تحميل رواية «امان كاذب» PDF
بقلم الاء محمد حجازي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
إيه صوت الزغاريط اللي عند عمي ده؟ هو في ايه؟ •ضحك أبوها وهو بيبصلها بعينين فرحانين: ده عادل، ابن عمك هيخطب. -عينيها لمعت، فرحتها اتفجرت من غير ما تفكر: بجد! هيخطب مين؟ كان جواها يقين إنه هيقول اسمها…لكن الكلمة اللي خرجت من بقه كسرت الدنيا: هيخطب سما، بنت خالته. •الأب مد إيده يطبطب على كتفها وقال بحنية: مبروك يا حبيبة بابا، وعقبال ما أفرح بيكي وأشوفك عروسة. ابتسمت له ابتسامة باهتة، كأنها بترسم الفرح على وشها غصب، وبسرعة جريت على أوضتها. قفلت الباب وراها، ورمت جسمها على السرير. دموعها نزلت غصب عنه...
رواية امان كاذب الفصل الأول 1 - بقلم الاء محمد حجازي
إيه صوت الزغاريط اللي عند عمي ده؟ هو في ايه؟
•ضحك أبوها وهو بيبصلها بعينين فرحانين:
ده عادل، ابن عمك هيخطب.
-عينيها لمعت، فرحتها اتفجرت من غير ما تفكر:
بجد! هيخطب مين؟
كان جواها يقين إنه هيقول اسمها…لكن الكلمة اللي خرجت من بقه كسرت الدنيا:
هيخطب سما، بنت خالته.
•الأب مد إيده يطبطب على كتفها وقال بحنية:
مبروك يا حبيبة بابا، وعقبال ما أفرح بيكي وأشوفك عروسة.
ابتسمت له ابتسامة باهتة، كأنها بترسم الفرح على وشها غصب، وبسرعة جريت على أوضتها.
قفلت الباب وراها، ورمت جسمها على السرير. دموعها نزلت غصب عنها، كتمت صرخة جوه المخدة عشان محدش يسمعها. قلبها كان بيتقطع، كأن حد شال منها الروح.
إزاي؟ إزاي بعد كل كلمة قالها لها؟ بعد كل وعد، بعد كل نظرة؟
ومخها بيرجعها لورا، لأول يوم قال لها فيه الكلمة اللي غيّرت حياتها.
كانوا قاعدين سوا في جنينة بيت جدهم. فجأة بصّ لها نظرة مختلفة، عينيه ثابتة عليها، وصوته هادي لكنه مليان صدق:
أنا بحبك.
-اتسمرت مكانها، وشها احمر، قالت بسرعة:
إنت بتقول إيه يا عادل؟ لأ، مينفعش.
عادل ضحك بخفة عشان يطمنها، ومال عليها وقال:
أيوه، بحبك. من زمان. ومش قادر أخبي تاني.
-عادل اللي بتقوله ده غلط، ولاحظ اني بنت عمك.
ضحك بخفة، قرب منها وقال:
يا بنتي، إنتي بنت عمي. إنتي خايفة مني؟ ده أنا اللي أخاف عليكي من الغريب.
سكتت، وهي بتحاول تهرب بنظرتها، لكنه مسك إيديها لأول مرة. حسّت بدفا لمساته، وقلبها بيرقص رغم خوفها.
قالها وهو بيشد على إيدها:
طب ما تيجي نخليها جد… واتقدملك.
-ردت بخجل وصوت واطي:
طيب، اتقدم حد ماسكك ولا اي؟
عادل ابتسم وقال بثقة:
أنا مستني ظروفي تتحسن، عشان لو روحت دلوقتي عمي ممكن يرفض. بس صدقيني، إنتي ليا أنا، وهتفضلي ليا.
قرب من إيديها، وبسها بخفة، وسابها من غير ولا كلمة تقدر تقولها. كل اللي عملته إنها نزلت عينيها في الأرض، وسكتت، لكن قلبها كان مليان فرحة.
ودلوقتي، وهي غرقانة في دموعها، بتفتكر المشهد ده وتحس إن البوسة اللي كانت دليل وعد ما كانتش غير بداية كذبة.
يا بنتي إنتي بنت عمي، يعني في الآخر ليا، مش هضحك عليكي.
الكلمة لسة بترن في ودنها لحد دلوقتي؟
والليلة، هو نفسه اللي بيفرحوا بيه مع غيرها.
الدموع غرقّت مخدتها، وكل ما تحاول تهدى، صوت ضحكه بيرن في ودانها.
افتكرت الليالي اللي كانوا بيسهروا فيها عالتليفون بالساعات، يفضل يحكي ويضحك، وهي تسمع نبرته اللي كانت بالنسبة لها أمان.
-مرة قالت له وهي بتضحك بخجل:
مش هتقفل وتنام؟
رد بسرعة:
أنام إزاي وأنا سايبك؟ طب قوليلي إنتي، هتكلمي مين غيري؟
وافتكرت غيرته اللي ما كانتش بتديها مساحة تتنفس.
مترديش على حد غيري. حتى صحابك البنات، خففي معاهم. أنا مش عايز حد ياخدك مني.
سكتت ساعتها، حسّت إن غيرته دليل على حبه، بس دلوقتي فاهمة إن الغيرة دي كانت أوهام بتغطي على كذبه.
ومرة جابت سيره الخطوبة، وقلبها مليان أمل:
عادل، مش هتيجي تخطبني بقى؟
ضحك ضحكة مترددة وقال:
لسه بدري يا حبيبتي. خليني أظبط وضعي الأول.
وفي مرة تانية، واجهته بجرأة:
أنا خايفة، لو حد تاني جه وتقدم لي.
صوته علا:
إزاي تقولي كده؟ إنتي بتاعتي أنا. فاهمة؟ محدش غيري ليه عين يقرب منك.
لكن كل مرة كانت النهاية وحدة، يتهرّب. يسيبها معلّقة على وعد مالوش ميعاد.
والليلة، سمعت الحقيقة المرّة: إن ميعاده جه، بس مش معاها.
***
كانت لسه في أوضتها، وقاعدة على طرف السرير، عينها على الأرض بس مش شايفة حاجة. دموعها كانت بتنزل في سكون، وهي بتقول لنفسها بصوت واطي متقطع:
لا… لا أكيد في حاجة غلط… أكيد بابا فاهم الموضوع غلط… عادل مستحيل يعمل كده… مستحيل.
الشك كان ماسكها من كل ناحية، بس الوجع كان بيعض في قلبها.
حست إن نفسها بيضيق، صدرها بيطلع وينزل بسرعة، والهوا بقى تقيل.
حطت إيدها على صدرها كأنها بتمنعه يفرقع من الوجع.
قامت فجأة، مش قادرة تقعد بين الجدران دي تاني. فتحت باب أوضتها، وطلعت على السلم وهي بالكاد شايفة قدامها من كتر الدموع.
وصلت للسطح، الهوا البارد ضرب وشها بس ما ريّحهاش… وقفت عند السور، مسكت إيديها في السور بقوة، ودموعها بتنزل بلا توقف.
رفعت وشها للسما، صوتها طلع مهزوز وواطي:
ليه… ليه بس؟ أنا لازم أفهم… لازم أفهم إنت ليه عملت كده يا عادل؟ ليه؟
قعدت على الأرض عند الحيطة، حضنت ركبتها وبقت تهز نفسها وهي بتبكي، دموعها ما وقفتش.
قعدت كده شوية طويلة، الدموع بتنزل والصوت بيطلع مبحوح من حلقها.
مسحت دموعها بإيدها المرتعشة، طلعت الموبايل من جيبها، بصت على اسمه وهي مترددة.
ثم همست وهي بتبص على صورته:
أنا لازم أعرف، لازم أسمعها منك إنت.
وضغطت زر الاتصال.
الرنين بدأ، والهوا لسه بيلفح وشها والدموع على خدها.
عادل رد من أول رنة، وصوته طلع متوتر:
الو..... اذيك يا جميلة
جميلة ما قدرتش تقول غير:
تعالى، تعالى فوق علي السطح.
قفلت، بس دموعها مش بتوقف. أول ما سمعت خطوات وراها والتفتت، شافته.
عادل.
قرب منها بخطوات تقيلة، وهي وقفت متسمّرة مكانها.
قال بصوت واطي:
جميلة…
-دموعها غرقت وشها، لكن صوتها خرج مرتعش:
الكلام ده بجد؟ انت خطبت؟
سكت لحظة، بص بعيد وكأنه بيهرب، وبعدين قال:
أيوه.
الكلمة كسرت قلبها في لحظة. اتجمّدت، وإيديها وقفت في الهوا، والدموع بتنزل من غير صوت. بعد ثواني، شهقت شهقة قوية وقالت بصوت مبحوح:
إزاي؟! إزاي تعمل كده؟! بعد كل حاجة قلتها لي؟ بعد كل كلمة؟!
قربت منه، عينيها كلها وجع:
طب ليه ما خطبتنيش أنا؟ ليه سيبتني أعيش على وعودك؟ ليه عشّمتني؟
~عادل شد نفسه لورا، صوته بقى حاد:
عشان أنا ما كنتش شايفك زي ما إنتي شايفاني.
-اتجمدت أكتر، دموعها نزلت بغزارة:
إيه؟ يعني إيه؟!
~عادل قال ببرود:
أنا عمري ما شفتك زوجة لي. إنتي كنتي مجرد وقت، مجرد حاجة بتهوّن عليا. كنتي موجودة، بس مش غالية.
شهقت، وحطت إيدها على صدرها:
مجرد، وقت؟! أنا اللي كنت بحلم بيك كل ليلة؟! أنا اللي كنت بدعيلك في كل سجدة؟!
~ عادل قطع كلامها، وصوته أقسى:
إنتي اللي سمحتي لنفسك تصدقي الوهم. أنا كنت بقول كلام، وإنتي صدقتيه. كنت محتاجة تصدقي أي حاجة، وأنا ادّيتك اللي عايزة تسمعيه.
-جميلة دموعها اتضاعفت، وعينيها زغللت:
ليه؟! ليه تعمل كده؟! ليه تخليني أصدقك؟!
~عادل ضحك ضحكة قصيرة، لكنها جارحة:
لأني كنت عارف إنك هتصدقيني. إنتي ضعيفة يا جميلة. كل كلمة كنت أقولها، كنتي تمسكي فيها كأنها حياة أو موت.
-انهارت أكتر، صوتها عالي:
أنا ضعيفة لأني حبيتك! أنا ضعيفة لأني صدقتك! طب إيه ناقصني؟ هي فيها إيه عني؟!
~عادل صوته بارد، وكل كلمة بتقطعها:
هي فيها اللي إنتي ما عرفتيش تحافظي عليه، احترامها لنفسها. ما مدتش إيدها، ما ادّتش ودنها لكلام، ما خلتنيش أصدق إني أملكها. إنتي كنتي معايا بكل حاجة، من غير ما أطلب.
-جميلة دموعها غرقت وشها، وقفت مكانها متجمدة كأنها حجر:
يعني، أنا ما استاهلكش؟
~عادل قال بقسوة:
إنتي ما استاهلتيش حتى أحلم بيكي.
الكلمة كسرت ضهرها، شهقت شهقة قوية، وإيديها نزلت ترتعش.
ليه يا عادل؟! ليه تعمل كده؟! أنا اللي كنت كل ليلة أدعيلك، أنا اللي كنت أقول لنفسي إنك ليا. ليه تبيعني؟!
~عادل بص لها ببرود، وصوته تقيل:
عشان إنتي كنتي عايشة حلم لوحدك. أنا عمري ما وعدتك بحاجة. إنتي اللي مسكتي في كل كلمة صغيرة وكبّرتيها.
-صرخت:
كلامك ده كان حياة لي! إنت اللي قلت لي بحبك! إنت اللي مسكت إيدي وقلت لي إنتي خطبتي! إنت اللي عشّمتني!
~عادل قرب منها خطوة، عينيه جامدة:
عشّمتك؟ لأ، إنتي اللي عشّمتى نفسك. كنتى محتاجة أي كلمة تسمعيها. وأنا كنت بلعب، بلعب بكلام.
-جميلة دموعها نزلت غزيرة، جسمها كله بيرتعش:
ليه؟! ليه تجرحني كده؟! أنا عملت لك إيه؟!
~عادل رفع حاجبه بسخرية:
إنتي عملتى كتير، إنتي خلتيني أشوف إنك مش مختلفة عن غيرك. كنت فاكر فيكي حاجة مميزة، بس لقيتك عادية، أضعف من العادي كمان.
-شهقت:
عادية؟! بعد ما حطيتك فوق الكل؟ بعد ما خليتك دنيتي كلها؟!
~عادل ابتسم بسمة قاسية:
وأنا عمري ما حطيتك حتى في بالي. إنتي كنتي موجودة، لحد ما لقيت اللي تستاهل.
-دموعها اتضاعفت، وقفت قدامه عاجزة:
هي فيها إيه عني؟ قولي، قولي إيه عندها مش عندي؟! قولي ازاي قدرت تعمل فيا كدا، ازاي هونت عليك كدا ازاي حطيت واحدة تانية مكاني!
~عادل بصوت بارد، وجارح:
فيها عقل. فيها كرامة. فيها اللي يخليها توقف قصادي وما تتهزش. فيها اللي خلاني أحترمها. إنما إنتى، من أول كلمة لي وقعتِ، ومن أول نظرة سلمتى نفسك، مش محتاجة تفاصيل. إنتي ما كنتيش تحدي.
-جميلة وقفت كأنها اتشلّت، شهقتها عالية، والدموع مغرقاها:
يعني، كل اللي بينا كان كدب؟!
~عادل رد من غير ما يرمش:
كان تسلية. وإنتي صدقتي التسلية دي، وعشتِ فيها وكأنها حياة.
-جميلة صرخت، صوتها عالي لدرجة يتسمع من بعيد:
حرام عليك! ليه كده؟! ليه تموتني وأنا عايشة؟!
~عادل رجع خطوتين، صوته اتقسى أكتر:
لأنك صدقتي إنك مختلفة، وإنتي ما كنتيش. إنتي كنتي مجرد محطة.
وقفت تتنفس بصعوبة، إيديها على صدرها، جسمها بيهتز من البكاء.
وبعدين وقعت على ركبها، بتمسك الأرض بإيديها وتبكي، صوتها بيتقطع:
أنا، أنا كنت بحبك بجد، ليه تذلني كده؟ ليه؟!
وهو واقف قصادها، سايبها تنهار، وكلامه الأخير نزل عليها زي خنجر:
والحب مش كفاية يا جميلة، وأنتي عمرك ما كنتى كفاية ليا.
– طب أنا بنت عمك، يا عادل، ليه تعمل فيا كده؟! مش إنت اللي قلت لي أنا هحافظ عليكي من الغريب؟ يا شيخ، يا ريتك كنت سبتني للغريب! كان أهون من كسرتك لي.
سكتت ثواني، شهقة قوية قطعت نفسها، وبصت له بعيون كلها وجع:
– إزاي إنت اللي كنت أماني، تبقى أول واحد يهدّني؟!
~عادل شد نفسه لورا، صوته قاسي، كلماته تقيلة زي الطعن:
إنتي اللي عملتى في نفسك كده. أنا ما غصبتكيش على حاجة، إنتي اللي صدقتي، إنتي اللي سلمتى قلبك لكلام. محدش خلاكي غيرك.
الكلمات وقعت عليها زي الحجارة، رجليها تراجعت خطوة لورا، حسّت كأن الأرض بتسيبها.
وفجأة، صوت جاي من وراهم، تقيل وقاطع:
وأنت يا عادل، عملت حساب لعمّك؟ لو هي غلطانة، فالغلط بيرجع لك إنت قبلها.
الهواء اتجمد في لحظة.
جميلة شهقت، وعادل وشه اتبدّل، عينه اتسعت بخوف…
رواية امان كاذب الفصل الثاني 2 - بقلم الاء محمد حجازي
فجأة، صوت جاي من وراهم، تقيل وقاطع:
وأنت يا عادل، عملت حساب لعمّك؟ لو هي غلطانة، فالغلط بيرجع لك إنت قبلها.
الهواء اتجمد في لحظة.
التفتوا بسرعة، جميلة شهقت واتجمدت مكانها، وعادل وشه اتبدّل، عينه اتسعت بخوف…
كان واقف… أبوها.
وشه أحمر من الغضب، وعينيه كلها دموع مقهورة، نازل يقرب بخطوات تقيلة، صوته بيرجّ السطح.
من غير كلمة، مد إيده بالقلم على وش عادل.
الصفعة دوّتت، خلّت عادل يرجع خطوة لورا.
صرخ الأب فيه:
إنت كلب! تعمل كده في بنت عمّك؟! ده أنا ياما وقفت جنبك، سترتك، وقلت للناس ده زي ابني! وده رد الجميل؟ تجرّح بنتي وتبهدلني معاها؟!
التفت على جميلة، عينه كلها دموع غضب:
وانتي يا جميلة، كسرتيني! كسرتي ضهري!
جميلة شهقت، دموعها اتفجرت أكتر:
بابا… أنا ما…
القلم نزل على خدها، وصوته خرج مكسور من الوجع:
أنا ما رضيتش أتجوز بعد أمك الله يرحمها علشانك! ربيتك على الصلاة، وعلى الصوم، على الحق! علمتك ما تكذبيش، علمتك تصوني نفسك! وكنت أقول يا رب أشوفك تاج فوق راسي، وفي الآخر تكسّري تربيتي فيكي؟
جميلة دموعها نزلت وهو بيهزها من كتفها:
أنا كنت طول عمري أقول: جميلة بنتي غير! ضحيت بعمري كله علشانك، ما عشتش لنفسي، وفي الآخر أسمع إنك سيّبتِ كلب زي ده يضحك عليكي؟! ليه يا جميلة؟! ليه تخسريني فيكي؟!
جميلة وقفت متسمّرة، مش قادرة حتى تدافع عن نفسها، دموعها بس بتنزل بغزارة.
الأب لف على عادل تاني، صوته عالي، بيجلجل:
وأنت… إنت ما اتكسفتش؟! تعمل كده في بنت عمّك؟! ده أنا سترتك، وقفتك على رجلك، وقلت ده هيبقى راجل! وده اللي طلع منك؟ تقتل بنتي وهي عايشة؟!
عادل واقف ساكت، ما قدرش يرفع عينه في أبوها.
السطح كله اتملأ صمت ثقيل، غير شهقات جميلة، وغضب أبوها اللي مالي المكان.
وفجأة عادل رفع عينه بخوف، صوته متلخبط وهو يحاول يبرر:
يا عمّي… أنا… يسـ…
الأب قطع كلامه بصوت هز السطح:
اسكت! أنا كنت معتبرك ابني… ابني يا عادل! كنت أقول للناس: ده اللي هيسندني في شيبتي. كنت فرحان لخطوبتك كأني أنا اللي هتجوز! ده أنا اللي كنت أقف في وش أبوك وأقول له: سيبه، أنا أعلّمه وأوقفه على رجله. وفي الآخر… تعمل كده في بنتي؟!
عادل حاول ينطق تاني، صوته مهزوز:
والله ما قصدي… أنا بحب…
الأب زعق فيه، وقال بغضب:
تحب إيه؟! تحب بنتي وتكسّرها كده؟ بدل ما تحميها من الغريب زي ما كنت تقول لها، طلعت إنت الغريب اللي كسّرها بإيدك. إنت كنت الأمان، بقيت الخطر. كنت الرجولة، طلعت خيبة. إنت يا عادل جرحتها جرح عمره ما يلتئم.
جميلة غطت وشها بإيديها، تنهيدة طويلة خرجت من صدرها وهي بتعيط زي الطفل.
الأب مد إيده، شدها من دراعها بقسوة، صوته بيرتجف من القهر:
تعالي معايا. مش هسيبك هنا لحظة.
وبص لعادل آخر بصّة، زي السيف:
إنت ما بقتش ابني، ولا حتى راجل أعرّفه. أنا كنت راجل جنبك، وإنت طلعت ولا حاجة. خسرتني، وخسرت بنتي. من النهارده انت غريب عني.
نزل علي السلم وهو ماسك جميلة بقسوة، هي بتبكي وأنفاسها متقطعة، صوته هو وهو بينزل بيترنح من الوجع:
ليه يا جميلة؟ ليه كسرتيني بعد ما كنتي كل حياتي؟!
وعادل واقف فوق السطح، عينه في الأرض، ووشه كله انكسار، ما قدرش يرفع صوته ولا حتى كلمة.
-----------------------
دخلوا الشقة، الباب اتقفل بقوة.
و جميلة وقفت قدام أبوها، وشها غرقان دموع، وهو لسه قلبه مولّع من القهر.
الأب قعد على الكرسي، مسك راسه بإيده وقال بصوت مبحوح:
ليه يا جميلة؟ ليه عملتِ فيا كده؟ أنا كنت شايفك ملاك، بنتي اللي ربيتها على عيني، ليه يا بنتي؟
جميلة وقفت ترتعش، ودموعها نازلة زي المطر، وقالت وهي بتشهق:
والله غصب عني يا بابا، أنا حبيته، والله ما كنت عايزه أوصل لكده، قلبي هو اللي ودّاني، أنا ضعفت، ضعفت يا بابا.
وقعت على ركبها قدامه، العياط هز جسمها كله، وكملت بصوت مخنوق:
بس هو، هو كسرني يا بابا. ده وجّعني، خد كل حاجة ورماها كده… ده كسرني من جوا.
الأب قلبه اتوجع على بنته، وعينه دمعت غصب عنه. شدها بقوة في حضنه، وهي بتعيط زي الطفلة الصغيرة، وهو يربّت على ضهرها بصوت متقطع:
يا وجع قلبي عليكي، يا خسارة تعبي، يا خسارة عمري كله فيكي.
وبعد لحظات من صمته، شدها بعيد عنه بقسوة، عينه بقت نار:
كفاية. من النهارده مش هتفضلي هنا. جهّزي حاجتك، إنتِ هتروحي تقعدي مع خالتك في إسكندرية. مش عايز أشوفك قدامي.
جميلة وقفت تبص له بصدمة، دموعها بتنزل أكتر، وهي تهز راسها:
لا يا بابا، بالله عليك، أنا مش هقدر أسيبك، مش هقدر أبعد عنك… يا بابا عشان خاطري!
مدت إيديها له، تحاول تمسكه، وهو لف وشه للناحية التانية، قلبه بيتهز بس صوته طلع قاسي زي السيف:
خلص الموضوع يا جميلة. جهّزي شنطتك، قبل ما أشوفك بعيني تاني.
وقام، دخل أوضته وهو يقفل الباب وراه بقوة، سايب جميلة واقعة على الأرض بتعيط وتنادي:
يا بابا، يا بابا بالله عليك ما تبعدنيش عنك، يا بابااا!
---------------------
تاني يوم نزلت من القطر، الشنطة تقيلة على إيدها، والخطوات أبطأ من إنها تبين إنها ماشية، كانت ماشية بجسمها بس، لكن روحها لسه عند بيت أبوها. عينها منتفخة من كتر البكا، وقلبها متقطع:
بابا زعلان مني، وعادل داس على قلبي برجله،
و أنا بقيت إيه دلوقتي؟
جميلة طلعت سلالم العمارة بخطوات تقيلة، الشنطة على كتفها قلبها بيصرخ أنا مكسورة يا بابا، أنا موجوعة.
كل سلمة كانت بتحسها كأنها جبل فوق صدرها.
وهي طالعة، دموعها عايزة تنزل تاني، دماغها مش في الطريق خالص، تخبط فجأة في شاب نازل بالعكس.
الخبطة كانت جامدة لدرجة إنها اتمايلت وقالت بانفعال:
خلاص بقى! هو أنا مكتوبلي حتى وأنا مكسورة ألاقي اللي يضايقني؟!
الشاب بصلها باستغراب، شال إيده من جيبه وقال بهدوء:
إنتي اللي خبطتى فيا على فكرة.
آه ما هو دا اللي ناقص، تلومني كمان!
ده بدل متعتزر.
الشاب انحنى يلم الشنطة اللي وقعت من إيدها، وهي شدتها بسرعة وقالت بحدة:
سيبها! أنا مش محتاجة مساعدتك.
وقف مكانه، عينه فيها برود غريب، وقال جملة هزتها:
اللي مش محتاج مساعدة بيكون واقف على رجليه،
و إنتي شكلك واقعة من زمان.
الكلمة جرحتها زي السكينة. وقفت متسمرة، قلبها بيدق بسرعة.
عايزة ترد بس لسانها اتعقد، دموعها كانت بتلمع في عينيها.
هو كمّل نزوله عادي جداً كأنها ما قالتش حاجة.
لكن هي وقفت مكانها، إيدها بتترعش على الشنطة، تهمس لنفسها:
واقعــة… آه… عنده حق… وقعت من زمان.
واقفت قدام شقة خالتها وروحها لسه متعلقة بكلمة غريب قالتها إيدٍ غريبة، لكن حسّت إنها بتوجعها أكتر من كل الزعل اللي شايلها.
فاضلت واقفة و قلبها متلخبط ودموعها بتتحبس بالعافية.
أول ما فتحت خالتها الباب، ما استحملتش…
رمت شنطتها على الأرض وارتمت في حضنها، حضن قوي كانت محتاجاه من زمان.
خالتــي، قالتها بصوت متقطع وسط شهقات البكا.
خالتها مسكت وشها بين إيديها وقالت بلهفة:
مالك يا جميلة؟ ليه وشك عامل كده؟ في إيه يا بنتي؟
جميلة ما قدرتش ترد، بس فضلت تعيط وتنهار أكتر، دموعها نازلة بحرقة وصوتها مخنوق.
كسرني يا خالتي، ده أنا ما صدقت أفرح، لقيت الفرح قلب وجع.
شدتها خالتها جوة وقعدتها على الكنبة، وهي بتمسح دموعها بإيدها:
طب اهدى يا حبيبتي وقوليلي إيه اللي حصل؟
جميلة مسكت إيد خالتها بقوة، كأنها بتتعلق بآخر طوق نجاة:
عادل يا خالتي، اللي كنت فاكره حيعيشني ملكة، طلع باعني ورمى كلامه في الهوا. اتقدم لبنت خالته، وأنا اللي كنت بصدق كل وعد وكل كلمة حب منه!
صوتها اتكسر أكتر:
وأبويا، أبويا اللي طول عمره سندي، زعل مني وقال لي كسرته! صدقيني يا خالتي أنا ما عملتش حاجة غلط، بس لقيت نفسي متهمة ومرمية من حضنه.
الخالة حضنتها تاني وهي بتربت على شعرها:
يا حبيبتي يا جميلة، الدنيا ساعات بتوجعنا علشان تورينا مين يستاهل ومين لا. إنتِ لسه في أول الطريق، وربنا هيعوضك.
جميلة قفلت عينيها وسط حضنها، بس دموعها ما وقفتش، كأنها بتغسل قلبها من غدره وكسرة أبوها بسببها.
وفجأة قامت واخد وقالت انا مش مسامحه نفسي على اللي عملته ونهارت في العياط:
خالتها مسكتها من كتفيها بلطف وقالت:
اقعدي يا حبيبتي، اقعدي هنا واحكيلي اللي حصل من الأول.
جميلة قعدت على الكنبة، دموعها لسه على خدودها، وصوتها متقطع:
مش قادرة يا خالتو… بس هقول لك.
بدأت تحكي كل حاجة وهي مقطّعة الكلام، إحساسها، اللي حصل في بيت أبوها، وجعها من عادل. ما قالتش تفاصيل صغيرة، بس وصّلت خيانة الثقة اللي حسّت بيها.
ولما خلصت الكلام، نزلت دموعها تاني وقالت بسرعة قبل ما خالتها تتكلم:
قبل ما تقولي أي حاجة يا خالتو، أنا عارفة إني غلطانة. عارفة إن أنا اللي وقعت نفسي.
خالتها قربت منها ومسكت إيديها:
الغلط مش عليكِ لوحدك يا حبيبتي، كلنا بنغلط. بس إنتِ حبيتي الشخص الغلط.
جميلة هزّت راسها بيأس وقالت بصوت مبحوح:
مافيش حاجة اسمها حب أصلاً يا خالتو… كله كدب.
الخالة ابتسمت بحنية رغم دموعها وقالت:
لا يا جميلة، في حب. مش هو اللي عمل فيكِ كده. الحب الحقيقي موجود. مش ربنا سبحانه وتعالى قال في القرآن عن الرحمة والمودة بين الزوجين؟ مش سيد البشر كله، سيدنا محمد ﷺ، عاش عمره كله يحب سيدتنا خديجة؟
جميلة رفعت عينيها لخالتها، كلامها بيخترق قلبها، وهي لأول مرة تحس إن لسه فيه معنى للحب غير اللي وجعها.
الخالة ضمّتها تاني وقالت:
وجعك مش نهاية حياتك يا بنتي. ده بداية تتعلمي منها مين يستاهل ومين لا. وربنا هيكتب لك الخير اللي يفرح قلبك.
جميلة حطت راسها على صدر خالتها، ودموعها بتنزل بهدوء المرة دي، مش بانهيار… لكن كأنها بتطلع وجعها على أمل يطلع معاها.
كانت جميلة لسه راسها على صدر خالتها، بتحاول تهدي نفسها. فجأة رن جرس الباب.
انتفضت جميلة بخضة… قلبها دق بسرعة من غير ما تعرف ليه.
خالتها قالت بهدوء:
روحي افتحي يا حبيبتي يمكن تبقى بنت الجيران.
مسحت دموعها بسرعة، قامت بخطوات مترددة لحد الباب.
فتحت…
وعينيها اتسعت من الصدمة.
تجمدت مكانها، وصوتها خرج متكسر ما بين وجع وغضب:
إنت؟!… إيه اللي جابك هنا؟! هو أنا ناقصاك إنت كمان؟!
اللي واقف على الباب رفع عينيه بهدوء،…
رواية امان كاذب الفصل الثالث 3 - بقلم الاء محمد حجازي
جميلة وقفت مصدومة أول ما شافت اللي على الباب.
"إنت؟! إيه اللي جابك هنا؟! هو أنا ناقصاك إنت كمان؟!"
رفع حاجبه باستغراب وقال بنبرة هادية بس فيها لمعة تحدي:
"لا، مش إيه اللي جابني أنا، إنتي اللي بتعملي إيه في بيت أمي؟"
اتسعت عينيها أكتر، اتلفتت بسرعة ناحية خالتها وقالت بانفعال:
"إيه ده يا خالتي؟! إنتِ خلفتي من ورايا ولا إيه؟! لحقتي جبت الشحط ده كله ؟!"
ضحكت خالتها بهدوء وهي تهز راسها وقالت:
"تعالى يا رحيم يحبيبي، دي جميلة بنت أختي."
وبصّت لجميلة وهي تمسح على إيدها:
"وده يا جميلة، رحيم، ابني… ابن قلبي."
جميلة اتجمدت مكانها، عينيها رايحة جاية بين خالتها ورحيم، وقلبها بيقول: إزاي… إزاي يكون ده ابنها؟
"والله أنا مش فاهمة حاجة يا خالتي…!"
الخالة مسكت إيدها تهديها وقالت:
"ده ابن جوزي يا حبيبتي، وأنا اللي ربيته على إيدي من يوم ما أمه ماتت، يعني زي ما يكون ابني من صلبي."
رحيم ضحك ضحكة قصيرة وهو رافع حاجبه باستفزاز:
"صحيح انا شحط؟! بصي لنفسك الأول يا شبر ونص، مش باينة من الأرض أصلًا."
جميلة اتنفضت من كلامه وردت بعصبية:
"شبر ونص؟! والله أنا أطول من عقلك اللي مش واصل أصلاً!"
رحيم بسخرية:
"عقلي على الأقل واصل، مش زيكي واقف في الطرقة مش عارف يروح فين."
جميلة متقدمة عليه وبتشاور بإيدها:
"يا قليل الذوق! أنا كنت أظن اللي ربيتوا خالتي يبقى مؤدب، طلعت قليل التربية."
رحيم بيسخر ويقرب منها:
"قليل التربية؟ لا يا قمر، دي شطارة، إنتي اللي واخدة مقلب في نفسك."
جميلة حاولت تهجم عليه وهي مولعة:
"ياااهبل!"
رحيم شد نفسه وقال:
"يا مجنونة!"
الخالة ما استحملتش صراخهم، دخلت بسرعة بينهم وزعقت بأعلى صوتها:
"كفااااية! إيه العك ده؟! إنتو جايين تعيشوا عندي ولا جايين تولعوا في البيت من أول يوم؟!"
جميلة ردت وهي بتتنفس بسرعة من الغضب:
"أنا مش ناقصاه يا خالتي، خليه في حاله."
رحيم ضحك بخبث وقال بهدوء:
"وأنا كمان مش ناقصك، بس باين إننا لسه هنقعد مع بعض كتير."
الخالة مسكت راسها من الغيظ وقالت:
"يا ساتر يا رب! ده أنا شكلي هتجنن بينكم."
رحيم بستفزاز:
"قال شحط قال؟! طب ما تبصي في المراية يا عروسة… إنتي أصغر من إنك تفتحي بقك عليا."
"أصغر؟! لا يا حبيبي، أنا أكبر من إني أتعامل مع حد لسانه أطول من عمره."
رحيم بسخرية:
"على الأقل لساني بيرد، مش زيكي!"
"علي فكره انت عديم الأدب!"
رحيم واقف ثابت وبارد:
"وإنتي يا عديمة الصبر."
الخالة اتصدمت من صوتهم العالي وهي شايفة الاتنين هيمسكوا في بعض، صرخت:
"كفااااية! هو إيه قلة الأدب دي؟! أول ما شوفتوا بعض قلبتوا البيت ساحة حرب؟!"
***
عدّى أسبوعين تقيلين على جميلة.
أسبوعين من رُخامة رحيم اللي ما بيسيبش فرصة إلا ويستفزها بكلمة أو ضحكة أو تعليق يوجع.
كل مرة تحاول تطنّش، بس كلامه بيعلق في قلبها زي السهم.
وبالليل، لما الكل بينام، كانت جميلة بتقعد على سريرها في أوضة خالتها، ماسكة المخدة وتكتم صوت بكاها.
دموعها بتنزل غصب عنها، مش قادرة توقفها… قلبها موجوع من اللي حصَل، من زعل أبوها، من خيانة عادل، ومن استفزاز رحيم اللي كأنه بيتلذذ يزود جرحها.
كانت بتبكي لدرجة إن خالتها في مرة فتحت عليها الباب فجأة، لقت عينيها متورمة، فبصتلها نظرة طويلة من غير ما تقول ولا كلمة… وسابت الباب مقفول بهدوء.
لكن رحيم كان سامع. سامع صوت بكاها كل ليلة… وصوته جوا دماغه يتهامس:
"ليه دموعها وجعاني؟ وليه مش قادر أطنّشها؟"
وفي يوم كانوا قاعدين في الصالة بالليل، التلفزيون شغال بصوت واطي وخالتها ماسكة الموبايل. وجميلة قاعدة قدام رحيم، سرحانة.
فجأة قال لها رحيم بنبرة جادة:
"قوليلي يا جميلة، إنتي مؤمنة بالحب؟"
جميلة رفعت حواجبها باستغراب وضحكت بسخرية:
"حب؟! لأ طبعًا، ما فيش حاجة اسمها حب."
رحيم عقد حواجبه وقال:
"إزاي يعني ما فيش؟"
جميلة ردت وهي متأكدة:
"لأن كل ده كلام فاضي. الناس اخترعوا فكرة الحب عشان يعيشوا في وهم. مفيش حاجة اسمها حد يفضل مع حد عشان بيحبه… كله مصلحة، كله وقت وبيخلص."
رحيم قعد أقرب وقال بهدوء:
"لا، الحب موجود، بس مش أي حد يستحقه."
جميلة رفعت صوتها شوية:
"لأ، مش موجود، مجرد كلمة. ولو موجود زي ما بتقول، كان بان. فين؟! أنا عمري ما شفته، ولا صدقت إنه ممكن يبقى حقيقي."
رحيم قال بثقة:
"مش عشان إنتي ما شفتيهوش يبقى مش موجود. في حاجات كتير ما بنشوفهاش بعينينا بس بنؤمن بيها، زي الإخلاص، زي الرحمة. الحب زيهم."
جميلة بصت له بحدة وقالت:
"بس في الآخر كله خيانة وخداع. الناس بتقول بحبك ويوم تاني يسيبوا ويمشوا."
رحيم هز راسه وقال:
"دول مش بيحبوا، دول بيلعبوا. الحب الحقيقي مش بيكسر ولا بيخون، الحب عهد."
جميلة ضحكت بسخرية:
"عهد؟! كأننا في فيلم رومانسي. الحقيقة إن اللي بتسميه عهد ده مش موجود غير في الكتب والأفلام."
رحيم اتنهد وقال بجدية أكبر:
"موجود، في رجالة بجد لو قالوا كلمة يقفوا قدام الدنيا عشان ينفذوها. وفي ستات لو حبت تدي عمرها كله في مقابل اللي بتحبه. الحب مش كلمة يا جميلة، الحب فعل."
جميلة بصت له باستغراب، مستغربة من جديته اللي أول مرة تشوفها فيه:
"إنت… إنت بتتكلم كأنك مقتنع أوي، مع إنك طول الوقت بتستفزني."
رحيم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"يمكن عشان أول مرة ألاقي حد ينفع أتكلم معاه بجد."
الجو سكت لحظة، جميلة مش لاقية رد.
وهنا خالتها رفعت راسها من على الموبايل وقالت بخبث:
"الله! إيه الكلام الكبير ده يا ولاد؟ شكلي داخل على مسلسل تركي في بيتي."
جميلة اتنفضت وقالت:
"خالتي! هو كل حاجة هزار عندك؟!"
رحيم ضحك بخفة وقال:
"لأ يا أمي، بس يمكن تبقى بداية قصة جديدة."
الخالة ابتسمت وهي تبص لهم بمكر:
"وأنا قاعدة أتفرج."
***
بعد كام يوم جميلة قاعدة في أوضتها، قلبها تقيل من الأيام اللي فاتت، زعل أبوها، كسر عادل ليها، وكل حاجة حست إن الحياة مش عادلة.
همست لنفسها بصوت واطي:
"ليه الدنيا كده، ليه كل حاجة بتعدي عليا وأنا مش عارفة أتحرك؟"
مسكت وشها بإيديها، حاولت تمنع دموعها اللي واقفة في عينيها، بس كل ما تفتكر رحيم… الشخص الغامض اللي حسيت معاه براحة، ضحكته اللي غريبة… قلبها بدأ يدق بسرعة.
قالت لنفسها:
"أنا ليه بفكر فيه بالشكل ده… ليه بحس بالراحة وأنا معاه… حتى وهو مجرد شخص غامض؟"
قعدت شوية ساكتة، دماغها بتلف جوه نفسها، بين الحزن والغضب والكسر اللي جوه قلبها، كل مشاعرها متشابكة، كأنها مش قادرة تفرق بين الغضب والفضول والحنين لأي حاجة كانت كويسة قبل كده.
فجأة سمعت صوت خالتها من الصالة، فيه استعجال:
"جميلة! يلا تعالي بسرعة، أبوكي هنا!"
فجأة نطت من مكانها، رجليها مرتجفة، قلبها بيدق بسرعة. ركضت على الباب وفتحته، ولقت أبوها واقف هناك، وشه جدي وعيونه ثابتة.
بدون ما تفكر، رمت نفسها في حضنه، حضنه اللي مليان دفا، لكن بعد لحظة، بعد عنها مرة واحدة، كأنّه بيقيسها ويورّيها إن في حدود.
"أنا آسفة يا بابا، حقك عليا."
أبوها رفع حاجبه وقال بصوت ناشف:
"جميلة، أنا مش جاي لك عشان كده، أنا جاي لك عشان حاجة أهم."
جميلة ارتعشت، همست:
"خير يا بابا؟"
أبوها شد نفسه وقال بصوت جاد:
"جاي لك عريس…"
جميلة حست بالصدمة، وقلبها وقع، و دماغها وقف وقالت بصوت ضعيف:
"بس… أنا مش عايزة اتجوز!"
ابتسم أبوها ابتسامة غامضة، وقال بصوت ثابت:
"حتى لو قلت لك، انو حد تعرفيه، عز المعرفه ؟"
جميلة رفعت صوتها بحيرة وخوف:
"مين يا بابا؟"
أبوها نظر لها بصوت بارد وثابت، وقال:
"العريس هو…"
جميلة وقفت مكانها، قلبها وقع، ودموعها بدأت تنزل:
"لا يا بابا، مش بعد كل اللي حصل…"
رواية امان كاذب الفصل الرابع 4 - بقلم الاء محمد حجازي
جميلة رفعت صوتها بخوف:
مين العريس يا بابا؟
الأب ببساطة، من غير ما يرمش:
العريس هو رحيم، ابن خالتك.
الكلمة نزلت عليها كالصاعقة، ودموعها انفجرت من عينيها:
لا يا بابا، لا، كفاية بقى. أنا مش مستعدة. مش بعد كل اللي حصلي… مش قادره أعيش ده تاني. مش عايزاه!
الأب بص لها بجمود:
أنا قلت كلمتي يا جميلة. هتتجوزيه يعني هتتجوزيه. يا إما تنسي إنك بنتي من الأساس.
وبعدها سابها وخرج، كأنه بيقطع آخر خيط بينه وبينها.
جميلة وقعت في حضن خالتها، بتبكي بحرقة:
ماقولتيش ليه يا خالتو؟
الخالة بهدوء:
علشان مكنتش اعرف، اهدي يا حبيبتي، اهدي. إنتِ ليه رافضة كده؟ رحيم كويس، ده ابن حلال وحنين. وبعدين ده ربنا بعتلك ستر، وعوض عن الناقص اللي كنتي بتكلمية؟
جميلة وهي بتشهق من كتر العياط:
خالتي، إنتي مش فاهمة، أنا خلاص اتكسرت. أنا ما بقاش عندي قلب ولا روح أديهم لحد. إزاي هدخل علاقة وأنا ثقتي في نفسي راحت؟! إزاي هصدّق إن في راجل ممكن يحبني بجد بعد اللي شُفته؟! كلهم بيكسروا، كلهم بيبيعوا، وأنا خلاص تعبت من الكسر.
الخالة بتهز راسها:
بس يا حبيبتي، مش كل الناس زي بعض.
جميلة بحزن:
رحيم يستاهل واحدة ما شافتش اللي أنا شُفته. يستاهل واحدة تدي له حبها من غير خوف، من غير وجع. إنما أنا؟! أنا مليانة شروخ، مليانة وجع. إزاي هيستحمل ده؟ طب لو عرف حكايتي؟ لو عرف اللي حصلي؟ هيفضل يحبني؟ ولا هيبعد ويقول عليّا زي عادل؟
دموعها نزلت أكتر وهي بتكمل:
أنا مش بصدق حد، ولا بثق في حد. حتى أبويا، حتى أبويا اللي كان سندي، كسَرني. طب رحيم ليه هيثق فيا؟! هو عايز واحدة قوية وسليمة، مش واحدة مكسورة زَيّي.
الخالة مسكت إيديها بقوة:
جميلة، إنتي مش وحشة، ومش قليلة. اللي حصل لك غصب عنك، وده مش ذنبك. ربنا بيختبرنا بطرق صعبة أحيانًا، بس ده مش معناه إنك ما تستاهليش تعيشي ولا تتحبي. بالعكس، إنتي أحق من غيرك. ولو رحيم فعلاً راجل زي ما أنا عارفاه عمره ما هيبص ورا، هيبصلك إنتي، لقلبك وروحك. و إنتي أجدع وأجمل من أي حد.
جميلة تبص لها، والدموع ماليه وشها:
أنا مش عايزه أظلمه، مش عايزه أدي له كسر جديد فوق كسري. هو يستاهل يلاقي واحدة تفرحه، مش واحدة غرقانة في وجعها.
الخالة تهز راسها بحنان:
ويمكن هو اللي يداوي وجعك يا جميلة. إنتي فاكرة نفسك مكسورة وبس، بس جواكي لسه في حب وخير كتير. صدقيني يا بنتي، مش كل راجل زي اللي وجعك. رحيم مختلف.
جميلة تسند راسها على كتفها، وبتعيط من غير كلام، بس جواها دوشة كبيرة بين خوفها من الماضي، وبين صورة رحيم اللي مش قادرة تبطل تفكر فيها.
الخالة مسكت إيد جميلة ومسحت دموعها:
يا بنتي، أنا عارفه إن قلبك موجوع، وكل اللي حصلك مش قليل، بس اسمعيني. الدنيا مش كلها وحشة، والرجالة مش كلها زي بعض. رحيم ده غير، رحيم قلبه طيب، وأنا شايفه في عينيه حاجة نقية. مش كل يوم بتلاقي حد زيه، حد شايل هم غيره قبل نفسه.
جميلة، بصوت مخنوق:
بس يا خالتي، أنا مش واثقة، مش قادرة أثق. أنا لو فتحت باب جديد، ممكن يتقفل في وشي تاني، وأنا مش ناقصة كسر جديد.
الخالة هزت راسها:
وإنتِ فاكرة إن الحياة هتمشي من غير مخاطر؟ يا حبيبتي، حتى اللي عايش لوحده بيتوجع. المهم إننا نختار حد يكون يستاهل الوجع ده. ورحيم، من اللي أنا شايفاه، يستاهل. ده لو كنتي شايفة نفسك مكسورة، يمكن هو اللي ربنا بعتُه علشان يجبرك. يمكن يكون هو اللي هيلم الشروخ دي.
جميلة بصت لها بدموع:
بس هو يستاهل واحدة نضيفة، واحدة قلبها مش متبهدل.
الخالة بصوت حنين، وهي تمسح على راسها:
و إنتي أنضف من أي حد يا جميلة. عارفة ليه؟ عشان كل الوجع اللي عشتيه ما غيّرش قلبك، لسه قلبك أبيض ولسه دمعتك نضيفة. دي مش عيب ولا كسر، دي قوة. بس إنتي مش شايفاها.
جميلة تنهار أكتر وتخبي وشها في صدرها:
أنا تعبت يا خالتي، تعبت من الخوف.
الخالة حضنتها جامد وقالت:
علشان كده أنا مش هقولك دلوقتي وافقي ولا ارفضي. أنا عايزاك تهدي، وتصلي ركعتين استخارة، وتقولي: يا رب، إن كان في رحيم خير ليا في ديني ودنياي وقدرلي فيه الخير، وإن كان شر فاصرفه عني. واللي في الخير ربنا هيقدمه. سيبيها على ربنا، يا جميلة. اللي بيحبنا ما بيكسرناش، وربنا أحن من أي بني آدم.
جميلة ترفع عينيها وهي مليانة دموع وحيرة، بس أول مرة من جوة تحس إن في طريق تهدّيها شوية.
---
الأيام عدّت ببطء، وجميلة كانت كل ليلة تقفل على نفسها باب أوضتها وتصلي. ركعتين، تلاتة، أربع مرات في الأسبوع، كل مرة بنفس الدعوة، بنفس البكاء. وكل مرة كانت تخلص الصلاة وتقوم حاسة براحة غريبة، راحة تخلي قلبها يخف شوية، بس الخوف لسه جوة، ماسك فيها.
بعد فترة، وهي قاعدة في الصالة، خالتها سألتها بهدوء:
ها يا جميلة… استخرتي ربنا؟ قلبي بيقوللي إنك صليتي.
جميلة بصّت للأرض، وإيديها بتلعب في طرف طرحتها:
صلّيت يا خالتي كتير. وكل مرة بحس براحة فظيعة بعد ما أخلص، بس الخوف لسه جوايا.
الخالة قربت منها، وبصوت دافي:
خوف من إيه يا حبيبتي؟
جميلة دمعت عينيها وهي تهمس:
خوف أحكيله اللي حصلي، يسيبني. خايفة أكون مش قد ثقته، خايفة أكون مش قد قلبه الطيب.
الخالة حطت إيدها على خدها ومسحت دموعها:
يا بنتي اسمعي اللي هقولك عليه. ربنا حليم ستّار. اللي ربنا ستره ما ينفعش إحنا نفضحه. دي مش كذبة، دي ستر. مفيش حد فاضي ينبش في اللي فات غير اللي مش حابب يعيش. اللي بيحبك بجد هيشوفك إنتي مش ماضيكي.
جميلة بصوت مكسور:
بس يا خالتي، هو لو عرف، هيسيبني.
الخالة، بابتسامة حزينة لكن مليانة يقين:
ومين هيعرفه يا جميلة؟ اللي ربنا سترك فيه مش هيطلع للنور غير بإذنه. سيبيها على ربنا. لو هو نصيبك، هيحبك زي ما إنتي، مش هيشوف غيرك، مش هيشوف حاجة تانية.
جميلة تنفست نفس عميق، ودموعها نازلة، تحس لأول مرة إن في كلمة هادية قلبها شوية، بس الخوف لسه ماسك فيها من جوة.
الخالة بهدوء:
طب يا حبيبتي، إنتِ ناوية تردي على أبوكي إمتى؟
جميلة رفعت عينيها المليانة دموع وقالت بتردد:
هو… هو رحيم هييجي إمتى؟
الخالة ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
هييجي بعد يومين من شغله، إنتي عارفة رحيم مش فاضي، ده مهندس قد الدنيا. مش عشان أنا اللي ربيته لأ، ده بجد راجل بمعنى الكلمة. من يومه وهو شايل المسؤولية على كتافه من غير ما يتأفف ولا يتذمر.
قربت منها أكتر وهي بتكمل:
رحيم ده يا جميلة، أنا شفت منه اللي عمري ما شفته من غيره. حنين على الصغير قبل الكبير، ولو ليه ألف مصلحة بيجري يسيبها عشان يقف جنب حد محتاجه. محترم، ومتواضع، والناس في الشركة عنده بتحلف بيه، الكلمة اللي يقولها تبقى زي العقد، ما بيرجعش فيها أبدًا.
الخالة مسحت على إيد جميلة وقالت بعاطفة:
يا بنتي، مش أي واحدة في الدنيا يتعرض عليها حد زي رحيم. ده نصيب ما يتعوضش، ده رزق ربنا بعتلكهولك يمكن يعوضك عن كل وجعك اللي فات.
جميلة وهي بتسمع كلامها، قلبها بيتخبط جوه صدرها، دموعها نزلت أكتر وقالت بصوت مكسور:
بس يا خالتي، أنا مش قدّه، ده يستاهل واحدة قلبها سليم مش واحدة زيي مكسورة ومش قادرة تثق في حد تاني.
الخالة شدت إيديها وقالت بحزم وحنان:
بلاش تظلمي نفسك يا جميلة، إنتي أنضف وأنقى من ناس كتير. واللي زي رحيم، مش بيدور على الماضي، بيدور على الروح، وأنا متأكدة إن لو ربنا كاتب لكوا نصيب، هيشوف فيكي اللي إنتي مش شايفاه في نفسك.
---
بعد تالت أيام رحيم رجع من السفر وكانو عاملين رؤية شرعية.
رحيم كان قاعد قصادها، وشايف التوتر في عينيها. أخد نفس عميق وقال بصوت هادي لكن مليان صدق:
من أول يوم خبطت فيكي على السلم، كان في حاجة شدتني ليكي. وقتها ما فهمتش إيه بالظبط، بس من اللحظة دي وأنا حاسس إنك مختلفة.
رخامتي معاكي، كنتى بتفتكريها هزار، بس هي كانت محاولات إني أشوفك بتضحكي. كنت دايمًا بدور على أي سبب يطلعك من حالة الحزن اللي بشوفها في عينيكي. كنت فرحان أوي لما أسمع ضحكتك، حتى لو الضحكة دي على حسابي أنا.
أنا ما كنتش فاهم أنا ليه بشوفك كده في دماغي طول الوقت، ولا ليه كل كلمة منك كانت بتفضل ترن في وداني. يمكن عشان كده بعدت، حسيت إني مش فاهم نفسي. بس وأنا بعيد، عرفت، لأ، أنا مش قادر أعيش من غير ما أبقى حوالين ضحكتك.
أنا مش عارف إيه اللي وجعك، ومش طالب تعرفيني. بس أتمنى يوم تقوليلي. مش عشان الفضول، لكن عشان نفسي أكون أنا اللي يخفف ده عنك، حتى لو مش قادر أشيله كله، أبقى واقف معاكي فيه.
أنا جاي دلوقتي أطلبك بالحلال. عشان ما يبقاش بينا هزار يخليكي مترددة أو متكسفة. عشان يبقى وجودي معاكي حق مش غلط.
أنا عارف إني يمكن ما استاهلش كل اللي أنا بطلبه، بس صدقيني، أنا كل اللي عايزه إنك تبقي مبسوطة. ولو ربنا كتب نكمل سوا… أوعدك مش هبطل أحاول أكون سبب سعادتك.
يمكن أنا مش فاهم كل اللي جواكي، لكن عارف إني عايز أشاركك كل حاجة: فرحتك، كلامك، وحتى دموعك لو نزلت. نفسي أكون الأمان اللي ترتاحي فيه.
صدقيني يا جميلة، لو وافقتي، عمرك ما هتندمي.
سكت رحيم بعدها، وصوت أنفاسه هو بس اللي مسيطر على الجو.
جميلة كانت قاعدة قدامه، مبهورة بالكلام، ومش قادرة ترفع عينيها فيه.
جواها كان في صوت بيصرخ:
ياااه، إزاي بيقول الكلام ده كله وهو عينه صافية كده، يا رحيم، إنت جميل أوي، إنت تستاهل حد أنقى وأطهر مني، تستاهل بنت زي الملاك، مش أنا.
ضاعت في أفكارها، وعينيها غرقت في دموع ساكتة، لحد ما قطع صوت رحيم شرودها:
قلتى إيه يا جميلة؟
رفعت رأسها بسرعة ومسحت دموعها وقالت بصوت متردد:
أنا، أنا صليت استخارة كذا مرة ولسه… يعني… هصلي تاني وإن شاء الله هارد عليك.
ابتسم رحيم ابتسامة بسيطة وقال بهدوء لكن فيه رجاء:
أتمنى ردك يكون بالموافقة يا جميلة… لأني مش هقبل بغير كده.
قام وهو لسه محافظ على ابتسامته الهادية، وقال:
أستأذن بقى، أسيبك ترتاحي وتصلي اللي نفسك فيه.
ومشي رحيم بهدوء وطلع شقته، سايب جميلة قاعدة في مكانها، إيديها بتترعش، وقلبها بيخبط بقوة، ولسه صدى كلامه بيرن في ودانها.
وبعد ما مشي، البيت بقى هادي، وجميلة لسه قاعدة مكانها شارده.
الخالة بصتلها وقالت بهدوء:
جميلة؟
جميلة طلعت فيها بنظرة حيرة وقالت بنبرة متلخبطة:
يا خالتي، أنا تايهة. والله مش عارفة أعمل إيه. مش عارفة أقول إيه ولا أرد على بابا إزاي. خايفة أوافق وأتعب، وخايفة أرفض وأندم. مش عارفة، أنا حاسة إني واقفة في نص طريق مش عارفه آخد خطوة فيه.
الخالة قربت منها وربتت على إيدها وقالت بحنان:
طيب يا جميلة، هسألك سؤال، إزاي نعرف إن الشخص اللي قدامنا ده هو اللي ينفع نأمن نفسنا معاه؟
جميلة اتنهدت وقالت:
هو ده بقى اللي أنا مش عارفاه… إزاي؟
الخالة ابتسمت وقالت بحكمة:
بصي، هتعرفيه من حاجات بسيطة بس كبيرة في المعنى:
إنه يكون حنين ومتفهم، مش مؤذي لا بالكلام ولا بالفعل.
لما يزعل، يبقى لين في خصامه، مش واحد غضبه يهد الدنيا.
يبقى سوي نفسياً وناضج، ينفع تتناقشي معاه وتلاقي عنده عقل.
مايبقاش بتاع بنات، وإنتي تبقي استثناؤه الوحيد.
يكون ذكي، بيعرف ياخد مكانة في قلبك من غير ما يضغط.
يبقى صريح، مايلفش ويدور.
والأهم، يبقى فاهم في الأصول والدين، ويخلي ربنا قدام عينه في كل تصرفاته.
جميلة فضلت ساكتة، عينيها دمعت من غير ما تبكي، وقالت بصوت واطي:
يعني، كل اللي قولتيه ده متجمع في رحيم، مش كده؟
الخالة ابتسمت وربتت على كتفها:
أهو ده اللي عايزة أوصله ليكي. رحيم مش وحش يا جميلة، بالعكس ده راجل محترم. اتكلي على الله ووافقي، هترضي ربنا وأبوك، ومش هتندمي.
جميلة عضّت شفايفها بخوف وقالت:
بس يا خالتي، أنا خايفة. خايفة أكرر نفس الغلطة.
الخالة مسكت إيدها بقوة وقالت بحسم واطمئنان:
صدقيني، رحيم مش زي عادل. عمره ما يكون زيه. اتكلي على الله ووافقي.
جميلة بصت في الأرض، قلبها لسه بيرتعش من الخوف، لكن كلام خالتها بدأ يدخل جواها زي نور بيحاول يبدد الضلمة.
---
مرت الأيام على جميلة وهي مترددة، بين خوف من تكرار الغلط، وبين قلبها اللي كل مرة بيزيد فيه إحساس بالراحة بعد صلاة الاستخارة. كانت تدعي ربنا بإلحاح: "يارب لو فيه خير ليا قرّبه، ولو فيه شر أبعده عني." ومع كل مرة تسجد فيها، كانت تحس إن قلبها بيتطمن أكتر ناحية رحيم.
وأخيرًا، بعد ليالي طويلة من التفكير، قررت تقول "موافقة". لما نطقت الكلمة قدام خالتها وأبوها، حسّت وكأن جبل كان على صدرها وتشال. أبوها فرح فرحة كبيرة، ابتسامته فضحت راحته لأنه من البداية كان شايف إن رحيم راجل يعتمد عليه.
رحيم كمان فرح جدًا بقرارها، بس على طريقته. من كتر خوفه عليها، قلّل كلامه معاها، عايز يثبت إنه قادر يحافظ على العلاقة نقية لحد ما ربنا يجمع بينهم بالحلال.
فقال لها بهدوء:
أنا عايزنا نتعامل بضوابط الخطوبة، كلامنا، خروجنا، كل حاجة تكون في النور. مش بس علشان دي تبقى بركة لينا، لكن كمان عشان تبقي مرتاحة، ما تحسيش إن في حاجة غلط.
جميلة حسّت في كلامه صدق غريب، وارتاحت لفكرته، بالعكس، لقيت نفسها مطمئنة أكتر. قرروا يكتبوا كتابهم بعد شهرين، وعلى بال ما يجهزوا، رجعت جميلة بيت أهلها علشان تحضر حاجات كتب الكتاب.
واتفقوا إن كتب الكتاب يكون بعد شهرين. رجعت جميلة بيتها وهي حاسة بمزيج غريب من الطمأنينة والرهبة، بتجهز حاجاتها، بس جواها يقين إن القرار المرة دي مختلف، وإنها ماشيه في طريق ربنا كاتبه لها بالخير.
بعد ما رجعت جميلة بيت أهلها علشان تبتدي تحضر حاجات كتب الكتاب، كانت طالعـة السلم بخطوات هادية، شايلة في بالها أفكار كتير عن اللي جاي. فجأة، وقفت مكانها لما سمعت صوت مألوف بيناديها من وراها:
عادل: إزيك يا جميلة؟
التفتت بسرعة، نظراتها اتجمعت كلها في لحظة ما بين استغراب واشمئزاز. ردّت ببرود:
الحمد لله، كويسة.
قرب منها بخطوات بطيئة وقال وهو بيرسم ابتسامة مستفزة:
سمعت إنك اتخطبتي.
رفعت راسها بثقة وقالت:
أيوه، اتخطبت، لراجل بمعنى كلمة راجل.
عادل ضحك ضحكة قصيرة، وعينيه كلها تحدي:
يعني ولا مرة جيت في بالك؟
جميلة ابتسمت سخرية:
إنت؟! عمرك ما جيت في بالي أصلاً.
مد إيده بيحاول يمسك إيدها، شدت نفسها بسرعة للخلف. حاول يقرب تاني، بس المرة دي إيدها سبقت وردّت عليه بالقلم على وشه.
وقف مصدوم لحظة، وبعدها اتماسك وقال بنبرة فيها سخرية باينة:
بقت قطة بتخربش! ده أنا فاكر أيام ما كنتِ بتتمنيني أرجعلك.
جميلة نظرت له باحتقار وقالت:
إنت أوحش غلطة في حياتي، وزبالة مش أكتر.
قبل ما يرد، جه صوت فجأة من وراهم وقاطع الموقف:
هو إيه، اللي أنا سمعته ده؟
رواية امان كاذب الفصل الخامس 5 - بقلم الاء محمد حجازي
قبل ما يرد، جه صوت فجأة من وراهم وقاطع الموقف:
"إيه اللي أنا سمعته ده؟"
عادل لف بسرعة، شاف الخالة واقفة على آخر درجة في السلم، عينيها كلها غضب. ضحك ضحكة فيها سم وقال:
"كويس إنك جيتي يا طنط، علشان بقى تفوقي، وتعرفي حقيقة خطيبة ابنك اللي أنتي مفكراها نضيفة وبريئة وهي مش كده خالص."
قرب منها بخطوات تقيلة وهو بيبص لجميلة باستهزاء:
"انتوا فاكرينها ملاك؟ ومتعرفوش دي ليها ماضي أسود، ماضي مش أي حد يستحمله، ولا حتى ابنك ده اللي أنتي عايزة تديهاله على طبق من فضة."
الخالة اتقدمت عليه خطوتين، صوتها بقى زي النار:
"اسكت يا عادل! اخرس خالص! أنت آخر واحد في الدنيا يتكلم عن الشرف وعن الماضي. أنت اللي ضحكت على بنت عمك واستغليت ضعفها ولعبت بمشاعرها وبعدين رميتها زي ما ترمي حاجة قديمة."
عادل رد بابتسامة صفراء:
"ما هو ده اللي هعرفه لرحيم، هعرفه مين هي خطيبته اللي أنتوا مفكرينها ملاك. وهشوف بقى هيبقى موقفه إيه لما يعرف كل اللي حصل."
الخالة ما استنتش كلمة زيادة، نزلت عليه بالقلم صفعة قصرت الدنيا:
"اكسر لسانك يا حيوان! إنت شخص حقير، ومعدوم الرجولة، ومش راجل أصلاً. مفكر عشان ضحكت عليها بكلمتين خلاص تبقى راجل؟ أنت لا راجل ولا حتى نص راجل."
عادل اتراجع خطوة للوراء ماسك وشه، الخالة كملت وهي ماسكة جميلة من إيديها:
"انتَ وسخ وحقير، وعيب حتى أتكلم معاك. اللي زيك ما يستاهلش غير التف في وشه!"
وبالفعل تفت في وشه وشدت جميلة ناحيتها وهي بتقول:
"تعالي يا بنتي، ما ينفعش نرمي نفسنا وسط القذارة دي ثانية واحدة."
جميلة طلعت معاها بخطوات سريعة وهي ماسكة نفسها بالعافية عشان ما تنهار قدامه.
عادل فضل واقف مكانه، عيونه كلها حقد وقال بصوت عالي وهو بيهدد:
"ماشي يا طنط، بس أنا مش هسكت. أنا هخلي رحيم يعرف كل حاجة عنها. وهشوف بقى رأيه هيبقى إيه."
الخالة التفتت له قبل ما تطلع وصرخت فيه:
"رحيم راجل ابن راجل، عمره ما هيصدق كلام واحد حقير زيك!"
وبعدين قالت وهي بتبصله من فوق لتحت:
"أنا نفسي أسألك سؤال يا عادل؟"
عادل بستفزاز:
"اسألي؟"
الخالة بحتقار:
"إنت وانت بتعمل بطاقة، الراجل اللي في السجل المدني كان تعبان؟"
عادل اتلخبط:
"إيه؟! تعبان إزاي؟"
الخالة بسخرية قاتلة:
"عشان شكله اتلخبط وبدل ما يكتب أنثى كتب ذكر، واتحسبت علينا راجل وخلاص. والله يا عادل، أنا مشوفتش راجل ناقص كرامة زيك، فاكر نفسك رجل وانت ولا نص حتي."
جميلة حاولت تكتم ضحكة باستهزاء، بس الخالة كملت وهي مولعة:
"انت جاي تتكلم عن بنت زي القمر، وأنت ما تعرفش أصلاً يعني إيه كلمة راجل اللي يبيع ويجري ويرجع ينهش في عرض بنت عيلته، ده مش راجل، ده مسخ."
عادل وشه اتقلب أحمر، حاول يرد، بس الخالة قربت أكتر وقالت بنبرة كلها تحدي:
"انت بالنسبة ليها صفحة مقطوعة من كتاب وسخ، مكانك الزبالة، مش مع ناس محترمة. وقبل ما تفتح بقك بكلمة تانية عن جميلة، اغسل وشك من العار اللي مغرقك من ساسك لراسك."
وبعدها تفتت في وشه تاني وقالت:
"يلا يا جميلة، سيبيه يعفن مع نفسه."
كل ده وعادل واقف بيكلم نفسه:
"هخليكي تندمي يا جميلة."
وقبل ما يكمل ويلف، اتجمد في مكانه.
لقاه خطيبته سما واقفة وراه، وسامعة كل حاجة، عينيها مليانة خذلان ووشها مصدوم وصوتها مهزوز:
"إيه اللي أنا سمعته ده يا عادل؟!"
وبعدين تقول بنبرة أقوى:
"هو إيه اللي أنا سمعته دلوقتي يا عادل؟ ده إيه الأسلوب الرخيص ده؟!"
عادل برتباك، وبيحاول يقرب:
"سما… استني، دي مجرد مشاكل قديمة، هفهمك…"
سما ترجع خطوة لورا، وعينها مليانة اشمئزاز:
"تفهمني إيه؟! إنك واحد كذاب؟ إنك ضحكت على بنت عمك وكسرت قلبها؟! ولا إنك كنت فاكر إني هصدقك وتضحك عليا زيها؟!"
تضحك سخرية وهي تهز رأسها:
"أنا طول الوقت فاكرة نفسي مخطوبة لراجل، بس الحقيقة إنك مجرد عيل تافه."
تتقدم فجأة وتلطشه بالقلم بقوة تخليه يتجمد مكانه وتقول بعصبية والدموع محبوسة في عينها:
"القلم ده عشان تفوق، الرجولة مش إنك تستغل بنت ضعيفة، الرجولة إنك تحميها. وإنت عمرك ما كنت راجل."
تقلع الخاتم من إيدها وترميه في وشه بصوت مكسور لكنه قوي:
"أنا من النهارده مش خطيبتك. أنا تخلصت من وصمة عار اسمها عادل."
وتديه نظرة احتقار قاتلة، وتلف وتمشي وهي مرفوعة الراس، وهو واقف مصدوم، إيده على وشه مكان القلم، وحاسس إن الدنيا اتقلبت عليه.
***
طلعت جميلة مع خالتها، ولسه قلبها مش مرتاح من اللي حصل تحت. أول ما قفلت الباب واطمنت إنهم بقوا لوحدهم، رمت نفسها في حضنها وقالت بصوت مكسور:
"أنا خايفة يا خالتي، خايفة يقول لرحيم أي حاجة، لما يعرف يبعد عني."
خالتها مسكت وشها بين إيديها، وبصتلها بعين كلها طيبة وقالت:
"ما تخافيش يا جميلة، ده واحد بيهدد بالكلام وبس. رحيم مش هيتأثر بده، وعمرك ما هتخسريه. وبعدين يلا، تعالي نجهز يا عروسة لحاجات كتب الكتاب ونفكر في فرحتك."
ابتسمت جميلة ابتسامة صغيرة رغم خوفها، وحسّت لأول مرة إن فيه ضهر يسندها.
ومن هنا ابتدت الأيام تجري أسرع، كل يوم بيقربها من يومها اللي مستنياه. بين تحضيرات الفستان، وتجهيز البيت، وضحكة أبوها اللي رجعت تاني، كانت جميلة بتحس إن ربنا بيعوضها على كل لحظة وجع.
لحد ما جه اليوم اللي اتفقوا عليه، يوم كتب الكتاب. يوم مختلف، يوم بداية جديدة.
وأخيرًا، جه اليوم اللي كانوا مستنيينه: يوم كتب الكتاب.
القاعة منوّرة بالزينات والضحك والزغاريط، جميلة واقفة مكسوفة وقلبها بيخبط، ورحيم واقف قصادها عينه كلها فرحة وحب.
المأذون قال بصوت مسموع:
"يا رحيم، هل قبلت الزواج من الآنسة جميلة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؟"
رحيم ابتسم وبص لها من قلبه وقال قدام الكل:
"أنا قبلت بها، ورضيت بها، واخترتها من بعد الله ملجأ دائماً، وملاذاً ثابتاً، وحضناً يحتويني، بعد المكده والتعب، وركناً أمراً، أنزوي إليه من صخب الحياة، أنيسة للروح، رفيقة للقلب، وحبيبة للفؤاد."
المأذون قال:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
رحيم من غير ما يستنى ولا لحظة، شد جميلة في حضنه قدام الناس كلها، ورفع صوته وهو بيحضنها:
"فلتعلمي يا أنيسة روحي وجليسة وحدتي أني رجوتك من الله واستودعته إياكي ودعوته مراراً وتكراراً كي تطوي أطراف الأرض ونلتقي. وأخيرًا رزقني الله بك مؤنسًا وأنيسًا على كتاب الله وسنة رسوله، فأصبحت أجمل أرزاقي."
القاعة كلها ولعت بالتصفيق والزغاريد، وأبوها دموعه نزلت من الفرح، وخالتها قالت وهي بتضحك:
"ربنا يسعدكم ويتمم بخير يا رب."
***
بعد كتب الكتاب والناس بدأت تمشي، قعدوا هما الاتنين على جنب شوية. رحيم بص لها بابتسامة واسعة وقال:
"بصي كده في وشّي، شايفة إيه؟"
جميلة اتلخبطت وقالت:
"إيه السؤال الغريب ده؟ شايفة وشّك يعني."
رحيم ضحك وقال:
"غلط، ده وشّ جوزك يا ست جميلة، إوعي تنسي إنك دلوقتي بقيتي مراتي، رسمي، بعقد ومأذون وشهود."
نزلت بعنيها بخجل وقالت وهي بتحاول تغير الموضوع:
"هو إنت ناوي تفضل تعاكسني كده على طول؟"
رحيم رد بسرعة:
"طول عمري، دي هوايتي الجديدة. يعني أنا من النهاردة هسيب كل الهوايات التانية، لا كورة ولا لعب بلايستيشن، هبقى أتسلى بيكي إنتي."
جميلة ضربته بخفة على إيده وقالت:
"انت دمك تقيل والله."
قرب منها شوية وقال وهو عامل نفسه جدي:
"طب اسمعي، أنا ليا شرط في الجواز ده."
اتسعت عينيها وقالت:
"شرط إيه تاني؟ مش كفاية شروط بقا!"
رحيم ابتسم وقال:
"شرطي الوحيد، إنك تفضلي تضحكي كده على طول. لو يوم صحيتي مكشرة، هعتبرها مخالفة للعقد، وأخصملك من المرتب."
جميلة انفجرت من الضحك وقالت:
"مرتب إيه يا عم؟ هو أنا موظفة عندك؟"
قرب أكتر وقال بنبرة دافية وهو بيهزر:
"لأ، إنتِ مش موظفة، إنتي رئيستي، بس أنا غاوي أعمل فيها مهم وأتحكم شوية."
سكت لحظة وبص لها بنظرة كلها حنية وقال:
"بصراحة بقى، أنا مش مصدق إني بقيت جوزك، وحاسس إن الدنيا كلها النهارده بتضحكلي."
***
بعد كتب الكتاب لما رحيم مشي، والهدوء مالي البيت، لقت جميلة أبوها داخل عليها الأوضة. قعد قصادها، وبص لها نظرة كلها شجن. قال لها وهو يتنهد:
"غصب عني يا بنتي، الأيام اللي عدت من غير ما أكلمك كانت زي السكينة على قلبي. كنت شايفك قدامي ومش قادر أمد إيدي وأحضنك، كنت مصدوم، مش مصدوم فيكي إنتي بس، مصدوم إني حسيت إن بنتي اللي ربيتها بعيد عني."
بص لها والدمعة محبوسة في عينه:
"بس مهما حصل، إنتي بنتي، وحتّة مني. وزعلي ما يطولش، قلبي دايمًا بيدعيلك."
مد إيده ومسك إيدها بين إيديه، وقال بنبرة كلها حزم وحنان:
"اعرفي إني اخترت لك الأحسن، واللي شايفه رجل يصونك ويحافظ عليكي. رحيم مش أي حد، ده اللي هيكون سندك بعدي، وركن ليكي طول العمر."
عينيها غرقت بالدموع، حاولت تتكلم وقالت بصوت مكسور:
"سامحني يا بابا…"
شد على إيدها أكتر، وقرب منها، وباس راسها بحنية:
"أنا مسامحك من قبل ما تتكلمي، وربنا يرزقك السعادة معاه، ويجعل الليلة دي بداية جديدة لينا كلنا."
ما قدرتش تمسك نفسها، فهَجَمت في حضنه تعيط زي الطفلة، وهو يحتضنها بقوة، يمسح على راسها ويهمس:
"اللي يجرحك يا جميلة، يبقى جرحني أنا قبلك."
***
الأيام عدّت بهدوء، وكل يوم كان بيقرب جميلة من رحيم أكتر وأكتر.
كانت بتشوف فيه حاجات جديدة، ضحكته اللي بتخلي قلبها يهدى، وخفة دمه اللي بتكسر أي توتر بينهم، واهتمامه اللي بيطمنها إنها اختارت صح.
كل يوم كانت بتحس إنها بتحبه من جديد، بتحبه أضعاف المرات اللي فاتت.
ورحيم هو كمان، كان بيكتشف فيها روح نقية وبِرقة مش لاقي زيها، بيشوف ضحكتها اللي بتنسيه تعب الدنيا، وحنيتها اللي بتخليه يحس إنه في أمان.
قربوا من بعض بهدوء، خطوة بخطوة، لحد ما جه اليوم اللي هيغيّر حياتهم هما الاتنين:
في يوم الصبح رنّ موبايل جميلة، مدت إيدها وهي نص نايمة، ولما شافت الاسم قلبها خفق. ردت وهي مبتسمة:
"صباح الخير يا حبيبي."
رحيم رد بصوت هادي بس فيه تقل غريب:
"صباح النور، اطلعي لي على السطوح عندكم، أنا مستنيكي."
ضحكت بخفة وهي لسه مش مستوعبة:
"إيه المفاجأة الجميلة دي؟"
رحيم رد بكلمة قصيرة فيها وجع:
"هي فعلاً… مفاجأة."
قفلت بسرعة وهي فرحانة بالكلمة، قامت توضبت نفسها على عجل، وطلعت السطح بخطوات سريعة.
أول ما وصلت، لقت رحيم واقف، عينيه غامقة، وصوته تقيل:
"جميلة، أنا عايز منك كلمة واحدة، وبصراحة."
"انتي كنتي على علاقة بعادل ابن عمك؟"
هي اتفاجئت، وشها اتقلب، حاولت تتكلم:
"رحيم… اسمعني…"
قاطعها بحدة، صوته طالع كالرصاصة:
"اسمعك إيه؟! كان لازم أسمع منك من زمان، مش دلوقتي! ليه خبّيتي؟ ليه خليتيني أعيش واثق فيكي وأنا آخر واحد يعرف؟ كنت فاكر نفسي عرفت البني آدم الصح، اللي يستاهل أدي له عمري. لكن للأسف، طلعت واهم."
دموعها نزلت غصب عنها، قالت بصوت متقطع:
"أنا… ما كنتش…"
ما خلاهاش تكمل، رفع إيده كأنه بيكسر أي أمل:
"اسكتي. اللي بيخبي مرة، بيخبي ألف مرة. الصدق ما كانش محتاج وقت ولا تفكير، كان محتاج قلب نظيف… واضح. وأنا النهاردة اكتشفت إن قلبي غلط في اختياره."
قرب منها خطوة، عينه مليانة قهر:
"أنا كنت شايفك جنتي، كنت بقول إنك أمان بعد الدنيا دي كلها. لكن ياما الوشوش بتخدع. انتي النهاردة، ما بقتيش جميلة اللي عرفتها. انتي بقيت غريبة. انتي طالق يا جميلة."
دار ضهره ومشي من غير ما يديها فرصة تبرر ولا حتى تنهار قدامه. سابها واقفة في مكانها، مكسورة، الكلمة الأخيرة بترن في ودانها وبتقطع روحها، كلمة وجعتها أكتر من خيانة عادل وألف عتاب.
رواية امان كاذب الفصل السادس 6 - بقلم الاء محمد حجازي
رحيم واقف قصادها، وشه بقى متجمد وصوته فيه حزن وغضب:
"انتي النهارده ما بقتيش جميلة اللي عرفتها، انتي بقيت غريبة، انتي طالق يا جميلة."
دار ضهره ومشي ببرود من غير ما يديها حتى فرصة تبرر أو تنهار قدامه.
هي واقفة مكانها، الكلمة الأخيرة بترن في ودانها وتقطع في روحها، كلمة وجعتها أكتر من خيانة عادل وألف عتاب.
وفجأة تنهار على الأرض، دموعها بتنزل بحرارة وصوتها بيطلع من قلبها:
"رحيم… رحيم ما تسيبنيش بالله عليك ما تسيبنيش، اسمعني… اسمعني بس يا رحيم… ما تسيبنيش كده… ما تسيبنييييييش!"
تمد إيديها قدامه وهو بيبعد عنها خطوة ورا التانية، ظهره ليها وهي بتصرخ:
"رحيم… ما تسيبنيش… بالله عليك ما تسيبنيش… اسمعني ولو مرة!"
صوتها بقى صرخة عالية، ودموعها مغرقاها وصوتها بيترج القلوب.
فجأة قامت جميلة مفزوعة، بتتنفس بسرعة، دموعها لسه على خدها، جسمها كله بيرتعش كأنها لسه في الكابوس.
تفتح عينيها تلاقي رحيم قاعد جنبها في الحقيقة، ماسك إيديها بإيديه، حضنه حواليها، صوته هادي وحنون وهو يمسح على شعرها:
"هششش يا جميلة… هدي يا حبيبتي… أنا هنا… ما فيش حاجة… كله كان حلم… أنا معاكِ، مش هسيبك… أنا معاكي."
يحط راسها على صدره وهو بيقرأ عليها آيات هادية من القرآن بصوت دافي، يمسح دموعها ويهديها لحد ما تنام تاني في حضنة، ودموعها سايبة على خدها وصوتها بيتقطع:
"ما تسيبنيش يا رحيم، بالله عليك ما تسيبنيش!"
وهو يطبطب على ضهرها:
"اهدي يا حبيبتي، أنا هنا، مش هسيبك، اهدي خلاص."
فضل يهدي فيها لحد ما نفسها بدأ يهدى، وهي بصة له باستغراب ولسه قلبها بيدق:
"انت، إيه اللي جابك هنا؟"
ابتسم بخفة وقال وهو بيهزر:
"يخرب بيت ملافظك يا شيخة، أنا كلمت عمي وقلتله عايز أعملك مفاجأة، بس إنتِ بومة خوفتيني."
جميلة فتحت عينيها وقالت بضحكة باكية:
"أنا بومة يا رحيم؟"
ضحك وهو لسه ماسك إيديها:
"أيوه، أحلى بومة في الدنيا."
قرب منها أكتر، صوته واثق وحنين:
"بصي في عيني، أنا عمري ما هسيبك. معرفش إنتِ بتحلمي بإيه ولا شُفتي إيه، بس اللي أعرفه إنك عمري، وإن وجودك جنبي أكبر نعمة في حياتي. لو الدنيا كلها بعدتني عنك، أنا هرجعلك، فاهمة؟"
دموعها تنزل تاني، بس المرة دي ابتسامة صغيرة بتظهر معاها، كأن كلامه لَمّ روحها من جديد.
كمل كلام وهو بيقرب منها أكتر ولمس خدها وهو بيبصلها بجدية ممزوجة بالحنية:
"بصّي… حتى لو الدنيا كلها اتقلبت، مفيش حاجه هتغير إنك انتي مراتي، وحياتي، ونعمة ربنا اللي بستعيذ بيها من كل وجع."
هي ابتسمت من وسط دموعها، وحست إن كلامه بيرجع لها الروح من تاني.
***
جميلة فتحت باب الأوضة بهدوء. عينيها محمرة من كتر التفكير والقلق. خرجت ولقت رحيم قاعد على الكنبة في الصالة، ماسك تليفونه بس واضح على وشه إنه قلقان هو كمان.
قربت بخطوات بطيئة وقعدت جنبه… حسيت بإيده عالكنبة جمبها بس ما مدتش إيدها.
بصتلُه وهي بتحاول تجمع نفسها:
"رحيم، في حاجة مهمة لازم أقولها لك، بس هطلب منك تسمعني للآخر."
هو سكت وبص لها باستغراب، بس عينيه فيها قلق وحنية:
"اتكلمي يا جميلة."
أخدت نفس عميق، وحطت إيديها في حجرها، وبصت للأرض:
"بص يا رحيم، أنا عارفة إني غلطت، غلطت إني سكت، ما حكيتش من الأول. كنت خايفة خايفة إنك تسمع وتسيبني. بس خلاص، أنا مش قادرة أشيل أكتر من كده."
وبدأت تحكي له، حكت عن كل حاجة، عن بداية الموضوع مع عادل، عن استغلاله ليها، عن ضعفها وسكوتها، عن خوفها من مواجهة الحقيقة. كل كلمة بتطلع منها كانت تقيلة، بس كأنها بتشيل جبل من على صدرها.
رحيم قاعد ساكت، بيسمع بس، ملامحه جامدة بس عينيه بتقول إنه موجوع.
بعد ما خلصت الحكي، أخدت نفس طويل، وبصت له والدموع محبوسة في عينيها وتاخد نفس عميق وتحاول تثبت نفسها:
"أنا عارفة إني غلطت، وغلطتي إني سكت، إني ما حكيتش. يمكن لو كنت اتكلمت من الأول ما كانش هيبقى فيه خوف ولا أسرار بينا. بس والله يا رحيم، ما كانش قلبي يومًا مع عادل. أنا يمكن تعلقت باهتمامه، بحنية كدبها عليا، ضحك عليا وكنت ضعيفة. لكن حب؟ لا. الحب ده ما دقش بابي غير معاك إنت."
دموعها تنزل وهي بتكمل:
"عارف المقولة اللي بتقول: كاذبون من قالوا إن الحب للحبيب الأول؟ لا يا رحيم، الحب الحقيقي للحبيب اللي يرمم الروح بعد ما اتكسرت. الحب للحبيب اللي ياخد بإيدك من العتمة للنور. والمقولة دي، دي إنت. إنت اللي بتمثلها، إنت اللي بتمثللي الأمان."
تقرب إيدها من إيده بخوف:
"أنا غلطت، وعارفة إنه حرام إني أديت ودني لحد زي عادل، بس أقسم لك يا رحيم، غصب عني، ما كنتش لاقية حد يحسسني إني ليا قيمة، لحد ما جيت إنت. أنا بحكيلك دلوقتي مش عشان أبرر، أنا بديك حرية الاختيار. يا إما تسيبني وتخلص من واحدة زيي، يا إما تخليها على ذمتك، وتديلي فرصة أثبتلك إني ما كنتش لحد غيرك، ومش هكون لحد غيرك."
وتبص في عينيه برجاء وانهيار:
"قول أي حاجة، بس بالله عليك، ما تسكتش، ما تسيبنيش معلقة بين خوف الأمل واليأس."
قبل ما تكمل حتى جملتها، مد رحيم إيده ومسَك إيديها بقوة، إيده دافية وبتطمنها. شدها ناحيته وباس إيديها بهدوء وهو بصص في عينيها وقال بصوت ثابت مليان حنية:
"أنا عارف يا جميلة، عارف كل حاجة."
بصت له بذهول، الدموع وقفت في عينيها:
"إزاي؟!"
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال بهدوء:
"زي ما إنتِ عندك كلام كتير كنتِ محتاجة تقوليه، أنا كمان عندي كلام كتير لازم تعرفيه عني. عشان نبتدي صفحة جديدة مع بعض، الصفحة اللي المفروض تبدأ بصدق كامل، هقولك حكايتي من الأول."
رحيم شد نفس عميق وهو ماسك إيد جميلة بإيده، عينيه على عينيها وهو بيقول بصوت هادي لكن مليان إحساس:
"جميلة، في حاجات كتير إنتِ ما تعرفيهاش عني."
"من أربع سنين، أمي كانت جاية تشوف بنت أختها، وجيت معاها بالصدفة."
"وقتها شفتك لأول مرة، كنتي، نازلة على السلم بكل الحيوية والبراءة دي، حاجة فيكي شدتني من أول لحظة، خطفتني من غير ما حتى تاخدي بالك."
"كنت وقتها لسه ببدأ ألتزم بصلاتي وأقرب من ربنا، غضيت بصري عنك ومشيت."
"بس رغم كده، مشيت وما رجعتش عندكم تاني"
"صورتك فضلت في بالي، حسيت إنك حاجة مختلفة، حاجة ربنا بعتهالي."
"أخذت وعد على نفسي ساعتها: ما أقربش منك إلا بالحلال، ما أعملش حاجة تغضب ربنا."
"قعدت أدوّر وأعرف عنك كل حاجة: بتحبي إيه، بتكرهي إيه، إيه اللي بيفرحك وإيه اللي بيزعلك، كنت بحاول أفهمك من بعيد."
"قلت لنفسي: إن شاء الله أول ما أكون نفسي، هروح أتقدم لها زي ما ربنا قال."
"كنت عايز أحفظك بحلال ربنا وأكون أول راجل في حياتك بحق."
"وفي مرة، شفتك وشوفت بصيتك لابن عمك بكل الحب اللي في الدنيا. والله يا جميلة قلبي وقتها وجعني وجع محدش في البشرية كلها يتحمل ، اتمنيت أكون مكانه. بس ما قلتش حاجة، قلت يا رب،يا رب أنتَ عالم اللي في قلبي ناحيتها، لو خير ليّ، ارجعها ليّ، ولو شر، بَعِّدها عني."
"بعد فترة، لقيتك عندنا في البيت."
"سمعتك بالصدفة وانتي بتتكلمي مع أمي، ووقتها عرفت إن دي فرصتي اللي ربنا بعتها ليّ لحد عندي."
"قلت خلاص، دي علامة من ربنا، لازم أتمسك بيها."
"ومن يومها وأنا بدعي، إني أكون سبب سعادتك، وإنك تبقي معايا بالحلال، زي ما كنت بحلم من الأول."
رحيم وهو بيقول الكلام ده، كان صوته بيرتعش شوية من التأثر، ويده ماسكة إيدها أقوى، كأنه بيأكد لها إنه كان شايفها من زمان مش بس بعينه، لكن بقلبه وروحه كمان.
كل ده وجميلة فضلت تبص له وهي مش مصدقة، عينيها دمعت من غير ما تحس. قلبها كان بيتخبط بين استغراب وفرحة وحزن في نفس الوقت.
"إنت، إنت كنت شايفني من زمان كده؟ وكنت شايل كل ده جواك؟"
ابتسمت بخفة وهي مش قادرة تخفي دهشتها:
"أنا… أنا ما كنتش عارفة، ما كنتش متخيلة إنك عديت بكل ده عشاني."
"إزاي استحملت تشوفني بحب حد غيرك؟ إزاي ما اتكلمتش؟ إزاي كنت صابر كده؟"
وقفت لحظة، دمعة نزلت من عينها، مسحتها بسرعة وهي بتقول:
"أنا حزينة عليك، إنك كنت لوحدك في كل ده، حزينة إني ما كنتش شايفة."
"وفي نفس الوقت، فرحانة، فرحانة إن ربنا رجعني ليك، وإنك كنت ماسك في حلمك بيا وما سيبتنيش."
وبصت له بدهشة حقيقية، كأنها بتشوفه لأول مرة:
"رحيم، إنت مش بس اخترتني، إنت صبرت عشانّي، ودعيت عشانّي، وده عند ربنا كبير أوي."
"أنا مش عارفة أقول إيه، بس أنا عايزة أقول لك إن من النهارده أنا اللي هعوضك عن كل اللي فات."
ومدت إيديها المرة دي هي اللي شدت إيده، كأنها بتأكد له إنها مش هتسيبه.
رحيم شد إيدها أكتر، وعينيه مليانه صدق ودفا:
"على فكرة يا جميلة، لما جيت طلبت إيدك، أبوكي قالي كل حاجة. قالي: يا ابني أنا مش عايزك في يوم تعرف وتجرح بنتي، كفاية اللي شافته."
"ساعتها أنا ما ترددتش ولا ثانية، قلت له: يا عمي دي جوّه عيوني، والله ما هخلي دمعة تنزل لها طول ما أنا عايش."
"أنا كنت حاسس إن ربنا بيرد لي الأمانة اللي كنت بدعيله بيها سنين."
"وكمان، يوم كتب الكتاب، عادل جه وقالي كلام يوجع، كلام مليان سم. وكان عايزني أسيبك."
"بس أنا، ولا لحظة حسيت إني ممكن أسيبك."
"أنا كنت شايف إن دي محنة من ربنا، اختبار ليا وليكي."
"قلت: يا رب إن كانت هي خير لي، ثبّتني عليها، وإن كانت شر، أبعدها عني."
"ولما لقيتك قدامي، بلقاكي معايا دلوقتي، فهمت إنك رزق، وإنك نصيبي اللي استنيته."
جميلة كانت قاعدة تسمعه ودموعها بتنزل واحدة ورا التانية، قلبها بيتقلب بين فرحة ووجع وحب ما يتوصفش.
بصت له بدهشة:
"إزاي يا رحيم… إزاي استحملت كل ده وساكت؟ إزاي كنت بتعافر عشانّا وأنا حتى ما كنتش عارفة؟"
رحيم ابتسم ابتسامة هادية، فيها وجع وحب:
"استحملت عشانك، وعشان اللحظة دي. كنت واثق إن اللي مكتوب ليا مش هيعدي. وكنت متأكد إن ربنا هيجمعني بيكي، حتى لو الدنيا كلها وقفت قصادي."
جميلة ما قدرتش تمسك نفسها، ارتمت في حضنه، وهي بتقول بصوت مكسور من العياط والفرحة:
"أنا بحبك يا رحيم، بحبك أكتر من أي كلمة في الدنيا ممكن توصف."
رحيم شدها ليه أكتر، مسح دموعها بإيده وقال لها بهزار خفيف:
"خلاص بقى يا ست دموع، مش ناقص أغرق أنا كمان. خلينا نبتدي صفحة جديدة، صفحة مافيهاش غير أنا وانتي وربنا اللي شاهد علينا."
***
مدّ إيده وخد إيديها بقوة، وقال بابتسامة دافيه:
"اسمعيني كويس، من النهارده، مفيش وجع لوحدك. مفيش دمعة تنزل من غير ما أمسحها، ومفيش خوف من بُكرة إلا وإحنا سوا. أنتي مش مجرد زوجة، أنتي أمان أنا بدور عليه من زمان."
دموعها نزلت، مش من وجع المرة دي، لكن من فرحة. قربت منه وقالت:
"أنا مش مصدقة، كل اللي دعيته لربنا لقيته فيك. كنت فاكرة الحب كلمة بتنقال، لحد ما انت وريّتني إنه فعل، فعل بيطبطب، فعل بيخاف عليا، فعل بيحميني حتى من نفسي."
رحيم ابتسم ومال ناحيتها وقال:
"يبقى نتفق، من هنا ورايح، كل اللي جوانا يتقال. لا كتمان، لا أسرار. إنتي قلبي يا جميلة، وقلبي عمره ما يخبى عليك."
حضنها، وهي لأول مرة تحس إنها مش لوحدها في الدنيا.
رحيم وهو ضاممها ليه أكتر، صوته واطي بس مليان قوة:
"تعرفي يا جميلة، أنا عمري ما كنت محتاج كلمة حب منك عشان أصدق مشاعرك. كنت محتاج لحظة زي دي، لحظة أسمعك فيها وانتي بتقوليها بصدق، من قلبك. اللحظة دي أغلى عندي من الدنيا كلها."
رفع راسها بإيده، بص في عينيها بثبات:
"أنا اخترتك مش عشان انتي كاملة، اخترتك عشان انتي نصي التاني. اخترتك عشان حتى بكسورك وغلطاتك، لسه أحلى وأطهر حاجة في حياتي. ولو الزمن رجع بيا ألف مرة، هختارك برده."
جميلة ما استحملتش الكلام، الدموع زادت في عينيها بس ابتسمت ابتسامة صغيرة:
"رحيم، انت عمرك ما هتعرف قيمتك عندي. إنت اللي علمتني إن الحب مش بس كلمة، الحب إنك تلاقي اللي يمسح دموعك من غير ما تطلبي، واللي يشيلك من وسط كسرتك ويخليك تقفي تاني."
رحيم ضحك ضحكة خفيفة وهو يمسح دموعها بإبهامه:
"أنا قلتلك من الأول، أنا عمري ما هسيبك. هفضل سندك طول عمري، ومهما حصل، هتفضلي جميلة اللي في قلبي، واللي مستحيل أفرّط فيها."
وبعدها ضمها تاني لحضنه، كأنه بيطبع وعد جديد على روحها، وعد عمره ما يتكسر.
بعد ما خلصوا الكلام العاطفي وقعدوا ساكتين شوية، رحيم فجأة قال وهو ماسك إيدها:
"على فكرة… إنتي عارفة إنك معقدة حياتي؟"
جميلة بصت له باستغراب:
"إزاي يعني؟"
ابتسم وقال:
"يعني من ساعة ما اتجوزتك وأنا مش عارف أركز… إنتي واخدة عقلي كله، حتى الشغل بقى طعمه غير من غير ما تحكيلي حاجة قبل ما أنزل."
ضحكت وقالت وهي بتزقه بخفة:
"يا عم بلا كلام أفلام… مش مصدقاك."
قرب منها وقال بهزار:
"ماشي يا ست جميلة، بس أوعى تنسي إنك دلوقتي مراتي رسمي، يعني لو زعلتيني مش هلاقي حد يطبخلي ولا يضحكني."
ردت بسرعة وهي بتهزر:
"هو إنت اتجوزتني عشان أطبخلك؟ طب روح اتجوز طباخة."
ضحك وقال:
"لا يا ستي، اتجوزتك عشان تزعقلي بالليل وتقوليلي قوم نام بدرى… وعشان تقعدي تزنّي عليا لما أنسى حاجة."
قعدوا يضحكوا سوا، هي بصوتها العذب وهو بضحكته الدافية، وكأن اللحظة دي كانت أول صفحة حقيقية في كتاب حياتهم.
***
عدّوا السنين كإنهم يوم، يمكن أكيد كان في مشاكل، زي أي بيت، زي أي حكاية.
بس هم كانوا مختلفين، كانوا دايمًا يعرفوا إزاي يرجعوا لبعض، إزاي يضحكوا وسط الدموع، إزاي كلمة بحبك، منهم تمسح وجع الدنيا كلها.
كانت حياتهم مش كلها وردي، زي أي اتنين، اتخانقوا، زعلوا، اتوتروا، يمكن حتى كرهوا اللحظة اللي اتقابلوا فيها.
لكن في كل مرة الدنيا كانت تفرق بينهم، كانوا بيرجعوا لبعض من غير ما يحسوا، كأن في خيط خفي بيربط قلوبهم.
رحيم كان دايمًا يضحك ويقول لها:
"يا بنتي هو في مشكلة في الدنيا ما نعديهاش؟ أنا وأنتِ مش محتاجين غير نبص لبعض ونفهم."
فترد جميلة وهي بتبتسم:
"طب ما تيجي نبطل خناقات من أساسه بقى."
يضحك ويقرب منها ويقول:
"أهو ده مستحيل، لأن من غير خناقاتنا مش هيبقى في مصالحات… ومن غير مصالحات مش هيبقى في حب."
والغريب إن كلامه كان صح… كانوا يعرفوا إزاي يحوّلوا حتى وجعهم لهزار وضحك، ويخلوا الضلمة اللي بينهم مليانة نور.
وبقى حبهم مش مجرد كلمة، بقى أمان، حضن بيرجعوا له، وطن بيستقروا فيه، وجنة صغيرة في وسط زحمة الدنيا.
***
في النهاية جميلة، كانت شبه أي بنت عادية، تخاف تغلط، وتتكسف تقول الحقيقة، وتتهز قدام كلمة حب أو اهتمام.
بس الحقيقة اللي اتعلمتها، واللي لازم كل بنت تتعلمها، إن مفيش حاجة تستاهل إنك تضيعي نفسك عشانها، ولا في حد يستاهل يخليكي تبيعي رضا ربنا أو كرامتك.
يا بنات، اسمعوا الكلام ده كويس:
الحب مش إنك تعيشي على ذكريات وهمية ولا على كلمة حلوة اتقالتلك من حد ما يستاهلش.
الحب الحقيقي هو اللي يخليكي أقوى، يخليكي مطمئنة إن في راجل شايف قيمتك، ماسك في إيدك عشان يحافظ عليك مش عشان يقيدك.
اللي يسيبك أول غلطة أو أول موقف، ده عمره ما كان بيحبك.
لكن اللي يقف في وش الدنيا كلها عشانك، ويسامحك لما تخافي، ويصدقك لما كل الناس تكذبك، ده هو اللي يستاهل قلبك وحياتك.
افتكروا دايمًا: اللي يحبك بجد مش هيكون بس عايزك معاه في الدنيا… هيكون عايزك معاه في الجنة.
هيخاف عليكي من غضب ربنا قبل ما يخاف يفقدك.
هيشوفك أمانة في رقبته، مش مجرد علاقة يعدي بيها.
ومتديش قلبك لحد يكسرك.
ما تخليش خوفك من الوحدة يرميكي في حضن الغلط.
واللي ربنا كاتبهولك هيجيلك في وقته، وهيفرح قلبك بطريقة عمرك ما كنتي تتخيليها.
كوني جميلة في قلبك قبل شكلك، وساعتها هتلاقي اللي يشوف الجمال الحقيقي جواكي.