تحميل رواية «انكسار الروح» PDF
بقلم الاء محمد حجازي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
انتِ مجنونة؟ عايزة تسيبي خطيبك قبل فرحك بشهر؟ انتِ عارفة الناس هتتكلم وتقول عليكِ إيه؟ الكلام وقع على شهد زي صفعة، بس مش جديدة… صفعة متعودة عليها، بتيجي لها كل ما حد يسألها السؤال اللي هي نفسها مش لاقياله إجابة غير وجع. وقفت، أخدت نفس طويل، وحطت إيديها في وسطها كأنها بتحاول تثبّت نفسها قبل ما تقع. ما هو على إيدِك… إني مش مستريحة. مش هفضل ماشية في طريق أنا عارفة نهايته. مش هستنى لحد ما أتجوز وأطلق. هو أنا ناقصة؟ بصت مها لها بحدة، بقلق، بخوف على مستقبلها أكتر من خوفها على وجعها. قربت منها خطوة وقا...
رواية انكسار الروح الفصل الأول 1 - بقلم الاء محمد حجازي
انتِ مجنونة؟ عايزة تسيبي خطيبك قبل فرحك بشهر؟ انتِ عارفة الناس هتتكلم وتقول عليكِ إيه؟
الكلام وقع على شهد زي صفعة، بس مش جديدة… صفعة متعودة عليها، بتيجي لها كل ما حد يسألها السؤال اللي هي نفسها مش لاقياله إجابة غير وجع. وقفت، أخدت نفس طويل، وحطت إيديها في وسطها كأنها بتحاول تثبّت نفسها قبل ما تقع.
ما هو على إيدِك… إني مش مستريحة. مش هفضل ماشية في طريق أنا عارفة نهايته. مش هستنى لحد ما أتجوز وأطلق. هو أنا ناقصة؟
بصت مها لها بحدة، بقلق، بخوف على مستقبلها أكتر من خوفها على وجعها. قربت منها خطوة وقالت:
طب وأمك؟ هترضى بكده؟
شهد عضت شفايفها، عينيها لمعت، جسمها شد فجأة كأنها بتحاول تمنع نفسها من الانهيار، وقالت بصوت هادي بس بيقطع:
ترضى أو ما ترضاش… أنا هعمل المستحيل علشان أسيبه.
الجملة خرجت منها كأنها إعلان حرب.
على نفسها.
وعلى المجتمع.
وعلى كل خوف كانت مستخبية وراه.
شهد أخدت شنطتها من على الكنبة وقالت وهي بتحاول تتماسك:
أنا هلحق أمشي بقى عشان ما اتأخرش.
خرجت من البيت بخطوات سريعة، خطوات شكلها هادي لكن جوّاها زلزال. ولما الباب اتقفل وراها:
طبعا أي حد هيسمع هيلومني، وهيغلطني، وهيقول إني مجنونة. بس محدش عارف المأساة اللي أنا بعيشها. من يوم ما اتخطبت له… لا، حتى من قبل ما اتخطب له.
عمري… عمري ما عملت الحاجة اللي بحبها.
يوم ما تقدم زياد، قلت لِماما إني مش موافقة. مش عايزاه.
لكن إزاي؟ إزاي بنتي الوحيدة… وسط عيال عمامها وخالاتها… تبقى الوحيدة اللي ما اتخطبتش؟
انخطبي له وغصب عنك.
كده… بالحرف.
اتكلمت. وحيلت. وزعلت. وصوتي اتكتم في آخر لحظة.
وفجأة لقيت دبلته داخلة في إيدي. كل حاجة جات بسرعة.
قلت يمكن خير، يمكن يبقى عوض، يمكن ربنا كاتبلي حاجة حلوة.
بس الحقيقة؟
ولا يوم… عملت فيه اللي بحبه.
كل حاجة، كل حاجة، بتتفرض عليّ.
دراستي.
لبسي.
أكلي.
شربي.
نفَسي.
ولما اتخطبنا… وشه الحقيقي ظهر.
أقل سر بينا لازم أخواته البنات يكونوا عارفينه.
ولو في حاجة بخاف منها… فوبيا… نقطة ضعف، وهو عارف.
من غير ما يفكّر، يقعد يتريق عليا قدام الناس.
ضحكة، كلمة، تعليق كأنها سكينة داخلة في قلبي.
ولو حد وجه ليّ كلمة… ما يردش.
يسيبني أقف لوحدي… كأني مش خطيبته، كأني ولا حاجة.
يمكن عمري ما قلت لحد الأسباب دي.
عشان أي حد هيعتبرها تافهة.
بس بالنسبة لي؟ دي كانت كفاية… كانت دافع قوي جداً إني أسيبه.
ولسه… كل ده مقدّرش يشرح الخوف.
آه… الخوف.
أنا بخاف منه.
بيخوّفني.
مش أماني.
إزاي أتجوز حد… وهو مش أمان ليا؟
لو حصلت مشكلة، بدل ما أروح له، هبقى خايفة منه.
طب إزاي؟
إزاي أتجوز حد… أنا بخاف منه؟
الزوج المفروض يبقى سند، يبقى حضن، يبقى راحة.
مش الشخص اللي يخوّف مراته… ويخلّيها تبص على المستقبل كأنه سجن.
شهد مسحت دمعة نزلت بالعافية وهي ماشية، ورفعت راسها للسماء كأنها بتدور على إجابة.
الهوى كان ناشف، بس قلبها أنشف…
ومع ذلك كانت ماشية، ومصممة، ومش ناوية ترجع خطوة واحدة لورا.
افتكر من كام يوم كان بيرن عليا كتير قوي. تليفوني كان صامت، وأنا ما خدتش بالي. أول ما فتحت وشوفت اتصالاته، رحت مكالمه. وبعد أول كلمة… سكت. سكت بس ثواني، قبل ما صوته يقطع قلبي.
انت ما بتفهميش؟ انت عاملة التليفون صامت ليه؟ انت المفروض من أول رنة تردي عليا. انت غبية يا شهد.
واكيد بتكدبي، ومش عاوزه تكلمني ولا تردي عليا.
الجملة دي تحديدًا… كانت بتخلّي جسمي يبرد.
مفيش احترام.
مفيش رحمة.
مفيش حتى محاولة يفهم.
قلت له بهدوء ما كنتش عارف إنه موجود جوايا، يمكن ده اللي استفزه أكتر.
أنا بقول الحقيقة…
ما كانواش لسه خرجوا الكلمتين من بقي، لقيته قافل السكة.
كنت واقفة ماسكة التليفون… وإيديا بتترعش، مش من صوته، لكن من قهري إني سايبه يعمل فيا كده.
وفي مره كمان كنا مع بعض بره في قاعده انا وهو واخواته
ضحك وهزار، كلهم مبسوطين.
بدأوا يتريقوا عليا من غير سبب… على أي حاجة صغيرة، على طريقة كلامي، على نظراتي، على أي حاجة.
وهو؟ ساكت. ولا كلمة. ولا حتى رفع راسه عليا. كأني مش موجودة. كأني مجرد دمية قدامهم.
الضحك كان بيوجع أكتر من أي كلام مؤذي.
حسيت بالاختناق. عرفت إن محدش هيفهم، حتى هو، وحتى لو حاول.
وده كان أصعب حاجة… إن الشخص اللي المفروض يكون سندك، يكون ساكت، ويخليهم يكملوا.
يمكن أمي ست قوية، وكل حاجة كانت بتتفرض عليا من وأنا صغيرة، من أول لبسي لآخر قرار في حياتي.
بس لو على موتي…
أنا مش هتجوزه.
وده عهد من جوايا، وده قرار اتأخر كتير، بس أخيراً جيه.
وكأنها أول مرة أحس إني بقول كلامي أنا… مش كلام حد غيري.
فضلت في الشارع، والهوى بيعدي على وشي، بس جوه قلبي كان في هوى أعمق… هوى الحرية اللي لأول مرة حقيقي، ولأول مرة… مش بخاف منها.
وصلت البيت وأنا عارفة إن المواجهة الحقيقية لسه مبتديتش. كل الكلام اللي حصل برا… ولا حاجة جنب اللي مستنيني جوا.
أول ما فتحت الباب، سمعت صوتها قبل ما أشوفها.
ما لسه بدري يا ست شهد؟ طول النهار هتفضلي قاعدة مع مها ولا إيه؟
دخلت وقلبي بيخبط من الخوف.
معلش يا ماما… الكلام خدنا.
ردت وهي واقفة قدام المطبخ، إيد على وسطها وإيد بتشاور بيها عليّ:
طب يا أختي قومي يلا… عشان نجيب بقى حاجات الجهاز بتاعك.
قلبي وقع. رجلي ثبتت في الأرض. إيديا بدأت تتفرك في بعض من غير ما أحس.
ماما… أنا كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع… قبل ما ننزل.
قومي يا زفتة لما نيجي نبقى نتكلم. خلينا نخلص بقى ونجوزك.
المرة دي ما سكتش. خدت نفس… وطلع، غصب عني.
ماما… عايزة أكلمك في موضوع مهم.
لفت لي بسرعة بعين ضيقة:
طب انجزي يا زفتة.
أنا مشيت خطوتين ناحيتها… وقف قلبي هناك، في نص المشوار، قبل ما صوتي يطلع.
أنا… عايزة أسيب زياد.
الجملة نزلت في البيت زي قنبلة.
الجدران نفسها سمعت.
الهوى اتقطع.
وجسمي اتجمد وأنا مستنية ردها… الرد اللي عارفة إنه مش هيكون سهل، ولا بسيط، ولا حتى رحيم.
لكن كنت واقفة.
واقفـة… ومستعدة.
لأول مرة في حياتي.
رواية انكسار الروح الفصل الثاني 2 - بقلم الاء محمد حجازي
ماما… أنا عايزة أسيب زياد.
لفت عليّا بسرعة، وكأنها ما صدقتش ودنها.
انت اتجننتي؟ انتي عايزة تسيبي خطيبك قبل فرحك بشهر؟ هو انتي فاكرة الجواز لعبة؟ بعد ما جه واتقدم هو وأهله… تيجي تقوليلي عايزة تسيبيه؟ وبعدين انتي عارفة الناس هتقول علينا إيه؟ انتي عارفة اللي هيحصل؟ وسمعتنا هتبقى عاملة إزاي؟
قلبي وجعني من كلمها، دي فكرت في كل حاجة إلا أنا، بس خلاص اتعودت زي ما بيقولوا كده اكتسبت مناعة، بس صوتي خرج ثابت:
ماما… أنا مش مستريحة.
قربت مني خطوة، كأنها هتبلعني:
إيه اللي مش مرتاحة؟ دي خطوبة، كل الناس بتتخانق وتتعصب. ولا انتي عاوزة تفضحي نفسك، وتفضحيني معاكي؟ هو عملك إيه؟ ده ولد زي العسل، ده ما يتعوضش.
سكت ثواني… ثواني كان فيها كل اللي اتكسر جوايا.
ماما… ده بيهينني.
بيهينني. بيسيب أخواته يتريقوا عليا، وما يتكلمش. كل حاجة في حياتي بتحصل على مزاجه. وده غير إنه… بيشتم. وبيقلل مني. وبيخوفني.
هزت راسها وقالت بلا مبالاة:
لا… انتي اللي حساسة زيادة عن اللزوم. ده الراجل، وهو وإخواته بيهزروا معاكي. وبعدين ما تنسيش نفسك… انتي كنتي بتحلمي بواحد في منصب زياد وسمعته.
رفعت صوتها أكتر، وكملت:
لو كل بنت سابت خطيبها علشان كده ماحدش هيتجوز. ولا انتي فاكرة إنك حاجة؟ ده انتي فقر… ونحس… ووشك قدام الناس أصلاً ما يشجعش.
الكلام دخل على قلبي زي السكاكين، بس أنا ما اتراجعتش.
رفعت عيني ليها وقلت:
أنا مش فارق معايا اللي بتقولي ده… لإنك عمرك ما حسيتي بيا. عمرك ما شفتي وجعي ولا سمعتيني ولا وقفتي جنبي. زي ما عمرك ما حسيتي بيا قبل كده… مش هتحسي دلوقتي.
وقفت لحظة… وبعدين قلتها بوضوح أكبر:
ماما… أنا بخاف منه.
ضحكت بسخرية قطعت روحي:
ما انتي لازم تخافي منه. الست لو ما خافتش من جوزها مش هتعمل له حساب. وأنا عارفاكي يا بنت بطني… لازم تخافي عشان تحترمي اللي قدامك.
قربت منها خطوة، صوتي بيرتعش من الغضب وجرح قديم:
عارفاني؟ انتي عمرك ما عرفتيني يا ماما. ولا عرفتي أنا بحس بإيه ولا بتوجع من إيه. وبعدين مين قال إن الست لازم تخاف من الراجل؟ الخوف ما بيعملش احترام… الخوف بيكسر. الخوف بيحول الجواز لسجن. يخلي الست ساكتة… متألمة… خايفة حتى تعيط. إزاي أعيش مع راجل كل ما أتكلم أخاف؟ كل ما أزعل أخاف؟ كل ما أبص له أخاف؟ هو ده جواز؟ ولا عقاب؟ أنا عايزة بيت… وأمان… وضهر ما يوجعش. عايزة راجل لو الناس ضحكت عليّا… يبقى هو أول واحد يقف جنبي، مش أول واحد يكمل معاهم. الراجل اللي يخوّف مراته… ده مش راجل. ده واحد بيدوّر على ضعفها، مش قوتها. وحد زي ده… آخر حد يشيل اسمي معاه.
دمعة نزلت، مسحتها بسرعة، وبصوت ثابت لأول مرة في حياتي قلت:
أنا مش هعيش مع حد بخاف منه. ولا هبني بيتي على رعب. ومهما قلتي… مش هغير كلامي. مش هكمل مع زياد.
اتجمّدت لحظة، وبعدين قالت بانفجار غضب:
انتي هتعنديني يا شهد؟ بعد كل ده… وتيجي تقوليلي مش هتجوزيه؟
بصيت لها… وقفت ثابتة… حسّيت لأول مرة إني واقفة لنفسي:
أيوه يا ماما… ومهما حصل… أنا مش هتجوزه.
أول ما الكلمة خرجت من بوقي… الدنيا ولعت. أمي ولعت. صوتها ضرب في الحيطان قبل ما يضرب في قلبي.
انتي بنت قليلة الأدب؟ انتي مش محترمة! يا ريتني ما خلفتك!
رجلي ثبتت في الأرض، بس قلبي وقع.
كانت قربت مني شوية:
أيوه… ما هو عشان أبوكي مات، ما عادش حد قدرك. ما عادش حد عارف يلمك. يا ريتني ما جبتك!
الكلمات دي كانت أسوأ من أي ضربة. سكاكين… سكاكين بجد. وأنا؟ أنا ما قدرتش أتكلم. اتجمدت. حتى نفسي حسّيته بيوجعني. بس ده الطبيعي. بعد أي خناقة… لازم تقول لي يا ريتني ما خلفتك. ساعات بحس إن أنا مش بنتها أصلاً.
أنا أبويا مات وأنا في تانية إعدادي. مات السند… الأمان… الحنان… مات كل حاجة حلوة. ومن يومها وأنا بسمع نفس الكلام… اسمعي يا شهد… أبوك مات… ما عادش حد يشيلك. وانتي… ولا كأنك بنتي.
قلت بكل القهر اللي في الدنيا:
يا ريتني فعلاً ما جيت الدنيا… عشان ما أسمعش الكلام ده. عشان ما أعيشش اليوم ده. عشان ما أكونش بنت أم زيك.
أمي هنا اتجننت. كأن الكلام وجعها أكتر من اللازم… أو لمس حاجة كانت مخبيّاها. قربت بخطوة سريعة… ورفعت إيدها… وقبل ما ألحق آخذ نفسي… القلم نزل على وشي. وشي لف. وعنيا دمعت غصب عني. ما قلتش ولا كلمة. ولا حتى بصيت لها. لفّيت… جريت على أوضتي… قفلت الباب ورايا بسرعة… وسندت ضهري عليه. وساعتها بس… سمحت لدمعة واحدة تنزل. دمعة… كانت تقيلة أوي… كأنها دمعة سنين مش بس لحظة.
عدّت فترة… فترة طويلة، وطويلة على قلبي كمان، بس كانت كفاية تغيّر كل حاجة. وأخيرًا… سيبت زياد. وده ما حصلش بسهولة… ولا كان قرار بيتاخد في ثانية… ده كان حرب. حرب مع أمي… حرب مع الخوف… وحرب مع نفسي.
بعد القلم والمواجهة، اللي حصل بعدها كان أسوأ. عركة… عركة نار. صرخ… شتايم… دموع… ووجع… كان بيخنقني. أمي كانت رافضة بأي شكل. كانت شايفة إن قرار زي ده فضيحة… خراب… عار… وإنها مش هتسيبني أبوّر على نفسي زي ما كانت بتقول. بس أنا كنت خلصت. ما بقيتش أقدر. ولا يوم واحد زيادة.
اضطريت… اضطريت ألجأ لِناس عمري ما كنت أتمنى أشركهم. عمي… خالي… الناس اللي شايفيني قوية من بره ومش عارفين إني كنت بموت من جوه. روّحت عليهم… اتكلمت… عرفت أشرح… ولأول مرة في حياتي… لقيت حد سامعني. عمي مسك راسه وقال: كان باين عليه… فيه حاجة غلط في الولد ده. وخالي قال: البنت ما تتاخدش غصب يا أختي… سيبيها. اتنين عليهم كلمة، وأمي واحدة… اضطرت ترضخ. مش لأنها اقتنعت… لكن لأنها اتزنقت. وفي الآخر… طلع القرار: لما زياد يجي ياخد حاجته… يبقى خلاص، كل حاجة انتهت.
وأول ما زياد عرف… أول ما سمع إني عايزة أسيبه… اتغيّر. ويوم ما زياد جه ياخد حاجته… كنت متوقعة يدخل يولّع الدنيا، صوته عالي، عيناه بتحدّف شرر. لكن أول ما دخل البيت… كان هادي. هادي بطريقة تخوّف. دخل بابتسامة باهتة، وقال بصوت شبه مكسور:
إنتي عايزة تسيبيني يا شهد؟ هو أنا عملت فيكي إيه؟ إحنا ماشيين كويس… ليه كده؟ ليه فجأة؟
كنت واقفة قدامه… ساكتة. مفيش فيا كلمة تطلع. لإني لو كسرت الصمت… كنت هقع. والوقعة دي مش هرجع بعدها.
حط شنطته على الأرض، وقعد… كأنه صاحب بيت. وقال بهدوء يخوف أكتر من الصريخ:
على فكرة… أنا مش من النوع اللي بيتساب. ومش من النوع اللي يتقال له امشي… فيمشي. انتي مش فاهمة انتي بتعملي إيه. ومش فاهمة انتي بتضيعي إيه.
سكت ثواني… وبعدين صوته اتغير فجأة. العين اللي كانت هادية… ولعت. القناع اللي كان لابسه وقع. وقف قدامي، صوته عالي بيخبط الحيطان:
هو أنا اللي أسيب! أنا اللي أقول أمشي ولا أكمل! مش انتي يا شهد! انتي اللي عايزة تسيبيني؟ ده اللي انتي فاكراه؟ ده اللي في دماغك؟
ضحك ضحكة كلها غضب:
والله ما أسيبك كده. فاهمة؟ مش هتخرجي من حياتي بالساهل. ولا هتعملي اللي في دماغك وتمشي.
قرب مني خطوة… قرب لدرجة حسّيت فيها بقلبي بيخبط على ضلوعي. وقال بوضوح أكتر، وبغرور مالوش آخر:
أنا ما بتسابش. ولو انتي فاكرة إنك هتعمليها… لأ. أنا اللي أقول. أنا اللي أقرر. مش انتي.
كان بيهدد. بيزنّقني بالكلام. يحاصرني بالمعاني اللي ورا صوته. وأنا… كنت واقفة. ساكتة. بس جوّاي كان في حاجة بتقع… بتنكسر… وبتتبني من جديد في نفس اللحظة.
زياد فضل يزعق… يفرّغ غضبه… يحاول يخوّف… يحاول يثبت إن السيطرة في إيده… إنه الأعلى… إنه مش هيتساب. بس كنت خلاص… خلصت منه. خلصت من الخوف. خلصت من التردد. خلصت من الوجع اللي كان بيأكلني كل يوم. وأخيرًا… بعد ساعات من زعيقه… أخد حاجته. وخرج من البيت. وطلعت معاه آخر ذرة كانت ربطاني بيه.
أول ما الباب اتقفل… حسّيت إني بتنفس من جديد. حسّيت إني رجعت لي. حسّيت إن الدنيا لسه فيها فرصة… وإن لسه في حياة ممكن أعيشها… من غير خوف. ووقتها بس… اتأكدت: أنا كنت ماشية صح. أنا كنت لازم أسيبه. وأنا… مش هرجع خطوة واحدة لورا.
وأخيرًا قررت أطلع. بعد ما سبّته… بعد كل اللي حصل… بعد كل الزعيق والخناق. طلعت الشارع… وأنا ماشية خطوة خطوة. الهوا حواليا كان مختلف… كأن كل نفس بياخده يهدّي لي قلبي شوية. وفجأة سمعتهم. اتنين ستات قاعدين على جنب، بصوا لي بدهشة وقالوا:
شوفي يا أختي، البنت ماشية في الشارع، ومش همّها حد إزاي! بعد ما خطيبها خد اللي هو عايزه وسابها! صحيح بنات عينها عاوز يندب فيها رصاصة؟
ردت التانية بعد ما ضحكت بصوت واطي وقالت:
صحيح… ما هي تربية واحدة ست، وأبوها مات… ما عندهاش راجل يقفلها… بس دلوقتي… هي ملك نفسها.
رواية انكسار الروح الفصل الثالث 3 - بقلم الاء محمد حجازي
شوڤي يا أختي، البنت ماشية في الشارع، ومش هَمّاها حد إزاي! بعد ما خطيبها خد اللي هو عايزه وسابها! صحيح بنات عينيها عاوز يندب فيها رصاصة؟
ردت التانية بعد ما ضحكت بصوت واطي وقالت: صحيح… ما هي تربية واحدة ست، وأبوها مات… ما عندهاش راجل يقفلها…
وقفت… بس ما كنتش واقفة بجسمي… كنت واقفة بروحي اللي اتخنقت.
بصّتلهم.
ومش عشان أرد… عشان أفتكر شكل الناس وهما بيظلموا حد ووشوشهم ثابتة… كأن الكلام مش هيتحاسبوا عليه.
مشيت… بس دماغي بدأت تشتغل… وتوجع… وتفكّر.
ليه؟ ليه بقينا بنقيس شرف البنت بخطوبة فشلت؟ ليه بنحسب قيمتها براجل؟ ولو مشي… تبقى هي الغلطانة. ولو اتأذت… تبقى هي اللي استاهلت. ولو اتكسرت… يقولوا ما هو من ضعفها.
ليه كل كلمة في الشارع بقت خنجر؟ ليه الناس بتتكلم عن بنات غيرهم كأنهم ورق رخيص؟ ليه ما حدش بيسأل نفسه: هو أنا بضيف إيه؟ هو أنا بساعد مين؟ هو أنا فاهم إيه؟ ولا كل اللي بنعمله إننا بنزود الكسرة على المكسور؟
الناس بقيت تتلذذ بالكلام… بقى عندهم شهوة إنهم يوجعوا حد بكلمة، ويبقوا مبسوطين إن حياتهم مش هي اللي بيتكلموا عليها.
ليه؟ ليه بقينا كده؟ ليه أول ما حد يمشي في الشارع، لازم نعلّق؟ ليه ما بقاش عند الناس أدنى إحساس إن فيه وجع محدش يعرفه؟ ليه كل واحد شايف نفسه وصيّ على التاني؟ وكأن حياتنا مش ناقصاها هموم غير كلام البشر.
هو ليه الناس ما بتفكرش قبل ما تتكلم؟ ليه ما حدش بيحط نفسه مكان اللي قدامه؟ يمكن البنت اللي بيعلقوا عليها دي… بتكتم دمعة… يمكن بتسند قلبها… يمكن بتحاول تقوم بعد ما وقعت. يمكن طلعتها دي مش قوة… يمكن حرب مع نفسها.
وأنا ماشية… حسّيت إن المجتمع ده محتاج يعيد حساباته. محتاج يفهم إن الست مش قليلة أدب لما تبقى لوحدها، ومش قليلة الأصل لما تسيب حد بيأذيها، ومش محتاجة راجل يقفلها… هي محتاجة أمانها، وكرامتها، ونَفَسها اللي يطلع من صدرها بدون خوف.
المفروض إن مش كل حاجة تتحكي. مش كل حاجة تتقال. مش كل حاجة نسمعها تبقى حقيقة.
السكين مش لازم تكون معدن… كفاية كلمة. كلمة ممكن تكسر، تكوّي، توجّع، وتفضل محفورة.
لو كل واحد بص على حياته… يمكن حياته هتتصلّح. بس طول ما الناس شايلة عينها للناس… عمر ما حد هيشوف طريقه.
ليه كلمة تتقال في ثانية… بس توجع عمر؟ ليه جملة ملهاش معنى… تعمل شرخ في القلب ما يترممش؟ هو إحنا ليه مش بنشوف؟ مش بنشوف غير اللي قدامنا… مش بنشوف الوجع اللي ورا العيون… مش بنشوف اللي بيحصل بين أربع حيطان… مش بنشوف قد إيه الإنسان ممكن يبقى بيموت من جواه وهو لابس وش ثابت.
ليه المجتمع دايمًا يصدق الأسهل؟ الأسهل إنه يقولوا: خد اللي عايزه وسابها. بس الأصعب إنهم يفكروا: يمكن هي سبته؟ يمكن كانت بتتعذب؟ يمكن كانت بتنهار؟ يمكن كانت بتهرب من وجع محدش يعرفه؟
ليه البنت لو أبوها ميت تبقى سهلة؟ ليه تبقى قليلة؟ هو السند بس راجل؟ طب وإيه عن أم تتعب وتكبر ولادها؟ عن بنت تقف وتتحمل وتبقى سند لنفسها؟ ليه الناس ما تفهمش إن القوة مش في اللي معاها راجل… القوة في اللي معاها كرامة، ونَفَس ما يتهانش، وقلب ما يتباعش، وروح ما تتكسرش مهما اتداس عليها؟
الناس بتتكلم كتير… بس محدش فيهم هيشيل غيابي، ولا هيحاسب عن عمري، ولا هيتحمل ضربة واحدة من اللي شيلتها.
ويمكن… يمكن اليوم اللي الناس هتبطل فيه تتدخل… هو اليوم اللي كل واحد فيه يبدأ يشوف نفسه… ويصلّحها. بس لحد اليوم ده… أنا هكمل ماشي. ومش من عشان الناس ما تتكلمش… لأ. علشان أنا اللي لازم ما أبقاش أسيرة كلامهم. لأن قوتي مش في سكوتهم… قوتي في إنّي أنا اللي ما بسمعش. أنا اللي بختار نفسي. أنا اللي بوقف الظلم عندي. أنا اللي بقول كفاية.
وكملت طريقي… وده كان أول طريق بمشيه وأنا عارفة… إن البنت اللي كانوا بيكلموا عليها… أقوى منهم كلهم.
فضلت ماشية… خطواتي كانت تقيلة بس قلبي كان خفيف لأول مرة من زمان. لحد ما رحت على البحر… المية كانت هادية، والنسمة طالعة كأنها بتهوّي على روحي اللي اتهرست.
كنت واقفة ببص للموج، وبفكر في الدنيا… لحد ما سمعت صوت طفل صغير بيعيط.
لفّيت… لقيته قاعد على الرملة، ماسك كيس مقطوع والطلبات واقعة حواليه، ودموعه نازلة بغزارة.
كنت لسه هروح له وأسأله ماليك يا حبيبي… بس فجأة شاب طويل، شكله محترم ووشه فيه طيبة، جِري عليه قبل ما أوصل.
قعد جنبه وقال له بصوت حنون: بتعيط ليه يا حبيبي؟
الطفل مسح دموعه بإيده الصغيرة وقال: علشان… علشان الطلبات بتاعت بابا وقعت… وبابا هيضربني…
وشفت الشاب وشه يتغير… مش غضب… لأ… حنية. حنية نقية ما شوفتهاش من سنين.
رح مطلع فلوس من جيبه، لفّها وحطها في إيد الطفل وهو بيطبطب على كتفه وقال له: إسمع… انت راجل… ومش أي حاجة تعيط عليها. روح… وهات اللي وقع… وبلاش تخاف. مفيش حد يستاهل خوفك.
الطفل مسك الفلوس، بص له كأنه سوبرهيرو، وقال له شكراً… وجري على بيته.
وأنا… فضلت واقفة مكاني. وبتنفّس. وبعيّط.
الموقف لمس حتة جوايا… وجاب كل اللي محبوس فقلبي.
افتكرت ولدي… حنيته… وقلبه لما كان شايل الدنيا عشاني. وازاي لما كان يقول كلمة، كنت بحس الأمان… والحضن… والسند.
وبنفس اللحظة افتكرت قسوة أمي… الكلام اللي بيقطع… والصدر اللي عمره ما كان حضن… والبيت اللي كنت بخاف أرجع له.
الدمع نزل من عيني من غير ما أحس… دمع مش بس على اللي حصل… دمع على اللي اتسرق… دمع على الطفلة اللي جوايا اللي محدش طبطب عليها.
وفجأة… مدّ الشاب إيده ناحية وشي… وكان ماسك منديل.
بصيت له بصدمة صغيرة… خدت المنديل منه، وقلبي كان بيتلخبط، وقولت له بصوت واطي: شكراً لحضرتك…
هو ما قالش كلام زيادة… ما سألش… ما تدخّلش… بس هز راسه، مليان احترام.
قعدت على الرملة نص ساعة… ببص للبحر… لل أماكن اللي شهدت الغلط والصح… وبحاول أرجع نفسي من تاني. وبعد ما الوجع هدي… قمت، نفضت الرمل من هدومي، ورجعت على البيت.
رجعت وأنا حاسة إن ربنا… بعته بس عشان يقول لي: لسه فيه طيبة… ولسه فيه ناس قلوبها رحيمة… ولسه أنتِ تستاهلي حنية… مش خوف.
وأنا راجعة… وبحاول أفوّق نفسي من كل اللي حصل، لمحت حد واقف قدام الشقة اللي قصدنا.
رفعت عيني… ول وهلة، اتجمدت. هو. نفس الشاب اللي أداني المنديل عند البحر. نفس النظرة الهادية… اللي كان فيها طيبة تخضّ. كان ماسك مفتاح، وبيدوّر عليه في الباب.
والصدفة… كانت مجنونة. ده ساكن في الشقة اللي قبلنا… بالظبط. بابه جنب بابنا… خطوة واحدة ويفتح.
قلبي اتلخبط، مش خوف… بس حاجة غريبة… زي ارتباك طفل اتفاجئ بهدية.
عدّيت جنبه بسرعة، ما بصّتش عليه… بس حسّيته بيبص.
طلعت بيتي، دخلت أوضتي، بدلت هدومي، ورميت نفسي على السرير.
كنت مرهقة… نفسياً أكتر من جسدياً.
ولسه الصورة اللي شوفتها عند البحر بتتكرر في دماغي.
***
ومن الناحية التانية… هو.
كان لسه ماسك المفتاح في إيده، وبصّته معلّقة على اللي لسه داخلة بيتها.
في عقله كان بيقول: هي… نفس البنت. البنت اللي كانت واقفة عند البحر، وعنيها كانت بتتكلم أكتر من صوتها. البنت اللي دمعتها وجعته… وجابت له إحساس ما يعرفش اسمه.
فتح باب شقة عمتو، ودخل، وقعد على كنبة قدام الباب كأنه بيجمع أنفاسه.
وقال لنفسه بصوت واطي: مش عارف ليه… أول ما شوفتها بتعيط… قلبي وجعني. لا… أنا ما استحملتش. كان نفسي أسألها… انتِ مين؟ إيه اللي وجّعك للدرجة دي؟ بس… لساني اتربط.
مسك المنديل التاني اللي فضِل في جيبه، اتنهد… والحظ الجميل… وأنا داخل عند عمتي النهارده، لقيتها داخلة الشقة اللي في وش عمتي بالظبط. يعني… أقدر أعرف عنها كل حاجة.
كانت ضحكة صغيرة ظهرت على شفايفه… ربنا بعتهالي تاني… يبقى مش صدفة.
وشهد؟ كانت نايمة… مش عارفة إن حد في العمارة… لسه قلبه اتعلّق بدمعتها.
عدّت أيام… وأنا مش قادر أسأل عمتي عليها. كل يوم أشوف باب شقتها يتفتح ويتقفل… أسمع صوت خطواتها وهي طالعة السلم… أشوف نور أوضتها يولّع ويطفي… وأقول لنفسي: اسأل. بس… لساني يتربط.
عدّت أيام وأنا حتى ما شفتهاش. ولا أعرف اسمها. ولا أعرف بتحب إيه… ولا بتخاف من إيه.
وفي ليلة… قررت. وطلعت من أوضتي من غير ما أفكر، ورحت على قعدت جنب عمتي.
كانت قاعدة بتشرب شاي، ومركّز في التلفزيون.
قربت منها: عمتي… عمتي…
بصّت لي بابتسامة حنينة: أي يا عيون عمتك، مالك يا مؤمن يحبيبي فيك اي؟
خدت نفس عميق. بصراحة كده يا عمتي… أنا وأنا جايلك أول يوم … شوفت بنت… وكنت عايز أسألك عليها.
رفعت حاجبها، والضحكة راحت… وبقت نظرة فيها خبث خفيف: بتسأل على بنت يا مؤمن؟ بَرْضو؟ يا نهار أبيض… ده انت شكلك كبرت من ورايا.
اتكسفت… بس قلت لها وأنا ببلع ريقي: أيوه يا عمتي… مش معنى حاجة والله… الفضول بس… والناس بيتعرف بعض يعني.
قالت بضيق تمثيلي وهي بتقلب الشاي: طب… شُفْهالي كده… هي ساكنة فين؟ وأنا أقول لك هي مين.
قلت بسرعة: ساكنة في الشقة اللي قبلنا بالظبط.
أول ما الكلمة خرجت… عمتي وشها اتبدّل. الضحك راح. الكلام خِشِن. عينها وسعت، وصوتها نزل غضب: شهد؟؟؟؟ انت قصدك في الآخر على شهد؟؟ يا ابني ما لقيتش غير دي؟؟
وقفت من غير ما أحس… مين شهد؟ ليه اتعصّبتي كده؟ هي عملت إيه؟
عمتي زفرت زفرة طويلة، وحطت الكوباية على الترابيزة بقوة: يا نهار أبيض… ده انت مش عارف حاجة. دي يا مؤمن… اسمها شهد.
أنا اتلخبطت، وقلت لها: اسمها شهد؟ طب مالها يعني يا عمتي؟ ما شاء الله عليها… بنت مؤدبة… ولابسة واسع… وخمار… وبنت شكلها محترم… فيها إيه يعني؟
عمتي بصّت لي نظرة غريبة… فيها حزن… وفيها وجع… وفيها خوف: انت عندك حق يا ابني… هي بنت جميلة ومؤدبة… بس الناس… الناس ما بترحمش. الناس بتتكلم عليها. وبتقوّل عنها إنها مش كويسة.
اتعصّبت… مش فاهم. ليه؟ ليه تقولوا عليها كده؟ هي عملت إيه؟
عمتي قربت مني، وقعدت على الكرسي اللي قدامي، وصوتها بقى واطي… بس تقيل: يا ابني… دي البنت غلبانة. والله غلبانة. وما حد يعرف قصتها غير قليل. بس كل ده… علشان سابِت خطيبها قبل فرحها بشهر.
سكتت… وبقت تبص للأرض.
وأنا؟ اتجمدت. صدري ديق. وحسيت إني ابتديت أفهم… أفهم ليه دمعتها كانت تقيلة. أفهم ليه كانت ماشية في الشارع وهي شايلة الدنيا فوق كتافها.
قعدت قدام عمتي، ولسه كلامها بيرن في وداني. شهد؟ الناس بتتكلم عليها؟ وبيشوهوا سمعتها؟ ليه؟ علشان سابت خطيبها؟ بس كده؟!
حسّيت الدم بيغلي في راسي، والكلام خرج مني من غير ما أفكر: أنا مش فاهم… هو الناس دي ما تسيبش حد في حاله ليه؟ ليه لازم يرموا كلمة… يجرحوا… يبوّظوا سمعة؟ هو مش عارفين إنه ده اسمه رمي محصنات؟ مش عارفين إن ربنا قال: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)
قربت لعمتي، صوتي كان مليان قهر: ده ربنا قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهم… قاعدين يشوّهوا في بنت ما يعرفوش عنها أي حاجة. ولا يعرفوا ظروفها… ولا اللي حصل لها… ولا اللي كانت عايشة فيه. وحديث النبي واضح: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع." يعني مش كل كلام يتقال يتصدق… ومش كل إشاعة تتشال وتتحط.
ليه الناس بقت كده؟ ليه بقيت مستسهلة ترمي كلام زي السكاكين… وتسب أثره في روح حد؟ ليه محدش بقى يخاف من ربنا قبل ما يفتح بقه؟ ليه محدش يسأل… يمكن البنت مظلومة… يمكن متألمة… يمكن مكسورة؟
رجعت أسند ضهري للكُرسي، وأتنهد كأن الهم بتاعها نزل فوق قلبي أنا كمان: يعني إيه؟ يعني البنت تتظلم… وتتقهر… وتستقوى عليها الحياة… وبعدين يجوا الناس، يكملوا عليها بالكلام؟ ده ربنا نفسه بيستر… إحنا مين عشان نفضح؟ ليه الناس بقت تحكي في أعراض بعض كأنها حكايات مسلية؟
ليه؟ فين الخوف من ربنا؟ فين الرحمة؟ فين الإنسانية؟
سكت لحظة… وبعدين قلت بوضوح: يا عمتي… مش يمكن البنت دي اتظلمت… ومش هي اللي غلطانة. الناس… هم الغلط. الناس اللي بتاكل لحم بعض… وتفتري… وترمي كلمة تدمر بيت. وترمي شائعة تضيع سُمعة. وترمي تهمة تكسّر قلب.
أنا… مش هصدقهم. ولا هحكم عليها بتريقتهم. ولا هسيب كلامهم يغيّر رأيي فيها.
عمتي كانت ساكتة… بس أنا كنت بتكلم وكأني بدافع عن حد أعرفه من سنين… مع إني لسه ما عرفتش عنها غير عيونها… ودمعتها… وحنيتها على طفل غريب.
***
زي ما الأيام كانت بتمر على مؤمن عادي… كانت بتمر على شهد ببطء خانق. بطء يقطع النفس. كأن كل يوم فيه امتحان جديد… امتحان صبر، ووجع، ونظرات ناس مش رحمانها.
الناس؟ ولا رحمت. ولا هديت. ولا نسيت. ولا حتى حاولت تفهم. كل ما تنزل تشم هوا… لازم كلمة تتقال. لمزة. بصة. ضحكة كاتمة. نص جملة متفبركة. هي اللي اتسبت، هي اللي غلطانة. هي أكيد في حاجة.
كانت ماشيه وسمعتها بتتشرط وراها… وهي مش قادرة تمسك صوت الحق يدافع عنها.
وبيعدّي يوم… واثنين… وثالث… وشهد بقت تحس إن البيت ضيق، وإن أهل البيت أضيق، وإن الدنيا أضيق وأضيق لحد ما بقى نفسها محبوس جوا صدرها.
وفي يوم… دخلت أمها عليها. مشيت الخطوات المتعجرفة اللي شهد حافظاها من كتر ما سمعتها. فتحت الباب بعنف… وشهد رفعت عينيها بالعافية.
أمها قالت بحدة… الحدة المعتادة اللي بقت جزء من يوم شهد: قومي. جهّزي نفسك. في عريس جاي لك.
شهد حسّيت إن صوت أمها وقع على قلبها زي حجر. عريس؟ دلوقتي؟ بعد كل ده؟ بعد ما لسه بتلمّ نفسها؟
سألت بصدمة، وهي بتقوم ببطء كأن رجليها تقيلة من الحزن: عريس إيه؟ لا يا ماما… أنا مش موافقة.
رواية انكسار الروح الفصل الرابع 4 - بقلم الاء محمد حجازي
جهّزي نفسك.
في عريس جاي لك.
شهد حسّيت إن صوت أمها وقع على قلبها زي حجر.
عريس؟
دلوقتي؟
بعد كل ده؟
بعد ما لسه بتلّم نفسها؟
سألت بصدمة:
عريس إيه؟
لا يا ماما…
أنا مش موافقة.
أمها وقفت قدامها، ووشها ناشف زي ما هو دايمًا:
مش موافقة؟
انتي بتقولي إيه؟
هو انتي فاكرة إن ليكي رأي؟
ده عريس جاي…
وانا قلت أيوه.
وشهد وقفت… لأول مرة من غير ما عينيها تهرب… وقالت بصوت مكسور من جوه قبل من برّه:
ماما… أنا مش جاهزة.
ولا موافقة.
ولا عايزة حد دلوقتي.
ولا حد بعد كده… إلا لما أنا أختار.
مش انتِ.
أمها شدّت نفس طويل… علامة إن العاصفة جاية.
لكن شهد المرة دي… كانت واقفة، مستعدة.
قلبها بيدق، وصوتها لسه بيرتعش من المواجهة.
مستنية الصريخ… مستنية الشتيمة… مستنية الإهانة اللي بقت متعودة عليها.
لكن اللي جه… ماكانش صريخ.
كان هدووووء.
هدوء غريب… هدوء يخض أكتر من أي زعيق.
أمها بصتلها نظرة طويلة… نظرة ما فيهاش غضب ظاهر، لكن فيها حاجة شهد معرفتش تحددها… يمكن انكسار؟ يمكن قهر؟ يمكن تمثيل؟
وقالت بهدوء لأول مرة من سنين:
طب يا شهد… اقعدي معاه النهاردة.
بس… ما تحرجناش مع الناس اللي جاية.
أهو يقعد… يشوفك… نشوفه.
ولو انتي… مش موافقة عليه… نبقى نرفضه.
الكلام وقع غريب.
كأنه مش خارج من نفس الأم اللي عمرها ما سألتها رأيها.
اللي عمرها ما كانت هادية كده…
شهد اتجمدت.
حست للحظة إن قلبها يهدى… بس عقلها كان بيقول: الهدوء ده مش طبيعي.
رفعت عينها بتردد:
يعني… لو ما عجبنيش… هترفضيه؟
أمها أومأت براسها… ابتسامة بسيطة، بس متحجرة… مافيهاش دفء:
أيوه يا بنتي.
اللي يريحك.
شهد حسّت بدمعة بتتجمع… مش من الفرح… من الحيرة.
من التناقض اللي حطها في زنزانة عمرها.
أمها كملت:
بس… اقعدي النهاردة… بالشكل اللي يرضيني… عشان وشّنا قدام الناس.
وبعدين… نبقى نشوف نصيبك.
شهد أخدت نفس عميق… حست إن قلبها بيتشد لجوه وصدرها بيضيق.
مش عارفة… ده فخ؟ ولا محاولة صلح؟ ولا مجرد تمثيل قدام الناس؟
لكنها… هزّت راسها موافقة.
موافقة مش من انها راضية… من إنها تعبت.
تعبت من الحرب.
وقالت بصوت واطي:
تمام يا ماما… هقعد.
وبس… الجملة دي بس… خلّت أمها تبتسم لأول مرة بجد.
بس ابتسامة… شهد مقدرتش تفهمها.
ولا مرتاحة ليها.
وكانت دي بداية ليلة… هتقلب حياتها كلها.
وأخيرًا… جه الليل.
البيت كله متوتر.
شهد قلبها بيخبط، وإيديها بتترعش وهي ماسكة صينية العصير.
مش قادرة تركز… مش قادرة تستوعب إن في عريس جوا الصالون مستني يشوفها.
شدّت نفس… وخرجت.
خطواتها كانت تقيلة، وكل خطوة بتحس إنها ماشية ناحية قدر مكتوب غصب عنها.
أول ما عدّت باب الصالون… ما رفعتش عينيها.
بتبص في الأرض، خايفة من اللحظة، خايفة من النظرات، خايفة من الحكم.
لكن… غصب عنها رفعت عينها.
ولما رفعتها اتجمدت.
الصينية اتهزت في إيديها.
نفسها اتقطع، وعينيها اتسعت بشكل ما قدرتش تخبيه.
ده… هو.
هو نفسه.
الشاب اللي ادّاها المنديل عند البحر.
هو نفس الشخص اللي شاف دمعتها قبل الكل.
هو… العريس؟
إزاي؟
إمتى؟
وليه الدنيا بتتقلّب بالشكل ده؟!
دماغها اشتغلت بسرعة… إزاي ده؟!
إزاي سمع كلام الجيران وجية؟
إزاي ييجي يتقدّم وبدون ما يظهر عليه أي علامة تردد؟
هو سامع كل الكلام اللي الناس بتقوله عني...... عادي؟
ده إيه الثبات ده؟
ولا هو مفيش إحساس؟!
كانت بتتفرج عليه في صدمة… وهو كان قاعد ثابت، بيبصلها بنظرة هادية… فيها راحة… فيها حاجة شهد معرفتهاش.
وفاقت على صوت أمها:
– اتفضل يا مؤمن يا ابني… العصير.
وبعدين بصوت رسمي وهي تبص لعمته:
– يلا نقوم نسيبهم يتكلموا شويه.
عمته قامت، وابتسامة خفيفة طالعة منها:
– ربنا يكتب اللي فيه الخير يا بنتي.
شهد حسّت رجليها بتتقل… مش عايزة تقعد… مش عايزة تتكلم… مش عايزة تواجه.
لكن أمها أدتلها نظرة واضحة، وقالت:
خشي يلا يحبيبتي
خرجوا وسبوهم لوحدهم.
هدوء.
ساكن… خانق.
مؤمن كان أول واحد يكسر الصمت:
بصّ لها بهدوء، وبصوت منخفض:
– إنتي… شهد، صح؟
شهد بصتله، وقالت:
أيوه… بس لسه مش مصدقة.
مش قادرة تنطق.
مؤمن كمل:
– إحنا قابلنا بعض قبل كده… عند البحر.
جسمها اتوتر أكتر… وبصوت شبه مسموع قالت:
– أيوه… فاكرة.
لحظة صمت… مؤمن كان بيدوّر على الكلام، مش عايز يخضّها، مش عايز يضغط.
الهدوء كان خانق… وفجأة… هي اللي كسرت الصمت.
رفعت راسها بشجاعة مخلوطة بكسرة، وبصوت مهزوز قالت:
ممكن… أعرف انت جاي ليه؟
بصت في الأرض لحظة، وبعدين كملت بسرعة، كإنها خايفة يتكلم قبل ما تفضي اللي في قلبها:
أكيد يعني… سمعت الكلام اللي الناس بتقوله عليّا. صح؟
عينيها دمعت وهي بتكمل:
أكيد سمعت إني سبت خطيبي، وإنه خد اللي هو عايزه ومشي… وإن أنا…
وقفت، صوتها اتكسر، دمعتها لمعت:
وإن أنا بنت وحشة… وإن اللي مالهاش راجل أصلاً محدش يحترمها… وإن أبويا مات فبقيت سهلة…
بلعت ريقها بصعوبة.
كملت وهي تبصله بنظرة فيها خوف ووجع عمره سنين:
طب لو أنت سمعت الكلام ده… ليه جيت؟ ليه وافقت تقعد معايا من الأساس؟
سكتت… أنفاسها سريعة، وإيديها متشابكة ببعض كإنها بتمسك نفسها عشان ما تقعش.
مؤمن كان بصّص لها بدهشة… مش من كلامها… لكن من حجم الوجع اللي عاشته، والناس واللي عامله فيها.
رفع راسه شوية وقال بصوت هادي… لكنه ثابت زي الجبل:
خلصتي؟
شهد اتخضّت من طريقته.
ما اتوقعتش يرد كده.
كمل قبل ما تفتح بقها:
ولا لسه في كلام جواكي نفسك تقولي؟
مؤمن تنهد كأنه بيحاول يلّم غضبه من اللي سمعه منها، وبص لها نظرة ثابتة، وقال لها بهدوء راجل فاهم الدنيا كويس:
يا شهد… الناس طول عمرها بتتكلم.
رفع حاجبه بشيء من الاستنكار وأضاف:
الناس بتتكلم على اللي لابس، واللي مش لابس… اللي اتجوز واللي اتأخر… اللي مشي واللي قعد… واللي اتظلم واللي ظلم…
قرب بجسمه لأقدام:
الناس يا شهد ما بترحمش… ولا بيفكروا مين اتوجع، ولا مين اتخدع، ولا مين نام وهو حاسس بالوحدة.
سكت شويه وكمل بصوت أعمق:
عارفة؟ الناس ما عندهاش فكرة إنتي مريتي بإيه، ولا اتكسرتي كام مرة، ولا كتمتي صريخك كام ليلة عشان محدش يسمعك.
شاف عينيها بتهرب، فكمّل:
أنا مش جاي أسمع كلامهم… ولا عمري هاخد حكمي عليك من لسان حد.
– أنا راجل… والراجل ما يمدّش ودنه للناس… الراجل يمدّ عقله وقلبه، ويعرف الحقيقة بنفسه.
سكت لحظة كأنه بيختار كلماته بعناية:
وأنا… مش هاممني من كل ده غيرك إنت.
نور بسيط ظهر في عينيها، فكمّل وهو متمسك بنفس الهدوء:
أنا قبل ما أجي هنا… صليت استخارة.
وقلبي ارتاح لك… ارتاح بشكل غريب كأني أعرفك من سنين.
رفع راسه وقال بثقة واضحة:
ولو كنتي غلط… او فيها حاجة زي ما بيقولوا؟ قلبي ما كانش هيترحلِك أبداً.
بس ربنا مطمّني… ومخليني قدامك دلوقت عشان أسمعك، مش أسمع عنك.
هي اتخضّت… الكلام دخل جوّاها زي نسمة دفا بعد شتا طويل.
وقبل ما شهد تفتح بقّها وترد على مؤمن، الباب اتفتح فجأة…
أمها وعمته دخلوا بابتسامة كبيرة كأنهم بيستعجلوا اللحظة دي.
عمته قالت وهي واقفة:
ها يا ولاد إن شاء الله خير.
أم شهد زوّدت ابتسامة مجاملة وقالت:
– إن شاء الله… ربنا يقدم اللي فيه النصيب.
وقاموا، وكل واحد بيودّع بهدوء، ومؤمن كان بيبص لشهد بنظرة فيها سؤال مش ناوي يروّح إلا لما يعرف إجابته… بس خرج وسابها تايهة وسط أفكارها اللي بتحدّفها يمين وشمال.
أول ما الباب اتقفل… الهوا اتغير.
سكوت تقيل… خطوات أمها وهي راجعة كانت بتقطع صمت البيت زي السكينة.
مسكت دراع شهد جامد… جامد لدرجة إن شهد حست دمها بيوقف.
وقالت بصوت حاد ومليان قهر:
غــــصب عنك هتوافقي.
الراجل ده محترم وما فيهوش عيب… ومش هضيع الفرصه دي.
وسمعتنا اللي بقت على كل لسان بسببك…
معنى إنك توافقي على مؤمن… يبقى خلاص ما عادش حد هيتكلم عليك تاني.
سامعه ولا مش سامعه؟
كانت كل كلمة بتتغرز في شهد زي دبوس مسنون.
وشهد واقفة… بتحاول تمسك نفسها، بتحاول تمسك دموعها… بتحاول تمسك آخر حتة هدوء جواها.
وفجأة… اتكسرت.
سحبت ذراعها من إيد أمها بعنف لأول مرة في حياتها… وبصوت طالع من عمق كل اللي عدّى عليها، صرخت:
كــــــــــــــــفايــــــــــــــــــــة بقى!!
صوتها كان عالي… بس مش عالي قلة ادب لا.
عالي من وجع… من اختناق… من حياة اتاخدت منها غصب.
قربت من أمها خطوة وقالت:
كفاية كل حاجة… كل حاجة إنتِ اللي بتحدديها.
آكل إيه… ألبس إيه… أروح فين… وأجي منين.
كفاية إني عمري ما خدت نفسي من غير ما أسمع صوتك ورايا بتقولي عيب… لا… لأ… لا.
دموعها وقعت وهي مكملة بصوت بيترعش:
عمري ما حسّيت إني طفلة بسببك … عمري ما حنيتي عليا… ولا مرة حضنتيني زي أي أم بتحضن بنتها.
عمري ما صحيت في يوم وقلتي لي عاملة إيه يا بنتي؟
عمري ما كنت همّك… دايمًا الناس الأول… الناس!
كلام الناس… رأي الناس… نظرة الناس…؟
قربت إيديها من صدرها كأنها بتحاول توقف الوجع:
أنا اتخنقت… اتخنقت من كل حاجة محسوبة… وكل كلمة محسوبة… وكل نفس محسوب.
انتي عمرك ما فكرتي فيا… ولو فكرتي… يبقى آخِر التفكير.
مسحت دموعها بعصبية:
كنتي دايمًا بتدافعي عن أي حد… إلا أنا.
بتصدّقي أي كلام… إلا كلامي.
بتخافي على سمعة البيت… بس عمرك ما خفتي على قلبي.
بتدوري ترضي كل الدنيا… وما عمرك ما حاولتي ترضيني ولو يوم.
بصت في الأرض لحظة… وبعدين رفعت عينيها لأمها بجرأة عمرها ما جربتها:
أنا موجـــــــودة يا ماما… إنسانة… مش سمعة.
موجـــــــودة… وبِتوجـــــــع… بس إنتي عمرك ما شفتي.
كنتِ دايمًا شايفة فيا عبء… ولو على كلامك… كنتِ دايمًا بتتمني ما أكونش جيت أصلاً.
صوتها اتكسر وهي بتقول آخر جملة:
إنتي عمرك… ما حبّيتيني.
وسكتت… لكن أمها؟ أمها ما استنتش حتى ثانية تستوعب الكلام…
اتحول وشّها… وطلع منها صوت قاسي… الصوت اللي اتربّت عليه شهد من صغرها:
خلصـــــــــــــــتي؟
هو ده اللي عندك؟
هو ده الأدب اللي ربيتِك عليه؟
هو ده برّ الوالدين؟
يا محترمة؟
قربت منها وهي بتشاور عليها بغضب:
يا شيــــــخة… يا شيــــــخة يا شهد!
لو كنتي بنت محترمة… ما كنتيش عملتي اللي عملتيه!
وما كنتيش خليتي الناس تاكل سِيرتنا!
وأنا اللي غلطانة… إني سايبة لك لسان تتكلمي بيه أصلاً!
هو ده الدين اللي اتعلمتيه يست شهد؟
شهد وقفت مكانها… مش قادرة تصدّق إن الوجع اللي قالتوه كله… اتردّ عليه بكسر أكتر.
شهد وقفت قدّام أمها… الدموع على خدها:
هو الدين قال كده يا ماما؟
قال إن الأم ما تحنشّش على بنتها؟
قال إن الأم ما تحضنش؟
ما تواسيش؟
ما تخافش على بنتها؟
هو الدين قال إنك تقسي… وتمدي لسانك… وتتعبي قلبي؟
قربت خطوة، وهي بطلع وجع من سنين:
النبي ﷺ كان بيحضن الأطفال… وكان يطبطب… ويقرب… ويواسِي…
وإنتي؟ عمرك ما طبطبتي عليا… ولا حتى في أصعب يوم عدا عليّ.
يا ماما… حتى الكلمة الحلوة بتبخلي بيها.
أمها رفعت حاجبها بسخرية، وقالت بغضب:
اسكتي!
فين أبوك ؟
ييجي يشوف بنته المحترمة دلوقتي!
يشوف عملتك السودة!
الكلمة جرحتها… قطعت صدرها… شهد حسّت كأن ضهرها اتقسم نصين.
رفعت عينيها… وبصوت مهزوم بس صادق:
يا ريته كان عايش…
يا ريته كان موجود…
يا ريته كان واقف جمبي…
اتكسرت أكتر… وكملت:
أنا لو أبويا كان عايش… عمرك في حياتك… ما كنتي هتعامليني كده.
لأنه كان هيوقفك… كان هيحميني.
كان هيفهمك إن البنت مش عار… وإن البنت محتاجة أمّ… مش قاضي.
دموعها نزلت بغزارة، وقالت بانهيار مكبوت:
إنتِ ليه بتعامليني كده؟
ليه بتحسسيني إني مش بنتِك؟
ليه كل كلمة منك سكينة؟
ليه كل مرة نتخانق… تقولي يا ريتني ما خلفتك؟
ليه؟
ليه يا ماما؟
شهقت… وخرجت منها الجملة اللي كانت عايشة جواها سنين:
أنا لو بنت ضِرّتك… ما كنتيش هتعامليني كده.
لو بنت ست تانية… كان زمانك حتضنتيني… وقلتِ مالك يا بنتي؟
طب ليه؟
أنا بنتك…
بنتــــــــك يا ماما… مش خدامة.
مش عار عليك.
أمها اتصدمت من كلامها، بس بدل ما تلين… شدّت وشّها أكتر:
خلصتــــي؟
بس كده؟
هو ده اللي نفسك فيه؟
تبقي بنت قليلة الأدب… وتزعقي لأمك؟
شهد قفلت عينيها بقهر… كان نفسها، ولو مرة، أمها تسمع… بس زي كل مرة… الوجع بيتردّ بوجع أكبر.
شهد بصت لأمها نظرة فيها مرارة عمر وقالت بصوت مخنوق:
تعرفي يا ماما…
أنا طول عمري بغير من صاحباتي.
طول عمري ببصّ عليهم وهم في حضن أمهاتهم… وأنا؟
أنا عمري ما دُقت الحضن ده منك.
دمعتها نزلت… بس ما مسحتهاش.
بشوف أمهم لو حد قرب منهم… بتاكله بأسنانها.
بتدافع عنهم.
بتقف قصاد الدنيا كلها.
إنما إنتِ؟
لو حد قرب مني… إنتِ اللي بتاكّليني.
إنتِ اللي بتكمّلي عليا.
عمرك ما وقفتي جنبي.
ولا مرة.
أمها وسّعت عينيها، بس ما اتكلمتش.
شهد كملت… كإن الكلام كان محبوس سنين:
بتحسي بإيه لما بتدعي عليّا؟
بتحسي بإيه؟
إزاي قلبك يطاوعك تقولي ربنا ياخدك ويريحني منك؟
عادي عندك؟
بتنامي ازاي بعد كلمة زي دي؟
أنفاسها اتقطّعت وهي بتكمل:
في أمهات آه… بتزعق… بتشتم… بتصرخ… بس ده خوف على أولادهم.
خوف… حب… حرص… إنما إنت… أنا عمري ما حسّيت إنك خايفة عليّا.
ولا حتى مرة.
وقفت لحظة… ودارت وشّها بعيد كإنها مش قادرة تبصلها.
عمري ما دُقت إحساس إن في حد شايف وجعي.
عمري ما حسّيت إن ليّا ضهر.
كل اللي حسّيته… إني لو اتكسرت… محدش هيلمّني.
ولو وقعت… محدش هيشيلني.
ولو تعبت… إنتِ أول واحدة هتتعبني زيادة.
اتشنّج صوتها، وقالت بكل صراحة:
أنا طول عمري بحاول أفهم… إنتِ بتحبيني؟ ولا بس بتحافظي على شكلك قدّام الناس؟
رفعت عينيها ليها تاني… ونظرتها كانت كسوف وجبر… ضعف وقوة… كلهم مع بعض:
كل اللي كنت عايزاه… حضن.
كلمة ما تخافيش.
حد يقول لي أنا معاكي.
بس… حتى ده كان صعب عليك.
شهد أخدت نفس طويل… ونظرت لها نظرة وجع ما ترحمش:
إنتِ عمرك ما كنتي أمي… إنتِ بس اللي خلفتيني.
لكن عمرك ما حضنتيني.
ولا دافعتي عني.
ولا وقفتي جنبي.
وسكتت… لحظة بعدها كملت بصوت مكسور:
بتعرفي؟
أنا لو بنت عدوتك..... ما كنتيش هتعملي فيّ كده.
ما كنتيش هتبقي قاسية للدرجة دي.
الكلام وقع على أمها زي حجارة… بس شهد ما استنتش ردّ.
شدّت نفسها… وقالت آخر كلمة قبل ما تمشي:
ده اللي جوايا… وده اللي عمري ما قلته.
ومش ندمانة إن قلته دلوقتي.
ورجعت بصّت ليها نظرة ما فيهاش غير خيبة أمل… مسحت دموعها بسرعة وقالت بهدوء… الهدوء اللي بيجي بعد عاصفة:
وعلى العموم يا ماما… أنا هفكّر في موضوع جوازي من مؤمن.
ماشي.
بس مش علشان الناس.
وقفت لحظة… وبصلها في عينيها:
طز في الناس… الناس ما عملتليش حاجة.
ولا وقفوا جنبي.
ولا حضنوني.
ولا قالولي مالك؟
الناس ما ليهاش دعوة بيا.
أمها اتشد وشّها من الغضب، لكنها ما لحقتش ترد.
شهد كملت بصوت مكسور… بس صريح:
أنا بس… لما شوفت مؤمن واقف مع الولد الصغير… شفت في عينيه حنية أبويا.
الحنية اللي اتسرقت مني يوم ما مات.
واللي عمري ما لاقيتها عندك.
اتنفسّت بوجع… وقالت:
شفت عنده أمان… الأمان اللي كان المفروض ألاقيه في حضنك.
وما لقيتوش.
سكتت لحظة، وبصوت هادي، بس حاد زي السكين:
انتي أمي… بس عمرك ما قمتي بدور أمي.
ولا عمرك حاولتي.
وبعدها لفّت… ومشيت.
رجليها كانت تقيلة… قلبها أتقل.
دخلت أوضتها… وقفلت الباب عليها بهدوء.
مش هروب… لكن خلاص… ده آخر وجع قلب كانت مستعدة تسمعه منها.
رواية انكسار الروح الفصل الخامس 5 - بقلم الاء محمد حجازي
يا شهد… قررتي إيه؟ مؤمن مستني ردّنا.
بصيت لها… ولَوهلة حسّيت إني غريبة عنها… وهي غريبة عني.
من آخر خناقة بيني أنا وماما لما دخلت أوضتي قعدت على سريري… في الضلمة… الدنيا ساكتة إلا صوت أنفاسي اللي كانت بتطلع وتدخل بصعوبة.
وأنا قاعدة... حسّيت للحظة إني صغيرة تاني… الليلة اللي خسرت فيها أبويا… واللّيلة اللي اكتشفت فيها إن الحضن الوحيد اللي كان في الدنيا… مات معاه.
مسحت دموعي… وقولت لنفسي: خلاص يا شهد… لازم تقومي تقرري. مش هتفضلي معلّقة كده.
عدّى يوم… واتنين… وأنا وماما ما بنتكلمش غير آه ولأ وبس. حتى عينيها… ما بقتش تبص عليا. ولا حتى بتمثّل إنها مهتمة.
لحد ما جات النهارد… دخلت عليّا وأنا قاعدة في الصالة، صوتها عادي… مش زعيق، مش حدّة… بس بارد… زي أي أم بتسأل بنتها عن نوع الشامبو اللي بتستخدمه.
أخدت نفس هادي… وقلتلها: أنا… موافقة.
ما كانتش مصدومة. ولا حتى اتفاجئت. كأنها كانت مستنية الكلمة دي من بدري.
بس أنا؟ كنت عارفة… عارفة إن الكلمة دي مش طلعِت مني عشان هي ضغطت. لا… ولا عشان خايفة منها… ولا عشان زهقت من كلام الناس… ولا حتى عشان شكلي قدّام حد.
رفعت عيني وبصوت ثابت… لأول مرة أكون متأكدة من قرار: موافقة… لأن بعد آخر خناقة بيني وبينك… حسّيت إن مفيش أي أمان هنا. ولا أي سند. ولا أي حب.
بس… أنا وفقتش علشانك. ولا علشان الناس. ولا علشان أهرب.
سكت شوية… والكلمات خرجت لوحدها: وافقت علشان صلّيت استخارة… كتير. كل يوم تقريبًا. وكل مرة… كل مرة يا ماما… كان قلبي بيهدى بطريقة مش مفهومة. راحة غريبة… طمأنينة… كأن حد ماسك إيدي وبيقول لي: كمّلي.
اتنفست… أنا ذات نفسي مش متخيلة الإحساس ده… ولا فاهمة ليه بيجيلي. بس لأول مرة… حسّيت إن القرار جاية من ربنا… مش من خوف… ولا من ضعف… ولا من هروب.
ماما فضلت ساكتة… ولا بصة… ولا كلمة.
وأنا؟ وقفت… وقالت لها: موافقة. بس مش علشان أي حد… علشان أنا أخيرًا… حسّيت حد مد ايدو. ومسكني… ومش هيسيبني.
ودخلت أوضتي… ومن ورايا، حسّيت إن لأول مرة… أخدت قرار ضاع منّي سنين… وبقيت ليا بس.
* * *
وأخيرًا قعدوا تاني بعد قراءة الفاتحة… أم شهد وعمة مؤمن سابوا الصالة وقفلوا الباب وراهم، وسابوا شهد ومؤمن لوحدهم.
كان فيه هدوء. قلب شهد كان بيدق بسرعة… بس وشّها هادي، ثابت… ومؤمن كان قاعد قدّامها، بيبص لها باحترام واضح.
قطع هو الصمت الأول: في كلام كتير ما قلناهوش المرة اللي فاتت.
شهد عضّت على شفايفها شوية، وسكتت ثواني… وبعدين رفعت عينيها وقالت بهدوء لكنه مليان قوة: كلام زي إيه؟
ابتسم ابتسامة بسيطة: المرة اللي فاتت مشينا قبل ما أكمل كلامي. وما أحبّش أي خطوة بينّا تبقى ناقصة.
سكتت، وبصّت للأرض، وبعدين قالت: طيب… قبل أي حاجة. أنا في حاجة لازم خطوبتنا تمشي عليها. ولو مش عاجباك… نوقف الموضوع من دلوقت.
قالها بجدية: قولي يا شهد.
شهد خدت نفس صغير، وقالت: أنا عايزة خطوبتنا تبقى فيها ضوابط. ضوابط نحافظ بيها على نفسنا… وعلى احترام ربنا لينا.
مؤمن قال: ممكن أسألك؟ ضوابط الخطوبة اتعملت ليه؟
رفعت وشّها، وبدأت تتكلم… الضوابط دي مش تحجيم… ولا قيود. دي بوّابة أمان… علشان الخطوبة ما تبقاش باب للغلط، تبقى باب للبركة.
الضوابط دي اللي بتخلي كل طرف مرتاح… محدّش خايف من التاني… ولا مكسوف يقول لأ… ولا مضطر يكون شخصية مش شخصيته.
الضوابط مش بتقوّي العلاقة بس… دي بتحافظ على بركة الجواز. لأن البداية اللي فيها صدق… نهايتها راحة.
الضوابط… مش عشان أضيّق عليك… ولا عشان أبان إن أنا معقّدة… بس لأن الضوابط دي هي الحاجات اللي بتحافظ على العلاقة إنها تفضل نظيفة، محترمة… وتوصل بنا لبر أمان.
سكتت ثواني، وكملت: الخطوبة مش جواز. وأي علاقة من غير سقف… عمرها ما تبقى صح. الضوابط دي زي السور اللي بيحمي البيت… مش بيحبسه.
– ربنا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ يعني مش بس بلاش نعمل الغلط… لأ، بلاش نقرب من الحاجات اللي تفتح باب للغلط أصلًا. وده أكبر دليل إن ربنا رايد لقلوبنا السلام… مش القلق.
وبصت لمؤمن، وكملت كلام: الضوابط بتعمل حاجة محدش بياخد باله منها… بتحافظ على مهابة العلاقة. الاحترام. إن كل كلمة بينا تفضل لها قيمتها… وكل نظرة تتحسب… وكل خطوة محسوبة لله.
– الناس فاكرة إن الضوابط بتقلل الحب… لكن الحقيقة إن الضوابط بتحافظ على الحب. بتخليه يكبر براحة… من غير خوف… ولا غلط… ولا لحظة نندم عليها بعدين.
شدّت نفس تاني: النبي ﷺ قال: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.” والضوابط دي بتبعدنا عن اللي يريّبنا… عن اللي يخلّي الواحد يحس إنه ماشي غلط.
الضوابط بتخلّي كل واحد فينا واضح قدام التاني. مفيش تمثيل، مفيش مجاملات… مفيش وعود أكبر من طاقتنا. إحنا بنتعرف على بعض برحمة… مش بضغط. وبوضوح… مش باندفاع.
– وأنا… أنا محتاجة أبدأ بداية مفيهاش خوف. مفيهاش ذنب. مفيهاش حاجة تحسسني إني ما صنتش نفسي… أو ما صنتكش.
وبعدين نزلت عينها، وقالت: – الضوابط دي اللي بتخلي ربنا يبارك. والبيت اللي يتبني على بركة… عمره ما يتهز.
كانت بتتكلم وعيونه ثابتة عليها… مش بيمّل، ولا بيقاطع، ولا حتى بيظهر ضيق.
ولما خلصت… قال: على العموم… أنا كده كده كنت ناوي أقولك إني متفق معاكي في كل ده. بس…
وسكت ثواني… كأنه بيجمّع شجاعته: أنا كمان عندي. مش شرط… هنقول طلب. ويا رب توافقّي عليه.
– خير يا مؤمن؟
نظر لها نظرة صريحة: إحنا هنعدي ست شهور مع بعض في الخطوبة… بكل احترام وضوابط زي ما اتفقنا. وبعد الست شهور بالظبط… لو انتي لسه مرتاحة… ولسه شايفاني مناسب… نتجوز.
الكلمة هزّت قلبها… مش خوف… لكن طمأنينة، السكينة اللي كانت بتخاف إنها مش تلاقيها أبدًا. زي ما ربنا قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وفي اللحظة دي… شهد كانت حاسّة إنها لأول مرة في حياتها حد بيحطها هي في المعادلة… مش كلام الناس… ولا ضغط أهل… ولا خوف… بس احترام، ورغبة صادقة.
* * *
الأيام عدّت… لكن الغريب إن كل يوم في الخطوبة كان بيعدّي على شهد أتقل من اللي قبله، ومع ذلك… كان فيه حاجة جواها بتتشافى ببطء… كأن ربنا بيعوّضها حبة حبة… مش مرة واحدة.
من أول أسبوع، بدأت تلاحظ حاجة: مؤمن مش شبه حد قابلته قبل كده. ولا حتى شبه الصورة اللي في خيالها عن الشخص المناسب. ده أحسن… أهدى… أرقّ.
كان دايمًا ثابت… لين… زي ما بيقولوا: رجل، بس قلبه مش حجر. لو حصل سوء فهم؟ ما بيعليش صوته. ما بيجرحش. ما بيحاولش يكسب خناق… هو بيحاول يفهم.
ولو كانت شهد متوترة؟ كان دايمًا يقول نفس الجملة: إحنا فريق واحد، فاهمة؟ ما فيش أنا وإنتِ… في إحنا.
الجملة دي لوحدها كانت كفيلة تطمن قلب يوم ما عرفش يعني إيه أمان.
ومع كل يوم يعدّي… شهد كانت بتتأكد إنها مش بس اختارت صح… ده ربنا هو اللي اختار لها مؤمن.
ومع كل ده… أمّها لسه أمّها. ورغم إن شهد كانت بتحاول من قلبها تصلّح اللي بينهم… تحاول تكسب رضاها… تحاول تقرّب… كانت كل مرة بتتحطم. جربت كل حاجة: تتكلم بهدوء، تسألها عايزة إيه، تخدمها من غير ما تطلب، تحاول تضحك معاها… لكن ولا حاجة اتغيّرت.
كانت أمها دايمًا تقابل اللين بخشونة… وتقابل القرب بنفور… وتقابل الكلام الطيب بسخرية.
وشهد كانت تقعد في آخر الليل، على سريرها، تقول لنفسها: – طب أنا ليه لسه بزعل؟ ليه لسه بتوجع؟ مش المفروض أكون اتعودت؟
بس الحقيقة؟ القلب ما بيتعودش على الحرمان. ولا بيتأقلم على القسوة… حتى لو مرت عليها سنين.
وكانت دايمًا فاكرة حديث النبي ﷺ: “أمك… ثم أمك… ثم أمك.” وده كان بيخليها تحاول… تاني… وتالت… ومليون مرة. بس اللي بيكسرها إنها بتدي… وما بتاخدش ولا حتى كلمة حلوة في المقابل.
* * *
واخيرا خلصو الست شهر وبكرة كتب الكتاب: وقفتِت قدام المراية… تعدّل طرحتها… تعدّل هدومها… وبعدين تقف ساكتة.
– أنا فعلاً هبقى زوجة مؤمن؟ هو ده بجد؟ ولا هصحى ألاقيه حلم؟
كانت فرحانة… قلبها بيجري من السعادة… بس في فتلة خوف رفيعة… عاملة زي خيط الشك اللي مش عارفة تقطعه.
الليل كان هادي… أهدى من الطبيعي… وكل ما الهدوء يزيد… كان خوفها يعلى.
وقالت لنفسها بصوت واطي: ليه حاسة إن اليوم ده مش هيعدّي على خير؟ أنا خايفة… خايفة جداً… مع إن فرحتي كبيرة… يمكن أكبر فرحة في حياتي.
كانت خايفة من الماضي… من أمها… من كلام الناس… من أي حاجة ممكن تهد جبر ربنا لها.
بس في لحظة خوفها… افتكرت الكلمة اللي مؤمن قالها آخر مرة خرجوا فيها: شهد… إحنا هنمشيها بالحلال، وربنا ما بيفرقش بين اتنين قلبهم نضيف.
والجملة دي… كانت أول خيط نور وسط كل قلقها.
* * *
وأخيرًا جه اليوم اللي كنت مستنياه من سنين… يوم كتب الكتاب.
القلب كان بيدق بسرعة، واليدين مش قادرة تثبت على الطرحة، بس كل خطوة كنت بخطاها كانت مليانة أمل… مليانة خوف… مليانة شوق لنهاية الطريق الطويلة ده.
المأذون رفع صوته، و أخر كلمة خرجت منه كانت: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير".
قلب شهد كان بيطير من مكانه… كل التعب، كل الخوف، كل السنوات اللي مرت من غير أمان، كل جرح الأم… كل ده كان خلاص هيتغير.
ابتسمت لأول مرة من قلبها، ورفعت راسها بشكر لله.
وفجأة، الباب اتفتح… والهواء جاب معه صدمة… آخر شخص شهد توقعته، آخر شخص كان في قلبها ووجعها… زياد… خطيبها الأول.
دخل، عينيه مولعة غضب، صوته بيهتز من الغضب والغيرة، وقال: إزاي تتجوزي؟ إنتِ لسه بتاعتي! أنا يا شهد بتاعتي… أنا وبس!
الجملة دي كانت كالسهم اللي دخل قلبها، وقلب مؤمن كمان اللي اتجه ناحية ذياد.
ونزل في الضرب… لحد ما اغمة عليه، حضنه واحد من صحابه، وقال: خلاص يا مؤمن… حصل خير.
وفي لحظة، زياد اتكرش بره، الدنيا كلها وقعت حواليه، لكنه ماقدرش يعمل حاجة.
مؤمن، ثابت، قلبه كله حماية وحب لشهد.
بعد ما الباب اتقفل، مؤمن مد إيده، قبض على يد شهد، وبص ليها بعينين كلها حنان، وقال: أنا آسف على اليوم اللي ضاع… على كل لحظة خوف أو وجع… على كل مرة حسيتِ فيها بعدم الأمان. دلوقتي… إحنا مع بعض، وده كل اللي يهمني.
شهد، دموعها نزلت بغزارة، وابتسامتها بدأت تشرق على وشها، لكن كلماته ما خلصتش، مؤمن ابتسم وقال: تعالي… نخرج دلوقتي… نتمشى… نتمشى عشان نفرح بكل لحظة بعد كل اللي فاتنا. دلوقتي، كل حاجة تبقى لنا… بس لنا إحنا الاتنين.
خرجوا من الـ بيت… الشوارع كانت هادية… نسيم الليل كان بيهدي روحهم بعد كل التوتر ده… شهد كانت ماسكة إيده بقوة، وكل خطوة بتثبت قدامها إنها أخيرًا حرة… أخيرًا محمية… أخيرًا حقيقية.
مؤمن، من ناحيته، كل مرة يبص لها كان قلبه يطير من الحب… كل خطوة جنبها كانت عهده عليه … وعده إن يحميها، إن يقف جنبه، وإن يجعل كل أيامها اللي جاية أمان وسعادة… مش خوف أو قهر.
وهما ماشين، شهد حست بحاجة جديدة… إحساس إن الدنيا بدأت من جديد… إنها أخيرًا قدرت تبني حياة من غير خوف، حياة مليانة حب… احترام… وضحك… وحنان.
اليوم ده كله كان بداية… بداية لحياة جديدة، بداية لعلاقة صح… علاقة يقدروا فيها يبنوا ضوابطهم… مبادئهم… احترامهم لبعض… ويثبتوا لبعض إن الحب مش بس كلمات… الحب أفعال… أمان… سند… حياة.
فضلو ماشيين جنب بعض، إيديهم متشابكة، كإنهم أخيرًا لقوا الطريق اللي يجمعهم من غير خوف.
الليل كان هادي… والهوا خفيف، كأنه بيبارك البداية الجديدة دي.
فجأة شهد وقفت… عينيها لمعت وهي بتبص ناحية محل ورد على الجهة التانية من الشارع.
ضحكت ضحكة صغيرة، وقالت بحماس طفولي: بُص يا مؤمن… الورد جميل إزاي؟
بص معاها، ولما شاف لمعة عينيها، قلبه رقّ أكتر.
قال بضحكة هادية وهو يشد إيدها بحنان: تعالي نروح نجيب لك… يلا.
هي هزت راسها بسرعة، وقالت بخجل جميل: لا لا… أنا بس ببص على شكله.
قرب منها خطوة، وبص في عينيها بعمق يخوّف أي خوف جواها وقال: وأنا مش هخلي عينِك تبص على حاجة… إلا وأجيبها لك. مش هخليكِ تحتاجي حاجة… طول ما أنا جنبك.
الكلام دخل قلبها زي الدفا… شد إيدها أكتر، وبدأوا يعدّوا الشارع… شهد كانت لسه بتبص للورد، ولسه مبتسمة… ومؤمن كان ماسك إيدها بقوة كأنه خايف عليها من الهوا.
لكن في ثانية… في لحظة… كل حاجة اتقلبت.
صوت عربية عالي… نور أبيض ساطع جاي بسرعة من بعيد… العربية جاية بسرعة جنونية… شهد ما لحقتش تفهم… ما لحقتش حتى ترفع رأسها.
وفي لمح البصر… إيد مؤمن شدت عليها بقوة… ثانية واحدة كانت كافية… راح زاقها بكل قوته بعيد.
جسمها اتقلب على الأرض… بعدت متر واحد… واتخربشت إيديها… بس عينيها كانت معلقة في مكان واحد بس: مؤمن.
الصدمة مسكت فيها… ودقايق اتحولت لثواني… والدنيا اتحولت لصوت واحد: دبّة فرامل. صرخة بعيدة. وهدوء مرعب بعدها.
شهد ما كانتش عارفة تستوعب… قلبها كان بيترج… نفسها بيتقطع… عينيها بتدور عليه في الرصيف… في الأرض… حواليها… كل حاجة حصلت بسرعة… بسرعة مرعبة… بسرعة ما سيبتش فرصة لعقلها يفهم… وكل اللي قدرت تحسّه… هو الخوف… والبرد اللي ضرب قلبها فجأة… مؤمن… الكلمة خرجت من بقاها مرتعشة… ومحدش رد.
شهد أول ما قامت على رجليها… عينيها لفت تدور عليه بجنون… لحد ما شافته مرمي على الأرض… مش بيتحرك.
صرخة خرجت منها من غير وعي: مؤمن!!
جريت عليه بكل قوتها… ركبتها خبطت في الأرض وهي بتوطي جنبه… وشالت دماغه بترعش وحطّتها على رجلها، وصوتها بيتهدج: الحقونا… حد يتصل بالإسعاف!! بالله عليكم حد يجيب إسعاف!
الناس اتلمّت، ناس مصدومة… ناس خايفة… بس هي؟ كانت تايهة… تايهة في الدم اللي على هدومه… تايهة في النفس اللي بيروح من صدره.
مسك إيدها… إيده بردانة… بردانة بطريقة ما شبهاش قبل كده.
رفعها بالعافية… وبص في عينيها نظرة واحدة… نظرة كأنها آخر حاجة عايز يشوفها في الدنيا. وقال بصوت مكسور… صوت نصه وجع… ونصه حب: شهد… أنا بحبك.
دموعها نزلت مرة واحدة… نزلت بغزارة… كأنها بتحاول تحافظ على روحه ما تطلعش.
ونفسه بدأ يتقطع… شفايفه نطقت الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله… وأشهد أن محمدًا…
حاول يكمل… حاول يقول رسول الله… بس النفس خان… وصوته اتقطع… ورقبته ارتخت… وجفونه نزلت على مهل… ونفسه الأخير خرج من صدره.
سكنت الدنيا.
شهد قربت وشها على صدره… بتحاول تسمع نبض. بتحاول تسمع أي حاجة.
ولا حاجة. ولا صوت. ولا حركة. ولا حياة.
صرخت… صرخة هزّت الشارع كله… صرخة طالعة من حتة في القلب مليانة كسر: موووؤمن!!! بالله عليك قوم!! يا ناس… حد يعمل حاجة!!
كانت ماسكة إيده بكل قوتها… كأنها لو سيبتها هتفقد آخر حاجة في الدنيا تربطها بالحياة.
والناس حواليها… واقفة… مصدّومة… واللي بيعيط… واللي بيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وشهد؟ كانت قاعدة في نص الشارع… حضناه… وبتصوّت… وكإن روحها اتسحبت مع آخر نفس خرج منه.
رواية انكسار الروح الفصل السادس 6 - بقلم الاء محمد حجازي
مؤمن!!! بالله عليك قوم!
يا ناس… حد يعمل حاجة!
كانت ماسكة إيده بكل قوتها، كأنها لو سيبتها هتفقد آخر حاجة في الدنيا تربطها بالحياة.
والناس حواليها واقفة، مصدّومة، واللي بيعيط، واللي بيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وشهد؟ كانت قاعدة في نص الشارع، حضناه، وبتصوّت، وكأن روحها اتسحبت مع آخر نفس خرج منه.
وصلت الإسعاف وكانت بتجري بسرعة رهيبة.
شهد كانت قاعدة جنبه في عربية الإسعاف، فجأة قالت بسرعة:
ألحقوه!! بالله عليكم هو لسه عايش… النبض بيرجع… هو لسه عايش!
المسعف كان بيقول نبضه بصوت عالي:
ضعيف… ضعيف… رجع… اختفى… ارجع يا مؤمن… يلا يا بطل…
وإيده بتضغط على صدره بقوة، وجسمه يهتز، وشهد تهتز معاه وتصرخ:
مؤمن!
فجأة النبض رجع خط بسيط، رفيع، بيتحرك بالعافية.
المسعف لف لشهد بسرعة:
إحنا وصلنا… ادعيله بس، لان الدعاء بيغيّر القدر.
نقلوه جوّا المستشفى على نقالة، والدكاترة اتلمّوا عليه.
شهد وقفت على باب غرفة الإنعاش، بترتعش، وبتبكي، ومش قادرة تاخد نفسها.
كانت سامعة صوت الدكتور:
اضغط أكتر… شحن تاني… النبض ضعيف… على الحافة!
وبعدها؟ صمت… صمت يخوّف.
الدكتور خرج، قرب منها، وحاول يكون هادي وهو شايف انهيارها:
يا بنتي… والله حاولنا… حاولنا بكل الطرق… بس… البقاء لله.
دماغ شهد وقفت.
وقفت… بصّت له بشلل ثواني، وبعدين خرج صوتها…
لأ… لأ… لأ… لأ… مؤمن؟
جريت على باب الغرفة قبل ما حد يلحق يمسكها، دخلت عليه، لقتهم مغطّينه نص تغطية.
شدّت الغطاء من على وشه وهي تقول:
ما تموتش… ما تموتش بلاش تسيبني…
مسكت إيده، لقياها بردت شوية.
مسكتها بإيديها الاتنين كأنها بتحاول تدفّيها:
إدفى… قوم… اسمعني… قوم عشان نعيش… قوم عشان قلتلي هنمشي سوا… قوم!
وفجأة قالت بوجع في قلبها:
أنا لسه… لسه كنت شايفاك جنبي… لسه ماسك إيدي… لسه بتضحكلي…
ركعت على الأرض عند السرير، حاطّة راسها على صدره:
ما تسيبنيش… ما تسبنيش زيه… بالله عليك قوم.
وبعدين اتهمت نفسها فجأة:
أنا السبب… أنا السبب إنك تعدي الطريق… أنا السبب إنك كنت ماسك إيدي… أنا السبب في كل حاجة…
وبصوت أعلى:
ارجع… ارجع يا مؤمن… ما تموتش في يوم كتب كتابنا… حرام عليك… قوم!
الممرضة حاولت تمسكها.
شهد زعقت:
سيبيني! ده جوزي! ده جوزي أنا!
وبعدين بصت لوشه، وشه الهادي اللي دايمًا كان يسمعها قبل ما يتكلم.
قالت له آخر كلمة وهي بتنهار انهيار كامل:
يا مؤمن… أنا بحبك… قوم.
ومن بعدها ما كانش في صوت غير بكاها وهي حاضناه كأنه لسه حي.
وبعدين قالت ودموعها بتنزل علي صدره:
ما تسبنيش… أنا كمان بحبك… كنت هبقى عوضك… وإنت عوضي… قوم عشان نعيش… قوم يا مؤمن!
بس هو؟ ما بيردش… ما بيتنفسش… جسمه بقى هادي… هادي بطريقة توجع.
وقعت على صدره تبكي، صرخات محبوسة جواها سنين:
إحنا لسه هنبدأ… لسه هنعيش… لسه عندنا حكاية… ليه يا مؤمن؟! ليه؟!
الممرضين حاولوا يشيلوها… بس دكتور قال:
سيبوها…
وهي فضلت ماسكة إيده، وكأنها لو سابت… هتسقط من على وش الدنيا.
***
كانت شهد ماشية وراهم، تايهة.
رجليها بتتحرك، بس عقلها واقف في اللحظة اللي شافته فيها بيقع… ولا هي سامعة صوت الناس… ولا فاهمة مين بيكلم مين…
كل حاجة حواليها عاملة زي ضباب تقيل مش راضي يتشال.
كانت بس بتعيد في دماغها جملة واحدة: هو فين؟… فين مؤمن؟ هو فين دلوقت؟
الوقت كله راح… الساعات عدّت كإنها دقيقة… والناس دخلوا البيت اللي كان لسه من وقت قليل مليان فرحة وضحك.
البيت اللي مؤمن كان واقف فيه من ساعات بيهزر معاها… اللي قال لها فيه وهو ماسك إيديها بعد كتب الكتاب:
بصي يا بنت الحلال… إوعي تزعلي بعد كده… ومن النهارده هنعوض كل السنين اللي راحت.
كانت شهد وقتها بتضحك وهي بتردعليه:
طب ماشي، بس بطل تهزر معايا كتير قدام الناس، انا بتكسف.
فيغمز لها وهو بيقول:
بتتكسفي؟ ده أنا لسه هكسفك كسوف… أنا ناوي أزهقك مني، ده إنتي شغلي الشاغل من النهارده.
الكلام ده رجع يرنّ في ودنها بقوة لحد ما قلبها وجعها.
دخلت أوضتها… أول ما قفلت الباب، وقعت على الأرض زي ورقة نشفة مكسورة.
مدّت إيدها على تليفونها بطريقة لا إرادية… فتحته… ولقت صورتهم.
الصورة اللي اتصورت على السلم… الصورة اللي كان فيها مؤمن واقف جنبها… حاضنها من كتفها وشه مبتسم ابتسامة كبيرة قوي… الابتسامة اللي كانت بتقول أخيرًا بقت ليا.
افتكرت صوت ضحكته… افتكرت لما وقفها على السلم وقال لها:
تعالي نتصوّر يحبيبي.
ضحكت شهد وقالت له:
إنت مش طبيعي… على السلم؟!
راح ضاحك بصوت عالي:
على السلم، في الشارع، فوق السحاب… المهم صورتي معاك.
لما افتكرت كلمته… اتقطّعت جواها.
قربت الموبايل من صدرها… الصورة بتتهز من إيدها اللي كانت بترتعش… وبعدين فجأة… خرج صوتها.
كانت بتعيط… وبتعيط… وبتعيط… زي حد كان ماسك نفسه من بدري… وفجأة اتكسرت السدود كلها.
دموعها نزلت بغزارة لدرجة إنها كانت مش شايفة الشاشة… كانت بتقول بصوت مكسور:
ليه يا مؤمن…؟ ليه سبتني؟ لسه كنت بتتريق عليا… لسه كنت بتضحك… لسه كنت ماسك إيدي…
وأطول موجة بكا عرفتها في حياتها نزلت… محدش كان قادر يدخل لها… محدش كان قادر يقرب منها… ولا هي نفسها كانت قادرة توقف.
كانت بس ماسكة الصورة… وبتنهار.
***
عدى شهر كامل… شهر وشهد لسه محبوسة في أوضتها، كأن الدنيا وقفت عند اللحظة اللي اتاخد فيها مؤمن من حضنها قبل ما تلحق تقول له استنى.
لا بتتكلم… ولا بتضحك… حتى النفس كانت بتاخده بصعوبة.
تاكل لقيمات صغيرة وترجع تكمل عياط.
مع إنها ما عاشتش فترة طويلة مع مؤمن… بس هي كانت شايفاه السند… الأمان… الراجل اللي بعد أبوها.
ولما الأمان بيتاخد منك مرتين… الكسرة بتبقى أعمق من إن حد يفهمها.
بس الليلة دي… باب أوضتها اتفتح بهدوء… وأمها دخلت.
قعدت جنبها… نفسها كان تقيل، كأنها بتحارب عمر كامل مش لحظة بس.
قالت بصوت مش مألوف لشهد، صوت هزيمة:
هتفضلي لحد إمتى كده؟
شهد بصتلها… نظرة ساكتة، فيها كسر أكبر من كل الكلام اللي ممكن يتقال.
أمها تنفست بعمق وقالت:
أنا عارفة إنك زعلانة مني… وعارفة كمان إن وجودي مش عاجبك دلوقتويمكن كارهاني… ويمكن لو الزمن يرجع، تختاري أم غيري… بس اسمعيني.
قربت منها شوية:
أبوكي… أبوكي يا شهد… قبل ما يموت، مسكني إيدك وقال لي: دي أمانة في رقبتك يا أم شهد… بنتي دي قلبها ضعيف… خلي بالك منها.
وانا يومها وِعِدت. بس يمكن… يمكن فهمت الوعد غلط.
شهد دموعها نزلت بهدوء.
أمها كملت:
تعرفي يعني إيه ست تبقى لوحدها؟ تعرفي يعني إيه الدنيا كلها تبقى واقفة عشان تمتحنك كل يوم؟
إخواتي البنات كانوا بيخافوا لما أزورهم… بيخافوا لخطف جوازاتهم او زي ما بيقولوا كده ألف على واحد فيهم.
والناس تقول: دي شكلها مش تمام… دي عينها زايغة… دي بتخطف رجالة.
أنا يا شهد اتشتمت… اتهنت… اتكسر ضهري… واترمى عليا كلام… لو قلبك مكان قلبي، كان زمانه مات من زمان.
أنا اتربيت على الجمود يا شهد… أبويا كان ناشف… أمي ناشفة… وأنا كنت فاكرة إن كده الصح.
كان لازم أبقى جامدة… لازم أبان قوية… لأن كلام الناس ما بيرحمش… وأنا جربته قبلك.
مسحت دمعتها بسرعة، كأنها ممنوعة تبين ضعف:
كنت خايفة تتأذي… كنت خايفة الناس تعمل فيكي زي ما عملوا فيا… خايفة تشوفي اللي شوفته… خايفة قلبك يتكسر زي قلبي.
قربت أكتر، صوتها انكسر:
عشان كده كنت قاسية. كنت ناشفة. كنت بكسر فيكي… عشان أعلّمك تقفي. عشان لما الحياة تخبطك ما توقعيش. عشان تبقي قوية… مش سهلة الكسر.
شهقت شهد بهدوء… أمها حطت إيدها على إيدها لأول مرة من شهور:
كنت فاكرة إن الحنية هتضعفك… وإن القسوة هتحميكي. وطلع… إني كنت بخوّفك بدل ما أطمّنك. وبوجعك بدل ما أحضنك.
بصت لها بعينين مش مليانة دموع… لأ… مليانة ندم:
سامحيني يا شهد… أنا فشلت أبقى أم زي ما كنت أتمنى… بس والله… والله العظيم… عمري ما قسيت عليكي إلا خوف. خوف بينهش قلبي كل يوم. وخوف الناس يا بنتي… ناس ما بيرحموش… بيعدموا. وما كنتش عايزة حد يعدم بنتي.
سكتت لحظة… وبعدين قالت بصوت مهزوم:
حاولي… اطلعي من اللي إنتِ فيه… مش عشاني… عشانك. لإنك انكسرتي مرة… وما ينفعش تنكسري تاني.
قامت… وبصت لها آخر بصّة فيها كل اللي ما اتقالش سنين:
وانا… لسه على وعد أبوكي… بس المرة دي هفهمه صح. وبقولك تاني حاولي… يا بنتي… اطلعي من اللي إنتِ فيه. مؤمن مات… بس إنتِ لسه عايشة. وإنتي تستاهلي تعيشي.
وطلعت ببطء. وسابت شهد قاعدة، دموعها بتنزل في صمت… وقلبها مش عارف يسامح ولا ينسى… بس لأول مرة من شهور… حست إن الباب اتفتح شِبر… مش للهوى… للراحة. وبداية سلام صغير… بيخبط على باب قلبها لأول مرة.
***
بعد ما خرجت أم شهد من الأوضة، سابتها واقفة في النص بين الوجع والحيرة… ما هيش عارفة تمسك راسها ولا قلبها ولا دمعتها.
الدنيا حواليها هادية… بس الهدوء كان مرعب أكتر من العياط.
وفجأة… الباب اتفتح تاني. دخلت الأم، وبصوت هادي على غير عادتها قالت:
شهد… عمّة مؤمن برّه… وعايزة تقابلك.
شهد ما اتكلمتش… بس هزّت رأسها.
دخلت عمّة مؤمن بخطوات تقيلة… خطوات حد موجوع بجد.
أول ما شافت شهد، مافيش كلمة خرجت منها. مدّت دراعتها وفتحت حضنها… وشهد، رغم تعبها، راحت ووقعت في حضنها زي طفلة.
حضن كان مليان رحمة… مليان خوف… مليان فقد شبه فقدها.
عمّة مؤمن قعدتها جنبها، ومسحت على وشّها بلطف أمّ خسرت عمرها كله.
وقالت بصوت دافي، هادي، وداخل من أعمق نقطة في قلبها:
بصي يا بنتي… هقولّك كلام نفسي يدخل قلبك قبل ودنك.
سكتت ثواني، ودمعتها لمعت، وقالت:
الموت يا شهد… مش آخر الدنيا. الموت باب… كلنا هنعدي منه. وربنا قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» يعني ماحدّش بيمشي من الدنيا إلا بأذنه… لا قبل ثانية ولا بعدها.
شدّت على إيدها وقالت:
من حقّك تزعلِي… ومن حقّك تبكِي… ومن حقّك تتكسري. ده رسول الله ﷺ نفسه… بكى على ابنه إبراهيم. ولما صحابه استغربوا قال لهم: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
فلو سيد الخلق زعل… يبقى عادي… طبيعي… إن قلبك يتقطع.
مسحت دموع شهد اللي نازلة بالغصب:
بس يا بنتي… الزعل مش معناه إنك توقفي حياتك. الوجع مش معناه إنك تدفني نفسك معاه. إنك تحبيه… مش معناه إنك تموتي بالحياة.
قربت منها أكتر:
عارفة إنك كنتي شايفاه سند… شايفاه أمان… شايفاه ضهر. ومش غلط… كان فعلاً كده. اللي راح… راح للي أرحم منّا كلنا. وإحنا ما نملكش حاجة غير إننا نقول: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون». مش كلمة نقولها وخلاص… دي شهادة… تسليم… وإيمان إن ربنا ما بياخدش إلا لحكمة.
حطّت إيدها على خد شهد وهي بتترعش:
ومش هكدب عليك… الوجع مش هيروح بكرة… ولا بعده. بس هتهديه رحمة ربّنا. وهيفضل الحب… بس من غير ألم يكسر ضهرك.
قربت وشها من وش شهد وقالت:
مؤمن… لو واقف قدامي دلوقت… هيقول لك: قومي. عيشي. ادعي لي. اعملي خير باسمي. مش هيقول لك اقفلي على نفسك… ولا موتي معايا. ده كان بيحبك… واللي بيحب ما يرضاش يشوف حبيبته بتدبل.
حضنتها تاني… حضن طويل… حضن أم فقدت ابنها بس لسه قلبها حيّ:
وإوعي تنسي… الدنيا مش دار بقاء. كلنا ماشين. بس اللي باقي… عملنا… صبرنا… دعاء اللي بيحبونا.
شدّت على إيدها الاتنين وقالت:
يا شهد… اللي حصل مش نهاية. ده بداية جديدة… يمكن صعبة… لكنها من ربّنا. ولما نيجي يوم ونقف على أبواب الجنة… هتلاقيه مستنيك… يضحك… ويقول: استنيتك.
مسحت دمعتها وابتسمت بألم وقالت:
بس لحد اليوم ده… عيشي. لإن لسه ليك عمر… ولسه ليك نصيب… ولسه ربنا كاتب لك حياة… ما ينفعش تطفيها. عاوزه اقولك يمكن انا اكتر حد ماذي من موت مؤمن مامه مؤمن ميته وهو عنده 10 سنين انا اللي ربيته مع ابوه لاني ما بخلفش واتطلقت من جوزي بسبب ده ولحد قبل ما يجي هنا بسنتين كان بابا توفى وانا رجعت شقتي لما شفت حالته النفسيه بس هو قرر يسافر شغل في القاهره السنتين دول عشان يقدر يتعافى يعني واول ما اجيب شافك قال لي عمتي انا لازم انا اخطبها ويوم ما وافقتي كان فرحان جدا. بس هو دلوقتي زعلان علشان انتي زعلانه. افرحي يشهد؟
***
الكلام اللي قالته عمّة مؤمن كان داخل جوا شهد… يدخل… ويخبط… ويصحّي الوجع اللي كانت بتحاول تنامه.
وفجأة… كأن كلمة صغيرة كسرت آخر حتة كانت ماسكة نفسها بيها.
قامت شهد بتبص لعمّته… عنيها واسعة… ودموعها بتلمع قبل ما تقع.
وطلعت منها الكلمة اللي كانت محبوسة في صدرها شهر:
أنا عارفة… عارفة كل اللي بتقوليه… بس… مش… قادرة…
الصوت اتكسر. الكلمة اتشرخت. وهي نفسها انهارت.
الدموع نزلت مرة واحدة… مش دموع بكاء طبيعي… دموع حد اتفتح فيه باب وجع كان مقفول بالعافية.
قعدت تعيط… وتنهيدة ورا التانية… وصوتها بيرتعش:
مش قادرة… مش قادرة أصدق إن هو مش موجود… مش قادرة أصحى كل يوم على إن في حد ناقص… كان أماني يا طنط… كان ضهري… ولما راح… اتكسرت.
انهارت… فعلاً انهارت. رأسها نزلت على ركبتها.
عمّة مؤمن… اللي كانت ماسكة نفسها طول الوقت… دمعتها نزلت من غير ما تقاوم.
مدّت إيدها ولمست شعر شهد بحنان أمّ مكسور، وقالت بصوت واطي… دافي… مهزوز شوية:
ازعلِي يا بنتي… ازعلِي قد ما تقدري… الزعل حقك… ومش حرام. بس بالله عليكِ… ما تخليش الزعل ياكل عمرك.
مسحت دموع شهد وهي بترتعش:
ما تخليش الحزن يسرقك… ولا يخطف أيامك. هو راح للي أرحم منه ومننا… وانتي لسه ليكي عمر… ولسه ليكي حياة لازم تعيشيها.
حضنت شهد، وقربت ودنها منها وقالت بجديّة دافئة:
يا بنتي… اطلعي… اخرجي من الأوضة دي… خدي نفس برّه… غيري جو، روّحي مكان مفتوح، شوفي ناس… ما تفضليش لوحدِك.
وبصوت أعمق… أصدق… أقرب للقلب:
وعلى فكرة يا شهد… الحادثة اللي أخدته… طلعت قضاء وقدر.
سابت الكلمة تقع في قلب شهد زي الحقيقة اللي بتهدّ وتبني في نفس الوقت:
قضاء وقدر… يعني عمره خلص. واللي خلص… ما حدش كان هيطوّله، لا إنتي… ولا أنا… ولا الدنيا كلها.
مسكت خد شهد بين إيديها وقالت:
بس إنتي… لسه مكتوب لك تبقي هنا. وربنا ما كانش هيخليكي لوحدِك… غير لو كان شايف فيك قوة… وهى موجودة… حتى لو انتي مش شايفاه.
والدموع على خد شهد كانت بتزداد… بس لأول مرة… كانت دموع اعتراف… دموع حد بدأ يسلّم… حتى لو غصب عنه.
***
بعد ما عمّة مؤمن خرجت… فضلت شهد قاعدة لوحدها في الأوضة… والكلام اللي سابته ورَاها كان بيرِنّ في ودان شهد زي نبض تقيل.
الكلمات دي كانت بتتنقّل جواها… تكسر… وتلَحّم… وتفَوّق وجع شهور.
فضلت ساكتة شوية… بس لأول مرة من يوم الحادث… حست إن في حاجة جواها بتتهز… بتصحى… بتقول لها إن الحياة مش هتقف… حتى لو القلب اتكسَر.
مسحت دموعها… قامت تلبس طرحتها… وخدت نفسها وقررت تطلع.
مفهمتش هي رايحة فين غير بعد ما رجليها وقفت قدام أول مكان شافته فيه.
البحر.
نفس البحر اللي كانوا واقفين قدامه… ونفس الموج اللي كان ضحكه ووشّه الطيب بيملاه حياة.
قعدت شهد على الرملة… والهوا بيعدّي على وشّها… وبصّت للمكان اللي مؤمن وقف فيه يومها، والطفل الصغير اللي كان بيعيّط… فاكرة إزاي مؤمن مسك الطفل من غير ما يعرفه… إزاي كان حنين… هادي… وراجل بمعنى الكلمة.
ابتسامة صغيرة كسرت دمعتها… مش عارفة إن كانت فرحة ولا وجع… بس كانت حقيقية.
وفجأة… شعرت بإيد بتتلف حوالين بوقها من ورا… تشَدّ… بقوة… من غير ولا صوت.
وبتكتم نفسها.
الصدمة خلت قلبها يقع من مكانه… حاولت تتحرك… بس الإيد اللي بتشدها كانت أقوى من خوفها.
وهي بتتلف غصب عنها… عينيها اتسعت… نفسها اتقطع… زياد.
وقف قدامها… وشّه كله غِلّ… ضحكة مريضة طالعة من قلب ظلام.
قرب وشه منها وهو ماسكها بقسوة وقال بطريقة تقشعرّ لها الأبدان:
مـــات. مات اللي كنتي بتستخبي وراه.
وشهد اتجمدت.
كمّل بصوت أوسخ من السواد:
ودلوقتي… هاخد حق الضرب اللي ضربهولي… عشانك. هاخد أعزّ ما عندِك يا شهد.
الكلمة نزلت عليها زي جردل ماية صاعقة في عز الشتا.
شهقتها طلعت متقطّعة… عقلها حاول يرفض يفهم… بس فهمت… وخوفها بقى نار.
هخليكي تتمني ترجعيلي… وتيجي تبوسي إيدي، علشان اتجوزك بعد اللي هيحصل.
هخلي سمعتك علي كل لسان.
وهنا… شهد اتولدت من جديد.
الخوف اتحوّل لغضب… والصمت اتحوّل لصراع.
زقّته بقوة… قعدت تضرب فيه بكل قوتها… إيديها… كتافها… حتى وهي مرعوبة كانت بتحارب.
لكن الفارق بينهم كان كبير… ضخم… شرّ… وهي منهارة وتعبانة.
مسكها من شعرها من فوق الخمار.... وضربها خبطة جامدة على دماغها خلّت الدنيا تبيضّ في عنيها… قرب منها… ثانية… ثانيتين… وجسمها مرمي على الأرض… والخطر بيقرب… بيتنفّس عليها… وفجـــــــــاة قبل ما يغمى عليها شافت اخر شخص كانت تتوقع انها تشوفه تاني.......
رواية انكسار الروح الفصل السابع 7 - بقلم الاء محمد حجازي
ظلت تتطلع اليها وهى تجلس امامها بذلك المقهى ترتشف كوب العصير بيدها بجسد لا يزال يرتعش لا تعلم من الغضب ام من الألم والحزن إلى أن وجدتها تضع الكوب أمامها على الطاولة لتسألها بهدوء
أحسن؟
اومئت برأسها ب ارهاق
كانت لا تزال حتى الان تحاول السيطرة على غضبها مما سمعته منها وتريد توضيح أكثر فما سمعته يثير اشمئزازها وقرفها يجعلها ترغب فى التقيؤ بشدة لا تصدق ب إن من تقبع امامها هى صديقتها ولكنها على الرغم من ذلك حاولت اظهار قدر من الجمود متسائلة بهدوء
هديتى شوية؟
اومئت برأسها مرة اخرى ب إنكسار لتضيق عينيها متسائلة بقوة حتى وإن لم ترتفع نبرة صوتها
ممكن افهم بقى ايه الكلام اللى قولتيه دة لانى فعلا مش فاهمة حاجة؟
صمت كل ما أخذته هو الصمت لتهتف ب اسمها بنبرة حادة ولكنها حافظت على انخفاضها قدر الامكان
شيرين
رفعت شيرين انظارها لها متسائلة ب ألم وإنكسار
عاوزة تعرفى ايه يا أميرة؟
نظرت لها أميرة قائلة بقوة
عاوزة توضيح لكل اللى قولتيه دة لانى فعلا مافهمتش حاجة عاوزة افهم انتى كنتى بتقولى ايه؟ مين رافد دة بالظبط وازاى مجبورة عليه؟
رفعت انظار مجروحة لها مجيبة ب انكسار
ما أنا قولتلك
مفهمتش حاجة وضحيلى من الأول
اجابتها أميرة بحزم لتومئ برأسها قائلة بهدوء
تمام
ثم استدركت مكملة
بس ليا طلب
ظلت أميرة تنظر لها منتظرة افضائها بطلبها لتقول الأخرى
ممكن الكلام دة يبقى سر بينى وبينك
اومئت برأسها بهدوء تنتظر اجابتها لتجدها تنزل رأسها لاسفل تنظر ليديها الموضوعة على الطاولة تتلاعب بهم بتوتر تركتها تهيئ نفسها بهدوء لما هى مقبلة على قوله والذى من الواضح انه يؤلمها وبشدة ثم بعد فترة وجدتها تفتح فمها قائلة بتردد
بصى زى ما انتى عارفة انا ماليش اخوات او بمعنى اصح انا الوحيدة لاهلى كان ليا اخ "وليد" الله يرحمه
اومئت أميرة برأسها لتكمل شيرين بتوتر وألم
انا وليد اخويا كان معاه كليه اداب فلسفة حاول يشتغل بيها بس
ابتسمت ساخرة مكملة ب ألم
بس هتعمل ايه فى الزمن وفلوس الشغل بيها هتعمل معاه ايه؟ ولا اى حاجة لا هتقدر تعيشه ولا هتخليه يكَوّن نفسه ولا اى حاجة
اومئت برأسها بتفهم لتكمل هى بضيق
ومع ذلك ميأسش حاول بكل قوته انه يعمل حاجة لنفسه
ثم فتحت يديها تفردهم على الطاول تكمل ب عجز
بس دة مش كافى انه يعمل حاجة لحد ما تقريبا يأس
ظلت اميرة تتطلع اليها ماعلاقة هذا الأمر ب أمر خطبتها من رافد ولكنها مع ذلك ظلت صامته لتجدها تكمل ب ألم
لحد ما واحد من اصدقائه جه وقاله على مكتب توظيف
ضيقت عينيها بتعجب تريد فهم ماتقول لتكمل هى بهدوء موضحة
مكتب بيقدمله ويخليكى تسافرى برة مصر يجهزلك شغلانة معينة بس كله بحسابه يعنى التأشيرة على حسابك واجرة المكتب على حسابك وتذكرة الطيران على حسابك وكل حاجة
اومئت برأسها بتفهم لتكمل هى ب ألم وبكاء وهى تتذكر اخيها الحبيب
وليد مكانش بينام شايف حلمه قدامه يسافر برة مصر سنة او اتنين يشتغل اى شغلانة هيقبض منها مبلغ كويس ولما يجى يعمل ليه مشروع لانه هنا فى بلده بدال ماهو تعبان ومش عامل حاجة يسافر يكون نفسه ويلمله قرشين بس مكانش فى ايده حاجة ماما باعت دهبها بس برده مقدرش يكمل التأشيرة اللى هياخدها الموضوع محتاج مبلغ جامد واحنا زى ما انتى عارفة على ادنا
اومئت برأسها بتفهم ولم ترد فتح فمها حتى لا تؤلمها اكثر تاركة اياها تبحر فى رفوف ذكرياتها تختار ماهو مناسب للحديث وماهو لا لتجدها تكمل ب ألم ودموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة
داخ وسط الناس على حد يسلفه بس محدش رضى او قدر مش فارقة لحد مافقد الامل تقريبا
صمتت لبرهة ترتفع شهقاتها فها هى وصلت لاصعب جزء بحياتها وسبب ألمها لتكمل هى بحزن
لحد ما حد من اصحابه اقترح عليه يكلم الحاج محمد الدسوقى
رفعت اميرة رأسها ب استفهام لتكمل هى بتوضيح
محمد الدسوقى والد رافد الدسوقى
اومئت اميرة برأسها لتكمل شيرين
كلم وليد بابا ف بابا وماما شجعوه وبالاخص ماما قالتله يكلم رافد وهو شاب زيه وهيتفهمه وعمره ماهيخذله وهما الحمد لله ربنا فاتحها عليهم من وسع والحمد لله المال كتير جدا وربنا يبارك ف اكيد رافد ماهيرفضش والحاج محمد معروف عنه انه رافد فى كفة والدنيا كلها فى كفة ف اذا رافد قال حاجة او طلب منه طلب عمر ما الحاج يكسرها وخصوصا انه كبير المنطقة وبيأهل رافد من بعده لمكانه ومفيش واحد يقدر يكسرله كلمه وعمر ماخذل حد ابدا
قطبت جبينها بتعجب ترى ما هو عمل محمد الدسوقى هذا ليجعله بهذه اللمكانة بالحى ويمتلك كل تلك الاموال ليستطيع اقراضها لاحدهم ولكنها صمتت تنتظر التوضيح من صديقتها ولا تريد مقاطعتها لتجدها تكمل ببكاء
وليد وافق وخصوصا بعد تشجيع اهلى وراح كلم رافد
ثم ازدادت وتيرة بكاءها والمها وهى تكمل بحزن
وافق وكلم والده وادوله الفلوس على ضمان انه لما يرجع يردهم ومضوه على وصولات امانة بكدة وفعلا قدم وليد على السفر وسافر تبع شركة مقاولات ب انه هيشتغل نقاش
حسنا حتى الآن لا تجد شئ غريب فى الأمر حتى الان برمته امر عادى وان كان يوضح شئ ما فهو يوضح حسن اخلاق واحترام ذلك الرجل وابنه لذا ما الغريب ولكنها على الرغم من ذلك لم ترد مقاطعتها بل تركتها تخرج ما بقلبها دون ضغط لتجدها تقول بعدها ب
وهى تنهار فى البكاء اكثر و اكثر و كأن هنا يكمن موضع الألم ولكن حينما وجدتها تغيب فى احزانها وبكاءها ركضت تربت على ظهرها قائلة بحنان
شيرين اهدى شيرين لو سمحتى اهدى
ثم امسكت بكأس العصير تناولها اياها ولكنها تفاجئت بها تلتف لتحتضنها هاتفة ب انهيار قائلة بكلمات متعثرة من بين شهقاتها
بس وليد مرجعش يا أميرة للاسف وليد مرجعش وليد راح ومات وقع من فوق السقالة وهو شغال ومات
تخشب جسد أميرة تحت يديها وهى تتفاجئ بكلماتها إذا هذا هو سبب موت اخيها إذا هذا هو سبب موت اخيها، هذا هو سبب ألمها هى واهلها، هذا هو سبب حرمانها من سندها ودعمها، هى لا تعلم شئ عن الاخ الأكبر بل هى لا تعلم شى عن الأخوة هى طالما تمنت ان يكون لها اخوة ولكن لم يمن الله عليها بهذا ولكن تستطيع الشعور الآن ب ألمها من حيث فقدان احدهم غالى وعزيز على قلبها لذا ضمتها لصدرها تربت على جسدها بحنان قائلة برقة حنونة
طيب اهدى اهدى هو فى مكان احسن محدش عارف لو كان عايش كان حصل ايه
شعرت ب انها ربما لن تحسن فى اختيار الفاظها لذا صمتت لبرهة من الوقت فقط تربت على ظهرها بحب تاركة اياها تخرج ما بقلبها وما ان هدأت حتى ابعدتها عنها قائلة برقه وابتسامة عذبة
احسن؟
اومئت برأسها لتبتسم قائلة بمرح
انا هنا متقلقيش مش انا اختك والاخوات فايدتهم ايه غير انهم يرخمو على بعض
ضحكت بنعومة لتصمت لبرهة فى حين ظلت أميرة تتطلع اليها تنتظر ان تكمل لتجدها تحاول التماسك قائلة ب ألم
طبعا الخبر وصل، ماما وبابا انهار وبالاخص ماما شالت الهم وحست انها السبب خصوصا انها هى اللى شجعته على كدة وفضلت شايلة ذنبه فى رقبتها
اومئت برأسها بتفهم لتجدها تكمل
بصراحة الناس صبرو علينا كتير وجه بعدها الحاج محمد يطالب بفلوسه بعد ما بابا فاق من موضوع وليد كان فات شهرين او تلاتة من موته
ظلت تنظر اميرة جهتها وقالت بتوقع
وطبعا باباكى مكنش معاه اللى يسد
اومئت برأسها بخزى لتكمل بحزن
منين وهو مجرد موظف حكومى وعامل غلبان بالعافية بيسد طلباتنا وحتى دهب ماما باعته لما سافر وليد محيلتناش غير البيت اللى قاعدين فيه وحتى دة ميكفيش حاجة لانه قديم جدا وصغير وف نفس الوقت هنسيبه ونروح فين
ظلت اميرة تنظر جهتها لتقول بضيق
الشركة اللى سافر ليها مبعتتش تعويض
هزت كتفيها تجيبها بضيق
كان رد الشركة ب انهم ما اتسببوش فى دة ولا كان بسببهم الموضوع اهمال منه ولما اتكلمنا وقومنا محامى نرفع قضيه مازلنا فيها بس رأى المحامى انه هتكون حتى التعويضات ضعيفة
ظلت أميرة تنظر جهة شيرين لتقول بتقرير
وطبعا الحاج محمد معندوش استعداد لانتظار حاجة مش عارف ابعادها ولا هيطول حاجة اصلا ولا لا
اومئت شيرين برأسها لتتساءل اميرة بهدوء
وبعدين؟
هزت شيرين كتفيها قائلة بهدوء ساخر
ولا قابلين الحاج قعد مع بابا طلب فلوسه ولما عرف انه مش هيقدر يدفع قاله خلاص ناخد شيرين بدل الفلوس
نعم!!
هتفت بها أميرة بصدمة لتكمل شيرين بلا مبالاة ظاهرية
ايه هو اللى نعم؟ الراجل طلب فلوسه بابا قال معيش قاله خلاص اركن الفلوس على جنب مش عاوزينها خالص واعتبرها مهر شيرين وهاخدها ل رافد ابنى ولما بابا قال هياخد رأيى قاله تمام يا بكرة تكون عندى موافقة شيرين يا تكون عندى فلوسى ان محصلش حاجة من الاتنين الوصولات هتكون فى النيابة
ظلت اميرة تنظر جهتها بصدمة فى اى عصر نعيش نحن واى عالم هؤلاء كيف يرضون ب انفسهم ان يكون زواج فتاة بالاجبار كيف يرضون ان تجر كالعبيد حارمين اياها هى والدها من ابسط حقوقها وهى ان تختار شريك حياتها وضعت يدها على رأسها تشد خصلاتها للخلف لا تستوعب.. حقا لا تستوعب ما يُقال
حولت انظارها جهة شيرين ترى ماذا تقول لها وكيف تواسيها نعم تتحدث ببساطة، بسخرية ولكنها تستطيع الشعور بطعم العلقم العالق بحلقها ترى اى شعور بالخزى يتملكها، اى الم ينخر فى قلبها ترى كيف تنظر إليه وهى تشعر ب أنه يجبرها اجبارا على العلاقة بينهم يجبرها ب ان تكون جزء من حياته حتى وان ارادت ان تحبه ف لن تستطع بعدما حدث لتنظر لها قائلة بتعثر
شيرين
سالت دموع شيرين على وجنتيها لتقول ببكاء
عرفتى ليه يا أميرة عرفتى ليه مابتكلمش عن علاقتى بيه عرفتى ليه بحاول أبعد عنه عرفتى ليه بحاول أدور على حب، انا محبيتوش وهو قتل جوايا اى محاولة إنى انا احبه وهو بيجبرنى على جوازى منه وهو بيحسسنى انى بهيمة صاحبها مقدرش يدفع الفلوس اللى عليه قامو اخدوها منه بدالها اتحرمت من اى مشاعر ادمية من اى احترام
ثم اكملت ب انهيار
كرامتى اتداست تحت الرجلين يا أميرة رغبتى فى الإختيار اغُتصبت منى، مشاعرى واحاسيسى زى مايكون مسكها ودهسها ب ايده وهو بيبص فى عينى وبيقول ممنوع عليكى الاختيار تفتكرى واحد زى دة لما ابص له بحس ب ايه
ثم اكملت ب انهيار وبكاء وهى تشير جهة قلبها
بحس ان قالى بيتعصر فى صدرى يا اميرة بحس انى بموت بحس انى مش قادرة آخد نفسى بحس برغبة فى البكاء مش قادرة انى اكون سوية معاه مش قادرة اتكلم مش قادرة اعبر عن مشاعرى وازاى هعبر عنها وهى اتداست تحت الرجلين كرهت الدنيا وكرهت حياتى وكرهت ضعف ابويا اللى خلاه ياخدنى ويبيعنى كدة كرهت خزى امى اللى خلانى موطية راسى وسط الناس عايزة اهرب من البيت دة عايزة اهرب من قدرى دة
ثم هزت رأسها تكمل ب انهيار
بس تفتكرى ههرب من قدرى هيستقبلنى ايه فى الدنيا تفتكرى اللى تهرب من اهلها وخطيبها حتى لو مجبورة عليه الناس هتشوفها ازاى او هتعمل فيها ايه احنا للاسف فى المجتمع دة بنتعامل بدرجة تانية يا اميرة ملناش رأى ولا اختيار ونهار مابيبقى لينا فهو اتسلب مننا قدام اللى اقوى مننا
صمتت تلهث وهى تسحب انفاسها بقوة ثم بدأت بالسعال من فرط بكاءها وغضبها لتركض أميرة تربت على ظهرها قائلة بخوف
شيرين خدى شيرين اهدى وخدى نفس
ابعدت شيرين يديها عنها بعنف وكأنها وجدت اخيرا منفذ تخرج من داخلها اوجاعها واحزانها له ثم صرخت امامها بقهر وألم فى حين غرق وجهها امامها بالدموع والعرق مكملة بانهيار
لا واللى يحرق قلبك انه طالب منك بعد اللى عمله انك تتعاملى معاه عادى اللى يحرق قلبك انه يسألك مالك مش بتتعاملى معايا طبيعى ليه؟! طيب ازاى وانت دهستنى ودهست قلبى ومشاعرى وكرامتى تحت رجليك لبستنى الخزى وانا مش قادرة اتكلم عنك او عنى، طيب ازاى وانا مش شايفة بعلاقتى بيك غير الاشمئزاز، ازاى جاى بتطالب انك تكون صديقى وانا مش شايفة منك غير الاجبار
ثم رفعت عينيها لتنصدم اميرة من مرآهم عيناها كانت مجروحة لا بل ذبيحة كشاه مذبوحة تركت ارضا لتخرج آخر انفاسها تتعثر وتنحرق ب آلمها واحزانها ولا من معين، نيران قلبها تحرقها بين لحظة والثانية ولا يوجد من يطفئها بل بالعكس تزداد قتامة وتزداد توهج بين لحظة واخرى
لتصرخ بها ب الم فى حين كانت تلهث لتستطيع سحب انفاسها من فرط انفعالها لا تعلم اهو ألم ام غضب ام كليهما ولكنه قادر على قتلها حية بالفعل
انتى مش فاهمانى يا أميرة عارفة لو كان واحد تانى كنت ممكن... ممكن افكر لكن انتى عارفة دة مين دة رافد الدسوقى دة اللى مفيش واحد فى المنطقة كلها يقدر يرفع عينه فيه او يكلمه والا هيكون منقول على نقالة لاقرب مستشفى دة رافد الدسوقى اللى كلمته بتهز بدن اى واحد، ماشى فارد جسمه على الكل وانا
صمتت تستجمع انفاسها لتكمل ببكاء ونبرة جريحة اصابتها بالفعل بمقتل نبرة ضعيفة خائفة لم تسمع شيرين تتحدث بها من قبل وهى تقول ب ارتعاش لا تستطيع اخفاءه
انا بخاف منه يا أميرة انا فعلا بخاف منه ومش عارفة أعمل ايه أنا مش مختلفة عن أى حد فى المنطقة أنا بترعش منه ومن منظره البلطجى دة، ازاى هعيش معاه حياة سوية اعيش مع بلطجى مرعب وفوق دة كله واخدنى اجبار وتخليص حق
ثم هزت رأسها وهى تحتضن نفسها تحاول اسكات ارتعاش بدنها الذى بدى واضحا فى تلك اللحظة بشدة
مفيش بينا اى تشابه لا ثقافى ولا اجتماعى ولا تفكير ولا حتى احترام يبقى هنكمل ازاى
الصدمة المحتلة وجه اميرة كانت خير دليل على عدم قدرتها على الحديث نعم فهى على الرغم من كونها من اسرة فقيرة ايضا ولكن لم تمر عليها تلك اللحظات لم تشعر بهكذا شعور فهى تتنعم ب احضان والدها ووالدتها تأخذ كامل اهتمامهم وحبهم والدها حتى وان كان يمزح معها يناكفها احيانا ولكن على الرغم من ذلك يحيطها بحب وعناية ورعاية غير محدودة يشعرها ب انها ملكة متوجة على عرش قلبه وسيلبى لها ماترضى وترغب حتى وان طلبت نجمة من السماء لذا فما تسمعه من شيرين امر لا يُصدق بالنسبة لها بل وهو امر غريب يثير صدمة بالفعل بقلبها ولكنها على الرغم من ذلك وجدت لسانها يهتف بصدمة
وعلى كدة رافد الدسوقى دة شغال ايه؟
وكانت اجابة الاخرى صدمة اخرى اخذتها كمن القاها بحجر برأسها وهى تجيبها ببسمة ساخرة
ميكانيكى
****************
تحرك يمسح يديه بتلك المنشفة القطنية الممتلئة بالبنزين ليستطيع التخلص من الزيت والشحم العالق بيديه بعد ان قام من الانتهاء من تلك السيارة أمامه فى حين يقبع عقله بمكان اخر
امسك هاتفه يضغط على زره لينظر إلى الساعة ليضئ له مطالعا وجهها به فى خلفيته لينظر لها يتطلع اليها بحزن الى ان انطفئ ضوئه امامه فى حين كان مازال ينظر جهة الهاتف بشرود ظل على ذلك الوضع لبرهة من الوقت الى ان ألقى بجسده على المقعد خلفه يتطلع الى سقف المكان بشرود يشد خصلاته للخلف بشدة حتى كاد يقتلعها داخل عقله تدور دوامات ودوامات ولا يجد سبيل للتخلص منها فما يُقال شئ وما يقبع أمامه شئ آخر وكلما القى سؤالا لا يجد له اجابة كلما سألها مابها تجيبه بلا شئ فى حين يستطيع الرؤية بوضوع ب ان هناك مايضايقها ب ان هناك مايحرقها ولكن لا يجد اجابة لسؤاله، يسألها ان كانت تشعر بالنفور تجاهه تجيبه ب لا ولكن تصرفاتها كلها توحى بنفورها منه رفضها وجودها بصحبته ب اى مكان رفضها ان يتعرف عليه اصدقائها رفضها ب ان يعرف عنها شئ كل شئ كل ما بها غريب لا يستطيع فك احجيته يريدها ان تتحدث ولكنها ترفض تنفى ولا يجد هو لاسألته سبيل لاجابتها
زفر الهواء من صدره عله يخرج مايحرقه وهو يتساءل اذا لما؟ لما وافقت على الخطبة منه ان كانت لا ترغبه؟ لما وافقت على الاتباط به اذا كانت لا تريده؟ لما تقطع كل وسائل الترابط والتفاهم بينهم ؟
ان كانت بالفعل دخلت معه بعلاقة خطبة جادة وستتحول الى زواج لما لا تحاول التعرف عليه وتدعه يتعرف عليها
ظل يطرق برأسه للخلف بضيق رأسه سينفجر من التفكير بالفعل نعم يحبها نعم يعشقها نعم يتمناها ويحلم بها يوميا ولن ينكر ذلك عينيه لا ترى سواها منذ أن كانت طفلة بضفائر تلهو امامه فى شوارع حيهم بصحبة اخيها وهو يحبها منذ كانت ضحكتها الطفولية البريئة ترتفع بالمكان تلفت انتباه الجميع لترتسم الضحكة لا اراديا على وجوههم ووجهه وهو يحبها ومنذ اصبحت مراهقة بدأ جسدها يلتف ليأخذ شكل الاناث وتحمر خجلا بمجرد نظرة من احدهم اليها وهو يحبها يعشقها وهى كانت تركض تحمى منحناياتها الصغيرة التى بدأت بالظهور أمام الجميع بكتبها رغبه منها بعدم لفت نظرهم لها واخفائها عن الحميع يحبها حينما اصبحت انثى يافعة تركض بسعادة فى الحى حينما اتى اخيها يهتف بنجاحها وحصولها على درجات عاليه لتصفق بسعادة وفرحة يحبها فى كل مراحل حياتها وكل سنوات عمرها عينيه لا ترى غيرها تلك الصغيرة الجميلة الشجاعة الممتلئة بالحيوية والمرح والضحك التى كانت تملئ الحياة بهجة وسعادة ليركض دائما من ورشة والده ينظر جهتها حينما يسمع صوتها يراقبها بحب وحنان يرتعش قلبه داخل صدره بفرحة وسعادة حينما يسمع صوتها وضحكاتها ليخفق قلبه داخل صدره مؤازرا لها
اتسعت ابتسامته وهو يتذكر تلك القصيرة التى كانت ترتفع على أطراف اصابعها وترفع وجهها لاعلى لتستطيع مجابهة طوله وهى تجادله بضيق وغضب دون ان تخشاه او تخشى غضبه ليظل ينظر جهتها ب ابتسامة ثم فى النهاية يجيبها ساخرا ب ان تذهب لمنزلها ولا تجادل احدا لا تستطيع الرد عليه
ad
ظلت الابتسامة على وجهه تتسع كلما تذكر مواقفهم معا تحت نظرات والده المبتسمة
الى ان نذكر حينما اتى والده ذات يوم يخبره ب انه طلب يدها من والدها ووافق
يتذكر منظره وقتها وهو يتساءل بصدمة
هل هو صادق هل بالفعل شيرين وافقت عليه تلك القطة الشرسة ستصبح زوجته بالفعل ليؤكد له والده الحديث وقد كان بالفعل ف اصبحت مخطوبته رسميا ولكن
صمت ينظر امامه بشرود هناك شى غريب لم تعد شيرين التى احبها، لم تعد تلك للتى كان يركض خلفها ليرى ضحكتها لم تعد تلك التى ترتسم الضحكة تلقائيا على وجهه بمجرد رؤيتها، لم تعد تلك التى تجابهه الكلام فى حين عيناها السوداء الجميلة كانت تلتمع بالمرح والشقاوة والمشاكسة بل اصبحت اخرى عيناها راكدة منطفئة ميتة الروح عيناها لم يعد يراها تلتمع بالمرح انما اخرى منكسرة لا تلتمع سوى بالدموع فقط
ضغط على اسنانه بغضب
تشعره دائما ب انها رافضة لتلك العلاقة ولكن لما وافقت عليها من الاساس يجبرها ويدفعها دفعا للتعبير ولكن لا تتحدث ترى ماذا حدث لها مالذى يضايقها فعلا لا يعلم حقا لا يعلم وهى لا تريد الحديث
جحظت عيناه لدرجة ان تحولت لنذير شؤم
ترى أ اجبرها والده على الموافقة؟ ولكن لما وهو لم يطلبها منه ابدا؟ وكيف؟ وان كان بالفعل حدث لما لا تقول شيئا امام كل ضغطه عليها؟ سيجن حقا سيجن ولا سبيل لاجاباته ابداً ابداً
صمت ينظر أمامه بشرود ف ليجيب ذلك السؤال لما ستوافق عليه؟ هو لا يعيبه شئ ولكن ليس المثالى بالنسبة لها فهم لم يكونو على وفاق فى الحديث لم يكن احاديثهم احاديث محبين بل انما جدالات فقط تشهد عنها حارتهم الشعبية كلها حتى وان كانت جدالات بالنسبة له مجرد استفزاز لها ومرح معها ولكنه بالنسبة لها قد يكون ثقيل الدم فهو ان جادله احدا آخر غيرها لكان حطم وجهه بالفعل لكنه فقط يشاكسها فهل كانت تفهم مشاكسته لها ب انها مشاكسة حبيب لمحبوبته ليرى احمرار وجنتيها الشهيتين ويسمع صوتها الجميل دون خجل ويجعلها تتحدث معه فقط ام ماذا؟
وهناك سؤال آخر ماذا ان كانت مجبره على الزواج منه وكان قد اجبرها والده بطريقة ما ماذا سيفعل؟ هل سيتركها ام سيظل متمسك بها على الرغم من رفضها له؟ ماذا سيفعل حقا؟
عند ذلك السؤال وتلك النقطة صمت عقله يفكر هل١١ يتركها بعد ان اصبحت بين يديه ام سيفعل المستحيل ليجعلها له ليصبح اسمهم معا وتصبح بالفعل شيرين حبيبة رافد ورافد حبيب شيرين
*************
كانت تخرج من المكان متطلعة يمينا ويسارا بصحبة والدتها العزيزة فى حين ركض والدها ليحضر السيارة حينما رأته يخرج من احدى المطاعم امامها ذاهبا لاحضار سيارته ابعدت عينيها بعيدا تتخفى فى والدتها بخجل لا تريده ان يلمحها بعد ذلك الموقف الاخير المُخجل معها ولكنها صدمت حينما وجدته توقف فى منتصف الطريق ينظر الى احدا ما ثم ركض بسرعة رهيبة يعبر الطريق حتى ظنته غير منتبه له ظلت تتابعه بعينيها لتجده مرة واحدة وقف امام عجوزة ما ليمسكها من يدها يسحبها بعيدا بشدة وسرعة على جانب الطريق انتبها للامر ولكنها صُدِمَت كما الجميع حينما وجدت شئ ما سقط من فوق سطح المنزل الذى كانت تقف أمامه تلك المرأة إتسعت عينيها بصدمة كما المرأة تماما تلك التى بهت لون وجهها وهى تحول وجهها مابين وجه باسل والمكان الذى كانت تقف به والذى اصبح يحتل مكانه عرق خشبى كبير ساقط لاسفل كاد يودى بحياتها انتبهت المرأة لصوت باسل الذى هتف برعب
انتى كويسة يا امى؟
رفعت المرأة أنظار مذهولة جهته وكأنه القاها بحجر لتجد عيناها ترق بحنان بعدها وهى تربت على يده ب ابتسامة حنونة مجيبة برقة
انا كويسة يا بنى كتر خيرك
ظل يفحصها بعينيه بقلق ليعود بعينيه موضع ذلك اللوح الخشبى ينظر جهته بذعر ليلف عينيه تجاهها متسائلا بخوف
متأكدة انه محصلش حاجة لو حاسة بحاجة هوديكى المستشفى حالا؟
ظلت تنظر جهته بحنان لتجيبه بعذوبة وهى تتطلع بعينيه الخائفة عليها بصدق
والله انا كويسة يابنى محصلش حاجة
ظل ينظر لها بصمت ليجد الجميع مرة واحدة شخص يهبط من المنزل يلهث قائلا برعب وهو ينظر جهة تلك السيدة والشاب الواقف جوارها
انتى كويسة يا حاجة حصلك حاجة؟
اومئت برأسها قائلة بهدوء مرتعد
انا كويسة الحمد لله
ظل الفتى ينظر جهتها بخوف ليجيبها برعب
انا اسف والله انا مقصدتش انا مش عارف اتزحلق ازاى انا كنت بثبته علشان ادهن الشقة اللى فوق مش عارف ازاى فك واتزحلق لبرة
نظرت جهته لتجيبه بهدوء
قدر ولطف يابنى وكتر خيره الشاب دة نجدنى
توحشت عينى باسل ليجيب بغضب
بس لو مكنتش موجود ياترى ايه كان حصل نتيجة اهمالك كان زمان الست ماتت وانت شلت ذنبها ودمها كان فى رقبتك نتيجة اهمال سيادتك
نظر له الشاب ليجيبه بخجل واضح
انا اسف والله بس انا فعلا مكنتش اقصد انا كنت بثبته والموضوع حصل فجاءة مش ب ايدى والله انا مش مستوعب لحد دلوقتى حصل ازاى، وازاى اتزحلق لبرة من الشباك على تحت!
اهو حصل يا خويا تفتكر بقى احنا ممكن نعمل ايه ب اعتذارك لو حصلها حاجة؟
قال جملته تزامنا مع اقترابه جهته لتمسكه تلك السيدة تعيده للخلف قائلة بحنان
محصلش حاجة ل دة كله يابنى ربك نجدنا
نظر لها ليقول بضيق
بس يا امى
ابتسمت للمرة الثانية تجيبه بحنان
صدقنى يابنى انت مش عارف الخير فين وصدقنى لتانى مرة انا مش زعلانة بالعكس انا مرضية اوى انا عارفة ان ربنا اراد ان يحصل كله دة علشان بس اشوفك وتنجدنى واسمع منك كلمة امى دى
نظر جهتها بتعجب وهو لا يفقه شئ من كلماتها لتربت على يده قائلة بحنان
ربنا يراضيك زى ماراضيتنى ويطبطب على قلبك زى ماطبطبت على قلب ام موجوعة ومحروق قلبها على ابنها
قطب جبينه بتعجب يستصعب عليه فهم ماتقول فى حين التفت هى جهة الشاب الآخر قائلة بحنان
روح شوف شغلك يابنى ربنا يستر عليك وعلى اللى زيك
اومئ الشاب يقول بخجل
انا آسف للمرة التانية ياحاجة
اومئت برأسها فى حين ظل باسل ينظر جهتها بحيرة ليزفر انفاسه بضيق قائلا وهو مازال لم يتخطى غضبه ورعبه مما حدث
هتعدى الشارع؟
ظلت تتطلع اليه بحنان ثم اومئت برأسها بهدوء لتجده يجيبها بحنان
طيب امسكى فيا
امسكت بيده ليعبر بها الشارع بهدوء حتى وصل الى سيارته ليقول بهدوء
اركبى
نظرت جهته بتعجب ليجيبها ببساطة
معلهش ماهو انا مش هآمن اسيبك انا هعمل اللى هيمليه عليا ضميرى اركبى وانا هوصلك منين ماتحبى
ظلت تنظر جهته بحنان وحزن لتجده يفتح لها الباب قائلا بهدوء
اتفضلى اركبى
اومئت برأسها ليتحرك هو يلتف حول سيارته متحركا بها كل هذا كان تحت مرآى ومسمع من كلا من جنا ووالدتها لتنظر لها وفاء قائلة بتعجب
مش دة باسل اللى قابلناه فى مزرعة جدك
اومئت برأسها لتقول بهدوء
ربنا يحميه يارب ويكتر من امثاله ويفرحه يارب
اومئت جنا برأسها ولم تتحدث لتتحرك مع والدتها وعقلها يعيد ماحدث امامها من موقف رجولى منه مئة مرة لتعلم انه شاب لا مثيل له
رواية انكسار الروح الفصل الثامن 8 - بقلم الاء محمد حجازي
شهد...
أنا عايز أتجوزك.
شهد اتسمرت في مكانها.
الكلمة وقعت عليها زي صدمة.
لفت له بسرعة،
عينيها متسعة،
صوتها مرتعش:
انت...
انت قلت إيه؟
مروان وقف ثابت،
نفسه هادي،
نظراته مباشرة:
قلت...
إني عايز أتجوزك يا شهد.
شهد ضحكت...
ضحكة قصيرة مكسورة،
ضحكة كلها ذهول وغضب في نفس الوقت.
تتجوزني؟
بالهدوء ده؟
بالبساطة دي؟
كده؟
بالهزار ده؟
رفعت حاجبها بسخرية جارحة:
فيه إيه؟ ما لقيتش غيري؟
خطواتها اتقدمت عليه خطوة...
صوتها بدأ يعلى:
إحنا...
إحنا أصلًا ما نعرفش بعض!
ولا اتكلمنا!
ولا بينا أي حاجة!
قربت أكتر...
عينيها دمعت،
بس مش دموع وجع...
دموع غضب.
وحتى لو نعرف بعض...
إزاي؟
إزاي تكلمني في جواز؟
إنت...
إنت عايز تتجوز مرات صاحبك؟
مروان بوجع:
صحبي مات؟
شهد بجنون:
إنت بتقولها ببرود!
ببساطة!
مش حاسس إنك بتعمل مصيبة؟!
مروان حاول يتكلم:
شهد...
أنا
بس هي قطعته بصوت أعلى:
لا...
متقوليش شهد!
متنادينيش كده!
أنا أصلًا مش مستوعبة اللي أنت بتقوله!
هو رفع عينه عليها لأول مرة، بنظرة ثابتة جدًا:
أنا أعرفك... أعرفك من زمان... وبحبك من زمان.
وهنا... هي انفجرت.
وبدأت تنهار عصبيًا أكتر،
الكلمات خرجت منها من غير تفكير...
زي حد فاتح باب مقفول من سنين.
تحبني؟
بتقول بتحبني؟
إنت بتحب مرات صاحبك؟
إنت سامع نفسك؟
فاهم أنت بتقول إيه؟
وقفت قدامه مباشر،
وشها كله دموع وقهر:
إنت شخص أناني... أناني بدرجة تخوّف!
وحقير... وواطي!
ومؤمن اتخدع فيك... كان فاكر إنك إخوه... كان شايفك سند!
وإنت واقف قدامي دلوقتي بكل بجاحة العالم... وبتقول بتحب مراته؟! بتحب الست اللي كانت حلاله! بتحبها وهو... وهو...
سكتت لحظة... صوتها كسر.
صح... الله يرحمه.
رجعت تهاجمه تاني بعنف أكبر:
إنت فاهم نفسك مين؟
حد حقير بيخون صاحبه حتى وهو ميت!
إنت شخص ما يتحبش... ولا حد يأمن له... ولا حد يدي له ضهره!
إنت كداب... ولا عمرك حبيت حد غير نفسك!
إنت...
حقير!
والله العظيم حقير!
إيده اتحركت كأنه عايز يهديها،
بس هي ضربت إيده بإيدها بعنف:
ماتقربليش!
ما تمدش إيدك!
أنا مش قادرة أصدق...
مش قادرة أصدق إن مؤمن...
مؤمن اللي طول الوقت كان بيقول عنك جدع...
كان شايفك راجل...
كان شايف فيك الأخ اللي جابته الدنيا...
طلع غلط!
طلع انخدع!
صوتها اتكسر،
بس لسه قوي:
أيوه...
اتخدع فيك يا مروان.
إزاي...
إزاي قلبك يسمح لك تحب مراته؟
تحب اللي كانت هتعيش معاه؟
اللي كان بيموت فيها؟
اللي كان بيشوفها حياته؟
انت...
إزاي تعمل كده فيه؟
مسحت دموعها بعصبية:
إيه؟
استنيت؟
استنيت صاحبك يموت؟
استنيت تشوفه بيتكفن؟
استنيت تدفنه؟
وبعدها...
تيجي تقولي إنك بتحبني؟
ضحكت ضحكة مرة:
إنت...
إنت مش بس أناني...
إنت خاين...
خنت صاحبك وهو ميت...
وخنته وهو حي...
وخنته وهو حافظ سيرتك واسمك!
صرخت فجأة،
وكل اللي جواها اتفجر:
ويترا من إمتى؟
من قبل ما يموت؟
ولا وإحنا بنكتب الكتاب؟
ولا وإحنا بنتصور على السلم؟
ولا وإنت واقف في الفرح بتبص؟
رجعت خطوة، أنفاسها متقطعة:
إنت آخر واحد...
آخر واحد في الدنيا كنت أتوقع منه حاجة بالشكل ده.
وقفت تبص له من فوق لتحت،
بنظرة مليانة خيبة:
مؤمن...
الله يرحمه...
كان راجل...
بس اختار صاحب...
ما يستاهلش حتى يبقى ظله.
وقبل ما تكمل...
هو كان انفجر.
صوته طلع لأول مرة، عالي، مكسور، بينهجه:
لو أنا أناني وحقير زي ما بتقولي...
قرب منها خطوة كبيرة، صدام.
كنت لما عرفت إن صاحبي... أخويا...
عايز يخطب البنت الوحيدة اللي أعجبت بيها...
على الأقل كنت خطفتها منه!
كنت أقول له إنها ليا!
كنت أقول له إن قلبي اتحرك!
رفع صوته أكتر:
بس أنا سكت!
حضرت خطوبتك...
وكاتب كتابك... وسكت.
إيده كانت بتترعش.
كنت واقف... شايف فرحته...
شايف النور في عينه لما يبصلك...
والله العظيم كنت بشوف حبه ليكي...
بيوجع في صدري.
ضرب صدره بإيده:
وحاطط وجعي هنا... وساكت!
عشان ده أخويا... ده اللي كنت مستعد أموت عشانه!
قرب وشه منها، صوته اتكسر:
استعوضتك عند ربنا...
قلت يمكن... يمكن ربنا هيعوضني بحد غيرك...
حد خير... حد مش انتي.
اتنفس بصعوبة:
بس للأسف... محدش جه.
ولا قلبي عرف يحب غيرك.
وبصوت أوطى... شبه همس:
فقبل ما ترميني بالحقارة... اسألي نفسك...
هو فين الحقارة؟
في اللي أخفى حبه عشان صاحبه؟
ولا في اللي بتحاسبني النهارده وكأني أنا اللي قتلته؟
كان لسه بيبصلها بنفس اللهيب اللي طالع من عينه...
ولسه أنفاسه متلخبطة من اللي قاله.
هي كانت واقفة مصدومة... ساكتة... وده شجعه يكمل.
مروان بحدة:
ولو أنا زي ما بتقولي... أناني... وحقير...
وقف لحظة... ورفع صوته فجأة:
تبقى انتي جبانة!
اتصدمت... رمشت بعينيها بسرعة:
جبانة؟!
أنا؟! إزاي؟
قرب منها أكتر:
أيوه جبانة.
نبرة صوته ما كانتش بس غضب، كانت وجع.
سايبة أمك تتحكم في حياتك من وانتي صغيرة!
عمرك ما وقفتي وقلتي لأ.
عمرك ما اخترتي حاجة بإيدك.
كمل وهو بيعد عليها جروحها بحدة:
كان قدامك تختاري، تهربي، ترفضي، بس لا.
قرب وشه:
حبيتي تعيشي دور المظلومة! اللي ما تعرفش تجيب حقها، اللي مستنية الناس تحس بيها.
شهد شهقت، مش مصدقة إنه فاكر كل ده.
ومروان كمل بلا رحمة:
اتخطبت لزياد، وكان بيهزأك ويهينك وما سبتهوش! مع إنك كنتي مخطوبة له غصب عنك.
رفع صوته أكتر:
وبرضه سكتي.
لف وشه لحظة كأنه بياخد نفس، وبعدين رجع لها:
اتخطي غصب عنك وتسكتي! تتوجعي وتسكتي!
قرب أكتر، نبرة صوته بقت مكسورة بس لسه قوية:
سيبته، سيبت زياد، وسيبت أخواته يهينوكي وسكتي، ما فوقتيش غير قبل فرحك بشهر!
ضحك ضحكة قصيرة موجوعة:
ولما فوقتي؟
خليتي أي حد، أي كلمة، أي واحد ما لهوش 30 لازمة يأثر فيكي.
وقعت الكلمات دي عليها زي السهم. دموعها نزلت، نزلت من غير ما تحس. حاولت تمسحها، لكن ما عرفتش.
هو شاف دموعها، سكت، بس عينه ما هدتش.
هي كانت خلاص، صوتها راح، نفسها اتقطع. بصت له بنظرة وجع مش قادرة تخبيها، وبعدين فجأة لفت، وخدت بعضها، ومشيت.
مشيت وهي الدموع سايحة، وخطواتها سريعة، وحرفيًا هاربة من نفسها قبل ما تهرب منه.
وهو واقف مكانه، ما قدرش يمد إيده ولا يقول كلمة. كان عارف إن الكلام جرح، بس كان عارف كمان إن الجرح ده كان لازم يطلع.
بعد ما شهد سابته ومشيت، مروان وقف ثواني في مكانه. الهوى كان بيضرب في وشه، وصوته مكتوم، بس قلبه؟ كان بيغلي.
لف ومشي بخطوات تقيلة، رايح على المكان اللي بيهرب له كل ما الدنيا تيجي عليه: قبر مؤمن.
كان الوقت قرب المغرب، الجو هادي بطريقة توجع.
قعد على ركبته قدام القبر، ومسح التراب بإيده، وبعدين بدأ يقرا الفاتحة، وصوته مكسور:
الفاتحة على روحك يا صاحبي.
وبعد ما خلص، نزلت أول دمعة.
قعد، وضم ركبته بإيده كأنه طفل، وقال بصوت متقطع:
أنا عارف، عارف إني جرحتها، بس والله يا مؤمن ما كان قصدي أوجعها، كان قصدي أفوقها.
شهق شهقة صغيرة، وكمل:
يمكن طريقتي كانت غلط، بس شهد؟ ما كانتش هتفوق غير كده.
مسح دموعه بكف إيده، وكمل وهو يبص للاسم على القبر:
شهد دلوقتي يا صاحبي أكيد بتقول: عرف كل ده عني منين؟ سمع إيه؟ شاف إيه؟
وهي ما تعرفش.
قرب إيده على الحجر كأنه بيحضن صديقه:
ما تعرفش إني عمري ما خنت الأمانة، ولا يوم، ولا ثانية، ولا حتى بصيت لها بنظرة غلط.
صوته بدأ يترعش:
أنا، أنا حبيتها من قبل ما أنت حتى تيجي وتحكي عنها.
ضحك ضحكة باكية:
فاكر لما كنت بكلمك في التليفون؟ وأقولك: عندي مفاجأة، عندي مفاجأة يا مؤمن؟ كنت هقولك إني، إني لقيت البنت اللي قلبي حبها.
سكت لحظة، وبعدين بص للسماء:
بس قبل ما أفتح بوقي، لقيتك داخل عليا، وعينك كانت بتلمع، وبتقولي: أخيرًا شفتها يا مروان!
مسح وشه بسرعة كأنه مش قادر يستحمل الذكرى:
ما قدرتش، ما قدرتش أكسر فرحتك. أنت كنت خارج من عزاء أبوك وأمك، كنت مكسور، ومش مصدق إنك لقيت حد يفرحك.
فرحت لك، والله العظيم فرحت لك.
شهق جامد، وصوته بقى أوطى:
ولما موتت، أنا زعلت عليك، مش بس لإنك صاحبي، لأ، لإن نصي الثاني، أخويا، اللي ربنا بعته لي بعد موت أبويا، هو اللي مات.
اتنهد تنهيدة وجع حقيقي:
يوم ما زياد حاول يعتدي عليها، وصلتها لحد البيت، ورجعت وأنا قلبي مولع.
شفت واحد بيقول إنه عايز يتقدم لها، ومن اليوم ده وأنا عقلي مش راكب.
بص للأرض، كأن الكلام خارج من روحه:
ما فوقتش، غير النهاردة، وأنا بكلمها.
نزلت دمعة جديدة، أتقل من اللي قبلها:
كلامها وجعني، وجعني قوي، بس والله يا مؤمن، غصب عني.
سكت، مفيش صوت غير نفسه المكسور.
قرا الفاتحة تاني، وقف، وبص للقبر نظرة وداع من غير ما يتكلم.
وبعدين مشي.
مشي وهو ماسك وجعه بإيده.
دخلت شهد البيت وهي مش شايفة قدامها، ولا سامعة صوت غير خبطات قلبها اللي كان بيجري من وجع الكلام.
أول ما الباب اتقفل وراها، سندت عليه، ودموعها نزلت دفعة واحدة، كأن حد فتح عليها حنفية وجع.
دخلت بسرعة على أوضتها، قفلت الباب، ورمت شنطتها على الأرض من غير ما تبص حتى، واترمت على السرير كأن رجليها ما بقتش شايلة روحها.
حطت إيديها على وشها، وبدأت تعيط، تعيط بمرارة، بصوت مكتوم، زي حد بيحاول يخنق الوجع جوا صدره ومش قادر.
كانت بتنهج بين كل دمعة ودمعة، وبتقول لنفسها وسط شهقاتها:
ليه؟ ليه يا رب؟ أنا تعبت، أنا تعبت من كل ده.
فضلت تعيط لحد ما صوتها اتكسر من كتر البكا، ولحد ما دموعها بقت تحرق خدها، ولحد ما جسمها نفسه تعب.
وبعد فترة، هدت شوية، مش هدوء حقيقي، هدوء اللي بييجي بعد ما الروح تستنفد آخر نقطة مقاومة فيها.
مسحت دموعها بطرف كُمها، وقعدت، ضهرها للحيطة، ورجلينها مرفوعين على السرير.
عينها كانت لسه حمرا وناشفة، بس عقلها؟ كان لسه شغال، ولسه بيلف.
تنفست نفس تقيل، وقالت بصوت واطي، متقطع، كأنها مش مصدقة اللي بتقوله:
هو، كان عنده حق.
سكتت ثواني، نظرتها وقعت على الأرض، وبعدين هزت راسها بصدمة كأن الحقيقة بتضربها من جوه:
أيوه، عنده حق.
قربت إيديها من وشها، وفضلت تدعك دموعها اللي نشفت:
قد إيه أنا غبية، قد إيه كنت بخاف، وبهرب، قد إيه سبت الناس تتحكم في حياتي، قد إيه كنت ضعيفة.
اتنهدت تنهيدة وجع، وبصت للسقف وكأنها بتحاسب نفسها:
فعلًا، أنا جبانة.
جبانة يا شهد، كنت بخاف، وبسكت، وبمشي ورا كلام الناس، وبضيع نفسي، واحدة واحدة.
نزلت دمعة جديدة، مش دمعة خوف، دمعة وعي. مسحتها بسرعة، كأنها مش عايزة ترجع تبكي تاني.
وقالت بهمس:
هو كان صح، وأنا، أنا اللي غلط.
وبدأت تفكر، وتراجع كل كلمة قالها، وكل موقف اتكلم عنه، وكل خطأ كانت بتعمله وهي مش شايفة.
وبين الألم والوعي، شهد حست إن أول مرة في حياتها، بتواجه نفسها بجد.
الأيام كانت بتعدي تقيلة، أسبوع، واتنين، وتلاتة.
وشهد، ما بقاش ليها صوت، ولا ظل، ولا خطوات برا البيت.
ما عادش بتنزل البحر، ما بقاش ليها نفس تكلم حد، قلبها كان لسه موجوع، والصدمة كانت لسه متعلقة في صدرها.
كانت بتصحى وتنام من غير ما تحس بفرق، الليل شبه النهار، والأيام شبه بعضها، والوجع ثابت، لا بيقل ولا بيروح.
وفي نفس الوقت، كان مروان، ما سابش يوم إلا وراح عند عمة مؤمن، يطمن عليها من بعيد، من غير ما يضغط، ولا يوم اتأخر عن السؤال:
عاملة إيه؟
طلعت من أوضتها؟
بتاكل؟
نامت؟
بس دايمًا الرد واحد:
لسه، شهد لسه مش بخير.
ولما يفشل إنه يعرف عنها، كان ينزل البحر.
نفس المكان، نفس الصخرة اللي كانت بتقعد عليها، ويفضل واقف يبص للبحر:
يمكن تطلع.
يمكن تظهر.
يمكن أشوفها، بس أطمن.
بس شهد ما ظهرتش.
ولا حتى مرة.
وفي يوم، كانت شهد في البيت لوحدها.
الدنيا ساكتة، وأمها خرجت تزور واحدة من قرايبهم.
شهد كانت قاعدة في الصالة، بتقلب في صور قديمة على موبايلها، وبتحاول تداري دمعة نزلت من غير إذن.
وفجأة، خبط الباب.
وقفت.
قلبها ضرب خبطة قوية، مش عارفة ليه، بس إحساس غريب جري في جسمها.
مشيت لحد الباب ببطء، إيدها كانت مرتعشة وهي بتفتح القفل، شدت الباب شوية، وبأول ثانية شافت فيها اللي واقف قدامها اتجمدت.
اتسعت عينيها، اتاخدت نفس مفاجئ، حست برجليها بتتهز.
وطلعت الكلمة من بوقها متقطعة، مش مصدقة:
مؤمن.
رواية انكسار الروح الفصل التاسع 9 - بقلم الاء محمد حجازي
ابتسم مؤمن ابتسامة كانت شبه معجزة.
"أيوه… مؤمن يا شهد."
جسمها اتشل.
دموعها نزلت قبل ما حتى تحس بيها.
قربت خطوة… خطوة تانية… وعينيها بتلّمع زي طفل لقى أمان كان فاكره مش هيشوفه تاني.
قالت بصوت مكسور:
"عامِل إيه؟… وحشتني قوي… قوي يا مؤمن."
رد عليها بصوته اللي كان دايمًا بيطمنها، اللي كان دايمًا أدفى من حضن الدنيا كلها:
"وانتِ كمان وحشتيني يا شوشو… وحشتيني بدرجة ما تتخيليش. أنا مشيت… بس كنت شايفك… وشايف وجعك."
شهد قربت أكتر وقالت بوجع:
"أنا من غيرك اتبهدلت… اتكسرت… ما عادش ليا حد…"
مؤمن ابتسم ابتسامة كأنها ضمادة لمكان بينزف:
"لا يا بنتي… ليكي. ليكي أنا حتى لو ما بقيتش قدّامك… ولكي عمتي… ولكي مامِتِك… ولكي مروان."
شهد اتجمدت زي التمثال:
"مروان؟ أنت متأكد؟ مروان إيه بس يا مؤمن؟ ده أنت انخدعت فيه! كنت مفكراه صاحبك… وهو بيبص لمراتك!"
مؤمن قرب منها… رفع راسها بإيده زي زمان لما كان بيهدي رعبها:
"شهد… أنا وإنتِ أكتر اتنين نعرف الحقيقة. مروان عمره… عمره ما بصلك غير إنك مرات أخوه. ليه تظلميه وإنتِ أكتر واحدة داقت الظلم؟ ليه؟ ده أكتر حد اتظلم… وأكتر حد عرف يعني إيه الوجع…"
دمعتها وقعت غصب عنها:
"أنت قصدك إيه يا مؤمن؟"
حط إيده على كتفها… نفس اللمسة اللي كانت بترجّع روحها مكانها:
"قصدي… إنك تدي له فرصة. مش لأنه يستاهل… لأ… لأ لأنه نضيف… ومافيهوش غلطة. وأنا… أنا شايف اللي جوّاه."
شهد اتنفضت:
"انت اكيد بتهزر… إيه اللي بتقوله ده؟! أنا؟! أدي فرصة؟! انت عايزني… أنساك؟"
صوتها اتقطع… بس صوته كان لسه واضح… أوضح من الحقيقة نفسها:
"لأ… مش معنى إني قلتلك تبعدي… إنك هتنسيني."
قرب منها لدرجة إنها حسّت نفسه:
"إنتِ عمرك ما هتنسيني يا شهد… حتى لو حاولتي."
وكمل بصوت هادي قوي:
"شهد… انتي مش محتاجة تنسيّني… بس ده مش معناه إنك تفضلي لوحدك. مش معنى إني مش موجود إنك تعزبي نفسك."
سكت ثواني، وقال بوضوح أكبر:
"أنتِ عايزاني أقولك تنسيني؟ لأ… مش معنى كده إنك هتنسيني. بس معنى كده… إن حياتك لازم تمشي."
وقبل ما تكمل، الدنيا بدأت تسوّد… الصوت اختفى… الصورة اتشوّشت… ومؤمن بدأ يبعد… يبعد… يبعد.
وفجأة… صوت عالي هزّ المكان:
"شهد! شهد! قومي!"
شهد فتحت عينيها بفزع.
كانت نايمة في الصالة. دماغها بتلف، قلبها بيدق بسرعة، والدموع على خدّها لسه مبلولة، وكأن الحلم كان حقيقة.
ووش مامتِها فوقها، ملامحها قلقانة.
"انت اللي منيمك في الصالة كده؟ قومي يا بنتي."
شهِد مسحت على وشها:
"راحت عليا نومه يا ماما…"
مامتُها قعدت جنبها، وزفرت زفرة تقيلة كأنها كانت محتارة تقول ولا تسكت.
وبصوت متردد:
"بصي يا شهودة… مروان قابلني النهارده."
شهد اتشدّت من جوّا، قلبها اتقبض:
"مروان… قابلِك؟ ليه؟"
مامتُها بلعت ريقها:
"قال… إنه عايز ييجي يتقدّم لك. بس شوفي… لو مش موافقة، خلاص… براحتك… محدش هيغصبك."
شهد سكتت… والحلم لسه في دماغها… كلام مؤمن بيرن جوا قلبها: "ادي له فرصة… اسمعيه…"
قالت بهدوء:
"أنا… موافقة يا ماما."
مامتُها اتسعت عينيها:
"إيه؟! موافقة على الخطوبة؟!"
هزت راسها:
"لأ. موافقة أقعد معاه… أسمعه… أفهم… مش أكتر. خطوبة والكلام ده… لأ. مش دلوقتي."
مامتُها مدت إيدها على خدها:
"ماشي يا نور عيني… زي ما ترتاحي. بس يا رب يكون خير."
شهد نزلت راسها… والدمعة اللي كانت واقفة من الحلم… نزلت أخيرًا.
وكانت عارفة جوّاها… إن اللي جايلسه أبعد… وأعمق… وأوجع من اللي فات.
---
الليل كان هادي بشكل غريب، البيت كله محمّل بتوتر خفيف، زي نسمة هوا باردة معدّية بين العروق.
شهد كانت قاعدة في أوضتها لابسة حاجة بسيطة، بتحاول تهدي قلبها اللي كل شوية يدق أسرع مع كل ثانية بترقب للّيلة دي.
وفجأة… صوت جرس الباب رنّ.
شهد قفلت عينيها، حست إن اللحظة دي كانت جاية من بدري… خطوات مامتها في الطرقه… فتح الباب… وهم دخلوا.
كانت أصوات خفيفة من الصالة… صوت رجالي هادي:
"مساء الخير يا طنط."
وصوت ست أكبر:
"إزيك يا أم شهد؟ نورتينا والله."
شهد عرفِت الأصوات… مروان… وعمه مؤمن… ووالدته.
اتوترت أكتر… قامت بسرعة من على السرير، وقفت قدام المراية، أخدت نفس عميق، وتشد هدومها.
دقّ الباب بهدوء.
"شهد… يا حبيبتي، ممكن أدخل؟"
كانت عمه مؤمن الست اللي شهد بتحبها من قلبها… الست اللي كانت بتحس دايمًا إنها أمّ تانية ليها.
شهد فتحت الباب وبصوت واطي قالت:
"اتفضّلي يا طنط…"
دخلت الست، وقعدت على طرف السرير، وبمنتهى الحنية مدت إيدها لشهد وقالت:
"تعالي يا بنتي… اقعدي جمبي."
شهد قعدت، بس كانت بتتنفّس بسرعة شوية، واضح إن الموقف عاملها قلق.
والست بصّت لها نظرة دافئة، فيها حب… وفيها شوية حزن قديم كده… وبدأت الكلام:
"بصي يا شهد… أنا عايزة أقولك حاجة من قلبي… من غير لف ولا دوران."
شهد رفعت عينيها لها، منتظرة.
الست مسكت إيدها وقالت:
"انتِ… محظوظة."
شهد اتفاجئت:
"محظوظة؟ إزاي بس؟"
الست ابتسمت ابتسامة فيها وجع ورضا بنفس الوقت:
"آه… محظوظة يا بنتي. رغم كل اللي مريتي بيه… رغم اللي اتكسرتي فيه… بس محظوظة."
اتنهدت وقالت بعمق:
"أول واحد ربنا جابه في طريقك… كان مؤمن. ابني… ابن قلبي… اللي ما فيش في احترامه ولا أخلاقه. اللي لو كان لسه عايش… كان زمانه دلوقتي قاعد جنبك… ماسك إيدك… وبيحلف لي إنه مش هيزعلك في يوم."
شهد نزلت دمعة من عينها، من غير صوت، من غير أي مقاومة.
والست مسحت دمعتها بإيدها وقالت:
"بس ده نصيب… وربنا يرحمه يا بنتي. ده قدر… وكلنا لها."
سكتت لحظة… وبعدين بصّت لشهد بتركيز قوي وقالت:
"وجالك دلوقت… مروان."
شهد شدّت نفس خفيف، قلبها خبط.
الست كملت:
"مروان… ما يختلفش عن مؤمن في حاجة يا شهد."
رفعت صباعها زي اللي بيأكد كل كلمة:
"الشهاده لله… مروان ده شاب محترم… وأدب… وراجل بمعنى الكلمة. عمره ما كان قليل أصل… ولا كسر كلمة حد… ولا استقل بحد."
قربت أكتر وقالت:
"ده من يوم ما كان صغير… وهو قلبه طيب. ولو حب… يحب بصدق. ولو وقف… يقف بجد. ولو غلط… يعترف… ولو اتظلم… يسامح."
شهد كانت بتسمع وهي بين صدمة وتفكير… وكل كلمة الست بتقولها بتنزل عليها تقيلة… مؤثرة… حقيقية.
الست مسكت إيدها بإحكام:
"وانتِ… تستاهلي حد زي ده. مش علشان ترتاحي وخلاص… لأ… علشان قلبك تعب كتير… وجي الوقت يرتاح شوية."
وقفت الست وقالت وهي تعدّل هدومها:
"يلا يا بنتي… إحنا سايبين الناس بره من بدري."
شهد ضحكت غصب عنها، دموعها لسه على خدّها، بس الابتسامة طلعت رغم كل اللي جواها.
قامت واقفت، واخدت نفس طويل… وبصوت هادي قالت:
"يلا…"
وخرجت وراها… قلبها بيدق… ومروان بره مستني.
كان قاعد هادي… ضهره مفروض، وإيده على ركبته، وباين عليه توتر خفيف بس بيحاول يخبيه بابتسامة بسيطة.
شهد قربت… قعدت قدّامه على الكرسي، ومامتها خرجت بسياسة كده:
"اتفضلوا يا ولاد… هسيبكم شوية."
أول لما خرجت:
الهدوء وقع عليهم زي غطا تقيل.
شهد بصت للأرض… وبصوت واطي جداً، كانت أول كلمة تطلع:
"انت… بتصلي؟"
مروان اتفاجئ شوية من السؤال، وبعدين ابتسم ابتسامة فيها روقان وهدوء ورجولة وقال بصوته الهادي:
"الحمد لله… بس أنا إمام جامع يا شهد."
شهد رفعت راسها فجأة، نظرتها اتغيّرت، وكأن الكلمة صدمت قلبها قبل عقلها.
"بجد؟! ولا… الحمد لله يعني؟"
قالتها وهي مش مصدقة… وبعدين رجعت تبص للأرض تاني، إيديها بدأت تفركهم في بعض بتوتر، وصوابعها بتتشابك وتتفك…
مروان كان شايف كل حركة. شايف خوفها… وترددها… وسنين الوجع اللي في كتافها.
قرب بجسمه سنة صغيرة وقال بلطف:
"قولي يا شهد… انتِ عايزة تقولي إيه؟"
شهِد رفعت عينيها بحرج:
"انت… عرفت منين إني عايزة أتكلم؟"
ابتسم وهو بيبصلها:
"أنا حافظك يا شهد."
الجملة نزلت عليها زي حرارة في صدورها. لأول مرة من فترة طويلة… حد بيقول لها إنه فاهمها.
شهِد حاولت تمسك نفسها وقالت:
"يعني… انت إيه اللي خلاك تفكر فيّا؟ قدّامك بنات كتير… بنات أحسن… وبالذات إن أنا… كان مكتوب كتابي قبل كده… غير الخطوبة…"
الجملة اتكسرت وهي بتقولها، كأنها بتعترف بذنب مش ذنبها.
مروان شد نفسه… اتعدل في قعدته… ووشه أخد ملامح جدّ:
"بصي… أولاً… أنا مش عايز أكرر الكلمة اللي قلتها لك قبل كده."
سكت ثواني… النظرة في عينيه كانت ثابته، دافية… بس قوية.
"ومش هقولها تاني… غير لما تكوني حلالي."
شهد اتخضّت… حست إن قلبها اتكهرب. المفاجأة شدت راسها ترفعه من على الأرض.
مروان كمل وهو ماسك نفسه:
"ثانياً… مش معنى إن البنت كانت مخطوبة… أو مكتوب كتابها… أو حتى متجوزة… إن دي نهاية العالم."
حرك إيده كأن الكلام مش محتاج شرح:
"لأ يا شهد. دي من حقها… تعيش. من حقها تتخطب تاني… تتجوز… تربي أولاد… وتبني بيت… وتفرح… وتبدأ من جديد. ده حقها… مش جميل."
الكلام دخل قلبها زي مَيّة دافية بعد برد طويل.
رفعت راسها ليه بخجل… عنيها كانت عايزة تشكره، بس لسانها ما ساعدهاش.
فضلت ساكتة ثواني… وبعدين فجأة قالت:
"هو… زياد… يوم اللي حصل… راح فين؟"
مروان اتفاجئ إن ده اللي طلع منها. بس ما تهربش.
"مافيش يا ستي… زياد اتقتل."
شهد شهقت:
"اتقتل؟! لا حول ولا قوة إلا بالله… ليه كده؟"
مروان خد نفس عميق… وكأنه بيفتكر الخبر:
"ده نصيبه. وكما تدين تدان."
شهد قربت بجسمها قدّام، بصوت متلخبط وفضول:
"مش فاهمة… ليه يعني؟"
مروان قعد مستوي، وقال بهدوء:
"لما روح من هنا… ده اللي سمعته. لقي واحد من صحابه… بيحاول يعتدي على أخته."
شهِد اتجمدت.
ومروان كمل:
"فقعدوا يضربوا في بعض… ضربة بضربة… لحد ما قتله."
شهد نزلت عينيها… وبصوت مكسور قالت:
"ربنا يرحمه…"
مروان بصّ لها بنظرة دافية نظرة بتحترم قلبها:
"برغم كل اللي اتعرّضتِ له… لسه قلبك فيه خير… يا شهد."
كانت هترد… لسانها كان خلاص هيتكلم…
بس فجأة… باب الأوضة اتفتح.
"ها يا ولاد؟"
كانت مامتها واقفة… وبصوتها العادي اللي بيقطع أي لحظة مهما كانت عظيمة، قالت:
"الدنيا عندكم مشيت ولا إيه؟"
شهد اتلخبطت… ومروان ابتسم وهو واقف.
"أيوه يا طنط… خلصنا الحمد لله. وأنا… مستني ردكم."
قالها وهو يبص لشهد نظرة هادية وواثقة… النوع اللي بيوصل لحد قلبها من غير ما ينطق حرف.
مامتها ابتسمت وأم مروان، و عمه مؤمن، قاموا… ولحظة خروجهم…
شهد فضلت واقفة في نص الصالة، بتسمع صوت باب البيت وهو بيتقفل، وحسّت إن قلبها اتقفل على حاجة جديدة… خوف؟ أمل؟ مشاعر؟ مش عارفة… لكن اللي كانت متأكدة منه… إن اللي حصل النهارده لازم يتفكّر فيه كويس.
---
ندى وهي ماسكة إيد أمها وقالبة عينيها:
"ها يا ماما… وبعدين؟ إيه اللي حصل بعد ما بابا مشي؟"
قبل ما شهد ترد، مؤمن ضحك وقال لأخته:
"هو إيه اللي حصل يا غبية؟ أكيد اتجوزوا… أمال احنا جينا إزاي؟"
ندى ضربته بكفها الصغير:
"اسكت يا مؤمن! أنا عايزة أسمع من ماما!"
شهد قعدت تضحك… من قلبها. ضحكة فيها حنين… ودفا… وذكريات.
"وبعدين يا ستّي، اللي حصل إني قعدت أفكّر. صلّيت استخارة… واستريحت. والحمد لله… اتجوزت أبوكم."
ندى عينيها وسعت:
"طب يا ماما… حبيتي بابا؟"
شهد شدّت ندى في حضنها، وبصوت ناعم قوي:
"حتى لو… حتى لو ما كنتش عايزة أحبّه… أبوكي بمعاملته… وحُبّه… وحنّيته عليا… رغم السنين اللي بينا… خلّاني أحب غصب عني."
ندى كانت مستغرقة في الكلام لدرجة إنها ما رمشتش.
شهد كملت وهي بتلمس شعر بنتها:
"وبعدين يا ستي… خلفت أخوكي مؤمن… وبعديها بسنتين… خلفتك إنتي."
مؤمن رفع حاجبه بفخر وكأنه أهم حاجة في القصة.
ندى قربت أكتر وقالت:
"طب يا ماما… إيه أكتر حاجة حبيتيها في بابا؟"
شهد وشّها احمر… والضحكة كسرت صوتها:
"و أبوكي… يتحب كله على بعضه."
ندى فضلت لازقة فيها أكتر:
"طب قولي بقى… أكتر حاجة… أكتر حاجة؟"
شهد اتنهدت بعمق… نظرتها راحت بعيد، للسنين اللي فاتت، لوجعها، وشفاها، وللراجل اللي وقف جنبها زي جبل.
"أكتر حاجة؟ إنه… برغم كل اللي حصل… ولا يوم نسي مؤمن. الله يرحمه."
مؤمن قال بصوت واطي:
"بابا كان بيحبّه قوي."
شهد هزت راسها:
"أيوه… وعمره ما نسي عمته اللي ربّته. كنا كلنا… أنا وهو… دايمًا نروح نزورها."
ندى ضحكت وقالت:
"يعني بابا قلبه كبير؟"
شهد بستها وقالت:
"ده أكبر قلب شفته في حياتي."
وصوت ضحكهم ملأ البيت… بيت اتبنى على وجع… بس اتعالج بحب… حب ما كسرش… ولا خان… ولا نسي.
وفجأة مؤمن، كسر الصمت وسأل بصوت واطي:
"إنتِ يا ماما… لو قابلتي نفسك زمان… لو شفتِ شهد الصغيرة… تنصحيها بإيه؟"
ندى رفعت راسها شويه من حضن أمها، وبصت لمؤمن بعينين لسه فيها فضول وبراءة، كأنها عايزة تعرف كل شيء.
وشهد تنهدت، وابتسمت ابتسامة حزينة فيها حنان وفخر بنفس الوقت، وقالت:
"أكتر حاجة كنت هقولها… وها أنصحكم بيها كمان: إنكم ما تتكلموش على حد. ولا تخلو كلام الناس يحرككم… ولا بيقدم ولا بيأخر. الناس دايمًا هتتكلم… على الصح… وعلى الغلط… طول ما إحنا عايشين. حتى لو سمعتوا حد بيتكلم عنكم… كبروا دماغكم… وعيشوا حياتكم… طول ما مش بتعملوا حاجة غلط."
مؤمن قرب منها شوية، وعيونه مليانة احترام وفضول:
"طب الموت يا ماما… إيه رأيك؟"
شهد مسكت إيديه بحنية، ومسحت على كتفه:
"الموت مش نهاية الدنيا يا مؤمن… ده نصيب مكتوب لكل واحد فينا… وكلنا هنموت في يومه. بس اللي يفضل بعد كده… هو اللي عملناه… واللي سابناه في قلوب اللي بيحبونا. وأهم حاجة… ما تسيبش حد يتحكم فيك… حتى لو أهلك… حتى لو حد شايف حياتك بطريقة مختلفة. هتغلط؟ هتغلط… وهتتعلم. بس أهم حاجة تعيش حياتك… مش تعيش بدال حد… ولا حد هيعيش بدلِك."
مؤمن بص لها، وقال بفخر:
"إنتِ جبّارة يا ماما… دايمًا عارفة الطريق."
شهد ضحكت بخفة، ومسكت رأسه بين إيديها:
"لا يا ابني… أنا مجرد أم… والأم بتتوجع… بس لازم توقف… وتعلم اللي حواليها."
وفجأة… الباب انفتح بخفة… ومروان دخل، وابتسامته واضحة على وشه، رغم التعب اللي كان باين عليه من الشغل.
بص حواليه… عينُه وقعت على شهد، اللي كانت قاعدة على الكنبة، والضحك باينه علي وشها.
ابتسم وهو بيقرب خطوة، وبص لها بعينيه مليان حنية:
"حبيبتي… عاملة إيه مع القرود دول؟"
شهد اتكسفت، ورفعت راسها لفوق مش عارفة تبص له، والخجل كان باين عليها من كل حركة صغيرة في جسمها.
ندى هزت راسها وقالت بضجر، وبلماضة خفيفة:
"الحق يا واد يا مؤمن… ماما لسه بتتكسف من بابا بعد العمر ده كله!"
مؤمن ضحك من وره ندى وقال:
"حصل، والمفروض دلوقتي نخليي عندنا دم ونقوم؟ بس لا مش هنقوم."
مروان قرب أكتر… وبهدوء، وبص على يدها ورفع إيده يمسك إيدها:
"عارف… ده طبع في أي ست. خجلها… حنانها… كل حاجة فيها… طبيعة. وصدقيني… ده اللي بيخليها جميلة."
شهد بصيتله بعينين محتارة، وابتسامتها بدأت تطلع شويّة…
وندى ضحكت من قلبها، وحست إن الجو دافي ومليان حب.
مروان فضّل ماسك إيدها برقة… وابتدت كأنها تتنفس معاه… والصمت بينهم كان كله أمان… ولحظات قصيرة بس، حسّوا فيها كل التعب، كل الذكريات، كل الألم اللي كان من زمان… اتشاف يتحول لحب ودفا.
وبعد شوية… بدأوا يهزروا، يضحكوا… وشهد بتبص لهم وتضحك، مؤمن بيهزر معاهم… والجو كله مليان دفء، حب، ضحك، وأمان… والبيت بقي حكاية حياة جديدة، بعد سنين وجع وحزن.
وفي آخر اللحظة… مروان قرب منها، ماسك إيدها كويس، وقال بصوت واثق وحنون:
"فلتعلمي يا أنيس روحي وجليس وحدتي أنى رجوتك من الله واستودعته إياك ودعوته مراراً وتكراراً كي تطوى أطراف الأرض ونلتقى."
وشهد ابتسمت ابتسامة صافية… ودعّت الخجل بعيد… وخلّت قلبها ينبض بالدفا… والبيت كله بقي مليان حب، وبداية حياة كلها حنان وطمأنينة.
"إن الله إذا أراد أن يجمع بين قلبين سيجمع بينهُما، ولو كان بينهُما مداد السماوات والأرض."