تحميل رواية «أماريس» PDF
بقلم حنين عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
يقف يحيي البالغ من العمر خمسة وعشرون عامًا على جبل شاهق الارتفاع. يحيي: ليه ليه يا أمي تسبيني وتمشي؟ ليه؟ عشرين سنة كنتي بتجري ورا الأوهام ليه؟ ينزل من على الجبل حاملاً حملاً ليس له حمل. كبير على قلبه فقدانه لأمه قد أثار جنونه. يمشي مسافة لا يُقال عنها إلا كبيرة، حتى وصل لبيت صديقه. يحيي: تعالي يا يحيي. علي: ازيك يا يحيي. يحيي: ازيك يا علي. علي: الحمد لله، مالك في إيه؟ يحيي: مخنوق يا علي، كل يوم بطلع عالجبل بفتكر اللي حصل. كنت طفل عندي خمس سنين لما شفت أمي بتدخلها. سابتني بإرادتها يا علي، كنت بج...
رواية أماريس الفصل الأول 1 - بقلم حنين عادل
يقف يحيي البالغ من العمر خمسة وعشرون عامًا على جبل شاهق الارتفاع.
يحيي: ليه ليه يا أمي تسبيني وتمشي؟ ليه؟ عشرين سنة كنتي بتجري ورا الأوهام ليه؟
ينزل من على الجبل حاملاً حملاً ليس له حمل. كبير على قلبه فقدانه لأمه قد أثار جنونه. يمشي مسافة لا يُقال عنها إلا كبيرة، حتى وصل لبيت صديقه.
يحيي: تعالي يا يحيي.
علي: ازيك يا يحيي.
يحيي: ازيك يا علي.
علي: الحمد لله، مالك في إيه؟
يحيي: مخنوق يا علي، كل يوم بطلع عالجبل بفتكر اللي حصل. كنت طفل عندي خمس سنين لما شفت أمي بتدخلها. سابتني بإرادتها يا علي، كنت بجري عشان ألحقها بس الميعاد فات واتقفلت. فضلت قاعد مستنيها كتير بس ما فيش فايدة.
ثم أردف: عدت السنين وأنا كل يوم بطلع على الجبل أستناها تيجي، كان ذنبي إيه أنا؟ كنت طفل عايز أمه، إنما هي كانت مجنونة بالظاهرة دي وعايزة تعرف كل حاجة عنها، حتى أبحاثها كلها كانت عنها.
علي: خلاص اللي فات مات يا يحيي، كمل حياتك وانسى.
يحيي: مستحيل، لازم أشوفها وأسألها كانت ليه أنانية كده. مش قادر أنسى اليوم ده، مش بيطلع من دماغي، أرجوك يا علي ساعدني. العشرين سنة فاتوا، يعني ممكن تحصل في أي وقت.
علي: مش عارف إمتى يا يحيي.
يحيي: أرجوك يا علي، أنا عارف إنك تعرف كويس أوي لأني شفت أبحاثك عنها.
علي: مستحيل يا يحيي أخليك تتعرض للخطر. أنا أعرف شكلها من بره بس، إنما من جوه لأ. ربنا اللي يعلم، أنا مش عالم ولا باحث، مجرد فضول أعرف تكوينها بس.
يحيي: مش جدودنا كانوا بيحكوا عنها؟
علي: دي أساطير بيألفوها ويحكوها للأطفال زي مصاصين الدماء والزومبي.
يحيي: يا علي الفرصة مش بتتكرر، دي كل عشرين سنة، أرجوك اقف جنبي.
علي: روح بس ارتاح يا يحيي للصبح.
يحيي: طيب يا علي، بس هاجيلك. تصبح على خير.
يمشي يحيي من بيت صديقه يعبر الشوارع بتفكير. يقف وينظر بتمعن إلى هذا الجبل البعيد وكأنه عدو له، وكأنه سلب حياته. ثم يشيح بنظره عنه ويدخل إلى بيته. لتقابله هذه المرأة العجوز بالابتسامة.
يحيي: عاملة إيه يا داده سامية؟
داده سامية: الحمد لله، أنت كنت عالجبل برده؟
يحيي: ها... لأ.
داده سامية: بطل كذب يا يحيي، أنا اللي مربياك.
يحيي: أيوه يا داده، كنت عالجبل.
داده سامية: انسي يا يحيي.
يحيي: ممكن أنسى بس لو قابلتها، عايز أعرف تضحيتها بيا كانت تستاهل ولا لأ.
يدخل يحيي غرفته بدون انتظار الرد وينام على سريره بملل. ثم قال بتفكير: يا ترى يا علي هتساعدني؟
***
تشرق الشمس فتتسلل إلى داخل غرفته أشعتها حتى استيقظ حين أزعجه الضوء الموجه لعينيه. فاق من نعاسه وهو يتثاءب، حتى انتبه لهاتفه الذي كان يهتز بجواره. فتحه ليرى من المتصل، إنه علي. رد عليه.
علي: عايزك بسرعة، تعال.
يحيي: أنت كويس؟ في إيه؟ قلقتني.
علي: البؤرة الخضراء يا علي.
يحيي: طيب.. طيب جاي.
يرتدي ملابسه بسرعة فائقة ويغتسل ثم يخرج من غرفته.
داده سامية: يلا يا يحيي، اقعد افطر.
يحيي: مشوار كده عالسريع وجاي.
داده سامية: إيه؟ وشغلك؟
يحيي: مش هتأخر يا داده.
يمشي هرولة إلى بيت صاحبه تتضارب بعقله مئات الأفكار. هل سيساعده علي وأخيرًا سيحقق مبتغاه؟ قاطع تفكيره رؤية رب عمله. قال في تفكير: مش ناقصاك خالص يا عم سعيد.
سعيد: ماشاء الله، رايح على فين بدري كده؟ معروف عنك إنك من أواخر اللي بييجوا الشغل.
يحيي: مشوار كده.
سعيد: مشوار إيه؟
يحيي: عم سعيد، دا أنا واقف في مطحن، يعني في إيه؟ هو أنت اشتريتني؟
سعيد: طب مخصوم منك...
يحيي: يا عم غور بقى من وشي.
قالها وهو يغادر ضجرًا منه ومن معاملته.
سعيد بصوت عالٍ: ابقى شوفلك شغل تاني لأني رفدتك.
يحيي: أحسن.
يدخل بيت صديقه في عجلة من أمره.
يحيي: إيه يا عم؟ في إيه؟
علي: مش عارف أقولك إيه بس...
يحيي: بس إيه؟
علي: أنا واثق فيك يا يحيي.
يحيي: إيه يا علي؟
علي: أنا عارف إن من أحلامك إنك تدخل البؤرة الخضراء، أنا عارف ميعاد الظاهرة.
يحيي: امتى؟
علي: هاقولك يا يحيي، بس لازم أفهمك شوية حاجات.
يحيي: إيه؟
علي: من خلال سنوات كتير من البحث وأبحاث مامتك اللي جبتها لي، توصلت لكذا معلومة.
ثم أردف: البؤرة الخضراء دي، زي ما تعرف، ظاهرة مش بتتكرر إلا كل 20 سنة. بتتكون إزاي أو من إيه؟ مامتك ما ذكرتش إلا أنها غازات نادرة زي النجوم كده، هي غازات برضه. وعلى كلامها إن دي نتيجة تجمع كبير من الشهب. هاتقولي إزاي؟ ما أعرفش. الثقب الأسود ده بقى خطير بمعنى الكلمة. لما يبقى جواه مجال مغناطيسي بيسحب أي حاجة بالشكل ده، يبقى خطير.
يحيي: أنا مش فاهم، إحنا إزاي في القرن الواحد وعشرين ولسه ما نعرفش سر البؤرة دي؟
علي: في حاجات كتير مش معلوم عنها ولا عن تكوينها، زي مثلث برمودة، ماحدش قدر يعرف إيه اللي فيه.
يحيي: طيب، أتذكر إن في مظاهر للحياة في البؤرة دي.
علي: لأ... مجرد الفكرة مخوفاني يا يحيي. الظاهرة دي مش بتحصل إلا كل عشرين سنة، متخيل؟ يعني أنت كده بتدمر حياتك.
يحيي: وأنا راضي يا علي، ميعادها إمتى؟
علي: بعد يومين.
قال وهو يبتسم: يوم عيد ميلادي الـ 25، أظن ما فيش هدية أحسن من كده تقدمها ليا.
علي: ربنا يسترها.
يحيي: ما تخافش يا علي، وإن حصل لي حاجة، ما تحملش نفسك ذنب، أنا مسؤول عن قراراتي.
علي: قلبي مش مطاوعني يا يحيي.
يحيي: صدقني يا علي، لو كنت عايش مش هاستنى العشرين سنة دول، هحاول أطلع بأي شكل.
علي: وعد.
يحيي: وعد.
علي: جهز نفسك يا يحيي.
يحتضنه علي ويبادله يحيي الحضن.
يحيي: مش هنسى وقفتك جنبي يا علي.
علي: أرجوك فكر وقرر كويس الأول يا يحيي.
يحيي: حاضر يا علي.
يرحل يحيي من منزل علي وهو بداخله تساؤلات كثر. ماذا عن وعده؟ هل سيوفيه أم أن للقدر رأي آخر؟ ماذا يوجد في هذه البؤرة الخضراء ولماذا تظهر كل عشرين عامًا بالتحديد؟ هل والدته بخير أم ماذا؟ كاد فضوله يقتله لسنوات كثيرة. يدخل منزله شارداً حتى أنه لم ينتبه لمربيته.
داده سامية: إيه يا يحيي؟ مالك؟
يحيي ينتبه لها: ولا حاجة يا داده.
داده سامية: اتاخرت على الشغل؟
يحيي: لا، أنا أخدت إجازة.
داده سامية: إجازة؟!
يحيي: أيوه، أخدت إجازة.
داده سامية: أخدت إجازة ولا اترفدت؟
يتحدث بعصبية قائلاً: أجي أشتكيلك؟
داده سامية: سيبك منه، سيبك من أي حاجة. أنت إيه اللي في دماغك؟
يحيي بتوتر: ما فيش حاجة.
داده سامية: من إمتى وأنت بتكدب يا يحيي؟
يحيي: يا داده أرجوكي.
داده سامية: احكيلي يا يحيي، وأنا مش هأعرضك في اللي عايز تعمله.
يحيي: احكيلي أنتِ عن البؤرة الخضراء.
داده سامية: اشمعنى السيرة دي؟
يحيي: عادي، أهو أنا مرفود، وأنتي فاضية، يعني مش ورانا حاجة.
داده سامية: ماشي. بيقولوا إن البؤرة الخضرة دي فيها ملك خالد بيجدد شبابه كل عشرين سنة، وعشان يجدد شبابه بيضحي بناس من الأرض. دول بالنسبة له كده زي ما بيقولوا إكسير الخلود. عشان كده البؤرة الخضرا بتفتح كل عشرين سنة.
يحيي: طب ما ممكن الناس تبعد عنها؟
داده سامية: الناس بيروحوا ليها برجليهم لأن الإنسان طبعه فضولي، عشان كده بيروحوا برجليهم وهي بتسحبهم، مع إنهم عارفين اللي فيها، بس بيقنعوا نفسهم إن دي أساطير.
يحيي: طب لو في يومها ما حدش راح؟ اللي بيحصل؟
داده سامية: بتتحرك وبتدور على الناس.
يحيي: بتتحرك؟
داده سامية: أيوه. بيقولوا إنها بتبقى مختارة اللي عايزاهم، مش زي ما الناس فاهمة إنهم بيروحوا بإرادتهم. هما هيا اللي بتشدك ناحيتها بإرادتها.
يحيي: وبدأت من إمتى يا دادة؟
داده سامية: من زمان جدا. دا جدي كان بيحكي لي إن جده حكاله عنها، وجده... جده حكاله عنها. يعني من زمان جدا.
يحيي: وأمي يا دادة؟
داده سامية: أمك مالها؟
يحيي: إيه اللي خلاها مجنونة بيها للدرجة دي؟
داده سامية: قولتلك، البؤرة الخضرة يا يحيي، هي اللي بتختار، وهي اختارت أمك.
يحيي: أنا مش مصدق الكلام ده.
داده سامية: ده اللي سمعناه من جدودنا.
نظر يحيي في الفراغ بتفكير. هل يعقل أن يكون صحيحًا؟ البؤرة من تختار من يدخلها، وأنها يريد الذهاب إليها لأنها اختارته؟ تقاطع تفكيره قائلة: أحطلك الفطار؟
يحيي: لا، ماليش نفس.
دخل غرفته ونام على سريره وظل ينظر في سقف الغرفة. إنه قرار صعب، نعم. إنه فضولي ويعشق المغامرة، ولكن قد دب الخوف في قلبه حينما قالت إن البؤرة من تختار، وأنك تظن أنها بإرادتك ولكنها هي من تشدك إليها. أمامه يومان فقط، يومان ليقرر. اليوم وغدًا.
يحيي: هاتخاف وتسيب الفرصة ولا هاتكمل؟ طب ودادة سامية لو عرفت أكيد مش هاتوافق، وهتسيبها إزاي وهي محتاجة اللي يراعيها؟
أغمض عينيه مريحًا عقله من التفكير حتى ذهب في نوم عميق.
رواية أماريس الفصل الثاني 2 - بقلم حنين عادل
كان الهواء قوي جدًا يتسلق الجبل ويخشى الوقوع من قوة الهواء.
وصل إلى قمة الجبل بعد عناء.
ينظر لها بصدمة كبيرة: يا الله ما هذا؟ السماء خضراء ويتوسطها ثقب أسود به دوامة وكأنها إعصار.
يقترب يحيي منها وهو يصارع الهواء للدخول فيها حتى أُغلقت حينما اقترب.
ينظر بصدمة كبيرة وينزل بركبتيه على الأرض بذهول.
يحيي بانهيار: مش معقول، لأاااااا، أرجوكي.
يستيقظ من نومه وهو يتصبب عرقًا.
يحيي: إيه الحلم ده، معقول البؤرة مش عايزاني؟
ينفض عن عقله هذه الأفكار ويقنع نفسه بأنها ما قالته مربيته أساطير ولا يجب تصديقها، ولأنه يفكر كثيرًا فيها عقله اختلق هذا الحلم.
يقترب من مكتبه الذي يوجد عليه العديد من الكتب.
يحمل صورة رجل يشبهه كثيرًا وكأنهما توأمان.
يحيي: يمكن لو كنت موجود يا بابا كان فرق كتير، بس ربنا ليه حكمه، موت قبل ما أتولد، وبدل ما أمي تخليها جمبي وتعوضني غيابك، سابتني.
أردف قائلاً: أنا الحياة ما نصفتنيش في حاجة، أنا يحيي عامر، حاصل على ليسانس آداب إنجليزي، عملت بيها إيه؟ اشتغلت في مطحن، تعبي سنين راح هدر، ودي في الآخر اللي أخدتها.
ينظر لشهادته المعلقة على الجدار، ثم يضحك.
كنت بحلم أحلام وفاكر إن الحياة وردي، بس للأسف ما فيش فايدة، عمرك ما هتقدر تعمل حاجة في بلد كل الميزة اللي فيها إنها بتحطم شبابها.
يخرج من حجراته لتقابله رائحة طعام ذكية.
يدخل المطبخ.
يحيي: الله عليكي يا دادة وعلي أكلك، ريحة المحشي جايبة آخر الشارع.
عاملاه عشان عارفة إنك بتحبه.
يحيي: ربنا يخليكي يا دادة.
يلا خودي الأطباق وحطيها عالصينية.
يأخذ الأطباق ويضعها على السفرة.
يحيي: وكمان بط، لأ كده كتير.
هههههه، يلا يارب يطمر.
يضحك على كلمتها.
يضع الطعام ويبدأون في التهامه.
يأكل يحيي بشهية كبيرة حتى انتهى.
يحيي: تسلم إيدك يا دادة.
بالهنا والشفا يا حبيبي.
يحمل الأطباق وينظفها من بقايا الطعام ويبدأ في غسل الأطباق، بينما تجلس هي وتقوم بوضع القهوة على السبراتيه.
ينتهي وينشف يديه ثم يخرج إليها.
ينظر لها مطولاً وهي تلاحظه.
اسأل يا يحيي، عايز تعرف إيه؟
يحيي: السؤال اللي محيرني بقالي سنين ونفسي أعرف ليه إجابة.
أمك سابتك ليه؟
يحيي: لأ، ده عشان كانت أنانية، ما فكرتش غير في نفسها، أنا عايز أعرف بابا مات إزاي.
ما عرفش، صدقني، أمك اللي تعرف.
يحيي: وأمي ما قالتلكيش؟
ما لحقتش تقولي.
يحيي: كل مرة أسألك نفس الكلام، زي ما تكوني مخبية عني حاجة، بس مسيري هعرف يا دادة، مسيري.
اشرب قهوتك يا يحيي.
يحيي: أنا حتى ما أعرفش مكان ما اندفن.
يحيي ريح عقلك من التفكير.
يحيي: حاضر... ما فيش فايدة.
احبس، يلا.
يحيي: هههههه، حاضر.
يشرب قهوته بتمعن ويختلس بعض النظرات إليها وهي تلاحظه.
حتى قال بتفكير: عارف إنك مخبية عليا حاجات كتير، بس هعرفها يا دادة، أكيد هعرفها.
خرج من منزله يسير في الشوارع أو يبحث عنها، يقول عن نفسه مجنونًا لأنه يبحث عن فتاة قد رآها في حلم.
إنه يحلم بها دائمًا، حتى أنه يتذكر كل تفصيلة في ملامحها ويزيد شعوره بالغرابة أكثر وأكثر.
أي حلم آخر يحلمه ينساه، إلا هذا الحلم يتذكره بكل تفاصيله من سنوات، يتكرر.
حتى أنه أحبها وانتظر لقاءها وكأنها حقيقة.
لقد أعمته قلبه عن كل فتيات العالم من حوله.
يسير ويبحث عنها في وجه كل فتاة يقابلها ولكن لا يجدها، ثم يعود حزينًا كل يوم.
إلا اليوم لم ييأس، وكأنه يبحث عن أمل يكمل حياته من أجله، وكأنه يبعد نفسه عن البؤرة الخضراء وخطورتها.
أحس بالصدمة فجأة وكأن قلبه سيقف من هول المفاجأة.
يحيي: معقول لانا!
فتاة واقفة تعطي له ظهرها.
إنها هي من يراها في حلمه.
يهرول حتى وصل إليها وأمسك يدها قائلاً بفرحة لا توصف: لانا.
تلف له حتى أصبح وجهها بمقابلة وجهه.
ما زالت تعبيرات الفرحة على وجهه.
تلاشت من على وجهه حينما رآها ودقق في ملامحه.
ليست هي، لا، إنها ليست لانا.
حتى قالت: في حاجة يا أستاذ؟
يحيي: أنا آسف، فكرتك واحدة أعرفها.
هزت رأسها إيجاباً ثم غادرت.
أصبح يحدث نفسه قائلاً: انت عايز تروح فعلاً ولا لأ؟
انت خايف يا يحيي ولا لأ؟ لازم تحسم قرارك.
طب لو لقيت لانا هاتفضل، عاوز تروح.
ظل يسير حتى وصل لشاطئ البحر، وقف أمامه حتى يحسم قراره، هل سيغامر أم ماذا؟
رواية أماريس الفصل الثالث 3 - بقلم حنين عادل
كان في قرارة نفسه يريد المغامرة.
قال محدثًا نفسه: دلني يا رب.
في نفس الوقت، سمع صوت أذان المغرب.
ابتسم وشعر بالراحة واطمأن قلبه قليلًا، ثم غادر متوجهًا لمنزله.
دخل منزله واطمأن على مربيته التي تنام باكرًا كعادتها، ثم دخل غرفته.
ثم حمل هاتفه وقام بالاتصال بصديقه علي.
حتى جاءه الرد: أيوه يا يحيي.
يحيي: خلاص قررت يا علي.
علي: هاغامر، أكيد يا يحيي.
يحيي: أنت أكتر واحد فاهمني يا علي.
علي: متأكد يا يحيي.
يحيي بتنهيدة: أيوه متأكد. يا يحيي هاجهز نفسي بإيه يعني؟ أخد إيه معايا؟
علي: في أقاويل بتقول إن مافيش أي حاجة تعرف تدخل البؤرة الخضراء دي غير الأشخاص بس، الأشياء بتتطرد منها.
يحيي: ماشي، بس هحاول آخد معايا أي حاجة، ورق وقلم وهدوم.
علي: وماله، جرب. بس هاتقول لدادة سامية إيه؟
يحيي: هاقول أي حاجة. المهم، هيا هتبقى الساعة كام؟
علي: مش وقت محدد، بس في أمارات قبلها.
يحيي: زي إيه؟
علي: هواء قوي جدًا وتغيير في لون السما، بتبقى في البداية زرقاء جدًا وبعدين تتحول للأخضر، والثقب الأسود بيظهر بعدها بوقت قليل. يلا نام بدري، وراك مغامرة.
يحيي: طيب يا علي، بس عاوز أوصيك.
علي: عارف يا يحيي، عاوز توصيني على دادة سامية.
يحيي: حطها في عينك يا علي، مالهاش حد، حتى ابنها الوحيد مش بيسأل عنها.
علي: متخافش يا يحيي، أنا هابقى جنبها علطول.
يُغلق الهاتف وهو مبتسم، يعلم أن صديقه لن يخذله أبدًا.
قام بالنوم على سريره يفكر، ياترى ما الذي ينتظره.
في مكان آخر.
يقف متعجبًا من هذه الأرض التي يطغي عليها اللون الأحمر.
يلف بكل اتجاه: يا إلهي، ماهذا الذي أراه؟
حتى جاءت من ورائه واحتضنته من الخلف.
أمسك يديها المحيطة بخصره بهدوء وقال: انتي مين؟
لترد عليه قائلة: لقد انتظرتك طويلًا، وأخيرًا حان وقت اللقاء.
يفك يدها ثم يلف إليها وهو على عجلة من أمره ليعرف من هذه.
اتسعت عيناه حينما رآها: هل أنا أحلم أم ماذا؟
طال صمته حتى قالت: ماذا، ألست سعيدًا برؤيتي؟
يحيي بفرحة: إزاي، أنا مش مصدق نفسي من الفرحة، أنا مبسوط جدًا يا لانا.
لانا: لست بأكثر مني.
يحيي: احكيلي عنك كل حاجة، وليه شكلك مختلف، وإيه اللبس ده؟
لانا: ألم تعجبك ثيابي؟
يحيي: لأ، مش كده، بس زي لبس الأميرات زمان، اللبس ده عشان كده مستغرب، بس.
لانا: لا تستغرب، هنا كل شيء غريب.
نظر حوله يتفحص المكان.
يحيي: فعلًا، بس انتي ليه بتتكلمي كده؟
لانا: أنا أتحدث كل لغات العالم.
يحيي: بجد؟ إزاي؟
لانا: لا تسأل كثيرًا، ستعلم كل شيء قريبًا جدًا. مرحبًا بك أيها المختار.
يحيي: مختار؟ مختار إيه؟
تتلاشى من أمامه كأنها خيال.
يظل يبحث عنها وكأنه يبحث في سراب.
يصرخ بأعلى صوته بيأس: لانا!
يستيقظ من نومه، فيجد مربيته مبتسمة.
يحيي: صباح الخير يا داده.
داده: صباح النور. شكلنا هانفرح قريب كلنا.
يحيي: قصدك إيه؟
داده: لانا.
يحيي: هيا حلوة.
يحيي: احم، لانا مين؟
داده: اللي لسه قايل اسمها، وأكتر الأيام بتصحي وأنت بتنادي اسمها.
يحيي: لأ، لانا مين؟
داده: هههههه، ماشي، فوق وقوم افطر يلا.
يهز رأسه إيجابًا وهو مبتسم.
خرجت مربيته من الغرفة.
دخل الحمام وقام بأخذ حمام دافئ يفكر ماذا سيخبرها بشأن غيابه ويخاف أن تعلم وتقوم بمنعه.
خرج من الحمام وارتدى ملابسه ثم إلى السفرة.
كانت تجلس وتنظر إليه وكأنها تعلم ما يجول في خاطره.
تنحنح، ثم قال وهو يأكل طعامه: أنا مسافر.
وضعت الخبز من يديها وظهرت على وجهها علامات تساؤل كثيرة: مسافر ليه؟
تجنب النظر في عينيها وهو يقول: خريج ألسن إنجليزي وفي الآخر اشتغل في مطحن. مسافر عشان أدور على نفسي اللي مش لاقيها هنا، عاوز أحصد تعبي في المذاكرة سنين، عاوز أحس إني عملت حاجة.
يحيي: متأكد إن ده السبب؟
قالتها وهي تنظر له جيدًا بتفكير.
يحيي وقد نظر إليها: أيوه طبعًا، أومال إيه السبب. المشكلة مش مشكلتي لوحدي، المشكلة مشكلة جيل بيتعب وبيكون عنده أمل، وفي الآخر بتبقى دي النتيجة.
داده: ربنا يحقق مبتغاك. هتسافر إمتى؟
يحيي: المغرب كده.
نظرت له بتمعن قائلة: مش لازم النهاردة، خليك لبكرة. صحيح، أنت مسافر فين؟
يحيي: لأ، ماينفعش.
داده: ماينفعش ليه؟
يحيي: عشان، عشان حجزت وجهزت كل حاجة.
داده: طيب.
حمدًا أنها لم تعاود سؤاله عن مكان سفره لأنه يشعر بالذنب كثيرًا حيال الكذب عليها، ولكن ما باليد حيلة.
قام من على السفرة ودخل غرفته، أحضر حقيبة بذراعين تحمل على الظهر وقام بإدخال بعض ثيابه بها، وأدخل مذكرة كبيرة وثلاث أقلام.
أمسك صورة أبيه واحتضنها ثم وضعها في حقيبته.
تنهد قائلًا: كل حاجة هتبان، وأخيرًا هارتاح.
خرج من غرفته ممسكًا بظرف في يده، أخذ يبحث عن مربيته حتى وجدها تجلس على كرسي في شرفة المنزل.
جلس بجوارها ومن ثم أعطاها الظرف.
داده: إيه ده؟
يحيي: دي فلوس عشان لو احتجتي حاجة.
أعادت إليه الظرف قائلة: خليك معاك، أنت هتحتاج لهم أكتر مني.
يحيي: لأ يا داده، الحمد لله معايا اللي يكفيني.
وأعاده إليها.
نظرت للظرف قائلة: هتغيب عليا قد إيه يا يحيي؟
يحيي: فترة يا دادة.
داده: فترة كبيرة، صح؟ دي فلوس كتيرة.
يحيي: ربنا يسهل يا دادة، ولو احتجتي حاجة، علي موجود.
نظرت له بتمعن وهو كان يتجنب النظر في عينيها وينظر يمينًا وشمالًا.
مر الوقت بسرعة، حتى جاء وقت العصر، بدأ الهواء يشتد.
حمل حقيبته تاركًا غرفته وكان ينظر بكل ركن فيها وكأنه يودعها.
خرج منها حتى وصل لغرفة مربيته.
قبل يديها واحتضنها.
قالت في بكاء: أوعي تنساني يا يحيي، زي ما ابني نساني، عايزة لما أموت ألاقي اللي يكرموني.
شرعا في البكاء سويًا.
يحيي: مش هتأخر يا دادة، ربنا يديكي الصحة يارب، وبعدين إحنا هانكمل حياتنا سوا.
أخذت في احتضانه وهو يحتضنها بشدة، حتى مسحت دموعها.
يحيي: أشوف وشك بخير.
داده: سلم لي على الحبايب يا يحيي.
لم يفهم كلمتها ولكنه هز رأسه مبتسمًا.
خرج من غرفتها ثم عاد راكضًا احتضنها وأطال في احتضانه ثم غادر بدون أي كلمة.
كان واقفًا أمام منزله، أو بمعنى أصح، أمام منزل جدته، فمنزله كان قد تدمر وعمره خمس سنوات لقربه من البؤرة الخضراء.
غادر متثاقل الخطوات، يقدم قدمًا ويؤخر الأخرى، وكأنه يصارع الهواء من شدته.
حتى وصل منزل صديقه.
علي: يلا.
يحيي: يلا إيه؟
علي: هاوصلك.
يحيي: لأ، أنا مش هعرضك للخطر ده، أنا جاي أسلم عليك وأودعك.
علي: بلاش الوداع ده، أنت هاترجع.
احتضنه يحيي قائلًا: صاحبت كتير يا علي، بس عمري ما لقيت صاحب زيك، أنت أخويا مش صاحبي.
علي: يعز عليا فراقك يا يحيي.
يحيي: لو كان في العمر بقية، صدقني هارجع. دادة سامية يا علي، ماتسيبهاش.
علي: ماتخافش عليها يا يحيي.
احتضنه ثانية ثم غادر من منزله.
أصر عليه علي كثيرًا بأن يوصله، لكنه لم يوافق خوفًا عليه.
غربت الشمس معلنة الرحيل، ثم اشتد الهواء وأصبحت السماء أكثر زرقة من ذي قبل.
أسرع في خطواته حتى وصل للجبل، وبقت المهمة الصعبة تسلقه.
نظر للسماء فوجد الزرقة تتلاشى وبدأت تتلون بالأخضر.
بدأ في تسلقه الجبل وهو يواجه صعوبة الهواء وخوفه من عدم اللحاق بالبؤرة الخضراء.
اشتد الهواء كثيرًا، ويحيي يواجهه وكأنه محارب قوي.
حتى وصل لأعلى الجبل.
نظر إلى السماء والهواء يطيح به في كل الاتجاهات.
وجدها قد تلونت باللون الأخضر الغامق.
نعم، لقد اقتربت اللحظة الحاسمة، فقط تبقى الثقب الأسود.
رواية أماريس الفصل الرابع 4 - بقلم حنين عادل
كان ينتظر تشكيل الثقب الأسود وقد بدأ يتسلل الخوف إلى قلبه والتوتر.
نظر إلى السماء بدهشة كبيرة فاللون الأخضر الغامق تحول إلى لون آخر، نفس اللون الأخضر ولكن بدرجة أفتح بكثير، ثم بدأ وكأنه يتلألأ.
أخذ ينظر بدهشة كبيرة، كانت كحديقة لامعة، ما هذا الجمال؟
بدأت نقطة سوداء باحتلالها. كبرت وكبرت حتى أصبحت تتوسطها.
اشتد الهواء أكثر فأكثر فلم يعد يرى شيئاً.
أغمض عينيه فكانت الرمال تدخل بها. مسح عينيه ثم نظر مرة أخرى.
بدأ الثقب الأسود بالاتساع، كان صوت الهواء قوياً جداً.
"أماااااااااااااريييييييييييييس"
نظر حوله يميناً ويساراً، من الذي أصدر هذا الصوت المخيف؟ فلم يجد أحداً.
تعجب، كان الوحيد، أين البقية الذين قادهم فضولهم؟
أصبح يشعر باهتزاز الأرض من تحته.
نظر إلى الثقب الأسود فرأى دخاناً أسود على شكل دوامة تتطاير به أوراق زرقاء كأوراق الشجر.
دب الرعب إلى قلبه فأصبح يتراجع خطوة تلو الأخرى ثم بدأ بالجري.
اقترب منه الثقب الأسود فوجد نفسه طائراً في ظلمة سوداء يدور فيها.
شعر وكأن أحداً يعصر أضلاعه.
ثم أغمض عينيه مستسلماً لما يجري.
***
كان علي جالساً في منزله، كلما خرج من باب المنزل أعاده الهواء بداخله.
لم يستطع مقاومة الهواء فاستسلم وجلس بالداخل يشعر بالقلق والتوتر الشديد.
يدعو الله أن يحفظ صديقه.
يضرب رأسه ويضرب كفاً على كف، كيف طاوعه في إلقاء نفسه إلى التهلكة.
يدعو الله من قلبه خاشعاً.
***
كانت مربيته ترى كل شيء يحدث، تخبط النوافذ من شدة الهواء، تنظر للسماء بشرود.
زالت دهشتها من تكرارها، فقد رأتها ثلاث مرات.
***
استيقظ وفتح عينيه.
كانت الرؤية مشوشة أمامه، يرى كل شيء أحمر يميل للبرتقالي.
أسند بيديه على الأرض وقام محاولاً الوقوف بثبات، فهو يشعر بالدوار.
استعاد وعيه في دهشة: يا إلهي، أين أنا؟
ينظر حوله باستغراب شديد.
رفع رأسه للسماء فوجدها نفس اللون.
ظل يدور وهو لا يفهم شيئاً حتى قال بصراخ:
"حد هنااااا"
يأتيه صدى صوته مرة أخرى.
قال مرة أخرى:
"حد هناااا أي حد؟!"
"طيب أنا فين؟"
أمسك رأسه بخيبة أمل.
أخذ يسير ويبحث عن أي شخص وهو يشعر بالألم الشديد في رأسه.
وجد أن اللون البرتقالي تلاشى وأصبح كل ما حوله باللون الأصفر.
نظر إلى السماء فوجدها صفراء.
قال وهو ينظر في دهشة:
"أكيد أنا بحلم."
ظل يسير وهو مقتنعاً أنه يحلم وينتظر أن يصحو من هذا الحلم.
بعد مدة قد تعب من السير فجلس على الأرض.
نظر إليها وجدها خضراء.
أمسك بعض الرمال كانت خضراء.
نظر للسماء مرة أخرى وجد أن اللون الأصفر تلاشى وأصبحت خضراء.
لاحظ ملمس الرمال كانت كالنشاء.
قام بتقريبها من أنفه فوجد أن لها رائحة ذكية كالفانيلا.
قام بالتدقيق في ملمسها مرة أخرى فوجد أن لونها كان قد تغير للون اللبن.
نظر حوله فوجد كل شيء لونه لبني أزرق فاتح.
"يحيي: أحمر.. وبعدين برتقالي وبعدين أصفر وبعدين أخضر وبعدين لبني. دي زي ألوان قوس قزح لو أنا صح يبقي اللون اللي جاي أزرق وبعدين بنفسجي."
أردف قائلاً:
"وبعدين.. مش معقول كل ده حلم.. يعني ده حقيقي اللي أنا فيه ده أرض بتتغير كل شوية لون مختلف."
نفض الرمال عن يده وأكمل سيره على أمل لقاء أي أحد.
تغير لون كل ما حوله للون الأزرق.
"يحيي: صح.. يبقي اللون اللي جاي بنفسجي ياترى بعدها هايبقي لون إيه."
أكمل سيره مرة أخرى وهو لا يرى سوى صحراء ملونة باللون الأزرق لا غير، لا يوجد أي مظهر من مظاهر الحياة على هذه الأرض الغربية الملونه.
صرخ بخيبة أمل مجدداً:
"حد هناااا."
ولم يأتيه الرد.
تحول كل ما حوله باللون البنفسجي.
جلس مرة أخرى على الأرض من التعب.
قال ممازحاً نفسه:
"عايز اللون اللي جاي كشمير عشان أنا بحبه ههههه."
"أمارييييييس"
انتفض فجأة حين سمع صوت مرعب عالٍ يقولها.
زاد الخوف في قلبه وصار يتلفت يميناً ويساراً.
تلاشى اللون البنفسجي فجأة وتلونت السماء بلونها المعتاد الأزرق.
والأرض عادت كما هي برمالها الصفراء.
أشعة الشمس الذهبية كانت تحول رؤيته لما حوله.
رفع يديه يظلل عينيه حتى يرى ما يحدث.
وجد كل شيء طبيعي حوله.
نظر في ذهول: هل كنت أحلم أم ماذا؟ هل ما رأيته كان حقيقياً؟
نظر إلى السماء فوجد قوس قزح بمنظر رائع على مساحة كبيرة.
أخذ يسير ويتساءل في نفسه.
"يحيي: إيه الصوت اللي سمعته ده أنا سمعته برده لما البؤرة اتفتحت."
كان قد شعر بالعطش والجوع.
نظر بعيداً فوجد ماء.
قام بالجري ناحيته ولكن كلما اقترب ابتعد عنه.
فأيقن أنه سراب.
شعر أنه سيموت هنا لا محالة، لا ماء ولا طعام ولا مظاهر للحياة.
"يحيي: بس في أوكسجين يبقي أكيد في حياة هنا."
ثم أكمل:
"فين المحشي والبط بتاعك يا داده؟"
جلس على الأرض بتعب وهو يقول:
"أماريس."
فجأة ظهر أمامه ماء وطعام.
نظر بدهشة: كيف حدث هذا؟
قام بالفرك في عينيه للتأكد مما رأى فوجده أمامه.
"يحيي: الحمد لله.. ومحشي وبط طيب إزاي؟"
لم يبالي.
شرب من الماء وكأنه لم يشرب منذ سنين.
وبعدها بدأ في تناول الطعام.
انتهى من الأكل.
"يحيي: الأرض دي غريبة أوي يعني لما قولت نفسي في محشي وبط ييجي، يعني ممكن أما أطلب أي حاجة ألاقيها. اتجننت يا يحيي وبقيت بتكلم نفسك."
"حتى شنطتي راحت مني مع إني كنت لابسها بس علي قال إن البؤرة الخضراء مش بتدخل أشياء."
"وحشتني يا صاحبي."
قام بالسير مجدداً وهو يعتصر عقله من كثرة التفكير.
"يحيي: طيب هاجرب مش هاخسر حاجة أنا شكلي في أرض العجايب."
"يا أماريس عايز أشوف ناس مدينة أي حاجة."
ظهرت له مدينة على مساحة قريبة.
ضحك قائلاً:
"شكلها هاتحلو."
قام بالجري إلى أن وصل إليها ووقف عند بابها المرصع بالماس.
نظر له في دهشة، إنه باب كبير جداً من الذهب المرصع بالماس كان شديد اللمعان ذو منظر رائع.
"يحيي ضاحكاً: دلفة واحدة بس من الباب ده مش تحل مشاكل مصر دي تحل مشاكل العالم بحاله."
كان مقفولاً.
وضع يحيي يديه عليه ففتح تلقائياً.
دخل يحيي من الباب الكبير الذي أغلق خلفه.
نظر له في خوف ولكنه أكمل طريقه.
أخذ ينظر في انبهار منازل مبنية وكأنها على الطراز العثماني.
مبنية بإتقان كبير وألوانها متناسقة.
"يحيي: إيه ده ولا أجدعها مهندس شكلك يا أماريس عندك مواهب."
أخذ يفحص كل ما حوله بعناية وجد أن كل منزل له حديقة خاصة وبحر خاص به.
كان يشعر بالدهشة لكل ما يرى أمامه.
"يحيي: أنا ممكن أكون سافرت المستقبل والبؤرة دي آلة زمن. طيب عاوز أشوف ناس بقا."
وجد أكثر من شخص يخرج من بيته.
يرتدون ملابس فضفاضة وصلع وبشرتهم تميل للأحمر.
نظر لهم يحيي في خوف.
اقترب شخص منه.
وكلما اقترب خطوة ابتعد يحيي عنه خطوتين.
اقترب أكثر فأكثر ثم وضع يديه على كتفي يحيي قائلاً:
"چاما."
رواية أماريس الفصل الخامس 5 - بقلم حنين عادل
نظر له يحيي بخوف ولم ينطق بكلمة.
ليركع له هذا الشخص ويقول: چاما.
خرج الكثير منهم وركعوا ورائه قائلين: چاما.
أخذ يبتعد عنهم خائفًا، ثم جرى للباب وحاول فتحه ولكن لم يقو على فتحه.
اقتربوا منه وحملوه على أكتافهم وهو خائف.
ظلوا يسيرون وهو ينظر لما حوله والرعب يملأ قلبه.
حتى وصلوا لسلم كبير مزين بأوراق زرقاء وورد أزرق، وفي أعلى السلم كرسي ذهب كبير مرصع بالماس كباب هذه المدينة.
قاموا بالصعود على السلم حتى وصلوا للكرسي.
أنزلوه على الكرسي الذي حينما جلس عليه شعر بقشعريرة سرت في جسده.
ركع الجميع على السلم مهللين: چاما.
أخذ يحيي ينظر لهم باستغراب شديد وخوف أيضًا، فهو ما زال لا يفهم شيئًا مما حوله.
سمعوا صوت بوق عالٍ، فنزلوا على السلم سريعًا.
تعجب يحيي من سرعتهم.
وفجأة صعد على السلم أربع فتيات يرتدين فساتين بيضاء وشعرهن الأسود الطويل يصل إلى الأرض حتى أنه يسير وراءهن.
كانوا يخفون وجوههم ولا يظهر غير شعرهن.
اصطفوا أمامه وقاموا بالانحناء أمامه.
ثم قالوا: چاما!
يحيي: يا دي النيلة، هو مافيش غير چاما هنا؟
_ قل لي ما الذي يزعجك أيها المختار.
قام من على الكرسي ثم نظر بلهفة.
يحيي: انتي مين؟ اكشفي عن وشك.
_ انك تعرفني كثيرًا. لن أستطيع الكشف عن وجهي، فهذه مهمتك.
يحيي: مهمتي إزاي؟
_ من تختارها منا نحن الأربعة ستكون رفيقة دربك هنا إلى الأبد.
يحيي: إيه؟!
_ لا تستغرب، إنها قوانين أماريس. يجب عليك اختيار من ستكون بجانبك، من ستعلمك كيف تعيش في أماريس. لقد أطلت عليك الحديث أيها المختار، الآن عليك أنت تختار.
كان يطيل النظر لكل منهن، ولم يكن كل تركيزه مع حديثها، بل كان مع وجوههن كي يرى من يهتز وشاحه الذي يخفي به وجهه.
ولكن لا فائدة مما فعله الآن.
إنه يعلم أنها لانا لأنه قد سمع صوتها كثيرًا فعشقها.
أخذ يحدث نفسه قائلًا: هيا الآن قدامك يا يحيي، لو اخترت غيرها تبقى راحت عليك. دي بتقول رفيقتك للأبد، طب هاعمل إيه.
جاءه صوتها: سر وراء قلبك، فهو خير دليل.
أخذ يسير يمينًا ويسارًا أمامهن في توتر حتى توقف أمام واحدة منهن.
اقترب منها.
_ هل أنت متأكد من اختيارك؟
يحيي: متأكد.
_ إذن فلترفع عنها الوشاح.
اقترب أكثر فأكثر منها، وكلما اقترب زادت دقات قلبه.
ثم قام بإزالة الوشاح لينظر في دهشة.
لانا: هنيئًا لك أيها المختار، فقلبك قوي.
نظر لها يحيي بفرحة عارمة تلاشت عندما فكر لو أنه حلم.
لانا: إنه ليس حلم.
يحيي: انتي بتقرأي أفكاري ولا إيه؟
لانا: إننا متحدون معًا في العقل والقلب أيها المختار!
يحيي: أنا مش فاهم حاجة. أقولك مشي البنات دي وتعالي فهميني.
لانا: إن كل شيء هنا خاضع لأمرك الآن.
نظر لها يحيي في دهشة.
يحيي: دول مش بيقولوا غير كلمة واحدة، چاما.
لانا: ستفهم قريبًا أنهم يفهمونك جيدًا.
نظر يحيي للفتيات وقال: تقدروا تمشوا.
الفتيات سوياً: چاما. وغادروا.
قام يحيي بالجلوس على درجة من درجات السلم وأجلس لانا بجانبه.
يحيي: أنا مش فاهم أي حاجة هنا!
لانا: ما الذي لا تفهمه؟
يحيي: هو أنا لسه بحلم؟
لانا: ألم تدخل البؤرة الخضراء؟
يحيي: أيوه دخلتها.
لانا: أنت الآن في أماريس أرض الأحلام.
يحيي بخيبة أمل: يعني أنا بحلم؟
لانا: لا.. إنه ليس كحلمك وأنت نائم وبعدها تستيقظ. إنك في أماريس سميت بأرض الأحلام لأن كل ما تتمناه تجده هنا.
يحيي: أه فعلًا، أنا كنت جعان والأكل جالي.
لانا: هل فهمت الآن أيها المختار؟
يحيي: إيه حكاية المختار دي والأرض دي كده إزاي؟
لانا: لقد اختارتك أماريس لتكون أنت المختار. أنت ملكها لعشرين عامًا قادمة.
يحيي: بس أنا دخلت البؤرة بمزاجي.
لانا: تظن أنها بإرادتك، ولكنها إرادة أماريس. عندما تختار أحدهم تجعله مسلوب الإرادة.
يحيي: الموضوع شكله كبير.
لانا: ستعرف كل شيء عما قريب. الآن ارتح قليلاً ثم للحديث بقية.
يحيي: أرتاح فين؟
لانا: في قصرك!
يحيي: هو أنا ليا قصر؟
لانا: نعم، فأنت الملك الآن. هيا حتى أريك إياه.
سحبته من يده وهو وراءها.
قامت بوضع يده على علامة كف في منتصف الكرسي.
كان كباب سري أو ما شبه. انقسم الكرسي اثنين ليظهر جمال ما بداخله.
أغلق عينيه من شدة الإضاءة القادمة من الداخل.
دخلت لانا وهو وراءها مغمضًا عينيه.
لانا: افتح عينيك لترى هذا الجمال أيها المختار.
فتح عينيه ببطء ليتفاجأ بصورته على أحد الجدران، ولكن ما أثار دهشته أنه لون بشرته مائل للاحمرار كمن قابلهم.
أخذ يرجع خطوات للخلف وهو خائف.
لانا: لا تهلع أيها المختار، إنك لم تر شيئًا بعد.
أخذ ينظر للجدران المزخرفة بدقة وإتقان فائق ومرصعة بالذهب حتى ظن أن كل القصر من الذهب المرصع بالألماس.
وقف حينما رأى صورة أخرى له ولكن وهو في الخامس عشر من عمره!
كانت الدهشة لم تفارق وجهه.
أخذ يسير وراءها حتى يرى ما ينتظره.
لاحظ أنه بعد كل جدارين ونصف يرى صورة له.
والآن صورته وهو يبلغ من العمر عشر سنوات.
ظل يسير وراءها حتى استوقفته هذه الصورة.
وقف أمامها والدموع بدأت تتساقط من عينيه.
كانت صورته وهو طفل يبلغ من العمر خمس سنوات واقفًا يبكي وأمه تسبح في الدوامة السوداء مثلما حدث له!
أمسكت لانا بيده.
نظر لها محاولًا إخفاء دموعه.
لانا: لا داع لإخفاء مشاعرك أيها المختار، فقد أخبرتك أننا متحدون سوياً القلب والعقل. أعلم ما تشعر به وما يتضارب بعقلك من أفكار. سأحاول أن أجيب عنها كلها!
وقف يحيي أمام باب ففتح تلقائيًا.
نظر يحيي بدهشة قائلًا: إزاي دي زي أوضتي بالظبط!
لانا: ألم أقل لك أنك في أماريس أرض الأحلام!