تحميل رواية «الزوجة الاولى» PDF
بقلم شيراز القاضي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كلمه هتفت بها بحرقه بينما تقف امامه يطالعها بنظرات غاضبه ليقول: "نبيله! لا تثيري غضبي اكثر واصعدي الي غرفتك حالا!" عادت تهتف من بين دموعها مجددا: "بالله اكتفيت! لا استطيع العيش معكم بعد الان! ولم تريد مني البقاء من الأساس!! الست انت من هجرتني اكثر من شهر للبقاء بجانب زوجتك الجديده لكونها حامل!" اندفع يمسكها من كتفيها يهزها صارخا: "الم يكن قرارك ان اتزوج بأخرى كي أحظي بطفل من صلبي! الم تذهبي بنفسك مع أمي لإختيارها! وها قد تم مرادك! لقد أصبحت سبيل حامل.. حامل بقطعة مني! لم تفعل شيء يؤذيك لتكرهيها...
رواية الزوجة الاولى الفصل الأول 1 - بقلم شيراز القاضي
كلمه هتفت بها بحرقه بينما تقف امامه يطالعها بنظرات غاضبه ليقول:
"نبيله! لا تثيري غضبي اكثر واصعدي الي غرفتك حالا!"
عادت تهتف من بين دموعها مجددا:
"بالله اكتفيت! لا استطيع العيش معكم بعد الان! ولم تريد مني البقاء من الأساس!! الست انت من هجرتني اكثر من شهر للبقاء بجانب زوجتك الجديده لكونها حامل!"
اندفع يمسكها من كتفيها يهزها صارخا:
"الم يكن قرارك ان اتزوج بأخرى كي أحظي بطفل من صلبي! الم تذهبي بنفسك مع أمي لإختيارها! وها قد تم مرادك! لقد أصبحت سبيل حامل.. حامل بقطعة مني! لم تفعل شيء يؤذيك لتكرهيها هكذا!"
ظلت تطالعه بيأس لا تستطيع الكلام، وعلي بعد خطوات منها تقف حماتها تنظر لها بتوسل ألا تخبر رائف أنها من ألحت عليها أن تخبره بأمر الزواج! ستنقلب الدنيا وتزداد تعقيدا!
كفكفت دموعها بينما تابع هو غاضبا:
"الفتاة منذ أتت أصبحت كالنسيم في البيت! الجميع يحبها! وحدك أنتِ من حاولت مرات عدة إظهارها بشكل غير لائق وكأنك امتلكت البيت وحدك وهي محض خادمة لديك لا ترقى لمستواكِ ومع ذلك لم أحاسبك من قبل! لكنني أخبركِ من الآن. أجل يا نبيله لم أشعر معكِ كما أشعر معها! أجل أحبكِ لكن أعشقها! تسللت إلى داخلي دون أن أدري فماذا أنا بفاعل! إنها زوجتي مثلكِ! لها حق مثلكِ وأكثر بسبب وضعها الحالي! لا تتحملين البقاء معها في بيت واحد سوف أحضر لإحداكما بيت آخر لتسكن به! أما طلاق.. أبداً لن أترككِ!"
"سيدتي لقد وصلنا إلى العنوان."
أجفلت وهي تدرك أنها رحلت بزكرياتها مجددا دون أن تدري.
خرجت من سيارة الأجرة تجر حقيبتها خلفها بيأس! محض حطام أنثى!
فتح الباب ما إن قامت بطرقه لتفتح لها امرأة تشبهها وقد كسا وجهها الحزن الشديد وهي تحتضنها بشده، فانهرت نبيله بين أحضانها بالبكاء!
لقد تطلقت أخيراً بعد معاناة!
نبيله حلمي.. ابنة حلمي الراوي رجل القانون! عادت لبيت أبيها معطوبة مهزومة ومطلقة!
جلست في غرفتها تتذكر حياتها كيف كانت!
نبيله ذات الشخصية القوية والواثقة.. الجريئة والمتحكمة بكل شيء.. الصريحة التي لا تجامل أحداً.. زوجة رائف مندور.. أوه آسفة طليقته!
ضحكت بسخرية مريرة وهي تتذكر حياتها التي كانت تحسبها مثالية! زوج محب ومتفانٍ والمضحي بحلم أبوته لأجلها.
عاقر! .. دوت تلك الكلمة المقيتة داخل عقلها لتحيط رأسها بيديها جاثيةً أرضاً وهي تبكي بحرقة!
حياتها كانت جيدة.. بل ممتازة لا ينقصها سوى طفل!
زوجها كان كريماً كونه اكتفى بها هي ولم يرد جرحها بشأن الإنجاب، ولكن حماتها أتتها تبكي كي تقنع ولدها الوحيد أن يتزوج! وعدتها أنها ستختار فتاة معدمة.. فتاة كل طموحها بيت يأويها فقط وأن كل شيء سيبقى كما هو.. فقط ليتزوج ويأتي بطفل!
ازداد بكاؤها وهي تتذكر كيف تغير زوجها فجأة من محب إلى منتقد! كيف أصبحت هي الشريرة وزوجته الثانية كانت ملاك الحكاية! كيف كانت تكتوي بنار القهر والغيرة حين تراه يتسلل إلى غرفتها ليلاً حاملاً بعض الزهور أو لوح شوكولاتة أو أي شيء! لم تحيا هي هكذا مشاعر معه! كيف كان الجميع ينظر لها وكأنها دخيلة بينهم! كيف كانت فرحته بخبر حملها وكيف احتضنها بحب وعشق ظهر في حدقتيه وهو يطالعها غير مبالٍ بأحد ممن حوله! كيف كان رائف يفرق في المعاملة بينها وبين سبيل لكونه يرى أن سبيل بحاجة للدفاع عنها دائماً عكسها!
اكتفت من القهر والعذاب والغيظ! احتضنت جسدها وهي تشهق متذكرة كلمات الخدم عنها بأنها دخيلة بين عصفوري الحب!
ظلت وتيرة بكائها في ازدياد حتى سمعتها أمها لتدخل لها راكضة وهي تضمه لتقول:
"كفاكِ يا نبيله! أرهقتِ قلبي يا ابنتي!.. أهدأي يا صغيرتي هيا!"
لكنها لم تهدأ.. بل وكأنها لم تسمعها من الأساس، فقط تبكي وتصرخ قهراً مما هي به وما تشعره!
في مكان آخر...
"هيااااام! لقد أتى الباص هياا"
قالها وهو يقوم بتحضير زجاجة الحليب الصناعي للرضيع القابع فوق صدره يحمله بحامل الأطفال.
أتت الطفلة الأخرى راكضة لتقول وهي ترتدي حقيبتها:
"لقد أتيت أبي!"
طالع طفلته ذات الأربعة أعوام بدفء ليقبل جبينها وهو يودعها عند الباب ليتأكد من ذهابها ليهتم بالرضيع قبل ذهابه إلى عمله هو الآخر!
بعد مرور عدة أيام من العزل الذي أدخلت نبيله نفسها به أتت صديقتها مها بناءً على طلب والد نبيله منها.. ربما نجحت في انتشالها من بؤسها!
تحدثت مها قائلة:
"تحلي ببعض الصبر يا نبيله! أين ذهبت نبيله القوية المسيطرة على كل شيء حولها!"
قالت نبيله من بين دموعها:
"رحلت وانكسرت."
تنهدت مها لتقول بغضب:
"لم تنتهي! ها هي أمامي لكن بحاجة إلى دفعة قوية فحسب... انهضي الآن لدي عمل لك!"
قطبت حاجبيها لتجيب:
"أي عمل!! أنا لا أريد الخروج الآن!"
قالت مها بصبر:
"نبيله يا عزيزتي! اخرجي من تلك القوقعة المقيتة... لقد افتتحت دار حضانة منذ بضع سنوات مضت.. تعلمين هذا صحيح؟! ..أريدك أن تعملي معي بها.. تدرسين النشاطات للأطفال فما رأيك؟!"
برقت عينا نبيله بلحظة واحدة! لتقول:
"أتعامل مع... الأطفال؟!"
أومأت مها بحماس لتقول:
"أجللل! ولدينا فترتين في الحضانة.. بعض أولياء الأمور يتركون أطفالهم الرضع كذلك لعدم تفرغهم! .. لك حرية الاختيار.. إذا أردت البقاء لفترة واحدة أو الاثنتين."
قالت نبيله بلا تردد:
"الفترتين بالتأكيد.. انتظريني."
وقفزت من مكانها مهرولة إلى غرفتها لترتدي ثيابها.
التعامل مع الأطفال هو ما تبرع به وهفو روحها له!
نظرت لنفسها في المرآة حين انطفأت عيناها ما إن تذكرت عقمها من جديد.. لكن لا بأس! .. سيصبح أطفال الحضانة جميعهم أولادها!
وصلا بعد حوالي نصف ساعة لترهف نبيله السمع بفرحة وهي تستمع إلى تهليل الأطفال داخل الروضة.
سارت بتوتر وفرحة حتى وصلتا إلى غرفة المعلمين في الروضة وقامت مها بتعريف نبيله لهم وها هي الآن في جولة لرؤية المكان كله قبل توجهها إلى فصلها الدراسي.
دخلت متوترة وهي تنظر إلى الأطفال الذين بدورهم ينظرون لها بفضول لطيف ارتجف له قلبها لتقول:
"مرحباً يا صغار! أنا معلمتكم الجديدة.. هل لنا أن نصبح أصدقاء؟"
أومأ لها الأطفال بالموافقة دون كلام جعلها تهتز قليلاً لتقول بحماس طفولي:
"لقد أحضرت لكم شيئاً."
وقامت بإخراج حقيبة بدت ضخمة بعض الشيء من خلف الباب لتخرج منه دمى وسيارات متعددة فهلل الأطفال لها وهي تعطي لكل منهم لعبة تناسبه بدت باهظة الثمن!
تعرفت عليهم نبيله وكانوا لطفاء وأعمارهم ما بين الثلاثة والرابعة من العمر فقط وعددهم ليس بكبير!
درستهم بعض النشاطات كالرسم باستخدام الفرشاة والألوان المائية والقص واللصق على اللوحات وبالفعل نسيت ما بها مؤقتاً معهم!
عقب انتهاء الدوام ودعها الطلاب بضمة دافئة أدمت قلبها وأحبتها للغاية ثم ذهبت إلى الطابق الثاني الذي به الرضع والأصغر سناً لتراهم وتعتني بهم مع المختصين.
"هيام؟! ما هذه الدمية!!"
قالها وهو يتفحص تلك الدمية التي تبدو باهظة الثمن والتي كانت بيد ابنته لتقول بحماس:
"أوه إنها هدية المعلمة نبيله!"
قطب حاجبيه بشك وهو يقلب الدمية بين يديه:
"لكنها غالية.. وأيضاً ليس هناك معلمة في الروضة اسمها نبيله."
قالت ابنته من جديد بحماس أكبر:
"لا لا هذه جديدة يا أبي.. أتت اليوم وقامت بتوزيع الهدايا علينا كما علمتنا الرسم بالفرشاة!"
أومأ لها وهو ما يزال متعجباً لكنه أثر الصمت.
في اليوم التالي وقفت نبيله تغني مع الأطفال أغنية مرحة لتعلم الاتجاهات وكم بدت سعيدة وهي تتفاعل معهم!
خرج بعدها الصغار للهو في الحديقة الخاصة بالروضة مع الأطفال الأكبر سناً ووقفت هي وبعض المعلمات ليراقبن الأطفال.
زاغ بصرها عنهم لدقيقة واحدة وهي ترتشف بعض الشاي لتسمع صوت صراخ جعلها تبثق ما بفمها وتلقي بالكوب أرضاً وهي تركض نحو التجمع الذي صنعه الأطفال فوجدت طفلة تبكي بحدة وقد وقعت بسبب دفع طفل لها.
احتضنتها بخوف وهي تحاول معرفة ما إن أصابها مكروه لتقول:
"يا إلهي هيام! هل أنتِ بخير! ما الذي يؤلمك!"
لكن قابلها فقط بكاء هيام العالي ولم تهدأ فإضطروا للاتصال بأبيها!
بعد مرور بعض الوقت قد هدأت بين أحضان نبيله ليكتشفوا أنها نامت من فرط البكاء!
لاحظت نبيله كون الجميع متوتر من حضور والد هيام لتتحدث إلى زميلتها نها قائلة:
"لم الجميع متوتر وخائف هكذا! .. الفتاة بخير!"
قالت لها نها وهي متسعة العينين:
"أنت لا تعرفينه ولك كل الحق للتعجب لكن حين ترينه الآن ستفهمين لم الجميع متوتر."
اعتدلت وهي تتحدث بحماس واستفاضة عن هذا الشخص:
"إنه أكثر شخص عصبي وشرس قد رأيته في حياتي.. ما إن يحضر إلي هنا بخصوص أي مشكلة تخص ابنته حتى يقيم الدنيا فوق رؤوسنا! .. لكنه أحن وأوفى رجل قد تقع عليه عيناك."
نظرت لها نبيله بتعجب لتكمل نها بضحكة لطيفة:
"آه لو رأيته بزي عمله الرسمي وهيئته المرعبة وجسده الضخم ومع كل هذا الرعب يقبع شيء صغير فوق صدره إن..."
قاطع كلماتها صوت صراخ رجل ما يخاطب مها بحده.
أجفلت نبيله لها لتقول نها بضحكة:
"ها قد أتى السيد سامر والد هيام."
رواية الزوجة الاولى الفصل الثاني 2 - بقلم شيراز القاضي
دخل مندفعاً وهو يكمل صراخه.
فسمعته هيام وقامت من نومها وركضت باتجاهه.
نظرت له نبيلة لتتسع عيناها ما إن فهمت سر كلمة نورا حين قالت: "هناك شيء قابع فوق صدره".
كان يحمل طفلاً صغيراً في حامل للأطفال أسود اللون فوق صدره.
كان هو يتفحص ابنته بخوف وغضب وهو يهدأ من روعها في آن ذاته، لكن نبيلة كانت في كوكب آخر.
عيناها كانتا تأكلان الصغير بنهم.
ويبدأ أنه ضغط عليه دون قصد فصرخ الصغير.
لتقول نبيلة بلهفة لم تفت سامر الذي انتبه لها أخيراً:
"هاته أنا سأهتم به ريثما تهدأ هيام.. أنا معلمتها الجديدة، لا تقلق."
أومأ لها ليخلع الحامل ويعطيها الصغير الذي ضمته لها بحب وهي تلهو معه ليصمت.
"أنا لا أصدق أنني تركت عملي واضطررت لإحضار تيم معي لأجل هذه التفاهة.. كدت أن أصاب في حادث أكثر من مرة لأجل أن تخبروني أنكم لم تستطيعوا تهدئة طفل! ثم لم تركتم الأطفال الأكبر سناً بينهم!! لقد حدث الكثير من المصائب بسببهم من قبل.. هذا اسمه تسيب."
صرخ سامر بحنق وهو يسحب شعره بعنف إلى الخلف.
وأثناء صراخه رن هاتفه ليجيب:
"أجل سيدي، اعذرني! لم أقصد المغادرة في هذا الوقت، لكن ابنتي أصيبت في الروضة ولا أحد آخر قادر على المجيء! لكن.. آه.. لا لا سيدي سأتصرف، أنا أعتذر!"
أغلق معه وهو يشتم هامساً بألفاظ خادشة للحياء، لكنها وصلت لنبيلة بوضوح لتتسع عيناها من هول وقع الكلمات عليها.
جلس واضعاً كفيه على رأسه.
لتنظر له نبيلة بتوجس قبل أن تتطلع حولها فلم تجد سوى مها تقف عند الباب وهيام الصغيرة تقف بجوار والدها تربت على ساقه ما إن رأته مهموماً لا يعرف ماذا يفعل.
قالت نبيلة بعد تردد:
"أحم يا سيد، هل أنت بخير؟"
نظر لها بتشوش قليلاً ليقول بعد برهة:
"لقد تركت عملي فجأة بسبب مكالمتكم لي، وفي الطريق اضطرت جارتي إلى السفر فقامت بالاتصال بي لأخذ تيم منها، وأنا الآن عالق لا أعرف كيف لي العودة إلى العمل ومع تيم!"
قالت له بتعاطف ولطف وبعض الفضول:
"اعذرني على التدخل.. لكن ما هو عملك؟!"
رفع رأسه ناظراً لها بنفاذ صبر:
"تابع لشركة حراسات خاصة، ومن أقوم بحراسته كان في اجتماع خارجي وتركته وأتيت!"
عضت على شفتيها بتوتر وهي تراه يقف مقترباً منها لأخذ الصغير.
لتقوم بالتحرك للخلف بسرعة لتمنعه مما أثار اندهاشه أكثر.
لكنها قالت:
"انتظر فقط! أنا لدي الحل.. اترك الصغير! لدينا في الطابق العلوي قسم خاص بالرضع وهناك مختصون للتعامل معهم.. وأنا سوف أعتني به، أنا أعدك.. وحين تنتهي من عملك تعال وخذهما معاً! سأعتني بكلاهما."
زفر الهواء بضيق ليقول:
"يا آنسة ليس معناه أنني أعمل في شركة حراسات خاصة أني معي مال وفير.. لا أستطيع تحمل التكلفة.. هات سأتصرف معه وشكراً لعرضك."
حين لاحظ أنها تبتعد أكثر قال بعصبية:
"هاي! أعطني ابني كي أرحل.. أنا لا أنام باليوم سوى ثلاث ساعات مما دمر لدي الجهاز العصبي لذا أنا دائماً لدي استعداد للقتل فلا تثيري جنوني أكثر!"
تحدثت بنبرة أقرب إلى التوسل لتقول:
"بالله عليك كيف ستتصرف وأنت عليك العودة إلى عملك سريعاً.. فقط اتركه! سيكون لك خصم هائل خصيصاً لك.. فكر بالأمر.. ستضعهما في الروضة طول النهار وتمر لأخذهم ليلاً على النوم مباشرة!"
نظر لها لبرهة وهي تتابعه بترقب وقلب خافق ليقول على مضض:
"حسناً موافق.. تفضلي.. هذه حقيبة متعلقاته الشخصية! حين أعود سنرى أمر المال."
أومأت له بحماس وأعين لامعة أثارت اندهاشه أكثر وأكثر:
"لا تقلق أبداً أبداً صدقني لن تشعر بخلل في ميزانيتك.. سيكون مبلغاً رمزياً.. اعتذار من الروضة لإهمالها اليوم."
أومأ لها بتوجس ليقبل طفله القابع بين يديها ويحتضن هيام بحب ليغادر.
وقد تم الأمر.
أصبح سامر يأخذ أطفاله صباحاً إلى الروضة ويعود لأخذهم ليلاً، وكان الأمر مريحاً له للأمانة.
كما أنه صار يطمئن ما إن يجد نبيلة بالقرب من طفليه.
توطدت علاقتهما إلى ما يشبه الصداقة.
فقد عرف أنها منفصلة لكنها لم تذكر الأسباب وأخبرها هو بالمقابل عن وفاة زوجته وكونه يتيماً لا أقارب له سوى بعض الأعمام، لكن أخذت الدنيا كل شخص في اتجاه معاكس.
ذات يوم اتصلت السيدة آمال والدة نبيلة تخبرها أن تتوجه إلى بيت خالها، فقد أنجبت ابنته نورا ويجب عليها أن تبارك لها.
ابتسمت بألم وهي تمسح دموعها بسرعة وهي في سيارتها متجهة إلى بيت خالها وهي تتمتم بالحمد لله على كل حال.
ترجلت من السيارة لتسير باتجاه الباب الرئيسي.
وقد فتحت لها الخادمة الباب وهي تبتسم لها برقة.
دخلت وسلمت على خالها وزوجته التي رحبت بنبيلة ببرود.
بالطبع.
رائف يكون شريك زوج نورا وبما أنهما انفصلا فقد أصبحت نبيلة في خانة الأعداء.
تنهدت بحزن لم يظهر لأحد لتقول:
"خالي! هل نورا مستيقظة الآن لنراها؟ لدي عمل ولابد لي من العودة وكنت أود أن أبارك لها قبل رحيلي."
ابتسم خالها ليخبرها أنها مستيقظة وقام معهم ليذهبوا إليها.
وقفت تراقب مهد الطفلة بابتسامة حنون.
وما كادت أن تلمسها حتى انتزعتها زوجة خالها بسرعة لتقول بتوتر ما إن لاحظ الجميع حركتها:
"فقط حان وقت تبديل حفاضها."
أومأت لها نبيلة بابتسامة منكسرة، فقد فهمت أنها تخشى أن تصيبها بالعين أو تؤذيها.
كما لاحظت أن نورا نفسها غير مرتاحة لتواجدها.
هبت واقفة من مكانها بسرعة لتقول:
"لدي عمل ولابد لي من الذهاب.. مبارك يا نورا وداعاً."
ركضت من أمامهم وهي تبكي بصمت حتى خرجت من المنزل.
ولم تحتمل فسقطت جاثية على ركبتيها باكية بشدة وهي تحتضن نفسها.
أجفلها تلك اليد التي وضعت على كتفها لتنظر بسرعة لتندهش من بين دموعها حين ترى وجه سامر المتعجب لرؤيتها كذلك.
قالت من بين دموعها:
"ما الذي تفعله هنا؟!"
قال لها بعد أن جلس أمامها بقلق:
"أخبرتك أنني أعمل كحارس شخصي وأنا هنا رئيس حرس السيد أكرم! وأنت؟ ماذا أصابك!! ولم أنت هنا؟!"
كانت فقط تبكي وهي تنظر إلى الأسفل.
فقال:
"حسناً حسناً تعالي معي لا يصح جلوسك أمام الرجال هكذا."
وقفت بمساعدته تستند على ذراعه ليذهبا باتجاه بعض الكراسي التي تبعد قليلاً عن الأعين.
تحدث ما إن جلسا:
"ماذا بك! ولم أنت هنا في وقت عملك! هل ستعملين هنا؟"
قالها بخوف جعلها تضحك ببؤس وهي تحرك رأسها نافية:
"إنه منزل خالي."
أجفل من هذه الحقيقة ليقول وهو يهم بالوقوف مما أثار تعجب نبيلة:
"وكيف لم تخبريني من قبل! يا إلهي لا أصدق أنني... آآآآه واللعنة!"
التفت لها ليقول:
"لقد لقد.. تعاملت معك وكأنك.. آآآآه."
أحاط رأسه بيديه هو يعبث بشعره من شدة خجله من كونه تباسط معها بالكلام سابقاً.
وقد تحدث معها أكثر من مرة بطريقة غير لائقة.
قاطع تأنيبه لنفسه حين قالت ضاحكة من بين دموعها:
"ستقتلني يوماً بطريقتك تلك في التعامل!.. لقد ولت أيام الملوك والبشاوات سامر!"
لكنه ظل على وضعه ليقول وقد اصفر وجهه بطريقة جعلتها تختنق من كثرة الضحك أكثر:
"انتظري انتظري... لقد تلقيت أوامر بأن القادم الآن هو السيد حلمي الراوي وأسرتها."
أومأت له مبتسمة ولا تزال عيناها تشعان حزناً:
"أجل أنا ابنته!"
فغر فاه ليقول:
"لقد عملت معه لفترة منذ بضع سنوات.. انتظري انتظري!"
ظل ينظر إلى عينيها بدهشة ممزوجة بابتسامة جعلتها تتعجب.
تذكر هو فتاة صغيرة في المرحلة الثانوية بوجه طفولي ناعم وشعر كستنائي براق قامت برفعه إلى الأعلى لكن مازال طوله يصل إلى منتصف ظهرها تركض مسرعة من بوابة الفيلا الخاصة بوالدها لتقابله أمام الباب الداخلي متعلقة في عنقه بفرحة.
قال بعدما تذكر:
"يا إلهي.. شعلة المرح! أنت شعلة المرح."
اتسعت عيناها لتقول:
"كيف عرفت أن هذا لقبي أيام الدراسة؟"
ضحك بدفء ليقول:
"أول عمل استلمته كان لدى والدك! ومن بعد سفره إلى ألمانيا قام بتوصية السيد أكرم أن يقوم بتوظيفي فأصبحت رئيس حرسه."
فغرت فاها لتقول:
"لم أنتبه لك قط! ربما لأنني لا أحب الخروج كثيراً!"
أومأ لها مبتسماً وهو يراها لا تزال تبكي وتمسح دموعها بصمت ليكمل:
"حتى الحضانة التي أودعت بها هيام كان توصية من السيد أكرم لقاء مبلغ معين من المال يناسبني."
ابتسمت بدفء من بين دموعها ما إن أتى على سيرة ابنته.
تساءل بقلق:
"رباه نبيلة هلا هدأت قليلاً! إن لم يضايقك الأمر تحدثي إلي وأخبريني عما يحزنك!"
قالت بمرارة بالغة:
"لقد أنجبت نورا بنتاً جديدة."
أومأ لها ليقول بتعجب:
"أجل!!"
تنهدت بألم لتقول وهي تنظر لكل شيء عداه هو:
"لا أعلم من أين أبدأ! حسناً... أولاً كنت زوجة لرجل يحبني وأحبه وقد كانت حياتي وردية بكل معاني الكلمة حتى أكدت لي الطبيبة أنني... أنني عاقر! لا أستطيع الإنجاب."
بدأت شهقاتها في العلو من جديد وهو يتابعها مبهوتاً لتكمل:
"لم يطلب مني الرحيل ولكن... والدته أتتني باكية ترجوني أن أقنعه بالزواج ولي مكانتي كما هي! قالت سأزوجه لفتاة كل ما تريده هو بيت يسترها ولن أشعر بالفارق... بالطبع قتلني هذا الحديث.. لكن... لديه كل الحق سامر! لديه الحق في الحصول على عائلة."
مسحت دموعها لتقول بارتجاف:
"ووافقت! وأقنعته! وما إن تزوج بها."
ضحكت بسخرية لتكمل باكية:
"أصبحت الزوجة غير المرغوب بها بين عصافير الحب! الشريرة التي تهدد حياة أم الطفل المنتظر! الشيطانه التي تحاول سحب الرجل من زوجته أم أطفاله!"
بكت من جديد وهي تضم نفسها لتكمل:
"حتى هو! لقد لقد كان يعاملني على هذا الأساس!... لم يحدث في مرة أن قال لي حبيبتي أمام أسرته! لم يضمني إليه مرة وهو يبتسم لي بذلك الحنو الغريب الذي يمطرها به! لم يكن يحضر لي زهوراً ويقدمها لي ليعتذر مني! ... لقد أحضر لها زهوراً وذهب إلى حجرتها فجراً ليواسيها كونه بقي في غرفتي تلك الليلة! وهو وهو كان يهجرني منذ شهر قبلها."
كان ينظر لها بغضب وشفقة اجاد اخفائها وحزن على ما أصابها.
ليسمعها تكمل:
"لم أتحمل وطلبت الطلاق وبعد معاناة.. ها أنا ذا! كل من تصبح حاملاً أو تضع مولودها تخاف مني كي لا أصيبها بالعين أو أحقد عليها!"
بكت من جديد لتقول:
"كانت الرضيعة في مهدها وذهبت لأراها... صدقاً! كنت أريد رؤيتها وأن أشم رائحتها فقط.. فقط أقسم أني لا أكن لأحد أي حقد ولكن لا أحد يصدقني! لقد لقد انتزعتها زوجة خالي الطفلة بسرعة من أمامي حتى لا المسها أو أراها!"
غامت عيناه بحزن وهو يفهم الآن سبب لهفتها حين ضمت صغيرة تيم رافضة تركه.
لينهض من مكانه محضراً علبة عصير وعاد سريعاً لها ليقول:
"هيا اهدئي اشربي هذا وستكونين بخير! ولا بأس فلتلتهم طفلتها إن أرادت! هل تظن أن ابنتها هي الوحيدة في الكون أم ماذا! إن تلك الطفلة تشبه أباها بنفس ملامحه الكئيبة كما أن لديها جبهة تشبه جبهة جدي حين صار أصلع."
ضحكت وهي تكفف دموعها.. هي تعلم أن الطفلة جميلة للغاية! تعلم أنه يحاول فقط مواساتها وإ
رواية الزوجة الاولى الفصل الثالث 3 - بقلم شيراز القاضي
"هيا للنوم يا صغير،" قالتها نبيلة بابتسامة حنون وهي تضم تيم إلى صدرها بحب.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى نام تيم قرير العين بين يديها.
وضعتْهُ في فراشه الخاص داخل الروضة لتهبط إلى الأسفل لكي تدرس صفها.
حياتها كانت مستقرة إلى حد ما، تعمل ليل نهار، وأحيانًا يختطفها سامر في فترة استراحتها لتناولا الغداء سويًا في الخارج كما اعتادا.
وذات يوم، بعدما انتهى دوامها، وجدت رنين هاتفها يتعالى لتُرى أن المتصل هو سامر.
أجابت بقلق لتقول فور أن فتحت الخط: "هل الأولاد بخير؟!"
ضحك سامر ليقول: "قولي مرحباً أولاً! إنهما بخير وهما نائمان."
"الحمد لله," تنهدت براحة لتسمعه يقول: "غداً عطلة كما تعرفين."
همهمت له بمللٍ كإجابة ليبتسم قائلاً: "أريدك أن تتنزهي معنا غداً، ما رأيك؟"
كانت نائمة بكسلٍ على الفراش، وما أن سمعت كلمته حتى قفزت جالسة لتقول بفرحة استشعرها سامر على الفور: "حقاً؟! إلى أين؟!"
قال لها: "للحديقة الكبيرة! نأكل ونلعب، وأيضاً الجو حار وهيام تريد اللعب في الملاهي المائية هناك... أوه، قومي بإعداد ثياب إضافية لكي نلعب جميعاً معها."
قالت بحماس: "بكل تأكيد، قادمة."
ابتسم هو للهاتف بعد إغلاقها ليذهب ويتجهز لتلك العطلة.
"يالهي! مر وقت طويل منذ جلست باسترخاء وراحة هكذا!"
قالتها نبيلة وهي تستند على جذع شجرة بجانب سامر وهي تحمل بين يديها تيم، وتنظُر أمامها إلى هيام وهي تلعب مع بعض الأطفال.
تكلم سامر براحة أيضاً: "وأنا كذلك! ... أتعلمين! من أفضل ما حدث لي أنني التقيتك!"
"مهلاً لحظة، لمَ أصبح قلبي يدق بهذا العنف؟"
رمشت بعينيها وهي تنظر له بتوجس ليكمل هو دون النظر إليها: "كانت حياتي ما بين أولادي وعملي، والعطلة كنت أقضيها بالنوم وغسل الثياب! ههه، لكن منذ أن اقترحت عليّ ترك الطفلين في الروضة، أصبحت أيامي أكثر ترتيباً... ولأصدقك القول... أنا فقط مطمئن لوجودك حولهما هناك!"
ابتلعت لعابها وقد أحست ببعض الحرارة التي تتصاعد داخلها، وعندما وجدها سامر صامتة، نظر لها وكاد يسألها فيما هي شارده، ولكنه ضحك بخفوت ليقول: "يالهي! أما زلتِ تخجلين وترتبكين عندما يمدحك أحد!"
قالت وقد اتسعت عيناها: "كيف عرفت؟!"
أمال رأسه قليلاً ليقول بشرود: "كنت أراكِ حين يمدحكِ والدك عندما تحصلين على درجات عالية، فكنتِ تخفضين رأسك وقد ظهر حمار خفيف محبب على وجهك وابتسامة ناعمة رقيقة تشرق شفتيك!"
انفجر ضاحكاً حين فعلت ما قاله بالضبط ليقول حين لمح غضبها: "يا إلهي، لقد فعلتها حقاً! ... أووه، لا تغضبي، كنت أمازح، أقسم!"
كان يوماً لطيفاً قربهما لبعضهما أكثر، وكان فاصلاً لطيفاً ومريحاً لنفسيهما.
وعلى جانب آخر.
"لن تصدقي من رأيت اليوم وأنا في الحديقة العامة!"
قالتها تلك الفتاة بحماس وهي تحادث سبيل، لترفع عينيها بمللٍ من على المجلة لتكمل نرمين: "نبيلة! ... طليقة رائف، ولن تصدقي ما حدث!"
طالعتها سبيل باهتمام لتكمل نرمين بحماس أكبر: "كانت تجلس بجوار رجل، اللهم صل على محمد! أشبه بنجوم السينما الأجنبية! ... تعرفين هذا الرجل العملاق ذا الشعر الطويل الذي قام بدور رجل الماء؟ يشبهه حجماً وشكلاً! وكانت تحمل طفلاً بهي الطلعة كذلك! ... أتعلمين! أنا سعيدة لأجلها."
امتعض وجه سبيل بلا رد، وهي شارده في ذكرياتها البسيطة غير اللطيفة على الإطلاق مع ضرتها السابقة.
دوماً ما كانت تشعر أمامها بالدونية.
حاولت كثيراً مجابهتها، لكنها دائماً ما كانت تفشل.
نبيلة ليست بالهينة أبداً، قد تكون سبيل أجمل منها، لكن لدى نبيلة ذاك الرونق الملكي الهادئ الذي يجذب الجميع إليه.
قالت سبيل بفضول أحرقها: "ومن يكون؟ أولم تعرفيه؟"
مطت نرمين شفتيها بعد معرفة لتقول بهيام مضحك: "وياليتني أعرفه... يا إلهي... أموت أنا فداء لتلك الأعين الجارحة وهذه الضحكة العالية، آآه لو رأيته يا سبيل، آآه!"
شردت سبيل من جديد وشعرت ببعض الغيرة.
الآن فقط يمكنها أن ترتاح بأنها من المستحيل أن تعود زوجة لرائف، ولكن بين زوايا قلبها يقبع شيطان صغير شعر بالحقد عليها وتمنى لو أن حياتها تتوقف دون تطور لأجل ما عاشته بسببها في بداية زواجها من رائف.
كانت ... دائمة التعالي عليها!
لن تنسى لها قط أنها قامت بدفعها بغية التخلص من حملها!
نفضت رأسها تبعد كل تلك الأفكار لتنظر إلى المجلة من جديد.
"كل عام وأنتِ حلوة وسعيدة،" قالها سامر ببهجة إلى نبيلة التي تجلس أمامه في إحدى المطاعم، وقد حضر لها مفاجأة لعيد ميلادها.
قام بفتح علبة أخرجها مسبقاً من جيبه ليفتحها أمامها بشيء من التردد، وإذا بها ترى خاتماً ذهبياً رقيقاً للغاية على هيئة قلب رفيع.
لمعت عيناها تأثراً وهي تأخذ العلبة من بين يديه لتسمعه يقول ببعض الحرج وهو يحك عنقه: "تعنين لي الكثير صدقيني، ولو استطعت لأحضرت لك العالم كله.. لكن هذا ما استطعت تدبره.. وأعجبني للحقيقة."
رفعت عينيها الممتلئة بالدموع لتقول: "ماذا تقول! إنه رائع.. يا إلهي شكراً لك يا باسل!"
خلعت الخاتم الذي كانت ترتديه ووضعته في حقيبتها لترتدي خاتمه وهي تنظر له بفرحة أسعدته، ليقول ببعض التردد: "نبيلة!"
رفعت عينيها له بابتسامة رائعة ليقول وهو لا يحيد بعينيه عن عينيها: "قبل أن أتكلم، اعلمي أنه أياً كان جوابك فلن يتغير شيء."
قطبت قليلاً ببعض التوتر، لكنها ظلت مبتسمة ليكمل: "اممم... نحن أصبحنا أصدقاء منذ ما يقارب العام الآن، صحيح؟"
أومأت له ليقول: "حياتي قبل هذا العام كانت كئيبة وغير منضبطة حتى التقيتك! لقد ساهمت في تلوين حياتي أنا وصغيراي! في هذا العام أصبحتِ قريبة للغاية لي وللطفلين... لي أنا بالأكثر... ولا أعلم ما الذي سيحدث بعد ذلك وهل تتوافقين أم لا، وهل سيوافق أبوكِ إن وافقتِ أنتِ أم لا، لكنني أحبك وأريد الزواج بك."
طلعت له بصدمة وقد تلون وجهها بحمرة الخجل وشعرت فجأة بحرارة غريبة تغزوها.
مدت يدها بتوتر لتأخذ كوب الماء ترتشف منه ببطء، وهو يطالعها بترقب، لتجيب بضحكة عصبية: "مثل هذه الأمور ألا تحتاج لبعض الترتيب! أعني بعض التلميحات أولاً ثم تدخل إلى صلب الموضوع! ليس بهذا الشكل يا إلهي!"
قطب حاجبيه ليقول بعبوس بينما يستعد للإنصراف: "أنا رجل لا أحب المراوغة.. أعتقد أن إجابتك واضحة.. يجب أن أذهب."
كانت تنظر له ببلاهة لتصرخ به فجأة مما سبب التفات الناس لهم: "انتظر! هااي لا تقم بإلقاء قذيفة وتركض فجأة هكذا! دعني أتخطى صدمتي يا رجل!"
رمش وهو يطالعها بصدمة تحولت تدريجياً إلى ابتسامة لعوب ليقول لها بدعابة يعرفها كل أبناء وطنه: "بتحبيني يا هدي؟!"
كان عليها أن تخجل ربما أو تهرب من أعين الناس المتابعة لهم، لكنها لم تستطع التماسك أكثر وأصبحت تضحك بشدة!
مرت الأيام على الحبيبين بسرية تامة بأمر من باسل الذي كان يخشى رد فعل والدي نبيلة، وفي نفس الوقت أراد وبشدة التحدث إليه ليأخذ خطوة جدية ويتزوجا.
"أوه يا سامر كم أتمنى حفل زفافنا أن يكون على شاطئ البحر كهذا الزفاف،" قالتها نبيلة بتمنٍ وهي تراقب من شرفة المطعم الذي تجلس به برفقة سامر.
كان هناك عرس مقام أمام البحر والناس يرقصون ويغنون!
ابتسم سامر بدفء وتمنى هو الآخر ليقول: "لقد انتهينا من الطعام! تعالي لنشاهد الزفاف عن قرب."
نظرت له نبيلة بتعجب لتقول: "هم لا يعرفوننا يا سامر! سنحرج أنفسنا هكذا!"
قهقه سامر ليجذبها من يدها، وحين خرجت من المطعم وجدها تسير بصعوبة على الرمال بسبب حذائها ذا الكعب العال، فأوقفها لينحني على ركبتيه يفك عقدة حذائها ويساعدها على خلعه، ثم حمله بيده وجذبها بيده الأخرى نحو الاحتفال، غير منتبهين لمن يراقبون الأمر ما بين دهشة وغضب و....غيرة!
ما أن اقتربا من الحفل حتى وجدت سامر يتحدث مع الجميع ويحييهم بمودة وبشاشة كأنه يعرفهم، مما جعلها تضحك حين أصبح يرقص مع العريس، ثم سحب يدها وأصبح يرقص معها والضحكة تملأ وجهيهما!
في المطعم منذ دقائق.
"أوهو! أليست هذه نبيلة؟!" قالتها امرأة لأخرى بجانبها ليلتفت جميع الجالسين على الطاولة إلى حيث تنظر، فبهتت بعض الوجوه وتعجبت أخرى!
قال رجل جالس: "أها، إنها نبيلة.. زوجتك السابقة رائف! لم أرها منذ فترة."
تحدثت المرأة من جديد: "ومن هذا الرجل برفقتها! يبدو وكأنه خاطبها!"
"آه يا إلهي، يشكلون ثنائياً رائعاً!" قالتها بابتسامة صافية بدون أن تلاحظ بهتان وجه سبيل وجمود رائف وهو يطالعهم بنظرة سوداء.
عادت لتقول بذات الابتسامة: "لا تغضب مني يا رائف ولا أنت يا سبيل! أنا فقط أحترم شخصية نبيلة وسعيدة لكونها وجدت سعادتها! لم أرها تضحك ووجهها يسع سعادة هكذا منذ فترة طويلة.. حياتكما استقرت، كلا في حياته مسرور، وهذا شيء جميل!"
أومأ الجالسين موافقين على كلام السيدة الأكبر سناً بينهم، عدا رائف وسبيل اللذان كانا يتابعان سعادة الثنائي ببعض الجمود غير المبرر.
تحدث الجميع مجدداً في العمل، حتى رأت المرأة الأصغر سناً والتي تدعى مريم سامر وهو يساعد نبيلة على خلع حذائها، لتقول لزوجها بمزاح: "انظر كم هو شخص راق! يا إلهي لم يكتف بمساعدتها في خلعه فقط! لقد حمل حذائها بيده أيضاً!!"
تابع الجميع الموقف مجدداً بين قهقهة الرجال على نظرات مريم المتمنية وهي تطالع سامر ونبيلة، فقالت مجدداً: "انظري ماما صفية! إلى ما يفعله."
نظر الجميع إليهم من جديد ضاحكين من مريم لمتابعة الثنائي المثير للاهتمام وهما يرقصان على أغاني مجنونة تخص الأفراح!
"أنا حقاً مسرورة لأجل نبيلة،" قالتها صفية وهي تنظف يدها في استراحة النساء الخاصة بالمطعم، لتقول مريم موافقة: "وأنا كذلك! أتعلمين.. كنت دائماً أراها ذابلة بجانب رائف."
أومأت صفية لتقول: "إنه معتوه! أنا لا أرتاح لشخصية ذاك الرجل من الأساس! أي مجنون يترك نبيلة ليتزوج من تلك الفتاة! لا أقصد الإهانة، ولكن الفتاة تبدو حاقدة ناقمة على كل شيء! لا أرتاح بوجودها معي في أي مكان بسبب نظراتها التي تشع غيرة لا أعرف مما!!"
أومأت مريم وهي تعيد طلاء شفتيها بأحمر الشفاه قائلة: "أجل لاحظت.. آآه.. لم أنس قط كيف استفزت نبيلة حتى احتد حوارهما مما جعل نبيلة تدفعها جانباً وكانت أن تقع سبيل بالخطأ!! إنها حتى الآن تصدق الكذبة التي أخبرتنا بها جميعاً وأن نبيلة كادت أن تدفعها من السلم حتى تقتل جنينها! برأيي لقد كان ما حدث في مصلحة نبيلة لتبتعد عن هذا الثنائي المشوه!!"
قالتها وهي تأخذ طريقها للمغادرة، غير منتبهين إلى سبيل التي كانت داخل الحمام وسمعتهم بوضوح!
"تلك المختلة! هل تجرؤ على هذا الفعل بعدما كانت زوجة لي؟!"
قالها رائف بغضب موجهاً كلامه لأمه بعدما سألته بقلق عما حدث معها، ليعودا بمثل هذا الغضب.
قالت سبيل باستنكار هي الأخرى: "لا أعلم حقاً أين كان عقلك حين تزوجت بها! لا تبدو متزنة أبداً! أفعالها... كانت.... عديمة الحياء."
ارتفع حاجب الأم لتقول لهما مجدداً: "أريد أن أعرف الآن ماذا حدث؟!"
قال رائف بغضب حاد: "تلك الغبية! بعدما انفصلت عني ارتبطت برجل كان معها اليوم في نفس المطعم الذي كنا به وأخذها وذهب ليرقصا على الشاطئ لتتركني للقيل والقال!"
قطبت حاجبيها، لكنها ابتسمت بعد ذلك بصفاء: "نبيلة ارتبطت؟ حمداً لله أنه عوضها.. جعله الله عوضاً جميلاً!"
امتقع وجه سبيل غيظاً وهدر رائف بغضب: "هل تعرفين من الرجل الذي كانت بصحبته! إنه رئيس الحرس الخاص بخالها!! بعدما كانت زوجتي أنااااا تتزوج من ذاك ال... ال... لا أجد وصفاً!!"
غضبت الأم في المقابل لتقول بغضب له: "استمع إلي جيداً! الفتاة كانت زهرة متفتحة ومنذ عرفتك وهي تنطفئ يوماً بعد يوم، وبالنهاية أنا زوجتك من أخرى كي تصبح أباً! وأصبحت حياتك معها مستقرة، فاترك الفتاة لحالها!"
ثم التفتت بغيظ إلى سبيل: "وأنتِ اهتمي بحياتك وبجنينك واتركا المسكينة وشأنها، فقد عانت بسببكم كثيراً، لعل الله يعفو عنكما وييسر لك الحمل هذه المرة ولا يحدث ما يحدث كل مرة!"
بهت وجه سبيل ولم تستطع الرد على حماتها التي رمقت ابنها بغضب لتتركهما وتذهب.
رواية الزوجة الاولى الفصل الرابع 4 - بقلم شيراز القاضي
ذهب سامر صباحا لعمله كالمعتاد، ولكن ما حدث لم يكن معتادا أبدا.
لقد رأى زوج نورا وشريكه، رائف، يدخلان من البوابة معا. وهذا غريب. نظر لهم قليلا ثم عاد إلى ما كان يفعله دون اهتمام. ولكنه رفع رأسه حين وجد ظلا فوقه، وكان رائف.
تحدث رائف بسخرية مبطنة ليقول:
"مبارك لك ارتباطك الجديد، سامر!"
قطب سامر حاجبيه لبرهة. كيف عرف؟ لكنه عاد إلى الهدوء ليوميء برأسه دون رد، ليعود إلى جهازه اللوحي من جديد دون اهتمام. مما جعل رائف يغضب ويقول بصوت استرعى انتباه الجميع، حتى السيد أكرم وحسن، زوج ابنته، خرجا:
"حين أحادثك يا باحثاله، قم لي احتراما!"
رفع سامر رأسه ليقول بغضب دون النهوض من مكانه:
"كلمة أخرى واجعل وجهك كالخريطة!"
غضب رائف أكثر، ليرفع سامر من ثيابه بعنف وهو يقول:
"ألا تعرف من أنا؟ أنا رائف مندور، وبأموالي وعلاقاتي قادر بإخفائك عن وجه الأرض!"
دفعه سامر بعنف، وما كاد أن يرد حتى وقف السيد أكرم بينهم بسرعة ليقول بغضب:
"ماذا يحدث هنا؟"
تحدث سامر ليقول:
"كنت أجلس هنا أتابع عملي، فأتى ذاك الذي خلفك يتطاول علي دون سبب."
نظر أكرم باتجاه رائف رافعا حاجبه طالبا الرد، فقال رائف بسخرية تامة:
"اتركنا من كل ما جرى الآن! حين تعرف لما فعلت ذلك، ستقوم بطرده شر طرد."
نظر له الثلاثة بتعجب، ليكمل بذات السخرية:
"هل أخبرتهم أين كنت أمس؟"
توقفت الدماء في عروق سامر وهو يرى ما يحدث. سيظنون به السوء الآن، وكل ما رتب له سيذهب أدراج الرياح. ولكنه أجاب بثبات:
"كنت أتناول الطعام في مطعم مع الفتاة التي ستصبح زوجتي."
مسح أكرم وجهه ليقول لرائف:
"وما شأنك أنت بهذا؟ وما شأنها؟"
ضحك رائف ليقول:
"لأن التي ستصبح زوجته تلك، تكون ابنة أختك المصون!"
اتسعت عينا أكرم لينظر إلى سامر بتساؤل، ليجيب الثاني بذات الثبات:
"أجل! لقد التقيتها حتى أعرف رأيها بي، حتى أُفاتح السيد حلمي في طلبي ليدها."
قال رائف وقد وضح عليه عدم الاتزان في طريقة الكلام:
"هه، أنت! أنت يا باحثاله! تناسب طبقة أعلى منك بمراحل!"
هذه المرة قاطعه السيد أكرم بغضب:
"كفى! إلى هنا وكفى! ليس في بيتي مكان لهذه الترهات! سيذهب لطلب يدها، والموافقة والرفض تعود لها هي وأسرتها، ولا شأن لك بها رجاءً... حسن! شرفت."
بهت وجه حسن من هذه المواجهة، ليحاول سحب رائف والذهاب بعيدا. ولكن قبل أن يتمكن من سحبه، كان رائف يتقدم من سامر قائلا شيئا ما بصوت خفيض جعل سامر يكيل له اللكمات والعديد من الضربات. كادت أن تخفي ملامح وجهه، كما اتضح أنه كسر له ذراعه. فعاد أكرم راكضا يحاول إبعاده عنه، بينما حاول حسن بفزع سحب رائف من بين يديه قبل أن يقتله.
"أنت كيف تفقد أعصابك بهذا الشكل السيء؟" قالها أكرم بغضب موجها حديثه إلى سامر الذي يجلس يطالع الفراغ بغضب دون رد فعل تُذكر.
عاد ليقول من جديد:
"أتعلم ما الذي سيفعله حين ينهض؟ أول شيء سيقضي على مسيرتك المهنية المشرفة كاملة! ااااه، فقط أخبرني لماذا هاجمته بتلك الشراسة؟ ما الذي قاله؟"
لكن قابلها الصمت من جديد.
في اليوم التالي، استفاق رائف أخيرا بوجه شبه مشوه وذراع مكسور، عازما على تحطيم حياة سامر.
علم السيد حلمي ما حدث من خلال صديقه أكرم، وذهب إلى رائف لزيارته، وكان حسن موجودا أيضا. وهناك دار الحديث بينهم، حيث قال الأول:
"زال البأس رائف! لكن لم يكن هناك داع لكل هذا الشجار."
تحدث رائف بتعب قائلا:
"كيف بلا داع؟ نبيلة كانت زوجتي في يوم ما، ولا أقبل أن يمس عرضها وكرامتها أي شيء."
صدم حسن من كلام صديقه، وكذلك والد نبيلة. ليقول رائف بنظرة محذرة صوبها نحو صديقه:
"لقد حدث الأمر أمام حسن... اسأله!"
نظر الرجل إلى حسن بغضب، فلم يجد حسن بدا من تأكيد كلام صديقه قائلا:
"أ... أجل، سيد حلمي. أمم... لقد أراد أن يغضب رائف، لذا قال كلمات لا تصح. وعندما غضب رائف، تفوق عليه سامر بالضرب!"
غضب السيد حلمي قد تضاعف إلى جوار حزنه. لقد كان له الفضل بعد الله في بداية حياة سامر، وهو من أظهره. ولكنه تمالك نفسه حين شكر رائف وذهب إلى بيته مناديا نبيلة بغضب، والتي أتت مسرعة. ليقوم أبوها بصفعها. فنظرت له بصدمة، ليقول:
"هل هذا ما ربيتك عليه؟ تخرجين مع رجل من وراء ظهري؟ تري إلى أي مدى تطور الوضع بينكم؟"
قالت نبيلة ومازالت على صدمتها:
"ما هذا الذي تقوله؟ نحن فقط تعارفنا، وكان من المفترض أن يحادثك سامر قريبا ليرتبط بي رسميا! هل أصبحت تشك في أخلاقي؟"
قال حلمي بغضب عاصف:
"يرتبط بك؟ من هذا الذي تريدين الارتباط به؟ هل ظننت أنك حين يراك بهذا الرخص سينظر لك؟ أتعلمين أين كنت الآن؟ كنت أزور رائف في المستشفى بعدما تشاجر مع سامر وكاد أن يقتله!"
قطبت مليكة حاجبيها لتقول:
"وما الذي يجعلهما يتشاجران؟"
ضحك بعصبية ليجيب:
"أوه... فقط كان سامر يتباهى بأنه جعلك تقعين له، بعض الأوصاف المخجلة والكلمات الخادشة للحياء حتى يستفز رائف. وما إن حاول رائف الدفاع عنك، تهجم عليه سامر ليصبح بهذا الشكل بين الحياة والموت."
قالها وهو يعطيها هاتفه لتراقب ما صورته كاميرا فيلا خالها من ضرب عنيف تعرض له رائف على يد سامر. سامر الذي بدا وكأن وحشا ما قد تلبسه. كان الأمر وحشيا. لكنها قالت باعتراض بدا مهزوزا من هول ما رأت:
"أنت لا تعرف سببا لما فعله، ربما رائف من تطاول عليه. لقد عمل سامر لديك فترة، وأنت أكثر من يعرفه."
قال أبوها بسخرية:
"ولأني أكثر من يعرفه، صدقت رائف! سامر ليس شخصا يستطيع التحكم بغضبه ويفعل المستحيل للوصول لما يريد."
قال بهدوء مجددا وهو يمسح وجهه:
"هل أنت غبية لدرجة أنك صدقت حبه لك؟ حبيبتي، كلامي هذا لا يعيبك، ولكن لكي يجعلك ترين أمامك! هل هو غبي ليتزوج بامرأة لا تنجب؟"
نظرت له بألم، ليكمل الأب وهو يمسح على شعرها:
"لا أقصد أي لامك، ولكن أليست هذه الحقيقة؟ ألم يتخلى عنك رائف، حب الصبا والأحلام الوردية لذات السبب؟ ليس هناك ما يسمى بالحب! لا تقولي لديه أبناء ويكتفي بهم. هذا حقيقي، ولكنه مجبر على البحث عن امرأة تلهث خلف الإنجاب وحب الأطفال لتحتضن صغاراه فحسب دون أن يشغلها شيء عنهم!"
بكت بكاء مرا، وكلمات إليها دون إرادتها، تتوغل في عقلها دون رحمة. لتركض نحو غرفتها.
كلمات أبيها كانت تُعاد مرارا وتكرارا في عقلها بلا توقف. جميعنا بشر، صحيح؟ هذا ما حدث. تمكن الغضب منها، فلم تشعر بنفسها وهي ترتدي ثيابها وتغادر المنزل دون أن يراها أحد، وذهبت للمكان الذي تعرف أن سامر يجلس به دائمًا.
ترجلت من السيارة بغضب لم ينقص شبرا، وهي تراه يجلس على كرسي وهناك طاولة أمامه على البحر عليها كوب من الشاي وطبق كعك مصري، وهو يتأمل البحر بشرود.
هدأت أنفاسها قسرا. ستعطيه فرصة ليبرر ما حدث، وأن كان ما حدث لا ينفع معه تبرير من الأساس.
وقفت أمامه تطالع هيئته الهادئة بغضب أشد، بينما آفاق هو من شروده على وقوفها أمامه.
ظل ينظران لبعضهما دون كلمات، لتقول هي أخيرا:
"هل هناك أي أدنى تفسير على ما فعلته والفضيحة التي أبلتني بها؟"
قطب حاجبيه ليقول:
"فضيحة؟ أنا من ابتلاك بفضيحة يا نبيلة؟"
قالت هي بغضب من بين أسنانه:
"سامر، لا تراوغ. لقد أخبر رائف أبي بكل شيء."
همهم سامر بسخرية وصلتها ليقول:
"وماذا أخبره بالضبط؟"
قالت بارتجاف أثر الغضب:
"تتباهى بما حصلت عليه مني؟ ما الذي حصلت عليه مني من الأساس لتخبره به؟ ها؟ أيًا كان ما حدث، هذا زوجي السابق، وبالتأكيد سيغضب حين تتكرم أنت بإخباره بفخر بأنني كالخاتم في إصبعك وما إلى ذلك. وبالتأكيد تذكر باقي حديثك الخادش للحياء الذي لا أعلم كيف تفوهت به. بل متى كنت بتلك الدناءة؟ لا أفهمك!"
ظل يطالعها بشرود. لم يصدم من أن رائف أدار دفة الحديث بهذا الشكل، لكن، لنقل إنه توقع بأن علاقته بنبيلة أقوى من أي ترهات تشاع عنه. ابتسم بغضب أخفاه سريعا ليقول:
"وقد حكمت علي بالدناءة أيضا دون أن تعرفي ما فعلته أو ما حدث معنا من الأساس؟ هل هذه هي الفكرة التي كونتها عني خلال الفترة الماضية؟"
قالت وهي تنظر نحو عينيه ذات الغموض الذي لا تفهمه:
"أنا أعرف رائف منذ كنت بالجامعة وأعرف صفاته، وهو لم يكن كاذبا أبدا في حياته، أو استغلاليا، أو عنيفا!"
قطب حاجبيه ليقول مبتسما:
"اممم، وأنا الكاذب والاستغلالي وعنيف، صحيح؟ فيما كنت مستغلا؟ وكأنها... ولن أسأل عن العنف، فيبدو أنك قد كونت عني فكرة من الأساس بسبب ما حدث لحبيب القلب."
قالت بغضب:
"لا تتحدث عني هكذا. ماذا عن كوني عاقرة مثلا، وأنتهزت فرصة حبي للأطفال لأخدم أطفالك؟ أليس هذا سبب أنك تقربت مني؟ لنتزوج وتجد أحدا يحمل عنك هم أطفالك؟ وأن لم يكن هذا السبب، أنا سعيدة لحدوث هذا الأمر لمعرفة طبعك السام! من يدري، ربما أغضبك مرة فتقتلني بها!"
حتى هنا ولم يقدر على الاحتمال، فقال من بين أسنانه:
"انهضي واغربي عن وجهي حالا، قبل أن أجعلك ترقدين في غرفة بجانب الخرتيت الآخر دون ندم. غادري!"
قالها بصراخ أجفلها، لتقف من مكانها بإهتزاز، قبل أن تقول:
"على الأقل برر فعلتك الشنيعة قبل رحيلي. كانت الأمور تسير على ما يرام، ما الذي جعلك تتكلم بتلك الطريقة مع رائف ثم ضربه بتلك القسوة؟"
لم ينظر لها مجددا، وإنما قال:
"لم يعد هناك ما يحتاج للتبرير يا ابنة القاضي الحكيم العادل، غادري حالا."
اهتز غضبها وهي ترى تلك النظرة في عينيه وهو يذكرها بمهنة والدها. سارعت بالذهاب من أمامه، وقد بدأت بالهدوء قليلا لتعي ما قالته الآن دون أن تترك فرصة لسماع شيء. لكن أي شيء تريد سماعه منه! بعدما تحدث عنها بتلك الطريقة مع طليقها ثم ضربه بتلك الطريقة البشعة.
عادت نحو منزلها تتخبط ما بين التأنيب والغضب، ولا تدري سبيلا للراحة.
وقفت أمام الباب، وأمام مرأى أبيها وأمها، تحولت عيناها ناظرة للسماء لتسقط فاقدة للوعي.
"نبيلة صغيرتي، لقد أقلقتنا عليك!" قالتها والدتها بخوف بعدما استفاقت. ليقول أبوها بهدوء وهو يرى حالتها المريبة:
"أظن أن كل شيء انتهى إلى هنا. سنسافر مجددا من هنا. حين تصبحين أفضل، سوف أنهي المعاملات للسفر."
أومأت نبيلة بدموع دون رد، مما جعله يتنهد براحة. كاد يجن ويقتلها حين وجدها تذهب إلى سامر بقدميها، فتبعها، لكنه ارتاح حين وجد أنهما تشاجرا.
بعد مرور عدة أيام.
"هل أنت واثق من أنك لا تريد الحديث فيما حدث ذاك اليوم، سامر؟" قالها السيد أكرم، الذي ذهب لزيارة باسل في منزله بعدما استقال من عمله وسحب أولاده من الروضة ليختفي تماما. يتحدث معه منذ ما يقارب الربع ساعة وهو لا يجيب، فقط يتأمل يداه المتشابكة.
تنهد السيد أكرم ليقول مجددا:
"استمع إلي، أنا أعلم أن هناك شيء ليس صحيحا حدث ولم يخرج من بينكم. إن كان هذا صحيحا، أخبرني لنتصرف."
أخيرا فتح سامر فمه ليقول بصوت متباعد:
"ليس هناك شيء يقال، سيد أكرم. أشكرك على ثقتك بي، لكن لم يعد هناك فائدة من فتح هذا الموضوع وقد تم إغلاقه."
تنهد السيد أكرم لينهض ويقول:
"حسنا، كما تشاء. لكن ليكن بعلمك، قد يعمي الغضب حلمي ونبيلة والجميع، لكني أثق بك. ولمعرفتي أنك لم تعد مثل السابق وتتحكم بغضبك منذ أصبحت مسؤولا عن طفلين، لذا أنا على يقين أن ما حدث هو أمر آخر. أنا دائما موجود إلى جانبك إن احتجتني، حسنا؟"
أومأ له سامر بابتسامة مهذبة. وبعدما رحل، وجد نفسه يطالع البيت الساكن من حوله بألم، لينهض نحو الغرفة التي ينام بها مع صغراه.
"العمل الآن؟" لقد ترك عمله. لديه قطعة أرض زراعية يأتي له منها أجر كل موسم، لكنه لن يكفي. ولا يعلم هل بعد ما أشيع عنه، هل سيقبل أحد أن يقوم بتعيينه من الأساس؟
تنهد بألم وهو يفكر بمصير طفليه.
وقف يطالعهم بمزيد من الألم، ليتحرك نحوهما يضمهما إلى صدره وهو يتسطح بجانبهما ليقول بخفوت:
"ها قد عدنا ثلاثة من جديد. لم يكن من حقنا أن نحظى ببعض السعادة. لكن سأفعل ما بوسعي لأجلكم، وسنطوي تلك الصفحة إلى الأبد."
مرت أيام أخرى، ونبيلة ترفض الحديث مع أي شخص. لتأتي لها الطامة الكبرى حين دخلت عليها والدتها بتوتر ذات يوم تقول:
"ن... نبيلة، هناك من يريد الحديث معك بالأسفل."
للحظة، نظرت لأمها بصدمة متخيلة أن من بالأسفل هو سامر محاولا أن يعتذر لها عما بدر منه على الأقل. لكن خاب أملها حين قالت أمها:
"رائف بالأسفل، تجهزي وقد استقبلناه أنا ووالدك."
وقفت بهدوء ترتدي ثيابها لتهبط للأسفل تطالع رائف بهدوء بارد، تريد معرفة لماذا أتى إليهم.
وجدت أبيها تدور الحيرة بعينيه وهو يطالعها، ليقول بعدما تبادل التحية:
"نبيلة، لقد أتى رائف اليوم بطلب، وقد أصر على أن يحادثك هو بها."
نظرت له بتعجب، ليقول رائف:
"لقد أخبرت عمي عما يتناقله الناس بسبب فعلة ذاك السامر، وأصبح الجميع يتحدث بسوء عنا. لنتزوج مجددا، وأنا كفيل بإخراس كل من يتجرأ عليك. تعرفين أنك غالية علي، ولم أكن لأتركك لولا إصرارك. وسوف يكون لك كل ما تريدين."
تقلص وجه والدتها بغضب دون رد، بينما أغمض السيد حلمي عينيه بيأس لما وصلوا إليه. بينما نبيلة، كان البرود هو الشيء الوحيد الذي يظهر على ملامح وجهها. وحين رأى رائف بوادر الرفض على ملامحهم جميعا، قال بسرعة:
"لا داعي للرد الآن، فكروا في الأمر. لكن نبيلة، عليك أنت تعرفي أن لا أحد مستعد لحمايتك والوقوف بجانبك ما بقيت حيا سواي."
ابتسمت بسخرية ما إن استدار مغادرا، لتصعد هي غرفتها دون تعليق.
في اليوم التالي، تفاجأ السيد حلمي بامرأة تصرخ بغضب أمام منزلهم. ليأمر العاملة أن تفتح لها الباب. وعلى أثر صوتها، هبطت نبيلة ووالدتها بفزع يتفقدون الوضع.
ازدادت دهشتهم وهم يرون سبيل هي من تصرخ بغضب، لتقول لنبيلة:
"يا خاطفة الرجالة، ما الذي تريدينه! استأجرتِ هذا الرجل لتصنعوا تلك الخدعة الهابطة لاستدراج رائف لك من جديد يا عديمة الحياء!"
غضب السيد حلمي ليقول بغضب:
"ما الذي تهذين به! اخرجي من هنا حالا، وإلا طلبت لك الشرطة!"
أشارت بتهديد نحو نبيلة التي تنظر لما يحدث بصدمة:
"أنا لك بالمرصاد هذه المرة، لن أسمح لك بتخريب حياتي يا خرابة البيوت العامرة يا نذير الشؤم!"
طردها السيد حلمي بمساعدة العاملات نحو الخارج، وهو يتصل على رائف بغضب. لكنه أوقفه صوت زوجته التي تخرج ابنتها باكية لتهدأ. فتوجه إليها راكضا ليراها تشد شعرها صارخة وهي تقول:
"اتركوني بحالي! كل ما أردته هي حياة سعيدة. لما الجميع يقف ضدي؟ ما الذي فعلته للجميع حتى يحدث لي ذلك؟ ابتعدوااااا عني!"
كانت تنتفض بعنف، ولم يستطع والداها أن يساعدوها على الهدوء، حتى سقطت فجأة على الأرض بأعين زائغة غير واعية، لتصرخ والدتها بزوجها:
"اتصل بالطبيب حالا، جسدها يتشنج بقوة!"
أتى الطبيب الذي يعرف تاريخها منذ كانت زوجة لرائف، وخبر عدم تمكنها من الإنجاب إلى ما حدث لها الآن، ليقول بهدوء:
"لا يتوجب أن تعيش كل هذه الضغوط في الوقت الراهن، سيد حلمي، ولقد تكلمنا بهذا سابقا. ما كان عليك جعلها تقابل رائف أبدا، أو جعله يعرض عليها هكذا عرض."
تنهد السيد حلمي بتعب ليقول:
"وما العمل الآن؟ كنت أرتب أمورنا لنسافر قريبا. هل هذا سوف يفيدها؟"
أومأ له الطبيب، لكنه قال بتحذير:
"لكن عليك أن لا تبعدها لوقت طويل، سيد حلمي. فقط لتهدأ. ثم اتركها تواجه الحياة. لن تبقيها طوال عمرها بهذا الضعف، صحيح؟"
أومأ له السيد حلمي بتعب، لينهض ويحاول أن يتمم الإجراءات بسرعة أكبر حتى يغادر في أقرب وقت.
عند سامر، الذي أصبح عاطلا عن العمل، وكما توقع، لم يقبل به أحد.
تنهد تعب لينظر إلى أبنائه الذين يلعبون، كلا منهم بما يناسب سنه، على الأرض يتأملهم بحسرة! أوشك المال على النفاذ، ولم يجد عملا بعد.
لقد أوصى به السيد أكرم دون إخباره لدى أحد رجال الدولة المهمين، لكن حين اكتشف سامر الأمر، انسحب بهدوء.
سوف ينسى كل تلك العائلة مهما كان الثمن. لكن أولاده، ماذا عنهم؟ لابأس، سيسعى لإيجاد أي فرصة عمل. غير مهم ما هي هذه العمل، لكنه سيبحث ولن يستسلم.
فكر قبلا أن يتصل بأعمامه، لكنه تراجع. رجل بحجمه يركض باكيا لعائلته ليساعدوه؟ لا والله، لن يضع أبناءه في هذا الموقف المخزي مجددا. سيتكفل بهم حتى وإن امتنع عن تناول طعامه لإطعامهم.
بعد عدة أيام أخرى، غادرت نبيلة البلاد تحت رفض رائف، الذي قام والد نبيلة بإخباره بما وصلت له نبيلة بسبب زوجته، وأنه من الأساس لم يفكر ولو لدقيقة لقول هذا العرض المخزي.
رواية الزوجة الاولى الفصل الخامس 5 - بقلم شيراز القاضي
بعد مرور ثلاث سنوات، قال سامر وهو يمسك بيده علبتين من الطعام أعدهما لصغيريه:
"هيااام، تيييم، ستتأخران، هياا!"
لتخرج هيام أخيرًا من غرفتها وهي تمسك يد تيم الناعس، تقول لأبيها بضيق:
"لقد تأخرت بسبب مدللك المهمل. كنت ألبسه ثيابه وأُنظم شعره الفوضوي الذي لا تريد قصه له، لا أدري لماذا."
ابتسم بحنو لينحني لها قليلًا بجسده مقبلًا رأسها، ليقول وهو يربت على رأس الصغير المسكين الذي ما زال ناعسًا:
"أدامك الله لي يا هيام، لقد ساعدتني حين قمتِ بالاهتمام بأخيكِ الصغير ريثما أحضر لنا الإفطار. لولاكِ لكنا تأخرنا جميعًا يا طفلتي الرائعة."
انقشع الغيظ من ملامحها فجأة وهي تقول بنشاط مبتسمة:
"ولا تقلق عليه، أنا أذهب إليه في صفوف الروضة دائمًا وأوصيت عليه الأستاذة هناء والأستاذة نها، وهو مطيع ولا يفتعل المشكلات كما أوصيته."
ابتسم لها مجددًا لتسمع صوت باص المدرسة، ليقول بسرعة وهو يعطيهما مصروفهما وعلب الطعام:
"هيا هيا، لقد أتت الحافلة."
أثناء خروجهم من باب العمارة قابَلوا فتاة شابة تقول بتوتر وحزن:
"اعذرني سيد سامر، لقد درست لوقت متأخر ونمت ولم أستطع الاستيقاظ أبكر. أنا حقًا آسفة."
وقف حينها سامر يلوح لأطفاله في الباص ليقول مبتسمًا:
"هوني عليكِ يا أسماء، لقد أعددت لهم الطعام وهيام اهتمت بتيم كما ترين، فلا داعي لكل هذا التوتر. أذهبتِ إلى الجامعة اليوم؟"
أجابته:
"لا، لقد نسيت أن يوم السبت ليس عطلة في مدرسة تيم وهيام، وقد أتيت بموعد عملي للبقاء معهم ولم أتذكر أنها الدراسة سوى وأنا في الطريق. فكرت أن أصنع لهم الطعام والذهاب إلى البيت مجددًا لموعد خروجهم ثم آتي من جديد."
ابتسم لها سامر ليقول:
"حسنًا لا بأس، تعالي معي أوصلكِ في طريقي إلى بيتكِ."
أسماء طالبة في آخر سنة من كلية التربية، كانت جارته في الحي القديم، وحين عرفت أنه بحاجة إلى مربية لأطفاله تقدمت لتلك الوظيفة، وقد وافق سامر سريعًا عليها لأنها وعائلتها دائمًا ما كانوا يهتمون بأطفاله في غيابه. أولاده يحبونها وتعلمهم القيم والأخلاق وكل ما تستطيع زرعه داخلهم من خصال طيبة، لذلك هو مرتاح لتعاملها مع أبنائه، حتى إن معها نسخة من مفاتيح البيت لتأتِ حين تشاء وتذهب حين تشاء أيضًا.
أوصلها ثم اتجه نحو مقر عمله الذي بناه بدم ودموع طيلة الأعوام الماضية، شركة صغيرة للحراسات الخاصة لا زالت في بدايتها وأعمالهم محدودة لكنها كافية بالنسبة إليه. حمدًا لله قد أصبح مستواه المعيشي أفضل من السابق وأصبح ميسورًا عن ذي قبل، ذاغ بصره على تلك العصي التي يستند عليها الآن تساعده على السير فاسودت عيناه بألم قبل أن يستغفر ربه مكملًا طريقه نحو الداخل.
قالت السيدة صفية لأخيها وهي تحتضنه:
"أهلًا بك أكرم، كيف حالك؟"
ليجيب الآخر بسعادة:
"أنا بخير يا حبيبتي، اشتقت لكم كثيرًا، ثلاث سنوات يا صفية خارج البلاد!"
ابتسمت ببعض الحزن لتقول:
"تعلم جيدًا لماذا ذهبنا، لكن حمدًا لله لقد آتى الأمر ثماره، تحسنت نبيلة قليلًا."
أومأ لها بهدوء ليقاطعهم دلوف السيد حلمي وهو يصافح الآخر، فخرجت صفية لتخبر نبيلة أن خالها أتى لرؤيتهم.
قال أكرم بغضب:
"أنا لا أصدق أنك لم تخبر نبيلة بالأمر!"
ليقول والد نبيلة:
"وما عساي أفعل؟! لقد رأيت بنفسك حالتها كيف كانت وقد أخبرنا الطبيب بإبعادها عن كل ما يزعجها."
قال الأول بغضب لم ينطفئ:
"سبب حالتها أنها تعتقد أن سامر قد خاض بعرضها، لكن ما حدث هو العكس! حين أصاب حسن تأنيب الضمير لما حدث لسامر بسبب ما جرى ليخبرني أن سامر ضرب رائف بهذا الشكل بسبب وصف رائف المشين لنبيلة."
اقترب أكرم من حلمي أكثر ليقول بحزن وغضب متأجج:
"لقد اتهمه رائف بالزور ورغم ذلك لم ينطق بالكلمات القذرة التي قالها هذا القذر حتى لا يسيء إليك وإلى ابنتك أكثر. لقد استقال من عمله وتم طرده من الشركة بتوصية من رائف. عرفت من بعض جيرانه القدامى أنه كان يأتي عليه الوقت الذي لم يكن لديه في بيته ما يسد رمقه! ليس هذا وحسب، لقد أرسل رائف إليه عصابة قاموا بضربه بغية إصابته بعاهة مستديمة لكنه نجا بصعوبة والآن يسير بعكاز! حاولت أن أساعده أكثر من مرة لكنه عزيز النفس أبيّ، حتى لم يطلب مساعدة من عائلته. ألا يستحق بعد كل ما عرفته سابقًا وعرفته الآن أن تحترمه على الأقل؟! أن تحاول تعويضه عما تدمر بداخله؟! ألا تستحق تلك المسكينة أن تعرف أن سامر كان مظلومًا وأنه أرادها حقًا وليس لأي سبب تافه أخبرتها به لتبتعد عنه؟! ألا تستحق ابنتك أن تحيا سعيدة مع رجل يحبها؟! لقد كبرنا يا حلمي ولن نعيش لأولادنا إلى آخر الزمان."
بهت وجه حلمي ليقول مصدومًا:
"ما الذي تقوله؟! أنا لم أكن أعلم سوى أن سامر كان مظلومًا وأنه استقال واختفى من محيطنا، لم أعلم أن رائف قد آذاه. يا إلهي ما هذا، شيطان في هيئة بشري؟!"
لكنه عاد ليقول:
"استمع إليّ يا أكرم! لقد انتهى الأمر وأنت أخبرتني أنه يعمل الآن وحياته إلى حد ما ميسرة، وابنتي قد نسيته لذا... أغلق هذا الموضوع!"
التفت الاثنان بقلق وهم يشاهدون نبيلة تقف وهي تطالعهم بصدمة وبكاء مما سمعته، وبجانبها صفية التي وضعت يدها على فمها وهي لا تصدق ما سمعته.
"بهذه السهولة يا
لا تقولي لي أن أبي هو من أعد طعام اليوم.
قالتها هيام بيأس جعل الواقفات يضحكن عليها، لتنتبه هي على نبيلة التي نظرت لها بدفء وتوتر من ردة فعلها. تعلم أن بالتأكيد هيام لم تكن صغيرة وتحفظها جيدًا، وربما ربطت بعض الأحداث ببعضها أيضًا، لذا وقفت تنظر لها مبتسمة بصمت لترى ما ستفعله.
اقتربت منها هيام مبتسمة وهي تحتضنها قائلة:
معلمتي الجميلة ذات الشعر المشع.
ضحكت نبيلة بتفاجؤ مما حدث، لكنها ضمتها بحب تقول لها بحزن أخفته:
اشتقت لكما كثيرًا يا هيام.
كادت هيام أن ترد لتقول أسماء بسرعة:
أوهو، إنه والدهم يتصل، لا بد أنه أتى ويتصل ليخبرني ألا آتي أنا لأخذهم. ألو... نعم نعم أنا معهم بالداخل، انتظرنا نحن قادمون إليك. لا داعي، لقد أعددت الغداء بالفعل. هههه أجل أجل أعلم.
أغلقت الهاتف وهي تودعهم مصطحبة الأطفال معها، ووقفت نبيلة في مكان بعيد تراقب السيارة الصغيرة التي وقف عندها سامر مستندًا على عكازه ينظر لهم مبتسمًا، يقبل أطفاله ثم صعد هو وبجواره أسماء والأولاد بالخلف.
حبست دموع القهر داخلها بقوة وهي تراهم كأسرة متناغمة، كانت لتكون هي التي بجانبه الآن، لقد أضاعت كل شيء بغباء.
أتت نها من خلفها تربت على ظهرها وهي ترمقها بإشفاق لتقول بابتسامة بسيطة:
هوني عليك، مسألة وقت وتصلحين كل شيء.
شهقت باكية لتقول بصوت مرتجف:
كيف هذا وقد أصبحت حياته متكاملة من دوني؟
قطبت حاجبيها لتضحك قائلة:
يا إلهي! أتغارين من أسماء؟! إنه يعتبرها ابنته، أسماء تكون مربية لأولاده وتهتم ببيته، كانت جارته في مسكنه القديم وهي مخطوبة وعملها معه يساعدها بشراء جهازها.
احكي لي، كيف رأيته يوم... يوم اعتدي هؤلاء عليه بالضرب؟
كانت تجلسان بمطعم قريب من المدرسة لتهدأ نبيلة قليلًا قبل ذهابها للبيت.
تنهدت نها وهي تسترجع ذكرى هذا اليوم الأليم:
كان هذا حين سجل هيام بالمدرسة هنا ولم يكن بقادر على دفع تكلفة الباص، فكان هو من يوصلها يوميًا. يومها كان ككل مرة يوصلها عند البوابة، ومنذ عرفت أنه سجلها هنا كنت آخذها منه عند البوابة ليرحل هو حاملًا طفله الصغير.
انكمشت ملامحها بتأثر وهي تكمل:
ذهبت هيام لفصلها لتتذكر أنها نسيت معه طعامها، فعدت أنا إليه لأناديه فوجدت بعض الرجال يحيطون به في شارع جانبي يحاولون مهاجمته، لكنه كان مشغولًا بحماية طفله المذعور. اتصلت بالشرطة وصرخت حتى ينقذه أحد، لكن هيهات، أخافت كل من وقف فلم يجرؤ أحد على الاقتراب.
دون إرادتها بكت وهي تكمل لنبيلة:
كان يحاول صد الضربات بيد واحدة لأنه كان يحمل تيم، لكنه لم يتمكن. اقتربت أنا منه حين وجدت الجميع يشاهد بصمت وحاولت إبعاد أحد الرجال عنه، فأعطاني تيم بسرعة، هو يدفعني بعيدًا عنهم، لكن الصغير كان قد أصيب في رأسه هو الآخر.
ارتجف يداها وهي تكمل:
الشرطة لم تحضر باكرًا وأنا وجدت الصغير فاقدًا للوعي، لن أنسى نظرة سامر لي وهو ينظر لطفله بخوف بينما هو استسلم تمامًا لضرباتهم. كانت عيناه مغطاة بالدماء لكنه حرك شفتيه بضعف أن آخذه للمشفى وهكذا ذهبت وأنا أرى الشرطة قد أتت، وحين وصلت المشفى وجدت سيارة الإسعاف تحمل سامر من بعد دخولي. ظللت معه ولم أعرف ما أفعل، ليس له أحد ولا أعرف بمن أستغيث فوجدت هاتفه يحوي أرقامًا تحمل اسم عمي فلان وهكذا قمت بطلبهم حتى أجابني شخص منهم وأتى بسرعة للمشفى، وحين استفاق سامر وسلمته أمانته رحلت.
مسحت دموعها وهي ما زالت ترتجف لتقول:
ما كان علي أن أروي لك كل هذا بسبب أوامر والدك ألا نوصل لك أي أخبار عن أي شيء يجري هنا، لكن حين سألتني وتذكرت ما حدث لم أقدر على الكتمان، كان الأمر مريعًا، حمدًا لله أنه خرج بتلك الإصابات فقط، كان يبدو عليهم أنهم يريدون قتله.
رفعت بصرها نحو نبيلة لتجد وجهها قد اصفر لونه ودموعها تتساقط بصمت وترتجف فقالت بقلق من أن تأتيها نوبة تشنجات مجددًا:
نبيلة هل أنت بخير؟! لا لا أرجوك اهدئي أنا حقًا آسفة أنني حكيت لك الأمر، نبيلة أرجوك.
أغمضت نبيلة عينيها لتقول بصوت مبحوح:
أنا أنا بخير لا تقلقي عليّ. أنا فقط أريد الذهاب للبيت.
ورحلت تحت نظرات نها الحزينة على حالها، لكن لا بد وكانت تعرف ما عاشه سامر حتى تستعيده بجدية، لا أن تحاول فقط استعادته! هي لن تكون سعيدة مع غيره وكذلك هو حتى وإن أنكر ألف عام.
بخطى ثقيلة دخلت المبنى الصغير أمامها وهي تنظر للمكان بتفحص حذر وهي تبحث عن مكتب السكرتيرة أو أي أحد، لكنها وجدت مكتبه مفتوحًا ولا يبدو أن لديه سكرتيرة من الأساس!
خطت ببطء نحو الغرفة واقفة على عتبة الباب تطالعه وهو يمسك أوراقًا يخط عليها إمضاءه ربما، لكنه توقف حين انتبه لوقوف أحد ما ليرفع رأسه ببطء.
حذاء بكعب شبه عالٍ أنيق يعلوهما فستان يصل إلى نصف الساق ذا لون هادئ بذوق متناغم يعرفه تمام المعرفة لتتوقف عيناه على وجهها وعيناها المرتبكة من هذا اللقاء.
رواية الزوجة الاولى الفصل السادس 6 - بقلم شيراز القاضي
ظلت واقفة وحين نظر إلى عينيها، نظرت أرضًا بخجل من فعلتها معه سابقًا. فتحدث هو ببرود لم تتوقعه:
"أهلاً وسهلاً، تفضلي."
اتسعت عيناها بصدمة وهي ما تزال ترمق الأرض بنظراتها، لتخطو نحو الداخل جالسة أمامه تقول بتوتر:
"مرحباً."
أجاب سامر بذات البرود واللباقة:
"بخير، شكراً لك. كيف أخدمك؟!"
"لا أعتقد أنكم بحاجة لحراسة، فالسيد حلمي لا يغيرهم سوى نادرًا."
ابتلعت لعابها لتقول بخفوت والخجل والإحراج قد وصلا بها إلى ذروته:
"لم آتِ من أجل عمل ما، أتيت أعتذر، وإن كان الاعتذار لا يوفي حقك."
كانت ملامحه هادئة لا تنم عن شيء وهو يسمعها، ليقول بصوت ممتلئ بالسخرية وهو يلمح الخاتم الرفيع في يدها:
"لا والله، جزاك الله خيراً. دائماً سباقة بالخير، ولك من اسمك نصيب في شخصيتك، نبيلة.. حسناً، واعتذرت، ماذا بعد؟!"
بهت وجهها وهي تفرك يديها بتوتر لتقول بإرتجاف وهي تبعد خصلاتها عن وجهها:
"أعلم أنني أستحق أن تقف وتلقي بي خارجاً الآن دون كلمة، لكن، أنا هنا للاعتذار، فهلّا ساعدتني؟! أرجوك، اسمع ما لدي!"
ترك قلمه بملل ليضع يده أسفل ذقنه قائلاً:
"سيدتي العزيزة، لقد انتهى الأمر منذ سنوات، وقد صارت النار التي أحرقَت كل شيء رماداً واختفى. لا داعي لإتعاب نفسك وإرهاقها بالتفكير في شيء. أنرتِ المكان سيدة نبيلة، وسلامي للعائلة."
التمعت عيناها بالدموع لتنهض مرتجفة، تأخذ حقيبتها وتترك المكتب قبل أن يحدث معها شيء يجعلها مثيرة للشفقة أكثر من ذلك.
لم يرها مجدداً بعد ذلك اللقاء، وهذا أفضل، وقد أقساها تماماً عن تفكيره. لكن ما إن يأتي الليل ويذهب إلى النوم، يأتِ وجهها الباكي أمام عينيه. وهذا ما حدث معه اليوم أيضاً، ليزفر بضيق وهو جالس على طرف الفراش ينظر لقدمه بشرود مفكراً: "معرفته بها لم تأتِ عليه سوى بالكوارث، وآخرها ساقه!"
رفع وجهه مستغفراً، يحمد الله على أن الأمر لم يتطور لأكثر من هذا وأصبح مقعداً. وحتى إن كان حدث ذلك، لن يقنط أبداً من رحمة الله وسيحارب في هذه الحياة حتى آخر نفس به، لأجل أبنائه ولأجل نفسه.
رفع وجهه ليطالع صورة امرأة بهية الجمال، تيم يشبهها لدرجة كبيرة. كانت صورة زوجته المتوفاة علياء. اسمها علياء، وكان لها من اسمها نصيب. وقفت بجانبه تدعمه حتى آخر أنفاسها، ذات عزة نفس وكرم وطيبة لم يرها بحياته. بذكر نصيب الأسماء، تذكر بسخرية ما قاله لنبيلة بهذا الشأن، ليحرك رأسه بيأس متسطحاً على سريره، يحمد الله على ما وصل إليه وتمنى عدم زوال النعمة.
"أخيراً تكرمت جلالتك واتيت أنت وصغارك لنا؟!"
قالها الحاج شريف، عم سامر، بإمتعاض. فاقترب سامر منه يحتضنه قائلاً:
"أنا حقاً آسف يا عمّاه. لدي عملي ومدرسة الأطفال وما إلى ذلك، اعذرني."
أومأ له العم مبتسماً وهو يحتضن الصغيرين ليقول:
"تعال لتتناول الغداء ثم نتكلم بأمر هام."
أومأ له سامر بترقب وجلس هو وصغاره بين أفراد الأسرة المرحبين بتواجدهم. وما إن انتهوا، حتى قال العم شريف:
"حاجة هناء، خذي الأطفال ليرتاحوا أو ليلعبوا، لأني أريد أباهم في أمر ما. وقولي لغيداء أن تصنع لنا الشاي المميز الذي تعده وتحضر لنا."
أومأت له مبتسمة ليسير متجهاً للشرفة الكبيرة ومعه سامر. وبعد جلوسهما قال:
"تفضل أولاً، هذا إيجار الأرض لهذا الموسم، وذا ثمن بيع محصول فواكه البستان الذي اشتريته العام الماضي. بارك الله لك في رزقك يا بني."
ابتسم له سامر وهو يأخذ المال يطالعه بشرود وهو يتذكر الأيام التي كان ينام بها بلا طعام ليوفره لطفليه.
أفاق من شروده على ربتة أحس بها على ساقه، فرفع عينيه لينظر إلى عمه الذي يطالعه بحزن ليقول:
"لا تذكرني بما حل بك وأنا بعيد عنك لا أعرف عنك شيئاً. لكنه مضى وانتهينا."
أومأ له بهدوء ليقاطعهم دخول غيداء بالشاي وهي تبتسم بإستحياء، متقدمة من الحاج شريف أولاً تعطيه الشاي، ثم اقتربت من سامر الذي ابتسم لها يحييها بهدوء، لترحل بعدها فوراً.
رفع الكأس لفمه كي يشرب، لكنه لاحظ نظرات عمه الفضولية مع ابتسامة واسعة مترقبة، فازداد الشك بقلبه ليقول:
"ما الأمر يا عمي؟! ما بال تلك النظرة؟!"
اتسعت ابتسامة العم أكثر ليقول:
"غيداء أنهت دراستها منذ عامين، وجميلة للغاية كما ترى، وتربية مأمون ابن عمك، على لا غبار عليها. ما رأيك؟!"
اتسعت عينا سامر، باصقاً الشاي من فمه بصدمة ليقول:
"رباه! عمي، هل أنت واعٍ لما تقوله لي؟! غيداء ابنة مأمون؟! إنها طفلة، كنت منذ سنوات أحملها على كتفي!"
امتعض وجه عمه ليقول:
"يا غبي، أخبرتك أنها أنهت جامعتها منذ عامين، أي أنها ليست قاصر أو طفلة كما تقول. ثم ماذا في ذلك؟! العديد من الأشخاص يتزوجون أبناء أبناء عمومتهم. أم أنك مازلت تضع ابنة القاضي في حسبانك؟!"
قال سامر منهياً الجدال:
"لا ابنة القاضي ولا ابنة السجان حتى يا عمّاه. لقد أدركت خطئي حين نظرت لأخرى بعد وفاة علياء رحمها الله. أخذت نصيبي من الحياة معها وانتهينا."
"كيف تقول ذلك وأنت مازلت شاباً؟ لماذا تحرم نفسك من حقك في العيش؟"
قالها مأمون ابن عمه الذي دخل في نهاية الحديث. وخشي سامر أن يكون قد عرف ما اقترحه عمه، لكن الواضح من معالم وجهه هو الحزن على حاله فقط.
تحدث الحاج شريف موجهاً حديثه لمأمون:
"أخبره يا بني، لقد جف حلقي من كثرة الكلام. إنه لا يدرك قيمة نفسه، شاب مميز، خلوق، مستواه الاجتماعي والمادي ميسور، والكل يشهد له بالخلق، وأي عائلة تتمنى نسبه."
أومأ مأمون موافقاً عمه وهو يعيد الحديث مجدداً إلى سامر، الذي ظل ينظر لهما بملل من الحديث الذي يسمعه منهم جميعاً ألف مرة تقريباً، وإجابته دائماً واحدة: أنه اكتفى بصغيريه.
"أخشى أن تنتكس حالتها مجدداً يا أكرم!"
قالتها والدتها نبيلة بقلق لأخيها الذي يستمع لها بغضب قائلاً:
"أتدرين! أود لو أنني أخنق زوجك بيدي هاتين على ضياع تلك الفرصة من يدها بهذه الطريقة!"
"وما الذي يمنعك؟!"
قالها حلمي بإمتعاض ولوم، لينظر له أكرم بذات الغضب يقول:
"كانت الفرصة سانحة أمامها أن تبني أسرة صغيرة وسعيدة. سامر، وجمعنا نعرفه، رجل شهم يعتمد عليه. يكفي أنه من أعادها لطبيعتها بعد انفصالها من ذاك الجرذ اللعين. لقد عرفت من صفية أنك عينت شخصاً يتبع خطواتها خارج المنزل وأخبرك بذهابها لسامر في مقر عمله وخروجها بعد مدة قصيرة باكية. تعلم جيداً أن سامر نفسه عزيزة ولن يتراجع ويتصالح وكأن شيئاً لم يكن!"
غضب حلمي من تلك الجملة ليقول:
"أكرم! ابنتي لا ينقصها شيء، وألف رجل يتمنى أن أقبل به ليتزوجها. لا تجعلني أذهب وأدق عنقه. كلامك يغيظني. أعرف سامر وأنه شخص جيد، لكن من يكون ذاك السامر لتتحدث عنه وكأنه أعلى شأناً من ابنتي أنا؟!"
مسح أكرم وجهه بتعب، مدركاً تماماً سبب غضب صديقه وأنه يخشى أن تصبح كرامة ابنته فخراً.
"كانت الفرصة سانحة أمامها أن تبني أسرة صغيرة وسعيدة. سامر، وجمعنا نعرفه، رجل شهم يعتمد عليه. يكفي أنه من أعادها لطبيعتها بعد انفصالها من ذاك الجرذ اللعين. لقد عرفت من صفية أنك عينت شخصاً يتبع خطواتها خارج المنزل وأخبرك بذهابها لسامر في مقر عمله وخروجها بعد مدة قصيرة باكية. تعلم جيداً أن سامر نفسه عزيزة ولن يتراجع ويتصالح وكأن شيئاً لم يكن!"
غضب حلمي من تلك الجملة ليقول:
"أكرم! ابنتي لا ينقصها شيء، وألف رجل يتمنى أن أقبل به ليتزوجها. لا تجعلني أذهب وأدق عنقه. كلامك يغيظني. أعرف سامر وأنه شخص جيد، لكن من يكون ذاك السامر لتتحدث عنه وكأنه أعلى شأناً من ابنتي أنا؟!"
مسح أكرم وجهه بتعب، مدركاً تماماً سبب غضب صديقه وأنه يخشى أن تصبح كرامة ابنته فخراً.
"استمع إلي، وضع كيء جانباً. نبيلة لن تقبل بغير سامر، وسامر لا يوافق على الزواج من أياً كانت بسبب سيادتكم أن وابنتك. لكن قد يتغير الوضع. سامر شاب مهذب، ولا شائبة تشوب حياته، وهناك الكثير من الأشخاص يلمحون له بخطبة بناتهم لها."
"قترب أكثر من أكرم ليقول وهو يلمح غيظ حلمي الذي ما زال غاضباً يرفض إهانة كرامة ابنته:
"منذ بضعة أيام تقابلت أنا والحاج عادل، أحد أعمامه، وقد أخبرني أن أخاه الأكبر الحاج شريف يريد تزويجه لابنة ابن عم سامر. فتاة في منتهى الجمال، صغيرة السن، مهذبة وهادئة، وذات شخصية قوية تلتف لها الأعناق. وإن الفتاة لا مانع لديها، لكن ما يوقفهم هو إخبار سامر وربما الضغط عليه ليكمل حياته."
وضع كف يديه فوق بعضهم أعلى صدره في حركة درامية مستنكرة ليقول:
"أخبرني إذا يا ذا الكرامة والكبرياء، ما الذي سيصيب ابنتك إن تزوج سامر من تلك الصغيرة بمواصفاتها تلك؟ تذكر ما حدث معها حين تزوج عليها رائف أنثى اليربوع تلك التي مازالت زوجته، وما جرى لابنتك وهي أعلى من تلك بمراحل. تخيل فقط، تخيل ما الذي سيحدث لها هذه المرة وهي ترى غريمتها الفائزة بكل تلك المميزات تفوز بسامر."
خبط حلمي بيده على الطاولة بغضب ليقول:
"انتبه للسانك يا أكرم! ابنتي ليست قليلة وليست سلعة. ثم من هذا السامر الذي تصر على جعله أعلى مكانة منها؟ إنها ليست ابنتك تتكلم عمها بهذا
رواية الزوجة الاولى الفصل السابع 7 - بقلم شيراز القاضي
وقفت أمام المرآة باكية وهي تتذكر كلامات خالها حول العروس المنتظرة وعن كونها مميزة بكل شيء.
تحسست وجهها الجميل لكن فكرت بماذا يفيد الجمال مع كل هذه الطاقة السلبية والضعف الذي أصبحت عليه؟!
ها هي الآن تقف باكية كالبلهاء بدلاً من أن تذهب وتستعيد حقها.
لكن أي حق؟! حق هي بذاتها نفضته؟!
أغمضت عينيها بألم وشريط الذكريات يمر أمام عينيها، كيف لها أن تظلمه بهذا الشكل وهو الوحيد الذي عاملها كملكة؟!
نظرت للمرآة مجدداً متسائلة،
"هل تستطيعين الفوز به من جديد؟!"
التمع الإصرار بعينيها لتمحو دموعها بقوة قائلة بصوت هامس جاد وقوي لذاتها:
"أجل ستعيدين كل ما دمرته بيديك، أولهم ثقتك بنفسك، سامر وأطفالي، نعم أطفالي.. إنهم لي أنا."
كانت شفتيها ترتعد بنهاية الجملة كما هدت عيناها بذرف المزيد من الدموع لكنها محتها بعنف قبل أن تهطل!
"مرحباً نها؟! أريدك في أمر ما..... أجل أجل أعرف... أممم سلمت حبيبتي... هل ما زالت الوظيفة شاغرة؟! ... أجل أريد التقدم... حسناً هذا جيد أنا قادمة حالا."
أغلقت الهاتف مع نها لتنهض بعزم لتغيير ثيابها وجهزت للخروج مبتسمة بنشاط فوجدت والديها يتناولان الإفطار فجلست معهم وهم ينظرون لها بدهشة لنشاطها هذا فتحدث أباها قائلاً:
"حبيبتي أنتِ بخير؟"
أومأت له مبتسمة لتقول أمها بتوجس وهي تعطيها طبق الجبنة:
"خيراً حبيبتي أراك متأنقة؟"
أجابتها وهي تلوك الطعام باستمتاع:
"لقد أخبرتني نها أن هناك وظيفة شاغرة في المدرسة التي تعمل بها وقدمت أنا أيضاً بها وأنا ذاهبة الآن للمقابلة."
ابتسم أباها بتشجيع وكذلك أمها لتنهض هي مسرعة لتلحق بموعدها.
اتنهد حلمي براحة مبتسماً ليقول وهو يغأود النظر إلى كتابه ممسكاً فنجان قهوته:
"آه أخيراً عادت كما كانت، بخير بعيدة عن سامر، لقد أخبرتكم أنها ليست بحاجة إليه، تحزن قليلاً ثم تعاود لطبيعتها."
ابتسمت له صفية بتوتر لمعرفتها السابقة أن نها تعمل بالمدرسة التي يرتادها أبناء سامر، واثقة هي تمام الثقة أن نبيلة لم تختر مدرسة أخرى لأجل هذا السبب!
ثم عادت للشرود بحزن، هي كأي أم! قلبها ملتاع على حال ابنتها، كلما نظرت لها وأدركت أنها ستبقى وحيدة بسبب مشكلة العقم ثم ما حدث من رائف ثم من حلمي... ثم من رفض سامر الذي تعذره حقيقة... لكن ماذا عن صغيرتها التي تكبر وحيدة!
كانت ترى لمعة عينيها وهي تحادثها بحب عن الأطفال في الروضة وطفلي سامر التي أحبتهم على وجه الخصوص، كيف تلمع عيناها بحب وامتنان حين تخبرها أن سامر لا يخاف على أولاده منها أن تؤذيهم أو تحقد عليهم لكونها لا تنجب مثل باقي الناس المرضي من حولها.
ظلت تدعو الله أن يرزقها من حيث لا تحتسب ويهديها ويهدي لها الجميع.. حرفياً الجميع ضدها ولا تدري لما.
مر الآن على عملها شهر كامل، شهر كامل ترى الصغيرين أمامها وأصبحت تعود معهم تدريجياً لما كانت تفعله حين كانا طفلين! حتى تيم الصغير أصبح متعلقاً بها كما كان في السابق.
شردت قليلاً وهي تضحك بحزن متذكرة وجه سامر الذي دخل المدرسة في إحدى الاحتفالات لتحتل معالم الصدمة وجهه وهو يراها تجلس بين المعلمات، كيف أنها يومها تعمدت ألا تنظر نحوه وكأنها لم تره، وكأنها لا تعلم أن طفليه معها في المدرسة مثلاً!
الغريب بالأمر أنه لم يحاول محادثتها ولو لمرة خلال هذا الشهر وكذلك لم يحاول إبعادها عن الطفلين أو إبداء أي ملاحظة عن كونها معهم ولعلمها أن الصغيران وخاصة هيام تحكي له دائمًا عن يومهم في المدرسة، أم تراها تغيرت وأصبحت لا تتحدث كثيراً فلم يعرف سامر أنها عادت تشكل ضطلعاً أساسياً في حياة صغاره من جديد؟!
"معلمتي؟!"
هكذا ناداها تيم بصوت منخفض باستحياء وهو يراها جالسة في غرفة المعلمات وحيدة تشرب كوب شاي وهي تطالع الأفق.
استدارت له بابتسامة حنون وهي تبسط له يديها فاقترب منها بحياء جعلها تضمه ضاحكة وهي تقبل رأسه قائلة:
"ماذا هناك تيم؟!"
كان ينظر أرضاً بذات الخجل لترفع وجهه مبتسمة لكن ماتت عندما رأت وجنته الساخنة والدموع اللامعة في عينيه ثم انتبهت أخيراً لبنطاله المبلل الذي لم تنتبه له لقتامة لونه لتقول بفزع:
"ماذا حل بك؟!"
شهقة بكاء صدرت عن الصغير ليبكي وهو يخفض وجهه دون كلمات وما كادت أن تسأله مجدداً حتى وجدت إحدى المعلمات تدخل إليها راكضة بغضب لتقول:
"تيم؟ من سمح لك بالتحرك من مكانك لقد كنت معاقباً!"
حين سمع صوتها ازداد التصاقه بنبيلة وهو يبكي بفزع أكبر لتقول نبيلة:
"ما الأمر ولاء اهدئي قليلاً! انه طفل بالروضة، منذ متى نتعامل مع أي طفل بتلك الطريقة حتى وإن كان كبيراً."
ثم نظرت لتيم تقول:
"اهدأ حبيبي ما الأمر!"
نفخت ولاء بغضب ذاهبة وهي تتوعده حين يعود فنظرت لها نبيلة باستنكار لكنها عادت باهتمامها نحو تيم وستحاسبها لاحقاً لتقول بقلق:
"ما الأمر حبيبي؟! فقط أخبرني، أنا هنا معك."
ارتعش الصغير ليقول وهو ما زال يبكي:
"ك كانت الم المعلمة ولاء تشرح لنا درس الأشكال و وكنت أريد الذهاب إلى الحمام، طلبت منها الذهاب لكنها رفضت ذلك وطلبت مني تركيب شكل المربع بالمكعبات، و ولم أعرف كيف و و عاقبتني و وحين بكيت قامت بصفعي وأخبرتني أن أقف بالزاوية خارج الصف ولم أذهب للحمام."
وكان يتحدث بصعوبة بالغة وكلمات غير متكاملة لصغر سنه ولخوفه لكنها فهمت القصة كاملة فنهضت بغضب وهي تضع سترتها على كتفيه وكانت كفيلة بتغطية جسمه بالكامل حتى قدميه لتقول:
"تعال معي أولاً لتقوم بحل أمر الملابس وبعدها نريك."
هناك مركز صغير لبيع الثياب قريباً من المدرسة دخلته ومعها الصغير لتأتي له بملابس بديلة لملابسه التي ابتلت وأدخلته حماماً متواجداً في المركز حتى قامت بمساعدته في تغيير ثيابه وعادت للمدرسة مأججة بالغضب تحمل تيم على يدها تواجه المدير الذي وقف بتوتر حين أخبرته ولا باختفاء الطفل الذي تركته مع المعلمة الجديدة لتعود ولا تجد الصغير أو المعلمة.
تنفس هو الصعداء حين وجدها قادمة ومعها الطفل وأن مكروهاً لم يصبه لكنه اجفل من صراخ نبيلة التي خاطبت ولا بوحشية لأول مرة تتحدث بها تلك الرقيقة:
"أنت كيف أتتك الجرأة لفعل ذاك العمل الشنيع بطفل عمره لم يتجاوز أربعة أعوام؟! لقد أخبرك أنه يريد الذهاب للحمام ومن الطبيعي حين تمنعيه أن يحاول السيطرة على ذاته وبالتالي لن يركز مع ما تشرحين له ثم من أعطاك الحق بصفع وجنته بتلك الوحشية، ألا تخافين الله؟! اخرسي ولا تتحدثي أمامي فأنا لم أنتهِ بعد وسأفعل ما بوسعي لإحالتك للتحقيق!"
اصفر وجه ولاء تنظر نحو المدير باستجداء لتقول نبيلة بغضب موجهة حديثها إلى المدير:
"انظر سيد أيمن إلى وجه الصغير! أصابع تلك المجرمة مرتسمة على وجهه لأنه أراد الذهاب إلى الحمام فقط ولم يحتمل فبكى! وااه من مشهده وهو يأتي إليّ بثياب ملوثة بسببها وبسبب رعبه منها، حمداً لله أنه أتى إليّ أنا ولم يخرج من البوابة التي أيضاً حارسها المهمل يتركها مفتوحة معظم الأوقات رغم إصراري الدائم عليه أن يغلقها حتى لا يخرج الأطفال ويتأذوا!"
نظر السيد أيمن إلى الصغير المرتعب وهو يختبئ في أحضان نبيلة الغاضبة توجه اتهاماتها نحو ولاء التي تجمدت من الصدمة والرعب لتأزم الأمر ليقول:
"حسناً اهدئي نبيلة، لديك حق فيما قلت وأنا قد أوضحت بعدة اجتماعات أن التعامل بالضرب والعنف مع الأطفال ممنوع ولاء! خاصة الصغار بالروضة، نحن هنا لنوجههم لما هو صحيح وليس لمعاقبتهم، وقد أوضحت هذا مراراً لك، سأكتفي هذه المرة بإنذار لك وفي المرة القادمة ستتحولين للتحقيق."
نظرت له نبيلة بغيظ لتقول بصراخ تجمع على أثره معظم المتواجدين:
"هذا الأسلوب اللين ما يفسد المعلمين والطلبة كذلك سيد أيمن! هي اعتادت على سماع تلك الكلمات وستندم يومين وتعاود الكرة، عقلها لا يستوعب كون طفل في هذه المرحلة يتوجب علينا أن نكون صبورين معه، أنسيت الشهر الماضي والطفلة التي قامت بضربها بعصا غليظة على يدها وتسببت بكسر إصبعها لكون الطفلة عصبية؟! فأصبحت هي الجلاد الذي سوف يقمع شخصية هذه الطفلة بدلاً من علاجها واستثمار قوة شخصيتها! سيد أيمن! إن لم تحلها إلى التحقيق أنا من سيسعى لفصلها نهائياً بواسطة علاقاتي، هي وكل من يتسبب بتشويه نفوس الأطفال، تسيبك معها في هذه المرة جعلها تصفع طفلاً وتعاقبه لأنه يريد الذهاب للحمام هل تتخيل ما أقول؟!!"
مسح السيد أيمن وجهه بتوتر وهو ينظر حوله ووجد الجميع ينظر لهم من معلمين وطلاب والجميع ما بين مندهش ومعجب بكلامها ومن صياحها الغاضب.
"كيف تبدلت ثيابك؟!"
جملة نطقت بها أسماء بدهشة وهي ترى تيم يرتدي ثياباً أخرى غير التي كان يرتديها أثناء قدومه نحو بوابة المدرسة فتحدثت هيام بحماس تخبرها ما حدث لتشهق أسماء غاضبة مما سمعته لكنها قالت:
"آهٍ لو عرف أبوك ما حدث، لكان جعلهم كالفئران، جيد أن تلك المعلمة قد أخذت حق أخيكِ."
ما كادت تتحرك حتى رأت معلمة أخرى تعرفها تقترب منها بحماس غريب وهي توقفها لتقول:
"لقد فضحت نبيلة الدنيا واقامتها فوق رأس المسؤولين في المدرسة وذاتاً على معلمة تيم، مروة، لابد أم الأطفال أخبرتك بالأمر صحيح؟"
أومأت أسماء وهي تقول بغضب:
"من المستحيل أن تكون تلك معلمة لأطفال بهذا السن، ولا تصلح لتكون معلمة أصلاً لو كان تعاملها مع الأطفال بتلك الطريقة الشنيعة."
حكملت المعلمة ثرثرتها لتقول:
"أجل لقد نالت ما تستحق، لقد قام الجميع بتصوير ما حدث وقد انتشر الأمر في المدينة كلها تقريباً مما جعل الإدارة تتصرف بسرعة حتى لا يواجهوا الرأي العام."
انصرفت أسماء برفقة الطفلين بعدما طلبت من المعلمة أن ترسل لها الفيديو لتراه لاحقاً.
لم تستطع الصبر فقامت بوضع الغداء للطفلين لتجلس بجانبهم وهي تسمع الفيديو وعيناها تتسع انبهاراً بحديث نبيلة وقوة موقفها وتارة أخرى بغضب لما فعلته تلك المعلمة للطفل الصغير.
في هذه الأثناء دخل سامر المنزل بتعب بعدما رن الجرس لتنتبه أسماء لقدومه لكنها كانت مندمجة مع الهاتف فلم تشعر به.
وقف هو عند الباب يلتقط أنفاسه خالعاً حذاءه ويضعه بمكانه المخصص لكنه تجمد مكانه ما أن سمع صوتاً صارخاً يعرفه تمام المعرفة لكنه لم يسمعه يصرخ بغضب أبداً! لكن ما الذي أتى بصوتها إلى بيته؟!
اقترب بتوجس من المطبخ فوجد طفليه يأكلان وهما يتضاحكان، أو كانت هيام هي من تضاحك أخاها لكنه وجه نظره إلى أسماء التي تشاهد الفيديو وهناك ابتسامة متشفية ظهرت جلية على وجهها فاقترب قائلاً:
"ما الذي تشاهدينه بكل هذا الاندماج؟!"
انتفضت أثر صوته لتزفر براحة وهي تقول:
"أنا آسفة لم أشعر بقدومك، كنت مندمجة مع هذا الفيديو قليلاً."
قطب حاجبيه ليسأل بتوجس:
"ما فحوى هذا المقطع بالضبط؟"
أصبحت تروي له ما حدث فاشد غضبه لتقول هي بحذر وهي تطالع أبناءه حتى لا يصرخ أمامهم:
"لا بأس سيد سامر لقد تدخلت معلمة رأيتها مراراً مع الأطفال وتصدت لهم جميعاً وليس للمعلمة بل بالإدارة كلها واقامت الدنيا فوق رؤوسهم!"
حاول تهدئة نفسه حين وجد طفليه ينظران له بحذر ليبتسم لهم قائلاً:
"سأبدل ثيابي لنتناول الطعام معاً حسناً؟!"
واتجه مغادراً ليسمع صوت هاتفه حتى وجد أمامه رقم أحد أولياء الأمور في المدرسة، والد إحدى صديقات هيام، قد بعث له الفيديو ليفتحه بسرعة وهو بغرفة ينظر بغضب هدأ تماماً ليتحول لصدمة وهو يرى نبيلة تحتضن صغيره وهي تصرخ بشراسة في وجه المعلمة والمدير وتهديدها الواضح لهم أنها ستستخدم علاقاتها لفصل المعلمة من عملها وبالتالي هناك تحويل للتحقيق بالطبع للإدارة بأكملها.
حتى وإن لم يرد الاعتراف، لقد سدت مكانه اليوم بل أشد مما كان سيفعل هو وأكثر حكمة!
ضحك بسخرية، أي حكمة؟! لقد وقفت أمام مديرها تتحدث بشراسة وهي تكاد تقتلع رأس تلك المعلمة من مكانها.
في اليوم التالي تم استدعاء سامر الذي كان ذاهباً على أي حال للمدرسة لمتابعة ما حدث.
دخل من البوابة الرئيسية وذهب نحو غرفة المدير الذي أصبح يعتذر لها مرارا على ما حدث وأن الأمر لن يتكرر وكلمات كلها بالمجمل تحمل معنى واحد "لقد أخافتهم تلك الغولة اللطيفة التي كادت تبتلعهم بالأمس".
حين أتى هذا التشبيه بعقله ابتسم دون إرادته وهو يحرك رأسه بيأس لينظر نحو الساحة عله يلمح طفليه ليذهب معهما.
لمح هيام تتجه ركضا نحو شجرة كبيرة في الخلف ولم تسمع ندائه لها فذهب خلفها لكنه توقف مكانه حين وجد نبيلة تقف هناك وتطعم تيم شيئا ما ثم حملته على يدها وهي تمسك يد هيام لتتحرك معهم وهي تحادثهم بحماس.
اختفى تماما ليحل محله التوتر حين وجدت سامر أمامها.
تركت الصغيرين بسرعة وهي تنظر أرضاً والتوتر يملأ قسماتها بطريقة... ألمته!... لقد توترت كما تفعل دائما حين تلهو مع طفل صغير ويراها أحد والديه ويظن بها السوء.
تنهد بتعب وهو يراها ترحل بصمت ليقول بهدوء:
"توقفي! لماذا تهربين الآن؟"
قالت بصوت منخفض دون النظر له:
"لست أهرب أنا فقط على الذهاب، الطفلين كانا وحيدين وأتيت لهما حتى تأتي أسماء لأخذهم فقط."
كاذبة! وفاشلة بالكذب أيضا! هو يعرف أنها يوميا تبقى معهم لمدة طويلة وتلك الحلوى والسكاكر المميزة التي يراها معهم هي من تعطيها لهم، كان ينوي إبعادهم عنها تماما حين عرف بعملها هنا لكنه لم يقدر على إيلامها حتى وإن آلمته هي!
ابتسم ببرود أربكها أكثر ليقول:
"سلمت، نحن فقط لا نريد إزعاجك، الأولاد يعرفون أنني قادم ولن يخرجوا من البوابة بدوني لا تقلقي."
يا إلهي هل عليه أن يكون بمثل تلك السماجة معها حتى ولو كانت تستحقها؟!
ابتلعت لعابها بتوتر لتقول:
"هذا واجبي لا بأس، مع السلامة."
وذهبت بسرعة إلى حمام المدرسة تعدل وضع زينتها وعطرها لتتجه نحو السيارة بابتسامة وهي تتذكر ثرثرة هيام معها أن سامر قد أخبرهم أنه سيأخذهم بعد المدرسة لتناول الطعام في مطعم يحبه كثيرا ويرتاده دوما، عرفته هي بالطبع لأنها دائما ما كانت تذهب معه.
وصلت المطعم واختارت إحدى الطاولات المطلة على البحر وأصبحت تتأمل المكان بحذر حتى انتبهت لهم يدخلون من الباب فتصنعت النظر نحو قائمة الطعام وهي تنتظر أن يلاحظ الصغار وجودها.. أو هو ويتنازل قليلا ويتحدث معها كالخلق!
بالفعل لاحظها تيم الذي صرخ باسمها فرحا ليذهب إليها وهي استقبلته بابتسامة ناظرة إلى من خلفه لتتجمد ابتسامتها حين أدركت أن سامر لم يأت وحيدا مع أبنائه وإنما معه شخصان، رجل رأت صوره من قبل وهو ابن عمه مأمون ومعه... كتلة جمال متحركة وبحسبة بسيطة قد أدركت أن تلك هي غريمتها... غيداء!
رواية الزوجة الاولى الفصل الثامن 8 - بقلم شيراز القاضي
جلس كلا من مها ونها تنظران نحو نبيلة التي تضع رأسها على الطاولة وتطرق على رأسها بقبضة يدها بغيظ.
لتقول مها، علها تغير من تلك الطاقة السلبية: "حسنا، إن تترك نهاية الروضة وتلتحق بالمدرسة لهي فرصة لها."
ثم وجهت سؤالها لنبيلة: "أنتِ، ما سبب خيانتك لي وعملك معها؟!"
كانت نها تحاول أن تسكتها وهي تضرب فوق فمها، لكن الأوان قد فات.
فقد سمعت كلمات مها لترفع وجهها المحمر غضباً وإحباطاً، وشعرها أصبح مشعثاً لدرجة مخيفة.
لتقول: "خنتك بسبب هيام وتيم، يرتادان المدرسة ذاتها، هل أخذتِ الإجابة؟!"
عضت مها على شفتيها ما أن فهمت.
لتسألها نها بتوجس: "حسناً، لقد اتصلتِ بنا منذ ما يقارب الساعة ونحن نجلس ولا نفهم شيئاً، ماذا حدث؟!"
"ماذا حدث؟!" سألتها نبيلة، "اسألي ما الذي لم يحدث."
قالت نبيلة وهي ما تزال تحاول ترتيب خصلاتها: "أخبرتني هيام أنهم ذاهبون إلى مطعم أبيها المفضل لتناول الطعام، أردت أن أجعلها صدفة ونتقابل هناك، لتجنب الإحراج، سيقوم بدعوتي على طاولتهم تحت إلحاح الصغار ونتحدث! نتحدث بضع كلمات وقد يحدث شيء!"
نظرت الفتاتان لبعضهما بقلق.
لتقول نها: "وبعد؟!"
قالت نبيلة بأسى: "لم يكن وحيداً، كانت معه عروس المستقبل وأبوها."
***
وقفت تطالعها مبهوتة.
لقد حاولت أن تعرف مَن مِن أبناء عمومته كبير ولديه فتيات في سن الزواج، ولم تجد سوى مأمون الذي لديه ابنة واحدة وولدان.
أبعدت وجهها عنهم حتى لا ينتبه أحد لتعابير وجهها.
فإقتربت منها هيام هي الأخرى مبتسمة لها بحماس وهي تتحدث معه.
بينما توقف سامر يطالعهم بتعجب.
يالها من صدفة أن تأتي لذات المطعم بذات اليوم والتوقيت تقريباً!
قاطع شروده جلوس ابن عمه بعدم رضا لرؤيتها.
وهو يطلب منهم بخشونة: "هلا جلستما، وأنت أحضر أطفالك!"
سمعته نبيلة التي اهتزت عيناها قليلاً.
لتترك تيم بسرعة وتوتر تخبرهم أن يذهبوا إلى أبيهم.
رفعت عيناها له بعدها لتحييه، حين وجدته ينظر لها بتعبير مغلق.
فرد عليها بذات التحية الرسمية.
تذمرت هيام لتقول لأبيها: "أرجوك، سأجلس مع معلمتي لأتناول معها الطعام، إنها تأكل بمفردها، أبي أرجوك."
كاد سامر أن يجيب، ليقول مأمون بحنق: "اجلسي يا هيام! كفي حديثاً فارغاً."
نظرت غيداء إلى طاولة نبيلة على أثر كلماتهم.
وما أن تعرفت عليها حتى قالت بصدمة: "أوليست تلك المعلمة التي دافعت عن تيم وبسببها انقلب الرأي العام على المعلمين أجمع؟!"
أومأت لها هيام بحماس لتقول بعتاب: "أليس من الواجب شكرها؟! كان عليكِ دعوتها لمشاركتنا في تناول الطعام بدلاً من تناوله وحيدة."
أعقبت قولها بأن وقفت واتجهت صوب نبيلة الشاردة.
لتحمحم حتى انتبهت لها نبيلة وتنظر لها بهدوء.
عكس نيران الحزن واليأس التي تسير بأوردتها حالياً.
فقالت غيداء بابتسامة واسعة: "السلام عليكم، أنا غيداء ابنة عم تيم وهيام. لقد رأيت شجاعتك في الفيديو وحقاً كنتِ رائعة ومثالاً مشرفاً للمعلمين وأولياء الأمور كذلك."
أجفلت نبيلة من لطف الفتاة فرسمت ابتسامة هادئة بصعوبة وهي تشكرها.
فأكملت غيداء: "نحن جميعاً يشرفنا لو انضممتِ إلينا لتناول الطعام، الأطفال أيضاً يريدون الجلوس معك، هل تسمحين؟!"
توتر فمها، لكن غيداء سحبتها من يدها نحو طاولتهم.
فجلست بإستحياء على الكرسي المقابل لمأمون الذي كان يطالعها بنزق.
تعجبت له غيداء.
كان الصمت خانقاً.
فتحدثت غيداء مجدداً تقول: "أنا حقاً معجبة بما فعلتِ ذلك اليوم، حتى الكلمات لا تصف لكِ انبهاري، أحيكِ على شجاعتك منقطعة النظير."
ابتسمت لها نبيلة، لكن ماتت ابتسامتها حين سمعت تعليق مأمون الصلب: "لقد قامت بواجبها كمعلمة يا غيداء، أعتقد أنكِ كنتِ لتتصرفين بذات الطريقة لو تعرض طفل آخر غير تيم لهذا الأمر، صحيح؟"
توترت من عدائيتها التي تفهمها للواقع.
لكنها تحلت بالثقة لتجيبه بهدوء: "أجل معك حق سيد مأمون، هذه لم تكن المرة الأولى لولاء، لقد كسرت إصبع طفلة من مدة أيضاً ومع التساهل والتغاضي لم تُعر الأمر اهتماماً."
عادت بظهرها للوراء وهي تمد كف يدها على الطاولة تطرق عليها بلا صوت.
لتكمل: "للحقيقة أن جميعنا لدينا ضغوط وهموم تجعلنا قابلين للإنفجار بأي لحظة، وهذا للأسف ما حدث مع ولاء، رغم أني أعذرها لظروفها الشخصية، لكن هذا لا يعني أن تنفجر تلك الضغوط في وجه الأطفال، ستشوههم وتشوه نفوسهم دون أن تدري."
تلألأت عينا غيداء بتأثر من حديثها.
لتقول بتشجيع: "أنتِ عظيمة حقاً، أتمنى من الله أن يكثر من أمثالك حتى يصبح المجتمع أفضل."
ضحك مأمون بسخرية.
أجفلت الجميع ليقول بنبرة ذات مغزى: "لديك كل الحق سيدة نبيلة، أحيكِ لضميرك اليقظ وقلبك الكبير الذي يتسع لأطفال العالم أجمع، وكما يقال، فاقد الشيء هو من يعطيه، صحيح؟!"
زجره سامر بهدوء ونظرة لوم وجهها له على كلماته السامة تلك.
وهو لا يدري كيف ينهي هذا النقاش البائس.
وما زاد من غيظه تجاه مأمون صوتها المرتجف رغم صلاته وهي تقول: "لديك كل الحق سيد مأمون، فاقد الشيء هو أكثر من يعطيه، لكن هناك شيء آخر يتحكم في تلك النقطة وهي الضمير الحي، وأنا لدي ضمير حي، لذا واجهت تلك المعلمة بفعلتها يومها. أعذروني، تذكرت موعداً هاماً علي اللحاق به، شكراً لدعوتكم اللطيفة، تشرفت بمعرفتك غيداء، وداعاً."
كانت واقفة بالفعل وهي تتكلم.
لتجذب حقيبتها وهي تودع الطفلين.
ودون إرادتها نظرت إلى سامر بحنق لتسير مبتعدة عنه.
نظرت غيداء لأبيها بضيق لتقول: "أكان عليك أن تتحدث بتلك الطريقة؟! وأنت سامر! لما تركتها ترحل بتلك السهولة."
ثم نهضت ممسكة يد تيم الذي لوث يديه بالكاتشب.
لتذهب به للحمام بغية تنظيف يده.
أغمض سامر عينيه بتعب.
لينظر نحو مأمون متحدثاً من بين أسنانه: "هل كان من شيمنا أن نتنمر على خلق الله؟! أأنت مجنون لتقول تلك الكلمات السامة؟!"
قال مأمون بضيق من نفسه ومنها: "رؤيتها ذكرتني بهيئتك ممدداً لا حول لك ولا قوة في المستشفى بسبب فعلة طليقها ثم تخليها عنك وسفرها للخارج أيضاً. ثم تعود بكل صلف تظهر أمامك فب كل مكان! لم أقصد قبل ذلك لكني حقاً حين رأيتها وعرفتها كان بودي لو أنني أطلقت عليها الرصاص حتى تلفظ أنفاسها."
انتفض سامر من مكانه ليقول بصدمة وهلع: "أعوذ بالله، أستغفرك ربي وأتوب إليك، ليبعد الله عنها وعنا جميعاً كل الشرور. ماذا دهاك!! لقد نسيتها ونسيت ما حدث ولم أتمنى لها الشر يوماً، كيف تفكر بتلك الطريقة حتى لو كنت حزيناً على ما حدث لي؟! إياك أن تفكر بهذا الشكل مجدداً يا مأمون، إياك! ثم ما ذنبها فيما فعله رائف بي؟ أنا واثق من أنها لم تعلم سوى عندما عادت من ألمانيا. أرجوك كف عن التفكير بالأمر. ثم لا تنسَ ما فعلته بولدي."
أبعد مأمون وجهه بضيق لما حدث دون رد.
***
تهدل كتفا نبيلة بإحباط.
بينما نظرت نها ومها لبعضهما بقلق وحزن.
"الأمر صعب ويزداد تعقيداً."
"أجل، اجلسن كالمساكين لا تفعلن شيئاً حتى يتزوج من أخرى!"
قالتها السيدة صفية، والدة نبيلة، بغيظ ما أن سمعت ما حدث.
مما أجفل الفتيات اللاتي نظرت لها بصدمة.
فأكملت بتأكيد: "سأتبرأ منكِ إن جعلتِ تلك الفتاة ابنة ذاك الغليظ تأخذ ما هو من حقك، سنفعل المستحيل حتى تستعيدي سامر."
عادت نبيلة للإحباط من جديد.
لتضع رأسها مجدداً على الطاولة لتقول: "وكيف ذلك وهو لا ينظر إلى وجهي حتى؟!"
صفعتها أمها بحدة على رأسها.
فرفعتـه بسرعة لتقول بغضب: "توقفي عن العويل يا غبية! احتفال عيد الأم الذي يحضره أولياء الأمور في المدرسة ويستمر إلى المساء ويتحول لحفل خيري، ألا يحضره يا نها؟!"
أومأت نها بسرعة لتقول: "يحرص دائماً على المجيء منذ أصبحت بإمكانه المساعدة."
تنهدت السيدة صفية لتقول: "حسناً، هذا جيد. سنحتاج فستاناً جديداً وبعض اللمسات لهذا اليوم يا صبايا، هيا بنا!"
قطبت نبيلة لتقول: "لدي بالفعل فساتين كثيرة جميلة."
قالت أمها بغيظ: "يا غبية! نريد فستاناً أكثر احتشاماً. أعلم أن ثيابك لا تصف بالعري، ولكننا نريد شيئاً أكثر احتشاماً!"
فكرت نبيلة بكلام والدتها وتذكرت غيداء!
بالفعل، غيداء محجبة!
قالت ببؤس: "ماذا إن أحضر غيداء معه؟!"
تساءلت أمها قائلة: "هل تلك الفتاة كسبيل هكذا؟! إن كانت كذلك سأطحنها أرضاً، لا تقلقِ."
ضحكت نبيلة ببكاء، فبدا شكلها غريباً.
لتقول: "الفتاة كتلة من البراءة والجمال واللطف! طوال جلوسي معهم كانت بمنتهى الأدب والرقة. ألا يقال إن الحجاب لستر زينة المرأة وجمالها؟! تخيلن كم هي رائعة الجمال بالحجاب! مالكن حين تصبح حلاله وتظهر أمامه بلا حجاب! سيجن!"
..."لقد رفضته! يال للسخرية أن ترفضه طليقته لأجل رجل بائس كسامر، رجل مهما ارتفع شأنه لن يكون شيئاً هاماً بجانبه! حتى انتقامه منه لم يشف غليله! رؤيته مضجراً بالدماء يكاد يلفظ أنفاسه لم تجعله يهدأ ولو شيئاً يسيراً."
تنهد عائداً بظهره للخلف.
وهو يتذكر أن كل ما استطاع الحصول عليه هو محضر عدم تعرض.
ومن يومها وهو اختفى ليظهر فجأة بشركته السخيفة.
"فاشل، مهما حاول أن يفعل هو فاشل."
دون إرادته قال الجملة بصوت ظاهر وصل لوالدته.
التي دخلت عليه بالصدفة تراه شارداً وعلامات الشر تظهر على وجهه بوضوح.
فقالت بهدوء: "بل إنه أنجح شخص قد يراه الإنسان. لقد وقف على قدميه من جديد وابتعد عنكم وعن أمراضكم ولم يحاول الإنخراط بها. أتعلم! ولأول مرة سأقولها، كنت أتمنى لو أن لي ولداً في مثل أخلاقه ورزانته وذوقه. اخرس واستمع إلي، لقد سأمتك وسأمت تصرفاتك الحقيرة تلك، فضحتنا وجعلت سمعتنا في التراب. لقد ذهبت إلى سامر وهو بالمشفى في أعز لحظات حاجته للناس لأقدم له المال ومساعدته بأي شكل حتى لا يسبب المشكلات لنا. توقعت أن يثور أو أن يطردني، لكن أتعلم ماذا فعل؟!"
كان رائف ينظر لها بصدمة وغضب.
لتكمل من بين دموعها وهي تمسد يدها: "كنت أجلس إلى جانبه وحين رأيت وجهه المدمى أبكي وأنا أراه يطالعني بضعف وأنا أمسح برفق على رأسه، فقبل يدي رافضاً المال أو أي مساعدة تأتي من جانبنا. أتعلم أيضاً، لقد أخبرني بمنتهى الأدب أنه سوف يحرر محضراً ضدك هدفه الوحيد أن يجعلك به إمضاؤك بعدم التعرض خوفاً على أبنائه وأنه سينسى تماماً ما حدث! هو ليس ضعيفاً وقد رأيت بنفسك ما فعله بك حين تحدثت وخضت بعرض طليقتك! لكنه شخص لا يحب المشكلات ومرت السنوات وابتعد. ونبيلة أيضاً سنوات عمرها تمر وهي وحيدة. زوجتك المصون أصبحت مجنونة مثلك وليس لديكم أطفال حتى الآن، وتلك إشارة من الله لعلّك تتعظ وتترك الناس بحالها. دمرت حياة الشاب وحياة نبيلة وحياتك أنت الآخر. كفى!"
تركته ورحلت باكية.
تاركة إياه يفكر في كل ما قالته.
كان حديثها كله.. صحيح مع الأسف!
***
يوم الحفل كان عطلة على أن يأتي الحاضرون من الساعة السادسة مساءً.
كانت نبيلة ترتدي فستاناً أسود طويلاً ساتراً بأكمام طويلة.
كان ضيقاً لكن لا يحدد جسدها بذات الوقت.
تقف بين الأطفال لتدربهم آخر مرة على الحركات التي سوف يؤدونها على المسرح.
وهي بين الحين والآخر تنظر نحو الباب لتراقب مجيء هيام وتيم اللذان تأخرا عن التمرين.
عدة دقائق ووجدتهم يدخلون بصخب ينادونها بحماس.
فتركت باقي الأطفال للمعلمة الأخرى وذهبت نحوهم مبتسمة.
تتأمل ملابسهم الجميلة بابتسامة وهي تمطرهم بالتعليقات الجميلة.
لينظر تيم بحماس إلى شقيقته التي نظرت له بذات النظرة.
لتخرج من الحقيبة التي كانت بيدها علبة هدايا كبيرة بعض الشيء.
وتعطيها لنبيلة التي اتسعت عيناها بصدمة.
والتمعت الدموع بعينيها وهي تجد الصغيرين يقتربان منها يضمانها بحب.
يخبراها بصوت واحد: "كل عيد أم وأنتِ سعيدة."
بكت بصدمة وهي تضمهما إليها بحب.
فلم ترَ الذي توقف بعيداً يتابع ما حدث بابتسامة بسيطة.
ليستدير راحلاً إلى المكان المخصص له.
رواية الزوجة الاولى الفصل التاسع 9 - بقلم شيراز القاضي
بدأ عرض الأطفال وجلس الجميع يتابعون أطفالهم المشاركين.
كانت نبيلة تقف خلف الكواليس تذكر الأطفال بالحركات اللازمة في الاستعراض، فلم تنتبه أن الأشخاص الذين كانوا يجلسون في الطرف الأيمن كانوا يرونها بوضوح.
منهم سامر، الذي شاهدها تلوح بيدها وتدور وهي تحرك رأسها للأطفال، وحين يفعلون حركات صحيحة تصفق بحماس لهم، فجعله يبتسم دون إرادته.
ظل يتأملها ليجد أنها ما زالت تمسك بيدها هدية أبنائه لها.
طغى الحزن داخل عينيه حين تذكر شكلها وهي تحكي لمعلمتين منهم، نها رفيقتها، بحماس أنها لأول مرة تحصل على هدية عيد الأم.
لا زال يتألم كلما تذكر التعليق الخسيس الذي أطلقه مأمون على أذنها بلحظة غضب هوجاء، وفكر: "إنه ربما، إن حصلت على هدية في هذا اليوم، فإنه يكون قد عوض لو جزء يسير من الجرح الذي سبّبته تلك الكلمات لها."
انتهى العرض الذي جهزته نبيلة لتنسحب من الكواليس وتذهب باتجاه جلوس الضيوف.
وقفت تدور بعينيها في المكان لتجد سامر جالس بالقرب من المسرح، وإلى جواره جلس أيمن زوج نها وطفله الأكبر.
"جيد! لقد وجدت سببًا وجيهًا للذهاب إليهم!"
اقتربت منهم وأبصارها على الصغير أحمد الذي ابتسم لها بهدوء هو الآخر، تسلم عليه ثم على والده، ثم حيت سامر.
فأفسحت نها لها مكانًا للجلوس بجانبها، وهي تهنئها على العرض اللطيف الذي قدمه الأطفال تحت إشرافها.
اتسعت ابتسامة نبيلة، تتحدث معها بحماس عن العروض ككل.
ثم نظرت نها للهدية بيد نبيلة لتقول بصوت جاهدت لتجعله واضحًا للجالسين: "ألم تفتحي هديتك العزيزة بعد؟"
نظرت نبيلة للهدية بحب، تضمها بيديها أكثر لتقول بصوت واضح هي الأخرى حتى تتمكن نها من سماعها: "أريد الاحتفاظ بغلاف الهدية، وإن حاولت فتحها هنا قد أنتهكها دون أن أشعر. سأقوم بفكها بلطف في المنزل أفضل."
أومأت لها نها وهناك ابتسامة نصر تعلو شفتيها لم تفهمها نبيلة، ولكنها ابتسمت باتساع كذلك بسبب ظنها أن ابتسامة النصر تلك هي أن سامر فكر بها مع أطفاله ليحضروا لها هدية.
لكن الحقيقة أن نها انتبهت لإنصات الرجال لحديثهما، ثم تغير وجه سامر حين سمع تعليق نبيلة العفوي.
نهضت نها وزوجها فجأة تودع نبيلة وسامر، فبقي الاثنان جالسين ينظران نحو المسرح بعقل شارد.
نظرت نبيلة بطرف عينها جهة سامر لتجد أن ملامح الإجهاد واضحة على وجهه وهو يحاول إخفاء ذلك، بينما امتدت يده تدلك أعلى ساقه بخفة غير ملحوظة سوى لمن ينظر له عن كثب.
اقتربت وجلست إلى جواره مباشرة لتقول بقلق: "هل أنت بخير؟"
تفاجأ هو بها بجانبه لينظر لها للحظات قبل أن يقول بوجوم: "أنا بخير، فقط كان يومًا مرهقًا."
"لا يبدو بخير أبدًا أبدًا!"
تحدثت مجددًا بحزن وتردد: "هل... هل ما زالت تكلمك طوال هذه المدة؟ أليس لها علاج طبيعي يخفف من هذا الألم أو ربما دواء ما... مسكن؟"
لم ينظر لها، وإنما أجاب باختصار: "جلسات العلاج الطبيعي ما جعلتني أقف على قدمي مجددًا. لقد أخبرني الطبيب أنها ما دمت حيًا ستظل هكذا، ولا ليس هناك مسكن لهذا الألم. الآن حين أذهب إلى البيت وأرتاح قليلاً ستهدأ."
غرق الدمع عينيها دون أن يهطل من عينيها لتقول بارتعاش: "هل... هل أنادي الأولاد لترحلوا؟"
رفض رفضًا تامًا ليقول: "لا لا! كانا ينتظران هذه الحفلة بشدة. ما إن تنتهي الحفلة سنذهب! لا بأس، لقد اعتدت هذا الألم، هو ليس بهذه الشدة."
"كاذب! هو يكاد يغشى عليه من شدة ما يشعر به! تري ذلك بوضوح في عينيه!"
نظرت حولها بتيه، لا تعرف كيف تساعده، وأفلتت منها شهقة كتمتها بيدها بعد فوات الأوان، فنظر لها فوجدها تنظر حولها بتفكير ليقول: "ماذا هناك؟"
لم تجبه فورًا، وإنما وقفت فجأة تمد يدها له لتقول بصوت مرتعش: "قم معي! الحفل ما زال بأوله، لدي فكرة."
قطب حاجبيه ليجدها تتجه سريعا نحو إحدى المربيات وتحدثت معها بضع كلمات، فأومأت الأخرى بطاعة وهي تتحرك.
عادت مجددًا نحوه لتقول: "هيا تعال معي."
نهض خلفها بصعوبة وهو لا يدري ما الأمر. وجدها تتجه نحو مبنى المدرسة.
استمر بالسير خلفها ببطء من هول الألم وهو لا يفهم ما الأمر ولا طاقة له بالسؤال.
اتجهت نحو حجرة فتحتها بمفتاح لتطلب منه الدخول.
كانت حجرة المعلمات، وبها أريكة مريحة يمكن طيها وفردها لتصبح أوسع.
قامت بفردها لتقول له بسرعة وهي تتجه نحو باب صغير: "اجلس ومدد ساقك هنا. لا تقلق، لقد أخبرت إحدى المربيات الموثوقات أن تتابع تيم وهيام حتى أذهب لهم. ولا تقلق، منذ حادثة ولاء والجميع يخافون أن يخالفون أوامري!"
كان يراقبها وهي تتحرك من حوله حتى وجدها تقف عند طاولة، من هيئتها عرف أنها لها.
وضعت عليها هديتها بحرص شديد، وهي ما زالت تنظر لها بذات الانبهار، جعله يضحك ببؤس.
نظرت له بقلق لتقول: "تفضل، هذه وسادة صغيرة أضعها حول عنقي ستفيدك. تمدد وضعها تحت رأسك، دقيقة واحدة."
ورحلت مسرعة، ومن حيث لا يدري أحضرت زجاجات بلاستيكية لمشروبات غازية فارغة لتعود ركضًا نحو الباب الصغير مجددًا، واكتشف حينها أنه حمام.
غسلت الزجاجات، تخرج نحو آلة تسخين المياه، تدفئ الماء فقط وتضعه في القارورتين اللتين معها.
كانت بين الحين والآخر تنظر له بحزن وهي تراه ما زال متألمًا، يرفض النوم على الأريكة، فقط يجلس ويمد ساقه أرضًا ورأسه للخلف ووجهه يتصبب عرقًا.
غزت الدموع عيناها من جديد لتتحدث بصوت مرتعش: "أنا حقًا آسفة! لا أجد كلمة أخرى لأقولها لك، أرجوك سامحني. لولاي لكنت الآن بكامل صحتك ولا تعاني بهذا الشكل! أنا لعنة تحل على كل من يقترب مني."
رفع وجهه لها ببطء ليقول بصوت متعب: "ما حدث ليس ذنبك، إنه قضاء وقدر. يجب أن تعرفي شيئًا وتدركيه جيدًا، هذه هي الدنيا وهذا حالها، لن تحصلِ على كل شيء. لقد فقدت القدرة على التحكم بقدمي بشكل سليم، لكن الله رزقني من حيث لا أحتسب وأصبح وضعي أفضل بكثير من السابق، لذا أنا أحمد الله. لكن من كرم الله علينا أنه يحرمنا شيئًا فيعطينا بدلاً منه أشياء كثيرة، فقط لنحمد الله على ما لدينا، الدنيا فانية على أي حال فلا داعي للحزن عليها وعلى ما فيها."
فهمت هي ما يريد قوله، لم يتحدث عن نفسه فقط، بل بطريقة غير مباشرة أخبرها أن عقمها ليس نهاية العالم، أنه محق!
دون إرادتها شهقت باكية لتقول: "أنت محق! حمدًا لله دائمًا وأبدًا. لكن كلماتك اللطيفة لم تغير من عذابي شيئًا، لا تشغل بالك بشيء، فقط استرح. وهنا وضعت لك زجاجات الماء الدافئ لتضعهم حول ساقك وأنت نائم، ساعة واحدة على الأقل. لا تقلق إن تأخرت سآتي إليك لتنبيهك."
مدت يدها لها بالمفتاح لتقول وهي تمحو دموعها بعنف: "هذا المفتاح لتغلق الباب عليك، لن يأتي أحد، لا تقلق، لكن لترتاح أكثر."
شكرها بخفوت، لتنظر له قليلاً بألم قبل أن تذهب نحو الحفل لمتابعة ما كانت تفعله.
وقف هو بعد ذهابها ليغلق الباب وعاد ببطء إلى الأريكة يتسطح عليها نائمًا على وسادتها، وما كاد يغمض عينيه بألم حتى ابتسم وهو يشم رائحة نعناع شديدة في الوسادة. أخبرته قبلًا أنها تحب رائحة النعناع وتهدأ أعصابها. إنها محقة!
"فيمَ أنت شاردة؟!"
قالتها والدة نبيلة حين وجدتها شاردة في اللا شيء. إنها على ذاك الوضع منذ يوم الحفل.
نظرت نبيلة إلى والدتها وهي تمسح وجهها بكف يدها قائلة: "لا أستطيع تجاوز ذكرى هذا اليوم أبدًا يا أمي!"
تنهدت صفية بحزن لتقول: "كما أخبرك هو، إنها قضاء وقدر يا حبيبتي ولا ذنب لك! استغفري الله فقط واهدئي، ما حدث قد حدث وليس بيدنا شيء لفعله."
"أولاً تدرك ذلك؟!"
من شدة خجلها وقهرها مما حدث له أصبحت تتجنبه، بل غابت عن المدرسة الأيام الفائتة أيضًا. رؤية الطفلين أصبحت تؤلمها كذلك.
بأي وجه كانت تريد بمنتهى الوقاحة والأنانية أن تدخل حياته من جديد! الآن هي مدركة تمام الإدراك أن غيداء تناسبه أكثر، ستداوي جروحه بكل لطف وبالمقابل، هو أحن وأوفى وأعظم شخص قد تلتقي به.
حين أتت لهذه النقطة أغمضت عينيها، تشعر بروحها تنقبض، لكن كفى! لن تفكر بنفسها مجددًا، يكفي ما حدث لتعلم أن لا مكان لها بحياتهم.
تركتها أمها لشرودها ودخلت المنزل لتجد حلمي ينظر لها بقلق ليقول: "ما بها؟ كانت بخير الأيام الماضية، هل تعرض لها أحد؟ هل حاول رائف أو سامر إزعاجها؟"
رفعت عيناها للسماء تدعو الله أن يلهمها الصبر ليكمل زوجها بغضب: "إذًا هو سامر طالما حزين، وليست غاضبة! لقد ابتعدت عنه وانتهينا!"
دفعه صفيه بشيء من العنف تجاه غرفة جانبية كي لا تسمعهم نبيلة، لتغلق الباب ناظرة إلى زوجها بغضب أخافه للحقيقة: "اصمت قليلاً، كله بسببك. هل ظننت حقًا أن ابنتك تخطت سامر وتحيا حياتها؟! يا فضيلة القاضي المحترم، المدرسة التي تعمل بها نبيلة هي ذاتها التي يرتادها أبناء سامر وقد تقدمت للوظيفة بسببهم. كانت تحاول أن تصلح ما ضاع من يديها، كانت على وشك النجاح، لكن يوم احتفال عيد الأم تأزم وضع ساق سامر لدرجة أرعبتها وجعلتها الآن تشعر بالذنب أكثر أنها ظلت في ألمانيا ولم تعرف عنه شيئًا وهي تظن أنها هي من ظُلِمت! هل أخذت الإجابة؟!"
لقد صدم بكل تلك التفاصيل ولم يعد يعرف أيغضب من ابنته التي تركض خلف ذاك الرجل أم يحزن على هيئتها المحبطة؟!
تنهدت صفية لتقترب منه وتقول: "هي تشعر بالخجل من نفسها ولا تستطيع مواجهته. افعل شيئًا لابنتك، شيئًا لا يؤذي كرامتنا لكن بذات الوقت شيء يعطيه إشارة بعدم رفضك لارتباطهم. لا تغضب واستمع إلي وفكر بابنتك، اذهب إليه كما أخبرك أكرم كأنك تعيد الود معه، تطمئن على حاله وما إلى ذلك. سامر ذكي وسيفهم ترحيبك. حينها سيأتي هو إلينا طالبًا يدها وأنت تجلس بكرامتك وهي ستنسى عقدة الذنب تلك وتسعد بتمسكه بها وتقبلك."
كان الرفض يستمع بعينيه لتقول هي بنبرة باكية وهي تجثو أرضًا أمام ساقيه تمسك يده بين يديها: "نحن لن نحيا حولها إلى الأبد يا حلمي! أشقاؤها من الآن كلا منهم يعيش في دولة أخرى عائلته ولا أحد متفرغ لها، سامر سيحافظ عليها ويحبها وهي تحبه، أرجوك."
نظر لها بضعف لتربت هي على وجنته بحب وهي تحرك رأسها بنعم مبتسمة، فضم يدها إليه وهو يغمض عينيه باستسلام، سيفعل أي شيء لسعادة ابنته.
لكنه قال بصوت متحشرج: "سأفعل لأجلها أي شيء، لكن بالله لو رأيت منه ما لم يعجبني في حقها سأفرم رأسه!"
ضحكت هي بخفوت لتوميء له قائلة: "أجل لا بأس، افعل به ما شئت إن فعل شيئًا سيئًا."
"ألم تأت معلمتي نبيلة اليوم أيضًا؟"
سألت هيام بحزن موجهة كلامها لنها لتقول نها بأسف: "لا، لم تأت اليوم أيضًا يا هيام. ربما هي بحاجة إلى قسط من الراحة أو أخذت إجازة بسيطة وستعود للعمل من جديد."
تدلى كتفا الطفلة بإحباط لتنظر إلى الرسمة التي رسمتها لنبيلة لتقول: "إذا أعطها هذه وقولي لها لقد اشتاقت هيام لك كثيرًا!"
ابتسمت لها نها لتأخذ الرسمة منها لتقول أسماء بتردد: "أريد أن أسألك أمرين."
نظرت لها نها لتكمل أسما بصوت منخفض: "هل نبيلة... هي ذاتها... ذاتها تفهمين؟"
قطبت نها حاجبيها بتساؤل لتقول أسماء بتوتر أكبر: "تعرفين عما أتحدث! أنا كنت جارة السيد سامر بالحي القديم وبعض الجيران قد عرفوا أن الحادثة كانت بسبب أنه أحب فتاة ما وقد انتقم طليقها منه."
تدلى كتفا نها لتقول ببعض الامتعاض: "لم يعد هناك فائدة من الكلام حول هذا الأمر، لقد انتهت الحكاية قبل أن تبدأ."
اتسعت عينا أسماء لتقول: "كيف ذلك؟ هي لكون شخص مريض تدخل بينهم ينفصلان؟! لقد عرفت أن ما بينهم كان كبيرًا وأن السيد السامر قد أعطى عائلته فكرة عن الأمر قبل الحادثة وكان على وشك طلب يدها."
تحدثت نها وهي ترى اهتمام أسماء المبالغ فيه: "وهذه عقبة أخرى، أعمامه يعرفون ما حدث ويحملون نبيلة ذنب سامر وما فعله به طليقها. ثم أنت كيف عرفت كل هذا؟"
قالت أسماء بصوت منخفض وكأنها تفشي سرًا خطيرًا: "أعمامه يحاولون تزويجه بشتى الطرق وغيداء قد سمعت نقاشاتهم حول عدة عرائس كانت هي آخرهم، لكنه يرفض رفضًا قاطعًا. سمعت عمها يومًا يقول له: أهذا بسبب ابنة القاضي؟ فنفى ذلك وقال إنه بات يعرف أنهم مخطئ حين فكر بالزواج مجددًا، وحين التقت بنبيلة في المطعم صدفة وسمعت والدها يحادثها بطريقة هجومية رجحت أن هذه هي ابنة القاضي التي يحبها السيد سامر."
صمتت قليلاً لكنها عادت لتقول: "كان هذا من فترة، ولكن... السيد سامر... عاد ليفكر بها، أصبح يسألني كل يوم ما إن رأيت نبيلة مع الأطفال أم لا، ما سبب غيابها، حتى أنه من اقترح على أطفاله فكرة الهدية التي قدماها لها في عيد الأم.. هناك فرصة صدقيني وعلينا أن نستغلها."
قطبت نها بتفكير لتقول: "نبيلة الآن هي من ابتعدت لأنها تشعر بالذنب تجاه سامر. مممم، لكن أنا لدي فكرة!"
قالتها بابتسامة شيطانية لتنظر لها أسماء باستغراب ذهب وحل محله الحماس وهي ترى نها تحادث نبيلة عبر الهاتف: "مرحباً نها."
كان صوتها باهتًا لا حياة فيه لتقول نها بغضب: "انهضي يا غبية ستذهب الفرصة أدراج الرياح."
قالت نبيلة بملل: "أي فرصة تلك؟"
أجابت نها: "سامر يا أغبى الأغبياء قد فهم سبب غيابك بشكل خاطئ وظن أنك تتهربين منه! لقد أتى بحثًا عنك كثيرًا ثم لم يعد يأتِ، واليوم سمعت أسماء تتحدث عبر الهاتف مع غيداء تخبرها أن سامر شبه مقتنع الآن بارتباطه بها وسيذهب اليوم مساءً لعمه ليطلبا يدها!"
صمتت نبيلة تمامًا، فنظرت أسماء بقلق نحو نها التي قالت لتشعل قلب نبيلة: "ماذا؟ لا رد لديك؟ ستتركين أطفالك لغيرك تربيهم؟! ستتركين سامر مع ملكة الجمال تلك، فقط انتظري أن يتقدم لها وربما يعقد قرانه خلال أيام ويرى كما لم يرها من قبل ليقع صريعًا لها في لحظتها وينساك تمامًا وأنت ابقي كما أنت ابكي على الأطلال واتركي أخرى تأخذه بين أحضانها تداوي..."
"كفاااا! أغلقي الخط كي لا أقتلك معهما!"
صرختها العنيدة أجفلت الواقفتين، لكنهما بعد صدمتهما ضحكا بحماس وهما واثقتان أنها لمجرد تخيلها لحبيبها ينظر فقط لأخرى سيجعلها تحرق الأخضر واليابس فوق رأسه حتى يعود لها.
رمت الهاتف بعنف وهي تتحرك بسرعة غاضبة في الغرفة تغير ثيابها وهي تتحدث من بين أسنانها: "أنا أجلس في منزلي أبكي وأنح عليك وأنت ذاهب للزواج؟! سأقتلك وأشرب من دمك إن فكرت حتى لمجرد التفكير بذلك أيها الوغد!"
أكملت بذات العنف وهي ترتدي سترتها: "إن كان بإمكانك الزواج ها أنا أمامك أيها الغبي الوغد! آآآه!"
صرخت بعنف عقب كلماتها تلك لتدخل أمها الغرفة على إثر صراخها بخوف لتقول: "ماذا بك يا ابنتي بسم الله؟!"
تحركت بعنف لتقول: "ماذا بي ها أنا أمامك كالقرد ليس بي شيء!"
حسنًا، هذا هو القلق بحد ذاته، فهي حرفيًا تشبه الغوريلا الغاضبة وليس القرد!
ذهبت من أمام والدتها لتأخذ سيارتها وتنطلق نحو مبنى شرطة الحراسة الخاص به، لابد وأنه هناك، فهذا وقت الظهيرة.
على جانب آخر، اتفق كلا من حلمي وأكرم أن يذهبا إلى سامر في مكتبه حتى لا يذهبا ويتحدثان إليه بوجود أطفاله، فهم لا يضمنون ما قد يقال، رغم أن تلك الزيارة ستكون للاطمئنان على ساقه فقط.
صوت الباب الزجاجي لمكتبه يفتح بعنف ليصطدم بعنف في الجدار ويتحطم، جعلاه ينتفض من مكانه لتسقط السماعة من يده، يراها تدخل إليه وهيئتها مرعبة، تقف أمامه لا يفصلهما سوى مكتبه لتقول بعنف وكلمات غير مترابطة: "أنا أجلس في منزلي أبكي وأنح عليك وأنت ذاهب للزواج من أخرى؟! هل أنت متحمس للأمر كثيرًا؟ لكن لا، والله أقتلك! غيداء من التي تراها تناسبك؟ إنها صغيرة للغاية من الأساس ولا تناسبك، أنا فقط من تناسبك هل تسمع أم لا؟! تلك الصغيرة هي تعرف عنك شيئًا؟! هل تقدر على تحمل مسؤولية رجل وطفلين؟ اللذان هما بالمناسبة أولادي أنااا ولن اسمح لأحد بالاقتراب منهما! أتيت واعتذرت ودللت واهتممت، ماذا تريد بعد أيها الغبي كي تفهم؟ آتي إليك وأختطفك مثلاً؟ ماذااا تريد بعد لتقتنع أنك لا تصلح لغيري وأنا لا أصلح لسواك؟ أجبني!"
قالتها بصراخ جعله ينتفض أكثر وهو يمسح وجهه بكفه بإحراج ناظرًا بطرف عينه نحو اليمين لتنظر هي الأخرى بغضب لما ينظر إليه، فيبهت وجهها وهي ترتب شعرها وثيابها بتوتر لتقول بصوت رقيق بدا الآن غريبًا عليها بعد صراخها الشرس: "أوه... آاه لم أنتبه أن لديك رفقة، مرحبًا؟!"
كان يتصفح حاسوبه لينظر نحو الساعة، لقد اقترب الموعد الذي اتفق فيه مع السيد أكرم على الالتقاء.
تنهد بسأم حين تذكر وجه عمه شريف الذي كان بصحبته وسمع المكالمة ليصر إصرارًا تامًا أنه سيحضر هو الآخر ليرى ماذا يريدون منه، وقد أخبر أخاه عادل كذلك!
حرك رأسه بيأس حين وجد عماه يدخلان أولاً ويجلسان في انتظار الضيفين، وبدا على وجه الحاج شريف عدم الترحيب، فقال سامر بهدوء: "عمي الحبيب! هذه ليست ساحة حرب! الرجل فقط عرف أنني تعبت قليلاً منذ أيام ولم يتسن له قبلًا أن يقابلني فأراد أن يأتي الآن ليطمئن علي ليس إلا، لا تنسَ أنه ساندني كثيرًا فيما مضى! كما أنه لا ذنب له فيما حل بي."
امتعض شريف أكثر لينظر سامر لعمه عادل باستجداء، فأشار له الآخر بعينيه ألا يقلق!
كيف لا يقلق ووجه عمه كمن يريد صفع أي شخص سيدخل الآن من هذا الباب الذي ينظر له بعينان تشع نارًا!
بعد مدة أتى حلمي وأكرم اللذان تفاجأ بأعمام سامر، ليوضح سامر ببساطة أنهم ذاهبون معًا إلى مكان ما لذا هم هنا.
كانت جلسة مليئة بالتوتر، فلم يكن حلمي أو شريف ينظران لبعضهما إلا شزرًا!
تحمحم سامر ليقول: "لم تشربوا شيئًا، ما رأيكم بقهوة مضبوطة؟"
أومأ له الرجال ليقول حلمي ناظرًا لقدم سامر: "لكن يا بني إن كانت تؤلمك لتلك الدرجة، لماذا لم تبحث عن علاج؟"
كاد سامر أن يجيب ليقول شريف بنزق: "بالتأكيد لم نتركه دون طبيب يا سيد حلمي! لقد أخبرنا الطبيب أنه من حسن حظه أنه يستطيع تحريكها، لكن ألم قدمه لا علاج له، فقط عليه ألا يجهدها حتى لا يتألم."
أغمض سامر عينيه يبتهل أن ينتهي هذا اللقاء على خير!
بينما نظر حلمي بغضب نحو أكرم الذي ضغط على ذراعه يطلب منه التريث!
بينما وقف سامر متجهًا لمكتبه ليجيب على الهاتف.
رواية الزوجة الاولى الفصل العاشر 10 - بقلم شيراز القاضي
كان يتصفح حاسوبه لينظر نحو الساعة، لقد اقترب الموعد الذي اتفق فيه مع السيد أكرم علي الالتقاء.
تنهد بسأم حين تذكر وجه عمه شريف الذي كان بصحبته وسمع المكالمه ليصر اصرارا تاما انه سيحضر هو الاخر ليري ماذا يريدون منه وقد اخبر اخاه عادل كذلك.
حرك رأسه بيأس حين وجد عماه يدخلان اولا ويجلسان في انتظار الضيفين وبدي علي وجه الحاج شريف عدم الترحيب.
فقال سامر بهدوء: عمي الحبيب! هذه ليست ساحة حرب!، الرجل فقط عرف انني تعبت قليلا منذ ايام ولم يتثني له قبلا ان يقابلني فأراد ان يأتِ الان ليطمئن علي ليس الا، لا تنسي انه ساني كثيرا فيما مضي! كما انه لا ذنب له فيما حل بي.
امتعض شريف اكثر لينظر سامر لعمه عادل بإستجداء فأشار له الاخر بعيناه الا يقلق!
كيف لا يقلق ووجه عمه كمن يريد صفع اي شخص سيدخل الان من هذا الباب الذي ينظر له بعينان تشع نارا!
بعد مدة اتي حلمي وأكرم اللذان تفاجأ بأعمام سامر ليوضح سامر ببساطة انهم ذاهبون معا الي مكان ما لذا هم هنا.
كانت جلسة مليئة بالتوتر فلم يكن حلمي او شريف ينظران لبعضهما الي شذرا!
تحمحم سامر ليقول: لم تشربوا شيئا، ما رأيكم بقهوة مضبوطه؟
اومأ له الرجال ليقول حلمي ناظرا لقدم سامر: لكن يابنى ان كانت تؤلمك لتلك الدرجه، لماذا لم تبحث عن علاج؟
كاد سامر ان يجيب ليقول شريف بنزق: بالتأكيد لم نتركه دون طبيب سيد حلمي! لقد اخبرنا الطبيب انه من حسن حظه انه يستطيع تحريكها لكن الم قدمه لا علاج له، فقط عليه الا يجهدها حتي لا يتألم.
اغمض سامر عيناه يبتهل ان ينتهي هذا اللقاء علي خير!
بينما نظر حلمي بغضب نحو أكرم الذي ضغط علي ذراعه يطلب منه التريث!
بينما وقف سامر متجها لمكتبه ليجيب علي الهاتف حين استمع الي صوت تكسير باب مكتبه المفجع!
عم الصمت المكان لم يقطعه سوي صراخ أكرم الفزع حين احس بثقل حلمي يلقىَ فوقه ليهرع الجميع نحوه وهم يحاولون افاقته وحين يأسوا قامو جميعا لأخذه للمشفى.
" هو بخير لا تقلقوا فقط انخفض السكر لديه وكذلك الضغط جراء تعرضه لضغط ما ربما، لكن هو بخير الان ... حين ينتهي المحلول سوف نطمئن عليه ويخرج معكم سالما ان شاءالله" قالها الطبيب بإبتسامة مطمئنة ليهدأ الجميع ولم يحاول احدا ان يتحدث فيما حدث!
وهذا أفضل فهي الان تتمني لو تنشق الارض وتبتلع جسدها من فرط الخجل!
استفاق حلمي الذي بدأ يتحدث معهم بوهن فوجد الحاج شريف يجلس الي جانبه يربت علي كتفه متمنيا له السلامه وكذلك البقيه حتي ذهبت عيناه الي نبيله الواقفه بالخلف بحياء يجاورها سامر الذي يبدو وكأن احدهم قص لسانه منذ كانو في المكتب.
فتحدث بعصبيه: انتما الإثنان الي الخارج، لا اريد رؤية وجهيكما، ستتسببان بقتلي، اخرجاااا.
كان الرجال يحاولون تهدأته وهم يرون ارتباك كلا من سامر ونبيله التي كانت تحاول الاقتراب منه ليتحدث الحاج شريف بشراسه تعجب لها الجميع حقيقة: الم يقل اغربا عن وجهه، غادرا حالا ستقتلون الرجل.
خرجا من الغرفة فعلا ليجلسا خارجا علي كراسي الانتظار بجانب باب الغرفه.
حين اغلق الباب نهض حلمي وهو يستند علي شريف وأكرم اللذان اوقفاه عن السرير بسرعة حاملين المحلول المغزي وحلمي كذلك! ، ل يذهبو جميعا خلف عادل الذي يقف خلف الباب يستمع الي ما سيقول.
تأوه سامر دون ارادته وهو يجلس من الم ساقه لتقول بقلق: يالهي ماذا بك؟
قال هو بهدوء: لا شيء فقط لتحركنا بسرعة اشعر ببعض الالم، لا بأس.
عادا للصمت من جديد ليقول هو: لقد كسرت باب المكتب ودخلت كالثور الهائج تصرخين بكلمات غريبه!، هل لاحظت ذلك؟
رمشت بعينيها بإرتباك لتطالع الجهة الاخري وهي تتذكر ما فعلت لكنها فجأة تذكرت السبب لتنظر له بغضب اجفله لتقول وهي تمسك ياقته بيدها: اجل ذكرتني! واجل فعلت ذلك! كيف تتجرأ علي التفكير بأخري!!
ابعد يدها عنه وهو يطالع الممر الخالي من الناس ليقول بغضب: هل جننت؟! اي زواج؟! انا لم افكر حتي بالامر، لقد عرض علي عمي شريف الزواج من غيداء فعلا ولا اعرف كيف عرفت لكنني رفضت الامر، غبيه!
قالها لينظر للجهة الاخري ليكمل مجددا بغضب: ثم الست انت من اختفيت منذ ليلة الاحتفال بعدما رأيت كيف اصبح حالي؟! رد فعلك هذا جعلني وان كنت أرفض الزواج سابقا مقدار شبر فأنا ارفضه الان قيراطا!
نظرت له بتفاجيء من تفسيره للامر وكادت تجيبه لكنه اكمل بشرود وهو ينظر للإتجاه الاخر: كنت في البداية ارفض الزواج مجددا حتي لا تري زوجتي اني تزوجتها لأجل ان تخدم ابنائى وطالما وضعت تلك الفكرة برأسها سترهقهم وترهق نفسها وتحيل حياتي الي جحيم، والان انتبهت لشيء اخر، انا لم أعد سامر سيف الدين رجل الحراسة القوي، الان اصبح لدي ساق اشكر الله ليل نهار انها تتحرك معي وإن كان صعبا لكني اتحرك.
من داخل الغرفة نظروا جميعا الي بعضهم بحزن حتي حلمي الذي لام نفسه انه لم يتدخل في الوقت المناسب بل ترك كل شيء وذهب بعيدا بأسرته.
في الخارج كانت نبيله تنظر له والدموع تملأ وجهها لكنه لم يكن يرها، كان ينظر بالاتجاه المعاكس حتي يتحدث براحة ليكمل: لن اكذب عليك اليوم... طلب والدك والسيد أكرم في لقائى اليوم اثار توتري، رغم انني قررت أن ابتعد عنك تماما والا افكر مجددا بالارتباط بك.... لكن دون ارادتي شعرت بالخوف من ان يخبرني ان ابتعد عنك!، لكن حين وجدت الكلام وديا.
ابتسم بألم وهو يكمل: عدت للأمل من جديد رغم الخوف.
التفت لها بغضب ليكمل: واتيت انت اليوم كالمجانين بفعلتك تلك سيقتلني ابيك! اوه نبيله؟!
قالها بصدمه وهو يراها تبكي بصمت ثم شهقت بقوه وهي تقول: ا انا لم ابتعد لأجل ذلك! ا انا اتألم من يومها، منذ رأيتك تكاد تفقد وعيك من الالم شعرت انني اكثر شخص اناني وبشع في الكون!، ل لقد دمرت حياتك فلا استحق ان أحيا بسعاده، خجلت من مقابلتك ثانية ولا حتي استطيع النظر لطفلاي!، ل لكن حين عرفت انك تفكر بالزواج من غيداء، جن جنوني و وعدت للأنانية من جديد! انت لم يتغير بك شيء ولا يعيبك شيء!.. الخطأ عندي انا.
ابتسم هو بحنو ليقول: حسنا كلانا أخطأنا، كفي عن البكاء، انفك يصبح ملونا بطريقة بشعه وعيناك تصبحان صغيرتان للغايه، لا تبدين جميله حين تبكين كالنساء!
نجح بجعلها تتوقف عن البكاء لكنها امسكت حقيبتها وقامت بضربه علي وجهه بها فتأوه بصدمة ليقول: انفي ياغبيه! كيف سأقابل اباك بهذا الشكل!!
ابعد يده عن أنفه ليتفاجأ بالدماء وكذلك هي لتنهض بفزع تقف امامه وهي ترفع رأسه للأعلي لتوقف النزيف.
" يبدو اننا جميعا تسرعنا!" قالها شريف بنزق ليوميء حلمي بحزن ليتكلم أكرم بأمل: اذا؟! هل انتما موافقان علي ان نزوجهما وننتهي منهما معا؟!
نظر شريف لأخاه المبتسم وهو يحرك رأسه بتأكيد وكذلك نظر لحلمي ليقولان معا: اجل، علي بركة الله.
ثم تحدث حلمي فجأة: لكن علي جثتي ان اقول له تعال وتزوجها ان لم ينطق هو بها الان انا لن اعطيها له.
وقف شريف بغضب ليقول: ابن أخي زينة الشباب بأكملها لا يوجد أحد يقول له لا، ليتحدث وقتما شاء وان اراد ان يتزوجها سيتزوجها رغم انفك!
ظلا يتناوشان بينما وقف عادل واكون يطالعانهما بدهشه من هذا التحول السريع ليقول أكرم بهمس: عادل! عليك ان تخرج وتتحدث لسامر لكي يطلب يدها وننتهي من هذا الامر قبل ان يفسد هاذان ما نفعله قبل ان يبدأ.
قال عادل بتأكيد وهو يتجه للخارج: بالتأكيد، مجنونان!!
بعد مضي ربع ساعه كان الجميع يقف حول حلمي الذي ساعدته نبيله لإرتداء سترته وهو ينظر لها بلوم لتقول بصوت هامس: انا اسفه.
ثم احتضنته فضمها له ليقول سامر بعدما لفت الانتباه له: سيد حلمي اعلم ان هذا ليس وقته او مكانه لكن بمناسبة تجمعنا جميعا اود ان اطلب منك موعدا لنأت انا وعائلتي لطلب يدها ابنتك.
نظر له حلمي قليلا مما جعل سامر يتوتر في وقفته لكنه قال اخيرا: ليفعل الله ما يشاء، موعدنا يوم الخميس ان كان يناسبكما.
اومأ عادل بسرعه قبل ان يتحدث اخيه ليقول: يناسبنا جدا.. حمدا لله علي سلامتك، هيا بنا لنرحل جميعا من هذه المشفي الخانقه.
" هل أبدو جميله؟!" قالتها نبيله لوالدتها وهي تقف امام المرآة بقلق لتبتسم صفيه قائلة: كالبدر ياحبيبتي، هيا لقد اتو منذ مده وعائلته يريدون رؤيتك!
" مرحبا بالقمر اللهم بارك، له كل الحق ان يصر عليك وحدك!" قالتها زوجة عمه عادل فإبتسمت لها نبيله شاكرة لتجلس بجانبهم بينما جلس الرجال في الجهة الاخري من الغرفة وحين بدأ الرجال الحديث انصتت النساء لهم بإهتمام.
تحدث السيد شريف كونه كبير العائلة قائلا بفخر: يسعدنا ياسيد حلمي ان نطلب ابنتك لإبننا وانت تعرفه تمام المعرفه فما رأيك وما طلباتك؟
تحدث حلمي موجها نظره الي سامر ليقول: انت تعلم رأيي مسبقا لكن اريد ضمانا علي انك ستراعي الله فيها ولم تحزنها ولن تأت يوما الي بابي باكية بسبب والا والله لو حدث لفرمت لحمك وعظامك!
انتفض شريف من مكانه ليقول بغضب: تصدق بمن خلقك وخلقني انت تريد إفساد هذه الزيجة بأي شكل وانا من سيقف لك بالمرصاد! ما الذي تقصده بتهديدك هذا؟
كاد حلمي ان يجيب بغضب هو الاخر ليتحدث سامر بسرعه وهو يقول: عمي ابنته الوحيده والمدلله ويخاف عليها لا بأس، اطمئن سيد حلمي انها في عيني وفوق رأسي لا تقلق عليها وكل ما تريده سيحدث، ابنتك غاليه علي وانا لم افعل كل هذا إلا للفوز بها وجعلها ملكة في بيتي المتواضع.
نظر له عمه بغيظ لينظر له بتوسل ان يهدأ بينما عاد حلمي لهدوئه مسرورا بما يسمع ليقول: حسنا هذا جيد تذكر كلماتك تلك دائما وان ابنتي ملكة حتي من قبل خروجها من بيتي.
كان شريف يتلظي بنار الغيظ ليقول بصوت هامس لأخيه: هذا الوغد البائس! سأقوم وأفرم رأسه!
تحدث له عادل بتوسل: لأجل الله، ولأجل خاطر سامر تحمل ارجوك! انها ابنته والموقف الذي حدث أمامنا في مكتب سامر بالتأكيد يجرح كبريائه لذا اصمت!
تحدث شريف من بين أسنانه ليقول: حسنا، بالطبع ياسيد وستكون سعيدة اكثر بيننا هل نقرأ الفاتحه؟
رفع الجميع ايديهم بمن فيهم السيدات بسرعة قبل ان يشتعل غضب شريف وحلمي من جديد.
مر سامر علي نبيله في اليوم التالي ليشتريا الشبكه وهما لا يصدقان انها قد اصبحا لبعضهما رسميا!
لم تقبل نبيله علي خلع خاتمه الرقيق الذي ظل بيدها طوال السنوات الماضيه وهي تخبره انه سيكون خاتم زواجها الرسمي!
يوم الزفاف وعقد القران كان يوما خياليا بالنسبة لهم.
لقد تذكر سامر حلمها واقام الزفاف علي البحر كما كانت تحلم!
جاء الشيخ وعقدا قرانهما وما ان وقعا علي الوثيقة وانتشرت الزغاريد حولهم نظرا لبعضهما بدهشة لتقول له بهمس: هل تم الامر حقا؟!
ليبادلها بذات الهمس يقول: لن يستطيع والدك التراجع الان؟!
ظلا يطالعان بعضهما بدهشة لينفجرا ضاحكين بصدمة بين الضيوف الذين نظروا لهم ما بين مبتسم ومتعجب ليقف وهو يجذبها من يدها يحتضنها برقة مقبلا رأسها ليكملا ضحكاتهما المجنونه ليقول لها: وانا اضمك الان كنت أتوقع أن يثور احدهم علي ويقول ليس من حقك مثلا، تذكرت ايام عيد الفطر حين كنا صغارا وننتظر آذان الفجر صباح العيد لنشرب المياه لنثبت لأنفسنا اننا اتممنا الصيام.
ضحكت بصخب حتي كادت عيناها تزرف الدمع فأوقفها قائلا: الزينه ياغبيه ستزول كفي ضحك.
لكنها ضحكت بشده ليجذبها اليه مجددا يرقصان وسط عائلتهما واحبابهما الذين تمنو لهم كل خير بحياتهم ليقترب تيم وهيام منهما ليحمل سامر هيام وتحمل هي تيم ويلتقطان صورة جميلة معا أظهرت البهجة التي اخيرا .. زارت حياتهم!