة تشفى.
بينما الأخرى جلست تلتقط انفاسها بصعوبة محاولة تهدئة ذاتها مما حدث معها للتو !!
***
فتحت عينيها بتثاقل على صوت معزوفة اجهلت مصدرها لكنها أكثر من رائعة.
تسمرت بمحلها قبل أن تستقيم واقفة بغضب شديد من تواجده في غرفتها.
صمتت عنوةٍ حينما وضع يده فوق ثغرها وعينيها ليقترب من رائحتها التي تغلغلت بداخله مُغلقًا جفونه مُستمتعًا بقربها المهلك له.
جعلها تستدير له.
فتحدث أخيرًا برجاء بعد سكون مريب بينهم.
" ممكن نتكلم ياورد، ارجوكِ."
نبرته توحى بالشوق نحوها.
الرغبة الشديدة في الحديث سويًا بعد حدوث عوائق وخيمة بينهم في الآونة الأخيرة.
أذعنت علىٰ مضض بعدما رأت بعينه نظرات التوسل نحوها.
ليتابع بنبرةٍ هادئة.
" أنا عارف إني ماستاهلش أي حلو في الدنيا ولا استاهل كلمة منك حلوة ياورد، أنا غلطان وغلطي الكبير دا عارف إنك مش هتغفري لي بسهولة عليه."
تنهد مُستكملًا بخزى نحو ذاته.
" كنت حاسس إنك هاتيجي في يوم وتضيعي مني، أنا واحد حَبك أكتر من أي حاجة تاني وكان نفسه يشوف ولو نظرة حتى، بس مالقتش غير كره ونفور مش عارف سببه لحد دلوقتي، بس صدقيني كل حاجة عملتها علشان خايف عليكِ، خايف تسيبيني وتمشي في أي لحظة، خايف تخرجي عن طوعي وتشوفي نصيبك مع حد تاني، صدقيني أنا بحبك أوي وعايزك معايا والله."
رمقته طويلًا بدهشة من حديثه الخفيّ المخبأة طوال هذه الأعوام الماضية.
الآن فقط أدركت كل شيء كان يفعله معها عنوةٍ !!
جعلها حبيسة بالمنزل كي تبقى له، مُطمئنًا بأن لا يحق لأحد امتلاكها سواه !!
تفوهت بجمود بعد صمت مريب كأن حديثه لا يعي لها بتاتًا.
" وأنا بكرهك وبكره نفسي بسببك، ياربّ تكون ارتاحت يافريد لما وصلتني للمرحلة دي، عايزة اقتل نفسي ولا إني اشيل جوايا حتة."
كتشنجت ملامحه يرمقها بصدمة.
فأزدرد لُعابه من حديثها الصادم.
النفور البادئ فوق قسمات وجهها.
طأطأ رأسه أرضًا قائلًا بخفوت.
" وأنا مايرضنيش تتعذبي بسببي ياورد، ألبسي وتعالي نروح للدكتور ننزله."
ثم جاء ليغادر ليستمع إلى قهقهات ساخرة منها.
فأغمض جفونه مُتماسكًا لتقترب منه مُردفة بإستخفاف.
" والله؟ لأ بجد والله؟ صعبت عليك وكدا يعني؟ والله فكرت اروح من وراك واعملها بجد بس الدكتور قال لي صعب للأسف هايكون خطر عليا أنا فقررت اخرس، ياربّ تكون فرحان دلوقتي يافريد."
رمقته بإشمئزاز ثم تحركت للخارج وعبراتها تتساقط تلو الأخرى.
بينما هو شدد على خصلاته بعنف قائلًا بغموض وغيظ مكتوم في آنٍ واحد.
" الطريق صعب للوصول ليكِ ياورد، بس مش مشكلة هعافر لحد ما ارجعك ليا تاني، أصل صعب تبقي لغيري وأكيد مش هاسيب الفرصة دي لعاصي، أبدًا."
***
وقفت في الشرفة مُمسكة بزجاجة الخمر فقد عزمت أن تحتسي منها لعلها تنسي معاناتها.
ظلت ترتشف من تلك القارورة جاهلة لفكرة الثمالة تمامًا.
وضعتها فوق الكومود ثم خرجت لتجد باب الغرفة الأمامية الخاصة بهِ مواربًا.
فتقدمت بعد ثوانٍ منها دون طرق الباب.
لا تعلم ما سيحدث لاحقًا من فعلتها الوخيمة تلك.
لكنها أرادت فعل هذا غافلة عن كل شيء فيما بعد !!
وجدته أمام المرآة يجفف جسده بمنشفة قطنية وأخرى يجفف جسده العاري أمام عينيها المتفحصة لهيئته الهالكة لكل أنثى.
بنظراتٍ تائهة راقبت قطرات الماء وهي تتدلىٰ من خصلاته السوداء علىٰ وجهه.
ذقنه النامية التي ذادت من وسامته.
اقتربت منه ببطء فتلاقت الأعين.
التفت مُسرعًا يرمقها بصدمة من وجودها بغرفته في وقتٍ متأخر لا يصح فيه الحديث حتى.
قبل أن يستوعب وجودها اقتنصت قبلة رقيقة هادئة من شفتيه.
ثم تحولت إلى قبلة عاصفة جعلته يتجمد في وقفته من كتلة المشاعر التي اجتاحته لأول مرة.
فقد أعصابه من فعلتها وهجومها المفاجئ المكتسح لكيانه.
ليتعمق في قبلتها يُبادلها إياها بلهفة حتى كادت أن تنقطع أنفسهم.
فابتعدت عنه تلهث بشدة.
بينما هو لعن ذاته.
فلم يحتمل فعلتها هذه.
لينهار عالمه من حوله.
لم يرغب في البعد عن شفتيها.
لا يستطيع السيطرة علىٰ ذاته معها.
تحدث بصوت خرج بصعوبة بعدما لاحظ ترنح وقفتها.
" أنتِ سكرانة؟"
لم تُجيب عليه ليمسكها من رسغها بعنف قائلًا بغيظ.
" ردي عليا، وبعدين بقيتي بتخرجي كتير ليه الفترة دي؟"
تألمت من قبضته القوية تقول بصوت لا حياة فيه.
" ابعد عني."
رفع يده بإستسلام مُردفًا بنبرةٍ ساخرة.
" والله حضرتك اللي جيتي لي الأوضة وعملتي اللي حصل، فدلوقتي أنتِ اللي بتقربي مني مش أنا."
طأطأت رأسها أرضًا بخجل وقد أحمر وجنتيها بشدة ولم يحصل على إجابة منها.
فتنهد مُجيبًا بقوة وعيناه تراقب ملامحها الخجولة بتمعن.
" آخر مرة تحصل وتدخلي أوضتي يافرح، اتفضلي بقى علشان الوقت اتأخر."
أومأت له بخزى ثم تحركت للخارج بخطواتٍ متأنية نحو غرفتها تجر خيبة أملها نحو تبادله لعشقها.
جلست فوق فراشها تبكي بقوةٍ كأنها فقد عزيزٌ للتو !!
فبتر بكائها دخول "عاصي" المفاجئ قائلًا بجمود عكس ما بداخله حينما رأى عبراتها المتساقطة.
" ماتحاوليش تأثري فيا يافرح أنا بحب ورد وبس، ياريت ماتنسيش دا."
رفعت عينيها ترمقه بوجع.
لتومئ له بصعوبة ثم خرج تاركًا إياها تلطم وجنتيها بقسوة حتى جرحت ذاتها.
وقفت أمام المرآة بوجه متجهم كي تضمد جرحها.
لكنها أدركت بأن الجرح يكمن في قلبها المحطم لا سواه !!
رواية انما للورد عشاق الفصل الثامن 8 - بقلم ماهي عاطف
تجمع الجميع في غرفة المكتب بأمر من "كوثر".
أصبحت النظرات فقط تتحدث، لتخترق فقاعة الصمت مقتربة من "ورد" ترمقها بتشفي.
دُهشت نتيجته، فابتعدت عنها كي تجلس مرة أخرى.
قائلة بنبرةٍ جامدة وعيناها لا تفارق ملامحها:
بما إن الكل متجمع فعايزة اقول حاجة مهمة.
نظروا لها باهتمام لتتابع بمكر أنثوي:
أنا قررت إن كتب كتاب ورد وفريد الجمعة الجاية.
استحوذت الصدمة عليهم، خاصةً "ورد" التي دون إرادة شحب وجهها.
صار جسدها يرتجف كورقةٍ خريفية وحيدة فوق غصن شجرة في مهب الريح.
لكن ليس ارتجاف ألمًا، إنما بسبب الرجفة الحادة من فرط المعاناة والوجع الذي يضربَ بجسدها.
بينما "فريد" رفع حاجبيه لوالدته، فهي لم تُخبره بهذا الحديث من قبل.
اعتلى وجه "محمود" الغضب صائحًا بها:
أنتِ بتاخدي قرارات من غير ما ترجعي لي يا كوثر؟
مصمصت شفتيها يمينًا ويسارًا لتُجيب بنبرةٍ ساخرة:
وأنا من امتي باخد رأيك في حاجة يا محمود؟
بات الجو مشحونًا بالغضب من حديث "كوثر" الساخر نحو زوجها، غير عابئة بوجود أبنائها بتاتًا.
طأطأ "محمود" رأسه بخذلان وهيئة منكسرة.
شعر به "فريد" ليقترب منه يربت فوق ذراعه قائلًا بنبرةٍ هادئة:
أنت أد الدنيا يابابا، بس كنا حابين نعملها لك مفاجأة.
ابتسم له موجهًا حديثه مُستفهمًا نحو "ورد" التي لم تستطع استيعاب ما أخبروها به من حديثٍ مزق قلبها إلى أشلاءٍ:
قولي لي يا ورد أنتِ موافقة؟
لم ترمش ولو للحظةٍ، كأنها حصنت ذاتها جيدًا قبل تلك المواجهة.
ليصبح قلبها مغلفًا بالقسوة المميتة والصمت الدائم.
لم تُجب، مما جعله ينظر نحوها باستغراب من هيئتها تلك.
فأسرعت زوجته مُردفة على عجالة:
طبعًا موافقة، هي ياحبيبي هاتلاقي زي فريد فين؟
رفعت عينيها نحوها محدقة إياها بنظراتها النارية.
تمنت لو تنقض عليها الآن، تصفعها على وجهها.
لعلها تشعر بالحريق المشتعل بداخلها الآن، لعلها تشعر بتخبط وإضطراب دواخلها بسبب تلك الشمطاء.
ستفقد وعيها حقًا وليس تظاهرًا لنظراتها الماكرة، شخصيتها القوية نحوها، حديثها المثير للغضب ككل يوم.
وقفت في موضعها ترمقها بنفور هي وذاك الأحمق "فريد".
لكنها ترنحت في وقفتها.
فأسرع "ماجد" بإمساكها من رسغها بلهفة.
ثم نفضت يده بعنف، تحركت للخارج بخطواتٍ سريعة تجفف عبراتها الغزيرة.
اقترب "فريد" من والدته يُعانقها بحبور.
فابتسمت له رابتة فوق ذراعه قبل أن تعقب مُستفهمة نحو نجلها الثاني:
هو أنت مش هاتنزل بني سويف بقى؟
زفر بعصبية مُجيبًا بحنق:
ياماما بقول لك صاحبي مات ومش طايق انزل دلوقتي، هكمل الشهر وانزل. الدنيا مش هطير يعني.
هتفت بإستخفاف:
شهر إيه اللي تكمله، احنا لسه أول الشهر ياحبيبي.
" لأ بقى دا أنا ادور على بيت تاني طالما بقيت عبء عليكم."
قهقهت ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
مش قصدي ياماجد، أنا بقول لك علشان شغلك بس. احضر كتب كتاب اخوك وسافر بعدها، فاهم.
أومأ لها بعينيه ثم تحرك للخارج ناظرًا للأعلى نحو غرفة "ورد".
يرمقها بشفقة وحزن مما يحدث معها وهو لا بيده حيلةٍ ليفعلها مع شقيقه وتلك الشمطاء.
****
الضياع يحيطُ بها، الألم يتملكُ بها، الندم يستولي على عقلها.
وهي قابعة أرضًا ممزقة، لا تعلم ما عليها فعله كي تنسي حبها له.
فهو لا يجني لها شيءٌ سوىٰ تحطم قلبها.
أغلقت جفونها بقوةٍ محاولة السيطرة علىٰ ذاتها كي لا تذرف دموع أخرى.
يكفي ما حدث أمس، لم تنم طوال الليل ظلت تبكي وتفكر في آنٍ واحد لمعرفة كيف ستواجهُ بعدما حدث بينهم ليلًا.
وضعت يدها فوق شفتيها تمرر سبابتها فوقها برقة.
كلما تذكرت تبادلهُ لقبلتها تبتسم تلقائيًا.
لكن تلاشت سعادتها ليحل محلها الوجوم حينما استحضرها حديثه اللاذع المهين لأي فتاةٍ.
رمقت وجهها المتورم المحتقن بفعلتها.
وجنتيها التي أصبحت مليئة بالكدمات الحمراء تندرج إلى اللون القرمزيّ القاني.
هئيتها تدل على مشاجرة قوية عنيفة.
لتبتسم بمرارة ثم امسكت بهاتفها وهبطت الدرج كي تتناول الطعام.
أطلقت "فيروز" شهقة ذعر حينما رأتها بتلك الهيئة فقالت بتوجسٍ:
مالك يافرح، إيه اللي حصل يابنتي، وشك ماله؟
نظرت بوجع نحو " عاصي" المندهش ثم وجهت حديثها لزوجة عمها بإطمئنان:
حساسية ياروزا، ماتشغليش بالك ياحبيبتي.
حركت رأسها بنفي، قائلة بعدم تصديق لحديثها:
إزاي بس يافرح دا وشك بايظ خالص ياحبيبتي، لأ أنتِ تأكلي وتنزلي مع عنان تروحي تكشفي.
هتفت "عنان" بنبرةٍ خجولة:
ماما أنا خارجة مع عثمان كمان ساعة مش هعرف، آسفه بجد يافروحة.
لتستكمل بحماس جليٍ في نبرتها:
بس عاصي قاعد مش نازل الشغل النهارده ممكن يوديكي هو.
ازدرد لُعاب "فرح" بصعوبة مُجيبة بإيجاز:
ولا يهمك ياحبيبتي ربنا يكمل لك على خير ياربّ، صدقيني ياروزا أنا كويسة يومين وهتلاقي وشي رجع ينور تاني.
ابتسمت لها تربت فوق ذراعها مُستكملة طعامها في صمت بين الجميع يصدر صوت الملاعق فقط.
بعد ساعا استأذنت "عنان" فحبيبها ينتظرها بالخارج.
صدع هاتف "فيروز" بالأرجاء فتناولته تنظر نحوه بعدم استيعاب لهوية هذا الشخص المتصل فردت بقوة:
أيوة يا كوثر.
سعلت "فرح" وهي ترتشف المياه، تُراقب ملامح زوجة عمها بتوجسٍ شديد أدهش "عاصي".
صاحت هادرة بها بعدما استمعت لحديث الأخرى الماكر:
إزاي يعني ومحدش لجأ لي ليه؟ أنتِ شكلك كبرتي وخرفتي ونسيتي إني خالتها وليا كل الحق فيها أكتر منك، اقفلي اقفلي.
القت هاتفها فوق المنضدة بعصبية شديدة.
قد بدأت أنفاسها تزداد سرعة من شدة الغضب ليتحدث "عاصي" مُستفهمًا:
في إيه ياماما؟ أنتِ بتكلمي كوثر يبقى معناه كده الزعيق بسبب مشكلة حصلت مع ورد صح؟
ازدرد لُعابها ترمقه بشفقة لا ترغب في إخباره بما وقع على مسامعها قبل قليل.
تعلم جيدًا كيف سيكون شعوره حينما تُسرد عليه زواج حبيبته من شخصٌ آخر سواه.
يا للسخرية، فهو لم يكن أي شخصٌ؛ فهو عدوّه.
لا يحبه بتاتًا كونه يقيد حركة ابنة عمه وحبيبته دومًا.
حتى إنه لا يعلم كيف يتحدث معها لدقائق.
استفاقت من حيرتها علىٰ صوته الهادئ:
ماما بكلمك.
لا جدوى من تخبئة شيء هكذا، فهو سيعلم لا محال.
فردت بتلعثم محاولةٍ إخراج نبرة طبيعية:
كتب كتاب فريد وورد الجمعة الجاية.
سقط كوب العصير من يده ليتناثر على الأرضية إلى قطع زجاج تشحذ صدره.
تحطّمت أحلامه كقلاعٍ واهية من الرمال.
جحظت عيناه وكأن أحدهم هوى بمطرقة حديدية فوق قلبه الذي اجتاحه ألم هائل من حديث والدته.
ظل يخبر ذاته بأنها له لا سواه، ظل يردد هذه الكلمات لتشفق "فرح" لأجل هيئته المصدومة والمزرية تلك نحو معرفته بأمر زواجها.
شدد على خصلاته بعنف كاد أن يقتلعها بيده ليرمق والدته بنظرات نارية هادرًا بها بقوةٍ:
بقالي شهرين بقول لك روحي اخطبيها لي وعمالة تأجلي، اهي راحت مني بسببك منك لله على كسرة قلبي ياماما، مش مسامحك والله ما هسامحك.
تحدث بهذا الحديث ثم ركض نحو غرفته تاركًا والدته تبكي بقوةٍ لفقدان عشقه ولحديثه الغاضب نحوها.
أشفقت "فرح" عليها فعانقتها كي تهدئ من روعتها قليلًا وما زال حديثه يُشعرها بالوجع والمرارة لا السعادة.
كانت تدعو ليلًا ونهارًا، طوال الوقت بأن "عاصي" لا يحصل على حبه سوى معها هي.
الآن تحقق مُرادها لكنها لم تشعر بالسعادة بتاتًا، يكفي هيئته الموجوعة بالنسبة لها.
***
توجه نحو غرفته ونزع عنه سترته، ليزفر بقوة في اقتضاب.
ألقي بجسده الصلب فوق الفراش محدقًا في سقف الغرفة يحمل بطياته أعاصير.
تلك الأعاصير التي نشبت منذ جلوسها بمنزل عمها.
جاهدًا في الصمود لكن لا يمكن محو حبه لها بسهولة من قلبه.
كانت نظرته مشتعلة، عيناه تكاد يخرج منها النيران.
فقد تأججت نيران الغيرة داخله كيف لآخر سواه يمتلك قلبها.
انتظر ساعة حتىٰ استعاد السيطرة على صدمته.
ثم تحرك نحو المرحاض يعاون ذاته على الثبات من جديد بهيئة قوية.
وقف يتلو بخشوعٍ بعض آيات من الذِكر بعدما هدأ ذاته قليلًا.
وعندما لامست جبهته الأرض انفجر باكيًا، يدعو ربه بكل مايجول بطياته من حديثٍ خفيّ.
داعيًا أن يرزقه السعادة وفتاةٍ صالحة تُنير حياته المريرة تلك كي يتناسي حبه.
هبط الدرج بعدما مسح عبراته وتنفس بعمق مُحاولًا التماسك.
وجد والدته تجلس فوق الأريكة بشرود وتجفف عبراتها بظهر كفها.
تنهد ثم تحرك نحوها يمدد جسده، يضع رأسه فوق قدمها ويمسك بيدها يغدقها بالكثير من القبلات الحنونة قائلًا بآسف ونظرات حزينة لهيئتها الباكية:
حقك عليا يا ماما أنا بجد آسف، عمري ما قدرت اكرهك ولا هعملها والله، كانت ساعة شيطان.
لتتابع بخفوت حزين:
قلبي دقّ بس لورد فعلشان كده لحد دلوقتي مش مصدق إنها هتتخطب لغيري، صح طنط كوثر لعبتها صح بس يلا الحمدلله، ربنا يتمم لها على خير ويريح قلبي، ادعيلي ربنا يريح بالي واقدر انساها.
رمقته بشفقة تمسح فوق شعره بحنوٍ هاتفة بنبرةٍ هادئة:
ربنا يريح قلبك يانور عيني.
ابتسم لها بصعوبة ثم اعتدل في جلسته مُشيرًا لأعلى فقال بجمود:
كلمي فرح خليها تنزل علشان نروح للدكتور نشوف وشها ماله.
أزدرد لُعابها بتوجسٍ شديد من ردة فعله قائلة بتلعثم محاولةً إخراج نبرتها:
فرح سابت البيت وراحت تقعد عند صحبتها نيرة في المعادي.
أغلق جفونه فصر على أسنانه متشدقًا بعدوانية:
والله لهوريها إزاي تكسر كلامي وتخرج كده من غير علمي، ماشي يافرح.
التقط هاتفه كي يهاتفها فلم يجد إجابة.
لم يتملك منه اليأس فظل يُهاتفها إلى أن جاءه الرد بجفاء:
نعم يا عاصي.
تنفس بإرتياح حينما استمع لصوتها، فصاح بها وهو يتحرك للخارج:
خمس دقايق الاقي عنوان صحبتك مبعوت لي.
بترت حديثها مُتابعًا بنبرةٍ تحذيرية:
طنشي بس كلامي واقسم لك هولع فيكِ يافرح.
بالداخل دُهشت والدته من عدوانية وغضب ابنها نحو "فرح".
استحوذت عليها السعادة حينما اتضح لها بأن تلك الفتاة هي من ستجعله يتناسي حبه لتلك الورد.
ضربت جبهتها بخفة فقد كانت غافلة عنها منذ زمنٍ شهِدَ على وجعه ومعاناته نحو الحب.
***
جلست تهز قدميها من شدة الغيظ، عيناها كجمرتين مشتعلة بهم النيران.
ملامحها الصغيرة البريئة كافية لجعل أي رجلٌ ينصاع لتلك الدموع الطفولية.
وهذا ما حدث عندما سمعت طرق الباب، سمحت له بالدخول.
فرفعت عيناها نحو "فريد" الذي دقق النظر لوجهها لبرهةٍ من الوقت هامسًا بصوت رخيم:
ممكن نتكلم يا ورد؟ آخر مرة لو سمحتي قبل كتب الكتاب.
أومأت له علىٰ مضض جعلت الباب مواربًا ثم سمحت له بالجلوس فوق الأريكة.
فرك يده في توتر شديد فحاول إخراج نبرة طبيعية هاتفًا بخذلان وشعور الخزي مستحوذًا عليه بقوة:
عارف إني جيت عليكِ كتير وأذيتك يا ورد، عارف إنك ما تستاهليش أي حاجة وحشة.
بس صدقيني غصب عني كل نظرة منك كانت بتنزل على قلبي تفتته، ماكنش قدامي حل تاني غير كدا.
ليتابع بنبرةٍ حزينة يملؤها الوجع، مُستكملًا حديثه غير عابئًا بنظراتها الغامضة نحوه:
أنا كنت مجروح منك لدرجة إني كل ما اشوف حد من صحابي اقول ليه هو أنا ماتحبش ليه؟ شكلي ولبسي وحش؟ شوفت نفسي قليل مابقاش عندي ثقة في نفسي خالص بسبب كلامك ونظرتك ليا.
جثَ علىٰ ركبتيه قائلًا بنبرةٍ حزينة وعيناه تحمل الرجاء:
بالله عليكِ تسامحيني خلينا نبدأ من الأول واوعدك هاتغير وهاعاملك زي الفراشة بس سامحيني، أنا والله ماستاهل الذل دا يا ورد.
لم تعي برجاءه ولا حديثه المنكسره لتكون بصوت لا حياة فيه يحمل الكثير والكثير بين طياته:
موافقة يافريد.
انشرح قلبه من حديثها وعفوها له بعد عذابٍ افترس داخله.
ليتحدث بحماس جليٍ في نبرته:
أنا مبسوط أوي يا ورد، الحمدلله ياربّ، شكرًا بجد.
ثم جاء ليغادر فعاود إليها مرةً أخرى قائلًا بإنشراح:
ألبسي وتعالي نروح نزور عمي ومرات عمي، اتفقنا.
ارتسمت السخرية فوق شفتيها هاتفة من بين أسنانها:
حاضر.
ابتسم لها ثم غادر يقفز في مشيته كالأبله.
بينما هي بصقت نحو طيفه مُردفة بتواعد وحديثٍ غامض:
وحيات كوثر لهخليك تروح لهم قريب بس استني عليا يا ابن عمي.
****
تسارعت نبضات قلبها واطرقت الطبول حتىٰ كاد أن يسمعها.
عيناه تحولت إلىٰ سوداء من فرط غضبه نحوها، يكاد قلبها يدب من بين أضلعه كلما لفحت أنفاسه الملتهبة صفحة وجهها.
لكنها نجحت في السيطرة علىٰ مشاعرها حيث دفعت يده بعنف عن فمها.
ثم همت كي تفتح باب السيارة لتترجل منها كي تذهب.
لكنه قبض علىٰ ذراعها يجلسها عنوة مرةً أخرى فصاحت به:
ابعد عني بقى أنا تعبت منك.
لتتابع بشراسة ترمقه بنفور فقد تملك بها شعور الغضب نحوه:
جاي ورايا ليه؟ أنا مش راجعة يعني مش راجعة، حل عن دماغي بقى.
وجدته يضع يده فوق فمها مقتربًا منها ليغرس في عينيها شعاع عينه الثاقب مُهمهمًا بصلابة:
صوتك يختفي دلوقتي يافرح، لآخر مرة هاقول لك هاقتلك لو مشيتي تاني.
اصطكّت أسنانها ببعض من بروده فهدرت بهِ بقوة:
أنا مش ورد بنت عمك اتقيد وماخرجش من البيت.
زفر بعصبية مُجيبًا بحنق:
قُلت اخرسي دلوقتي يافرح.
" مش هخرس ياعاصي، وياريت توقف العربية علشان مش هارجع معاك، خلاص خلصت."
صوت احتكاك حاد صدر فجأةً مع توقف السيارة جعلها ترتد للأمام.
فشهقت بفزع لم يبالى بما حدث، فهزه بعنف صائحًا بها بكلمات حارقة:
أنتِ عايزة إيه؟ عايزة تموتي دلوقتي يعني والا إيه مش فاهم؟
أطرقت رأسها كي تخفى دموعها التي تسيل كالشلال، تهمس بتشنج يحتوى على رجفة وصوت متقطع:
عايزاك تخليك في حالك وتسيبني في حالي.
هتف بضجر هادر:
أنتِ بنت عمي وأمانة عندنا لحد ماتتجوزي، مش هاسمح لك تخرجي تقعدي في مكان تاني، فاهمة؟
طفح الكيل فهي ليست مرغوبة على تحمُل ذلك.
فتحدثت بهِ في اندفاع:
مش هقعد أنا عندكم، أنا مش عايزة اقعد معاك، مش طيقاك افهم بقى.
انتفض جسدها وهي تستمتع لكلماته حينما أضاف بوقاحة:
شكلك كده مش هتخرسي فأنا هعرفك تخرسي إزاي يافرح.
جذبها على غفلة يُقبلها، مُعنفًا شفتيها.
ظل يقبلها إلى أن شعرت بأنها تفقد السيطرة على جسدها.
فوضعت يدها فوق معصمى يديه أن يتركها كي تستنشق الهواء.
فتركها حينما باتت أنفاسها تنسحب منها ببطء شديد.
تفاجأ حينما هوت بصفعة قوية فوق وجنته اليسرى كأنها بمثابة الضوء كي يستفيق.
استشاط غيظًا فبترت حديثه الغاضب بخفوت حزين أجابت:
أنا كنت سكرانة امبارح لما حصل اللي حصل، بس ما تستغلش دا وتعمل فيا كدا ماتحسسنيش إني رخيصة أوي كده عندك.
حمحم لينظف حنجرته وتحدث بنبرةٍ هادئة:
خلاص اهدي يافرح، أنا هاحاول اتلاشى القلم بتاعك دا وعقابه بعدين، قولي لي عايزة إيه في الليلة السودة دي علشان نتحرك ونروح.
تألأل بؤبؤى عيناها بالعبرات ولمعت هاتفة بصوت يكاد لا يخرج يغلبه البكاء:
طالما مش عايز إني امشي من البيت، امشي أنت ياعاصي.
لم يطل تفكيره بالأمر فهتف بزمجرة مزيفة:
حاضر يافرح، طالما دا هيخليكِ مبسوطة وفي أمان، همشي.
أومأت له دون حديثٍ، اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تضغط على كفها بقوة تكبح دموعها.
لكن هيهات فرغمًا عنها فرت دمعة حارة من عيناها.
بينما هو زفر بعمق كابحًا الكثير والكثير يريد قوله لكنه صمت كي يكفي عن المناقشة الكلامية الحادة معها.
رواية انما للورد عشاق الفصل التاسع 9 - بقلم ماهي عاطف
ليلًا قد استر الليل ردائه كاملًا، ارتفع ضوء القمر في السماء منيرًا قلوب البعض؛ ليبشرهم بالنور القريب الذي سينير حياتهم وبعضهم يزيد من ظلامهم.
كانت تجلس في الظلام الدامس تحدق في النجوم الساهرة بشرود، شعرت بنغزة في قلبها تكاد أن تقتلها قتلًا لا تعلم سببها.
تسلل "فريد" مقتربًا منها بعدما لاحظ حيرتها الدائمة في اللاشيء يهمس بأسمها: ورد.
انتفض جسدها حين شعرت به يكاد أن يلتصق بها؛ لتبتعد عنه بضيق قائلة بغيظ مكتوم: هافضل اقول لك لحد امتي ماتجيش أوضتي؟ مش معني إني سامحتك ووافقت اتجوزك يبقى هتسوق فيه. تجاهل نبرتها الغاضبة فرفع يده بإستسلام مُردفًا بلين: رنيت عليكِ كتير بس الظاهر إن في حاجة شغلاكِ.
"من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا عقلي مش معايا بسببكم."
زفر بضيق متمهلًا كي لا يفتك بها ويحدث مشاجرة كالعادة، فاستطرد بصبر: ما علينا، كنت جاي اقول لك تعالِ ننزل الجنينة معايا شوية يمكن تخرجي من المود دا.
رمقته بحيرة ثم سارت معه بخطوات متأنيةٍ، هبطت لأسفل نحو الحديقة تغمض جفونها لتستشعر كل ذرة هواء تلفح وجهها مما جعل خصلاتها المتمردة تتطاير على أثرها لترتسم ابتسامة تلقائية علىٰ محياها أذابت قلب العاشق امامها.
لاحت نظرات الاعجاب لهيئتها تلك مما جعله يؤيد الجميع لوصف لها بالفتاة الفاتنة التي أخذت قلوب الرجال خلسةٍ بإبتسامتها التي رُسمت كلوحة فنان، عيناها التي تمثل طلاسم خطيرة تساقطك في سحرها الأبدي، شعرها الذي يميل للبني الغامق مع نعومة تشبة الحرير الأصلي، كل شيء بها يجذبه نحوها.
مد أصابع يده ليزيل خصلة شعرها المتمردة، يمرر أبهامه فوق وجنتيها بحنو مغمغمًا بصوت رجولي جذاب: بما إن بكرة كتب الكتاب وهايكون يوم متعب ليكِ جدًا، فحبيت اجيبك هنا ونشرب قهوة سوا، ممكن؟
صرت علىٰ أسنانها متشدقة بصوت هادئ وهي تبتعد عن يده التي تعبث بوجهها: تمام، مفيش مشكلة.
ابتسم بحماس ثم هاتف "سعاد" علىٰ الفور التي أتت له بالقهوة مسرعة، شعرت "ورد" بالخجل من حديثها اللاذع معها في الآونة الأخيرة فتحدثت بخفوت: متزعليش مني يا سعاد علشان كلمتك بأسلوب مش كويس.
ابتسمت لها بإمتنان داعية ربها بأن يظلا سويًا طوال الدهر ثم تحركت للداخل، فتلاشت "ورد" ابتسامتها ليحل محلها الوجوم قبل أن تُعقب بنبرةٍ ذات مغذى: يخربيت الوهم بتاعكم حقيقي، مش عارفه الثقة دي جايبنها منين؟ مش يمكن حاجة بشعة تحصل تنهي الموضوع قبل ما يبدأ.
رفع حاجبيه بدهشة من حديثها الغامض مُتنهدًا: مش فاهم حاجة يا ورد، قصدك إيه؟
رمقته بتقزز، ثم امسكت بكوب قهوتها وقفذته بعنف لتقف في موضعها قائلة بسخرية: ولا حاجة، شكرًا علىٰ القهوة.
لم تنتظر إجابته فغادرت على عجالة، بينما هو نظر نحو طيفها بغضب شديد جليٍ فوق قسمات وجهه، متواعدًا لها فيما بعد.
***
نظرت يمينًا ويسارًا ثم تحركت نحو المطبخ لتجد "سعاد" تقبع فوق المقعد، تضع سماعات الأذن تدندن معها، فانتفضت حينما رأتها تجلس امامها تنظر نحوها بغموض لتبتلع ريقها بصعوبة مُحاولة إخراج نبرتها: في حاجة يا آنسة ورد؟
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ساخرة قبل أن تُعقب الأخرى بإستخفاف: هعدي تريقتك دي رغم علمك بالأمر وإنك السبب فيه، بس ماشي ياسعاد.
لتتابع بنبرةٍ خبيثة مليئة بالمكر: صحيح ابنك نور عامل إيه؟
رمقتها بدهشة من سؤالها مُردفة بتلعثم: كـ كويس.
بتر حديثها صوت هاتفها يصدع بالأرجاء فوجدتها والدتها تُخبرها بإختطاف طفلها، نظرت توجسٍ نحو "ورد" التي ترمقها بنظراتٍ ماكرة فعلمت بأن لديها يد فيما حدث.
تنهدت مُجيبة بنبرةٍ خافتة: واضح كده إن الموضوع في ابتزاز، يعني ابني قصاد حاجة ليكِ صح؟
قهقهت قائلة بإعجاب: ليه حق فريد يتمسك بيكِ وجدًا كمان، ما شاء الله ذكية ياسعاد.
لتستكمل بتحذير: بالظبط كده ابنك مقابل حاجة ليا، اللي اقوله لك تعمليه من غير ماحد يعر، فاهمة؟
أومأت لها بعينيها ثم جلست تستمع لها بأعين متسعة مما ترغب به.
***
كان مستلقيًا فوق فراشه في صمت تام، يعقد كفيه خلف رأسه يحدق في اللاشيء بشرود، جزء من عقله استحوذت عليه تلك "الورد" تمنى لو كانت معه الآن امام عينيه، حتى يتفرغ لمراقبتها كما حاله الآن، تلك الوردة الصغيرة التي تلمع كالجوهرة عندما تضحك، لا تستحق سوىٰ رجلٌ يُتقن الاعتناء بها جيدًا.
ارتسم فوق شفتيه ابتسامة ساخرة حين تواعد مع والدته بعدم التفكير بها بتاتًا؛ لكن لا يعلم كيف يتناسي حبه لها.
يرغب أن يكُن جاحدًا متبلدًا المشاعر لكن لا يعلم كيف ينسي رقتها، حديثها، ابتسامتها، حبه.
ضرب بيده فوق قلبه ليصرخ مجددًا.. اللعنة علىٰ قلبي الذي يآبى الابتعاد والتمسك بشيء غير له.
كيف ينظر لها من الأساس بعدما أصبحت لسواه.
استغفر ربه ثم اتجه نحو المرحاض كي يؤدي فريضته، بعد ثوانٍ وقف يتلو بخشوعٍ بعض آيات من الذِكر بعدما أجبر ذاته بالتخلّي عن حبه وعدم التفكير بها مطلقًا.
***
فتحت باب غرفتها علىٰ مصراعيه بهيئة غاضبة تتفحصها بإستشياط تُقابلها الأخرى بتوجسٍ من نظراتها، اقتربت منها تجذبها بقوةٍ من رسغها غير عابئة بوجعها البادئ فوق قسماتها فتحدثت بشراسة: لحد ابني وتقفي يافرح، فاهمة.
ازدرد لُعابها بصعوبة تُجيب بتلعثم مُحاولةً التحرر من قبضتها القوية: عـ عاصي.
بعد عناء نفضت يدها عنوةٍ فصاحت بها "فيروز" بإهتياج: أيوة عاصي اللي قُلتي له يسيب البيت، وبعد إصرار مني قعد في أوضة الجنينة علشان يراضيني.
اقتربت منها على غفلة مُردفة بإنفعال: أنتِ بنتي آه وربنا يشهد، بس لحد ابني الوحيد والمعاملة المقرفة دي تحطي خطوط كتير، فاهمة.
أومأت لها على مضض فتحدثت بخفوت: أنا عايزة امشي وهو مقعدني هنا غصب عني، لولا كدا ماكنش حد هيشوف وشي تاني، بس هو جيه امبارح وخدني بالعافية معاه.
رمقتها بحاجب مرفوع قبل أن تُعقب بنبرةٍ صارمة: وأنا كمان معاه، إزاي تفكري تسيبي ظرف إنك سيبتي البيت ورايحة عند نيرة بتاعت السوشيال هو جنان؟
تنهدت مُجيبة بنبرةٍ لا حياة فيها: مش جنان على قد ما هو احساس بالعبء عليكم، على قد ما هو احساس بالعجز وعدم راحة البال.
ثم جلست فوق فراشها مطأطأة رأسها أرضًا لتضيف بخفوت حزين: حاسة إني تقلت عليكم أوي من يوم ما بابا وماما سابوني، أنا ماقولتش لعاصي يسيب البيت غير لما حسيت إن كده أحسن لينا.
لاحت منها نظرة عدم فهم لتمسك بيدها تجذبها كي تجلس بجوارها مُحاولةٍ إخراج حديثٍ تحمله بين طياتها منذ فترةٍ: أنا بحب عاصي ياروزا، مش من سنة ولا اتنين لأ، بحبه بقالي خمس سنين، خمس سنين مدارية حبي ونظراتي ليه، خمس سنين وأنا بستحمل حبه وكلامه لواحدة تاني، خمس سنين وهو معتبر إني زي أخته مش بنت عمه حتى، تخيلي.
ثم ارتمت في احضانها تبكي بنحيب لم تعهده من قبل بعد فراق والديها.
لكن هكذا هو الحب ياعزيزتي يؤلم بشدة كما أنه يفرح بشدة، فإذا أردت أن تحب؛ فلتتحمل إلىٰ النهاية، لكنها تعلم جيدًا أيضًا أن الحب ليس اختيار؛ بل هو قدر وعليها التمهل كي تجني ثمر هذا الحب.
أشفقت عليها "فيروز" لتأخذها في عناق تبث لها فيه الطمأنينة والقوة كي لا تنهزم لتلك المشاعر المهلكة لقلبها العاشق لابنها.
فتحدثت بنبرةٍ قوية: والله لهجوزه لك يافرح.
لتبتعد عنها ترسل لها غمزةٍ عابثة بمشاكسة أجابت: دا على كدا بقى مرات عمك طلعت بتفهم كويس أوي من نظراتك بس كانت عاملة عبيطة.
اخذتها من يدها نحو الشرفة كي تراه، فوجدته يجلس فوق الأرجوحة بالأسفل؛ لكزتها بخفة مستطرة بغيظ: ياخايبة انزلي خلي يرجع الفيلا وخليه قدام عينك دايمًا، خليكِ ناصحة.
"إزاي يعني ياروزا؟ ابنك لما صدق، دا حتى مافكرش يعارض كلامي."
رمقتها بغيظ مكتوم هاتفة بعدوانية: اسمعي الكلام وبس، واتفضلي يلا وريني هاتلبسي إيه في كتب الكتاب بكرة.
أومأت لها مع ابتسامة ثم تحركت نحو الخزانة كي تنتقي لها فستان كي يروق لابنها، مع اختيار ألوانه المفضلة بعناية.
***
جلست فوق فراشها جسدها يرتجف بقوةٍ كالفرخ المبلل، محاولة تهدئة ضربات قلبها التي تدوى كالطبول، سحبت نفسًا قويًا عميقًا محاولة إدخاله عنوةً إلى رئتيها، فاليوم عقد قرانها على شخصٌ تنفر تشمئز من وجوده؛ فكيف ستتعايش مع الأمر.
تدعو بداخلها أن ما أمرت به "سعاد" يمر مرور الكرام؛ كي تستفيق وتعش سعيدة بعيدًا عنه.
تجلس والقلق يتغلغل داخل أوصالها من الانتظار، تنتظر تلقى رسالةً تحمل السعادة لقلبها المرتجف من تكملة هذه الزيجة.
استمعت لصراخ بالأسفل لترتسم السعادة فوق قسمات وجهها، تسحبت ببطء تنظر أعلى الدرج لتجد "كوثر" تجثو على الأرضية بجوار فلذة قلبها تنحب بشدة.
هذا المشهد يثير السعادة والحماس بداخلها وليس التعاطف.
شعورٌ غريب استحوذ عليها لرؤية "كوثر" تلك الشمطاء تبكي بقوة هذا مُرادها وقد تحقّق في النهاية.
رؤية "فريد" وهو هكذا يُشعرها بالتلذذ، تغلغلت الفرحة داخل أوصالها تحل محل القلق بعدما حدث ما أرادته.
تنهدت تُعاود الجلوس فوق الفراش تجلس بإرتياح، تمسك بهاتفها ليصدح صوت الموسيقى بأرجاء الغرفة كأن اليوم حصلت على شيء صعب المنال وليس فقدان شخصٌ سيصبح زوجها بعد قليل.
انفتح باب الغرفة علىٰ مصراعيها فوجدت "سعاد" تبتلع ريقها بصعوبة.
أغلقت الباب تستند بجسدها خلفه.
لم تتحرك أنش؛ فقط تغمض جفونها وقد بدأت أنفاسها تزداد سرعة من شدة الارتباك الذي استحوذ عليها من رؤيتها لمّا حدث قبل صعودها.
دُهشت "ورد" من ارتجافة جسدها بهذه الطريقة فجاءت كي تقترب منها لترى ما بها، فوجدتها تتحرك نحوها بتردد قائلة بتلعثم: فـ فريد باشا مات، بس مش زي ما اتفقنا.
لتستكمل حديثها بنبرةٍ هادئة حينما وجدت علائم الاستغراب على وجهها: الدكتور جية من شوية وقال لأستاذ ماجد أنه مات بسبب سكتة قلبية مفاجئة.
"متأكدة ياسعاد؟!!!"
مسحت جبهتها بأرهاق ثم قالت بصدق: والله ده اللي حصل، واللي سمعته جيت قُلته.
زفرت بعمق مُقتربة منها، ربتت فوق ذراعها بخفة قبل أن تُجب بحماس: تمام جدًا، خدي اجازة ليكِ حلاوة الخبر ده، هتلاقي ابنك رجع البيت من عشر دقايق ومعاه سبعين ألف جنيه هدية ليكِ.
ترقرقت العبرات في مقلتيها فتحدثت بإمتنان شديد: ربنا يخليكِ ياربّ، بس ده كتير.
ابتسمت لها فردت بغموض وإيجاز: إزاي بقى؟ والله لو طلبتي مليون جنيه مش خسارة فيكِ أبدًا، أنا حاسة إني هموت من الفرحة بجد، امشي دلوقتي ولمّا ارن عليكِ تبقي تيجي.
لتضيف بنبرةٍ تحذيرية: حسك عينك حد يعرف بإللي كنتي هتعمليه ياسعاد، فاهمة.
أومأت لها على عجالة ثم تحركت للخارج بخطواتٍ سريعة، بينما "ورد" امسكت بقطرة عينيها تسكب منها بغزارة مصطنعة البكاء ثم هرولت لأسفل ليرى الجميع حزنها كما تُخبر ذاتها بضرورة هذا.
***
شعر بالحيرة نحو "فرح" ابنة عمه بالأمس تُخبره بعدم التواجد معها بذات المنزل والآن تُخبره بالعودة.
قهقه بشدة حينما تذكّر حديثها معه منذ الصباح مُخبرًا ذاته هل جنت أم ماذا.
ارتدي حلته السوداء وقميصه الأسود كحال قلبه، رافضًا إرتداء أي أقنعة أخرى فهذا اللون كفيل ببعث الغموض حوله، انتهى من وضع عطره ثم هبط لأسفل حيث يقف الجميع ينتظره بتأفف لتأخره فابتسم بإزدراء ولم يُعقب.
اختلس النظر بعيناه فستانها الأزرق الداكن اللامع، تاركة العنان لخيوطها الذهبية تنسدل خلف ظهرها، يحيطها هالة من الجمال كأميرة هاربة من كتب الاساطير.
حمحم لينظف حنجرته وتحدث بنبرةٍ هادئة محاولًا عدم النظر نحوها مرةً أخرى كي لا يشعر بشيء لا يرغب به من الأساس: جاهزين علشان نتحرك ياماما؟
أومأت له بمكر حينما لاحظت مراقبته وحدقه بها بإفتتان، فلكزتها بخفة أن تنظر نحوه كي تبادله نظرات الاعجاب؛ لكنها رفضت وطأطأت رأسها خجلة، لاعنة ذاتها وزوجة عمها لإصرارها على إرتداء هذا الفستان لعلمها بأنه اللون المفضل لابنها.
***
وقفت "ورد" أمام قبره بجمود عكس ما بداخلها تكاد حرارة الشمس توقد الأرض نارًا، قلبها يخفق كطيرٍ حصل على حريته للتو، كزهرة حصلت على الماء بعد جفاف وعطشٍ شديد.
لم تكن تحلم بأن ذلك اليوم بهذا القرب، كان الأمل دومًا يُحاوط قلبها رغم اليأس من حياتها البائسة المريرة ولا تعلم كيفية التخلص من سجينها.
استفاقت من شرودها على صوت "ماجد" بنبرةٍ هادئة: يلا يا ورد نتحرك.
تنهدت بإرتياح ثم تحركت للخارج معهم، القت نظرة أخيرة على قبره مبتلعة غصّة مريرة تشكلت بحلقها لا تعلم سببها.
رغمًا عنها فرت دمعه حارة، ثم تساقطت عبراتها بغزارةٍ كأنها كانت تحمل مشاعر نحوه من قبل.
وضعت يدها فوق أحشّائها ثم انفجرت في بكاء مرير حينما تذكّرت المأزق الذي وضعها بها ثم غادر الحياة تاركًا إياها تحمل جنينه غير عالمًا بالعوائق الوخيمة التي عليها تحمُلها وحدها.
رواية انما للورد عشاق الفصل العاشر 10 - بقلم ماهي عاطف
تناثرت دموعها بين السطور.
نُقشَ حزنها بين الزهور.
نخر الوجع قلبها بلا هوادة.
اعتادت على غزو الألم داخلها حتى باتت ذات مناعة قوية ضد الصدمات، تحتملها كما تحتمل وخزة الإبر.
لم ترتكب ذنبًا لتعيش هذا الوجع.
لقد سئمت من الجميع، لا ترغب برؤية أحد، يكفيها البقاء بمفردها في راحة بال.
تلك الزهرة التي كانت متفتحة تبهر كل من يراها ذبلت وهلكت.
صارت كطائر صغير فتح عينيه لم يجد حوله سوى حشائش.
أسفله أرض صلبة لم يتحملها جسدها البض الرقيق، وأعلاه سماؤه للتحليق؛ لكنه مسلوب الجناحين لا يعلم شيئًا يُدعى "الحرية".
لقد حتم عليها الأمر بالبقاء.
أمسكت بالفستان الذي أهداه لها حينما سكبت والدته العصير فوقها.
تستنشقه فهي لم ترتديه بتاتًا لشعورها بالنفور نحو كل شيء كان يملكه ويجلبه لها.
مُرتسمة ابتسامة وجع فوق شفتيها.
شعورٌ يكاد أن يقتلها مستحوذ عليها لا تعلم سببه بعد.
لِمَ تنحب بشدة وتذرف الدموع لفقدانه هكذا؟
لِمَ لا تستطيع العيش في سلام دون التفكير في شيءٌ بغيض خاص به يزعجها؟
لِمَ تشعر بالغدر نحو ذاتها وكأن لها يد فيما حدث له؟
ضاقت أنفاسها من الألم وغامت عيناها بالعبرات.
لتجلس على الأرض وتضم قدميها إلى صدرها محتضنة إياها وتهتف باكية بحرقة:
كنت فاكرة بموتك هعيش سعيدة وفرحانة.
اكتشفت إنك زي اللعنة هاتفضل محاوطني.
حتى يوم ما مشيت سيبت أثر ليك، حتة منك جوايا.
بتر حديثها مع ذاتها طرق خفيف على الباب.
استمعت له جيدًا ولم تبالي للرد على الطارق.
والذي دخل فورًا بعد طرقهُ.
وكانت زوجة عمها التي جلست بجوارها هاتفة بحزن طفيف:
فات أسبوع على موت فريد حبيبي الله يرحمه.
كان نفسي ربنا يطول في عمره واشوف اولاده بس راح بدري وراحت معاه كل حاجة حلوة.
لتتابع بتحشرج حزين وهي تنظر نحوها بوجه شاحب كالأموات:
عايزاكي تهتمي بنفسك شوية يا ورد واللي في بطنك كمان.
هو ملهوش ذنب في حاجة.
"شكرًا يامرات عمي أنا واللي في بطني كويسين مش محتاجين سؤال ولا اهتمام من حد."
تجاهلت ردها الشرس مُعقبة بغيظ مكتوم.
فهي أرادت صفحة جديدة معها لكنها بحديثها المُهين هذا جعلتها تتراجع:
طب قومي ألبسي علشان هاتروحي مع ماجد للدكتور يشوفك.
اصطكّت أسنانها ببعض من تدخُلها في ما لا يُعنيها.
فردت بجفاء:
قُلت محدش ليه دعوة بيا ولا يهتم بيا أصلًا.
وفري اهتمام وخوف ليكِ ولصحتك.
حدقتها الأخرى بطرف عيناها في استنكار.
قائلة ببرود:
والله أنا بعمل كل ده علشان حفيدي مش علشانك.
"بصي هسيبك تكلمي نفسك وتهرتلي بكلام مافيش منه فايدة وهنزل تحت الجنينة.
وياريت لو تبعدي عني طول فترة الحمل علشان مش حِمل اجيب حد شبهك."
ابتسمت بغطرسة ثم تحركت تتمايل بمشيتها كي تثير الغضب نحو تلك المتعجرفة.
كبحت غيظها منها لتقول بتواعد:
والله لهوريكي يا ورد، لمّا نشوف هاتفضلي كده لحد امتي.
****
بعد ساعة هبطت الدرج بوجه مكفهر.
حينما هاتفها "ماجد" بضرورة تواجدها بالأسفل لاستقبال "فيروز" التي جاءت كي تتحدث معها بأمر هام غامض بالنسبة لها.
فلا يوجد حديثٍ يجمعهم سويًا؛ فلماذا ترغب في رؤيتها إذن؟
تنفست بعمق تحاول ضبط انفاسها المسلوبة من الفضول الذي استحوذَ عليها.
فتحدثت بتعالٍ:
خير يافيروز، إيه الموضوع المهم اللي بيجمعنا وعايزة تقابليني علشانه.
دُهشت من نبرتها المتعالية خاصةً بعدما فقدت نجلها.
فتجاهلت هذا قائلة بجمود وغضب في آنٍ واحد:
أنا جاية اخد ورد تقعد عندي.
" لحظة بس، يعني إيه تاخديها تقعد عندك؟ "
زفرت بحنق صائحة بانفعال بعدما فقدت السيطرة على تمهُلها الشديد نحوها:
اللي سمعتيه ياكوثر، أنا عايزة ورد تبعد عن المشاعر السلبية والحزن شوية، كفاية عليها كدا.
ارتسمت بسمة ساخرة فوق شفتيها قبل أن تُعقب باستخفاف:
دا على أساس إنكم مشغلين أغاني هناك والا إيه؟
رمقتها بغيظ ثم وقفت في موضعها قائلة بعدوانية من سخرتها اللاذعة نحو حديثها:
مش عارفة أنا بتكلم معاكِ ليه أصلًا، لا باخد منك حق ولا باطل، أنا هكلم الأستاذ محمود واتفاهم معاه أفضل.
قهقهت بقوة كأنها أخبرتها مزحة للتو، مُغمغمة بنبرةٍ ساخرة:
يعني مش بتاخدي مني حق ولا باطل وهتاخديه من محمود؟
وأنا بقول ورد طالعة دمها خفيف لمين، اتاريها طالعة لك.
استشاطت غيظًا فبترت حديثها اللا جدوى منه معها.
ثم تحركت للخارج لاعنة إياها، داعية ربها أن يحرر قيود تلك "الورد" من هذا الجحيم الذي يخدش فوق جروحها المؤلمة.
***
بعدما عاد من المشفى بصُحبة ابنة عمه صعد كي يوضّب حقائبه كي يعود كما جاء.
فمهما ابتعد عن الهموم يظل الحزن يرافقه دومًا كظله.
فقدان شقيقه الأكبر وصديقه المقرب جعله يود ملاحقتهم.
فالوحشة كالسُم، هذا الشعور القاتل الذي يهدد سعادته ويُعيق تقدمه نحو الحياة من جديد.
فما هو إلاّ عابر سبيل يوضّب حقائبه كل حينٍ ليرحل ويعود مُتسائلًا ذاته لأي مدى سأبقى صامدًا؟
ولِمَ خُلقتُ للمعاناة دومًا ولا يعاود لديّ الشعور بالسعادة سوى بصيص؟
اصطدم بوالدته التي هبطت الدرج بعد مشاجرة حادة مع زوجها من أجل بقاء"ورد" كالعادة.
اشارت نحو حقيبته بعدم فهم.
ليتنهد مُغمغمًا بجمود:
راجع لشغلي في بنى سويف.
أومأت له بعينيها ثم اقتربت تقف قبالته مُردفة بحديثٍ غامض لكنه ذات مغزى:
سافر، بس عايزاك تنزل بعد شهرين.
دُهش من حديثها مُعقبًا بتساؤل:
اشمعنا يعني؟
" اسمع الكلام وخلاص ياماجد، مش وقت استفسار منك. "
أومأ لها على مضض ثم خرج كي يغادر.
لكنه اختلس النظر نحو تلك الصامتة كالمعتاد لا تتحدث مع أحد بتاتًا كأنها ترغب بالابتعاد والعيش لذاتها فقط.
وضع أشيائه فوق المقعد ثم تحرك نحوها ببطء.
جلس بجوارها مُربتًا فوق كتفها بخفة كي يلفت انتباهها نحوه.
فابتسم لها حينما نظرت نحو عيناه.
لم تبادله الابتسامة صمتت تنظر بحيرة شديدة له، بتوجسٍ كأنه ذات الشخص سجينها.
ترى بهِ "فريد" هذا السيكوباتي المختل ذهنيًا هل جنت تلك أم ماذا؟
اغمضت جفونها بقوةٍ تعتصر قبضة يدها.
ثم عاودت النظر نحوه تنتظر حديثه بترقبٍ.
تفهم نظراتها جيدًا فحمحم بصوته الرجولي قائلًا بنبرةٍ هادئة:
ورد أنا راجع لشغلي دلوقتي مش هعرف ولا هقدر انزل دلوقتي خالص، فعلشان كده.
اخرج من جيب بنطاله ورقة مطوية ليضعها فوق المنضدة امامها مُستكملًا حديثه برجاء خافت:
دا رقمي وفي عنوان شغلي لو حسيتي إنك محتاجة ليا كأخ وسند كلميني.
أنا مقدر كرهك لينا ودا حقك طبعًا لإنك ماشوفتيش أي حاجة تدل على الخير ليكِ بس خلاص وجودك معانا بقى أمر واقع دلوقتي، مافيش مفر يعني، خصوصًا ابن أخويا فريد.
بترت حديثه الخجول نحوها لتبتلع ريقها بصعوبة تؤمى له بتحشرج حزين:
فهمت ياماجد، فهمت خلاص إني هفضل هنا تحت طوعكم مش هاخرج ولا هاعيش حياتي خلاص.
بعد ما فريد مات افتكرت إني هكون حرة، بس طلعت غلطانة وجدًا كمان، بس يلا الإنسان طول ما هو عايش بيتعلم.
لغزٌ ، غموضٌ ، تشتتٌ ، كل هذا بها.
تمنى لو يعلم مغذى حديثها المجهول هذا كي يعاونها كي تقف على قدميها من جديد بهيئة قوية.
تملك به الشعور بالعجز من صمتها.
ثم استأذن ورحل دون أن ينبث بكلمةٍ أخرى معها، تاركًا إياها تُعاني من حديثه القوي الذي جعلها تستفيق من قوقعة الأمل الذي تجدد بداخلها وعاد لها بعد فراق مُعذبها.
***
لقد أسقطها القدر في بئر مظلم لا نجاة منه وهي مكبلة الأيادي.
كانت تشعر بالسعادة منذ معرفتها بضياع حبه وصارت لشخصٌ آخر.
حينما غادر الحياة استحوذ عليها من جديد شعور الوجع والفقدان مرةً أخرى.
تعلم جيدًا بأنه يستطيع الآن الزواج منها بسهولة؛ فلا يوجد عائق أمامه.
امسكت حقيبتها تبحث عن مبتغاها.
لكنها لعنت ذاتها حينما تذكّرت بأنها استنشقته الأسبوع الماضي متواعدة بداخلها بأن تتركه وعدم العودة له بتاتًا.
لكن الأمر ازداد سوءً عندما وجدت عيني"عاصي" تلمع بوميض الحب نحو تلك "الورد" من جديد.
وكل شيء كان يجول بخاطرها تبخر كالريح؛ فعادت إليه مرةً أخرى كي تتناسي حبها اللعين نحوه.
شددت على خصلاتها المتمردة بقوةٍ ثم ركضت نحو الأريكة تجذب هاتفها لتُهاتف شخصٌ ما.
جاءها الرد علىٰ الفور فتحدثت بانفعال:
هات لي جرعات زيادة حالًا.
"والله يافروحة السوق واقف ومفيش خالص، بس هحاول اجيب لك حاجة تانية تريحك."
زفرت بعنف قائلة بشراسة لأولِ وهلةٍ تتحدث بنبرتها العدوانية هذه:
اسمع، نص ساعة قدامك تتصرف لي، أنت موجود علشان مزاجي، أنا بديك فلوس مش بونبوني، سامع يافخري، نص ساعة بالظبط واقسم لك ما هيكون في بينا تعامل تاني وابقي دور على حد يديك بس نص الفلوس اللي بتاخدها مني.
أغلقت هاتفها ثم قذفته فوق الفراش بعنف.
اتجهت نحو المرحاض كي تغسل وجهها لتهدئة ذاتها قبل رؤية أحد لهيئتها المبعثرة تلك.
****
استيقظ على صوت رنين هاتفه الصاخب.
فتأفف بحنق ثم ضغط علىٰ زر الاغلاق كي يواصل نومه.
لكن المتصل كان مصرًا على التحدث معه.
قبض على الهاتف بقوة وأجاب بزمجرة:
ايوة ياماما بترني لية؟
"روحت اقنع كوثر إن ورد تقعد معانا رفضت وكنا هنتخانق، بص أنا دلوقتي في الطريق لمّا اجي نتكلم بس صحصح واستناني تحت في الجنينة."
ثم اغلق الهاتف واضعًا يده فوق عيناه يفركها بإرهاق لشدة احتياجه للنوم العميق.
زفر بعمق مُتجهًا نحو المرحاض يغسل وجهه، يهبط لأسفل كي ينتظر والدته.
بعد نصف ساعة هبطت الدرج تنظر يمينًا ويسارًا بتوجسٍ.
بخطواتٍ متأنية بطيئة كالسلاحف، مبتلعة ريقها بصعوبة، داعية ربها أن تمر هذه اللحظة وهي تلتقي بهذا الشخص الذي عافر ليجلب ما يروق لها من تلك العقاقير!
تغلغل القلق داخل أوصالها، مستحوذًا عليها شعور الخوف من رؤية أحد لها.
وجدت "فخري" يستند على سيارته بالخارج، ينفث دخان سيجارته مبتسمًا لها بازدراء، يتفحص بعينيه الجائعتين جسدها البض بوقاحة أغضبتها؛ مما جعله في كل مرة يتحكم بغضبه كي لا يفتك بها من شراستها معه بالحديث.
فرغمًا عنه، وقع أسيرًا لها فبات يبتلع حديثها المُهين بتلذذٍ كحلوى شهية!
تقدمت منه، تقف قبالته مُغمغمة بغيظ مكتوم:
جبت اللي قلت لك عليه؟
" أمال هاجي علشان أشاهد جمالك يا روحي؟ "
تنهدت براحة، مخرجةً من بنطالها حفنة من المال.
جعلته يبتلع ريقه بصعوبة لتبتسم بسخرية قبل أن تُعقب بغضب:
مش بتقول السوق واقف، جبت إزاي بقى؟
قهقه مُجيبًا بهيام وعيناه تشع بالوقاحة نحو هيئتها الفاتنة، مما جعلها تبتعد خطوة للخلف:
علشانك ممكن أعمل أي حاجة، أهم حاجة ننول الرضا من ناحيتك يا حبيبي.
" أنت هتصاحبني ولا إيه؟ اتفضل خد فلوسك وهات الحاجة بتاعتي."
تنفست الصعداء بعدما انتهت من فعلتها والحديث معه بصعوبةٍ.
وضعت الكمية الهائلة التي أعطاها إياها في جيب بنطالها من الخلف، والمتبقي وضعته في حقيبتها الصغيرة السوداء التي أحضرتها معها تحسبًا لأي شخص يراها.
اتسعت عينيها وفغرت شفتيها بأنفاسٍ تخرج ثقيلة من هول رؤيتها نحو الشخص الذي كان يجلس بجمود، ناظرًا نحوها بتمعنٍ شديد عندما وجدها تقف كالصنم، تحبس أنفاسها بصعوبةٍ متوجسةٍ من قدوم عاصفة هوجاء تحمل الكثير بين طياتها.
بدأ الزعر يدب أوصالها بشدة وهي تراه يتقدم نحوها.
كانت تخشى معرفته بالأمر، والآن اتضح لها أنه قد علم بما تخفيه.
وقف أمامها بطوله الفارغ يتفحصها عن قُرب، فكتمت أنفاسها تعد بداخلها للعشرة في محاولةٍ لاستعادة هدوءها.
بينما هو وجه حديثه لها باحتدام:
مين اللي كان معاكِ برا؟
ابتلعت ريقها تبحث عن حديثٍ كاذب مراوغ تخبره به، فعقبت بتلعثم خافت:
دا مندوب توصيل ليا أوردر.
رفع حاجبيه بشك مُغمغمًا بتساؤل حاد:
متأكدة؟
" هكدب ليه يعني يا عاصي؟ "
رمق علامات الارتباك البادية فوق قسمات وجهها بعدم ارتياح مُجيبًا بنبرةٍ تحذيرية:
شكله مش بيدل على كده أبدًا، بس تمام هصدقك، هتندمي لو طلعتي بتكدبي يافرح.
تشنجت ملامح وجهها بانفعال فأردفت بحدة:
وأنا هكدب ليه يعني؟ قلت لك مندوب جايب أوردر ليا، إيه الكدب في كدا؟
" قولي لنفسك بقى، وبعدين فين الأوردر اللي طلبتيه مش معاكِ ليه غير شنطتك؟ "
تلعثمت في الرد محاولة اجتذاب حديثٍ آخر كي يصمت عن حديثه الذي يحمل نبرات التهديد كأنه يُخبرها بأنها ستنال عقابًا وخيمًا إذا علم بتخبئة شيءٍ عنه.
بتر شرودها صوت "فيروز" المرهق ووجهها الشاحب ليركضا نحوها يحاوطا جسدها كي تجلس فوق الأريكة.
أغلقت جفونها متنهدة بعمق ثم وجهت حديثها نحو ابنها القلق بشأنها:
عاصي اعمل أي حاجة وهات ورد تعيش هنا بالله عليك، مش مستحملة خالص أشوفها حزينة كدا.
لتستكمل بشفقة كلما تذكّرت هيئتها الموجعة لكل من يراها:
كوثر قادرة مخليها تحت طوعها وماحدش ليه كلمة هناك غيرها.
شعرت "فرح" بالشفقة نحوها كونها وحيدة مثلها.
تعلم جيدًا زوجة عمها تلك المتعجرفة، ذات هيئة قوية حينما تحدثت معها أدركت توجس الجميع منها وعدم الاحتكاك بها راحة شديدة.
بينما "عاصي" لا يعلم هل يشعر بالشفقة والحزن نحوها أم بالسعادة لرغبة والدته الملحة نحو جلبها كي تبقى هنا؟
تنهد مُجيبًا بإصرار جعل قلب ينفرط من شدة الألم نحو حديثه الصادم:
هجيبها هنا يا ماما غصب عنهم، هتجوزها كمان.
لم ترغب في سماع المزيد من السم الذي يخرج منه؛ فاستأذنت ثم هرولت لأعلى نحو غرفتها غافلة عن الأعين الحزينة التي ترمقها بوجع، لتوعدها الزائفة بأنها ستفعل ما بوسعها كي تتزوج بابنها.
الآن تبخر كل شيء وباتت الوعود واهية.