تحميل رواية «امرأة العقاب» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
الفصل 8 — رواية امرأة العقاب الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
دقائق طويلة قاربت على النصف ساعة وهي تقف بشرفة المنزل ، تستند بمرفقيها على سور الشرفة ، وعيناها معلقة على بوابة المنزل الكبيرة منتظرة على أحر من الجمر وصول والدها ، لقد طال غيابه هذه المرة عنهم ولم تراه منذ اسبوعين .. وعندما علمت من أمها أن اليوم هو يوم عودته قفزت فرحًا وسعادة وأخذت تجهز كل ما ستخبره به من أحداث حدثت طوال الفترة الماضية ، تخرج الألعاب الجديدة التي قامت بشرائها حتى تريه إياها عندما يعود ورسوماتها الطفولية التي قامت برسمها بألوان مختلفة وجميلة اهداهم إليها عمها ! . وأخيرًا ها هي س...
رواية امرأة العقاب الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق
ثواني بسيطة حتى انفتح الباب وظهر هو من خلفه.
قابلها بوجهه المشرق ثم أفسح لها المجال للدخول وأغلق الباب خلفها.
ارتمت عليه تعانقه بحب حقيقي وتهتف:
_ وحشتني أوي يا حبيبي.
ثم رقبتها بعدة قبلات متفرقة، ثم اتجه لوجنتها ويهمس من بين قبلاته:
_ وإنتي كمان يا روحي.
ابتعدت عنه واتجهت إلى الداخل نحو الأريكة، ثم ألقت بحقيبتها في عشوائية على المنضدة وجلست هاتفة بضيق:
_ أنا جيت بصعوبة يعني مش هقدر أطول، ممكن ساعتين وأمشي.
ظهرت علامات اللؤم على ملامحه، فاقترب وجلس بجوارها هامسًا بنظرة وقحة:
_ وهما الساعتين دول قليلين يا حبيبتي؟
ارتفعت ضحكتها لتجيبه بدلال وهي تقترب وتخطف قبلة سريعة منه:
_ مش وقته خالص يا نادر، أنا جيت عشان نتفق أنا وأنت هنعمل إيه في جلنار.
_ هي رجعت؟!!
_ لا بس أنا حاسة أن سفر عدنان المفاجئ ده وراه حاجة ومش بعيد يكون عرف مكانها وراح يجيبها.
_ أنا مش عارف إنتي شاغلة بالك بيها ليه يا فريدة.. كدا كدا هتطلقي من الزفت ده قريب، فكك منها يا حبيبتي.
_ إيه اللي بتقوله ده.. عايزني أسيبها تاخد كل حاجة هي وبنتها على الجاهز، على جثتي لو طالت حاجة من عدنان، كل ده من حقي أنا.
غمز لها بعينيه في نظرات شيطانية وغمغم بمكر:
_ هتاخدي كل حاجة يا حياتي.. بس سبيني أتصرف معاهم بطريقتي، صنف جلنار دي أنا عارفه كويس أوي.. أما عدنان فده محوشله التقيلة من زمان.
اعتدلت في جلستها وطالعته بنظرات راجية ثم هدرت بقلق:
_ نادر بلاش تعمل حركة غلط تودينا في داهية ارجوك، عدنان لو شك مجرد شك هيقتلك ويقتلني.
همس لنفسه ساخرًا وعلى وجهه ابتسامة تحمل الغل:
( ده لو لحق أصلًا!!)
ثم أجاب عليها بصوته الطبيعي:
_ متخافيش أنا يعتبر مظبط كل حاجة فاضل بس التنفيذ وقريب أوي هيتم.
ثم أطال النظر في وجهها بعينان راغبة وفجأة وثب واقفًا وحملها على ذراعيه متجهًا بها نحو الغرفة وهو يتمتم بابتسامة خبيثة:
_ أنا بقول نخطفلنا ساعة ساعتين كدا مع بعض عشان انتي وحشتيني أوي.
هتفت ضاحكة باعتراض بسيط:
_ مش هينفع يا نادر نزلني بقولك مستعجلة ولازم أمشي.
_ هو دخول الحمام زي خروجه يا قلب نادر.
ثم فتح باب الغرفة بقدمه ودخل بها ثم أغلقه بطرف قدمه وانغمسوا معًا في ملذاتهم المحرمة غير مباليين لأي شيء!
غابوا ببحر المحرمات منذ أربع سنوات ولم يضعوا بالحسبان لحظة العقاب الكبرى أمام ربهم!!!
***
تقف بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة الإفطار وتجلس صغيرتها فوق رخام المطبخ وتتلاعب بقدماها الصغيرة في الهواء وتمسك بيدها قطعة شيكولاتة تأكلها باستمتاع.
حتى هتفت بصوت طفولي حماسي:
_ احنا راجعين بيتنا يا ماما.
تنهدت جلنار بخنق وأجابت على ابنتها بمضض حاولت إخفائه:
_ امممم للأسف يا حبيبتي.
_ يلا نلبس.
_ لما نفطر الأول يا هنا بعدين هنلبس ونمشي.
نظرت الصغيرة لخارج المطبخ تتأكد من عدم وجود أبيها، ثم اقتربت وانحنت على أذن أمها وهمست بصوت فرح:
_ بابي قالي هنروح عند تيتا لما نرجع.. بس اوعي تقولي إني قولت ليك.
رمقتها جلنار بنظرة نارية وهتفت بغيظ مكتوم:
_ هو قالك كدا؟
هزت رأسها بإيجاب وهي لا تزال تبتسم باتساع، فنظرت جلنار للطماطم التي تقوم بتقطيعها ونزلت السكين عليها في عنف تهمس بصوت غير مسموع وأعين مشتعلة بوعيد:
_ ده بعينه إن شاء الله.. قال تيتا، أمه القرشانة دي هو أنا ناقصة.
صاحت هنا بصوت عالي في حب عندما وجدت والدها يدخل المطبخ، فاقترب هو منها وحمله على ذراعيها ومد يده يعبث بخصلات شعرها الحريرية ويهمس في مداعبة:
_ إيه الحلاوة دي بس يا بابا.
ابتسمت الصغيرة باستحياء بسيط في وجه طفولي يسرق القلب، ليقهقه هو بخفة ثم ينحني عليها ويطبع قبلة عميقة على وجنتها، بينما جلنار فالتفتت نصف التفاتة برأسها له ورمقته بنظرة مشتعلة ثم أشاحت بنظرها عنه عندما وجدته ينظر نحوها.
اختفت ملامحه اللينة وظهر محلها الصرامة حيث هتف بغلظة صوته الرجولي:
_ مالك؟!!!
تجاهلته تمامًا ولم تجب ولم تنظر له حتى، مما استفزه بشدة، فأنزل ابنته من على ذراعيه وهتف بابتسامة رسمها بصعوبة:
_ روحي يا هنايا استنيني برا وأنا هاجي وراك.
رفعت هنا نظرها إلى أمها الواقفة وتوليهم ظهرها منشغلة بما تفعله أو تتصنع هذا، ثم عادت بنظرها لأبيها وتنهدت بيأس لتستدير وتتجه لخارج المطبخ متمثلة لأوامر والدها.
تحرك خطوة إليها حتى كاد يكون ملتصق بها وهتف بلهجة غريبة:
_ لما اكلمك تردي عليا.
قالت بعد مبالاة واشمئزاز:
_ مش طايقة اكلمك أو اسمع صوتك أساسًا.
جز على أسنانه بغيظ ثم قبض على أعلى ذراعها بقبضته الفولاذية وتتمتم بتحذير:
_ أنا لغاية دلوقتي هادي معاكي يا جلنار رغم اللي عملتيه، فاتكلمي باحترام وبأسلوب مظبوط بدل ما أظبطك أنا بأسلوبي.
تحاملت الألم ولم تظهره على ملامحها، حيث استقرت بعينيها نظرة حاقدة وهمست بصوت أنوثي شرس:
_ سيب إيدي ومتقربش مني.. وتهديداتك الفارغة دي روح هدد بيها حد غيري مش أنا.
أحست وأنه لوهلة ستخرج النيران من عينيه وتحرقها بأرضها من فرط سخطه، ووجدته يزيد من ضغطه على ذراعها بعنف فلم تتمكن من إخفاء ألمها أكثر، حيث أغمضت عينيها في محاولة بائسة لعدم الظهور ضعيفة أمامه، ووجدته يقترب منها وينحنى على أذنها هامسًا بصوت يشبه فحيح الأفعى:
_ لولا أن البنت برا كنت وريتك التهديدات الفارغة دي كويس.
لانت قبضته تلقائيًا على ذراعها حين دخلت لأنفه رائحة عطرها المثير، فأغلق عينيه محاولًا تمالك انفعالاته الداخلية حتى لا يضعف، وكان على وشك أن ينصاع خلف رغبته لكنه استفاق فورًا وترك ذراعها ثم نظر بعينيها وقال في صوت خشن وجاف:
_ بعد الفطار ادخلي خدي دش والبرفان ده متحطهوش تاني.. وإياكي تحطيه وإنتي خارجة.
ثم ألقى عليها نظرة قاسية أخيرة قبل أن يبتعد عنها ويرحل، بينما هي فظلت ملتفة برأسها للخلف تتابعه وهو ينصرف بغضب وممسكة بذراعها ثم همست بغل:
_ حقير.. بس ورحمة ماما لأخليك تندم على كل حاجة عملتها معايا يا عدنان.
تركت ذراعها وعادت تكمل تحضير الفطار وهي تهتف بقرف:
_ لو اقدر احط سم كنت حطيته عشان تطفحه واخلص منك نهائي.
***
كانت زينة بأحد المقاهي المشهورة والمطلة على النيل، تجلس على أحد المقاعد وأمامها طاولة مستديرة ومتوسطة الحجم ويقابلها مقعد آخر فارغ.
وبيدها تمسك كوب عصير مانجا طازج وتتأمل منظر الماء من أمامها بشرود، وبداخلها خلافات عنيفة. وسؤال تطرحه باستمرار على نفسها: لماذا تجلسِ بمفردك ولم تذهبي له بدلًا من الجلوس هكذا كالحمقاء؟
لكنها باتت تشعر أن كرامتها على حافة الهاوية، ولا تستبعد أن يكون قد فهم مشاعرها تجاهه ويتجاهلها بتصرفاته الطبيعية معها. لا مجال لمزيد من الركض خلف أحلام واهية.. ستترك كل شيء يسير كما هو مقدر له!
فجأة وجدت أحدًا يجلس مقابلها على المقعد الفارغ، فالتفتت برأسها فورًا له وعندما وقعت عيناها عليها ظهرت الدهشة والخنق، حيث بقت تحدق به لفترة وجيزة بعدم فهم حتى هتفت بحزم:
_ أنت بتراقبني!!!
ابتسم رائد وقال بخفوت ضاحكًا:
_ أكيد لا.. أنا شفتك بالصدفة وقولت أسلم عليكي ونتكلم شوية لو مفيش عندك مانع طبعًا.
احتدام وجه زينة بغيظ، ثم التقطت هاتفها وأشيائها من فوق سطح الطاولة واستقامت واقفة وهي تقول باعتذار صارم:
_ أسفة بس أنا ورايا مشوار ومستعجلة وكنت ماشية قبل ما حضرتك تيجي.
همت بالانصراف لولا قبضته التي أمسكت برسغها في لطف وهتف بوداعة:
_ لحظة بس إنتي متعصبة مني ليه كدا! لو قولت حاجة ضايقتك من غير قصد سواء دلوقتي أو يوم الفرح أنا آسف مقصدش والله.
_ مفيش زعل يا أستاذ رائد أنا زي ما قولتلك مستعجلة بس وبخصوص الموضوع اللي والدتك فاتحت ماما فيه فـ.....
_ أنا مجيتش اتكلم معاكي عشان أسألك موافقة أو لا.. خالص بالعكس أنا كنت حابب نتكلم وندردش مع بعض مش أكتر.
أحست أنها قست قليلًا عليه في حدة كلامها، فتنهدت بهدوء وتمتمت في صوت رخيم وابتسامة بسيطة:
_ مرة تاني إن شاء الله.. عن إذنك.
ثم سحبت يدها من قبضته واندفعت إلى خارج المقهى بأكمله مسرعة دون أن تلتفت خلفها، بينما هو فتنهد بقوة ورفع يده يمسح على وجهه بيأس!
***
يقف أمام المرآة يقوم بتسريح شعره بعد ارتدائه لملابسه ويستعد للمغادرة.
ثم أمسك بزجاجة العطر الخاص به ونثر على ملابسه بكثرة حتى امتلأت الغرفة كلها برائحته.
انفتح الباب وظهرت من خلفه أسمهان التي وقفت للحظات تتطلع إلى ابنها الأصغر في حنو. كلما تنظر له يذكرها بأبيه يمتلك نفس عينيه ووسامته الساحرة، وشغفه وحبه للحياة والمرح. لم تنسى يوم ولادتها عندما قال زوجها: ( سيكون آدم الأحن بيننا أما عدنان فهو عُقاب يصعب ترويضه)!
اقتربت ووقفت خلفه ثم وضعت كلتا كفيها على كتفيه من الجهتين وقالت بنظرة جانبية خبيثة وحانية:
_ مش ناوي تفرحني كدا يابني وتخليني أشوفلك عروسة وأفرح بيك.
التفت لها بجسده وقال ضاحكًا بمشاكسة:
_ لا ريحي نفسك ياست الكل لما أحب اتجوز أنا اللي هختارها.
_ لا والله!
_ طبعًا يا سلطانة.. اعذريني مش هسمحلك تتولي المهمة دي بذات، ده جواز مش لعبة.
_ أنت هتعمل زي أخوك!!
زم شفتيه بعدم اكتراث وتمتم:
_ ماله عدنان!
_ مش لو كان سابني أنقله عروسته على مزاجي كان زمانه دلوقتي عايش مبسوط ومتهني في حياته، لكن البيه لعبت بعقله حلاوة بنت فاطمة الخدامة وخلته مش شايف غيرها.. ولما جات الفرصة إنه يتجوز تاني راح واتجوز بنت نشأت غصب عني.
مسح آدم على وجهه متأففًا وقال بصوت غليظ واستياء حقيقي:
_ عدنان هيكون مبسوط يا ماما لما تتخلي عن تصرفاتك ومحاولاتك في إنك تتخلصي من جلنار ودلوقتي بقت فريدة، سبيه ومتدخليش في حياته ومتخلقيش مشاكل بينهم.
ثم اندفع لخارج الغرفة بأكملها، فصرخت هي منادية عليه في سخط:
_ آدم.
ثم أكملت بعينان ملتهبة بالغيظ والغل عندما لم يجب عليها:
_ مش كفاية ساحرة لعدنان بنت الرازي كمان حتى ابني التاني مش بيستحمل يسمع عليها كلمة.. ماشي يا جلنار مبقاش أنا أسمهان الشافعي أما طردتك من حياة ابني ومن حياتنا كلها.
***
انتهت من ارتداء ملابسها وكل شيء استعدادًا لعودتها إلى وطنها.
ثم جلست على الفراش وامسكت بالهاتف وبحثت بقائمة الأسماء عن رقمه وظلت تحدق به بتردد. تتصل به وتخبره أنها راحلة أم لا؟!
قذفت بذهنها كلماته وهو يعبر لها عن حبه الخفي لها: (بحبك أوي يا جلنار).
نفضت عن ذهنها تلك الكلمات وهزت رأسها بالنفور وهي تحسم قرارها بعدم الاتصال به وبل وعدم التواصل معه تمامًا.
انفتح الباب ودخل عدنان ثم وقف للحظات قصيرة يحملق بها وقال بخشونة:
_ قاعدة كدا ليه يلا.
طالعته بعينان محتقنة بالدماء ثم استقامت واقفة وجذبت حقيبتها الصغيرة والقت نظرة أخيرة على الغرفة بأكملها تتأكد من عدم نسيانها لشيء ما.
ثم اتجهت نحوه وقبل أن تعبر من الباب بجانبه قبض على ذراعها ليوقفها ورفع كفها الأيمن لأعلى ينظر إلى أناملها الخالية من خاتم زواجهم.
فاستقرت في عينيه نظرة قوية مردفًا:
_ خاتمك فين؟
سحبت يدها من بين يده بهدوء وهي تزفر بخنق وتهتف باقتضاب:
_ في الشنطة.
_ طلعيه.
كانت كلمة صارمة صدرت منه لا تقبل الجدال بنظرات حادة.
فتنهدت هي بنفاذ صبر ووضعت كفها في الحقيبة الصغيرة تفتش عن خاتمها ولم تجده أو هي من أرادت هذا، حيث أجابت عليه بالامبالة وهي تهم بالانصراف:
_ مش لاقياه بعدين هبقى اشوفه وألبسه.
جذب حقيبتها من يدها بعدما فهم حيلتها وتصنعها ثم فتحها ونظر فيها يفتش بنظره عنه حتى وجده، التقطه وامسك بكفها يرفعه ثم يلبسها الخاتم ويهتف في صوت رجولي ساخط:
_ ده ميتقلعش تاني مفهوم ولا لا.
_ ليه بقى؟
أجابها في شيء من الغرابة وبعينان ثاقبة:
_ عشان يفكرك دايمًا إنك هتفضلي مراتي ومفيش طلاق يا جلنار.
استشاطت غيظًا وغلًا، فاقتربت بوجهها منه وقالت في ثبات وأعين تشع شرارة الشر والمكر:
_ هطلق سواء طالت أو قصرت مسيرك هتطلقني، واوعى عقلك الباطن يصورلك إنك حتى لو مطلقتنيش لما نرجع هسمحلك تقرب مني أو تلمسني، بعينك يا عدنان أنه يحصل.
رغم اشتعال نيران الغيظ في داخله من كلماتها إلا أنه أظهر العكس تمامًا، حيث ابتسم ببرود وهمس بخبث وهو يقترب بشفتيه منها ليستفزها:
_ هنشوف يا رمانتي الموضوع ده لما نرجع إن شاء الله.
رمقته بقرف وتمتمت:
_ بكرهك.
_ عارف وعشان كدا مش هطلقك.
احتدام وجهه وتحول إلى الأحمر القاتم من شدة الغيظ وهي تطالعه باستياء مكتوم. تود لو تلكمه وتفرغ شحنة غيظها به، أو تخنقه بيديها.
لكنها أثرت عدم الاصطدام معه الآن في شجار هي ليست في مزاج لتحتمله. حيث اندفعت إلى الخارج وهي تتمتم بعض الكلمات الغاضبة، بينما هو فخرج خلفها وكانت الصغيرة تنتظر في الحديقة وهي تلهو بدميتها.
وعندما رأت والديها باتجاه السيارة ركضت هي قبلهم واستقلت بالمقعد الخلفي في مكانها المخصص وثواني واستقل عدنان بمقعد القيادة وجلنار بجواره.
ثم التفتت برأسها للخلف لابنتها وهتفت في لؤم قاصدة إثارة ضيقه:
_ استعدي بقى ياهنون عشان أول ما نرجع هنروح نقعد عند خالتو انتصار.
اتسعت مقلتي الفتاة بدهشة وقفزت فرحًا في مقعدها تقول بفرحة:
_ هييييه.
بينما هو فحدقها بنظرة مشتعلة وهتف:
_ مين اللي قال هتروحوا!
_ أنا قولت! وبعدين حتى هنا عايزة تروح وفرحت أهي.. إيه هتكسر بنفس بنتك!
عض على شفاه السفلى محاولًا تمالك أعصابه وهمس في غيظ:
_ ده أنا اللي هكسر دماغكم.
ثبتت الصغيرة على مقعد والدها وهي تعانقه من الخلف وتقول برجاء:
_ نروح عند خالتو يا بابي.. اردوك (أرجوك).
نظر مطولًا لابنته فلم يتمكن من المقاومة أمام نظراتها المستعطفة وإلحاحها، فقال بمضض:
_ ماشي يا حبيبتي خلاص هنروح.
أشاحت جلنار بوجهها للجانب الآخر تخفي ضحكتها الشامتة والخبيثة بكفها، ثم رجعت برأسها نحوه بعدما انطلق بالسيارة وقالت في خفوت مستفز:
_ سوق على مهلك يا بيبي.
يرفع حاجبه مستنكرًا كلمتها الأخيرة ورمقها بنظرة متوعدة وهو يتمتم بصوت منخفض سمعته:
_ ماشي لما نرجع بس اصبري عليا.
ابتسمت في عدم مبالاة وتمتمت لنفسها في نشوة ووعيد ماكر:
_ أنت لسا شفت حاجة.. دي البداية بس!
ثم التفتت برأسها مرة أخرى إلى ابنتها وظلت تتحدث معها وتضحك وهي تشاكسها، بينما هو فتابعهم بعينيه في مرآة السيارة العلوية. يتأمل ضحكهم واندماجهم الجميل الذي يدخل السرور على قلبه ودون أن يشعر انحرفت شفتاه قليلًا لليسار مفترة عن ابتسامة دافئة ومحبة!!
***
خرجت من الحمام وهي تلف حول جسدها منشفة كبيرة وتمسك بمنشفة صغيرة أخرى تجفف بها شعرها.
بعد لحظاتها الغرامية مع عشيقها السري، وبينما تسير في اتجاه المرآة رفعت نظرها بتلقائية فارتدت للخلف في زعر عندما رأت عدنان أمامها يقف عند الباب ويطالعها بعينيه المرعبة والمعاتبة.
فرت الدماء من عروقها واحست بأنها ستفقد وعيها بعدما ظنته لوهلة حقيقيًا، لكن سرعان ما اختفى شبحه من أمام عينيها.
التقطت أنفاسها المتسارعة في فزع وألقت بالمنشفة الصغيرة على الفراش ثم شرعت في ارتداء ملابسها فورًا حتى تغادر.
وبعد انتهائها سمعت صوت رنين هاتفها فأجابت بصوت جاهدت في أظهاره طبيعيًا:
_ خير يا سمير؟
أجابها الآخر في مكر وشيطانية:
_ الست أسمهان هانم طلبت مني النهاردة أراقبك وإنتي خارجة وأنا عملت الواجب.
يبدو أن اليوم هو يوم الصدمات المخيفة، هتفت في ارتعاد:
_ قولتلها إيه انطق!!
_ اطمني ياست الكل قولتلها إنك في النادي روحتي تشوفي واحدة صحبتك.
_ غبي ممكن تبعت حد على هناك عشان تتأكد ده لو مرحتش هي بنفسها.. اقفل اخلص خليني أرجع قبل ما تعملي مشكلة الحرباية دي.
أنهت معه الاتصال ووضعت الهاتف في حقيبتها ثم اندفعت إلى الخارج وكان نادر يجلس على الأريكة أمام التلفاز ينتظرها حتى تخرج من الحمام.
وعندما وجدها قد ارتدت ملابسها ومستعدة للرحيل فقال بحيرة وهويهب واقفًا ويقترب منها:
_ رايحة فين؟
_ ماشية يا نادر اتأخرت أوي وأسمهان مش هتجبها لبر معايا.. بعتت سمير ورايا عشان يراقبني والغبي معرفش يتصرف ولو مرجعتش دلوقتي ممكن كل حاجة تتكشف.
أفف بقوة في حرارة ثم أجابها بخنق مغلوبًا على أمره:
_ تمام يا فريدة خلي بالك من نفسك ولما توصلي كلميني وطمنيني.
انحنت برأسها عليه وخطفت قبلة سريعة من وجنته متمتمة بعجلة في ابتسامة عاشقة:
_ حاضر يا حبيبي هكلمك.. سلام.
أنهت جملتها واندفعت إلى خارج المنزل بأكمله ومنه إلى المقعد الكهربائي حتى ينزل بها للطابق الأرضي، بينما هو فظل واقفًا بأرضه ورفع كفه إلى شعره يمسح عليه بحنق.
***
خرجوا من إحدى البنايات بعد زيارتهم للطبيب الخاص بجدتها وكانت فوزية تستند عليها وتقول الأخرى بمشاكسة:
_ أنا مش فاهمة إيه اللي بيعصبك بس يازوزا.. الدكتور قالك بلاش العصبية وإنتي برضوا مفيش فايدة، حد معاه ملاك زي ويتعصب.
_ بت متنرفزنيش اكتمي خالص ومسمعش حسك.
قهقهت بخفة وقالت في نبرة شبه جادة:
_ أنا هروح اجيب العلاج من الصيدلية دي وجيالك استنيني هنا يازوزا.
هزت رأسها بالإيجاب بعدم حيلة وتابعتها وهي تتجه نحو الصيدلية. فبقت واقفة للحظات طويلة بانتظارها وعندما تأخرت فكرت بأن تذهب وتشير لسيارة أجرة إلى حين خروجها.
سارت بخطواتها الهادئة إلى الشارع وتلفتت حولها تتابع حركة السيارات منتظرة أن يخف اكتظاظها قليلًا وعندما وجدت الفرصة فسارت بسرعة تعبر الطريق ولكن فجأة كان هناك سيارة تسير مسرعة وقبل أن تصطدم بها توقفت بقوة.
كادت فوزية أن تسقط من أثر الصدمة.
وباللحظة التالية فورًا نزل منها شاب في منتصف عقده الثالث وركض نحوها يمسك بذراعها هاتفًا بزعر:
_ إنتي كويسة يا حجة.
_ كويسة يابني الحمدلله متقلقش.
_ أنا آسف جدًا والله مخدتش بالي.
_ ولا يهمك يابني حصل خير.
خرجت مهرة من الصيدلية ووقفت تبحث بنظرها عن جدتها، وإذا بها تجدها تقف ويمسك بذراعها شاب ويبدو على ملامحها الزعر وأنها كانت على وشك الاصطدام بسيارة، فهرولت راكضة نحوها غير مكترثة بحركة السيارات.
وعندما وصلت إليها أمسكت بها وقالت في ملامح وجه مزعورة:
_ تيتا إنتي كويسة؟
هزت فوزية رأسها بإيجاب وقالت بابتسامة باهتة:
_ كويسة والله يامهرة متخافيش ياحبيبتي.
صاحت مهرة بعصبية وهي توجه حديثها لآدم:
_ مش تركز في الطريق ولا البعيد أعمى ومبيشوفش.
أدرك آدم أنها نفس الفتاة التي قابلها في المنطقة الشعبية فاستشاط غضبًا وقال بانفعال مكتوم:
_ احترمي نفسك يابتمهرة.
_ بصوت مرتفع نسبيًا وسخط هادر: بت في عينك يا جربان.
_ أنا جربان!!!
قبضت فوزية على ذراع حفيدتها وهتفت باستياء ونظرات تحذيرية:
_ مهرة بس اكتمي إيه اللي بتعمليه ده.
ثم نظرت إلى آدم وقالت بصوت مختنق:
_ وأنت يا أستاذ خلاص قولتلك حصل خير، اركب عربيتك وامشي.
تنهد آدم وقال معتذرًا وهو ينظر لمهرة بقرف:
_ حقك عليا ياحجة.. لو تحبي اتفضلي معايا أوصلكم في طريقي.
ردت مهرة بنبرة فظة وهي تطالع سيارته بسخرية:
_ حتى عربيتك جربانة زيك.
عض آدم على شفاه السفلى بغيظ يحاول تمالك أعصابه حتى لا يرتكب بهذه الفتاة جريمة، بينما فوزية فصاحت بها بنبرة مرتفعة بعض الشيء:
_ بس مسمعش صوتك.
فوزية محدثة آدم بإحراج بسيط:
_ حقك علينا احنا يابني.. وشكرًا مش عايزة أتعبك وأعطلك على شغلك، عن إذنك.
ثم جذبت مهرة من ذراعها معها ووقفت تشير إلى إحدى السيارات الأجرة وفتحت الباب ثم أدخلتها هي أولًا ودخلت هي من بعدها وتحركت بهم السيارة فورًا.
وبعد دقائق من نظرات جدتها النارية لها وهم مازالوا في السيارة وبعد أن هدأت عصبيتها تدريجيًا، فلوت فمها بندم وهمست لنفسها بغيظ:
_ كان لازم تتعصبي أوي كدا يعني وتقوليله جربان!، بقى بزمتك واحد زي ده يتقاله جربان.. طيب هزقيه بحاجة صح حتى!، اوووف لا عيد الخناقة تاني لو سمحت.
***
توقفت السيارة أمام المطار وترجلا منها وتولى أحد الرجال حمل حقائبهم.
بينما زوجها كان يمسك بكف فتاته الصغير ويسيرا معًا إلى الداخل وهي بجواره.
ظلت تسير لمسافة طويلة حتى وصلا إلى الطائرة وكانت صغيرة بعض الشيء ليست طائرة لركاب مطلقًا.
ضيقت عيناها بدهشة وظلت تتحرك دون أن تتفوه ببنت شفة فقط منظر الطائرة يثير ذهولها. متى قام بشراء طائرة خاصة؟!!، سؤال تطرحه في ذهنها بحيرة ولكنها تجاهلته وفضلت تصنع اللامبالاة.
كانت ترتدي فستان قصير بعض الشيء من اللون الأبيض ويعطي اتساعًا جذاب من منطقة الوسط حتى آخره وتترك الحرية لشعرها الأسود الحريري وترتدي فوق عينيها نظارة سوداء وحذائها العالي الذي من نفس لون الفستان يعطيها لمسة أنثوية صارخة.
كان بانتظارهم أمام الطائرة رجل يرتدي زي رسمي وبمجرد وصول زوجها انحنى برأسه في احترام وابتسامة مشرقة فاكتفى عدنان بإماءة رأسه البسيطة ووقف قبل أن يصعد على الدرج المتدلي من الطائرة ينتظر صعودها هي أولًا.
طالعته بنظرة خالية من أي تعابير ثم صعدت هي أولًا وانحنى هو على ابنته يحملها على ذراعيه ويصعد بها الدرج حتى وصلا ودخلا.
تحركت في الردهة الصغيرة للطائرة حتى وصلت للمقاعد وكانت مقاعد محدودة وقليلة بعض الشيء لكنها رائعة من اللون البني والجلد الطبيعي.
ركضت هنا باتجاه أحد المقاعد المجاورة للنافذة وقالت بانبهار وسعادة:
_ اقعد هنا يا بابي.
ابتسم وانحنى عليها يلثم وجنتها هامسًا بدفء وحب:
_ اقعدي في المكان اللي تحبيه يا روح بابي.. الطيارة كلها بتاعتك.
تعاقت برقبة والدها وقبلته من وجنته بقوة في حب نقي يلمع بعينيها البندقية الصغيرة، فزاد هو من ضمها بحنان ثم ابتعدت وعادت تلازم مقعدها الخاص بجوار النافذة.
بينما جلنار فجلست على أحد المقاعد المجاورة لمقعد ابنتها على الجانب الآخر بعدما جلس عدنان هو بالمقعد المجاور لابنته تمامًا.
نزعت عنها نظارتها ورفعت ساق تضعها فوق الأخرى وامسكت بهاتفها تتصفحه.
بينما هو فأخرج إحدى المجالات وفتحها وبدأ في القراءة.
وقعت عيناه بالصدفة عليها ورأى قدمها العلوية عارية إلى أعلى الركبة نسبيًا بفعل فستانها الذي بالطبيعي يصل إلى الركبة وبعد الوضعية التي اخذتها في جلوسها ارتفع لأعلى أكثر.
ظلت عيناها ثابتة على ساقها وتطلق شرارات نارية يحاول تمالك أعصابه.
انتبهت بعد ثواني لنظراته فمرقته بطرف عينيها ونظرت إلى مستقر عينيها فتنهدت بخفوت ومدت يدها تسحب الفستان للأمام.
لكنه لا يزال ينظر وكأنه لم يعجبه حتى الآن ومازال ظهور ساقها يثير جنونه، فتجاهلته وعادت بنظرها إلى هاتفها تتصنع عدم الاكتراث بنظراته الملتهبة.
حتى سمعت صوته المريب وهو يهتف بلهجة آمرة:
_ نزلي رجلك.
نظرت له وقالت بهدوء مستفز:
_ نعم!
تأفف بقوة في عصبية مكتومة وألقى بالمجلة التي بيده على المقعد وهب واقفًا ثم اقترب منها ومد يده يسحب فستانها على قدمها بعنف ليسترها ويقول بنظرة قاتلة وحادة:
_ ياتقومي تدخلي الحمام وتغيري الزفت اللي لابساه ده يا تقعدي مظبوط.
_ وإنت إيه اللي مضايقك اعتقد مفيش غيرنا في الطيارة.
_ طاقم الطيارة كله رجالة ياهانم وممكن في أي لحظة حد يدخل.
أنزلت ساقيها وجلست بطبيعية وهي تجيبه بتأفف وخنق امتزج بانفعالها:
_ أهووو.. حلو كدا!!
استقرت في عينيه نظرة ثاقبة وهو يتفحصها بنظرها من قمة رأسها حتى أطراف أصابع قدمها. هدأت حدة نظراته قليلًا وانتصب في وقفته ثم عاد إلى مقعده وسط نظراتها المستاءة له.
كانت هنا تتابع بعينيها الحديث المنخفض المشحون بطاقة سلبية بين والديها دون أن تتمكن من سماع ما يقولون. وعندما جلس أبيها بجوارها مرة أخرى ابتسمت بلطافة ليبادلها هو بابتسامته المعتادة التي تنضج بالدفء والحب.
دقائق قصيرة مرت حتى بدأت الطائرة في الإقلاع وبلحظة ارتفاعها عن الأرض قبضت جلنار بيدها على ذراع مقعدها وارجعت رأسها للخلف مغمضة عينيها بقوة بعدما داهمها الدوار فجأة وتسارعت أنفاسها ونبضات قلبها بشكل مريب أثار القلق في نفسه.