رواية أمل ما بين الحياة والموت — الفصل 7 — بقلم منال كريم
صرخت سمر وهي تقول:
_ ماما ماما محمد اتصل على دكتور.
كانت صباح تنظر إليهم بلا مبالاة وكأنها ليست السبب في موت فاطمة.
جاء الدكتور وأبلغهم بوفاة فاطمة.
خرجت سمر من الغرفة، كانت صباح لا تزال موجودة.
أمسكت في رقبتها وهي تصرخ:
_ قتلتِ أمي، مش هسيبك، لازم تموتي زيها.
زقتها صباح وهي تقول:
_ بطلي جنان، أنا ما عملتش حاجة.
نظرت إليها باستغراب وردت:
_ أمي ماتت بسببك أنتِ، مكانك السجن.
وجرت، أغلقت الباب وبلغت البوليس.
صباح كانت واثقة من نفسها ولم يتأثر شعرها بموت فاطمة وأنها السبب، قلبها كالحجر.
جلست ببرود وقالت:
_ البوليس هيتأخر يا سمر.
خرج محمد مع الدكتور من غرفة فاطمة وقال:
_ افتحي الباب يا سمر.
هزت رأسها بالرفض. قال محمد:
_ افتحي الباب خلينا نبدأ في تجهيز الدفن.
_ مش هفتح علشان صباح هتهرب، البوليس جاي في السكة.
قرب محمد منها وضَمّها إلى حضنه وقال:
_ اهدي يا حبيبتي وخليها تمشي.
نزلت دموعها وهي تقول: لا.
وصل البوليس وقالت سمر:
_ الست دي قتلت أمي.
سأل الضابط:
_ إيه اللي حصل.
حكت سمر اللي حصل.
سأل مرة أخرى:
_ هي لمستها أو حاولت الاعتداء عليها.
هزت رأسها بالرفض. قال:
_ كده مفيش جريمة حضرتك.
صرخت بجنون:
_ إزاي! بكلامها أمي ماتت.
_ طالما مفيش محاولة اعتداء يبقى مفيش جريمة.
تحرك الضابط. بدأت تبص عليهم بذهول، إزاي مفيش قانون يحاكم صباح.
ابتسمت بخبث وقالت:
_ عايزة حاجة تاني يا سمورة.
وقفت أمامها بقوة وقالت:
_ لو القانون شايف إنك بريئة، أنا شايفة إنك مذنبـة وظالمة وربنا يعاقب الظالم عقاب كبير. مش عايزة حقي أمي اللي ماتت بسببك، ولا حق أمل المريضة بالقانون، حقي عندك ربنا ودي صعبة على اللي زيك. في كل ركعة وكل صلاة وكل صوت أذان أدعي ربي إن بنتك يكون مصيرها نفس مصير أمل مع فرق بسيط إن أمل قضاء وقدر، بس بنتك الشيطـانة تكون بسبب أفعالها، ومصيرك يكون نفس مصير أمي، بس أمي ماتت مقهورة من الظلم، بس أنتِ تعيشي بقهرتك وأنتِ شايفة عقابك. حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ، اطلعي برة بيتي.
كل الكلام ده مش فارق معاها، وده حال كتير زيها.
قالت ببرود:
_ براحتك، كنت ناوية أقف جنبك بس انتوا عيلة واطية.
مشيت صباح. سمر انهارت في حضن جوزها اللي كان طول الوقت ماسك إيدها بدعم وحنان.
بصت له وقالت:
_ أمل.
_ مينفعش تعرف حاجة زي دي دلوقتي خالص.
_ إزاي يا محمد؟ لازم تعرف إن ماما ماتت.
_ لما تعرف حالتها هتسـوء ومش بعيد ترفض العلاج.
_ صعبة عليها لو عرفت متأخر، وهتزعل مني.
_ صعبة أوي لو عرفت دلوقتي وهي في أول خطوة في العلاج. أنا كلمت حازم أقول أشوف الجو، قال إن أمل بدأت أول جلسة كيماوي.
قالت بعصبية:
_ أنا لازم أقول لأمل إن صباح قتلت أمي، لازم تبعد عن حازم.
_ مش وقته.
بدأوا تجهيز الدفن والعزاء.
في المستشفى، خضعت أمل لأول جلسة كيماوي.
حازم فضل معاها ورفض الخروج على ما الجلسة تخلص.
يتكلم في أي حاجة وعامل لها تهوين علشان تركز معه وتنسى ألم العلاج.
بص لها وسأل:
_ تعبانة.
_ شوية صغيرة.
_ أنتِ عارفة إنك قوية صح.
ابتسمت من غير رد.
كمل:
_ وعلى فكرة بحبك.
برضو مفيش منها رد.
_ أنتِ أغلى حاجة في حياتي، وأيدي في إيدك وهنعدي المرحلة دي.
نزل من على الكرسي وقعد قصادها على الأرض ومسك إيدها اللي متعلق فيها العلاج وقال:
_ لو أقدر آخد كل الألم بدالك كنت عملت كده.
مشت إيدها على شعره وقالت:
_ أنا بحبك أوي يا حازم.
باس إيدها وقال:
_ أنا بعشقك يا قلب حازم.
_ بقولك تعالي نتكلم على ترتيبات الفرح ومكان شهر العسل.
بصت له بحزن:
_ وتفتكر أخرج من هنا.
مردش على سؤالها وقال:
_ بقولك نروح الغردقة في شهر العسل.
قررت هي كمان تسافر معه إلى الأحلام، ولو مش مكتوبة تبقى حقيقة، كفاية تعيشها في الأحلام.
_ لا شرم الشيخ.
_ لا الغردقة.
في البيت، رفضت سمر أن يتم الدفن بالليل. قاعدة جنب أمها وتبكي بانهيار.
دخل محمد وقال:
_ كفاية يا سمر امسكي نفسك شوية، وأنا بقولك نستعجل في الدفن.
_ هتوحشني أوي.
_ ربنا يرحمها ويصبرنا، تأخير الدفن يزود النار في قلوبنا، يلا يا حبيتي.
حركت رأسها بالموافقة.
في شقة صباح، حكت اللي حصل لسماح اللي شافت الموضوع عادي.
سماح:
_ والمحروس ابنك نوصله إزاي.
_ قفل التليفون، عارف إنها مش هتسكت على كده.
_ طيب وهنعمل إيه.
_ عارفة أنا نفسي في إيه.
_ إيه.
_ سمر تبلغ أمل إن فاطمة ماتت، الموضوع ده هيفرق في نفسيتها أوي.
_ ياريت ونخلص من أمل.
_ وابني يرجع لحضني ويتجوز علشان أشوف ولاده.
_ ساعات بحس إن موضوع إنك تشوفي ولاد حازم هوس عندك مش طبيعي.
_ وماله، متشوقة أشوف ولاد ابني الكبير.
_ لو يبعد عن أمل هنرتاح كلنا.
_ لازم يبعد عنها غصب عنه.
كانت واقفة في البلكونة وهي شايفة أمها ماشية في النعش وأن خالص مبقتش موجودة في حياتها.
وقعت على الأرض وصرخت صرخة وجع.
عند أمل، حطت إيدها على قلبها وقالت:
_ آه.
سأل بفزع:
_ مالك تعبانة، أروح أنده الدكتور.
خرج بسرعة يجيب دكتور.
حطت إيدها على قلبها وانفجرت من العياط بدون سبب. مش بتعيط من وجع العلاج، قلبها وجعها.
جاء الدكتور مع حازم، فحصها وقال:
_ كل شيء طبيعي، أنتِ حاسة بإيه.
_ قلبي وجعني.
_ ضربات القلب والنبض طبيعي، ممكن يكون التعب نفسي، النفسية أهم حاجة في العلاج، خليكي قوية.
غمضت عينها من غير رد.
قال الدكتور للممرضة:
_ العلاج خلص، خليها ترتاح على السرير، وقياس الحرارة كل ساعة.
خرج الدكتور والممرضة عملت اللي الدكتور قالها عليها وخرجت.
كانت نائمة على السرير وتبص على السقف والدموع تنزل من عينها من غير سبب.
قعد جنبها وسأل:
_ أمل أنتِ تعبانة.
_ مش عارفة.
_ يعني إيه مش عارفة.
مردتش، قعد جنبها على السرير ورفع رأسها، خدها في حضنه وهنا انفجرت بصرخات متتالية، من غير ما تحس ولا تشعر ولا عارفة بتعمل كده ليه.
دخلت الممرضة بسرعة، وقفت حزينة وهي شايفاها كده.
نفس الوقت كانت سمر تصرخ والجيران يحاولوا يهدوا.
كان حضنها بقوة ويبكي معها ويقرأ عليها آيات من القرآن الكريم، والممرضة خرجت.
بعد ساعة كاملة تصرخ وتبكي نامت.
كان يبص عليها بحزن.
في البيت:
_ شدي حيلك يا سمر علشان أمل محتاجة وجودك معاها.
قامت من مكانها بسرعة وقالت:
_ أمل، أنا لازم أروح المستشفى حالا.
_ ليه بس.
_ أقولها اللي حصل وأخلي حازم يطلقها، لا يمكن يكون جوز أختي وأمه قتلت أمي.
مسك إيدها وقال:
_ اقعدي واسمعني كويس.
قعدت قصاده واتكلم بهدوء وعقل:
_ اللي حصل من صباح محدش يعرف عنه حاجة لحازم ولا لأمل.
بصت له باستغراب. كمل:
_ حازم من أول يوم كان راجل ومحترم وعمره ما زعل أمل صح.
هزت رأسها بنعم. كمل هو:
_ يبقى ليه ناخد حازم بذنب أمه، دي أول نقطة.
_ و تاني نقطة.
_ تاني نقطة هي الأهم، تفتكري بعد وفاة ماما فاطمة نفسية أمل هتكون مدمرة، كمان عايزة نبعد حازم عنها يبقى كده بنقضي عليها.
قالت بدموع:
_ أنا مش عايزة كده، أنا بس مش أقدر أتعامل طبيعي مع حازم بسبب أمه.
_ ملناش دعوة بيها والحمد لله إن أمل تعيش في بيت بعيد عنها، وحازم أثبت إنه قد المسؤولية.
تفهمت سمر وجهة نظر محمد وقررت مع محمد إن حازم وأمل ميعرفوش حاجة عن اللي حصل من صباح.
عدى يومين وكل ما أمل ترن على فاطمة وسمر محدش يرد.
رمت التليفون بعصبية وقالت:
_ مش فاهمة محدش بيرد عليا ليه.
مردش حازم مش لاقي سبب لكده.
فتح تليفونه ورن على محمد اللي رد على طول. سأل حازم:
_ بقولك يا حمادة أمل ترن على ماما وسمر محدش يرد.
مبقاش عارف يرد يقول إيه، يقول الحقيقة أو يكذب.
شاورت أمل لحازم يفتح مكبر الصوت. نفذ حازم.
قال محمد:
_ ماما فاطمة تعيش أنت.
صرخت أمل والتليفون واقع من حازم. جري عليها ويقول:
_ اهدي علشان أنتِ تعبانة.
_ أنا ليه يحصل معي كده، ليه.
_ استغفر الله العظيم، بلاش تقولي كده ده القدر.
حست إنها مش قادرة تتكلم أو مفيش كلام. بعدت عن حازم وغمضت عيونها.
خرج علشان يبلغ الدكتور.
تمر الأيام وأمل مش بتتكلم خالص، توقفت عن الحياة، مش بترد على سمر.
كانت الحياة بالنسبة لها انتهت مع رحيل أمها.
مش بتصرخ أو تعيط، كانت ساكتة بس.
حتى العلاج مبقتش تحس بألمه.
كان حازم يعمل المستحيل ويحاول يخرجها من الحالة دي لكن مفيش فايدة.
ساءت الأمور لما الأعراض الجانبية ظهرت، سقوط الشعر وغثيان وتكسير الضوافر، بقت هزيلة وضعيفة.
اللي حازم يعمله كان فوق طاقة أي شخص، شايف حبيبتها في أسوأ حالتها، بس مينفعش يضعف لازم يكون قوي عشانها.
في مكتب الدكتور:
_ طمني يا دكتور.
_ للأسف مفيش تحسن.
_ إزاي يا دكتور، دي خلصت كل الجرعات من الكيماوي.
_ أمر الله، الحالة تسوء.
_ والحل.
_ حل واحد هو استئصال الرحم.
_ حضرتك بتهزر صح، أكيد في حلول تانية يا دكتور، إلا كده.
_ صدقني مفيش حل غير كده أو حياتها في خطر.
قال برجاء:
_ لو سمحت أنا ممكن أسافر برة أعمل إيه حاجة علشان تتعالج، بس بلاش الحل ده، هي ممكن تموت.
_ مفيش أمل غير ده.
قام حازم وهو مش عارف يبلغ أمل إزاي، دي كانت بتستعد علشان تخرج من هنا وتزور قبر أمها.
دخل حازم ورأسه في الأرض وقال:
_ أمل.
بصت له وقالت:
_ الدكتور وافق إننا نخرج صح.
هز رأسه بالنفي.
قعدت على السرير وسألت:
_ ليه.
من غير مقدمات قال:
_ لازم تعملي عملية استئصال الرحم.
_ بس أنا يمكن أعمل كده، مش موافقة، أنا عايزة أخرج من هنا.
_ حياتك في خطر.
_ مش مهم حياتي، لكن لا يمكن أعمل كده.
وفجأة غابت عن الوعي بدون سابق إنذار.
و للحديث بقية.