تحميل رواية «الياسمين وابتسامتها» PDF
بقلم حياة محمد الجدوى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد حارات مصر القديمة، وبالتحديد في منطقة السيدة زينب، وفي أحد مطاعمها الشعبية المسماة بالمسمط، وقفت بنت صغيرة في الثامنة عشرة من عمرها أمام حوض غسيل الأطباق. أمامها تلال لا تنتهي من الأطباق والحلل، وهي تقوم بغسلها بصورة سريعة، محاولة منها إنهاء هذا الكم الذي لن ينتهي دون ملل. إنها شابة صغيرة ذات ملامح جميلة، عينين زرقاوين بلون السماء، وشعر ذهبي طويل، وملامح طفولية بريئة. من تملك هذه الملامح، ولو كانت من أسرة متوسطة، فهي ستسعى بكل جهدها حتى تبرز هذا الجمال. أما ياسمين، فهي لم تشعر أبدًا بأنها...
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الأول 1 - بقلم حياة محمد الجدوى
في أحد حارات مصر القديمة، وبالتحديد في منطقة السيدة زينب، وفي أحد مطاعمها الشعبية المسماة بالمسمط، وقفت بنت صغيرة في الثامنة عشرة من عمرها أمام حوض غسيل الأطباق. أمامها تلال لا تنتهي من الأطباق والحلل، وهي تقوم بغسلها بصورة سريعة، محاولة منها إنهاء هذا الكم الذي لن ينتهي دون ملل.
إنها شابة صغيرة ذات ملامح جميلة، عينين زرقاوين بلون السماء، وشعر ذهبي طويل، وملامح طفولية بريئة. من تملك هذه الملامح، ولو كانت من أسرة متوسطة، فهي ستسعى بكل جهدها حتى تبرز هذا الجمال. أما ياسمين، فهي لم تشعر أبدًا بأنها جميلة. ومع حالة أسرتها شديدة الفقر، فملابسها الرثة الباهتة، وإن كانت نظيفة، أما شعرها الذي لم يعرف الكوافير أبدًا، ووجهها الذي لم يمسه المكياج أبدًا، وعملها في المسمط في التنظيف وغسل الأطباق والحلل، جعلها لم تجذب انتباه أي رجل.
في الناحية الأخرى، في أحد أشهر الملاهي الليلية، يجلس أحمد على طاولة مميزة قريبة من البست، حتى تتيح له مشاهدة الفقرات الفنية. ولما لا، فهو "أحمد بيه"، الفتى المدلل، وحيد سامي عبد الله، رجل الأعمال المعروف، صاحب أكبر شركات الاستثمار والإنشاءات في مصر، وأيضًا ابن أمنية هانم، حفيدة إبراهيم باشا توفيق. وبالرغم من انتهاء عصر البشوات من سنين عديدة، إلا أن عائلة أمنية هانم لا تزال تحتفظ بالذكريات عن الأصل النبيل. وإن كانوا قد فقدوا كل ثروتهم وأموالهم، فيكفيهم الأصل. وهذا ما جعل أمنية هانم تتنازل وتقبل بالزواج من سامي عبد الله، فأمواله وثروته الكبيرة تشفع له تواضع أصله بالنسبة لها.
إنه شاب في الرابع والعشرين من عمره، شديد الوسامة، له بشرة بيضاء وعيون عسلية وشعر أسود ناعم، وملامح أرستقراطية فرضتها عليه طبيعته الراقية.
في المسمط، ما زالت ياسمين تغسل الحلل الضخمة والسوداء، وهي تسمع صراخ الشيفات والطباخين، فتجرى مسرعة بتلبية أوامرهم وإحضار ما يحتاجون إليه من المكونات: أرز أو لحم أو خضار. وربما يطلبها أحد الجرسونات، فتخرج لتنظيف الطاولات أو مسح الأرضية، لتعود مرة أخرى وتقف على الحوض لغسل الأطباق.
وفجأة، تتوقف الدنيا من حولها حينما تسمع صوته يلقي التحية: "مساء الخير". فقد رنت الأجراس في قلبها، فزادت نبضاته حتى وصلت للمليون في الثانية. كيف لا وهي تشعر به يقترب، تسمع صوته يسأل الطباخين كالعادة عن أي مشاكل أو أي نقص في المكونات. وبعد أن يطمئن على الوضع، يقترب منها. لقد احمر وجهها وتسارعت أنفاسها واضطربت في وقفتها، وكادت أن تسقط الأطباق من يدها، وهي تسمعه يقول: "مساء الخير يا ياسمين".
إنه حسن، ابن صاحب المسمط، الفتى الأسمر ذو الثمانية والعشرين من عمره، ذو ملامح مصرية خالصة، أسمر الوجه، له شعر أسود قصير وعيون عسلية تشرق مع ابتسامته الهادئة. يعمل محاسبًا في أحد البنوك في الصباح، أما في المساء، فيساعد والده في العمل في المطعم.
التفتت إليه ياسمين وهي تمد يدها للسلام عليه، دون أن تنتبه أن يدها قذرة، سوداء مليئة برغوة صابون المواعين. فنظر حسن إلى يدها الممدودة غير النظيفة، لكنه لم يعطها وقتًا لتشعر بالإحراج، فقد مد يده بسرعة مسلمًا عليها دون النظر إلى ما عليها من قذارة، ثم سألها:
"عاملة إيه يا ياسمين؟"
"الحمد لله يا أستاذ حسن."
"وعمي وأخواتك؟"
"كلنا بخير والحمد لله."
"ودراستك بتذاكري ولا لأ؟"
فتنظر له بإحراج ثم تقول: "يعني مش أوي."
"لأ، أنا عاوزك تذاكري كويس، وأنا عند وعدي، أن شاء الله هساعدك إنك توظفي في وظيفة كويسة."
فترد بامتنان: "ربنا يخليك لينا يا أستاذ حسن."
هبتسم ويقول: "غريبة، ما سألتش أنا عامل إيه؟"
فترد معتذرة: "آسفة والله، بس نسيت."
فيبتسم ويقول: "على العموم، أنا مش بخير."
فتجيب بلهفة وخوف: "بعد الشر عنك، فيك إيه؟"
"ولا حاجة، بس ما شربتش كوباية الشاي التمام بتاعتي."
فتبتسم له وتقول: "من عينيا، ثواني وهتكون عندك."
ثم خرج حسن من المطبخ إلى صالة المطعم، بينما تتوجه ياسمين إلى ركن تضع فيه صينية خاصة تلمع من النظافة، وتخرج مج مخصوص تخبئه ياسمين حتى لا يشرب فيه أحد غير الأستاذ حسن. ثم تجهز الشاي والسكر. لو يعلم حسن أنها تكاد أن تعد كل حبة سكر وكل ذرة شاي في هذا المج، تضيف مع الماء المغلي حبها ومشاعرها البريئة. ثم تخرج حاملة الصينية إلى المكتب في مدخل المطعم، حيث يجلس حسن على الكاشير حتى يحضر الفواتير ويحاسب الزبائن.
وتقدم إليه الشاي، الذي ما أن يذقه حتى تخرج منه تنهيدة استمتاع وراحة، ويقول:
"أحلى كوباية شاي اللي بشربها من إيدك، نفسي أعرف بتحطي فيها إيه."
فتبتسم بسعادة وتقول: "بالهنا والشفا."
أما في الملهى الليلي، يشير أحمد بيه لإحدى الفتيات، فتأتي إليه في غنج وهي تتمايل في خطواتها وتجلس أمامه بفستانها الأحمر العاري. فيهامس في أذنها بكلمات، فتشير بعلامة الرضا، ثم تتجه إلى البست لترقص له في دلال. فيخرج من جيبه رزمة من المال وينثرها على الفتاة في تحية منه. لو يعلم أن ما نثره على هذه الغانية يكفي أن يطعم شارعًا بأكمله لمدة أسبوع، لكن كيف سيعلم وهو لم يذق أبدًا طعم الجوع أو الحرمان.
بعدما أثارته برقصها الساخن، اتجه بها إلى شقته الخاصة ليكمل معها سهرته الخاصة.
في نفس الوقت، دخل الحاج مرزوق، والد حسن، إلى المطبخ ليتفاجأ بأن ياسمين ما زالت في المطبخ. فيقول لها بنبرة حنونة:
"إنتي لسه ما روحتيش يا ياسمين؟"
فترد عليه: "لسه فيه حاجات مش خلصت يا عمي."
"مش مهم يا بنتي، أي حد يخلصها، لكن مش يصح إنك تتأخري، يلا انسى، ع البيت الساعة قربت من ١٢."
"حاضر يا عمي."
ثم تخلع مريلة المطبخ وتتجه إلى أسفل الحوض، حيث تضع علبة بلاستيكية متوسطة الحجم، تضع فيها بواقي الطعام الذي تجده في الأطباق والأرز الذي يبقى في الحلل قبل غسلها. فتحملها وتذهب إلى بيتها.
قد لا يعلم البعض أن ما يتركوه في الأطباق، كنوع من الأدب أو أنهم لا يحبونه فلا يأكلون، أن هناك عائلة كاملة تعتبره المصدر الأساسي لطعامهم، وأن هذه البواقي بالنسبة لهم الوجبة الأساسية.
تدخل ياسمين البيت، أو ما يطلق عليه بيت، لكنه في النهاية عبارة عن جحر صغير لا يتعدى (الـ ٥٠ متر). يتكون من غرفتين صغيرتين جدًا. تسكن أمها مع أبيها في غرفة، أما ياسمين وأختيها وأخوها فيسكنون في الغرفة الثانية. أما الصالة، فهي صغيرة جدًا. البيت كله تقريبًا خالٍ من الأثاث، إلا بعض الأثاث القديم المتهالك.
تدخل وتنادي على أمها:
"مساء الخير يا ماما."
أم ياسمين سيدة مصرية في الأربعينيات من عمرها، ولكن الفقر والشقاء جعلها أكبر من عمرها بكثير.
"مساء النور يا حبيبتي، اتأخرتي ليه؟ شغلتيني عليكي، وأبوكي كل شوية يسأل عليكي."
تعطيها العلبه وهي تقول: "والله الشغل كان كتير النهاردة. هو بابا نام ولا لسه صاحي؟"
"صاحي ويسأل عنك."
فتدخل ياسمين إلى غرفة أبيها، أما الأم فتتجه إلى ما يسمى (بالمطبخ).
فتخرج (صينية) وتقوم بفصل الأرز والبحث عن قطع اللحم الصغيرة أو قطع الدجاج المتبقية التي قد يتركها بعض الزبائن.
ثم تضع الأرز في الصينية حتى تسخنه، وتسكب طبقًا وبه القليل من اللحم لزوجها، أما ما تبقى فهو الوجبة الرئيسية والأساسية عندها وعند أبنائها.
أما ياسمين، فقد دخلت غرفة والدها لتجده جالسًا على السرير المتهالك. فقالت بصوت هادئ:
"مساء الخير يا بابا."
فمد (سعيد) يديه الاثنين ناحية الصوت وتوجه إليها بعيونه الزرقاء الفاقدة للنور، بينما تحركت أصابعه بلهفة تجاهها وهو يقول:
"مساء الخير يا بنتي، اتأخرتي قوي."
فتقترب ياسمين إليه وتمسك يده وتقبلها وهي تقول:
"والله عمي مرزوق لسه جاي وهو اللي روحني. لكن الشغل لسه مخلصش."
"ربنا يديه الصحة (مرزوق) ويجازيه عنا خير، بس يا بنتي أنا بخاف عليكي. والوقت متأخر والدنيا ليل، والليل ملوش أمان يا بنتي."
فتقبل يده مرة أخرى ثم تأخذها وهي تقول:
"ما تخافش علي بنتك، بنتك راجل."
فتدخل الأم وهي تحمل طبق الأرز وهي تقول:
"روحي يا حبيبتي اتعشي مع أخواتك."
وأشارت بعيونها إلى كيس الدواء، فأقتربت ياسمين من كيس الدواء وقلبت فيه، فوجدت علبة دواء فارغة، فأشارت لأمها بإشارة بمعنى متى فرغ الدواء؟ فأشارت الأم بإشارة بمعنى هذا الصباح. فأشارت لأمها أنها مفلسة، وإشارة أخرى بقلة حيلة. فأشارت أمها بمعنى ربك يفرجها.
لتخرج ياسمين ويقول سعيد:
"فيه إيه يا حبيبة إنتي وبنتك بتشاوروا على إيه؟"
فتجيبه حبيبة: "ما فيش حاجة يا سعيد."
فيقول بألم: "بتستعمليني يا حبيبة؟ هو أنا مش عارف إيه اللي بينكم."
فترد عليه: "مش عاوزينك تزعل."
فيجيبها بحزن: "أزعل! دا أنا بموت من الزعل وأنا عاجز في مكاني وبنتي بتتبهدل كل يوم، يا ريت أموت."
فتقول: "بعد الشر عنك، حرام عليك الكلام ده. إحنا من غيرك هضيع، ربنا يخليك لينا. وإن كان على ياسمين، كلها كام سنة وتتخرج وأن شاء الله توظف، ما تشيلش همها، ربنا معانا."
فيدعو الله: "يارب احفظ أولادي واحيميهم من كل شر."
أما ياسمين، فقد خرجت إلى الصالة حيث يجلس أخواتها الصغار. فقال أخوها محمد، وهو في الحادي عشر من عمره، ملامح بريئة أخذ من أمه عيونها وشعرها الأسودان:
"بسرعة يا أبلة، هاموت من الجوع."
فتنظر له ولأختها مها ذات الثمانية أعوام، وهي ذات شعر ذهبي وعيون عسلية، ثم تقول:
"فين آية؟"
فتقول مها وهي تأكل: "نامت من بدري."
فتدخل ياسمين الغرفة قائلة: "هاصحيها وأجيبها تاكل معانا."
ثم خرجت وهي تحمل طفلة صغيرة في الثالثة تشبهها كثيرًا في الملامح، وكانت تبكي لأن ياسمين أيقظتها من نومها، ولكن مع بعض القبلات واللعب، أخذت تنشط وتأكل معهم.
بعد الأكل، جلست حتى تذاكر، ولكن مع تعب اليوم المرهق، لم تشعر بنفسها وقد نامت وهي لم تذاكر كلمة واحدة.
أما في الجهة المقابلة، دخل أحمد بيه قصر والده وهو يترنح من أثر الخمر. وقد استمرت سهرته كالعادة إلى قرب الفجر، ليجد والده واقفًا والغضب مسيطر عليه.
فجذبه من ذراعه بشدة وأجلسه على الكرسي الفخم وهو يصرخ فيه:
"هو إنت مش هتبطل صرمحة وسهر برا البيت وكمان شارب يا ابني؟ حرام عليك، أنا كبرت ومحتاجك جنبي تحافظ على تعبي وشقايا يا ابني. أنا مش هعيش لك العمر كله. نفسي أطمن عليك."
فيسمع صوت أمنية هانم وهي تنزل من على السلم الرخامي للقصر وهي تقول بتافف:
"يووووه، كل يوم نفس المحاضرة، كل يوم نفس الإزعاج، أنا اتخنقت."
"اقفي يا هانم، ابنك راجع سكران الساعة ٣ الفجر ومش عاجبك."
"ابني شاب ولازم يعيش سنه وشبابه، لسة بدري أوي أوي عليه على الشقى وكلامك الفارغ ده."
يصرخ بصوت عالٍ: "ابنك عنده (٢٤) سنة ولسه ما خلصش الجامعة، ويا ريت بينجح بجهوده، إلا بالرشاوى وبنشتري الامتحانات، وبرضه بيسقط. ده كله بسبب دلالك الزائد له."
"ابني مش محتاج لشهادة ولا لفلوس، وما تنساش ده يبقى حفيد إبراهيم باشا توفيق، يعني ابن أصل راقي، ولو على الجامعة ف(طظ)."
"إنتي بتكلميني على إيه؟ أنا عايز ابني يكون راجل بجد، يحافظ على فلوسي وعلى أعمالي. يا أمنية، لو مت وابنك على الحالة دي، كلاب السكك هتاكلكوا ومش هينفعك جده الباشا ولا عيلته. أنا خايف عليكم، الدنيا مالهاش أمان، وأنا تعبت في سنين عمري كله وأنا أعمل الإمبراطورية دي كلها، وفي رقبتي آلاف من العمال وعائلاتهم، لازم ابنك يعرف ده كويس."
وفي وسط كل هذا الصراع الشبه يومي الذي يسمعه أحمد حتى مل منه، لم يقاوم النوم، فنام في مكانه وترك لوالديه إنهاء نقاشهم. وكالعادة، أدخله والده في فراشه لينام دون أي اهتمام لما حوله.
في الساعة الواحدة ظهرًا، رن هاتف أحمد بصورة متكررة حتى قام بتأفف ليرى أنه صديقه (عمرو). فرد بضيق:
"إيه الإزعاج ده على الصبح؟"
"صبح إيه يا برنس، الساعة واحدة والشلة كلها مستنياك."
"خلاص، كلها نص ساعة وهحصلك."
فقام بكسل إلى الحمام الفخم التابع لجناحه الملكي في فخامته ليأخذ (شاور سريع) ليخرج وهو يلف حول خصره بمنشفة كبيرة ويجفف شعره بمنشفة أخرى ويتجه نحو غرفة صغيرة الحجم تابعة لجناحه مخصصة لملابسه. وبعد فترة خرج وهو يرتدي قميصًا فخمًا أسود وبنطلون جينز أسود وحذاء رياضي ونظارة شمسية بنفس اللون. ثم صفف شعره وأكمل أناقته الغامضة بعطر رجالي فخم. لتدخل عليه الخادمة وهي تجر طاولة عليها الإفطار، فسألها بسرعة عن أمه وأبيه، فأجابت: "البه في الشغل والهانم في النادي." فيتأفف وهو يشعل سيجاره وأخذ مفتاح سيارته ومحفظته ليخرج للجامعة، أو بالأصح للشلة.
في الطريق من الجامعة، تسير ياسمين وصديقتها سماح، والتي تتأفف من كل شيء وتنقم على كل شيء. فهي في مستوى أعلى قليلًا من ياسمين، لكنها كارهة لحياتها وعيشتها.
وفجأة، يسمعون صوت غناء عالٍ وصخب أعلى، وتمر من جانبهم سيارة حمراء مكشوفة وفيها مجموعة من البنات والشباب وهم يصرخون ويغنون بصوت عالٍ.
فتقول سماح بضيق:
"شوفي الناس اللي عايشين دول، عندهم الألف جنيه زي العشرة جنيه بالنسبة لينا. حظوظ."
فتبتسم ياسمين على صاحبتها، فسماح لم تعلم أبدًا أن العشرة جنيه التي تستحقرها هي لا تجدها ياسمين أوقات كثيرة.
فبعد الحادث الذي أصاب والدها والذي نتج عنه فقد أبيها لبصره وبترت إحدى ساقيه، فقد فقدت الأسرة مصدر رزقهم بإصابة عائلهم، فأصبحوا يعيشون على بقايا الطعام الذي تجده في المطعم.
أما المعاش القليل الذي يأخذونه من الشؤون الاجتماعية بالإضافة إلى راتبها، فهم يكفون لعلاج والدها ودفع إيجار البيت، وما تبقى إن بقى شيء فهو من أجل أخواتها الصغار.
توقفت سيارة أحمد الحمراء الصاخبة عند مكانهم المعتاد صباحًا، وهو صالة البولينج، لتنزل الشلة المكونة من ثلاثة شباب وثلاثة بنات. وقد امتلأ المكان بصراخهم وضحكاتهم العالية غير الطبيعية بسبب ما حشوا به سجائرهم التي يشربونها جميعًا بلا خجل أو حياء.
في الناحية الأخرى، وصلت ياسمين إلى العمل وبدأت كالعادة تباشر عملها المعتاد مع الأطباق، حتى ناداها عم مرزوق، فذهبت إليه:
"أيوه يا عمي، حضرتك ناديت عليا؟"
"أيوه يا بنتي، إنتي عندك شغل كتير؟"
"لأ يا عمي، لسه الشغل خفيف."
"طيب، روحي عند خالتك أم حسن البيت عشان تساعديها، عندنا عزومة وهي لوحدها."
"حاضر يا عمي."
وخرجت من المطعم متوجهة إلى منزل عم مرزوق القريب من المطعم، وما إن دخلت حتى استقبلتها الخالة روحية (أم حسن):
"تعالي بسرعة يا ياسمين ساعديني."
"خير يا خالة؟"
"عريس شيماء وأهله هيتعشوا عندنا النهارده عشان هيحددوا ميعاد الفرح، عقبالك."
ابتسمت ياسمين وقد احمر وجهها من الخجل، ثم دخلت مع الخالة روحية المطبخ لتساعدها في تجهيز الطعام. وبعد ساعتين كاملتين، كانتا انتهتا من إعداد وليمة كبيرة من خمسة أصناف من الطعام، الأرز والسلطات، بالإضافة إلى صينية بسبوسة بالقشطة التي يعشقها العريس.
لتجلس الخالة روحية على كرسي المطبخ تراقب الطعام الذي في الفرن كي لا يحترق، بينما قامت ياسمين بعملها المعتاد وهو غسل الأطباق والحلل. وبعدما انتهت من عملها، طلبت الخالة منها مساعدتها في تنظيف المنزل وترتيبه حتى تستعد للضيوف.
قامت ياسمين بترتيب الأنتريه والصالة والسفرة، لتقول لها الخالة:
"تسلم إيدك يا بنتي، بس ياريت ترتبي غرفة حسن قبل ما يرجع من الشغل."
(لو تعرف الخالة روحية ما شعرت به ياسمين عندما دخلت غرفة حسن، وقفت تائهة تشعر بقلبها يكاد يحطم صدرها من قوة ضرباته. هل هنا ينام حسن؟ مدت يدها إلى السرير ويدها ترجف بشدة وهي تتلمس مكان نومه، ترفع طرف البطانية إلى أنفها لتسحب نفسًا عميقًا جدًا إلى صدرها، فهذا المكان عانق جسد حسن. ولم تقاوم أبدًا نفسها لتنام على سريره لحظة واحدة، وتتخيل أنها زوجة حسن وتتشارك معه الفراش. لتقوم بسرعة وقد احمر وجهها من شدة الخجل، ليدخل حسن الغرفة في هذه اللحظة ويتفاجأ بوجود ياسمين في غرفته.)
"ياسمين، إيه اللي جابك هنا؟ وبتعملي إيه في أوضتي؟"
لم تجد القدرة على الرد أو حتى تجميع كلمتين من شدة التوتر والخجل، فبدأت تتهته بكلمات غير واضحة وألفاظ غير مفهومة: "أصا أنا أصل خالتي البيت وروحت فجيت." وهي تشير ناحية الباب.
ليضحك بشدة وهو يحاول تهدئتها:
"طيب أهدي الأول وفهميني بالراحة، فيه إيه؟"
لتقول بعد أن تماسكت قليلاً: "كنت برتب المكان عشان الضيوف."
فتختفي ابتسامته ويقول: "إيه علاقة الضيوف بمكتبي وسريري؟ مين اللي طلب منك ترتبيها؟"
فلم تجبه، فنادى حسن أمه: "يا حاجة، ياسمين بتعمل إيه هنا؟"
فتقول أمه بلطف: "دي بتساعدني عشان عزومة أختك."
"وفين شيماء تساعدك، وإلا عاملة عروسة وبتتدلع؟"
"يابني شيماء من الصبح بتخلص في شقتها وما فيش حاجة، لما ياسمين تساعدني."
"وهو من العزومة إنها ترتب الأوضة بتاعتي. يا أمي مية مرة أقولك ياسمين مش خدامة هنا، وحرام عليكي إنك تعامليها كده."
"لأ والله يا ابني، أنا معتبرها زي بنتي، حتى لما طلبت من الحاج إنه يبعتها، ده عشان قريبة من قلبي ويعتبرها زي بنتي شيماء."
(باحتذار): "خلاص يا ماما، حصل خير، بس ياريت تعامليها حلو عشان دي أمانة في رقبتنا."
(لو عرفت ياسمين أنه آخر يوم في عمرها، ل قالت بل أجمل يوم في عمري وماتت وهي في قمة سعادتها لأن حسن دافع عنها ورفع قدرها عند أمه. لذلك لم تمنع ابتسامتها وهي تكمل ترتيب الغرفة وخرجت بسرعة لتفتح الباب لتجد شيماء، بنت مرزوق وأخت حسن، صاعدة السلم ببطء وهي تحمل أكياسًا كثيرة. فتساعدها في إدخالها، وقد بدا عليها التعب والجهد. فسألتها أمها بقلق: "إتأخرتي ليه يا شيماء؟ إنتي ناسيه إن خطيبك وأهله هيتعشوا عندنا وإنتي لسه ما جهزتيش.")
فتقول شيماء: "أعمل إيه يا ماما؟ كان عندي مليون حاجة لازم أعملها. أخذت الستاير للشقة وركبتها واتفقت مع الكوافيرة وعملت بروفة لفستان الفرح. وأنا راجعة عديت على الخياطة وأخذت أربع فساتين واشتريت شنط تناسبهم. يا دوب لسه واصلة."
وبدأت شيماء بفتح الأكياس لتريها لأمها، فأشارت الأم بعينيها، فانتبهت شيماء ونادت على ياسمين لتشاهد معها الفساتين. وأثناء مناقشة الأم لابنتها حول الفساتين، غابت ياسمين مع أفكارها وأحلامها. هل سيأتي يوم تكون هي مكان شيماء عروسة ومشغولة ببيتها، تشتري أثاث بيتها كما تحب وتختار الألوان؟ هل سيأتي يوم تشعر بالسعادة مثل شيماء؟ أم أنها أمنيات بعيدة، وخاصة أنها لم يطلبها أي شاب للزواج. ياترى هل سيطلبها حسن؟ هل يشعر بقلبها؟ هل ستقف يومًا في هذا البيت كواحدة من أفراده؟
وأيقظتها من أحلامها الخالة روحية وهي تطلب منها أن تغرف الأطباق للضيوف.
بعد أن انتهوا من وجبة العشاء، دخلت ياسمين المطبخ لتمارس عملها المعتاد وهو غسيل الأطباق والحلل، وهي تتخيل نفسها فردًا من أفراد هذه العائلة وتتخيل حياتها مع حسن وتحلم. متى يا ترى سيتحقق هذا الحلم؟ وبعد قليل، دخل حسن المطبخ وقال لها:
"ممكن يا ياسمين تعملي كوباية شاي؟"
فقالت: "من عينيا."
يجلس على الكرسي بجوارها وهو مغمض العينين.
لتقول له بقلق: "مالك يا أستاذ حسن؟"
"مصدع أوي يا ياسمين."
فتقول بحزن: "ألف سلامة."
وهي تقدم له كوب الشاي.
لتدخل عليهم عاصفة من السعادة المسماة بشيماء وهي تقول:
"باركوا لي، باركوا لي، بارك لي يا حسن، باركي لي يا ياسمين، حددنا ميعاد الفرح يوم السبت واحد يناير."
قالت ياسمين في دهشة: "هو في حد بيتجوز يوم السبت؟"
فأجابت شيماء بابتسامة: "يا ماما، العالم كله هيحتفل بعام 2000، يعني العالم كله هيحتفل بفرحي."
فيقول حسن: "أكيد دي أفكارك المدهشة والمجنونة، خطيبك موافق على كده؟"
فتقول شيماء بابتسامة: "غيران مني عشان هااتجوز قبلك."
فيقول بضحك: "أنا هاغير منك يا بنت، على العموم ألف مبروك."
ويقوم ويحتضن أخته الصغيرة، ثم يوجه حديثه إلى ياسمين فيقول:
"عقبالك."
فتبتسم ياسمين بخجل وقلبها يقول: "يارب."
تسرح بعقلها. الكل يفكر في عام 2000، بالرغم أنها لم تهتم أبدًا بهذه الاحتفالات، فليس في حياتها هذه الرفاهية، ولكنها فرحت جدًا لشيماء.
وبعد هذه العزومة المرةقة، جرت ياسمين قدميها حتى تعود إلى البيت، ولم تنس الخالة روحية، وبعد توصية من حسن، هم تعطيه طعامًا لأهلها وبعضًا من الحلوى التي أحضرها العريس. وهذا ما أسعد محمد ومها بالتأكيد، وآية طبعًا، فهي لم تتذوق هذه الحلوى من قبل.
في الناحية الأخرى، فقد دخل (سعد بيه) والد أحمد العناية الفائقة بعد جلطة صدرية، وهذا ما زاد القلق على صحة رجل الأعمال. فامتلأت الصحف والمجلات في اليوم التالي بالأمنيات والدعوات له بالشفاء من قبل رجال الأعمال وأصحاب الشركات. وبعد أسبوع، خرج سامي بيه من المستشفى الخاص بعد تحذير شديد من الطبيب وطلبه من سامي بيه الراحة والابتعاد عن الإجهاد.
أما أحمد، فقد كان في رحلة سفاري مع أصحابه، فلم يهتم كثيرًا بخبر مرض والده، وخاصة أنها لم تكن المرة الأولى.
في يوم الفرح، كان الجميع يعمل بسرعة، فقد نصب مسرح كبير بعرض الحارة كلها أمام المطعم، وعُلقت الزينة والأنوار بطول الحارة، وتولى الشيفات أمر الطعام. فقد ذبح الحاج مرزوق عجلان كبيران بمناسبة زفاف ابنته الحبيبة. أما في الشقة، فقد كان الأمر أهدأ، فقد اقتصر عمل ياسمين على تقديم الشربات والمياه الغازية على الضيوف، وطبعًا الخروج كل فترة لشراء ما ينقصهم أو ما تطلبه الكوافيرة، لأن العروسة تتزين في البيت.
حتى نادت الخالة روحية لتأخذها إلى إحدى الغرف، وهناك فتحت كيسًا وأخرجت منه فستانًا لونه أخضر طويل له أكمام طويلة به زخرفات بسيطة على أطراف الفستان وعلى الصدر، بسيط وناعم، يربط من الخصر بحزام من نفس لون الفستان. قالت لها:
"الفستان ده ليكي يا بنتي، إنتي تعبتي معانا ولازم تلبسي فستان حلو زي البنات في الفرح."
فرحت ياسمين بشدة، وخاصة أنها أول مرة ترتدي ملابس جديدة من فترة طويلة، لأن ظروفهم الحالية جعلت فكرة شراء ملابس جديدة حلمًا بعيدًا، فترتدي ما تشتريه أمها من ملابس مستعملة وهي راضية. فلم تحلم بأكثر من هذا. ولكن سعادتها تضاعفت عندما قالت الخالة روحية:
"هاخلي الكوافيرة تظبط لك شعرك وتحط لك شوية أحمر في وشك زي البنات."
قالت ياسمين: "بجد يا خالة؟ هبقى حلوة زي البنات دي؟"
فتضحك الخالة: "إنتي أحلى منهم يا حبيبتي، ربنا العالم أنا بحبك قد إيه، وأن شاء الله أفرح بيكي وأساعد أمك في فرحك زي ما إنتي ساعدتيني في فرح شيماء."
لم تتمالك ياسمين دموعها وهي في حضن الخالة روحية، فما أجمل كلماتها. وعادت لتقديم المشروبات حتى تنتهي الكوافيرة من تزيين صاحبات العروسة ويأتي دورها.
أما في الحارة، فقد أضاءت الحارة بكاملها، وبدأ يعلو صوت عزف الفرقة الغنائية واستعد المغنون، ففرح ابنة الحاج مرزوق سيحضره كبار التجار والمعلمين، وهناك نقوط بالآلاف ممن يحيون الحاج بها. أما طاقم الجرسونات، فبدأوا بتقديم المشروبات على كل الحضور.
في الشقة، بدأ الفرح بين السيدات، فقد أخذت إحداهما الطبلة وبدأت بالغناء، والنساء تصفق والبعض يرقص، وارتفع صوت الزغاريد. وياسمين تدور بينهم وتقدم شراب الورد في كاسات مذهبة، ولكنها لم تنتبه فأوقعت إحدى الكاسات، فسقط بعض الشربات على جزء بسيط من طرف فستانها. فانتفضت هذه الفتاة تصرخ في وجه ياسمين:
"مش تفتحي يا غبية، فستاني اتبهدل يا عامية."
اعتذرت ياسمين: "آسفة والله مش قصدى."
"مش قصدى إيه؟ إنتي عارفة الفستان ده بكام؟" (وهي تنظر لياسمين باحتقار) "لو اشتغلتي عمرك كله مش هتجيبي نص تمنه."
فقالت شيماء باعتذار: "ما حصلش حاجة يا هبه، دا غصب عنها، روحي نظفي في الحمام بسرعة."
"يا سلام، وأقعد متبهدلة بسبب المتخلفة دي."
لم ترد عليها ياسمين، فهي لا تجيد الرد ولا تعرف كيف تدافع عن نفسها، لكنها شعرت بالفرح عندما سمعت صوت حسن يقترب:
"فيه إيه؟ مين اللي صوتها عالي دي؟"
فقالت هبه في دلال واضح: "شوف يا حسن، فستاني بهدلته ليا خالص بالشربات."
فنظرت حسن بلوم إلى ياسمين، ثم سحب هبه من يدها برفق إلى الحمام ويقول:
"روحي نظفيه وأنا هستناكي."
وبعد قليل، خرجت هبه من الحمام لتجد حسن في انتظاره وفي يديه كوبان من الشربات، وتوجه معها إلى الشرفة.
صدمة، صدمة، صدمة كبيرة ما شعرت به ياسمين وعيونها تتبعهم حتى خرجوا إلى الشرفة، لتجد نفسها تتبعهم لترى هبه واقفة وبيدها كوب الشربات وحسن يحدثها برفق:
"خلاص يا هوبه، الفستان ما اتبهدلش وإنتي زي القمر. ما تزعليش. مش بحبك وإنتي زعلانة."
فترد بعتاب: "كان لازم تطردي الحمارة دي، مش تقول خلاص."
"حرام يا هبه، دي طول اليوم بتشتغل وحرام أطردها، ومين هيساعد أمي ويشوف طلبات الضيوف؟ وعلى العموم إحنا هنقف هنا سوا لحد الفرح ما يبدأ، خلاص."
فابتسمت وقالت: "خلاص، عشان خاطرك بس يا سمسم."
فيضحك ويقول: "إنتي بس المسموح لك تقولي سمسم، بس يا ويلك إن سمعها حد تاني، أدبحك."
فتقول برق: "تدبح حبيبتك يا شرير."
فيرد بحنان: "أدبح نفسي عشانك يا قلب الشرير."
ألم وألم وألم، وجع ووجع وقهر، هذا ما شعرت به ياسمين وهي تسمع مغازلة حسن لهبه بنت عمه. لم تشعر بنفسها إلا والضيق ينهش في صدرها ودموعها تختنق في مقلتيها، فتسرع خارجة من المنزل بسرعة وتتجه إلى بيتها، تاركة الفرح وما فيه، وتاركة فستانها الجديد في كيسه. وحمدت ربها أن أباها نائم وأخواتها في الفرح مع أمها، فتدخل في غرفتها وترتمي على السرير المتهالك لتبكي وتبكي وتبكي وتخرج كل ما في قلبها من هم. لعنت فقرها ولعنت ضعفها ولعنت مرض أبيها ولعنت الحاجة التي كسرتها. فهي تعلم جيدًا أن أمها وأخواتها في الفرح حتى يحصلوا على وجبة وزجاجة من المياه الغازية. فلعنت الفقر الذي أذلها وأذل أهلها معها. وعادت لتبكي بقوة.
"بتبكي ليه يا أبلة؟ فيه حد مزعلك؟"
انتبهت ياسمين على صوت أخيها محمد الواقف أمامها بملابسه الرثة القديمة البالية، وهو يحمل في يده طبقًا من (الفل)، وفي يده الأخرى زجاجة من المياه الغازية.
"إيه اللي جابك دلوقتي يا محمد؟"
"أخذت وجبتين فجيت، أدي بابا واحدة. إنتي ليه بتعيطي؟"
سؤال بسيط من طفل صغير كان السبب في هطول دموعها مرة أخرى، ليشعر هو الآخر بالحزن لأخته، فيبكي معها ويقول وسط دموعه:
"عشان خاطري متزعليش، أنا بحبك قوي ومش هأعمل أي حاجة تزعلك، بس مش تعيطي."
لامت نفسها بشدة لأنها كانت سببًا لدموع أخوها، لكنها لم تقدر التوقف عن البكاء، فقلبها متألم بشدة. فقالت وسط دموعها:
"أنا مش زعلانة منك يا حبيبي، إنت أحسن واحد في الدنيا كلها."
"طيب ليه زعلانة؟ عشان خاطري قولي ليا."
فلم تقدر على قول السبب الحقيقي لبكائها، فقالت بحزن: "عشان... عشان... عشان معنديش فستان ألبسه في الفرح."
فيقترب الصغير من أخته ويمسح دموعها برفق ويقول:
"متزعليش يا أبلة، لما أكبر وأشتغل هجيب لك 100 فستان جديد."
ابتسمت ياسمين بين دموعها وهي تحتضن أخوها الصغير وتقول:
"بجد يا محمد؟ بجد لما تكبر هتجيب ليا 100 فستان؟"
فيجب برجولة مبكرة: "وكل حاجة هتطلبيها إنتي وماما وبابا ومها وآية كمان. أنا راجل صح يا أبلة؟"
فتبتسم وتقول: "وسيد الرجالة كمان يا حبيبي، ربنا يحميك."
لامت نفسها مليون مرة لأنها لعنت ظروفها وحياتها، فهي في وضع أحسن من غيرها، وها قد أثبتت هذا الصغير مدى خطأها.
قدم محمد الطبق لأخته وقال: "عشان خاطري خدي، أبلة."
قالت ياسمين: "لأ يا حبيبي، ده بتاعك وأنا مش جعانة."
قال: "لأ والله، لازم تاكلي منها، وأنا اللي هاكلك بإيدي كمان، عشان خاطري كلي."
وملا المعلقة بالأرز ووضع عليها قطعة من اللحم وقربها إليها. وقال: "عشان خاطري كلي."
فتحت فمها وأكلت منه. فقال بابتسامة: "إيه رأيك يا أبلة؟"
قالت: "أحلى أكل أكلته في حياتي كلها، عارف ليه؟ لأنه من إيدك إنت."
فتبسم بسعادة وبدأ يطعم أخته وهي تأكل.
ثم فتح زجاجة المياه الغازية وقربها إليها فشربت منها وقالت في حزن: "أنا كده أكلت أكلك كله."
"متزعليش، هجيب غيره. الأكل كتير. هتيجي معايا الفرح عشان خاطري."
فقالت بألم: "مش هقدر، أنا هنام وإنت انبسط وخد بالك من أخواتك البنات."
وهي تنظر لأخيها وتلوم نفسها. من يحتاج للحب وعندها أخوها بمثل هذه الرجولة المبكرة؟ أهلها أولى باهتمامها، إخوتها أولى بمشاعرها، هم الأحَق ولا أحد غيرهم.
ومن بعيد، لاحت في الآفاق الألعاب النارية والاحتفالات بعام 2000. فهناك قلوب سعيدة، وقلوب فرحة، وقلوب متحابة، وقلب حزين يئن بالألم وعيون تفيض بالدموع على حب ولد ومات بين الضلوع لم يشعر به أحد. وها هي تتألم ولن يشعر بها أحد.
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الثاني 2 - بقلم حياة محمد الجدوى
أما في الناحية المقابلة، وبعد السهرة الطويلة التي ظلت حتى الفجر، انتهى به نائمًا في مكان غريب، غير مرتب، وشعر أشعث، ورائحة كريهة من الخمر. وعلى جواره نائمة إحدى صديقاته شبه عارية. فقد نام الجميع في صالة الشقة، وقد امتلأ المكان بزجاجات البيرة وأطباق، بعضها مهشم والآخر عليه بقايا الطعام، وكاسات زجاجية في كل مكان.
هذا ما تبقى من الليلة الصاخبة من احتفالهم بعام 2000، فقد ظلوا يرقصون ويسكرون حتى هدهم التعب، فناموا جميعًا من شدة التعب.
ليستيقظ أحمد وهو يمسك رأسه من شدة الصداع، ليجد نفسه في هذه الصورة القذرة. وينظر إلى ساعته ليجدها تشير إلى السابعة مساءً، فقد ظل نائمًا طول اليوم في هذا البيت الغريب.
فقام يبحث عن جاكيت بدلته ويتجه إلى الباب وهو يترنح من الصداع وبقايا الخمر، ليركب سيارته ويتجه إلى الفيلا.
ويتفاجأ بوجود خالته قسمت هانم وابنتيها. الكبيرة هايدي الحسناء، كثيرة الشبه بأمه، فهي ذات ملامح أرستقراطية، عيون ذهبية واسعة، وشعر أسود طويل، وبشرة بيضاء نقية، ونظرة غرور نابعة من طبيعة حياتها. فهي وعلى اقتدار من استحقت لقب حفيدة إبراهيم باشا توفيق، وهي في الواحد والعشرين من عمرها. أما الثانية فهي ميار في الثانوية، جميلة الملامح، ولكنها - وللأسف الشديد - تلميذة أحمد في التشرد.
ما أن دخل أحمد حتى نظرت له هايدي باشمئزاز، فملامحه قذرة وملابسه أكثر قذارة وملوثة من الخمر. فنظر له أبوه سامي بيه في غضب، ثم أشار إليه، فصعد أحمد مسرعًا إلى غرفته ليأخذ شاور سريع ويبدل ملابسه، ثم ينزل بسرعة ليجد العائلة على السفرة يتناولون وجبة العشاء. فيسحب الكرسي بجوار هايدي ويتناول العشاء بسرعة وبدون الاهتمام بآداب الطعام.
فقالت أمنية هانم بغضب:
"عيب يا أحمد، كل بهدوء لو سمحت."
فيجيبها بدون اهتمام:
"سوري يا مامي، بس ما أكلتش من امبارح."
فيرد أبوه بصرامة:
"ماهو لو تبطل صرمحة مع شلتك الصايعة دي كان انصلح حالك. عاجبك شكلك وانت داخل الفيلا؟ يقول الناس عنا إيه؟"
فترد أمنية هانم بضيق:
"أف يا سامي، كل يوم نفس الكلام. قلت لك أحمد شاب ولازم يعيش سنه زي الشباب اللي زيه. وكل الشباب كانوا بيحتفلوا امبارح، مش عارفة ليه انت عصبي."
فيقوم سامي بيه من على طاولة الطعام ويقول بغضب:
"خلاص يا هانم، ابنك عندك. أنا خلاص شلت إيدي من تربيته. وشوفي انت نتيجة تربيتك له إيه؟"
فيقول خالد بيه والد هايدي:
"يا سامي بيه، ما تزعلش من أمنية هانم، واقعد كمل عشاك."
فيجيب سامي بغضب:
"شبعت الحمد لله. عن إذنكم." ثم يتجه إلى غرفة المكتب ليجلس وحيدًا وهو يفكر في حالة ابنه.
فتقول هايدي:
"بصراحة يا طنط (أونكل) سامي عنده حق."
فتنظر لها أمها بغضب وتشير بعينيها حتى تصمت، لكن هايدي تكمل ببرود:
"إنت مش شفتي شكله يا مامي. كل يوم في النادي أسمع حكايات عنه وعن شلته."
فيقول أحمد بغزل:
"كل ده لعب عيال. إنت اللي في القلب يا جميل."
فتقول هايدي بغرور وبصوت خافت:
"إحلم على قدك."
فيقترب منها أحمد ويقول:
"ماهو إنت حلمي."
فترد بقوة:
"وانت عمرك ما كنت حلمي." وتقوم مسرعة من على طاولة الطعام. فيقول أحمد:
"هنشوف يا هايدي، يا أنا يا إنت."
***
أما في الناحية الأخرى، عادت ياسمين إلى العمل، نفس العمل ونفس الحوض ونفس الأطباق، لكن ياسمين ليست ياسمين، فهي شاردة الذهن وحزينة. حتى اقترب منها نفس الصوت وهو مبتسم كالعادة:
"مساء الخير يا ياسمين."
فتلتفت إليه وتجيب:
"مساء النور يا أستاذ حسن."
فيمد حسن يده ليسلم عليها، فلأول مرة يبدأ هو بالسلام، ولأول مرة تنتبه ياسمين إلى يديها القذرتين، فتخبئها خلف ظهرها وتقول باعتذار:
"أسفة، إيديا مش نظيفة."
فيبتسم ويقول:
"على طول بسلم عليك وإيديك مش نظيفة، فعادي." لكنها تهز رأسها بالرفض، فيبتسم بإحراج لأنها ردت يده بدون أن تسلم عليه.
فحاول أن يمتص هذا الإحراج، فطلب كالعادة صنع فنجان شاي كالعادة.
واتجه إلى صالة المطعم. نفس الفنجان ونفس الصينية، ونفس مقدار الشاي والسكر، ونفس الماء. لكن طعم الشاي مختلف جدًا. فالشاي ينقصه شيء لا يعرفه، ولن يعرفه أبدًا، ألا وهو قلب ياسمين. فشايها لم يكن بطعم الحب، بل كان بطعم الألم والخيبة مخلوطًا مع السكر، مما جعل حسن غير قادر على إكمال كوبه لأول مرة منذ أعوام.
في الساعة الواحدة ظهرًا، كان أحمد جالسًا على ظهر سيارته البيضاء الجديدة وهو يشعر بالملل. فاقترب منه صديقه وائل وهو يقول:
"مالك يا بوص؟ مش في المود النهارده."
أحمد:
"ملل يا وائل، كله ملل. الجامعة ملل، والنادي ملل، والديسكو ملل. أف."
وائل:
"طيب أنا عندي اقتراح، إيه رأيك نغير الملل ده ونقضيها اليوم كله شعبي؟"
تجيبه إحدى الفتيات بدلع مبالغ فيه:
"ياي، شعبي؟ فين الشعبي ده؟"
فيكمل وائل وقد بدا عليه الحماسة:
"دي فكرة هائلة. نروح قهوة بلدي ناخد حجرين وندخل المطاعم دي اللي أسماءها تضحك. فاكر يا أحمد (كل واشكر)؟ (كشري أبو رزة)؟"
فيضحك أحمد مع الجميع، وقد لاقت الفكرة استحسان الكل. وبالفعل ركب الجميع السيارة، وارتفع صوت المسجل إعلانًا ببدء مغامرتهم الشعبية.
***
في الناحية الأخرى، كانت ياسمين تعمل في صمت حزين. وقد قررت أن تنسى حسن، وكيف لا تنساه وقد أعلن خطوبته على ابنة عمه هبه، وحددوا ميعاد حفلة الخطوبة بعد شهر، والفرح بعد خمسة أشهر. لتعيش حالة من الألم المضاعف. وتغيب عن العمل. ولم تفوق لنفسها إلا عندما رأت إخوتها والجوع ينهش في أمعائهم. فالعائلة كلها تعتمد على بقايا الطعام الذي تحضره كل يوم من المطعم. لذا تخلت عن غبائها وعن فكرة ترك العمل. فمن في ظروفها الحب بالنسبة لها كماليات مثل الزينة. فعدت إلى العمل.
لم يخرجها من سرحانها إلا الأصوات العالية والصرخات والضحكات التي ملأت المكان. وسمعت أحد الجرسونات يقول بضيق:
"مجموعة من الشباب دخلوا المحل وواضح أنهم في حالة غير طبيعية."
فلم تهتم وعادت إلى عملها.
أما في المطعم، فقد انزعج كل الموجودين من هؤلاء الشباب وصوت ضحكاتهم العالي، حتى أتى لهم الجرسون وسألهم:
"طلباتكم إيه يا كباتن؟"
فضحك الجميع عليه، ثم سألت إحدى الفتيات بدلع:
"عندكم إيه يتاكل يا عسل؟"
فيضحك الكل عليها، وكثرت التعليقات السخيفة:
"إديه رقم تليفونك."
"... لا ميعاد أحسن."
فيقرأ عليهم الجرسون لائحة الطعام دون النظر لتعليقاتهم السخيفة على كل ما يعرضه الجرسون.
"لحمة راس."
"يع! إيه الكوارع دي؟ يعني إيه ممبار؟ كرشة؟ إيه القرف ده."
بالرغم من ضيق الكل منهم، إلا أن الجرسون كان هادئًا وحاول أن يسيطر على أصواتهم، إلى أن خرج لهم حسن وهو غاضب:
"إيه الصوت العالي ده؟ أنتم في مكان محترم. لو مش هتقعدوا بأدبكم، فلو سمحتم اخرجوا."
فينتفض أحمد وهو غاضب ويقول بغرور:
"إنت بتطردنا؟ إحنا من هنا؟ دا أنا أشتريك انت ومطعمك وشارعك وفوقهم البهايم بتاعتك كمان."
فينفجر زملاؤه بالضحك. أما حسن فيرد بكبرياء:
"لا انت ولا فلوسك يهمني، فإما تقعد بأدب أو فارق."
فيجلس أحمد ويضع ساق فوق الأخرى ويجيب:
"أنا قاعد بفلوسي. إنت يا..." ويشير إلى الجرسون: "هات كل الأصناف اللي عندك."
فيذهب الجرسون إلى المطبخ ويطلب من الطهاة التركيز في عملهم ووضع الطعام في أطباق مزخرفة راقية، فالزبائن هذه المرة من الطبقة العليا، ولابد من تشريف صورة المحل.
وبعد قليل، وضع الطعام على الطاولة وقد امتلأت بالأصناف المتنوعة وانتشرت رائحة الطعام الشهية. لكن الفتيات ينظرن إلى الطعام بقرف، وقالت ميساء:
"مش ممكن. مستحيل آكل من القرف ده."
فيأخذ هاني إحدى قطع الكوارع ويقربها من فمها ويقول:
"ليه يا ميسو؟ يالا دوقي. هم يالا."
فتصرخ وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا وهي مغلقة فمها بقوة، ثم تصرخ:
"شفت يا حيوان؟ بهدلت لبسي." وتملأ الملعقة بالأرز وتلقيها في وجه هاني، فيقول له.
أحمد:
"إمسكها، وأنا هاكلها منه غصب عنها."
فيمسكها هاني، ويحمل أحمد قطعة من طاجن العكاوي ويضعها في فمها بالقوة. فتحمل رنا طبق التورلي وتلقيه في وجه هاني، الذي يحمل طبق الفتة ويلقيه في وجهها. ويتحول المكان إلى ساحة معركة بين الشباب، وقد تعالت صراخهم وضحكاتهم المجنونة.
ليخرج حسن بسرعة، فيجد الأطباق المهشمة والأكواب المحطمة والطعام المنتشر، وباقي الزبائن تركوا المكان ووقفوا بعيدًا يراقبون الوضع بغضب، وقد تلوثت ملابسهم من هذه المهزلة.
فيصرخ حسن:
"إيه قلة الأدب دي؟ أنا لازم أطلب الشرطة لأشكالكم. انتوا كسرتوا المحل ولازم أحبسكم كلكم."
فيخرج هاني رزمه من المال ويلقيها في وجه حسن ويقول باستهزاء:
"مش إنت اللي تودينا السجن. احمد ربنا إننا فكرنا ندخل محلك المقرف ده. وأظن المبلغ ده أكتر من تمن الأكل والأطباق، وخلي الباقي عشانك. هههههههه."
فيخرج هاني والبنات، ويكمل أحمد:
"شرف ليك إننا كنا هنا. غيرك بيحلم إننا بس نعدي من جنب محله. ثم بشير باستهزاء: سلام."
فيخرجوا من المحل، فيقول وائل:
"إيه رأيكم فيه قهوة بلدي هناك؟ يالا نقعد فيها بشكلنا المبهدل ده. حقيقي فكرة تحفة."
فتجيب رنا بدلع:
"لا مش ممكن. أنا عايزة آخد شاور دافئ وأغسل القرف ده. حرمت أسمع كلامك وأدخل مكان شعبي تاني." ليركبوا في سيارة أحمد.
***
أما حسن، فبمجرد أن خرجوا، حتي صرخ على ياسمين، فخرجت بسرعة ووقفت تشاهد الكارثة. ليصرخ عليها حسن:
"إنتي لسه هتتفرجي؟ يالا بسرعة نظفي المكان."
فتدخل بسرعة وتعود وهي حاملة سلة المهملات وأدوات النظافة لتبدأ في جمع الأطباق المحطمة. ولكنها لاحظت وجود نظارة شمسية على الأرض، فحملتها بسرعة وهي تسأل:
"نظارة؟ مين دي؟"
فيجيبها أحد الزبائن:
"أكيد نظارة واحد من الشباب الصايع اللي كانوا هنا."
فتأخذها ياسمين وتتجه إلى الخارج حتى تعيد النظارة.
فيقول الرجل في احتجاج:
"الشباب ده ما يستاهلش. خديها ليكي أحسن، وإلا بيعيها."
فترد عليه:
"لا طبعًا، دي أمانة."
في الخارج، يتلفت أحمد وهو يفتش في السيارة. فتقول ميساء:
"واقف ليه يا أحمد؟ فيه حاجة؟"
فيجيبها:
"مش لاقي نظارتي."
فتقول:
"مش مهم، يالا بسرعة. مش طايقة هدومي."
فيجيبها ببرود:
"عندك حق." ويدير السيارة لتنطلق، ولم ينتبه لتلك الفتاة التي تركض متجهة إليه وهي تحمل النظارة في يدها.
لتعود إلى المطعم، ليناديها حسن في عصبية:
"يالا يا ياسمين بسرعة نظفي المكان."
لم تنتبه أن كل العيون تنظر لها وهي تقارن بينها وبين أولئك الشباب. فهي أصغر منهم في العمر، ولكن هناك فرق كبير بين من يبحث عن لقمة العيش ومن ولد وفي فمه ملعقة من ذهب.
بدأت ياسمين في تنظيف الأرض وهي تتحسر على كل هذا الطعام. فالطواجن كاملة لم تمس، لكنها لن تأخذها إلى أهلها، فهي ملقاة على الأرض ومختلطة بالزجاج المكسور.
لكنها لم تنتبه أن عيون الزبائن مسلطة عليها وهم ينظرون إليها في شفقة. ولم تنتبه إلى قطعة الزجاج الكبيرة التي جرحت يدها، فخرجت منها صرخة مكتومة. فينتفض أحد الزبائن ويتجه إليها بسرعة ويمسك يدها المصابة بيده، وبيده الأخرى يضغط على الجرح حتى يوقف نزيف الدم ويسألها:
"إنتي منيحة؟"
فتنظر إلى عيون السائح الخضراء، وقد وترها قربه واحمر وجهها بشدة، فهزت رأسها بخجل. لتنتفض من صرخة حسن الذي رآها مع هذا السائح الغريب.
"انتي عجبك القرف ده؟ يالا بسرعة وبلاش دلع."
لتنتبه فتجد يدها ما زالت في يد هذا السائح الذي أخرج منديلًا ووضعه على جرحها. فسحبت يدها من يده وأسرعت إلى المطبخ وهي تحمل سلة المهملات، وتعود مرة أخرى بسرعة ومعها مفرش جديد للطاولة وفوطة لتمسح ما تبقى من الأوساخ عن الحائط، ليعود المكان نظيفًا.
أما أحمد، فقد عاد إلى منزله وهو منعش بعد هذا اليوم الغريب. فيصله خبر دخول والده المستشفى مرة أخرى.
انتهى العام الدراسي أخيرًا، لينجح أحمد ويتخرج من الجامعة بتقدير مقبول. أما ياسمين فتنجح، لكنها راسبة في مادتين، لكنها لم تهتم، فيكفيها أنها انتقلت للصف التالي.
أما أحمد، فاشتد عليه المرض، لتخرج الجرائد في اليوم التالي بالمقالات التي تنعى وفاة رجل الأعمال سامي عبد الله، وعن الخسارة الكبيرة التي خسرها قطاع رجال الأعمال بوفاة العقلية الاقتصادية الفذة سامي عبد الله، ومقالات أخرى عن الحزن الشديد الذي أصاب عائلته، وخاصة أرملته أمنية هانم حفيدة إبراهيم باشا توفيق.
لتعود الجرائد مرة أخرى للتحدث عن أحمد سامي بيه، رجل الأعمال الشاب الذي سيتولى رئاسة شركات والده، وعن المؤتمر الصحفي الكبير الذي سيقيمه في مقر الشركة الرئيسي ليتحدث عن مستقبل الشركات.
وطبعًا، كل ما نشر ما هو إلا إعلانات مدفوعة الأجر تعمدت أمنية هانم على نشرها. فقد دفعت مبالغ ليست هينة حتى تقدم ولدها بصورة تليق بحفيدة إبراهيم باشا توفيق. لأنها تعلم جيدًا حقيقة أحمد، أنه لا يعرف أي شيء عن العمل. فكان الاتفاق مع الصحفيين ألا يسألوه عن أي شيء يخص طبيعة العمل. فخرج المؤتمر بصورة شديدة السذاجة، وخاصة أن الأسئلة كانت من شاكلة: ما مواصفات فتاة أحلامك؟ أو الأماكن السياحية التي زرتها؟ وعن ماركات سيارته؟ والسؤال الأهم عن الإشاعة الخاصة بارتباطه بمغنية مشهورة، وإن كان سيظهر معها في الفيديو كليب القادم.
أما أحمد، فقد استلم شركات والده ليجد نفسه في ورطة حقيقية. فهو لا يعرف أي شيء في أي شيء. لذا فقد قامت أمنية هانم بالبحث عن من يساعد أحمد في العمل وإدارة الشركات. فاتفقت مع عبقري القانون الأستاذ (عماد الهادي) المحامي الشهير. محامي بدأها من تحت الصفر، فقد ولد في منطقة عشوائية بيوتها من الصفيح بلا أي مرافق. فعاش حياة الفقر والذل، لكنه كان شديد الذكاء، فدرس في كلية الحقوق وأحب القانون وعشقه. ولكنه درس أيضًا ثغرات القانون وأجاد استغلالها في مصلحته. لذا فهو معروف بأنه "ديب القانون".
اتفق معه أمنية هانم على أن يكون المستشار الخاص بأحمد مقابل راتب خيالي لم يحصل عليه وزير.
وبالفعل، بدأ "ديب القانون" بممارسة عمله، وقد استغل غباء أحمد وثقته اللامتناهية أسوأ استغلال. فالقانون ببساطة لا يحمي المغفلين.
فكلما سأله أحمد عن الأوراق التي يمضي عليها، يجيبه ببساطة:
"اطمن، إنت كدا تمام وكل شيء هتعرفه بالتدريج، بس إمضي على الأوراق دي عشان الشغل ما يتعطل." فيوقع أحمد كالعادة.
وبعد عشرة أيام، ربح أحمد صفقة تجارية كسب منها مائة ألف جنيه. فأقامت أمنية هانم حفلة كبيرة احتفالًا بنجاح ابنها الباهر. ليخسر بعدها بشهر مناقصة كبيرة خسر فيها مليون جنيه. وبعدها وقع عقد استيراد ليتفاجأ بأن البضاعة كانت تالفة، فخسر أربعة ملايين. ثم خسر بعدها قضية تعويض مهمة، فاضطر إلى دفع تعويضات مالية بمبلغ عشرة ملايين. وكلما سأل عماد، أجابه بأن حال السوق متقلب، وأن هذه خسارة طبيعية. ليظهر اختلاسات في الشركة وضاع مبلغ كبير جدًا.
مما دفع الشركاء ببيع أصول أسهمهم بالخسارة، ليجد أحمد نفسه في ورطة كبيرة. فالشركة تنهار وأمواله تختفي. وزاد الأمر حينما انسحب عماد من العمل وقدم استقالته. ليجلس أحمد على أطلال شركات كان لها شأن عظيم في يوم ما.
أما أمنية هانم، كانت شاهدة على خسارات ابنها المتتالية، لكنها لا تريد أن تشمت بها سيدات المجتمع الراقي. فظلت تقيم احتفالاتها الصاخبة وتحضر السهرات اللامعة، وظلت تطلب من أحمد مبالغ طائلة، فهي تعلم أن أموال زوجها طائلة ولن يضرها هذه الخسائر.
أما أحمد، فقد كبر مائة عام. فهو مهدد بالإفلاس، وقد تخلى الجميع عنه.
***
سبحان الله، فقد تكشف الصخرة سر الجبل، لأن موظفًا صغيرًا في الشركة استطاع أن يكشف بالصدفة الاختلاس الذي أضاع خمسة ملايين جنيه. فأسرع لأحمد وقدم له الأوراق كاملة، فاكتشف أحمد أن الملايين الخمسة تم إدخالها في بنك (...) باسم شركة غير معروفة. وبالبحث عن أصل هذه الشركة كانت الصدمة، فهي مسجلة باسم عماد الهادي، أي أن من سرقه هو محاميه.
لتنكشف الحقائق تِباعًا. فقضية التعويض التي خسرها، اكتشف أنه خسرها مقابل نسبة من المال.
أما الكارثة الكبرى، حينما بان تم بيع عمارتان كبيرتان في البساتين عن طريق توكيل عام بالبيع والشراء من أحمد لعماد الهادي، في حين أن أحمد واثق أنه لم يقم بأي توكيل. فنصحه أحد المقربين بأن يلغي التوكيل بسرعة قبل أن يخسر العديد من ممتلكاته. فأسرع بإلغائه، ليتصل به بعد فترة موظف الشهر العقاري ليخبره أن عماد الهادي قد أحضر عقودًا ليبيع الفيلا لنفسه، وأنه كاد أن يجن عندما علم بإلغاء التوكيل.
فقرر الفارس المغوار أن يواجه الشرير، فيواجهه، لينهار الشرير ويبكي ويعترف بخطئه بعد أن يعده بأن يتوقف عن الشر ويعيد إليه ما سرقه. فارتدى حلة الأبطال واتجه إلى مكتب عماد الهادي ليواجهه.
لكنه تفاجأ بضحكات عماد العالية المليئة بالسخرية، فقال:
"برافو عليك، وعرفتها لوحدك يا شاطر. لا والله، ذكي. وانت مستني إيه؟ وأنا شايف واحد غبي مش مقدر النعمة اللي هو فيها، عنده ملايين تحت رجليه ومش عارف يحافظ عليها. ده حتى المثل بيقول (المال السايب بيعلم الـ.......). وانت فاهم طبعًا." وغمز له بعينيه.
أحمد بصراخ:
"لكن انت المحامي بتاعي والمفروض إنك تحافظ على مالي وشركاتي."
عماد:
"وانت غبي. المفروض دارس في الجامعة ودارس إدارة الأعمال، يعني المفروض إنك تحافظ على فلوسك يا غبي."
أحمد:
"وأنا مش هسكت وهقدم بلاغ للنائب العام وهاتهمك بالنصب والاحتيال."
عماد بسخرية:
"ربنا يعينك، بس قبل ما تقدم البلاغ، شوف دول الأول." ويقوم من مكانه ويفتح خزنته الخاصة به ويخرج منها بعض الأوراق. ما إن قرأها أحمد إلا ودارت به الدنيا من حوله.
فقال عماد بسخرية:
"أوضح لك، يمكن ما فهمتش يا غبي. دي أوراق تثبت إنك صاحب صفقة الأسلحة المهربة اللي الحكومة مسكتها من شهر. يعني أقدر أوديك في ستين داهية."
أحمد:
"دي أوراق مزورة."
عماد:
"أكيد مزورة، بس الدليل الوحيد على إنها مزورة إنك تقدم أوراق الصفقة الحقيقية. وعلى فكرة، مش هتلاقيها لأن كل الأوراق الحقيقية عندي. وحتى لو قدرت تثبت إنك بريء، هتكون اتسجنت وسمعتك وسمعة شركتك هتبقى في الوحل. وعندي أوراق تانية تثبت تورطك في بلاوي تانية، وكلها موقعة بإمضاءك الكريم. يعني رايح في ستين داهية، رايح في ستين داهية."
أحمد:
"انت هتستفيد إيه من دا كله؟"
عماد:
"أنا ما يهمنيش إنك تتحبس، لكن يهمني شيء تاني."
أحمد:
"عايز إيه؟"
عماد:
"عشرة مليون بس، وكدا كلنا هنستفيد."
أحمد بصدمة:
"مستحيل. أنا مش معايا المبلغ ده كله. انت عارف وضع الشركات وإنها تقريبًا مفلسة بعد ما باع المودعين حصصهم بسبب انخفاض قيمة الأسهم في البورصة، غير ديون البنوك اللي ممكن يحجزوا على الشركة بسببك." (ليضعف ويقول بنبرة مكسورة) "حرام عليك، خربت بيتي وسرقت فلوسي وعايز كمان عشرة مليون."
عماد ببرود مستفز:
"القرار في إيدك. اختار إما السجن أو عشرة مليون. وعندك فرصة لحد بكرة الساعة 9 صباحًا. يا إما الفلوس، يا أو تسعة وخمسة هيكون الورق كله عند النائب العام. الزيارة انتهت، مع السلامة."
خرج أحمد من عند عماد وهو يجر أذيال الخيبة. فقد فهم كل كلمة قالها والده في الماضي حينما كان يقول: (لو مت وابنك في الحالة دي، كلاب السكك هتاكلكوا). فلم يستطع أن يمنع دموعه وهو يقول:
"الله يرحمك يا بابا. يا ريتني سمعت كلامك من زمان. كلاب السكك بتاكلني وبتنهش في لحمي. مش عارف أعمل إيه. ساعدني يا ربي."
عاد أحمد للقصر، فوجد أمه تستعد لإحدى حفلاتها الصاخبة. فنظرت إليه بقلق.
أمنية:
"فيه إيه يا أحمد؟ مال وشك كده تعبان."
فيرتمي أحمد على الكرسي بتعب:
"خلاص يا ماما، أنا ضعت واتخرب بيتي. ويا ريت كدا وبس، دا أنا مهدد بالسجن كمان بقضايا توديني في ستين داهية."
أمنية:
"إيه الكلام الفارغ ده كله؟ دا أنا معينًا معاك أحسن فريق يساعدك في الشغل."
أحمد:
"قولي أحسن عصابة سرقتني بالاتفاق مع رئيس العصابة، المحامي اللي جبتيه."
أمنية:
"مستحيل. الأستاذ عماد عمل إيه؟"
أحمد بقلة حيلة:
"عمل إيه... سرقني وسرق فلوسي.. وفلس الشركة ودلوقتي بيهددني يا الحبس يا عشرة مليون."
تغير وجه أمنية هانم وهي تقول:
"إديله كل اللي يطلبه."
أحمد:
"يا ماما، أنا على وشك الإفلاس ومش عندي أي سيولة والشركات بتنهار."
فتجلس أمنية هانم بانهيار وتقول:
"والحل."
فيقول أحمد بقلة حيلة:
"ساعديني يا ماما، أنا بنهار. أنا بضيع."
في اليوم التالي، اتصل أحمد بعماد ليوافق على دفع الأموال مقابل الأوراق التي يهدده بها. وتوسل عماد أن يمنحه الوقت حتى يدبر له الأموال. فأعطاه عماد فقط أسبوع مهلة.
بعد أسبوع.
أمنية هانم:
"أحمد، أنا مش مرتاحة. أنا هاجي معاك."
أحمد:
"لا يا ماما، هو طلبني وحدي والمكان بعيد وأنا خايف عليكي."
أمنية:
"هو فين المكان بالضبط؟"
أحمد:
"في عمارة تحت الإنشاء في منطقة غريبة اسمها (الجيارة) بعد المدابغ."
أمنية باشمئزاز:
"إيه الأماكن دي؟ أنا قلبي مش مرتاح وخايفة عليك. طب خد بودي جارد معاك يحرسك ويحميك."
أحمد:
"هو اشترط أكون لوحدي."
أمنية:
"طب هتعمل إيه؟ أنا خايفة إنه يعمل فيك حاجة لأننا مش عرفنا نجمع المبلغ المطلوب كله."
أحمد:
"أنا خايف أكتر منك، بس هحاول أقنعه يقبل السبع ملايين دول والباقي بعدين."
أمنية:
"يارب. أنا خايفة قوي ونفسي الكابوس ده ينتهي وأصحى الصبح ألاقي كل حاجة انتهت على خير."
أحمد:
"وأنا كمان نفسي الكابوس ده ينتهي." نظر في ساعته وقال:
"أنا هامشي. باقي ساعة ونصف على الميعاد، يا دوب أوصل هناك."
نظرت أمنية هانم في ساعتها التي تشير إلى التاسعة والنصف، فترى أحمد يحمل حقيبة سفر ضخمة وضع فيها السبع ملايين، وهي كل ما استطاع تجميعه في أسبوع. وهي تدعو الله أن يقبل به عماد ويمهلهم بعض الوقت حتى يدبروا له باقي المبلغ.
***
في المطعم، أغلق حسن الهاتف مع المعلم قدري الفيومي. وبعدها نادى ياسمين.
حسن:
"ياسمين، انتي عارفة بيت المعلم قدري؟"
ياسمين:
"تقصد المعلم قدري بتاع اللحمة اللي في الجيارة؟"
حسن:
"أيوه، تعرفي بيته؟"
ياسمين:
"طبعًا، عمي الحاج مرزوق بعتني عنده أكتر من مرة."
حسن:
"كويس. خدي يا ياسمين." ومد إليها ظرف كبير. "دا مبلغ أحد عشر ألف جنيه. وديّهم عند المعلم قدري." وفتح الدرج وأخرج ورقة بعشرين جنيه وقدمها لها: "اركبى تاكسي من هنا لباب البيت وارجعي بتاكسي. والباقي ليكي." (ملحوظة هامة: أحداث الرواية عام 2000، أي من أكثر من 22 عامًا. كانت الأسعار بسيطة ورخيصة، فكانت تذكرة المترو بجنيه واحد فقط. الله يرحم أيام زمان).
نظرت ياسمين للعشرين جنيه بسعادة. فقطرة العين الخاصة بأبيها منتهية من ثلاثة أيام وقد اشتكى من الصداع الشديد. فما يبقى من العشرين جنيه يكفي لشراء زجاجة قطرة للعين بسبعة جنيهات، وقد يتبقى لها بعض الجنيهات.
وضعت ياسمين الظرف في كيس أسود وركبت التاكسي.
ركبت ياسمين التاكسي وهي حزينة، فالتاكسي سيأخذ خمسة جنيهات كاملة، أما المواصلات العامة ستكلفها جنيه واحد فقط. لكنها لن تخاطر بركوب المواصلات العامة ومعها هذا المبلغ الضخم، لذا ستذهب بالتاكسي. ولكن العودة بالتأكيد ستكون بالمواصلات.
***
في الساعة الحادية عشر، كان أحمد واقفًا أمام عماد داخل العمارة. كان المكان مظلمًا ومخيفًا، أما أحمد فكان يرتجف، فهذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها هذه المناطق، بعكس عماد الهادي جدًا والواثق من نفسه.
أضاء عماد أحد المصابيح، فأنار المكان بضوء أصفر شاحب أضاف للمكان كآبة. ليسحب عماد أحمد إلى إحدى الغرف موجود بها ما يشبه المكتب القديم. فجلس على الكرسي وقال بهدوء:
"جبت الفلوس معاك؟"
فأشار أحمد بخوف وقال:
"معرفتش أدبر إلا سبعة ونص مليون."
صرخ عماد:
"إيه؟ كام؟ سبعة ونص؟ أعمل بيهم إيه؟ أنا عاوز العشرة كاملين."
أحمد:
"انت عارف وضع الشركة كويس."
عماد:
"ما يهمنيش وضع شركتك. أنا عاوز فلوسي."
أحمد:
"دي مش فلوسك، دي فلوسي أنا. إنت عارف إني بريء وإنك بتبتزني."
عماد بابتسامة سمجة:
"انت عارف أنا ليه أصرت إننا نتقابل هنا؟ شفت المنطقة دي؟ أنا اتولدت هنا وعشت حياتي كلها هنا في عشة صفيح، يا دوب أكبر من القبر بمتر. عشت ما بين المجرمين وتجار المخدرات. كان سهل عليا إني أضيع وأبقى واحد منهم، لكن كان عندي هدف وطموح. والنتيجة قدامك. أنا أشهر محامي في مصر. أما إنت بالنسبة ليا مش أكتر من مجرد (فرخة) بتبيض ليا بيضة دهب. وأنا مش غبي عشان أضيع الفرصة دي. فاختار، إما تدفعلي اللي أنا عاوزه أو السجن."
أحمد:
"كنت عارف إنك هتعمل كده وإنك هتغدر بيا."
فيخرج من جيبه (مسدس) (سلاح أبيه المرخص) ويشهره في وجه عماد. ويصرخ:
"هقتلك يا عماد! نهايتك على إيدي النهارده."
فينظر إليه عماد، فيرى يد أحمد ترتعش والعرق يتساقط من جبينه من شدة التوتر وأصابعه غير المتمكنة من مسك السلاح واضطراب حركة مقلتي العين. فعلم أن أحمد أجبن من أن يطلق النار عليه، حتى أنه لم يفتح زر الأمان من السلاح.
فابتسم بهدوء، ثم قام ببطء شديد واقترب من أحمد وقال له باستفزاز:
"انت جبان، مجرد طفل في إيده لعبة وياريت بيعرف يلعبها."
فيرتعد أحمد وهو يتصنع القوة، ولكن في حركة سريعة ومدروسة، ضربه عماد بقدمه، فسقط السلاح بعيدًا من يد أحمد. ويحركه أسرع، سحب عماد سكينًا كان مخبأها بين الأوراق على المكتب، ليضعها على عنق أحمد وقال بشر:
"مش بقولك غبي. عارف بفلوسك اللي فاتت اشتريت المنطقة دي، وبفلوسك دي هأبني هنا أكبر مجمع سكني في المنطقة كلها. يعني انت دلوقتي في أملاكي، وأقدر أسجنك بتهمة التعدي عليا في أملاكي. وشوف المفاجأة، لو قتلتك دلوقتي مش هدخل السجن ساعة واحدة. يعني في كل الأحوال إنت اللي خسران. وعقابًا لك هتجبلي كمان عشرة مليون غير دول، وإلا هتكون نهايتك على إيدي. فاهم؟"
هز أحمد رأسه بضعف، ليستغل الفرصة ويضرب عماد بساقه في بطن عماد، فتسقط السكين من يد عماد. فيسرع أحمد بأخذها. فيسحبه عماد من ملابسه بسرعة محاولًا أخذ السكين منه، لكن أحمد كان متمسكًا بالسكين بشدة. ليشتد بينهما الصراع والتدافع، وفجأة تحدث طعنة، بعدها صرخة وتخرج تخرج الدماء.
***
أما في الناحية الأخرى القريبة منهم، تجلس ياسمين في بيت المعلم قدري تشرب الشاي الذي أعدته زوجة المعلم، بينما المعلم ينتهي من عد المال والتأكد من أن المبلغ سليم وكامل. ثم يخرج من جيبه ورقة بعشرين جنيه وأعطاها لياسمين، والتي كادت أن تقفز فرحًا وهي تأخذها من المعلم قدري وتشكرهم بشدة. لكن سعادتها تضاعفت عندما أمر المعلم زوجته، فأحضرت لياسمين كيسًا به كيلو من اللحم. فأخذته في سعادة وهي تدعو بالخير للمعلم وزوجته، فاليوم هو يوم سعدها، بالتأكيد ستعود إلى البيت ومعها أكثر من ثلاثين جنيهًا وكيلو لحم أيضًا، فأخيرًا ستتناول عائلتها وجبة حقيقية. شيء لا يحدث إلا في الأعياد.
خرجت من منزل المعلم قدري وهي لا تعرف الاتجاه الصحيح، فالشارع مظلم والوقت متأخر. لذا قررت أن تتشجع وتمشي من المنطقة الخالية، فهي تسمع أصوات السيارات من بعدها وترى أنوار السيارات من بعيد.
كانت خائفة، فبدأت تقرأ ما تحفظه من القرآن في سرها، فالمكان مخيف. لكنها بدأت تطمئن عندما رأت السيارات بصورة أوضح، وما تبقى ليس كثيرًا.
وفجأة شعرت بشيء يمسك في ملابسها، لتطلق صرخة عالية وقد ارتعد جسدها، لتسمع صوتًا ضعيفًا مهزوزًا يقول:
"أنا بموت... إلحقوني... قتلوني... موتوني."
ويسقط على الأرض.
فتنهمر الدموع من عينيها، وقد سقط كيس اللحم على الأرض. وعلى نور السيارة المارة، رأت وجه الرجل الخمسيني المصاب بطعنات كبيرة، وقد غرست سكينًا كبيرة في ظهره والدماء تسيل منه.
فقالت بخوف وجسدها يرتجف:
"ما تخافش يا عم، أنا ها أحاول أساعدك." فتحاول سحب السكين من ظهره، فيصرخ الرجل صرخة عالية من شدة تألمه.
فتقول ببكاء:
"إنت بتنزف جامد والسكينة مش عايزة تخرج منك، استحمل بس ثانية." فحاولت كتم الدماء والضغط عليها، لكن الدماء تسيل بشدة.
وهو يهذي ويغمغم بكلامات لم تفهم إلا:
"قتلوني... مش عاوز أموت."
فقالت بدموع:
"كده هتموت مني. أنا هاروح أتصل بالإسعاف."
فيمسكها (عماد) بضعف من يدها ويقول بضعف:
"أوعى تمشي وتسبيني... أموت لوحدي... أنا خايف... أنا خايف."
فقالت محاولة طمأنته:
"ما تخافش، أنا هأجري بسرعة وهاجي أجيب أي حد يساعدني. أرجوك استحمل."
أما عماد، فقد اشتد النزيف عليه، فبدأ يغيب عن الوعي، إلا أنه يغمغم بعبارات غير مفهومة.
لتسرع ياسمين تجري وتصرخ بشدة:
"إلحقوني! إلحقوني! الراجل بيموت."
فيسمعها الناس، ليقترب حشد من الناس منها ليروا فتاة في حالة ذعر، كأنها خارجة من قبر، ملابسها غارقة بالدماء، تبكي وتصرخ وتشير ناحية المنطقة الخالية.
بعد نصف ساعة، كان المكان ممتلئًا بسيارات الإسعاف والشرطة. لتفقد وعيها عندما أخبرهم الطبيب أن الرجل قد فارق الحياة. وبعد فترة، حاول الطبيب إفاقتها، لتصرخ وتبكي بهستيريا وتقول بدون وعي:
"أنا اللي موتُّه، أنا السبب في موتك، أنا السبب."
كانت تهذي بسبب الصدمة، لكن رجال الشرطة لا يعترفون بشيء اسمه انهيار عصبي أو صدمة أو هذيان، فما قالته هو اعتراف كامل بدون أي ضغوط. كما أن ملابسها غارقة في الدماء، فالقضية بالنسبة إليهم.
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الثالث 3 - بقلم حياة محمد الجدوى
الساعة تخطت الثانية بعد منتصف الليل والقلق قد استبد بحبيبه. ياسمين لا تتأخر في العمل حتى هذا الوقت أبداً، لذا خرجت مسرعة من البيت تبحث عن بنتها. حتى وصلت إلى المطعم، فوجئت بالعمال ينظفون المكان استعداداً لغلقه، وهذا ما جعل قلبها يخفق برعب شديد على بنتها.
فسألت عن حسن ليخبرها العمال أنه رحل من أكثر من ساعة، فتوجهت مسرعة إلى بيت حسن.
وبيد مرتعشة ضغطت على الجرس ليفتح لها حسن الباب ويتفاجأ برؤية الخالة حبيبه تبكي. فظن أن عمه سعد زاد عليه المرض ويحتاج إلى دخول المستشفى. لكنه صدم عندما سألته:
"بنتي فين يا أستاذ حسن؟"
فقال بدهشة:
"إنتي بتسألي عن ياسمين؟ هيا لسه ما روحتش؟"
الخالة روحية:
"لا لسه ما جتش، هيا فين؟"
فيقول حسن بقلق:
"المفروض تكون في البيت من ساعتين أو أكثر. أنا طلبت منها توصل الفلوس للمعلم..."
"يا خبر أسود."
فترتجف الأم من شدة الخوف:
"فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ بنتي حصل لها حاجة؟ أنا كان قلبي حاسس طول اليوم مقبوض وبيوجعني، طمنّي يابني أبوس إيدك."
فتقول الخالة روحية:
"ما تخافيش يا حبيبه، هاتبقى بخير إن شاء الله."
فيجرى حسن إلى الهاتف ويتصل بالمعلم قدري، الذي أخبره أنها خرجت منذ أكثر من ساعتين بعد أن أوصلت المبلغ كاملاً.
ليصمت المعلم قليلا ثم أخبره أنه سمع بعد خروجها بقليل أصوات الشرطة والإسعاف. يبدو أن هناك مشاجرة كبيرة، لذا فمن الأفضل أن يذهب إلى قسم الشرطة ويسأل عنها.
فأخذ حسن الخالة حبيبه واتجه إلى قسم الشرطة، وقلوبهم تقول ربنا يستر.
في الحجز الاحتياطي تجلس ياسمين على الأرض بشعر مغبر ودموع متحجرة في مقلتيها. أما ملابسها فتفوح منها رائحة الدماء المقززة، حتى أن المسجونات شعرن بالقرف والتقزز منها ومن شكلها، فقد كانت كمن خرجت من قبر.
لم تتحرك من مكانها حتى عندما سمعت صوت قريب من القلب ينادي عليها، صوت أمها. ثم بعدها سمعت صوت الأستاذ حسن يستفسر عن سبب حبسها، لتسمع صرخة أمها، ليليها أصوات تتداخل مع بعضها، لتسمع من يقول:
"كوبايه ميه، الست داخت ووقعت على الأرض."
بالرغم من ذلك لم تتحرك من مكانها، بل لم تغير من جلستها على الأرض، إلا أن خطين من الدموع انحدرا من مقلتيها المتعبتين.
***
أما في الناحية الأخرى، فقد دخل أحمد بيته مسرعاً ليسأل عن أمه. فتخبره الخادمة أنها خرجت بعده بعشر دقائق، فهي مدعوة لحفل زفاف ابن الوزير.
فشعر بالأسى، فأمه كعادتها تركته من أجل واجهتها الاجتماعية. لكنه لن ينتظر، فالوقت ضيق، وكل لحظة تمر فيها خطورة عليه. فأسرع بحجز تذكرتين سفر لأمريكا له ولأمه. فلم يجد إلا رحلة متجهة إلى المكسيك ومن المكسيك إلى نيويورك بأمريكا، فوافق عليها. ثم أعطى كل الخدم والعاملين بالقصر إجازة مفتوحة، ليخرج الجميع من القصر. ليسرع بالتخلص من ملابسه وحرقها. بعد ذلك أسرع بتجهيز حقيبة ملابسه وملابس أمه، وجمع كل ما له قيمة له ولأمه.
بعد فترة دخلت أمنية هانم القصر، فوجدته خالياً ومظلماً، لتطلق صرخة عالية حينما رأتـه جالساً في الظلام، ليسرع إليها.
ليطمئنها.
ثم يخبرها بضرورة السفر وأن رحلتهم بعد ساعة، لتصعد لغرفتها لتستعد للسفر.
في الساعة الرابعة فجراً، تعلن الإذاعة الداخلية لمطار القاهرة عن انطلاق رحلتها المتجهة إلى المكسيك. بوجود بين المسافرين رجل ترك خلفه قصراً مظلماً وشركات مفلسة وضحية بريئة ستدفع ثمن أخطائه.
***
في الصباح، أمر المحقق بإحضار الفتاة المتهمة بقضية القتل.
فخرجت من محبسها جسد بلا روح.
لتدخل غرفة التحقيق، فيدير وكيل النيابة وجهه ويغلق أنفه بتقزز، ليأمر بتحويلها إلى الطبيب الشرعي ليفحصها ويفحص الدماء الموجودة على ملابسها وجسدها ويحدد إن كانت لها أم للقتيل.
فوضع الشاويش القيد الحديدي (الكلبشات) في يدها وربط نفسه في الطرف الآخر، ثم سحبها وهي بلا حول ولا قوة، جسد بلا روح.
فأوقفته أمها وهي تترجاه أن تكلم بنتها وتطمئن عليها، لكنه رفض وقال:
"يا ست، أنا كده هانضر. لكن اسمعي نصيحتي، هاتى هدوم لبنتك وحصلينا على المستشفى الحكومي عشان هياخدوا الهدوم اللي عليها."
في المستشفى الحكومي، تعرضت ياسمين لكل أنواع الإهانات، فلم يكن الأمر مجرد فحص، بل كان هدر للكرامة. فقد سمعت أحقر الألفاظ وهي تتنقل بين أيدي الممرضات، حتى دخلت غرفة الطبيبة التي أمرتها بخلع ملابسها حتى ترسلها للمعمل الجنائي. وبعدها فحصتها الطبيبة فحصاً شاملاً حتى تكتب تقريرها.. عن شكل الدم في ملابسها والأماكن التي تلوثت من جسدها مثل وجهها وساقيها وذراعها، وأماكن قد تلوثت مثل مقدمة صدرها ونحرها.
ثم فتحت الطبيبة الباب وأعطت الشاويش التقرير، ثم سألته:
"مين اللي مع المتهمة؟"
فأشار الشاويش إلى أم ياسمين الجالسة على الأرض بجانب الباب.
فنادتها:
"تعالي يا أمي، ادخلي."
فقال الشاويش بصرامة:
"ممنوع يا دكتورة، مش عندي أوامر أدخل حد على المتهمة."
فتقول الطبيبة بغضب:
"أوامر إيه دي؟ فيه حاجة اسمها إنسانية، اسمها رحمة. خشي يا ست وابقي أقف أحرس الباب."
لتغلق الطبيبة الباب بقوة. فتبكي حبيبه وتقول:
"أنا بنتي بريئة، والله العظيم بنتي بريئة."
فتقول الطبيبة:
"ياست يارب تطلع بريئة. بس أنا مش وكيل نيابة، أنا دكتورة مهمتي أكشف وأكتب تقرير وبس."
ثم أشارت ناحية باب وقالت:
"ده الحمام، خدي بنتك. ونظفيها وغيري لها لبسها."
فاقتربت حبيبه لتجد ياسمين نائمة على سرير الكشف بملابسها الداخلية. فأخذتها إلى الحمام. لتخرج بعد فترة وقد اغتسلت وبدلت ملابسها، لتجلس ياسمين وظهـرها لأمها التي فرقت شعرها لثلاث مجموعات لتبدأ بجمع شعرها في ضفيرة طويلة. أما ياسمين فقد كانت مغيبة عن الدنيا، لتشعر باليد الحانية التي تسحبها لحضنها، وكأن هذا الحضن هو الشرارة التي أخرجت ياسمين من كهفها المظلم، فظلت تصرخ وتبكي بصوت عالي، وشاركتها أمها بالبكاء، حتى أن الطبيبة بكت معهم.
***
الشعب المصري فريد في نوعه وجنسه وصفاته. نملك من الطيبة والحنان قدر ما نملك من القسوة، ونوزعهما بالتساوي في موقف واحد.
فقد التف الجيران حول حبيبه ليواسوها، والكل يشهد على براءة ياسمين وحسن خلقها. حتى أن إمام الجامع دعا لها في صلاة الجمعة وردد المصلون من ورائه آمين. وجمع البعض مبلغاً من المال لمساعدة هذه العائلة، حتى الجارات اتفقن أن تتكفل كل واحدة بإرسال الطعام لهم كل يوم.
في نفس الوقت، انتشرت بينهم الشائعات حول ياسمين، ليصبحوا القاضي والجلاد في نفس الوقت لنفس الشخص. فقد انتشر أن ياسمين سرقت خمسين ألف جنيه من خزينة الحاج مرزوق. لتكبر الإشاعة بأنها تعمل بسرقة الزبائن في المطعم. لتكبر الشائعة بأنها تعمل مع عصابة لاستدراج السائحين وسرقتهم وقتلهم في الخرابة. والشرطة عثرت على جثتين لاثنين من الأجانب.
لتأخذ الشائعات منحنى أصعب، فقد انتشرت شائعة أن ياسمين ساقطة تستدرج الرجل لقضاء المتعة المحرمة في هذه الأماكن، وأنها قتلت الرجل لأنه لم يعطها أجرتها.
لتأتي واحدة تقسم أنها رأت ياسمين في إحدى العيادات النسائية، وأن الطبيبة طردتها وفضحتها لأنها لا تقوم بعمليات مشبوهة.
الكل يتحدث وكأنهم لا يعرفون عظم الخوض في أعراض الناس، ولا يعرفون عقوبة قذف المحصنات. ولو قال أحد: "حرام عليكم الكلام ده، أنتم بتخوضوا في عرضها." تسمع الإجابة النموذجية: "إحنا مالنا، دي الناس كلها بتتكلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
وهكذا أصبحت أعراض الناس وسيلة للترفيه وفاكهة المجالس، ولأنهم فقراء ضعاف لا يملكون القوة للدفاع عن أنفسهم.
فحبيبة تسمع قذف الناس بعرض ابنتها، فتقتلها الدموع ولا تملك إلا الدعاء.
أما محمد، فتوقف عن الذهاب إلى المدرسة بسبب معايرة الأولاد له، فيسبهم مرة ويتعارك معهم مرات.
وكعادتنا أيضاً، بعد مرور الوقت برد حماس الناس وتخلى الجميع عنها، وخاصة بعد انتشار الإشاعات، فأصبحت ياسمين شبهة يتنصل عنها الجميع.
فتوقفت الجارات عن إرسال الطعام، وتوقف إمام المسجد عن الدعاء لها بعد الصلاة.
أما حبيبه، فقد انشطر قلبها إلى نصفين. نصف مع زوجها الذي يحتاج إلى رعاية خاصة، فبسبب حالته أخفت عليه وضع ياسمين وبررت غيابها أنها في معسكر تابع للجامعة. أما نصفها الآخر مع ابنتها المسكينة.
أما ياسمين، فبعد عودتها من المستشفى، فقد تم استدعاؤها للتحقيق ولمدة ثلاث ساعات متتالية، انتهى بصراخها وانهيارها.
وتكرر التحقيق معها مدة أسبوع كامل، وانتهى بنفس النهاية. فعقلها رافض أن يستوعب كل ما مرت به، ونتج عن ذلك عدم تذكرها لمعظم الأحداث. فهي للأسف لا تذكر إلا أنها تسير في طريق مظلم، وفجأة شعرت بمن يسحب ملابسها وصوت يترجاها. أما باقي الأحداث فلا تذكرها.
فأضطر وكيل النيابة مد فترة الحبس مع إرسال من يتحرى عنها في المنطقة لمعرفة حالتها وظروفها الاجتماعية، وبالتأكيد سيتحرى عن سمعتها.
بعد أسبوع، خرج للنور التقرير الخاص بالطب الشرعي والمعمل الجنائي، لتُوجه النيابة رسمياً تهمة القتل العمد لياسمين.
في حين كانت أمها بالخارج تحلم بخبر البراءة، لكنها صدمت بالشاويش يقول لها:
"شوفي محامي لبنتك، البنت تهمتها خطيرة وآخرها حبل المشنقة، فالـحقي ببنتك."
لم تتمالك الأم من الصراخ والصراخ والاستجداء بالناس، ولكن الكل مشغول بحاله.
أما الأستاذ حسن، فعندما علم بالتهمة الموجهة لياسمين وما انتشر من اتهامات مست شرفها، فما كان منه إلا أن أخرج رزمة بألف جنيه ووضعها في يد أم ياسمين، ثم طلب منها أن تبتعد عنه هي وابنتها ويكفيهم ما مس المحل بسببهم، وتركها لتظلم الدنيا من حولهم أكثر وأكثر.
***
سائر في أروقة القسم، وهو ممسك ببعض الأوراق لا يصدق ما آل عليه الحال. فبعد أن ترك المحامي الشهير الذي يعمل معه وقرر فتح مكتب خاص به، ظاناً أن القضايا ستنهال عليه ليصبح من أشهر المحامين في البلد. لكن ما حدث غير ذلك.
فلم تصله أي قضية حتى الآن، ستة أشهر كاملة لم يصله فيها أي قضية، وكأن العالم يعيش في سلام ومحبة.
وها هو يسير في القسم لينهي بعض الأوراق لأحد المحلات مقابل خمسين جنيهاً. ابتسم بسخرية على حاله، ويحمد الله أنه فتح مكتبه في شقته الصغيرة، فهو عاجز عن دفع الإيجار أو حتى دفع راتب السكرتير.
بعد أن أنهى معاملته، سمع بكاء هستيري وصوت امرأة تستجير بالله، وقد اجتمع حولها عدد من الموجودين بالقسم. فسأل الموظف عنها، فقال الموظف:
"دي يا أستاذ عبدالله واحدة بنتها محبوسة في جريمة قتل، والنهار ده هتترحل للحجز الاحتياطي حتى موعد محاكمتها."
فشعر بالأسى على هذه الأم، والضيق من هذه الفتاة المستهترة. ويدفعه الفضول، أقترب، فسمع الأم تبكي وتقول:
"البنت هتروح مني ومافيش حد في قلبه رحمة يعطف علينا. البت في الحبس وأبوها هيروح مني، أعمل إيه بس يا ربي."
فسألها أحد العساكر:
"ليه ما شفتيش محامي لبنتك يا حاجة؟"
حبيبه:
"ما فيش حد راضي يساعدنا. وكل واحد عاوز عشرة آلاف جنيه قبل ما أستلم القضية، أجيبهم منين يابني."
فابتسم عبدالله بسخرية، فما قالته المرأة حقيقي، فكل محامي يحتاج على الأقل خمسة آلاف جنيه تحت الحساب. وقبل أن يغادر، ناداه الموظف:
"يا متر عبدالله، أنا خلصت لك الأوراق."
فارتفعت عيون المرأة إليه، ليلمح في عيونها نظرة متوهجة بالأمل للحظة. وفي اللحظة التالية، كانت أم ياسمين عند قدميه تتوسل إليه وتقول:
"إلحق بنتي وأنا أخدمك طول عمري."
فينحني عبدالله ليوقف هذه المرأة على قدميها ويقول:
"أستغفر الله يا أمي، ما يصحش ده."
فاستمرت أم ياسمين في توسلها بدون كلل، حتى شعر عبدالله بالخجل منها، فقال:
"خلاص، هاتى ملف القضية وأنا ها شوف..."
قبل أن يكمل، كانت حبيبه (أم ياسمين) تسحبه معها إلى غرفة وكيل النيابة، ليقف أمام وكيل النيابة، ليكتشف أنها لم تجهز أي أوراق للقضية.
طلب من وكيل النيابة رؤية المتهمة. ليرى ابتسامة ساخرة من وكيل النيابة، قبل أن يعطيه الإذن بنصف ساعة فقط.
في المكتب، جلس عبدالله ينتظر المتهمة، وفي عقله صور سيئة عنها. لكنه عاهد الله أن يساعدها قدر المال الذي سيأخذه من أمها، ثم يترك القضية.
ليفتح الباب ويدخل العسكري وهو يجر فتاة، ما أن وقفت أمامه حتى ارتـعش كيان عبدالله كله. فأمامه شابة صغيرة تكاد تكون طفلة، بعيون زرقاء مليئة بالدموع، وجسد ضئيل يرتعش.
ما رآه نسف كل ما كان في مخيلته. وقبل أن يتحدث معها، وجدها تقول بصوت خائف مرتعش:
"والله العظيم أنا ما قتلت حد، والله العظيم أنا بريئة، والله بريئة. والله أنا ما قتلت حد."
أفقدته كلماتها الخائفة القدرة على الكلام، فقد كانت صادقة لدرجة شديدة. وأشعلت بداخله رغبة عجيبة أن يضمها إلى صدره حتى يوقف ارتجافها. فبدون شعور، مسك يدها الباردة وقال:
"آنا مصدقك، بس عايز أعرف إيه اللي حصل بالظبط."
لم تعرف لما توقفت الدموع في عينيها، وهي تقول:
"مش فاكرة، والله العظيم مش فاكرة. إلا إني كنت في مشوار عند المعلم قدري وأنا مروحة، الدنيا كانت ضلمة قوي، بس مش فاكرة حاجة، والله العظيم ما فاكرة حاجة تاني." وأجهشت في البكاء.
فابتسم لها ابتسامة مطمئنة ليهدئ من روعها مع وعد بالمساعدة.
وفي نفس الوقت، دخل عليهم الشاويش يحمل نسخة من أوراق القضية، ففتحه عبدالله بدافع الفضول، ولكنه صعق ودارت الدنيا من حوله عندما قرأ اسم القتيل.
***
في الغرفة المجاورة، جلس المحقق المسؤول عن القضية وهو مبتسم، يرتشف من قهوته يتلذذ، ويضيف إلى متعته بعض أنفاس سيجارته.
فما حققه اليوم يعد إنجازاً. فقد أنهى القضية في وقت قياسي، وسيسهل الأمر هذا المحامي، فهو قليل الخبرة ومبتدأ.
لم يمنع ابتسامته وهو يتوقع ترقية أو حتى مكافأة استثنائية، فالقضية منتهية. فتقرير الطبيب الشرعي أوضح أن البصمة الكاملة على السكين هي بصمة المتهمة. لكن المحقق أخفى أن هناك بصمات أخرى مجهولة، ومنها بصمة القتيل نفسه. كما همش أيضاً أن المكان الذي وجدوا فيه القتيل لم يكن الموقع الأساسي للجريمة، وأن الطب الشرعي والجنائي تتبعوا مسار الدم حتى وصلوا إلى عمارة تحت الإنشاء يمتلكها القتيل. كما همش وجود آثار لمعركة.
كما تعمد تشكيك المعلم قدري في موعد خروج المتهمة من عنده، وكتب ميعاد مختلف، لأن المدة التي ذكرها المعلم قدري لا تكفي للقيام بالجريمة.
كما أكد وبشدة اعترافها في مسرح الجريمة أنها السبب في موت القتيل. كما أصر على أن يشهد كل الموجودين في مكان الجريمة على اعترافها والتأكيد بأنها اعترفت بدون أي ضغط أو إكراه.
كما أبرز وأكد ما قاله الجيران عن سوء سمعة الفتاة، وهو يعلم جيداً كمية الشائعات التي تنتشر بعد كل جريمة، لتصبح الصورة النهائية مجرد ساقطة سيئة السمعة تستدرج الرجال من أجل المتعة المحرمة، ولما اختلفت معه في أجرتها قتلته.
***
بعد ثلاثة أشهر.
جالس في مكتبه وقد افترش أمامه أوراق القضية، والخوف مسيطر عليه. فالقضية كبيرة وصعبة، لا ينكر، والخوف أن يخسرها فيكون السبب في هلاك ياسمين.
هو واثق في براءتها بنسبة مائة في المائة، حتى قبل أن يدرس القضية. فبمجرد أن قرأ اسم القتيل (عماد الهادي) المحامي، لم يصدق أن تكون نهاية عماد الهادي أسطورة القانون، الحلم الأول لكل محامي أن يكون مثله. كل طالب يتمنى أن يتدرب تحت يديه، يأخذ من خبرته ويشرب سر الصناعة منه، ويبني اسماً كاسمه. فعماد هو الوحيد القادر على قتل القتيل والسير في جنازته بدم بارد، بل ويطالب من أهل القتيل التعويض. لا يعرف الرحمة، لا يعرف العدالة والحق، لا يعرف إلا المال.
لكن ما فائدة المال وقد قتلته فتاة صغيرة.
لكن لا مستحيل في ياسمين، ضئيلة وضعيفة، كيف تقتله بدون أي مقاومة من عماد، وخاصة أنه عملاق بالنسبة لياسمين، فهو ضخم جداً وممتلئ وقوي البنيان، حتى ولو كانت تمسك السكين، فمعروف عن عماد مهارته الشديدة في قتال الشوارع، فهو قادر أن يقسمها نصفين بيديه العاريتين.
فكيف تقتله ياسمين بدون أي خدش في جسدها، وهذا ما أكده الطب الشرعي. الأمر فيه سر غريب.
آه لو وافقته هذه الفتاة، لكانت انتهت القضية. فما عليها إلا أن تدعي أن عماد خطفها وحاول الاعتداء عليها، وأنها قتلته للدفاع عن شرفها، لأخذت براءة فوراً، وخاصة أن معظم المنطقة ملك لعماد الهادي، أي أنه خطفها في أملاكه. وما سيساعد أيضاً أنها لم تدلِ بأقوالها عما تذكرته، لكنها رفضت وأصرت أنها لن تتهم هذا الرجل بهذه التهمة البشعة، فهو بريء منها، وهو بين يدي الله الآن.
مسكينة، لا تعلم من هو عماد الهادي. فلو كان حياً وطلب منه الدفاع عنها، لكان هذا الاتهام هو أول أفكاره، وتليها أفكار أخرى تنتهي بالبراءة الأكيدة مع التعويض.
لكن ياسمين محقة، فلن أدنس سمعتها بهذه الوصمة، يكفيها ما نالها.
***
خرجت حبيبه مسرعة من البيت، فقد اقتربت جلسة محاكمة ياسمين، تاركة أبنائها يرعون أباهم. ولأنهم أطفال، فقد انشغلوا باللعب ونسوا طلب أمهم ألا يزور أحد أباهم. فقد شغلهم اللعب ولم ينتبهوا للضيف الكريم، صابر الحلاق، الذي دخل ليطمئن على عم سعيد، وبالمرة يسأله عن القضية. ولم يعلم أنه سيذبح عم سعيد.
فقد سمع أهل الحارة صوت صرخات عالية تأتي من السطح، ليجتمع الجيران وهم يشاهدون عم سعيد وهو يصرخ ويقول:
"هاتولي بنتي، أنا عاوز بنتي. كان قلبي حاسس، بيقولوا ليا في معسكر وأنا قلبي كان حاسس إنها في مصيبة."
فحاول البعض تهدئته:
"وحد الله يا عم سعيد، بنتك إن شاء الله هتخرج براءة."
لكنه كان كالأسد الذبيح، يحرك يديه في كل مكان ويتلفت بوجهه في كل اتجاه. أما عينيه غير المبصرة، فقد كانت تفيض بالدموع على ابنته وعلى عجزه.
نظر الجميع باللوم لصابر، الذي قال:
"وأنا مالي؟ إيه عرفني إنهم مخبيين على الراجل فضايح بنته." ليهيج سعيد أكثر ويدفع بنفسه من على السرير ليسقط على الأرض وهو يصرخ وينادي على حبيبه زوجته وياسمين ابنته. وكلما اقترب منه أحد ليساعده، دفعه بيديه، ليزحف بيديه ويجر جسده ليحاول فتح الباب وهو يقول:
"أنا اللي هجيب بنتي... أنا اللي هاحميها من الناس كلها... بنتي مش بتعمل فضايح... كتر خيركم كلكم."
ليؤلمه جسده المتعب، فالمجهود والحركة ممنوعة عليه، لينهار جسده ويقول: "يارب"، ليفقد الوعي ويسرع الناس باستدعاء الإسعاف. فتدخل حبيبه الحارة لتجد أبناءها يبكون بانهيار ورجال الإسعاف يحملون جسد زوجها للمستشفى، وتدور الدنيا من حولها.
***
بعد فترة، وفي المحكمة.
وقفت ياسمين في قفص الاتهام بعيون زائفة. لم تهتم لوكيل النيابة الذي وقف يتحدث عن القضية واتهمها بأسوأ الاتهامات، ولا بوصفه لها بالفجر وسوء الخلق، وهو يؤكد اعترافها بالقتل بدون أي ضغوط، فهي اعترفت بنفسها. كما أكد الشهود اعترافها. لم تنتبه لنص القانون ولا لطلبه بتطبيق أقصى عقوبة وهي الإعدام شنقاً بسبب القتل العمد.
فعيونها كانت تدور بين وجوه الناس. لم تبحث عن حسن، ولا حتى عم مرزوق والده، أو حتى زملاؤها في العمل. فهي لا تتذكرهم، لأن الأهم الآن أمها، أين هي؟
لم ترها منذ وقت طويل، منذ أكثر من أربعة أشهر كاملة. قلبها يؤلمها بشدة.
كانت تجيب على أسئلة القاضي وممثل الادعاء بصوت مرتجف، لا يقويها إلا عيون عبدالله الحانية ونظراته المشجعة لها، حتى تذكر أدق التفاصيل. وتحكي كل شيء للقاضي.
في الجلسة التالية، عادت عيونها تبحث عن أمها بخوف أشد، فأمها لن تغيب عنها إلا لسبب قوي. لم تركز بدفاع عبدالله المستميت عنها، وهو يشكك في شهادة الشهود ويؤكد أنها لم تكن في وعيها عندما اعترفت.
جرحتها نبرة الفخر وهو ينفي عنها صفة الانحلال والفجور، وهو يرفع بفخر شهادة الطبيب الشرعي الذي أكد أنها لا تزال عذراء. هل شرفها يحتاج إلى شهادة؟ هل لأخلاقها أوراق رسمية مختومة؟ ما عرضه ليس براءتها، ولكنه تدنيس لبراءتها.
لكن ليقول ما يريد.
فكل ما تحتاج إليه هو أمها. هل هذا مطلب صعب لهذه الدرجة؟
أما عبدالله، فما زال في دفاعه المستميت عنها، مؤكداً وجود بصمات مجهولة، وأن هناك دليل قوي. فالسكين ملك للقتيل. والدليل الأقوى أنها من استنجدت بالناس حتى ينقذوا الضحية، فكيف تقتله وتحاول إنقاذه.
أما هي، فاختفت الأصوات من حولها، إلا صوت يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله. البت مات أبوها وأمها وإخوتها ضايعين." ويتزامن ما سمعته مع صوت القاضي الذي يعلن الحكم النهائي على المتهمة ياسمين سعيد بالحبس لمدة عشر سنوات بتهمة القتل الخطأ.
لتغلق القضية وتسقط ياسمين مغشياً عليها.
***
قالوا أن أيام السجن كلها متشابهة، فالنهار واحد والليل واحد. لكن السجين لا يتذكر إلا يومان هما الأطول في حياته: أول يوم حبس، واليوم الأخير قبل الإفراج.
أما ياسمين، فأول يوم كان الأصعب على الإطلاق. ففي هذا اليوم خسرت القضية وخسرت حريتها وخسرت عائلتها، ومات أبوها وحبست ظلماً. وما أطول ليل المظلومين. فكانت كالجثة الهامدة، تدفعها السجانات حتى وصلت لعنبرها في السجن، والذي ستقضي فيه فترة العقوبة. ولأن الضرب في الميت حرام، فقد تنازلت المسجونات عن إقامة حفلة الاستقبال الشهيرة، وتركوها. فما أن وجدت سريرها حتى انفجرت بالبكاء وظلت تنتحب وتصرخ، فلم تشعر إلا وهي تُسحب من على فراشها وتُلقى على الأرض، ويد قوية تسحبها من شعرها بقوة، وتوالت الصفعات على وجهها حتى دارت بها الدنيا، وسالت الدماء من أنفها وفمها، ثم سمعت صوت قوي خشن يقول:
"شوفي يابنت الكلب، إن سمعت لكِ نفس واحد هامسح بيكِ أرض العنبر، فهماني يا بت. يالا اتخمدي، وحسك عينك أسمعلك نفس واحد، ومن بكرة هتقومي تنضفي العنبر كله وتمسحي الحمامات، سمعاني يا روح أمك، يالا اتخمدي."
هكذا قضت ياسمين أول لياليها في السجن. ليأتيها الصباح وقد تعلمت أول درس لها في السجن، فإما أن تكوني قوية شديدة سليطة اللسان، فتصبحي من الكبار أصحاب الكلمة المسموعة، أو ضعيفة رقيقة، فتكوني من الخدم. ولأن ياسمين هشة رقيقة، فقد صنفت من الخدم، تنظف الحمامات وتمسح الأرض وتغسل الملابس.
في الماضي، كانت تقوم بنفس الأعمال، لكنها كانت ترى نظرة الامتنان من أمها وتسمع دعوات أبيها. أما الآن، لا ترى أي امتنان، ولم تسمع أي دعوات، بل شتائم وإهانات. لتعلم ثاني درس لها في السجن، فما يحدث داخل العنبر لا يخرج منه أبداً، وكل شيء بيد الريسة، فلا تنتظر من سجانة مساعدتها، ولا من مأمور السجن حمايتها.
***
لقد رحلت ياسمين. ركبت سيارة الترحيلات ورحلت بعد أن ألقت لي نظرة وداع أخيرة. لتُهيّج بداخلي نفس الرغبة الشديدة في أن أضمها إلى صدري، لكنها رحلت ورحل معها آخر أمل لي في مهنتي. كانت أول قضية، وآخر قضية. من سيوكل محامي فاشل خسر أول قضية له، وموكلته محكوم عليها بالسجن عشر سنوات كاملة.
هذا ما اعتقده عبدالله وهو يودع ياسمين. لكن المفاجأة التي حدثت له بعد عودته بيوم واحد، حينما زاره من يوكله في قضية ضرائب. وبعدها بيومين، يجد من وكله في قضية مخالفة بناء، وفي نفس اليوم تأتيه قضية الدفاع عن سائق في حادث تصادم.
ثم تأتيه المفاجأة الكبرى، عندما وكله أكثر من مائة وخمسين عاملاً في إحدى الشركات التي بيعت حسب قانون الخصخصة، وقد تم تسريحهم من العمل. ويبدو أن صاحب الشركة كان على استعداد للتفاوض، فتم الاتفاق من أول جلسة، ليحصل العمال على التعويض المناسب، ويحصل عبدالله على مبلغ مالي كبير هو نسبته في القضية، ليتحول من محامي معدم إلى محامي مشهور، وخاصة أن وكله عمال آخرين من أجل الحصول على تعويض لهم.
ولما تعمد الحديث معهم بصورة ودية واستدرجهم، وجد أن إجابة الكل تقريباً واحدة.
عندما سألهم لماذا اختاروه بالذات للدفاع عنهم، كانت الإجابة أنه أنقذ الفتاة من الإعدام المؤكد، وحول القضية من القتل العمد إلى القتل الخطأ، لتنتهي بالسجن عشر سنوات فقط.
الكل يراه رابحاً في هذه القضية، إلا هو، ليعرف أن السبب الرئيسي لتحسن وضعه هو القضية الأولى، وأن لياسمين دور كبير ومهم في حياته.
***
السجن عالم خاص بذاته، تحكمه قوانين عامة، وهو ما يطبقه مأمور السجن والحراس. أما القوانين الحقيقية التي تطبق داخل العنابر المغلقة، فهي قوانين يصدرها القوي ليطبقها الضعيف، وعلى قدر مكانتك في السجن، تضع قوانينك الخاصة.
ففي عنبر (٣١) توجد ياسمين، ضعيفة، فعليها الطاعة. وهناك (سوكه) زعيمة العنبر، وهي من تشرفت بتلقين ياسمين أول دروسها في أول ساعاتها في السجن، ولم تتركها إلا وقد امتلأ جسدها بالكدمات، وشفاهها وارمة بعد أن نزفت وسال الدم منها.
***
بعد ثمانية أشهر.
وصل الأستاذ عبدالله اتصال خاص من مأمور السجن، يطلب منه بصورة ودية زيارة ياسمين، بناءً على طلب منها.
في اليوم التالي، كان عبدالله جالساً في مكتب مدير السجن ينتظر دخول ياسمين. يعلم أنه قصر في حقها، وأنها ستلومه بشدة، فقد نسيها. ستلومه بالتأكيد على خيانته لوعده، فقد وعدها ألا يتركها أبداً، لكنه انشغل بالقضايا والموكلين، وقد نسي أن كل ما وصل إليه بسببها.
بعد دقائق، فتحت السجانه الباب لتدخل ياسمين بملابس السجن البيضاء، وتضع على رأسها شال أبيض. ليتركهم المدير. فنظر إلى وجهها مطولاً، ثم سألها:
"إيه أخبارك إيه يا ياسمين؟ عاملة إيه هنا؟"
فتقترب منه وتنزل على ركبها أمامه، وتقول بصوت باكي متوسل:
"أبوس إيدك، نفسي أشوف أمي. أنا بموت والله بموت، ومش عايزة أي حاجة غير إني أشوفها، ولو لمرة واحدة. وجميلك هيكون على راسي طول عمري، بس أشوفها ولو لمرة واحدة."
ليفوق من صدمته، ويمسكها من ذراعيها ويجلسها على الكرسي، ويقدم لها كوب ماء لتشرب وتهدأ.
ولم يتركها إلا بعد أن وعدها أنه سيأتي بأمها.
جالس في مكتبه، وأمامه بعض الأوراق والمتعلقات الشخصية، وهو يتذكر زيارته البائسة إلى الحارة، حتى يسأل عن والدة ياسمين ويطلب منها زيارة ابنتها. ليتفاجأ أن صاحب البيت طرد العائلة من الشقة البائسة بعد موت عم سعيد بأسبوع واحد.
هل تتخيل عائلة حزينة مات رجلها؟ وأرملة فقدت زوجها وابنتها في السجن، وتطرد من البيت الذي يأويهم.
إن اعتبرناه بيتاً، بل مكان متهالك، عشّة الفراخ أفضل منه. وبالرغم من ذلك، طردوا منه هي وأطفالها الصغار في الشارع.
كاد أن يجن، وهو يصرخ في صاحب البيت:
"إزاي جالك قلب ترمي عيلة كاملة في الشارع؟ مش كفاية الراجل اللي مات والبنت اللي انحبست؟ هو ما فيش في قلبك رحمة؟"
فيرد الرجل بصوت عالٍ لا يخلو من السخرية:
"سبتهم شهرين ما دفعوش الإيجار، وكفاية لحد كده، وأنا أولى بالبيت. ولو صعبانين عليك قوي وقلبك كبير، روح دور عليهم في الشوارع. ولما تلاقيهم، ابقى اصرف عليهم إنت يا حنين."
ليرد عليه عبد الله بألم:
"ياريت ألاقيهم، بس ربنا أحن عليهم منك، هو اللي هيتولاهم برحمته مادام الرحمة اتشالت من قلوب الناس."
فيقول الرجل باستخفاف:
"طيب يا بتاع الرحمة، استنى خد شوية الزبالة اللي سابوهم."
يتنهد بحزن وهو يقلب في الأوراق التي أخذها من صاحب البيت. بعض الوصفات الطبية والشهادات المرضية والفواتير وصور لشهادات الميلاد. لكنه وجد من بين الأوراق صورة عائلية.
ظل يتأمل الصورة. الكل فيها الأب بعيونه الزرقاء وشاربه الأشقر، أكيد ورثت ياسمين ملامحها من أبيها، لأن أمها ملامحها عادية بعيون سوداء وبشرة بيضاء.
ثم ينتقل بنظره إلى ياسمين. يبدو أن الصورة قديمة، لأنها كانت صغيرة تقريباً في الخامسة عشر من عمرها، ذات ملامح طفولية، تبتسم ابتسامة جميلة. أما شعرها فهو كالعادة مجموع في ضفيرة كعادتها. ترتدي فستاناً أحمر بسيطاً. وأخوها الصغير في الثامنة بملامح تشبه أمه. وأختها الصغيرة في الخامسة أو أصغر تحملها الأم على ذراعها. صورة ظريفة لعائلة بسيطة. أظنهم التقطوها في أحد الأعياد.
مسكينة ياسمين، لا أعرف كيف سأبلغها بهذه الكارثة.
***
تحتضن الصورة بكلتا يديها ودموعها تسيل في صمت. فهذا ما تعلمته في السجن: الصمت وعدم الاعتراض. ثم أمطرت الصورة بمئات من القبلات. فتنظر إلى صورة أبيها ووسامته وقوته قبل أن يهده المرض، وعيونه الجميلة قبل أن تسرق الحادثة نورهما. ثم إلى وجه أمها البشوش. وأخيها الصغير. والبرائة الشديدة في عيون أختها الذهبية وشعرها الأسود الجميل، فقد كانت مها مزيجاً لطيفاً بين أمها وأبيها.
ثم تقول بين دموعها:
"كنا صغيرين قوي في الصورة دي، كانت ماما لسه في أول حملها بآية."
فيصدم عبدالله ويسألها:
"عندك أخت تالتة؟"
فتهز رأسها وتقول مبتسمة:
"بيقولوا نسخة مصغرة مني. لكن كنت بشوفها أجمل بنت في الدنيا. وبدعي ربنا إن يكون حظها أحسن من حظي."
عبدالله:
"يا ياسمين، كل شيء بأمر الله. عارف إنك في حالة من الحزن والألم، ولكن الصور وأخبار العائلة ليست كل ما تريد أن أحدثك عنه."
ياسمين:
"هو فيه حاجة تانية؟"
عبدالله:
"طبعاً يا ياسمين، فيه دراستك ومستقبلك."
ياسمين:
"مستقبل إيه يا أستاذ عبد الله؟ أنا خلاص انتهيت."
عبدالله:
"لأ يا ياسمين، ما انتهتيش. لازم تنهي دراستك عشان نفسك وحياتك. إنت مش هتبقي في السجن طول عمرك. على العموم، أنا قدمت طلب لمدير السجن إنك تكملي دراستك هنا."
ياسمين بحماس:
"بجد ينفع إني أكمل؟ بجد؟"
عبدالله:
"أكيد، وخاصة إنك في خدمة اجتماعية، يعني دراسة نظرية. ومدير السجن وعدني إنه يساعدك في الكتب والمراجع المتوفرة في مكتبة السجن. أما الدراسة الميدانية، فا هتكون هنا في المؤسسات التابعة للسجن."
***
قالوا إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب. لكنهم لم يذكروا أن الإنصات فن وموهبة نادرة. أن تجد من يستمع إليك، يترك لك المجال بأن تخرج ما في قلبك دون احتقارك أو تهميش كلامك، دون محاولة فرض السيطرة عليك أو المقاطعة لإظهار مدى جهلك.
فن وموهبة فذة اكتشفتها ياسمين في السجن.
أعطت لكل سجينة المجال أن تتحدث. فمسموح الكلام، مسموح البكاء. وإن كان في الصراخ راحة، فمسموح الصراخ. قد أتقبل أيضاً القليل من السباب، مادامت النتيجة النهائية هي الراحة.
من يظن أن وراء هؤلاء المسجونات المتحجرات قصصاً حزينة تدمي القلب.
كانت تستمع إليهم في إطار دراستها، ولكنها تجاوزت مرحلة الدراسة، فقد نجحت في الصف الثالث بتقدير جيد، وفي الصف الرابع بتقدير جيد جداً.
لم تصدق عبدالله عندما أخبرها بالنتيجة، فقد كانت تنجح وهي راسبة في مادة أو مادتين.
الأعوام تمر، وقد تخرجت من الجامعة وحصلت على شهادة التخرج. وفرحت جداً عندما لم يذكر السجن في شهادتها، فقد حرص مدير السجن بلمسة إنسانية ألا يذكر السجن إلا كمؤسسة تدريب فقط، حتى يعطي لها الفرصة الحقيقية في العمل والبدء من جديد.
بالرغم من انتهاء دراستها، إلا أنها ظلت تعمل كأخصائية اجتماعية ومساعدة أطفال المسجونات في دور الحضانة التابعة للسجن. وهذا من حسن حظها، فقد توقفت المسجونات من مضايقتها، بل وأحببنها.
ومن حسن حظها أنها تبقى في هذه المؤسسات طول اليوم، فلا تدخل العنبر إلا للنوم، ولا تلتقي بالمسجونات إلا في حصص الطعام، أو يأتون إليها ليتحدثوا وهي تسمع لهن.
ابتسمت بسخرية عند ذكر أغرب من زارتها في عملها، أكيد (سوكه الجبارة)، كما يطلق عليها. من يصدق أن هذه المتوحشة المحكوم عليها بالمؤبد وأكثر، امرأة أهانتها وضربتها ودائماً ما تترك علامات زرقاء في وجهها.
هذه الجبارة يكون في حياتها جانب حزين مؤلم. فقد سجنت في قضية اتجار بالمخدرات، وقضت حتى الآن سبع سنوات كاملة.
فقد بكت سوكه من شدة شوقها لأبنائها الستة، فآخر مرة زاروها من حوالي أربعة أعوام. وتحدثت عن الفقر واليتم، وعن الليالي التي قضتها تعتصر من شدة الجوع، قبل أن يصطادها أحد المروجين ليغريها بالمال والطعام، لتصبح مروجة معه، ثم تتزوجه بعد فترة، لتصبح تاجرة ومروجة لهذا السم.
استمعت لها ياسمين بانتباه، ولم تمنع دموعها من النزول وهي تسمع من سوكه مقدار اشتياقها لأبنائها. فقد اشتاقت بشدة لأمها وأخوتها. لكن بعد لحظة، تلقت صفعة قوية على وجهها كادت أن تخلع فكها من قوة الصفعة.
فقد سالت الدماء من شفاها.
فقد تحولت سوكه إلى وحش وهي تقول:
"أوعى، وحسك عينك أصعب عليكي، وإياك أشوف دموعك دي. أنا مش مسكينة محتاجة شفقتك. إنت مجرد خدامة في السجن ده، حتى لو اترقيتي، ففي النهاية إنت مجرد خدامة. كنتي بتغسلي لي لبسي وتمسحي الأرض، فاهمة."
ثم تتركها لتعود لعنبرها بكل قوة وتجبر.
ابتسمت ياسمين في أسى، فلم يزرها في السجن إلا عبدالله. هو الوحيد الذي يزورها بصورة متكررة، مرة كل شهر يأتي لها بالضروريات ويترك أموال في (كانتين) السجن.
تغير كثيراً عن أول مرة رآه فيه، فقد أصبح أنيقاً، شديد الوسامة بملامحه المصرية السمراء، وقد زادته النظارة الطبية وسامة وهيبة. هو الوحيد الباقي لها. سبحان الله، هذا الغريب يحن عليها ويزورها. أما جيرانها ومن عاشت وتربت بينهم، فلم يسأل عنها أحد منهم، حتى من ظنت أنها تحبه وبكت عليه ليالي طويلة، لم يسأل عنها أبداً. وحتى أبوه عم مرزوق أيضاً.
***
دخلت غرفة مدير السجن، فاليوم موعد الزيارة الشهرية.
ليستقبلها عبدالله كالعادة بالابتسام، لكن هذه المرة ابتسامته مختلفة جداً، كانت واسعة وعيونه لامعة بشدة، والحماس واضح في وجهه، ليقول بفرحة:
"عندي لك خبر بمليون جنيه."
ياسمين بفرحة:
"أكيد عرفت مكان أمي وإخواتي صح؟"
فتختفي ابتسامة عبدالله للحظة. "للأسف لا." لكن الابتسامة تعود وهو يقول بحماس: "خلاص يا ياسمين، هتخرجي من السجن."
فتنظر له بدهشة واضحة وتقول:
"إزاي؟ مستحيل، أنا محكوم عليا بعشر سنين، لسه كتير قوي."
فيجيبها بابتسامة:
"أصدر الوزير العفو عن ألف مسجون بمناسبة الاحتفالات بعيد التحرير، بشرط حسن السير والسلوك وأن يكون قضى ثلاثة أرباع مدة الحبس."
فتفكر قليلاً وهي تحسب، ثم تقول:
"أنا هنا من خمس سنين، لسه كتير على سبع سنين ونص مدة ثلاثة أرباع مدة الحبس."
فيجيب عليها شارحاً:
"يا ياسمين، السنة في السجن 9 شهور مش 12. مدة العشر سنوات تسعين شهر مش مائة وعشرين شهر. ولو حسبنا ثلاثة أرباع التسعين، حوالي ستة وستين شهر، يعني حوالي خمس سنوات ونصف تقريباً. وأنت اتحبستِ خمس سنوات هنا وحوالي سبع أشهر في الحبس الاحتياطي، وتم دمج المدتين، فأصبحت حوالي..."
فتقول مقاطعة:
"مش فاهمة أي حاجة."
فيضحك عبدالله:
"مش مهم، المهم إني اتأكدت إن اسمك ضمن المسجونات الحاصلات على العفو، وبمجرد الانتهاء من الإجراءات ستخرجين. يعني بعد عشرة أيام أو خمسة عشر يوم."
كانت تستمع له وهي تبكي، لكن هذه المرة كانت دموع مختلفة، كانت دموع فرح وسعادة. أخيراً هذا العذاب سينتهي.
***
في العنبر، الكل يحتفل بخبر الإفراج عن ياسمين بالغناء والرقص، وسلسلة من التوصيات من المسجونات لياسمين:
"أوعى تنسينا يا ياسمين."
"زورينا دايماً يا ياسمين."
والبعض الآخر حملها رسائل إلى أهلهم، ومنهن من طلب منها زيارة أبنائهم أو أزواجهم.
وهناك من طلب منها زيارة زوجها في سجن آخر وتعطيه رسالة خاصة.
أما ياسمين، فقد كانت تعد الكل بتلبية طلباتهم.
لم يوقفها إلا نداء من سوكه لها. فعرفت ياسمين أن سوكه ستطلب منها معرفة أخبار أولادها.
لكن ما أن اقتربت من سوكه، حتى تلقت كالعادة صفعة قوية جداً من سوكه، ربما كانت أقوى صفعاتها. وبعدها أخذت الرسائل والعناوين ومزقتهم جميعاً، ثم ترمي بالرسائل الممزقة في وجه ياسمين وقالت:
"يا مرة منك ليها، كل واحدة عايزة تبعت رسالة تبعتها عن طريق إدارة السجن. البت دي مش هتودي لحد حاجة، وإللي عايزة تعارضني تقوم توريني وشها عشان يبقى آخر يوم في عمرها."
"فهماني يا مرة منك لها."
الكل صمت وخاف.
ثم وجهت كلامها لياسمين:
"إحنا مش أهلك وإنتي عمرك ما كنتي واحدة مننا. إنتي مجرد خدامة هنا، أوعى تنسي ده. بس انسـينا، اخرجـي من هنا وابعدي، دوري على أمك وعيشي خدامة تحت رجليها، ولو جالك واحد (بيمسح الجزم) اتجوزيه وبوسي إيديه كل يوم إنه اتستر على واحدة زيك. رد سجون."
"سمعانى."
فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب.
فتكمل سوكه بتهديد:
"ولو عرفت بس إنك عتبتي باب قسم أو قضيتي يوم واحد في السجن تاني، هجيبك وساعتها مش هرحمك، فهماني يا بت."
فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب.
فتتركها سوكه وتوجه حديثها للكل:
"يالا اتخمدي منك لها، ومش عايزة أسمع حس أي واحدة فيكوا."
وهكذا أنهت ياسمين آخر يوم في السجن كما بدأته، مضروبة بوجه وارم وكدمة زرقاء على خدها.
***
اقتربت إحدى المسجونات منها وقالت بهمس:
"أنا عارفة إنك لسه صاحية. ليه عملتي معاها كده؟ أنا عارفة إنك بتحبيها. ليه بتقسي عليها وتخليها تكرهك؟"
فاعتدلت سوكه ونظرت في عيون صاحبتها وقالت بصدق:
"مش عاوزاها تتعلق بنا. لو ما عملت كدا كانت هتضيع. إنت مش عارفه نوايا كل واحدة من المسجونات حوالينا. لو سبتها لهم كانوا ضيعوها من زمان. كنت بضربها وجعلتها خدامة هنا، لكن كانت عيني عليها طول الوقت. دي طيبة وعلى نياتها ومش لها حد، وبتوع المخدرات وبتوع الآداب يحبوا النوع ده، سهل يورطوها وسهل ياخدوها في سكنهم. لكن طول ما هي تبعي كانوا بيخافوا يقربوا منها."
فتكمل زميلتها:
"عشان كده طلبتي من مدير السجن إنها تستمر في عملها مع أولاد المسجونات عشان يقل احتكاكها بيهم؟"
فترد سوكه:
"أنا حميتها هنا وانتهى دوري خلاص. لكن بره السجن، هيا حرة، تحافظ على نفسها أو حتى تضيع."
فتسألها زميلتها:
"طيب ليه مش بتحكي ليها كل ده؟ ليه سبتيها تكرهك؟"
فتستلقي سوكه على فراشها وتقول منهية الحديث:
"ده اللي أنا عاوزاه، تكره كل حاجة هنا عشان ما تفكرش ترجع تاني، لا زائرة ولا مسجونة."
بعد عشرين يوم من العذاب قضتهم ياسمين في حجز القسم التابع لها حتى تتم إجراءات الإفراج عنها، لتخرج أخيراً من القسم مع رفيقها الذي لم يتركها. هو طبعاً الأستاذ عبدالله المحامي، بالتأكيد.
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الرابع 4 - بقلم حياة محمد الجدوى
في أحد الشقق الراقية في حي راقٍ، وقفت شابة في التاسعة والعشرين من عمرها، جميلة جمالاً راقياً، بشعر وعيون بلون القهوة وبشرة بيضاء رائعة. كانت في المطبخ تحضر وجبة الغداء، وعلى وجهها كل علامات الضيق والغضب، فقد أخبرها زوجها العزيز بأنه سيحضر معه "ياسمينته" العزيزة لتناول الغداء في بيتها.
لا تعرف كيف يفكر زوجها؟ فهو لم يكتفِ بزيارته لها كل شهر في السجن، أو بالمال الذي يضعه لها في السجن، ليزيد الأمر بدعوتها لتناول الطعام في بيتها. تشعر بضيق شديد وبغضب أشد، فمن أجل رد السجون اضطرت أن تغيب عن عملها كطبيبة في المستشفى، واضطرت لتجهيز الطعام لها.
نعم، تشعر بالغضب والقليل من الغيرة، فاسم ياسمين لم ينقطع من بيتها أبداً منذ أن خطبها عبدالله، وقصته الأسطورية عن لقائه بأم ياسمين، وعن القضية الخاسرة التي كانت سبب شهرته وانتقاله من صف المحامين المجهولين إلى محامٍ معروف ومشهور.
"لماذا ياسمين؟ لماذا؟ فأنا زوجته، حبيبته، أنا من يجب أن يقترن اسمي باسمه في قصة كفاحه، لا ياسمين." كدت أموت عندما أراد أن يسمي طفلتي بياسمين، ولم أرتح إلا عندما تأكدت من تسميتها (هنا).
نعم، عبدالله طيب وحنون وزوج رائع في كل شيء إلا ما يخص ياسمين. حتى عندما شكوت لأمي، كانت في صفي، لكن بعد جلوسها مع عبدالله، طلبت مني أن أتعايش مع زوجي وأتقبل وجود ياسمين في حياتنا، فقصه ياسمين تتشابه مع قصة عبدالله.
فبعد انفصال والديه وزواج كل منهما وانشغالهما عنه، وجد نفسه وحيدًا، منبوذاً من أهله، اضطر أن يعمل ليكسب لقمة عيشه، وكان من السهل عليه أن يضيع، لكنه حاول واجتهد حتى تخرج من الجامعة، لكنه عاش حياته وحيدًا، لم يعرف معنى الأهل أو العائلة. مثل ياسمين، فهي وحيدة بلا أهل وبلا عائلة، وهذا ما حرك بداخله رغبة قوية في حمايتها.
تأخر الوقت وأذنت العشاء، ولم يأتِ عبدالله حتى الآن. لقد برد الطعام ونامت هنا، والقلق سيقتلني. أتمنى أن يأتي مع هذه الفتاة لتتناول الطعام ثم ترحل عن حياتنا إلى الأبد.
بعد لحظات، سمعت صوت الباب يفتح، ليدخل عبدالله وهو يرحب بياسمين ويقول بسعادة:
"سلمي يا سارة على ياسمين."
نظرة متفحصة شاملة من عين سارة إلى ياسمين من البداية. جسدها نحيل وطويلة، لكن جسمي أحلى من جسمها. ثم شعر ذهبي طويل جداً، مجموع كضفيرة طويلة تصل إلى خصرها، لكن شعري أحلى من شعرها. وجه بريء خالٍ من أي مساحيق تجميل، وملامح هادئة لا تتناسب مع فتاة قضت أكثر من خمس سنوات في السجن، لكنني أيضاً أجمل منها. لكن عيونها، واه من عيونها الزرقاء، فيها نظرة حزن عميقة مختلطة بخوف، خليط مثالي يفجر داخل كل من يراها الرغبة الشديدة في الحماية. غلبتني نظرة عيونها، فقد أعطت عبدالله ما لم أعطه له. فقد عشت حياتي لي، استقلالي ولي كياني الخاص، حتى عبدالله كنت له كـ "ند".
نبهها من سرحانها صوت عبدالله وهو يعرفها على ياسمين:
"دي سارة مراتي يا ياسمين."
فاقتربت ياسمين بسعادة من سارة لتعانقها، لكن وقفتها يد سارة التي سلمت على ياسمين ببرود وجفاء، ولم تهتم لنظرة اللوم في عيون عبدالله. ويبدو أن ياسمين كانت متعبة، فلم تنتبه لأسلوب سارة لتقول بسعادة:
"الدكتورة سارة أجمل بكتير من الصورة، وحتى بيتكم أجمل بكتير من وصفك يا أستاذ عبدالله."
فتشعر سارة بغضب أشد. لقد أراها صورتي وعرفها على بيتي، فماذا تبقى أن يحكي لها خصوصياتي وأسراري؟ لتنتبه لعبد الله وهو يحمل طفلته ذات العامين ويقدمها لياسمين. لتحملها ياسمين وتقبلها بعمق، ولم تمنع دموعها من النزول، لتتفاجأ بسارة تسحب هنا من يدي ياسمين بعنف، ولم تهتم بغضب عبدالله الذي سحبها لغرفتهم الخاصة، تاركًا ياسمين مع طفلته في الصالة.
"ممكن أعرف إيه اللي بتعمليه ده يا سارة؟"
"عملت إيه؟ مش ناقص إلا رد السجون تمسك بنتي كمان، مش كفاية جايبها من السجن على بيتي، دا كتير أوي، مش قادرة أستحمله."
"مش قادرة تستحملي إيه؟ إن ضيفتي تدخل بيتي وتتعشى، دا صعب أوي عليكي لدرجة إنك تعامليها المعاملة دي؟ صعب عليكي أوي إنك ترحبى بيها، مش عاوز أكتر من كدا."
"أرحب بأي حد إلا دي، مش خايف يا أستاذ يا محامي على سمعتك؟ لما تعرف الناس إنك جايب رد السجون في بيتك وسمعتي في المستشفى، هيقول الناس عني إيه؟"
"كل اللي هامك كلام الناس، ومين هيعرفهم غيرك؟ ما أظنش ياسمين مكتوب على وشها مسجونة."
"يهمني طبعاً كلام الناس، ناسى إنك محامي وسمعتك بين الناس هي راس مالك، يا أستاذ يا محامي، هيقولوا عنا إيه."
"هيقولوا إننا بشر يا دكتورة يا إنسانه."
ثم تركها وخرج من الغرفة، ولحقته سارة ليجدوا ياسمين نائمة على الكنبة وهي تحتضن هنا الصغيرة النائمة. ليقول عبدالله:
"حتى أكلك يا سارة، ياسمين مش عاوزاه منك. تصبحي على خير يا دكتورة، ويا ريت تغطي ياسمين."
فتلتفت إليه سارة وتقول بغضب:
"عاوزني أنا أغطيها بإيدي؟"
فيرد عليها بضيق:
"وهل هتقبلي إني أنا اللي أغطيها؟"
ويتركها ويدخل غرفته. لتأخذ سارة، وهي مضطرة، مخدة لتريح رقبة ياسمين عليها، وبطانية وتغطيها، ثم تحمل ابنتها وتدخل الغرفة، فهي تعلم أن عبدالله غاضب بشدة، لكنها معذورة، فقد شعرت بغيرة شديدة من ياسمين بسبب اهتمام عبدالله المبالغ فيه. وهكذا قضت ياسمين أول ليلة لها خارج السجن، غريبة في بيت غريب.
في اليوم التالي، في الساعة الثانية ظهراً، استيقظت ياسمين مستغربة مكانها، فعقلها غير مستوعب أنها أصبحت حرة خارج السجن. وبعد لحظات، تجد الدكتورة سارة خارجة من غرفتها تحمل هنا الصغيرة، فتقول ياسمين في خجل:
"أسفة يا دكتورة، مش حسيت بنفسي ونمت."
فتقول الدكتورة سارة:
"حصل خير، فيه فطور على السفرة، افطري."
فتقول ياسمين في خجل:
"كتر خيرك، بس أنا عاوزة أصلي."
فتشير لها الدكتورة عن مكان الحمام، ثم تأتي بسجادة الصلاة وتفرشها. فتخرج ياسمين من حقيبتها حجاب فترتديه على ملابسها، وتبدأ في صلاة كل ما فاتها من فروض.
ويدخل عبدالله فيرى ياسمين وقد أنهت صلاتها، فيقول بلطف:
"حرما."
فتبتسم وترد:
"جمعاً إن شاء الله."
"كويس إنك صحيتي، يلا معايا."
فتقول سارة بسرعة:
"هتروحوا فين؟"
فيلتفت لها عبدالله، فتقول مبررة:
"ياسمين لسه ما فطرتش."
فيرد عبدالله:
"مش مهم، يلا يا ياسمين."
فتقوم ياسمين من مكانها وتبتسم لسارة وتقول:
"كتر خيرك يا دكتورة، وأسفة لو أزعجتك بأي شيء، عن إذنك."
ليخرجا معاً، تاركين سارة تحترق من الغيظ.
في السيارة، تقول ياسمين:
"كتر خيرك يا أستاذ عبدالله، سبني في الحارة وجزاك الله كل خير."
فيقول عبدالله:
"مستحيل أسيبك هناك، انتي مسؤولة مني."
"مش عاوزة أسبب لك أي مشاكل."
"ما فيش أي مشاكل، انتي واثقة فيا."
"أكيد، ربنا يعلم أد إيه."
"يبقى تسمعي كلامي."
"إحنا هنروح فين؟"
"بيتك."
"بيتي؟"
يدهشة. فتدخل السيارة أحد الحارات الشعبية وتقف أمام عمارة قديمة، لكنها بحالة جيدة جداً. لينزل عبدالله ويطلب منها النزول، ويصعد معها للطابق الثاني، ويخرج من جيبه مفتاح الشقة ويفتحها. فتدخل ياسمين في شقة صغيرة، مؤسسة بأثاث بسيط، لكنه جميل ونظيف، عبارة عن غرفتين وصالة ومطبخ وحمام.
فتقول ياسمين:
"بيت مين دا يا أستاذ عبدالله؟"
"ده كان بيتي زمان، وكمان كان مكتبي الأول. من هنا بدأت حياتي، من هنا، وفي الغرفة دي كنت مع أمك بدرس أول قضية ليا."
فتلتفت ياسمين ناحية الغرفة بشوق لأمها، وكأنها تراها.
فيكمل عبدالله:
"بعد ما ربنا فتح عليا، رفضت أبيع الشقة دي."
فتقول ياسمين:
"وأنا مستحيل آخد بيتك، إن شاء الله هبحث عن أي غرفة أعيش فيها، أما شقتك فحرام عليا آخدها."
فيقاطعها عبدالله:
"قلت لك قبل كدا، انتي مسؤولة مني، وكنت عارف إنك ترفضي تعيشي في الشقة وتقولي كلامك الفارغ ده."
ليخرج من جيبه عقد ويقدمه لها ويقول:
"ده عقد إيجار الشقة باسمك بقيمة مائتين جنيه في الشهر." (الأحداث في عام ٢٠٠٧، كانت الحياة في مصر رخيصة).
"وفي العقد أنا حصلت على إيجار مدة خمس سنوات مقدماً، يعني ده بيتك مدة خمس سنين، ومش هقبل أي نقاش في الموضوع ده. وبعد الخمس سنين هاخد منك إيجار."
ثم يخرج عدة نسخ من المفتاح وقال:
"دي كل النسخ الخاصة بالشقة حتى تتطمني، وحتى أنا مش هزورك إلا بعد ما أستأذن منك عشان أطمن عليكي. أما بالنسبة للشغل، فأنا هساعدك وهبحث معاكي عن عمل ملائم لك."
"تعالي ناكل معا، عشان هموت من الجوع."
ليضع على الطاولة لفتين كبيرتين فيهما كباب وكفتة مع السلطة الخضراء وسلطة الطحينة والخبز الساخن، ليتناولا معاً أول وجبة لهما معاً من بعد أكثر من خمس سنوات كاملة من المعرفة.
بعد أن رحل عبدالله، بدأت ياسمين تستكشف المكان. غرفة نوم جميلة باللون البيج وأثاث باللون البني وستائر بنفس اللون، ودولاب متوسط الحجم بنفس اللون، بسيطة لكنها مرتبة ونظيفة ومريحة للعين والأعصاب. وأيضاً غرفة المكتب التي تحولت لغرفة استقبال يغلب عليها اللون الرمادي مع بعض اللوحات الفنية المعلقة على الحائط. أما الصالة، ففي منتصفها طاولة وأربع كراسي للطعام. انتبهت لوجود ظرف على الطاولة، فلما فتحته وجدت بداخله خمسمائة جنيه. وورقة مكتوب فيها: "إذا احتجتي أي شيء، فأنا في الخدمة، وهذه هي أرقامي كلها."
فشكرت الله أنه أرسل لها عبدالله ليكون عوضاً لها عن فقدانها أهلها. ثم تدخل المطبخ لتجد أن عبدالله قد ملأه عن آخره بكل احتياجاتها من أرز ومكرونة وسكر وشاي وقهوة وخضروات مثل البطاطس والبصل. وفتحت الثلاجة لتجدها مليئة باللحم والدجاج والفاكهة والأجبان وعلب الحلوى.
لتقول:
"مش عارفة إزاي أجازيك عن كل اللي بتعمله معايا يا أستاذ عبدالله."
"ماما يا ماما، استني يا ماما."
مازالت ياسمين تجري بسرعة حتى وصلت إلى المرأة المرتدية عباءة سوداء وتحمل طفلة صغيرة، ولكن حينما رأتها، حتى إنهارت على الأرض تبكي بكاءً هيستيرياً دون توقف. هذا هو حال ياسمين بعد خروجها من السجن، تخرج يومياً تبحث عن أمها وإخوتها في الحارات والشوارع المجاورة لحارتهم القديمة، ولا تملك إلا الصورة القديمة لها ولأخوتها. ولما فقدت الأمل، انتقلت بالبحث في الأماكن الأبعد وتسأل كل من يمر بجوارها، ربما رأى أي أحد من أهلها. ولكن ما أن ترى امرأة تحمل طفلها حتى تتخيل أنها أمها، فتجري عليها بسعادة لتنكسر فرحتها بعد لحظات عندما ترى وجه هذه المرأة وتعلم أنها ليست أمها، لتنهار في البكاء وتعود آخر اليوم إلى الشقة ضائعة، حزينة، مشتاقة، قتلها الشوق لأهلها.
زارها عبدالله مرتين. ودعاها لتناول الغداء مع زوجته مرة.
أشعر بسعادة غامرة، فقد أخبرني الأستاذ عبدالله أنه وجد لي وظيفة جيدة، وأننا سنذهب معاً أول الأسبوع. بدأت في تجهيز الأوراق المطلوبة وشهادة التخرج وشهادة الميلاد وصور شخصية لي، وجلست أصلي وأدعو الله أن يوفقني في هذا العمل وأن يساعدني في العثور على أمي وأخواتي.
أشعر بغضب شديد من سارة. فبعد أن وجدت لياسمين عمل مناسب في مستوصف خاص لعمها، وقبل ميعادنا بساعات، يتصل بي عمها ليعتذر. أعلم أنها من طلبت منه ألا يوظفها عنده. وللأسف، تشاجرت معها شجاراً عنيفاً وكادت أن تترك البيت عندما علمت أنها ستعمل عندي في المكتب، فأصبحت في مأزق كبير، لا هي ستعمل عندي ولا عند قريبها في المستوصف.
جلست ياسمين إلى جانبي وهي متحمسة، وكل دقيقة تسألني عن الأوراق إن كانت كافية أم تحتاج إلى شيء آخر. لا أعلم كيف سأخبرها أن صاحب العمل اعتذر. فأصعب شيء في الدنيا أن تعطي أحداً الأمل ثم تسحبه منه. فعلاً صعب وقاتل.
أسير في الشوارع بلا أي هدف، عقلي متوقف عن التفكير، حتى أنني مررت بنفس الشارع خمس مرات، حتى انتبهت ياسمين، فاضطررت أن أغير اتجاهي. إلى أن ظهر أمامي هذا المبنى الضخم الأنيق، وكأن الله ألهمني، فتوقفت أمامه. فأخذت ياسمين وتوجهنا إلى الاستقبال أسأل عن صاحب الشركة، وأدعو الله في نفسي ألا يكون موجوداً حتى أعتذر لها بسبب غيابه وأعدها أن نعود مرة أخرى أو أبحث لها عن عمل غيره. لكنه كان موجوداً، بل ووافق على مقابلتي، فاضطررت أن أصعد بها إلى الطابق السادس. واستقبلتني السكرتيرة أمام المصعد حتى أدخلتني هذا المكتب الفخم الأنيق.
وأجده واقفاً يستقبلني بابتسامة:
"أخيراً الأستاذ عبدالله المحامي المشهور، أعطفت وزارني في مكتبي. أكيد النهار يوم تاريخي."
"إزيك يا أحمد، عامل إيه؟ واحشني والله."
"يا بكاش، واحشك إيه؟ دي آخر مرة شفتك كان من أكتر من خمس شهور، وعدتني إنك هتزورني وما شفتش وشك من يومها."
"مشاغل والله، لكن إنت على بالي وكل أخبارك عندي. وفرحت جداً لأخر مشروع لك، كانت القرية السياحية تجنن."
"الحمد لله يا عبد الله، ما فيش حاجة سهلة، كل شيء بيجي بتعب ومجهود."
"كان الله في العون."
"بصراحة يا أحمد، أنا كنت عايزك في طلب، أرجو إنك تنفذه لي."
"اطلب يا عبد الله، أنا تحت أمرك."
يتنحنح. عبد الله بخجل ثم يقول بصراحة:
"أنا عندي واحدة تعتبر حالة إنسانية ومحتاجة."
فيقاطعه أحمد ويقول:
"محتاجة مساعدة؟"
"لا طبعاً، أنا عايز أشغلها عندك، حتى لو أدفع لك مرتبها من جيبي كل شهر، بس المهم إنها تشتغل."
"يبقى واضح إنها مهمة قوي."
ابتسامة وغمزة من عينيه ثم قال:
"طيب، إيه مؤهلاتها؟"
"معهد خدمة اجتماعية."
"طيب، ودي أشغلها عندي إيه؟"
"أي حاجة، أي شغل."
فيضحك أحمد بصوت عالٍ ويقول:
"تهمك قوي صح؟"
"ما تفهمنيش غلط يا أحمد، دي حالة إنسانية وبس."
فيصمت أحمد قليلاً ثم يقول:
"شوف يا عبد الله، أنا هشغلها عندي في الأرشيف براتب 300 جنيه في الشهر."
فيقول عبد الله:
"بس ده راتب بسيط قوي."
فيقول أحمد:
"شوف يا عبد الله، أنا أقدر أعين طالب حاصل على الدكتوراه في نفس الوظيفة ونفس الراتب، وهيكون سعيد لأن بمجهوده واجتهاده يقدر يثبت ذاته ويترقى ويتضاعف راتبه. وأنا اديتها فرصة مجانية إنها تثبت نفسها، إما تكون قد المسؤولية أو إنها تقعد في بيتها وتنتظر الإحسان منك كل شهر، والاختيار لها."
عبد الله بإعجاب:
"مش مصدق إن أحمد بتاع البنات والسهرات هو اللي بيتكلم قدامي."
"ما فيش حاجة بتيجي الساهل، وأنا اتعلمت ودفعت التمن، تعليمي غالي قوي."
"المهم، قول للحالة الإنسانية إنها تجيب أوراقها بكرة عشان تستلم الشغل."
فيقول عبد الله:
"هي موجودة في مكتب السكرتيرة."
فيضحك أحمد ويقول:
"واضح إنك مستعجل قوي."
ثم يتحدث إلى السكرتيرة ويقول:
"خذي الآنسة اللي عندك لمكتب شؤون العاملين، واطلبي منهم يعينوها في الشركة في الأرشيف بطلب خاص مني."
فتقول له سكرتيرة:
"حاضر يا فندم."
لتاخذ ياسمين إلى مكتب شؤون العاملين.
أما أحمد، فيقول لعبد الله:
"طيب، أنا عايز مقابل إني شغلتها عندي."
فيقول عبد الله:
"عايز فلوس؟"
ويقول أحمد:
"فلوس إيه يا شحاتين؟ أنا جعان، والمقابل إنك تعزمني على الغداء."
فيقول عبد الله:
"وأنا كنت بحسبك عقلت، أثاريك لسه مجنون."
"أحمد هو أحمد، حتى لو أصبح صاحب شركة. على العموم، أنا جعان ويلا نتغدى سوا."
فيضحك أحمد، وياخذ عبد الله أحمد ويتجهوا إلى أحد المطاعم لتناول الغداء.
(ملحوظة هامة: عبدالله وأحمد كانوا أصحاب في الماضي. بدأت الصداقة بمشاجرة وعراك بينهما، ثم تطور الأمر بصورة غريبة مرة فمرة حتى تحول الشجار بالأيدي إلى مجرد تبادل الشتائم، حال معظم الشباب. وبعد ليلة قضوها في الحجز، تم الصلح بينهما، وبعد فترة أصبحوا أصحاب، ليعرف عبدالله أحمد وقت طيشه وتهوره، ويعرف أحمد عبدالله وقت وحدته وفقره.)
من يصدق أن هذا هو أحمد، نفس الشاب المستهتر الذي كاد أن يضيع أموال والده وثروته وورط نفسه في جريمة قتل. هو نفس الشاب الذي يتحدث عن العمل بكل جدية واهتمام. فبعد أن هرب إلى أمريكا، تاركاً وراءه شركة تكاد تفلس وبيت مهجور، منتظراً أن تتصل به السكرتيرة تخبره باستدعاء نيابة له أو اتهامه في جريمة قتل أو أي شيء يتعلق بالجريمة. لكن ما حدث أن مرة شهر ولم يتم استدعائه، وعندما سأل، عرف أن القضية انتهت. فعلم أن هذه علامة من الله أن يعطيه فرصة ثانية، فاستغلها وعاد إلى مصر ليبدأ حياة جديدة ويغير نفسه. فأول شيء، قاطع شلته الصايعة ودخل مصحة للعلاج من الإدمان، وبعدها تولى الشركة وعين قائمة من المستشارين العباقرة، والذي تعلم منهم كل ما يخص العمل، وبدأ بصفقات صغيرة ومشروعات محدودة، ثم تدرج بمساعدة أموال أمه المخبأة أن يكبر في عمله ويقوم بمشروعات كبيرة. أما أمنية هانم، فأصرت أن تأخذ مقابل المال نسبة من الأسهم، فرفعت نسبتها من الثمن إلى حوالي ٤٩٪، وتركت لأحمد رئاسة الإدارة، لكنها بسطت نفوذها حتى أصبحت تتحكم في أعضاء مجلس الإدارة، كما أن جواسيسها في كل مكان وتحكماتها في كل شؤون العمل خانقة، وتحكماتها القاتلة في كل قرارات أحمد. هذا باختصار حال أحمد في الست سنوات الماضية. كانت ياسمين حبيسة السجن، أما أحمد فقد كان حبيس الكوابيس والأحلام المزعجة ليلاً وتحكمات أمه نهاراً.
بدأت ياسمين العمل بالأرشيف في مكتب كبير به ثلاثة موظفين غيرها. الحاج كامل رئيس المكتب ومدام سعاد، وهما متخصصان في الأعمال الكتابية في المكتب. أما الخاص بالتوثيق على الكمبيوتر فهو تخصص سلمى، الموظفة الأصغر من ياسمين بعامين، وهي مجنونة بأمرين: أولهما الكمبيوتر، والثاني أحمد بيه صاحب الشركة. لا تترك فرصة أو مجال حتى تصعد الدور السادس، دور العظماء كما تسميه، ففيه مكتب أحمد بيه ومكاتب أعضاء مجلس الإدارة، وأيضاً مكتب المرعبة والمقصود بها الآنسة (هايدي) رئيسة العلاقات العامة بالشركة. لذلك، كان عمل ياسمين في كل أدوار ومكاتب الشركة ما عدا الدور السادس، وهذا ما ارتاحت له.
في المكتب، الكل يعرف عن الموظفة الجديدة التي تجتهد في عملها والتي تطيع الجميع ولا تقول لأحد "لا" أبداً. لذلك، استغلها الجميع في قضاء مشاويرهم بين المكاتب. فمر شهر كامل لا تكاد ياسمين تجلس على مكتبها خمس دقائق.
"يا ياسمين، عايزك تروحي مكتب الأستاذ عادل في الدور العاشر يمضي على الورقة دي."
"حاضر."
"وانت في طريقك، عدي على الأستاذة هالة في الدور السابع، طلبت منا عقد الشركة الفرنسية."
"حاضر."
"وانت نازلة في الدور الثالث، هاتي ملف العمال من الأستاذ محمد وصوريه."
"حاضر."
هذا حالها في العمل، الكل يستغلها وهي على مبدأ واحد: الطاعة لكل الأوامر والصمت، وهو أمر اعتادت عليه في السجن، فقليل ما تشاركهم في الحوار. وإن كانت تحب الاستماع لهم، فسلمى مرحة والكل اعتاد على جنونها بأحمد بيه وبذلة أحمد بيه وسيارة وعطر ووسامة أحمد بيه وكل أخبار أحمد بيه، لكن الكل يحب مرحها وجنونها. ومدام سعاد طيبة جداً وحنونة، فهي كالأم للجميع. وحتى الأستاذ كامل، بالرغم من شدته وصرامته، إلا أنه طيب القلب متفاهم.
مضى أكثر من شهرين في العمل، وقد بدأت تندمج مع زملائها في المكتب، وإن كانت لا تزال تقضي لهم أعمالهم. واعتادت على زيارة الأستاذ عبدالله لها مرة في الشهر، يحمل فيها كل متطلبات المنزل من أرز ولحم وخضار وفاكهة وخلافه، ودعوته لها في بيته مرة كل فترة. وقد بدأت الدكتورة سارة الاعتياد على وجود ياسمين في حياتها.
أما ياسمين، فلا يكاد يمر يوم دون أن تسير في الشوارع حاملة صورة العائلة وتسأل عنهم. ولم تفقد الأمل أبداً، وإن كانت قد انهارت أكثر من مرة في الشارع.
"إيه اللي أخرك دا كله يا ياسمين؟"
"مجرد ما مضى الأستاذ حسان على الطلب جيت."
"نص ساعة كاملة في طلب واحد."
"إنتي عارفة إننه في الدور العاشر، يعني على ما طلعت ومضيت الطلب ونزلت العشر أدوار."
فتقاطعها سلمى:
"إنتي بتستخدمي السلم ليه يا مجنونة؟ مش بتستخدمي الأسانسير."
ياسمين بخجل:
"أصلي مش بعرف."
"يا مجنونة، ليه تعذبي نفسك طول الفترة اللي فاتت بتهلكي نفسك على السلم؟"
لا يعلمون أنها تخاف من المصعد لأنها لا تجيد استخدامه وتخاف أن تحبس بداخله.
"لو بتخافي من تشغيله، اطلبي من أي واحد راكب معاكي يحدد لك الطابق بسهولة لحد ما تتعودي عليه."
وبالفعل، أخذت سلمى ياسمين معها وصعدت الدور الثاني عشر في دقائق، كانت أنهت المهمة. وهذا ما شجع ياسمين على استخدامه لأول مرة وحدها، لذلك تجرأت عندما طلب منها إرسال ملفات لمدام رجاء في الدور الثاني عشر أن تضغط زر استدعاء المصعد ليفتح وتركب بسرعة وتقول للموجود معها:
"الدور ١٢ من فضلك."
لكنه نظر لها نظرة تفحصية من قدمها حتى رأسها دون أن يتحرك.
فقالت مرة أخرى:
"الدور ١٢ لو سمحت بسرعة، أنا مش فاضية."
فيرفع حاجبيه في دهشة، ثم ضغط على الطابق ومازال يتفحص الفتاة الواقفة أمامه بملابسها البسيطة التي لا تتناسب مع الشركة الملتزمة بدرجة رفيعة من الأناقة والجمال، ووجهها الخالي من مساحيق التجميل وشعرها المجموع في ضفيرة طويلة بسيطة.
ثم قال:
"إنت تبع مؤسسة خيرية؟"
فقالت:
"لا يا فندم."
فقال:
"عندك مصلحة هنا؟"
فقالت:
"لأ، أنا موظفة هنا."
فأعاد النظرة التفحصية مرة أخرى وقال:
"غريبة، أنا أول مرة أشوفك."
ياسمين:
"حضرتك من شؤون العاملين؟"
أحمد:
"شؤون العاملين إيه؟ إنت مش عارفه أنا مين؟"
ياسمين:
"لأ يا فندم، أنا أصلي لسه جديدة هنا."
أحمد:
"جديدة؟ إنت هنا من إمتى؟"
ياسمين:
"تقريباً من ٣ شهور."
أحمد بدهشة وقد بدأ يعلو صوته:
"مستحيل! الشركة مانعة تعيين أي موظف لحين انتهاء السنة المالية، إزاي إنت هنا؟"
ياسمين بخوف:
"هو حضرتك من الشؤون القانونية في الشركة؟"
"أصلي اشتغلت هنا بصورة خاصة."
أحمد وقد زاد الغضب:
"إزاي يتم تعيينك بصفة خاصة بدون معرفتي؟"
ياسمين برعب:
"أنا اتعينت بأمر مباشر من أحمد بيه صاحب الشركة."
هنا أحمد فقد أعصابه ومسكها من ملابسها:
"إنت بتخرفي، بتقولي إيه؟ أمر مباشر من مين؟!"
"والله العظيم أنا مش بكذب، أنا هنا بأمر مباشر من أحمد بيه."
وهنا فتح باب المصعد لتخرج ياسمين وهي مرتعبه ونادمة أنها ركبت المصعد، فالسلم أرحم بكثير.
دخل المكتب وقد أخذ منه الغضب، فقد كان يصرخ في كل من يقف أمامه. فما يحدث أكيد مؤامرة، هناك من يستغل اسمه ويوظف الناس بدون علمه، وهو لن يرتاح حتى يعرف هذا المتأمر ويرسله للسجن، هو وكل من ساعده، فهذا ما تعلمه من عماد ألا يعطي أحداً ثقته الكاملة.
استدعى السكرتيرة فدخلت وهي ترتجف من الخوف.
"يا نڤين، فيه أمر مهم وأنا عايز أعرف كل حاجة عنه بسرعة."
"تحت أمرك يا أحمد بيه."
"عايز أعرف أسماء كل من عينته الشركة هنا من ٣ شهور فاتت."
"إزاي يا أحمد بيه، الشركة ملتزمة بقانون عدم تعيين أي موظف لحين انتهاء السنة المالية."
"إنت متأكدة؟"
"أكيد."
"عايزك تتأكدي من شؤون العاملين بسرعة."
"تحت أمرك، النهار ده هيكون عندك الخبر النهائي."
أما ياسمين، فعادت ترتجف ولونها مخطوف. ولما سألتها سلمى كالعادة، لم تجد إجابة. لذلك رحمتها وأصرت على تركها اليوم بأي مصالح جديدة.
بعد ساعة، دخلت نڤين مكتب أحمد بيه.
"أيوة يا نڤين، فيه إيه؟"
"حضرتك، ده جواب من البنك يخطرنا عن ميعاد القسط المستحق."
"o.k، فيه شيء تاني؟"
"الباشمهندس مدحت اتصل من الموقع الجديد بيسأل عن دفعة الحديد."
"هسيب لك شيك بمبلغ مليون جنيه لمصنع الحديد وابعتيه مع مندوبنا. فيه شيء تاني؟"
"بصراحة، حاجة واحدة."
"حضرتك سألت عن الموظفين الجدد."
انتبه أحمد لها:
"فعلاً يا فندم، التزمنا بالنظام، فلم يتم تعيين أي موظفين إلا حالة واحدة."
"مين الحالة دي ومين اللي عينها؟"
"بصراحة حضرتك."
"أنا إزاي؟"
"حضرتك أمرت بصورة مباشرة بتعيين موظفة في الأرشيف، ولما درست ميعاد التعيين، اكتشفت يومها زارنا الأستاذ عبدالله المحامي وا..."
فقاطعها أحمد:
"بس بس، افتكرت. اخرجي إنت."
بعدما خرجت، ابتسم أحمد وقال:
"الحالة الإنسانية..."
بعد أسبوع، أثناء خروج أحمد من المبنى، اصطدم بياسمين التي كانت في مكتب التصوير الخاص بالشركة. لما رأته، خافت واحمر وجهها وقالت بخوف:
"والله العظيم أنا ما بكذبش على حضرتك."
أحمد بابتسامة:
"خلاص، إنت خائفة ليه؟ خلاص أنا عرفت واتأكدت كمان."
ياسمين براحة:
"طيب الحمد لله، أكيد حضرتك رئيس شؤون العاملين، صح؟"
فيضحك أحمد بصوت عالٍ وقال بدهشة:
"إنت بجد مش عارفة أنا مين؟"
أجابت ببراءة:
"لأ والله."
قال بثقة:
"أنا أحمد صا..."
ردت بسرعة وهي تتخطاه:
"وأنا ياسمين، اتشرفت بمعرفتك."
لتتركه وترحل بدون أن تسمع باقي كلامه، وهذا ما أثار دهشته، ليضحك ويرحل.
مضى شهران، مازالت ياسمين في عملها. تقابلت مع أحمد أكثر من سبع مرات بالصدفة. كل مرة ينتهي اللقاء بتعليق من أحمد وابتسامة من ياسمين. والغريب أنها لم تعرف أنه صاحب الشركة، وهذا طبيعي، فهي لم تحتك بأي من أعضاء مجلس الإدارة أو رؤساء الشركة.
محتضنة الملفات بيديها ومتجهة بسرعة ناحية المصعد لتصتدم به.
"نفسي أشوفك قاعدة في مكتبك مرة."
"صباح الخير يا أستاذ أحمد، أعمل إيه؟ ده شغلي."
"شغل إيه؟ إنتِ عارفة إنهم بيستغلوكي."
"عارفة، بس يعتبر نفسي بتعلم منهم."
"طيب يا تلميذة، على فين المرة دي؟"
"الدور التاسع عند مدام رحاب."
"أظن دي علاقات عامة."
"الوفد الروسي هيبدأ زيارته للقاهرة، وهيا منسقة برنامج سياحي لهم."
(ثم تقول وهي سرحانة)
"تعرف يا بخت الوفد الروسي."
"ليه؟"
"هيزوروا الأهرامات وأبو الهول."
أحمد بدهشة:
"إنتِ عمرك ما زرتي الأهرامات؟"
فتهز رأسها: "لأ."
"ولا مرة؟"
(فتهز رأسها نفس الرد)
"ولا حتى في رحلة مدرسية؟"
"مستحيل، ده أنا زرت الأهرامات ولا مليون مرة، حتى في مرة كنت مع أصحابي هناك و..."
بينما يحكي أحمد، تاهت ياسمين في ذكرياتها لذكرى قريبة إلى قلبها، عندما دخلت فوجدت أخيها محمد جالس حزين.
فسألته:
"مالك يا محمد زعلان ليه؟"
الأم:
"عايز يطلع رحلة في المدرسة."
محمد:
"دي رحلة لزيارة الأهرامات والقلعة وجنينة الحيوانات، وبعشرة جنيه بس يا أبله، عشان خاطري نفسي أروح مع أصحابي، عشان خاطري."
فتخرج ياسمين من جيبها عشرين جنيهاً، ثمن أحد الكتب الجامعية، وتقول:
"خد يا سيدي عشرة جنيه اشترك في الرحلة وعشرة اصرف منها كمان، ولا تزعل، أنا عندي كام محمد."
توقف المصعد وانتبه أحمد أن ياسمين في دنيا تانية، ولم تسمع أي كلمة من كلامه السابق. وقبل أن يتكلم، لاحظ خطين من الدموع ينزلان من عيونها ليغرقا خدودها.
لتعود مرة أخرى لذكرياتها عندما عاد محمد من الرحلة وهو يقفز من الفرح ليتعلق برقبة ياسمين ويغرقها بقبلاته ويقول:
"أنا فرحان أوى يا أبله، النهار ده أحلى يوم في حياتي، زرنا الأهرام وشفنا السياح وهم راكبين الجمال والخيول و..."
زاد صمت أحمد وهو يراقب ياسمين، ليجدها قد ابتسمت أجمل ابتسامة رأتها عيناه. ثم بعد لحظات، انتبهت ياسمين لما حولها، فمسحت دموعها وخرجت من المصعد، ولم تنتبه لمن كان معها في المصعد، وقد شغلته بابتسامة من عيون مليئة بالدموع.
في أحد النوادي الشهيرة، وقف يرتشف كوباً من العصير مع صديقه العزيز هاني. كان رفيقه أيام الشقاوة والضياع، والآن هو رفيقه أيضاً، ولكن سبحان من يغير ولا يتغير. بعد إصابة والد هاني إصابة شديدة ألزمته التقاعد، وجد هاني نفسه مسؤولاً عن أمه وزوجات أبيه الاثنتين وجيش من الإخوة والأخوات. فقرر هو الآخر إعادة تنظيم حياته، ليرافق أحمد في جلسات العلاج، وبعدها اهتم بأخواته وعمل في معرض السيارات التي يملكه أبيه، ليصبح هو الآخر رجلاً مسؤولاً. يجتمع مع أحمد كل أسبوع في النادي لممارسة لعبتهم المفضلة (البلياردو) ويتشاركان الذكريات والضحك، وأيضاً الهموم. والأغرب أن هذان الأعزبان قد تركا كل لهو الماضي بما فيه الفتيات، فطاولتهم التي كانت دائماً عامرة بالفتيات أصبحت خالية، وتمر عليهم الحسناوات وكل وتحاول جذب انتباههم، لكنهن يفشلن دائماً، فأحمد وهاني قد اكتفيا. أو ربما أرادا تغيير كل شيء من الماضي.
هانى وهو يضرب الكرة بالعصا:
"مالك يا أحمد مش مركز ليه؟ هيا طنط أمنية مضيقاك في الشغل؟"
"لا، دا العادي من أمنية هانم، حتى خلاص اتعودت على سخافة هايدي كمان."
"مش مصدق، كنت هتموت على هايدي، مش عارف إيه اللي اتغير."
"كل شيء اتغير، وأوله نظرتي للكل، فشفت هايدي على حقيقتها، إنسانة سخيفة بدرجة تخنق ومتسلطة."
"طيب، إيه الجديد في الشغل؟"
يضرب أحمد الكرة لتسقط في الجحر، ثم بعدها يعتدل ويقول:
"ولا حاجة، بس بصراحة، فيه حاجة شغلتني يا هاني. عمرك شفت واحدة تبتسم لك أحلى ابتسامة تشوفها وعيونها مليانة بالدموع، وبعدها تكتشف إنك مش سبب دموعها ولا إنت سر ابتسامتها؟"
"ده لغز وإلا إيه؟ على العموم، هقولك دي عرفت الطريقة اللي تشغلك بيها."
أحمد باستنكار:
"لا لا، مش دي. هيا أصلاً مش عارفة إني صاحب الشركة دي، بتظن إني موظف عادي."
"وإنت صدقت إنها ما تعرفش أحمد صاحب الشركة اللي بتشتغل فيها؟"
"تصدق، دي بتحسبني موظف في شؤون العاملين، تصدق دي؟"
"في رأيي، خد بالك منها، ولا هيا عجباك؟"
فيضحك أحمد ويقول:
"لا، دي مش زي البنات التانية، لا في لبسها ولا في شكلها. دي على رأي عبدالله، حالة إنسانية وبس."
بعد أسبوع، تم توزيع نشرة بين المكاتب والعاملين، وكل من يقرأها يستعجب منها، حتى وصلت ليد ياسمين لتستعجب هي الأخرى، فمكتوب في النشرة: "تعلن إدارة الشركة عن رحلة عائلية مجانية للموظفين في الشركة لزيارة معالم القاهرة الأثرية، وتتضمن زيارة الأهرامات والمتحف المصري، وتختتم الرحلة برحلة نيلية على إحدى السفن السياحية."
كل العاملين يؤكدون أنها المرة الأولى التي تقوم بها الشركة هذه الرحلات، فرحلاتها السابقة كانت من نوع خاص لكبار الموظفين ورؤساء مجلس الإدارة، وتكون رحلات خارج البلاد وباشتراكات ضخمة. أما رحلات عائلية ومجانية، فهذا أمر جديد.
كان شعور ياسمين بسعادة غريبة، لا تعرف سببها، لكن إحساسها بأن هذه الرحلة من أجلها جعلها تكاد تطير من الفرحة، لكنها أجبرت نفسها أن تفيق ولا تتوهم، فما حدث مجرد صدفة. فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ولن تبني أحلاماً على أوهام.
بعد يومين، جالس على البيانو الأثري الفخم، يعزف ألحاناً لا معنى لها، لكنها مجرد رغبة في الهدوء والراحة، وأمنية داخلية في أن يظل هذا الصفاء النفسي لساعات. وأمنية أخرى تدفعه أن يذهب إلى الأهرامات ليرى ما تفعله ياسمين وما ردة فعلها بعدما حقق لها أمنيتها البسيطة.
ليقطع عليه صفاءه صوتها المستفز.
"واضح إن دروس البيانو اللي أخدتها زمان كانت بلا فائدة، فعزفك سخيف وبلا معنى."
"مش مجبورة تسمعي لعزفي."
"والله قرارك الغريب بالرحلة السخيفة هو السبب، فمضطرة أقعد في البيت وأسمع عزفك النشاز."
"والله أنا حر في قراراتي."
"لو تخصك وحدك، إنت حر، لكن دي تخص طنط معاك، وإلا إنت نسيت إنها شريكة معاك في الشركة."
"طنط دي تبقى أمي، وعلى العموم، الرحلة السخيفة دي تبقى على حسابي الخاص، مش هتأثر على حساب طنط."
"عن إذنك."
ليأخذ مفاتيح إحدى سياراته القديمة ويخرج. أما هايدي، فتشعر بحزن، فكلما بدأت حواراً مع أحمد ينتهي بصراع بينهما. نعم، تحب أحمد الجديد، تعشق جديته في العمل، لكن بها رغبة شديدة وحنين لأحمد القديم وشقاوته وحبه الملتهب الذي كان يغمرها به كل الوقت.
أمنية هانم:
"فين أحمد يا هايدي؟"
"خرج يا طنط، حتى ما اتغداش معانا."
"مش تزعلي يا هايدي، إنتِ عارفة أحمد بيحبك قد إيه، بس محتاج معاملة مختلفة."
"أعمل إيه أكتر من كدا؟ سبت أهلي وعشت معاكم واشتغل معاه في نفس الشركة، يعني معاه ٢٤ ساعة في اليوم. أعمل إيه تاني؟ فين أحمد اللي كان بيتمنى مني نظرة واحدة؟"
"كل شيء اتغير يا هايدي، وأحمد مش أحمد بتاع زمان."
في منطقة الأهرامات، وقف بسيارته بعيداً يراقب الموظفين عند الأهرامات، وعيونه تبحث عنها. يريد أن يراها تضحك وتلعب، يريد أن يراها منطلقة مثل باقي الموظفين، حتى يشعر بأن قراره كان صحيحاً.
لكنه رآها جالسة على أحد الأحجار الضخمة، وظهرها للأهرامات، وتائهه في دنيا غير الدنيا، فشعر بضيق أكثر وأكثر ورحل مسرعاً من المكان. ولو انتظر عشر دقائق، لرأى سلمى تسحبها لتجلس مع الفتيات اللائي يضحكن ويغنين، ولرأى ياسمين تصفق معهم وتضحك.
عائد من عمله، فلمحها تسير وحدها وهي شاردة. لا يعلم لماذا يهتم بها، ربما لأنها من ناحية عبدالله، صديقه، ويشعر بالشفقة عليها.
فأوقف السيارة بجوارها وناداها:
"ياسمين."
فالتفتت إليه لتفتح عيونها عن آخرها وهي تنظر لسيارته بإنبهار:
"دي عربيتك؟"
فابتسم بهدوء وقال:
"إيه رأيك؟ حلوة؟"
فتقول باندفاع:
"دي أحلى عربية شفتها في حياتي."
فيضحك ويقول:
"مش للدرجة دي. المهم، إنتِ ماشية على فين؟"
"على بيتي، بس بمشي لحد محطة المترو."
أحمد:
"ياسمين، المترو على بعد ثلاثة كيلو، هتمشي ثلاثة كيلو؟ يا ياسمين، مستحيل!"
"عادي، أنا اتعودت."
أحمد بدهشة:
"يعني إنت بتمشي كل يوم تلاته كيلو؟ ليه التعب ده؟ غير إنك طول اليوم بين المكاتب، دا عذاب."
فتقول ببساطة:
"أكل العيش، وأنا قلت اتعودت خلاص."
"ممكن أسألك سؤال؟"
"أكيد."
"إنتِ مرتبك كام في الشهر؟"
ياسمين ببساطة:
"٣٠٠ جنيه."
أحمد:
"مستحيل! دا الفراش راتبه أكبر منك. مين الغبي اللي حدد لك الراتب ده؟"
ياسمين بغضب:
"لو سمحت، ما تشتموش، حضرتك مش فاهم حاجة."
أحمد بغضب:
"مش فاهم إيه؟ إنك بتشتغلي في الشركة من أكتر من ست شهور ببلاش تقريباً؟ قول لي مين الغبي اللي حدد لك الراتب ده؟"
"أحمد بيه صاحب الشركة."
فينظر لها أحمد بذهول وقد عجز عن الكلام. فتكمل ياسمين:
"بس مش تظلموا أحمد بيه، قال إني لو أثبت كفاءتي في الشغل، هيتم تثبيتي وزيادة الراتب."
أحمد بسخرية من نفسه:
"وإنتِ لسه ما أثبتيش الكفاءة؟ واضح إنه نسيِك خالص."
فتندفع ياسمين بغضب:
"حضرتك مش فاهم حاجة ومش عارف أحمد بيه زي ما أنا عارفاه، فلو سمحت كفاية كده."
ليفتح عينيه عن آخره في زهول شديد ويسألها بفضول:
"إنتِ تعرفي إيه عن أحمد بيه؟ أنا مش عارفه؟"
فتجيب بثقة:
"أحمد بيه أكتر شخص طيب وشهم قابلته في حياتي، وإن شاء الله ربنا هيفتح له أبواب الرزق والخير."
لم يقاوم أحمد ابتسامته، ليبتسم ويقول:
"إنتِ بتدعي له."
"يستاهل أحمد بيه إني أدعي له كل صلاة. مش تستغرب، أنا ظروفي كانت صعبة جداً، وحسيت بإحراج الأستاذ عبدالله وهو بيسأل عن أحمد بيه أول مرة، وده أكد ليا إن ما فيش شغل ليا من الأساس، وإن الأستاذ عبدالله هيخرج ويقول: أنا أسف يا ياسمين، المرة الجاية هتشتغلي. لكن ده ما حصلش. بعد خمس دقائق بالضبط اشتغلت في الشركة، عارف يعني إيه واحدة زيي تشتغل بعد خمس دقائق؟"
أشار لها أحمد بعينيه، فقد عجز عن الرد.
فتكمل:
"كل سنة بيتخرج الملايين وفيه غيري آلاف مش لاقيين شغل، ولو حصل وإتقدموا بيتذلوا في تجهيز أوراق وتدريب ومقابلات، وبعدها تتقتل كل أحلامهم ويخرجوا زي ما دخلوا، ما ياخدوش إلا الذل والإحباط. ربنا ما يوريك كسرة النفس أد إيه بتوجع، واسألني لأني أكتر واحدة اتكسرت نفسها. وأنا عارفة ومتأكدة إن أحمد بيه لا يمكن ينساني."
ليقول أحمد في نفسه: "آه لو تعرفي إن أحمد ما كانش فاكرك من أساسه."
لينتبه أن ياسمين قد رحلت، فيلحق بها بسرعة:
"إنتِ زعلتي؟"
"لأ أبداً، ما فيش سبب الزعل."
"عشان أتأكد إنك مش زعلانة، اسمحي لي أوصلك بالعربية."
ياسمين بخجل:
"ما فيش داعي يا أستاذ أحمد، المترو قريب، مش تعطل نفسك."
لكنه أصر، فإضطرت ياسمين أن توافق لتركب سيارة أحمد الفارهة، لكنها أصرت أن يقف أمام محطة المترو لتخرج وتلوح له، ثم ترحل بدون أن تنظر ورائها. ولو نظرت، لرأت أحمد يلوم نفسه بسببها: "إنت مش عاجبك لبسها ولا شكلها، وبغبائك محدد لها مرتب ما يكفيش العيش الحاف. الحمد لله إنها ما ماتت، كان ذنبها هيبقى في رقبتك."
بعد أسبوعين، حرص أحمد ألا يرى ياسمين فيهم، حتى أتى اليوم الموعود الذي يحبه ويكرهه كل الموظفين، وهو أول يوم في الشهر. فقد توجهت ياسمين إلى الخزينة حتى تتقاضى راتبها، فيطلب منها المحاسب الذهاب لشؤون العاملين، وهناك مضت على بعض الأوراق وعادت إلى الخزينة ليقدم لها المحاسب مبلغ ٨٥٠ جنيهاً. (الأحداث في عام ٢٠٠٧، كانت الرواتب قليلة، لكن الحياة كانت رخيصة جداً، فقد كان كيلو اللحم بأقل من خمسين جنيهاً وجرام الذهب بحوالي سبعين جنيهاً). وعندما سألته، أجابها بأنها مضت عقد التعيين والتثبيت في الشركة، وهذا راتبها، وأن أمر التثبيت في الشركة صدر من شهر وسيتم إضافة الفترة السابقة إلى ملفها حتى تستفيد من الحوافز السنوية. وبالرغم من أنها لم تفهم نصف ما قاله، إلا أنها كانت شديدة السعادة لتجد أحمد في وجهها، لتعرض أمامه راتبها في سعادة وتقول:
"شفت يا أستاذ أحمد؟ مش قلت لك أنا واثقة في أحمد بيه؟ النهارده تم تثبيتي بصورة رسمية ومرتبي زاد كمان، شايف؟"
فيهنئها أحمد:
"ألف مبروك، واضح إن وشي حلو عليكي."
فتجيب ببراءة:
"حلو أوي أوي."
فيضحك أحمد ويقول:
"طيب فين الحلاوة بتاعتي بمناسبة زيادة الراتب؟"
فتقول ببساطة:
"اللي هتأمر بيه، هجيبه لك. تحب تشرب إيه؟"
فيرد ممازحاً:
"أشرب إيه يا بخيلة؟ إحنا قربنا من البريك وهموت من الجوع."
فتقول:
"خلاص، هعزمك والغداء النهاردة على حسابي."
أحمد:
"خلاص موافق، الغداء النهاردة على حسابك. هستناكي على أول الشارع وقت البريك، سلام."
وقت البريك في فترة الغداء. وقفت ياسمين أول الشارع أمام المطعم البسيط القريب من الشركة، لتتفاجئ بأحمد في سيارته يطلب منها الركوب، فهو لا يأكل في هذه الأماكن. لتركب معه، فيأخذها إلى مطعم شديد الرقي، والذي لا يتناسب مع بساطة مظهرها. كان يسير بغرور وثقة، بينما كانت تتلفت مبهورة بكل ما تراه، فلم تحلم أبداً أن تدخل مكان بهذا الرقي والجمال. حتى أجلسهم الويتر على طاولة راقية، فجلس أحمد يراقبها بتسلية على سذاجتها الشديدة، فقد قرر أحمد أن يعرفها حقيقته وأنه صاحب الشركة بعد الغداء، ليجعل لها ذكرى حلوة في هذا اليوم.
أتى الويتر يحمل المنيو الخاص بالطعام، لينفجر أحمد بالضحك عليها وهي تقرأ أصناف الطعام بطريقة ساذجة ومضحكة، وواضح أنها فاشلة في اللغة الإنجليزية، لكنه صمت حينما رأى وجهها الذي تحول للأحمر القاني بسبب شدة إحراجها، فأشفق عليها وقال:
"تحبي أختار لك على ذوقي؟"
فتجيب برأسها، فقد أنقذها من هذه الورطة. فتسمع له بإنبهار، يقول:
"مقبلات (راڤيولى بالزبدة البنية مع البندق) (طبق إيطالي). طبق رئيسي (ستيك مشوي بصلصة البستو مع الروزيتو طبق إيطالي). والحلو مولتن كيك الشوكولا مع آيس كريم الفانيليا."
فتحت فمها على الآخر. هل ما يقوله طعام يؤكل في مصر؟ أين الطواجن وأين المحاشي؟ وهل سمع عن اختراع اسمه (الملوخية)؟
ليقطع أفكارها الويتر وهو يضع الطبق الأول.
"يا أهل مصر، لقد هبط الراڤيولي من كوكب المريخ." هذا ما قالته وهي ترى طبق بداخله قطعتين دائرتين لونهما أبيض. ولأنها ياسمين، فقد ربطت بين الرافيولي والرقاق المصري، فكلاهما معجنات ولونهما أبيض، لكنها لم تستوعب حشو الرافيولي بالجبن، فلخصت كل هذا الإبداع بساندوتش جبنة.
فلتستعد الجيوش للطبق الرئيسي، استيك مشوي مع الروزيتو.
لتنظر إلى الطعام بضيق، فمن المجنون الذي يأكل أرز معجن؟ فقد عملت في المسمط لسنوات، لم ترَ فيهم أرز معجن أبداً. والأعجب اللحم المغطى بطبقة خضراء من الثوم والريحان. أما أحمد، فقد استغرب أنها لم تأكل من المقبلات ولا الطبق الرئيسي، فسألها:
"الأكل مش عاجبك؟"
فتقول بدهشة:
"مين في الدنيا دي بياكل لحمه خضرا ورز معجن؟"
ليخفي وجهه بكفيه، وقد انهار من شدة الضحك، حتى أن كل الموجودين انتبهوا لضحكاته الشديدة. ليعرض عليها طعاماً آخر، لكنها ترفض بشدة.
ليأتي بعدها الحلو مولتن شوكولا وأيس كريم فانيليا. ما إن لمست الكيك حتى ذابت مع الشوكولا الذائبة، فمن منا لا يعشق الشوكولاتة؟ فقد أعجبها بشدة، وأسعده أنها تأكل بإستمتاع.
بعد لحظات، بدأ عقلها في تجميع حساب الوجبة، فبعد ساندويتش الجبنة واللحمة الخضراء والأرز المعجن، فأكيد الوجبة كلها لن تزيد عن خمسين جنيهاً، وعلى الأكثر سبعين جنيهاً. فقد أصرت أن تدفع هي لأنها من عزمته. عندما أحضر الويتر الفاتورة، تفاجأت بمبلغ ٥٠٠ جنيه. أما أحمد، فقد انتظر دقيقة ليستمتع برد فعلها، فقد توقع فضيحة في المحل، لكنه تفاجأ بها تخرج راتبها من حقيبتها وتقدم للويتر المبلغ. لينتفض بسرعة حتى يدفع الحساب، قد ضاعت نظرة التسلية من عينيه، لكنها تصر، فهي صاحبة الاحتفال وهي من ستدفع، ليرى في عينيها نظرة ألمته بقوة، نظرة من سرقت منه فرحته، فقد زاد راتبها من ساعة ليجعلها تدفع كل الزيادة في وجبة لم تتناولها.
لذا، فقد أخرج حافظة نقوده وسحب منها ألف جنيه وقدمه لها، لتنظر للمال وتقول:
"عيب يا أستاذ أحمد، أنا اللي عزمتك وعيب ترد ليّا تمن العزومة، خلي فلوسك في جيبك."
لتقوم وتسبقه للخارج، لتسقط من عينيها دمعة وحيدة وتمسحها بسرعة.
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الخامس 5 - بقلم حياة محمد الجدوى
عشرون جنيه فقط. عشرون جنيه مبلغ تافه لا يساوي شيئًا. قد يدفعه للسايس في الجراج مقابل ركن سيارته، أو ربما كبقشيش لأحد عمال المطاعم بعد تناول وجبة راقية. لكن من يصدق أن هذا المبلغ البسيط يساوي عنده متعة وراحة وسعادة يشعر بها أحمد كل يوم.
فبعد موقف الغداء السخيف جدًا، فكر أحمد كثيرًا في طريقة يعوض بها ياسمين عن المبلغ الذي دفعته مقابل الغداء. ولو صرف لها مكافأة في العمل، لأصبح مكشوفًا جدًا. لذلك قرر أن يعوضها بأن يدعوها لتناول الغداء معه لأسبوع كامل. وهذا الأسبوع كافٍ جدًا، وبعدها ينهي هذه اللعبة السخيفة ويعرفها أنه صاحب العمل وأنها موظفة في شركته.
وبالفعل، في اليوم التالي لحقها وقت البريك ليدعوها لتناول الغداء معه. لكنها اعتذرت وقالت:
"أسفه أوى يا أستاذ أحمد، بس بصراحة أنا ما حبيتش المطعم امبارح والأكل كمان غريب. إنتوا بتاكلوا الحاجات دي إزاي."
فتفاجأ برفضها:
"طيب لو مش عاجبك نروح مكان تاني."
ياسمين:
"روح إنت بالهنا والشفا وماتعطلش نفسك عشاني. أنا عارفة إنك بتعمل كده عشان عزومة امبارح، بس أنا مش زعلانه والله."
لتتركه وترحل، في حين عقله لم يستوعب أنها رفضت دعوته لها. ولأول مرة في حياته، يدعو فتاة وترفض دعوته. ليكتشف أنه يراقبها وهي تدخل أحد المحلات الشعبية وتخرج حاملة كيسًا فيه الطعام. لتتجه لأحد الحدائق العامة المطلة على النيل، لتجلس على منضدة تحت شجرة كبيرة وتفتح الكيس وتخرج شطيرة الفول. ليتحرك بصورة آلية ويجلس بجوارها. لتبتسم وتمد له بشطيرة، فيبتسم ويأخذها منها.
لكن الأسبوع أصبح أسبوعين، فشهر، فشهرين. وحتى الآن لم يكتفِ أحمد. لم يصدق أنه سيجد كل هذه المتعة مع هذه الساذجة البسيطة. حتى أنه أصبح عاشقًا لساعة البريك، ينتظرها بفارغ الصبر ليتجها معًا إلى أحد المطاعم الشعبية ليشتروا عددًا كبيرًا من شطائر الفول والفلافل اللذيذة. ويتجها معًا لأحد الحدائق العامة المطلة على النيل.
من يصدق أن أحمد بيه، حفيد إبراهيم باشا توفيق، يصبح عاشقًا للفول والفلافل؟ يجلس بجوار فتاة بسيطة الملابس، هادئة الملامح، في حديقة عامة. متخليًا عن جاكت البدلة وربطة العنق، وحتى عن سيارته الفارهة. ربما لم يعلم أن ياسمين قد استخدمت سحرها معه، مستغلة موهبتها الخارقة في الإنصات إليه. فيحكي ويحكي دون أن تمل من سماعه. يحكي عن شقاوته في طفولته، وعن مرحه في شبابه، ومغامراته التي لا تنتهي. وهي تسمع له بعيون مفتوحة براقة، مبهورة بكل ما تسمعه. تبتسم مع ابتسامته، تضحك لمواقفه المجنونة، وتكاد تجن من طيشه وتهوره.
تمنى أنها تعرف حقيقته، حتى يحكي لها عن ما في قلبه من آلام وهموم. يحكي لها عن غبائه وعن وحدته. ويحكي عن أمه وهايدي، النسخة المصغرة عن أمه. وكيف تحول الحب في قلبه لكراهية. لأن قلبه لم يبقَ على حاله. لا يعلم لماذا يشعر بالراحة مع هذه الفتاة بالذات دون غيرها. ربما لأنها أعادت له شيئًا من الطفولة، عندما كان يهرب من المدرسة ليتجول في الشوارع بدون حراسة أو سيارة كشخص عادي.
فهو يجلس كأحمد فقط، بدون شركة أو أموال أو ألقاب. لم يتمالك نفسه من الضحك عندما تذكر أول طبق من الكشري المصري الشهير. عندما أصر على تغيير الشطائر لتدعوه لتناول هذه الكارثة الحارقة اللذيذة. فقد كادت أن تموت من الضحك عليه وهو ينفخ من الشطة. لينهار من الضحك وهو يذكر دخولهم المسمط لتناول فتة وكوارع. فبعد تناوله هذه الوجبة الرائعة، كاد أن يموت عندما عرف أن الكوارع هي أقدام الحيوان.
وبعد لحظات من الضحك المتواصل على هذه الذكريات، انتبه للعيون التي تراقبه بدهشة. فقد غرق في بحر الذكريات ونسي أنه في اجتماع مجلس الإدارة يناقش مع أمه وهايدي المشروعات الجديدة. ليقول في نفسه:
"شكلي اتجننت من أكل الفول، منك لله يا ياسمين."
ليقول بجدية:
"آسف يا جماعة، نكمل اجتماعنا."
***
"ماما يا ماما، استني يا ماما ما تروحيش بعيد."
يسمع الناس في الشارع هذه الصرخات ويرون فتاة تجري بسرعة وتحاول اللحاق بأتوبيس مسرع. تحاول اللحاق به، لكنها تفشل فتقع على الأرض وتصرخ بصوت عالٍ وعيونها متعلقة بالأتوبيس البعيد:
"يا ماما استني... يا ماما ما تبعديش."
ثم بصوت باكي مخنوق ضعيف:
"يا أمي بموت... والله بموت من غيرك."
ثم بألم وصوت متعذب:
"أبوس إيدك نفسي أشوفك ولو لمرة واحدة."
لتنهار بالبكاء بصوت عالٍ. فيتجمع الناس من حولها، من يشفق عليها ومن يريد مساعدتها. وأيضًا، وللأسف، من ينتهز الفرصة في التلامس القذر. فحاول البعض مساعدتها على الوقوف، لكنها بلا أي قدرة على المقاومة. فسندها البعض حتى ترتاح على أحد الكراسي بجانب الطريق.
كانت تناظر الجميع بعيون باكية وجسد منهار. فما أن رأت تلك المرأة التي ترتدي عباءة سوداء وتحمل طفلًا صغيرًا على كتفها، حتى ظنتها أمها وجرت حتى تلحق بها. لكن المرأة ركبت الأتوبيس ورحلت. ليضيع الأمل من ياسمين وتنهار كالعادة.
ليخترق الجميع صوت رجل يقترب منها ويقول بحنو وعطف:
"انتظروها شوي، راح ترتاح وتصير منيحة."
وبدأ في تفريق الناس من حولها. ثم اقترب منها وقال:
"كيفك؟ هلا صرت منيحة؟"
فنظرت إلى عينيه الخضراوين وهزت رأسها بالإيجاب دون أن تتكلم.
فقال:
"انتظريني هون شوي، راح آتي بـ (إنينه مي). سمعاني؟ ما راح أتأخر دقيقة واحدة. اوكي."
فتهز رأسها. ليتجه لأحد المحلات. بينها بدأت هي تستوعب وتستعيد وعيها وتسترجع ما حدث. لتقوم بخطوات مهزوزة وهي تستند على واجهة المحلات. لتشير لإحدى سيارات الأجرة لتركبها وتعود لمنزلها حزينة ومحطمة كعادتها كل مرة تخرج فيها للبحث عن أمها وإخوتها.
***
تجلس إلى جواره في ركن بعيد في الحديقة العامة تتناول الطعام في شرود. على غير العادة، عيونها حزينة أكثر من العادة. بسيطة، لكنها مميزة جدًا في بساطتها. تمنى للحظة أن يدخل عقلها ويعرف سر حزنها الشديد. فبالرغم من مرور أكثر من شهرين يتشاركا فيه ساعة يوميًا يتناولان الغداء معًا، وقد يزيد الوقت فيوصلها حتى محطة المترو، إلا أنه لا يعرف عنها أي شيء. تتحدث دائمًا عن عبد الله باحترام وتقدير شديد، وعن زوجة عبد الله وابنته. وكأنها لا ترى في الدنيا إلا عبد الله وبس. وقليل ما تتحدث عن أهلها. وإن ذكرتهم، تذكر اشتياقها لهم. وكل كلامها بصيغة الماضي البعيد. هذه الفتاة سر.
فحاول استدراجها بالكلام، لكنها كعادتها تهربت منه وقالت:
"تعرف إن فيه حرب كبيرة هتقوم في الشركة؟"
فسألها مستفسرًا:
"حرب... حرب إيه؟"
فتقول:
"هايدي هانم هتقتل أحمد بيه."
فيرفع حاجبيه بدهشة:
"مش فاهم!"
فتقول:
"ظهرت صورة له في مجلة مع ممثلة مشهورة وهما في حفلة. وكل الموظفين بيقولوا الحرب هتكون شديدة والضحية أكيد الممثلة، لأن هايدي هانم هتقتلها وترمي جثتها في النيل."
فنظرت أحمد بوجوم شديد. فما قالته ياسمين صحيح. فهايدي تتعمد إثارة المشاكل مع كل امرأة يتعرف عليها وتفرض عليه حصارًا خانقًا. وربما كان هذا أحد الأسباب، إخفاء حقيقته عن ياسمين حتى يهرب من حصار هايدي السخيف.
فقال بفضول:
"وإنتي عرفتي من مين؟"
فترد ببساطة:
"من سلمى. دي مجنونة بحاجتين: الكمبيوتر وأحمد بيه. تقريبًا كل أخباره بنعرفها منها."
"- وإنت شفتي صورة أحمد بيه في المجلة؟"
فأجابها ببساطة:
"طبعًا لأ. الله الغني. أنا عمري ما دخلت مكاتب المديرين أو حتى طلعت الدور السابع. وبصراحة أنا مرتاحة كده."
فابتسم أحمد بسخرية:
"فهذا سبب عدم معرفتها له حتى الآن. في البداية تمنى أن تعرف حقيقته، لكنه الآن يخاف من هذه اللحظة. يخاف أن يضيع السحر الذي يشعر به معه."
يكره أن يرى الخوف منه في عينيها. يريدها أن تتحدث معه بنفس بساطتها، بلا تكلف أو عقد أو رسميات. تناديه باسمه بدون ألقاب. تنتقده على أخطائه بلا خوف. تبتسم في وجهه بلا رياء ولا نفاق. يريد أن يكون أحمد فقط، بدون رسميات.
ليسألها سؤالًا يلح عليه:
"ياسمين، إنت مرتبطة؟"
لتنظر له في ذهول. لتكتشف أنها لم ترتبط أبدًا. حتى المرة الوحيدة التي ظنت أنها أحبت، أحبت الأستاذ حسن. كان بالنسبة لها الأستاذ حسن حتى في أحلامها الساذجة. تناديه بالأستاذ حسن. وأقصى أحلامها عن الرومانسية أن تعد له كوبًا من الشاي، ويبادلها الرومانسية بـ "سلامة عليها"، ويدها مملوءة برغوة الصابون.
فضحكت على سذاجتها الطفولية، وخاصة إنتهت أحلامها الساذجة وهي تقدم المشروبات للضيوف في حفل خطوبته.
يبدو أن أحمد يئس من إجابتها. لكنها انتبهت لكلامه فقالت بدهشة:
"هتسافر؟!"
أحمد:
"أيوه، بعد ثلاثة أيام."
لتسأله بسرعة:
"ليه...؟" ثم انتبهت فقالت: "... أقصد فين؟"
أحمد:
"باريس في فرنسا."
فلمح نظرة حزن في عينيها. فقال:
"عشرة أيام بس. إنت عارفه أحمد بيه هيسافر لعقد صفقة شغل هناك، ولازم أكون معاه."
فقالت:
"ربنا يوفقه ويكتب له الخير ويحقق له كل أحلامه."
فيبتسم ويقول:
"أيوه، يا بختك يا أحمد بيه بتاخد أحلى الدعوات من ياسمين."
فتقول:
"ربنا يوفقك إنت كمان ويفتح لك كل أبواب الخير وترجع لنا بالسلامة."
فيبتسم لها ويقول:
"دعواتك حلوة أوي. ممكن تدعي ليا كتير."
فهزت رأسها موافقة. فقال:
"تحبي أجيب لكِ إيه من فرنسا؟"
لتقول:
"أنا مش عاوزة حاجة."
أحمد:
"إزاي؟ باريس أرض الجمال والسحر والموضة. أكيد عاوزة مكياج أو عطور أو حتى فستان."
لينتبه أنها لا تضع أي مكياج ولا عطر ولا ترتدي ملابس فاخرة. فهي كتلة من البساطة.
فابتسم لها وقال:
"هختار أنا هديتك بنفسي وعلى ذوقي."
***
بعد أسبوع.
في قسم الأطفال، بعد أن انتهت من الكشف على المرضى ومرت على قسم الجراحات للاطمئنان على حالة طفلة صغيرة أجرت جراحة صغيرة في القلب. دخلت الدكتورة سارة (زوجة عبد الله) غرفة الأطباء أخيرًا لترتاح قليلاً. فدخلت عليها العاملة لتخبرها أن هناك من يسأل عليها. وعندما سمحت لها بالدخول، وجدتها ياسمين.
تأففت سارة بضيق، فحتى الآن لم تتقبل وجود ياسمين في حياتها، ولكنها حاولت التعايش مع وجودها المفروض في حياتها. أما ياسمين، فقد جلست في خجل وتوتر. فهذه أول مرة تجلس مع الدكتورة سارة لوحدها. تتعامل معها بصورة مباشرة.
قطعت سارة حبل أفكارها بضيق وهي تقول:
"خير يا ياسمين، في حاجة؟"
ياسمين وقد احمر وجهها:
"آسفة يا دكتورة إني جيت الشغل. وأسفة إني جيت من غير ميعاد."
سارة بتافف:
"من غير مقدمات. خير، أنا مش فاضية ليكي."
ياسمين وقد احمر وجهها بشدة:
"كنت محتاجة مساعدتك."
سارة بدهشة:
"مساعدة مني أنا؟ وأنا هساعدك في إيه؟"
فتخرج ياسمين من حقيبتها مبلغ 900 جنيه وتضعه أمام سارة.
فتقول سارة:
"إيه الفلوس دي؟ أعمل بيهم إيه؟"
فتجيبها ياسمين:
"يا دكتورة، أنا عايزة أشتري لبس."
سارة بغضب:
"إنتي عاوزة تشتري لبس! وأنا مالي؟ ليه جايه عندي في الشغل؟ دي حاجة تخصك، ما يهمنيش."
ياسمين بصوت ضعيف:
"أنا عايزك تشتري ليا اللبس."
سارة بغضب أشد:
"إنتي اتجننتي؟ عاوزاني أنا أخرج أشتري لك لبس؟ ما تشتري لنفسك!"
ياسمين بحزن:
"أنا عمري ما اشتريت لبس في حياتي كلها."
(فـ نظرت لها سارة بدهشة مع شفقة)
لتكمل ياسمين:
"ماما كانت بتشتري ليا لبسي وأنا صغيرة. ولما كبرت شوية حصل لأبويا الحادثة وفقد بصره وفقدنا مورد رزقنا. فكانت جمعية خيرية بتقدم لنا اللبس، والجيران كانوا بيعطونا اللي بيستغنوا عنه ليا ولأخواتي. بس أنا معايا فلوس بحوش فيهم من خمس شهور وبمشي كل يوم أشوف في المحلات حاجات حلوة، بس مش عارفة أشتري أو أختار."
سارة وقد هدأ غضبها وحل محله الحزن والشفقة:
"وليه جايه عندي؟ ليه ما اخترتيش حد من زمايلك في الشغل."
ياسمين:
"أنا ما أعرفش حد غيرك أطمن له. عمري ما خرجت مع زمايلي في الشغل."
(ليكمل عقلها: ما عدا أحمد)
"لكن إنتِ حاجة تانية."
سارة:
"مش فاهمه. حاجة تانية إزاي؟"
ياسمين:
"عمري ما شفت حد في طيبة قلبك. إنتِ أول واحدة فتحت ليّا باب بيتها بعد ما خرجت من السجن. عطفتي عليا. عمري ما هنسى إني نمت أول يوم ليا في بيتك. إنتِ والأستاذ عبد الله عوض ربنا ليا عن أهلي. وبحمد ربنا كل يوم إنكم في حياتي. تعرفي نفسي أكون زيك في جمالك وشياكتك. شعرك جميل، عينيكي جميلة، لبسك جميل، كل حاجة فيكي حلوة أوي. أنا عارفة إني مش حلوة، بس نفسي أكون حلوة زيك."
نظرت لها سارة بدهشة. هل تراني هذه الفتاة بهذه الصورة المثالية أم تلعب لعبة ماكرة؟ لكن أي مكر؟ فعينها صادقة جدًا ونبرة صوتها كلها صدق. من يصدق أن هذه الفتاة قضت ما يقرب من ست سنوات في السجن ولم تلوث؟ وكأنها سجنت على جزيرة وحدها لتخرج كما دخلت، بريئة لحد السذاجة. من يصدق أنها عاشت مع القتلة وتجار المخدرات.
لترفع سارة سماعة الهاتف وتتصل بمدير المستشفى وتستأذن بأخذ باقي اليوم إجازة. ثم تقول:
"قومي بسرعة، نلحق المحلات قبل ما تقفل."
***
وبعد قضاء عدة ساعات بين المحلات، اختارت لها سارة ملابس بألوان هادئة تناسب شخصيتها الرقيقة. محتشم، عدة أطقم للعمل. وفستان رقيق باللون الوردي له حزام جلدي باللون الأبيض يظهر خصرها الدقيق، وبنصف كم. بدت فرحت به ياسمين بشدة، بدت كطفلة صغيرة ترتدي فستان العيد.
واختارت لها فستان آخر لونه أسود ضيق وجريء جعلها أنثى حقيقية.
ثم سحبتها إلى أحد مراكز التجميل. فبعد جلسات مكثفة للشعر وجلسة تقشير وتنظيف للبشرة، أصبح وجهها رائعًا ومشعًا. ولأن ياسمين أصرت ألا تقص شعرها، متعللة بنصيحة أمها أن جمال المرأة في شعرها الطويل. فطلبت سارة من أخصائية التجميل أن تساوي أطرافه وتجعد خصلاته في قصة بسيطة. لتصبح ياسمين قطعة من القمر. وقد أظهر المكياج جمال عينيها الزرقاء وشعرها الذهبي اللامع.
لكنها شعرت ببعض الغيرة. فعبد الله مجنون بياسمين بشدة، وهي بملابس رثة ووجه مطفئ. فماذا سيفعل عندما يراها وهي على هذا القدر من الجمال.
لكن الغريب أنها استمتعت جدًا مع ياسمين وهي تختار لها ملابسها ومكياجها، كأخت كبيرة تختار لأختها الصغيرة. وبعد هذه الجولة، اصطحبت ياسمين لأحد المطاعم ليتناولا الطعام. فقد اكتشفت أنها، كـ ياسمين، تفتقد الصديقات وتفتقد الخروج مع صحباتها بدون زوجها وابنتها. في يوم إجازة من مسؤولياتها كزوجة وأم. فقد شعرت بتجدد نشاطها وهدوء أعصابها. وعادت إلى المنزل قد اشترت لها ملابس جديدة أيضًا.
عادت ياسمين إلى البيت وهي طايرة من السعادة. فتحت الأكياس الكثيرة وأخرجت الملابس الجديدة الرائعة. تنظر لكل قطعة بشوق أن تجربها وترتديها. نظرت إلى علبة المكياج وإكسسوارات الشعر والفستان الأسود القصير، والذي لن ترتديه أبدًا خارج المنزل. ولكن لا يهم، يكفي أنها سترتديه.
ليقف عقلها فجأة وتختفي ابتسامتها وهي تتخيل أمها تتسول من الناس طعامها وإخوتها يعتصون من شدة الجوع وهم نائمون على أحد الأرصفة.
لتنظر لها أمها بلوم وتقول:
"إحنا هنموت من الجوع والبرد وإنتي بتشتري هدوم بـ 900 جنيه يا ياسمين."
لترمى ياسمين الأكياس في الأرض وكأنها أفعى سامة وهي تصرخ:
"مش عاوزاهم يا أمي، مش عاوزاهم! بس تعالي يا ماما، تعالي لأختك يا محمد. أنا بحبك أوي يا مها، يا إيه. تعالوا لأختكم. أنا بموت من غيركم."
أما الصورة البائسة لعائلتها بدأت تصغر وتصغر حتى اختفت. لترمى نفسها على الأرض وهي تبكي بشدة وتضرب الأرض بيديها حتى احمرت. ثم بدأت في جذب شعرها حتى أفسدته. وشعرها وتلطخ وجهها باللون الأسود من عينيها.
وهي تقول ببكاء:
"ليه اشتريت ده كله؟ عشان أكون حلوة في عينيه؟ ليه؟ فكراه هيبصلك؟ فوقي يا ياسمين حسن، وهو مش غني كان بيعطف عليكي. عاوزة اللي أغنى بكتير من حسن يبصلك. فوقي لنفسك عشان ماتضيعيش. شوفي اليوم التالي عادت ياسمين إلى عملها بملابسها القديمة وشعرها المجموع كـ (صفيرة). وجهها الخالي من الزينة."
ولكنها لم تقدر أن تمنع نفسها السؤال عن أحمد بيه، هل عاد؟ فعـودته تعني عودة أحمد. لتكتشف أنها بالرغم من معرفتها بأحمد من مدة طويلة ومشاركته الغداء يوميًا تقريبًا لمدة شهرين، إلا أنها لا تعرف اسمه بالكامل ولا وظيفته. إلا أنه مستشار أحمد بيه، صاحب الشركة. لكنها لا تعرف في أي قسم ولا أين مكتبه. ولم تسأله أبدًا.
ليأتي وقت الغداء، طويل وممل. لنتأكد أنها تفتقد أحمد فعلاً وتشتاق إلى مشاركته وجبة الغداء.
بعد خمسة أيام طويلة ومملة، كانت عائدة من مكتب التصوير ومعها بعض الأوراق. لاحظت حركة سريعة من حولها وعمال النظافة يوزعون الزهور في كل ركن. ثم انتبهت لخروج أحد المديرين وهو يعدل من ملابسه ويربط زر الجاكيت. ثم يقف ويقول بترحاب شديد:
"حمدًا لله على السلامة، نورت الشركة يا أحمد بيه. نورتي الشركة يا هايدي هانم."
لتصطدم أذنيها بصوت مألوف يقول:
"شكرًا يا أستاذ صلاح."
ليمر جانبها حشد من خمسة رجال وامرأة. لترفع عينيها بفضول وهي ترى صورة جانبية للشخص المسمى بأحمد بيه يمر بسرعة. يرتدي نظارة شمسية تخفي عينيه، لكن الوجه تعرفه. قضت شهرين متتابعين تأكل معه وتستمع له. لا يمكن، هذا جنون. فتبعتهم لعلها تكذب عينيها. إلا أنها توقفت وهي ترى هذا الشخص يدخل المصعد. وفتحت عينيها عن آخرها وهي تراه يلتفت بوجهه كاملاً.
"هذا جنون أحمد بيه!"
أحمد...
عادت لمكتبها، عقلها مشوش وفكرها ضائع. حتى أنها نسيت أن تقدم الأوراق للحسابات. جلست على كرسيها، عقلها يدور والدنيا تدور من حولها. لتلمح سلمى تعمل على الحاسوب. فتسحب كرسيها وتجلس بجوارها. فتقول سلمى وعينيها على الحاسوب:
"عايزة حاجة يا ياسمين."
فتفكر ياسمين قليلاً ثم تقول:
"كنت عايزة أعرف حاجة، بس مش عارفة تقدري عليها إلا لو."
فأجابت سلمى بتحدي:
"قولي، وما تستهونيش بيا."
فتقول ياسمين:
"من ثلاث شهور قالوا تم تعييني في الشركة بصفة دائمة. لكن كنت عايزة أشوف الملف بتاعي وأتأكد."
فتقول سلمى:
"سهلة جدًا. أنا بعون الله أقدر أفتح أي ملف لأي حد في الشركة. من أحمد بيه لحد رمزي الفراش."
كانت تتحدث وأصابعها تلعب على الأزرار بسرعة فائقة. ثم أدارت الشاشة وتقول:
"شوفي ده ملفك. ياااااه، صورتك وحشة أوي. إنتي أحلى على الطبيعة من الصورة."
فابتسمت ياسمين وهي تشاهد الملف. لتقول:
"بس مستحيل تفتحي أي ملف بالبساطة دي."
قالت سلمى:
"ما فيش مستحيل، وأنا موجودة. أتحداك تحبي أفتح ملف مين."
فقالت ياسمين:
"أحمد بيه صاحب الشركة."
بعد ثوانٍ، نظرت ياسمين إلى الملف وقد ضغطت سلمى على الصورة لتصبح أكبر وأوضح. وهي تتغزل في وسامته وشياكته ورجولته الشديدة. ثم في مدح سيارته الفارهة.
لتسألها ياسمين عن لونها. فقالت:
"سيارة فضية من ماركة (.......)."
وبدأت في وصفها ووصف لون الكراسي والفخامة. لتقول:
"العربية دي ركبت فيها أجمل جميلات البلد، من ممثلات ومغنيات وسيدات المجتمع الراقي. أما بالنسبة للي زيي وزيك، يا دوب يحلموا بس يتصوروا جنبها."
فتقول ياسمين في نفسها:
"لو تعرفي إني ركبت العربية دي أكتر من مرة."
لاحظ الأستاذ كامل شحوب وجه ياسمين. فسألها:
"مالك يا ياسمين؟ حاسة بحاجة؟"
فتزيد مدام سعاد:
"وشك أصفر زي الليمونة ولونك مخطوف. إنتِ عيانة."
فتقول ياسمين:
"حاسة إني تعبانة شوية."
فيقول الحاج كامل:
"لو تعبانة، تقدري تروحي."
وكأن ما قاله نجده من السماء. فتقول:
"لو سمحت يا حاج، ينفع أمشي لأني حاسة إن التعب بيزيد."
فيأذن لها الحاج. وما إن خرجت من الشركة حتى تنفست الصعداء. بدأت تسير بسرعة كأنها لص يهرب من الشرطة. إلى أن وصلت لمحطة المترو وركبت القطار. وعقلها يرسم لها صورًا متسارعة.
أحمد هو نفسه أحمد بيه صاحب الشركة. طيب، ليه ما قالش؟ أكيد كان بيتسلى. كل يوم يحكي لأصحابه عن الموظفة الهبلة اللي ما تعرفش صاحب الشركة اللي بتشتغل فيها. بيحكي عن مغامراته ويضحك ويضحكهم عليا. كنت مجرد تسلية. لعبة بيضحك وبيضيع وقته معاها. أعمل إيه يا رب؟
دخلت بيتها وهي لا تزال تهلوس بالكلام:
"أسيب الشغل؟ ولو سبته أشتغل فين؟ ومين هيرضى بيا ويشغلني؟ أعيش إزاي؟ مش كفاية مساعدة الأستاذ عبد الله ليا كل شهر؟ أشحت من الناس مصاريفي؟ وإلا أطلب من الأستاذ عبد الله فلوس أصرف بيها على نفسي؟ يا رب تعبت، أعمل إيه؟"
أما أحمد، فأصر على إنهاء أعماله بسرعة وخرج مسرعًا في موعد الغداء للحديقة العامة وهو سعيد للغاية. يحمل معه صندوقًا به الهدية الخاصة لياسمين. يعلم جيدًا أنها ستحبها وستفهم قيمتها. سيخبرها بالحقيقة ويطلب منها أن تبقي معه، لا يعلم بأي صفة، ولكنه يريدها معه. ولو حتى ساعة الغذاء. يكفي وجودها لمدة ساعة. فقد شعر حقًا باشتياق رهيب لها.
لكنه وجد مكانها خاليًا وشعر بضيق. لكنه اتجه إلى محل الفول والفلافل، ربما يجدها تشتري الطعام. لكنه لم يجدها. فشعر بالإحباط. فعاد إلى الشركة، ربما يجدها هناك أو يقابلها عند المصعد أو في أحد الممرات. لكن خاب أمله. ومر اليوم كاملاً دون أن يراها. وانتظر خروج الموظفين ليسير في طريقها المعتاد حتى محطة المترو. لكنه لم يراها. فنظر إلى صندوق الهدية ويقول:
"مش مكتوب لك إن صاحبتك تشوفك النهاردة."
مر يومان وياسمين مختبئة في بيتها تفكر في حل لوضعها. فالإختباء لا يفيد، لا بد من حل.
قررت العودة إلى العمل، ولكنها ستختفي. نعم، لقد عاشت حياتها كلها في الظل. ولن يصعب عليها الإختفاء حتى يعثر على لعبة جديدة يتسلى بها. تعلم أنه لن يقابلها إلا وهي وحيدة. لذلك لن تكون وحدها أبدًا. في وقت للراحة، وأثناء العودة من العمل. وبالتأكيد ستعود إلى صعود السلم مرة أخرى.
عادت ياسمين إلى العمل وقد طبقت حرفيًا كل قراراتها. تحاول البقاء في مكتبها دائمًا. لم تركب المصعد أبدًا. تسير مثل اللصوص، متلصصة حتى لا ترى أحمد أبدًا. في وقت الغداء تلتصق بسلمى ورفيقاتها وتجلس معهم في مطعم. تستمع إلى حواراتهم السخيفة الساذجة وكلها عن الموضة والجمال، والطبخ. ثم ينتقل الكلام إلى الثرثرة المملة عن خطوبة فلانة وطلاق فلان. أما العودة من العمل، فتركب أول سيارة تقف أمامها بسرعة وتقف عند محطة المترو. وبعد ركوبها القطار تتنفس الصعداء أن اليوم انتهى. فآخر علاقة أحمد بها محطة المترو.
***
أما أحمد، فيشعر بالغيظ الشديد. فقد مرت خمسة أيام كاملة لم يرى فيها ياسمين أبدًا. ثم بعدها لمحها تدخل الشركة مسرعة. قبل أن يلحق بها، فانتظر قليلًا ربما تخرج لأي مكتب. لكنها لم تترك مكتبها حتى كاد أن يقتحم المكان. إلا أنه رجع في تهوره. لتمر أربعة أيام أخرى يلمحها مع زميلاتها وتختفي بسرعة مذهلة. لكنه لن يبقى على هذا الحال، لا بد من إنهائه.
***
دخلت محطة المترو وهي تشعر بالراحة لانتهاء اليوم. لتقطع التذكرة وتتجه للمترو. لتجد يدًا قوية تسحبها من مكانها. فتطلق صرخة صغيرة من الخوف والمفاجأة. لكنها عندما استدارت حتى رأت عينيه غاضبة. ليقول بغضب:
"بتهربي مني ليه يا ياسمين؟"
فتنظر لعينيه بحزن وتقول:
"أحمد بيه، عايز مني إيه؟"
فنظرت له بذهول:
"بتقولي أحمد بيه؟ إنتي عرفتي؟"
لم تنطق، لكن عيونها أجابت عليه.
ليسحبها من ذراعها بعيدًا عن الزحام. ليجلسا على أحد المقاعد وينظر لعيونها الزرقاء ويقول:
"إمتى عرفتي؟"
فتجيب بهدوء:
"نفس اليوم اللي رجعت فيه من السفر."
أحمد:
"ياسمين، أنا ما حبيتش إنك تعرفي بالطريقة دي، لكن..."
فتقاطعه ببكاء:
"حرام عليك! أنا عملت فيك إيه عشان تلعب بيا بالصورة دي؟"
فيقول بدهشة:
"ألعب بيكي؟ أنا عمري ما لعبت بيكي."
فتنفجر في وجهه وهي تبكي:
"كنت بتلعب بيا؟ كل يوم تضحك على البنت الهبلة اللي ما تعرفش صاحب الشركة؟ صح؟ كنت بتضحك أصحابك عليا وإنت بتحكي لهم عني؟ صح؟ حرام عليك!"
فيهزها من أكتافها بشدة. وقد لفت صوتها ودموعها انتباه الواقفين. فقال بصوت منخفض:
"عمري ما ضحكت عليكي، بالعكس كنت بضحك على حالي معاكي. وعمري ما سخرت منك ولا من حالك. لأني كنت بستغرب من كمية البراءة اللي عندك. بس في الحقيقة، حكيت عنك لصاحب واحد وهو صاحبي الوحيد. كنت بحكي على مواقفي معاكي لدرجة إنه غار منك."
"ياسمين، يمكن كنت في البداية عايز أعرفك بالحقيقة، لكن بعد فترة أتمنيت إنك ما تعرفيش الحقيقة أبدًا. عارفه ليه؟"
فتهز رأسها بلا.
فيجيب:
"عشان نظرة الخوف دي اللي شايفها في عينيكي. أكتر حاجة بكرهها إنك تخافي مني. كنت سعيد إنك بتكلميني ببساطة بدون نفاق. بتضحكي على حكاياتي لأن أحمد اللي بيحكيها مش صاحب الشركة. كنت بتزعلي مني من غير خوف. لكن أنا حاسس إنك عايزة تقولي كلام كتير بس خايفة، صح؟"
فـ تهز رأسها بالإيجاب.
فيقول:
"اتكلمي يا ياسمين، قولي كل اللي عاوزاه. أنا سامعك."
فتصمت ياسمين وكل الكلام اللي عايزة تقوله اتبخر.
فـ يتنهد بصوت عالٍ:
"عرفت ليه أنا خبيت عليكي حقيقتي."
ياسمين:
"الناس كلها بتضحك في وشي، لكن عمري ما حسيت بضحكة حقيقية إلا منك. الناس كلها بتكلمني كـ أحمد بيه. ما حسيت إني أحمد الإنسان إلا معاكي. وناس كتير بتدعيلى، لكن عمري ما حسيت بصدق الدعوة إلا منك. حتى دفاعك عني كان بيفرح قلبي أوي."
فيبتسم ويقول:
"كنت بتعمد أغلط في نفسي عشان أسمعك وإنتِ بتدافعي عني وتختمي دفاعك بدعوة حلوة من القلب، من غير أي هدف. مش عايزة ترقية، مش عايزة فلوس، مش عايزة منصب. بتدعي من قلبك وبس."
ثم نظر لها وقال:
"هسيبك براحتك وهبعد ومش هحاول أقرب منك إلا لما تقتنعي بكلامي وتصدقيني وتوافقي نرجع أصحاب تاني. بس ياريت يكون بسرعة، لأن ياسمين اللي قضيت معاها شهرين نتغدى سوا ونتمشى سوا وحشتني أوي. أما اللي قدامي واقفة بترتعش."
وقف لتقف هي الأخرى بصمت. لتتجه إلى قطار المترو لتركبه. ثم تستدير لتجده واقفًا يراقبها ولم يتحرك. لينغلق الباب ويسير قطار المترو وعيونهم مازالت متعلقة ببعض.
تصدقه. نعم تصدقه وتشتاق لوجوده بشدة. تريد أن تقول: "أصدقائك وأتمنى أن ترجع صداقتنا." لكن خجلها يمنعها. لا تجد عندها القوة والشجاعة لتقف أمامه وتقول موافقة أن نرجع صديقين. تجدها صعبة جدًا. لكنها توقفت تمامًا عن الهروب. تسير في طرقات الشركة تتنقل بين المكاتب. وطبعًا عادت لركوب المصعد. وبالتأكيد تركت شلة سلمى المجنونة وأحاديثهم المملة.
حتى أنها عادت لتجلس في مكانها المعتاد في الحديقة العامة تتناول الشطائر وتنظر للنيل. فشعرت بمن يجلس بجوارها. لم تنظر له، لكنها عرفته. وهو لم يتكلم. إلا أنها مدت يديها إليه بلفافة بها بعض الشطائر الساخنة. فأخذها وفتحها وبدأ يأكل في صمت. وكل منهما لم يرى ابتسامة الآخر على وجهه.
عادت إلى البيت وهي تبتسم. فاليوم من أجمل الأيام التي مرت عليها. تحمل في يدها صندوق الهدية الغريب الذي أحضره لها أحمد. جلست على الطاولة وفتحته.
يظن أنها أحبته؟ لا يعلم أنها عشقته. كل قطعة في الصندوق. لأنه ببساطة قدم لها باريس في صندوق. كل مكان مر عليه إما التقط له صورة أو أخذ شيئًا منه كذكرى. فهذه الزهرة قطفها من حديقة متحف اللوفر. وهذه صورة قوس النصر. وتلك تذكرة عرض شاهده في المولان روچ. وهذه المحرمة الصغيرة أخذها من فندق الفور سيزون بباريس. وصورة رائعة له وهو فوق برج إيفل. وصورة أخرى للبرج نفسه. وهذا القلم ما استخدمه في توقيع الاتفاقيات والعقود. وآخر هدية كانت كرة زجاجية بداخلها مجسم لباريس. إذا هززتها تساقط بلورات الثلج داخل المجسم. هدايا ربما لا قيمة لها من الناحية المادية، لكنها لها قيمة كبيرة جدًا معنويًا.
إحساس جميل أن تجد من يهتم بك ويذكرك وكأن لك قيمة كبيرة عنده.
ثم تختفي ابتسامتها وهي تنبه نفسها:
"إياك والجنون يا ياسمين حسن. ما فكرش فيكِ من الأساس وهو محاسب في بنك. وأحمد كان من المستحيل يفكر فيكِ وإنتِ بتعتقدي إنه موظف في الشركة. يبقى من رابع المستحيلات إنه يفكر فيكِ وهو صاحب الشركة. إنتِ مجرد حد بيرتاح له. أوعى تتجنني ويسرح خيالك أكتر من كده."
سكون، راحة، سعادة، متعة جديدة يشعر بها أحمد ونشاط جديد عليه. أكيد هذا تأثير ياسمين عليه. مع رغبة شديدة في إخفائها عن الجميع. فهذه السعادة له وحده. فبعد عودة الصداقة مع ياسمين، أصبح يأخذها إلى أماكن أكثر رقي. فأصبح ركن هادئ في مطعم راقٍ مطل على النيل هو مكانهما المعتاد.
وبعد أن عرفت حقيقته، أصبح يحكي لها كل ما يريد. فحكى لها عن أحلامه وطموحاته وبعض المشكلات التي يواجهها في الشغل. وعن قراراته الخاطئة والقرارات الغبية. لكنه لم يجرؤ على أن يحكي لها عن قراره الأكثر غباءً والذي كاد أن يدمره. فهذا سره وحده.
هل يجرؤ يوميًا أن يقول لها أنه بغبائه كاد أن يخسر ثروته كلها؟ هل يستطيع يومًا أن يخبرها أن يديه ملوثة بدماء رجل؟ هل يقول لها أنه رجل جبان هرب في أول فرصة دون أن يلتفت للوراء؟ هل يخبرها أنه لا ينام براحة أبدًا بسبب كثرة الكوابيس التي تخنقه ليلاً؟ أكيد لن يقول لها أي من هذا الكلام. فلن يشوه صورته أمامها أبدًا. فيكفي صورته المشوهة أمام نفسه.
قاطعت أفكاره السوداء بسؤالها:
"والمشروع ده مهم؟"
نظر لها بدهشة:
"يا ياسمين، ده أهم مشروع في حياتي كلها."
ياسمين ببساطة:
"مش فاهمه."
فقال بتوضيح:
"شركتي قامت بمشاريع كبيرة كتير، لكن ده هيكون الأضخم والأكبر والأصعب. لأنه هيكون خاص بيا، يعني هنفذ المشروع ده بحسابي ولحسابي. عشان كده أنا بجهز له من حوالي سنة، من دراسة جدوى وحساب وميزانية ورسم تخطيطي لكل شيء."
ياسمين بتعجب أشد:
"سنة كاملة؟ هو كبير للدرجة دي؟"
أحمد بشرح:
"طبعًا، دي مش مجرد قرية سياحية. ده مكان لصفوة الصفوة. مش هتكون شاليهات ولا فيلات، دي قصور كبيرة وعملاقة محاطة بحدائق على النظام الأوروبي وشلالات مياه صناعية. إلى جانب نظام التلفريك، وأكيد مطار خاص، ومدينة ملاهي على أحدث طراز فيها ألعاب مائية وهوائية، ومستشفى ضخمة على أحدث طراز ملحق بها طائرتين هليكوبتر لنقل المريض من المستشفى للقصر الخاص به."
كانت ياسمين في حالة ذهول. هل ما يصفه موجود في مصر؟ مصر بتاعتنا، مصر الزحمة والعشوائيات والحواري الضيقة.
فقالت بزهول:
"مين يقدر يشتري قصور بالضخامة دي والمواصفات دي؟"
فيضحك أحمد عاليًا:
"فهذه الفتاة لن تتخلى عن سذاجتها أبدًا. يا ياسمين، في مصر مليارديرات نفسهم في أماكن زي دي. وفيه ملوك وأمراء عرب يتمنوا يقضوا أجازتهم السنوية في قصر بالمواصفات دي. وفيه نجوم أجانب بيعشقوا مصر. بيحلموا بقصور زي دي. وفرق العملة هيجعل السعر بالنسبة لهم كلهم معقول جدًا جدًا، والبعض هيعتبره رخيص كمان. وخاصة إن المكان كبير جدًا في الساحل الشمالي."
فقالت بعد تفكير:
"مكان زي دا أكيد غالي جدًا وهيكلف الشركة فلوس كتير أوي."
أجابها ببساطة:
"هيأ، دي المفاجأة. لأننا مش هندفع فيه جنيه واحد. يعني ببلاش."
فنظرت بدهشة:
"ببلاش إزاي؟"
فأجابها بتوضيح:
"من حوالي 30 سنة، كانت المنطقة في الساحل عبارة عن جبال وصحراء وبحر وبس. سألت بابا عن سعر المتر، فكان بحوالي 50 قرش. فاشترى بحوالي 50 ألف جنيه. يعني اشتري حوالي 100 ألف متر. يعني إحنا بنمتلك حوالي 10 كيلو متر مربع أرض في الساحل الشمالي. يعني أرض المشروع كلها ببلاش."
ياسمين:
"باباك كان عبقري. يا ترى المتر حاليًا بكام؟"
أحمد:
"كانوا بيضحكوا على بابا لأنه اشتراها وكانوا بيقولوا رمى فلوسه في الهوا. بس بابا كان عنده بعد نظر. والدليل إن الـ 50 ألف دول يا دوب يشتري 5 متر حاليًا."
فضحكت ياسمين:
"مش بقول عبقري. طيب المكان موجود والدراسة جاهزة، ليه مش بتبني القرية؟"
تغيرت ملامح أحمد للوجوم والضيق وقال:
"مش بالبساطة دي. الشركة مش كلها باسمي."
قال أحمد بوجوم شديد:
"مش بالبساطة دي. الشركة مش كلها ملكي أنا وأمي شركاء بنسبة متساوية. وتركت إدارة الشركة ليا، لكن لابد من موافقتها على أي مشروع عشان يتم تنفيذه. هيا ومجلس الإدارة."
فقالت ياسمين:
"وليه مامتك ما توافقش؟ إنت ابنها، وأكيد يهمها مصلحتك."
فضحك أحمد بسخرية وقال بألم:
"مش أمنية هانم، حفيدة إبراهيم باشا توفيق. دي أهم حاجة مصلحتها وبس، حتى ولو على حسابي أنا شخصيًا."
ياغ:
"مستحيل. مامتك أكتر حد في الدنيا كلها يحبك. إزاي تقول عنها كده؟"
أحمد:
"لأن هيا دي الحقيقة، وللأسف."
"أمي من سنين وهي فرضت وجودها في الشركة. كانت نسبتها الثمن ودي حقها الشرعي. لكنها وقت كان فيه أزمة زمان دفعت ليا فلوس وأخذت في المقابل نسبة من الشركة. وبالرغم إن اللي دفعته لا يساوي 10% من قيمة الأسهم، إلا إنها أصرت إن تكون نسبتها 50% من الشركة. يعني تقريبًا سرقتني."
ياسمين بغضب:
"عيب عليك الكلام ده. دي أمك. والرسول بيقول: إنت ومالك لأبيك. فما بالك بأمك اللي الجنة تحت أقدامها. دي لها كل حاجة، مش الفلوس بس. أنا أعرف غيرك ناس نفسهم يبيعوا عمرهم كله عشان يشوفوا أمهم مرة واحدة بس، حتى ولو هيموتوا بعدها. هيموتوا وهم سعداء إن آخر حاجة شافوها كانت أمهم. احمد ربنا إن أمك معاك، دي نعمة كبيرة."
ليمد أحمد يديه ليمسح الدموع المتساقطة من عينيها وقال:
"ليه الدموع دي؟ إنتِ متخيلة أمي زي كل الأمهات اللي بتسهر على راحة أولادها؟ وكلام الأغاني دا طبعًا لا. دي هانم عايشة حياتها كلها كهانم من سلالة البشوات. مش بيهمها إلا صورتها في مجتمع السيدات الراقية وبس. تعرفي أمي مسيطرة على أعضاء مجلس الإدارة. إذا هي وافقت يوافقوا، وإذا رفضت الكل بيرفض. حتى ولو كان في غير مصلحة الشركة، بس عشان تفرض رأيها عليا. يا ريت الأمر كله فلوس. يا ياسمين، أنا عمري ما حسيت باهتمامها أو خوفها عليا. عمري في حياتي كلها سألتني إن كنت سعيد أو حزين، أو حتى اهتمت إني بخير. ولا مرة في طفولتي أخذتني للمدرسة مثلًا، أو حتى فسحتني زي أي أم. والأصعب، عمرها ما أخذتني في حضنها."
ياسمين:
"إنت بتبالغ يا أحمد."
أحمد بألم:
"أنا بقول الحقيقة. عمري ما حسيت بحضن أمي الحقيقي. عمرها ضمتني لصدرها وحاوطتني بإيديها، حضن الأمان والراحة. عمري ما نمت على رجلها ولعبت ليّا في شعري زي أي أم طبيعية. لأنها ببساطة، حفيدة إبراهيم باشا توفيق."
"نظهر في الأماكن العامة بكل أناقة في أي مناسبة أو حفل توقيع عقد مع شركة تانية. تضمني لحظة وتبعد عني بسرعة، خايفة لتظهر صورتها مش واضحة ومهزوزة بسبب الحضن دا. وبتقولي ببالغ."
نظر أحمد للنيل وهو يشعر ببعض الراحة. فقد كشف لياسمين عن هم كبير كان مخبأ في صدره. ويشعر أيضًا بالخجل من نفسه لأنه عرّى نفسه وكشف حقيقته أمامها. فهو شخص محروم من حنان أمه.
أما ياسمين، فقد تركته قليلًا مع نفسه، فهو يحتاج لهذا الوقت حتى يستعيد رباطة جأشه ثانية. ثم قالت بعد مدة بشيء من المرح:
"يا خبر! فاضل خمس دقائق وتخلص ساعة الغداء. قوم بسرعة ليخصم عليا الأستاذ كامل اليوم."
وقامت مسرعة. ليبتسم هو الآخر ويدفع الحساب ليلحق بها.
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل السادس 6 - بقلم حياة محمد الجدوى
في مكتب أحمد.
جلس أحمد يوقع بعض الأوراق ويراجع بعض الملفات، فدخلت عليه هايدي وهي تبتسم وقالت برقة:
هاى أحمد.
فرد لها الابتسامة وقال:
أهلاً يا هايدي.
وأشار لها، فسارت حتى جلست على الكرسي أمامه، ووضعت ساق فوق الأخرى بأناقة لترتفع تنورتها الضيقة فوق ركبتيها كاشفة عن جمال ساقيها، وقالت:
بقالي كتير مش بشوفك على الغدا، إنت مخاصمني وإلا إيه؟
فقال لها بابتسامة:
لا أبداً، بس هو ضغط الشغل بس.
فقالت له بابتسامة هادئة:
خلاص نعوض الغدا النهارده ويبقى عشا، وحشني الخروج معاك بصراحة، عايزة أخرج من ضغط الشغل.
فابتسم أحمد بهدوء:
ماشي، بس المكان النهارده هيكون على ذوقي.
قالت:
Okay، مش عندي مانع، المهم يكون المكان حلو.
المهم إيه أخبار مشروعك؟ كله تمام؟
فقال بحماس:
تمام، أنا هقدم النسخ النهارده لمجلس الإدارة لمناقشة المشروع، وإن شاء الله خير.
فقالت باهتمام:
حمستني له، طيب كلمني عنه وعن أفكارك الجديدة فيه.
فقال بسعادة وحماس:
مستعدة إنك تسمعي.
فابتسمت وقالت:
لو هتطلب لي قهوة، فـ okay.
رفع سماعة الهاتف وطلب اثنين قهوة، وبدأ يحكي لها بحماس عن أفكاره بصورة عملية أكثر، فهايدي تعرف عن العمل أكثر من ياسمين.
وبعد فترة، تركت هايدي فنجان القهوة الفاخر على الصينية وقالت:
مشروعك كفكرة هايل جداً، ولكن التنفيذ مستحيل.
فقال بغضب:
ليه مستحيل؟
فقالت له ببساطة:
مشروع بالحجم ده ميزانيته أكتر من ٢٠٠ مليون جنيه، يعني تقريباً ميزانية دولة. (راعوا إن الأحداث في عام ٢٠٠٧)
أحمد:
ما أظنش، وبعدين الميزانية المبدئية أقل من كده بكتير، وما تنسيش إننا موفرين تمن الأرض، وده هيقلل كتير في الميزانية المبدئية، ثم إن الأرباح هتكون عشر أضعاف التكاليف.
فقالت هايدي:
على العموم، لسه بدري على الكلام ده، لما أدرس الورق وأحسب التكلفة والربح ونسبة المخاطرة، هيكون فيه كلام تاني.
فنظر لها أحمد ببعض الضعف وقال:
هايدي، المشروع ده حلم العمر، أتمنى إنك تسانديني فيه.
أنزلت هايدي ساقها عن الأخرى لتميل إليه مبتسمة وتقول برقة:
وأنا معاك دايماً.
فتتسع ابتسامة أحمد حتى تشمل وجهه كله، فقد كان فعلاً محتاج لمساندتها له.
***
في يوم الجمعة.
وبالتحديد في مكانهما المعتاد، صالة البلياردو.
جلس هاني على الكرسي المقابل لأحمد ويراقب تلك الجالسة بجواره.
هذه هي ياسمين التي أكل رأسه من كثرة الكلام عنها، فتاة بسيطة ترتدي ملابس أبسط، عبارة عن بلوزة باللون البيج نصف كم وعليها كتابات سوداء باللغة الإنجليزية، وبنطلون جينز باللون الأسود، أما شعرها فمجموع ذيل حصان طويل جداً يصل لآخر ظهرها، وتضع فقط أحمر شفاه وردي وكحل في عينيها فقط، بسيطة لكنها مرتبة.
فابتسم لها هاني وقال:
أخير شفتك يا ياسمين، ده أحمد صدعني من كثرة الكلام عنك.
فابتسمت له بخجل وقالت:
الله يحفظك.
فأشار له أحمد وقال لياسمين:
هقوم أجيب عصير، تعال معايا يا هاني.
فيقوم هاني معه، وبعد أن ابتعدوا، سأله أحمد بلهفة:
إيه رأيك في ياسمين؟
فقال هاني ببساطة:
عادية جداً، إنت عرفت بنات أجمل منها عشر مرات.
فقال أحمد بضيق:
أنا عارف إنها عادية، لكن أنا مش بسأل عن الشكل، لأنه مش هاممني خالص، ما إنت عارف شفنا إيه من الحلوين، مجرد بنات تافهة ومستغلة.
قال هاني بتذكر:
عندك حق، كان عندك قدرة غريبة في جذب البنات إللي زي القمر، بس مخهم مخ حمار.
فضحك أحمد وقال:
طيب قولي إيه رأيك في ياسمين كأخلاق، كتعامل؟
فكر هاني بعمق ثم قال:
أنا سمعت منها كلمتين وبس، (الله يحفظك). يا ترى هكتشف منهم إيه عن أخلاقها وعن كلامك الفاضي؟ يا ابني الموضوع عاوز وقت، مش ٣ دقايق وربع.
أحمد:
أنا حسيت بسعادة معاها من أول سندوتش فول أكلته معاها.
فشد هاني شعره وقال بمرح:
جننتني بسندوتش الفول السحري، ياللا عشان ما نتأخرش عليها أكتر من كده.
بعد قليل، أصبح المكان صاخباً بضحكاتهم العالية، حتى أن العديد من الفتيات حقدن على ياسمين لأنها تجلس بين اثنين من أوسم الشباب في النادي وأغناهم.
أما ياسمين فلم تلتفت لأحد، فقد كانت ضائعة من كثرة الضحك، فبعد دقيقتين، بدأ كل واحد منهم يكشف فضائح الآخر لها وذكروا مصائبهم المختلفة، حتى أنها كانت تعلق عليهم بمرح.
أما أحمد فكان ينظر لهم بسعادة، فأعز اثنين على قلبه يضحكون معاً، يكفيه وجودهم حوله، إلى أن سمع هاني يقول:
إنتِ لازم تيجي معانا كل أسبوع، أنا خلاص حبيتك يا قمر.
فضاعت ابتسامة أحمد وهو يرى ابتسامة ياسمين الخجلة على تعليقه، ليشعر بضيق داخلي، كاد أن يقوم بضرب هاني، كيف يقول لها حبيتك أو يا قمر؟ كيف يجرؤ على مغازلتها؟
فـياسمين بتاعتي لوحدي، لا يشاركني فيها أحد.
ليقف ويسأل نفسه: هل كل هذا الغضب بسبب كلمة غزل بسيطة من هاني؟ فأكيد ما يشعر به تجاه ياسمين شيء أكثر من الصداقة.
إنتبهت له ياسمين فسألته برقة:
مالك يا أحمد؟
فانتبه أحمد ليسبقه هاني ويقول:
ياللا عشان نلعب، أنا النهارده متحمس إني أغلبك.
فقال أحمد:
في أحلامك.
فسألها هاني بمرح:
هتشجعى مين فينا؟
فنظرت لهم بابتسامة واختارت الرد الدبلوماسي:
أنا هشجع الأهلي.
ليقفز هاني بمرح ويقول:
اختارتني، اختارتني.
فنظرت لهم وقالت:
مش فاهمه.
فيقول هاني بمرح:
أصل إحنا متفقين على كل حاجة إلا الكورة، هو بيشجع الزمالك وأنا بشجع الأهلي، وإنتِ اختارتيني، قومي معايا أوريكى الإبداع.
فقامت معه ياسمين لتقول في نفسها: يا ريتني قلت بشجع الزمالك، كده أحمد هيزعل.
لكنها ثواني وقد نست الأمر، فهاني يلعب بطريقة استعراضية، فقد بسببها كل تركيزه، فأصبح يلعب من أجل الخسارة لا الفوز، فقد كان يقفز مهللاً مع كل كرة لا تدخل الجحر، وهو يشير لياسمين عن مهارته الشديدة في الخسارة والمرح، في الأمر أن ياسمين أعجبتها فكرة هاني الغريبة، فبدأت تشجع هاني على كل ضربة خاسرة، حتى أنه أسقط الكرة رقم ٨ السوداء أول المباراة ليخسر، فتصفق له ياسمين على خسارته المبهرة، في حين أنه سجد سجدة شكر على طريقة لاعبي كرة القدم، لينتهي اليوم بالعديد من الضحكات وبذكرى سعيدة ستضيفها ياسمين إلى سجل حياتها الحزينة.
في اجتماع مجلس الإدارة، اجتمع أحمد مع أمه هايدي ليناقش أمام أعضاء مجلس الإدارة مشروعه ويناقش مزايا وعيوب المشروع والإقتراحات ومناقشة أي ملاحظات عليه.
جلس هو في صدر طاولة الاجتماعات، وجلست أمه عن يمينه، وجلست هايدي على يساره، أما باقي الأعضاء على باقي الكراسي، وأمام كل واحد منهم نسخة من المشروع ودراسة الجدوى والميزانية.
فقال أحد الأعضاء:
المشروع عظيم ودراسة الجدوى هايلة.
فنظرت له أمنية هانم نظرة غرور واضحة ولم تعلق.
فقال الآخر:
لكن فيه مخاطرة كبيرة، لأنه مشروع ضخم جداً وهيأثر على المشاريع التانية، وخاصة إننا عندنا ٣ مشاريع لسه ما خلصتش.
فنظرت له أمنية هانم نفس النظرة ولم تعلق.
هايدي:
فعلاً مشروع عظيم، لكنه طموح أكتر من إمكانياتنا، فاقترح دخول شريك أجنبي بالنصف ليجنبنا حدوث أزمة في السيولة.
فينتفض أحمد:
لا مستحيل شريك ياخد مشروعي بالبساطة دي، ثم إن أكبر عقبة هي المكان، وإحنا فعلاً موفرينه، ليه يدخل شريك يشاركنا مكسبنا بالبساطة دي.
فيقول أخر:
نعمل دعاية كبيرة في التلفزيون ونفتح باب الحجز، وده هيوفر سيولة كبيرة للمشروع زي كل المشروعات الجديدة.
أحمد:
ده لو مجرد شاليهات أو ڤيلل، لكن دي قصور خاصة للصفوة، يعني كل واحد هيدفع في حالة اكتمال القصور ويشاهد على الطبيعة، وقد ألجأ للحل ده في مرحلة نهاية المباني وبدء التشطيب، لأن هيكون لصاحب القصر حرية اختيار الألوان والديكور الخاص به، حتى الجنينة هيكون لكل واحد متطلب خاص به من نوع الزهور والأشجار، حتى الطيور والحيوانات اللي هيطلبها في حديقته.
فنطقت أمنية هانم أخيراً وقالت:
هايل جداً، أنا شخصياً عجبتني فكرة إني أمتلك قصر بالمواصفات دي.
فتهلل وجه أحمد بموافقة أمه المبدئية.
فأكثر في الشرح، وخاصة المكاسب الخرافية التي ستحصل عليها الشركة وتجعلها في المكانة العالمية، حيث ستنافس أكبر شركات العالم في المشاريع العملاقة، وبعد ساعتين من النقاش وتبادل الآراء، بدأت اللحظة الحاسمة، وهي تصويت أعضاء مجلس الإدارة على المشروع.
فقيلت العبارة الشهيرة:
اللي موافق على المشروع يتفضل برفع يده.
فيرفع أحمد يده وينظر حوله ليجد أيادي الأعضاء المرفوعة تنخفض تدريجياً عندما رأوا يد أمنية هانم منخفضة.
حتى لم يبق معه سوى ثلاثة أعضاء فقط، أما باقي اللجنة المكونة من اثنا عشر عضواً فقد انخفضت أيديهم.
دارت الدنيا بأحمد وهو ينظر لأمه ولهايدي، لعلهما ترفعان أيديهما، فيقول بصوت فيه رجاء:
ماما، هايدي.
فتنظر له أمه بقوة وكأنها تقول له لا صريحة، أما هايدي فتدير وجهها للناحية الأخرى.
فيقول بغضب:
ليه؟ ليه؟
فتقول أمه بصوت واضح ثابت:
أنا مش مستعدة إني أجازف بكل فلوسي وفلوس شركتي في مشروعك ده، لأنه أكبر من إمكانياتنا. إنت طموح ولكن أنا واقعية، ومش هعرض الشركة للإفلاس، لأن مشروعك هيستهلك كل مكاسبنا مدة سنتين قبل ما نبدأ نشعر بالأرباح، وأنا رافضة المجازفة دي.
ثم نظرت للأمام لتقول هايدي:
أنا آسفة يا أحمد، طنط عندها حق.
ليسمع صوت يقول:
تم رفض المشروع.
ليقوم أحمد من مكانه وهو في قمة الغضب، ليخرج مسرعاً من قاعة الاجتماعات، وهايدي وراءه تحاول أن تهدئه وتبرر له أسباب الرفض، إلا أنه تركها وخرج مسرعاً.
أما أمنية هانم فتقول في نفسها:
أسفة يا أحمد، مش هسيبك تعمل مشروعك وأرباحه الكبيرة تديك الفرصة تنفصل عني، لازم أحجم طموحك عشان أضمن خضوعك ليا.
***
تخلص من الجاكيت ورماها على الأرض، وفتح الكرافت وجذبها بعنف لتلحق بالجاكيت، ويمشي مسرعاً يكاد يجري من شدة سرعته، وهايدي وراءه بمسافة تنادي عليه وتطلب منه أن يسمعها وترجوه لكي يقف، لكنه كان لا يرى ولا يسمع، كان غاضباً بشدة، حلمه من سنوات طويلة وتعب سنة كاملة في الدراسة والتخطيط راح بإشارة من يد أمه.
ركب السيارة بسرعة، لتقف هايدي وهي تحمل الجاكيت والكرافت وتشعر أنها أنهت أي فرصة لها لعودة حب أحمد لها ببشاعة.
***
أما أحمد فدار بسيارته في الشوارع حتى كاد أن يصطدم بسيارة أخرى، ثم عاد إلى الشركة ووقف أمامها، وأخرج هاتفه وأقام باتصال واحد بالشركة، حيث اتصل برقم الأرشيف، ليرد عليه الحاج كامل.
أحمد:
عايز أكلم ياسمين.
فيسأله الحاج كامل:
أقول لها مين بالضبط.
فيتأفف أحمد بغضب ويقول بصوت واضح فيه الضيق الشديد:
لو سمحت وصل التليفون لياسمين، الأمر مهم ومش فاضي لأسئلتك دي.
فينظر كامل للتليفون بغضب ثم يقول بصوت عالٍ:
يا ياسمين، فيه حد عايزك على التليفون.
ويرمي السماعة على المكتب، فتقوم ياسمين في دهشة، فهذه أول مرة يتصل بها أحد، فأحمد يكاد يقتلها لأنها رافضة الجهاز الكافر المسمى بالمحمول كما يقول، ويسخر منها دائماً، وعبد الله يتصل بها في المنزل.
لتقوم وترفع السماعة وتقول:
ألو، مين؟
فيصلها صوته الغاضب:
ساعة عشان تردي عليا.
فتعرف أنه أحمد، فشعرت بتوتر شديد.
فقالت بارتباك واضح:
أهلاً يا...
فيقاطعها أحمد بصرخة:
أنا عند بوابة الشركة، خمس دقايق، لو ما خرجتيش ليا في الدقيقة السادسة، هاجي وأخدك من المكتب.
ثم يغلق الخط.
فتنظر للهاتف بعينين متسعتين، فأحسن ما في صداقتها بأحمد أنها خارج الشركة، لا تتحدث معه أمام زملائها، حتى أنها لا تركب سيارته الفخمة، لأنه خصص سيارة بيضاء صغيرة لخروجهم معاً، لكي تشعر بالراحة، لكنه يقف الآن أمام الشركة، فهذا أمر صعب، والأصعب صورتها التي ستتناقلها الموظفات عنها.
لتنتبه أن مر عليها دقيقتين من الخمس دقائق، فاستأذنت بسرعة أن قريب لها ينتظرها بالخارج لأمر طارئ، وأنها ستعود بعد عشر دقائق لا أكثر، ثم خرجت مسرعة لترى ما يريده أحمد، ثم تعود بسرعة، وربما ستوبخه على تهوره معها، فاقتربت من النافذة لترى أحمد جالس في ضيق ويحرك يديه بصورة عصبية.
فقالت:
خير يا أحمد، عايز إيه؟
فيقول دون النظر لها:
اركبى.
فتنظر له وتقول:
أركب فين أحمد؟ أنا عندي شغل ووقوفي هنا غلط، ولافت للنظر للموظفين، فلو...
فيصرخ أحمد:
اركبى العربية يا ياسمين، ورافق صراخه ضربة قوية لعجلة القيادة، فترتعب ياسمين بشدة، لكنها تدور وتركب السيارة، وقبل أن تتكلم، كانت السيارة طايرة على الطريق.
مما زاد رعبها وتمسكها بالكرسي.
أما أحمد فقد كان يقود السيارة، وكل فترة يضرب بيده على عجلة القيادة، حتى صرخت ياسمين من الرعب، فنظر لها وكأنه انتبه، فخفض السرعة قليلاً، وبعد أن هدأت ياسمين للحظة، حتى قالت:
مالك يا أحمد...
فلم يجيبها.
فقالت:
يا أحمد، ما يصحش كده، أنا بعدت كتير عن الشغل...
فلم يجيبها.
ياسمين:
إحنا رايحين فين؟... يا أحمد رد عليا... طب نزلني هنا وأنا هركب أي حاجة لحد الشركة، واعتذر للحاج كامل.
فيقول أحمد:
آخرسي يا ياسمين.
لتنظر للافتة المعلقة، لتجد مكتوب طريق القاهرة الفيوم الزراعي.
فتصرخ وتقول:
إحنا رايحين فين يا أحمد؟ يا أحمد... ده طريق الفيوم... هنعمل إيه هناك؟... إنت ليه بتحرجني؟... هيقول عني للموظفين إيه؟... يا أحمد الأستاذ كامل هيبهدلني.
فيصرخ:
كامل بتاعك ده موظف عندي، وكل إللي خايفه منهم أنا بديهم مرتبهم كل شهر، يعني أقدر أرفدهم كلهم، اخرسي واسكتي.
فتمر نصف ساعة وياسمين صامتة، وأعصاب أحمد كلما بعد عن القاهرة كلما هدأت وبدأ يستعيد تركيزه وهدوءه، حتى انتبه أن ياسمين هادئة، فالتفت إليها وقال:
غريبة إنك أخيراً سكتي.
فلم ترد عليه.
فنادى عليها فلم ترد عليه، فأوقف السيارة وأدار وجهها إليه، ليجده غارقاً في دموعها.
لطالما أراد أن يعرف سر دموعها، لكنه أن يكون سبب هذه الدموع، فهذا أمر قاتل، فقد شعر بألم شديد.
فقال بهدوء:
بتبكي ليه يا ياسمين؟
فقالت بدموع:
مش عارف ليه أخذتني من الشغل بصورة غريبة وعصبي جداً، مش عايز ترد عليا، المفروض أخرج عشر دقائق وأرجع، وحالياً أنا برة الشغل من ساعة، هيقولوا عني إيه؟ وهم عارفين إني هقابل قريب ليا، هيقولوا بهرب من الشغل مع راجل غريب، حتى لو مش بيهمك الشغل عندك، بس أنا يهمني صورتي عند زمايلي، كنت أقدر أرجع وأستأذن وأخرج بصورة كويسة. وكل ما أسألك تصرخ في وشي وواخدني خارج القاهرة ومن غير ما تجاوب على أي سؤال، ليه ده كله وعصبي أوى كده ليه؟ أنا عمري ما شفتك كده.
أحمد:
أنا آسف... أنا آسف يا ياسمين، لكن أرجوكي وعشان خاطري استحمليني.
قالت بهدوء:
بس أفهم.
أحمد:
إنتي بتثقي فيا.
ياسمين:
أكيد بثق فيك.
أحمد:
وأنا عمري ما هاذيكى، بس أنا النهارده مخنوق وحزين وتعبان أوى، والمكان اللي هنروح فيه أكتر مكان بحس فيه بالراحة، وإنتي أكتر شخص برتاح معاه، عشان كده محتاجك معايا، فلو سمحتي استحمليني، لو عايزة ترجعي الشركة أرجعك حالاً، وبالنسبة للموظفين هقول إنني احتاجتك في ورق مهم ودي مهمة رسمية، اختاري وأنا مش هعترض.
فكرت لحظة وقالت:
كمل طريقك يا أحمد، أنا معاك. كمل يا أحمد طريقك، أنا معاك.
نظر لها بإمتنان وقد اتسعت ابتسامته ليعود لتشغيل سيارته.
حتى ياسمين تغير حالها لتبتسم في سعادة، فقد انتبهت لجمال الطريق، وخاصة المساحات الخضراء الواسعة، ليصلا بعد مدة إلى الفيوم واتجه بها لمزرعته الخاصة.
قبل أن تصل السيارة المزرعة، استقبلتهم رائحة زهر البرتقال المنتشر في الجو.
ياسمين:
الله! إيه الريحة الحلوة دي.
أحمد:
دي أحلى أيام السنة، نهاية الشتا وبداية الربيع بيزهر شجر البرتقال، وأشار بيده، شوفي كل الأشجار دي، دي أشجار برتقال، والزهر الأبيض ده اللي بيخرج الريحة الحلوة دي وبنشمها على بعد مسافات بعيدة.
لتدخل السيارة في طريق ترابي جانبي مزروع على الجانبين أشجار النخيل والمانجو، ليصل إلى بوابة كبيرة فتحها الحارس مرحباً:
أهلاً أهلاً يا أحمد بيه، حمد لله على السلامة، نورت وشرفت.
لينزلا من السيارة وقال أحمد:
المزرعة دي أكتر مكان بحبه وبرتاح فيه. اشتريتها على أقساط ودفعت مقدمتها من أول مكسب حقيقي ليا في الشغل بعد ما... أقصد من ست سنين.
فدارت بعينيها في المكان وقالت:
جميلة قوي وهواها منعش.
فيضحك ويقول:
إنتي أول واحدة تدخل المزرعة دي.
فتظرت له بعدم تصديق، فأكمل:
ولا حتى مامتي، استغربي، المزرعة دي أجمل وأنقى شيء في حياتي، فأقسمت إن عمري ما أدخل فيها إلا إللي زيها، أما أمي لو عرفت بها كانت عملت فيها حفلات وسهرات، ويمكن كانت عملت مسابقات لصيد البط، وفي النهاية هتبقى مجرد استراحة لها ولصحباتها. المهم هفرجك عليها كلها بعد ما ترتاحي شوية، تعالي وسارا معاكي.
حتى وصلوا لحديقة كبيرة تتوسطها ڤيلا صغيرة، الحديقة مقسمة لأحواض، كل حوض به نوع معين من الزهور، فالزهور الحمراء في حوض، تليها البرتقالية والورد البلدي الأبيض وزهور البنفسج، أما النعناع الأخضر والريحان فهما منتشرين في كل مكان، مما جعل رائحة الحديقة عبارة عن مزيج من الروائح العطرة، وفي الجانب هناك تاندة خشبية كبيرة، وضع داخلها طاولة وأربع كراسي.
كانت ياسمين تشاهد المكان بإنبهار، فالحديقة أجمل من الخيال، وخاصة أن سور الحديقة كان من أشجار الزينة المتساوية في الطول، حتى الزهور متساوية، كل شيء منظم بدقة متناهية، سحبها أحمد من يدها وهو يقول بسعادة:
كل شبر في الجنينة أنا زرعته بإيدي، حتى التاندة أنا كنت بشتغل مع العمال فيها، شوفي هناك وأشار بيده لممشى جانبي أنا صنعت هناك (تكعيبة عنب) وزرعت عشر شجرات عنب، في الصيف برتاح تحتها، أما الڤيلا فهي صغيرة جداً، ممكن تعتبريها شاليه من دورين، أنا إللي مختار كل حاجة فيها، تعالي هفرجك على كل حتة فيها.
في هذه اللحظة خرجت صباح زوجة حارس المزرعة ترحب وتهلل بأحمد بيه:
يادي النور، يادي الهنا، منور يا أحمد بيه.
أحمد بابتسامة:
شكراً يا صباح.
تنتبه صباح لوجود امرأة مع أحمد فتهلل بدهشة، فأول مرة ترى امرأة تدخل المزرعة:
أهلاً يا هانم، منورة.
التفتت لها ياسمين بدهشة من كلمة هانم، فلكزها أحمد لتقول بخجل:
منورة بيكي، الله يحفظك.
فقالت صباح بصوتها العالي:
على ما ترتاحوا أكون حطيت الأكل، أنا مستنياكوا من بدري.
فأشار لها أحمد:
هناكل هنا في التاندة يا صباح.
قالت:
حاضر يا بيه، اتفضل حضرتك، وخمس دقائق وتلاقي الأكل على السفرة.
فسحب من أحمد ياسمين التي خجلت أن تدخل معه الڤيلا.
الڤيلا من الداخل رائعة جداً، مطلية باللون الأبيض من دورين، أما من الداخل فقد كانت أكثر روعة، الدور الأول عبارة عن صالة كبيرة يتدلى من السقف ثريا (نجفة) كبيرة، أما الكراسي والكنبات فكانت باللون البني الداكن والبيج في فخامة ورقي، حتى الستائر كانت مزيج بين اللونين، أما التحف والأيقونات فكانت في كل مكان، كل ركن عبارة عن تحفة فنية، واللوحات كانت فخمة بإطار ذهبي، والسجاد يدوي الصنع صنع بمواصفات خاصة أحضرها من واحة سيوة. وهناك سلم (درج) داخلي للطابق العلوي حيث غرف النوم.
فسألها:
عجبتك الڤيلا.
ياسمين:
هو ده حقيقي ولا أنا في حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة.
فيضحك أحمد بشدة:
إنتي مش طبيعية أبداً. أنا هطلع أغير هدومي وإنتي خدي راحتك، وأشار إلى منطقة جانبية: فيه هناك حمام اغسلي وشك وفوقي شوية.
دخلت ياسمين حمام واسع أنيق جداً بالألوان تتدرج بين الأزرق واللبني، دافئ جداً، وقفت تتأمل كل شبر فيه، حمام رجالي بحت، لا توجد أي لمسة أنثوية، توجد أدوات حلاقة وشامبوهات رجالية، شيء رائع أن تكون لك مكانة خاصة وأن تكون الأول، فأنا أول امرأة تدخل هذا المكان إذا استثنينا صباح زوجة الحارس والتي تنظفه.
نظرت إلى المغطس (البانيو)، كم تمنت لو استحمت فيه ولو مرة واحدة.
خرجت من الحمام بعد أن غسلت وجهها ومشطت شعرها وأعادت تضفيره كالعادة، لتجده ينزل من على السلم يرتدي ملابس بيتية مريحة عبارة عن تي شيرت أبيض تظهر منه عضلات صدره القوي وذراعيه، وبنطلون أسود رياضي، أما شعره المبلل فمصفف للحفل.
فابتسم:
تعالي ناكل، أصلي هموت من الجوع.
فابتسمت وقالت:
وأنا كمان.
أرز وملوخية خضراء (ويكا) (بامية) على طاولة الطعام، ويتوسطها طبق به بطتان من البط الفيومي الشهير، وعلى الجانب طبق به أربعة أفراد من الحمام المحشو، وطبق من السلطة الخضراء، بعض المخلل البلدي بيتي الصنع.
نظرت ياسمين إلى الطاولة بعيون مفتوحة ولعابها يسيل وقالت:
كل ده لاثنين؟ ده يكفي عائلة من عشرة أفراد.
فرد أحمد بمرح:
فعلاً مش ناقص إلا طبق كشري ونعزم عم عبده البواب.
فضحكت وضحك.
ثم جلسا ليتناولا الطعام الرائع مع الجو المدهش ورائحة زهر البرتقال الجميلة، جعلت شهيتهم مفتوحة، وما أراح ياسمين فعلاً عدم وجود شوكة وسكين، لأنها فاشلة فيهم، فكانت تأكل براحتها وهي تحكي بعض الذكريات عن عملها بالمطعم قديماً، وهو يحكي عن أغرب الأطعمة التي تناولها في سفراته، وبعد وجبة الغذاء المحترمة جداً وشرب كوب من الشاي بالنعناع، قال لها:
تعالي نتمشى شوية.
فأخذا يتمشون في الأراضي الزراعية، فقال:
هي حوالي عشرة فدادين بس، مش كبيرة قوي، لكنها جميلة. دا قسم الموالح مزروع فيها البرتقال والليمون واليوسفي. وفيه جزء تاني فيه التين والرمان، أما الجزء الأخير فمزروع شجر الزيتون والمانجو.
فقالت بسعادة:
هأشوف الأقسام كلها.
فقال بابتسامة:
طبعاً، أنا عايز تشوفى كل شبر في المزرعة دي عشان تشاركيني في حبها.
فجلس على العشب الأخضر وأشار بيده، فجلست بجواره.
ثم نظرت في عينيه وقالت بهدوء:
مالك يا أحمد؟ كلمتين بدون أي إضافات.
فتنهد ورد بكلمتين:
المشروع اترفض.
فاختفت ابتسامتها من هول هاتين الكلمتين. حلم عمره ودراسة مكثفة لمدة عام وتعب يضيع في لحظة واحدة.
فسألته بكلمة واحدة:
والسبب.
فأجاب بكلمتين:
طموح زايد.
ياسمين:
مش فاهمه.
فقال ببساطة:
خايفين إن تكلفة المشروع يفوق إمكانيات الشركة، فمش عايزين يخاطروا.
فردت ببساطة:
يمكن عندها حق.
فانفجر فيها بصراخه:
حق إيه حق؟ يجعلهم يتحكموا فيا بالصورة دي؟ يرفضوا المشروع اللي تعبت فيه؟ خايفين من التكلفة وأنا موضح كل نقطة فيه. هما مش خايفين من التكلفة، لكن أمنية هانم أمرت وهما زي الكلاب بيطيعوا. أنا متأكد إنها رفضت لأنها عارفة كويس إني كنت هأسس شركة جديدة خاصة بيا بعد المشروع ده.
فرفضته عشان تلجم طموحي، بتظن إنها هتسيطر عليا طول العمر، ما تعرفش إن العصفور الصغير بقى صقر كبير يقدر يطير ويبعد عنهم في أي لحظة.
فقالت ياسمين بصوت عالٍ حتى توقف صراخه:
يبقى عندها حق.
فصمت بدهشة من كلماتها.
فأكملت ياسمين:
اكيد عندها حق إنها عايزة تحافظ على ابنها جنبها، لأنك ابنها الوحيد. مين لها غيرك لازم تحافظ عليك جنبها.
فقال أحمد بألم:
مش بالصورة دي.
ياسمين:
يمكن ما تعرفش طريقة غير دي، لأنها أمنية هانم، عاشت طول عمرها هانم، تؤمر وتطاع.
نظر لها بألم وقال:
أنا بكره الطريقة دي.
فردت بهدوء:
حاول إنك تفهمها، يمكن إنت وهي ترتاحوا.
فاستلقى على ظهره على العشب الأخضر وقال:
عمرنا ما هنرتاح بالطريقة دي.
ثم أغمض عينيه.
فتركته ياسمين يفكر، لتقول ياسمين في نفسها:
آآآه يا أحمد، بتتمنى تنفصل عن أمك، وأنا هموت وأشوف أمي، حتى ولو حبستني في قفص باقي عمري كله، بس أشوفها مرة واحدة.
ليقطع أحمد حديثها مع نفسها:
تحبي تشوفي أحلى جزء في المزرعة.
فهزت رأسها، فقام ومد يده لها لتقوم ويأخذها في الاتجاه الآخر، حيث البنايات الخشبية، والتي عرفت من فيها من قبل أن تدخلها بسبب صوت أصحابها، كانت أسطبل خيل.
نادى أحمد على العامل ليدخل معهم ويسأله عن حال خيوله.
((قالوا إن الفرس يظل يدعو طول الليل أن يكون أحب لصاحبه من ماله وولده)) لذلك فعشق الخيل لا يدركه إلا من عنده الخيل ورباه وشاهد مراحل نموه، فعشق الخيل يتسرب بين الأوردة والشرايين.
نظرت بسعادة إلى الأحصنة العربية الأصيلة، وهو يخبرها عن نوع كل حصان، وأن لكل منهم شهادة ميلاد موثقة تصدر من المزرعة، مسجل فيها اسم الحصان واسم أمه وأبيه وتاريخ التطعيمات التي يحصل عليها الخيل، وأن هناك طبيب مقيم مخصوص لهذه الخيول.
وأخبرها أنه بدأ بخمسة أحصنة وأصبح لديه أكثر من عشرين حصان.
ثم أخذها إلى حظيرة مغلقة وقال:
تعالى شوفي مفاجأتك.
ثم دفع الباب لترى فرسة صغيرة لونها بني وشعرها وشعر ذيلها قصير. كانت جميلة بعيون بنية واسعة.
فقال أحمد بسعادة:
دي يا ستي الفرسة جاسي، أحدث عضو عندنا.
فمدت ياسمين يدها لتتحسس وجنة الفرسة وتلمس شعرها.
فقال أحمد بسعادة وهو يطعم الفرسة قطعة من السكر:
دي عمرها حوالي خمسة أشهر، وهيا أصغر عضو عندنا، عشان كده دي دلوعة الكل.
فقالت ياسمين وهي تربت على ظهر الفرسة:
أنا حبيتها من أول نظرة. أكيد هتكون فرسة رائعة لما تكبر.
أحمد:
دي فرستك إنتي.
ياسمين:
نعم؟ إزاي؟ إنت أكيد بتهزر.
نظر أحمد لعينيها مباشرة وقال:
لا ما بهزرش، دي فرستك إنتي، حتى اسمها جاسي اختصار لكلمة جاسمين، اسمك بالإنجليزي، وأول ما اتولدت أنا كتبتها باسمك، وكنت بستنى الوقت اللي هجيبك المزرعة وأفرجك على هديتك.
ياسمين:
لا يا أحمد، مستحيل أقبل بكده.
أحمد:
ما فيش مستحيل، دي هديتي لكِ، وعيب ترفضي الهدية.
ثم أشار للسائس وقال:
تعالى نتمشى شوية.
فابتسمت وخرجت معه، لتجد السائس يخرج معه حصان أحمد الخاص (صخر)، حصان أسود له عيون واسعة سوداء وجسد ضخم قوي، فمسح أحمد على ظهر الحصان وقال:
وحشتني يا وحش، جاهز؟
فيصهل الحصان وكأنه يفهمه، فيضحك أحمد ويقول:
لا النهارده مش هنجري، هنتمشى بس.
ويعود السائس ومعه حصان أبيض به بعض البقع السوداء، يبدو عليه الهدوء.
فقال أحمد يطمئنها:
متخافيش، ركوب الخيل مش صعب، بس بصراحة نفسي أفرجك على المزرعة وإحنا بنتمشى بالخيل.
قامت ياسمين بتخليل أصابعها في شعر الحصان الأبيض ومسحت على رقبته، ودون مقدمات ركبت الحصان بمهارة عالية، تعجب لها أحمد، فقال بتعجب:
أنا ظنيت إني هقنعك في ساعة إنك تركبي الحصان وساعة تانية أساعدك في ركوبه.
فقالت ياسمين وهي تمسك اللجام:
بابا الله يرحمه كان بياع خضار زمان، كان عندنا حصان بلدي كبير في السن، لكن كان قوي، وكنت وأنا صغيرة بساعد بابا في إطعام الحصان واستحمامه، وكان دايماً يركبني بابا على ظهر الحصان ويتمشى بيه، عشان كده أنا بعشق الخيل.
فركب أحمد حصانه وسألها:
وإيه حصل لحصانكم؟ بعتوه؟
فراحت ابتسامة ياسمين وحل محلها الحزن وقالت:
مات في الحادثة المشؤومة واتكسرت عربية الخضار، بعد ما بابا راح نظره وعجز عن الحركة.
تبدلت نظرة أحمد لحزن شديد، فهذه أول معلومة حقيقية يعرفها عن ياسمين، يعرف أنها من أسرة فقيرة، لكنه لم يتوقع أن يكون هذا حالها، أب بائع للخضار، عمل لا يدر إلا ربح بسيط، وحتى هذا العمل يضيع بهذه الصورة البشعة، أكيد هذا سبب الحزن الشديد في عيونها.
لكنه حاول تغيير الموضوع فقال:
فكي شعرك.
فنظرت له بدهشة:
نعم.
فقال موضحاً:
فكي شعرك، هتحسي بإحساس حلو لما يتحرك شعرك مع الهوا وانت فوق الحصان، وبصراحة أنا نفسي أشوفك وإنتي شعرك حر على طبيعته.
شعرت بخجل شديد، فهي دائماً تجمع شعرها بضفيرة طويلة ولم تتركه حر إلا مع سارة.
لذلك وبخجل سحبت ضفيرتها وحلتها، لينساب شعرها حتى آخر ظهرها كاشفاً عن جماله الشديد، فابتسم أحمد وحرك حصانه ليسيرا معاً في طرقات المزرعة، وهو يشير لها ويشرح لها كل شبر في المزرعة، وبعد أكثر من ساعة من التجول، عادا إلى الأسطبل ليأخذ العامل الحصانان منهم.
ليأخذها أحمد خلف الأسطبل، فرأت مكان واسع محاط بسور خشبي دائري قصير، ورأت بداخلها السائس المخصص بتدريب الخيل في منتصفها، ومعه حصان يدور ويقفز ثم يقف على ساقيه الخلفيتين.
فنادى أحمد السائس وسأله عن الحصان.
فقال السائس في جدية:
لسه شوية يا بيه، لكن الحصان شديد ومش بالساهل يتروض.
فقالت ياسمين:
فيه إيه الحصان ده؟
فقال أحمد:
الخيل حيوان بري، حتى لو مولود في مزرعة، فيه طابع التوحش، ولازم يتروض عشان يقدر يشارك في سباقات الخيل.
فقالت بدهشة:
إنت بتشارك في السباقات دي.
رد أحمد:
مش بصورة مستمرة، لكن الغرس ده هيكون نجم السباقات في الأعوام القادمة، وممكن أحصل منه على ميدالية في الأولمبياد.
اقتربت ياسمين من السور لتشاهد بإنبهار السائس وهو يروض الحصان.
وبعد فترة، شعر السائس بتعب الحصان، وربما شعر بفتاة جميلة زرقاء العينين تراقبه بإنبهار، فقرر تغيير الجو، فاتجه إلى المسجل ليعلو صوت مزمار صعيدي وطبلة بلدي، ليبدأ السائس في تدريب الحصان على الرقص.
كانت حركات الحصان في البداية همجية، لكن السائس تحرك بحركات رشيقة منتظمة، وهو يعد بصورة متكررة، فطاوع الحصان السائس ليقفز قفزات متتالية، حتى أصبحت رقصة الحصان منتظمة يتبع فيها الحصان السائس.
أما ياسمين فقدت عقلها من شدة السعادة وهي تراقب رقصة الحصان وتصفق له، فعجب السائس تشجيع ياسمين، فزاد الأمر بأن ركب على ظهر الحصان وهو يرقص ويدور به في خطوات رشيقة.
ليسألها أحمد:
عجبك رقص الحصان.
فردت بعفوية وهي تزيح شعرها عن وجهها:
ده كان حلمي، إن فرحي يكون فيه حصان بيرقص.
فابتسم أحمد لثاني معلومة عرفها عن ياسمين.
راقبها تنظر بحزن للحصان وهو يعود لحظيرته، وظلت تشير له بيدها، حتى انساب شعرها مرة أخرى ليغطي وجهها جزء من عينيها، لتجمعه مرة أخرى بيدها.
كانت حركتها عفوية، لكن تأثيرها على أحمد كبير، وخاصة مع غروب الشمس وانعكاس اللون البرتقالي على لون عيونها الزرقاء في امتزاج فريد، فلم يشعر بنفسه أحمد إلا وهو يقترب منها ليخلل أصابعه في شعرها ويزيحه عن وجهها، ويده الأخرى يجمع به شعرها من الجانب الآخر، لينظر في عينيها ويقول بصوت عميق:
إنتي جميلة قوي.
ودون أن يشعر ضمها لصدره وفي أحضانه.
في الڤيلا.
جلست أمنية هانم وقد بدأ عليها القلق، تنتظر عودة أحمد بفارغ الصبر.
أما هايدي فقد كانت جالسة وشارده تفكر بهدوء، وعلامات الحزن الشديد ظاهرة على وجهها.
أمنية:
لا كده كتير أوي، الساعة حوالي ١١ بالليل وأحمد لسه ما رجعش.
هايدي:
غريبة، كان زمان بيرجع حوالي ٤ الفجر، وكنتي بتقولي شاب وعايش سنة زي أصحابه. ليه قلقانة؟
أمنية:
إنتي عارفة إن أحمد الحالي مش أحمد بتاع زمان، أحمد بتاع زمان كان شاب طايش، أما الحالي عمره ما اتأخر إلا لسبب قوي.
هايدي بسخرية:
وإللي عملناه ده مش سبب قوي؟
أمنية:
عملنا إيه يا هايدي؟ ده شغل.
هايدي:
إللي إحنا عملناه مش شغل، إحنا غدرنا بيه وقتلنا أحلامه بطريقة بشعة.
أمنية:
ده قرار مجلس الإدارة وقرارهم لازم يحترم، ومشروعه ده فيه خراب للشركة كلها، واحنا عملنا اللي فيه مصلحة للشغل.
هايدي:
إنتي عارفة كويس إن مشروعه كان أكبر مصلحة للشغل، لكن إنتي رفضتيه لأنك مصرة تسيطرى على أحمد وتفرضي رأيك حتى ولو غلط.
أمنية:
Okay، عندك حق. طيب ليه وافقتي إني؟ ليه شاركتي معايا في قراري؟ ليه ما أيدتيش أحمد وساندتيه في الاجتماع النهارده؟
هايدي بحزن:
مش عارفة، حقيقي مش عارفة، لكن نظرته ليا كانت صعبة (وبدأت تنزل الدموع من عينيها). عمري ما هنسى النظرة دي، كانت كلها خيبة أمل.
أمنية:
هايدي، إنتي عمرك حبيتي أحمد؟
هايدي:
إنتي يا طنط اللي بتقولي الكلام ده.
أمنية:
اكيد، إنت زمان كنتي فرحانة باللعبة دي، شاب وسيم وغني زي أحمد، كل البنات هتتجنن عليه، وهو يعرف نص بنات العائلات الكبيرة ويسيب الكل ويحبك ويجري وراكي، وإنتي اللي بترفضيه، ولما كبر ونضج، عجبك إن راجل زيه وفي مكانته إنه يحبك ويفضلك عن كل البنات، يعني في كلتا الحالتين إنتي بتفكري في نفسك وبس.
هايدي:
حرام عليكي يا طنط، أنا عملت كل حاجة عشان أكون جنب أحمد، بعدت عن أهلي وعشت معاكم واشتغلت معاه وملزماه ٢٤ ساعة في اليوم تقريباً، فرضت نفسي عليه وأهنت نفسي وكرامتي، وأنا بحارب أي بنت تقرب منه أو هو يقرب منها، كل ده وبتقولي مش بحبه؟ أعمل إيه أكتر من كده.
ثم انخرطت في بكاء شديد.
ولم تهدأ حتى سمعت صوت سيارة أحمد وهي تتوقف في الخارج.
ليدخل بعد قليل من باب الفيلا ويتجاوزهم مسرعاً بدون أن يلقي أي تحية، وقبل أن تتكلم أمنية، كانت هايدي تسير مسرعة خلفه وتقول:
قلقتني عليك يا أحمد، إنت كويس.
توقف أحمد للحظة ثم استدار إليها ونظر في عينيها وقال في هدوء:
أنا كويس، ما تخافيش.
قالت هايدي بسرعة:
أنا آسفة يا أحمد، آسفة جداً، وعارفة إنك زعلان مني، بس أنا...
فيقاطعها أحمد:
خلاص، الموضوع انتهى يا هايدي.
ثم قال لها ولأمه:
تصبحوا على خير.
ويتجه لجناحه الخاص بالطابق العلوي.
وهو في المغطس (البانيو) ينعم بحمام دافئ، أخذ عقله يسترجع أحداث اليوم، لتشق ابتسامة واسعة شفتيه عندما تذكر برائتها وسعادتها في هذا اليوم، وتزيد ابتسامته وهو يتذكر ضمته لها، كادت تذوب في أحضانه من شدة الخجل، حتى أنها ابتعدت بسرعة ولم ترفع وجهها ولم تنظر في عينيه أبداً، ما بقى من اليوم حتى أوصلها إلى بيتها.
ليكتشف المفاجأة الجديدة (تعيش في بيت عبد الله القديم)، فهو يعرف هذا البيت جيداً، فقد زار عبد الله زمان في هذا البيت أكثر من مرة.
ليفكر بصوت عالٍ:
والدها متوفى، لكنها عايشة في بيت عبد الله، وعبد الله اتوسط لها في الشغل، وبتتكلم دايماً عن عبد الله وعائلته، ليسأل نفسه:
إيه علاقة ياسمين بعبد الله؟ حقيقي ده لغز ولازم أعرف حله.
***
في نادي البلياردو.
هاني:
ليه كل المقدمات دي؟ اختصر يا أحمد، إنت عايز إيه من ياسمين؟
أحمد:
بحبها.
هاني:
بتحبها وبس؟
أحمد:
عايزني أضيف إيه؟ أيوه بحبها، بحبها أوي، عمري ما حسيت بالسعادة ولا بالراحة إلا معاها، عمري ما ضحكت من قلبي إلا معاها. هل فيه تفسير تاني غير إني بحبها؟
هاني:
وهل هي بتحبك زي ما إنت بتحبها؟
أحمد:
حاسس إنها بتحبني زي ما بحبها.
هاني:
ما أنكرش إن ياسمين بنت رقيقة وهادية وفيها شيء جميل ونقي لسه ما اتلوثش، بس هل حبك ده كفاية؟
أحمد بضيق:
تقصد الفوارق الاجتماعية، صح؟
هاني:
اكيد، ومش الفوارق الاجتماعية بس، فيه حاجات كتيرة، منها إنك ما تعرفش أي حاجة عن ياسمين. هل إنت عارف أي حاجة عن عيلتها؟ أهلها وحالهم؟ مستواهم التعليمي أو حتى الاجتماعي؟ المكان اللي عاشت فيه؟ أكيد لأ، إنت ما تعرفش أي حاجة عن ياسمين، طيب هل ياسمين مستعدة تظهر في حياتك بصورة علنية؟
أحمد:
مش فاهم قصدك إيه؟
هاني:
أقصد هل هتقدر تقف في وش أمنية هانم وهايدي؟
أحمد:
وإيه علاقة ياسمين بماما وهايدي؟
هاني:
ليه؟ إنت بتحبها بس مش هتتجوزها، وإلا إنت بتتسلى بيها؟
أحمد:
عمري ما كنت بتسلى بيها.
هاني:
يبقى السؤال المهم: هل إنت مستعد تتحدى الجميع وأولهم أمنية هانم؟ ولو هتقول لأ، يبقى من الأفضل إنك تسيبها ربنا يبعت لها نصيبها مع أي حد غيرك، لأنها مش حمل أي وجع.
أحمد:
مستحيل أسيبها. أما ماما وهايدي مش هسمح لحد إنه يأذيها.
هاني:
كده هايل، يبقى من الأفضل تعرف كل حاجة عنها الأول عشان تحسب حساب الخطوة الجديدة.
أحمد:
السر كله عند عبد الله، وأنا هازوره في مكتبه وأعرف منه كل حاجة عنها.
هاني:
لا أظن، من الأفضل أن الأمر يكون بصورة ودية وبطريقة غير مباشرة، يعني كزيارة عائلية، والكلام عنها يكون كلام عادي في البداية، وسيب عبد الله هو اللي يحكيلك حكايتها.
أحمد:
فكرة هايلة، أنا في يوم الإجازة هازور عبد الله، وإن شاء الله خير.
***
في يوم الجمعة.
يرتدي ثوب سعودي أبيض ويضع على رأسه طاقية بيضاء، وتخلى عن نظارته الطبية.
وتفوح منه رائحة المسك.
يدخل يده في جيبه ويخرج مفتاح الشقة ليدخل فيها، وتختلط رائحة المسك مع رائحة البصل والثوم والمقليات المنبعثة من المطبخ، فيدخل ليجد سارة وياسمين منشغلتين بالمطبخ وهما مندمجتان في حديث لا ينتهي.
فتنتبه له سارة فتقول:
خلصت صلاة الجمعة؟ حرماً.
فيجيبها بابتسامة:
جمعاً إن شاء الله.
ثم يأخذ نفس عميق ويقول:
ياسلاااااام! مين أدى في الدنيا دي في يوم أجازتي عايش ملك زماني وأجمل ٣ ستات بيطبخوا ليا الغدا ده، لو اعتبرنا (هنا) المفعوصة دي ست؟ وإيه مش أي أكل ده؟ الأكل اللي طالبة من سنتين والأميرة سارة حرمانى منه.
لتوجه سارة الحديث لياسمين بمرح:
برضه مش عاجبه؟ أنا غلطانة إني بعمل لك الأكل اللي نفسك فيه.
فيرد عبد الله بنفس المرح:
على أساس إنك اللي طابخة؟ ما أنا عارف اللي فيها، إنتي آخرك سوتيه أو استيك مشوي، أما المحمر والمشمر ده أكيد طبخ ياسمين، صح؟
ياسمين:
لا والله يا أستاذ عبد الله، دي الدكتورة سارة نفسها زي الفل، أنا يا دوب بساعدها.
فيضحك عبد الله:
بلاش الكذب يا ياسمين، طيب قولي سارة عملت إيه في الأكل ده كله.
سارة:
مش ذنبي إني مش بعرف أحشي ممبار ولا أعمل طاجن عكاوي ولا باميه باللحم الضأني، بصراحة إنت نفسك راحة لأكل عجيب، تعرف الأكل ده فيه كام سعر حراري؟
عبد الله:
لالالالا حرام عليكي، أبوس إيدك بلاش النهارده. النهارده يوم أكل وبس ومن غير أي حسابات، دي حاجة بتحصل مرة في السنة.
سارة:
طيب هتاكل بعبايتك دي.
عبد الله:
لا طبعاً، ده أنا هاغير للبس مريح عشان آكل براحتي.
سارة:
استنى خد (هنا) معاك عشان دي معطلانة.
عبد الله:
يعني بتدلع وبقول ملك، تقولى خد هنا؟ لأ طبعاً.
ياسمين:
اختار، يا تدلع يا تاكل.
نظر لها عبد الله:
بقيتي شريرة واتحادك مع سارة مش مريحني، بتتفقي معاها عليا.
فتضرب سارة كفها بكف ياسمين لتكمل ياسمين بمرح:
يبقى أحسن تاخد هنا معاك، وإلا حرمناك من الأكل.
فيحمل عبد الله هنا وهو يقول:
يا أشرار، إنتوا امتداد لريا وسكينة.
فتنفجر سارة وياسمين بالضحك وهما تكملان إعداد الطعام.
وبعد قليل، رن جرس الباب ليقول عبد الله:
أي حد يفتح الباب.
فتجيبه سارة:
مش عيب تبقى ملك زمانك وعايزنا إحنا نفتح الباب؟ عيب، مش كفاية اتنين زي القمر زينا بنطبخ لك.
فيقوم متكاسلاً:
أعوذ بالله منكم، ده أنا اتذليت، ماشي يا ريا، أنا هفتح الباب.
ليفتح الباب ويتفاجأ بأحمد واقف، فقال بدهشة:
أحمد؟ خير؟ فيه حاجة؟
فيبتسم أحمد:
طب دخلني وقول اتفضل. هيا دي طريقة بتعامل بيها ضيوفك؟ وإلا مش عايز تعزمني على الغدا؟
فيجيب عبد الله بغيظ:
ضيف إيه يا بن المحظوظة؟ اتفضل، أنا أقعد أتحايل سنتين وإنت تاكل في خمس دقائق.
لتخرج سارة وتتفاجأ بأحمد، فتسلم عليه:
أحمد! مش معقول، نورت البيت.
فيسلم أحمد بسعادة:
إزيك يا سارة، عاملة إيه؟ شوفتي جوزك تقريباً بيوزعني.
سارة:
معلش، هو إنت هتتجدد عليه؟ اتفضل، حماتك بتحبك، إحنا يدوب هنرص الأكل على السفرة.
ثم تدخل سارة لياسمين وتقول:
حطي طبق زيادة على السفرة عشان عندنا ضيف.
فتقول ياسمين بحرج:
لا مش مهم، أنا هاكل هنا في المطبخ.
سارة:
مطبخ إيه ده؟ مش غريب، ده صاحبنا أنا وعبد الله من أيام الجامعة، وإنتِ أكيد تعرفيه، تعالي. تعالي.
فتأخذها سارة إلى الصالة. وتقول:
أعرفك يا أحمد: دي ياسمين، أحسن وأشطر موظفة عندك في الأرشيف.
وتكمل التعارف:
أعرفك يا ياسمين، ده أحمد صاحب الشركة اللي بتشتغلي فيها.
فيبتسم أحمد بسعادة ويمد يده:
طبعاً عارفها، أنشط موظفة لدرجة إنها ما يقعدش في مكتبها خمس دقايق على بعض. إزيك يا ياسمين.
فتبتسم ياسمين. وتسلم عليه:
الحمد لله يا أحمد بيه، أنا كويسة، إزي حضرتك.
فتنتبه سارة لابتسامتهم المتبادلة ببعض الشك.
لم تنزل عين أحمد عن ياسمين وهي تضع الطعام على السفرة، ولم تختف ابتسامته، فقد افتقدها بشدة يوم الإجازة ليراها مصادفة عند عبد الله.
جلسوا هم الخمسة على السفرة، عبد الله بجواره زوجته، وأحمد مقابل ياسمين، والتي تحمل هنا الصغيرة وتطعمها وهي تأكل.
وبعد فترة تسأله سارة:
إيه رأيك في الأكل يا أحمد.
أحمد:
أحلى أكل أكلته من زمان، تسلم إيديك.
فتنظر لياسمين وتقول:
تسلم إيد ياسمين، هي اللي طبخت.
فيبتسم لياسمين:
تسلم إيديكي.
سارة:
طيب واحدة شاطرة زيها مش تستاهل تترقى ويزيد مرتبها؟ (نظرت لها ياسمين نظرة: إيه اللي بتقوليه ده) فتشير لها سارة وتقول: إيه رأيك؟
فيرد أحمد ممازحاً:
لو هتطبخ ليا أكل زي ده، أنا مش هرقيها، أنا هخليها شريكة في الشركة، أنا بالفلوس وهي بالأكل.
ليضحك الجميع وهم يستمتعون بهذه الوجبة الرائعة.
وبعد الغداء، صنعت ياسمين القهوة، في حين أكملت سارة تنظيف المطبخ، تاركين أحمد وعبد الله مع ذكرياتهم، وبعد قليل انضموا لهم، لتصبح الجلسة عائلية مليئة بالضحك والقفشات المرحة، لتمر الساعات إلى أن نظرت ياسمين للساعة، فوجدت أنها تجاوزت الثامنة مساءً، لقد مر الوقت بسرعة شديدة.
فتستأذن عبد الله بالرحيل:
أنا همشي خلاص يا أستاذ عبد الله.
عبد الله:
ليه يا ياسمين؟ لسه بدري.
ياسمين:
الساعة ثمانية ونصف، وإنت عارف مش بحب أتأخر بالليل، يالا تصبحوا على خير.
عبد الله:
استنى شوية، وأنا هوصلك بالعربية.
ياسمين:
لا خليك مع أحمد بيه، أنا هعرف أروح لوحدي.
فيقوم أحمد ويقول:
لا طبعاً، ما يصحش، أنا هوصلك في طريقي.
عبد الله:
لا يا أحمد، أنا هوصلها، ما تتعبش نفسك.
فيبتسم أحمد:
تعب إيه؟ أنا كنت رايح على كل حال، هوصلها وأكمل على بيتي، يالا تصبحوا على خير، يالا يا ياسمين.
فتخرج ياسمين ويتبعها أحمد، ليوقفه عبد الله:
معلش يا أحمد، هتعبك، إنت عارف شقتي القديمة.
أحمد:
أيوه فاكرها، فيها إيه؟
عبد الله:
وصل ياسمين هناك. بس إنت كنت عايز مني حاجة، إيه هي؟
أحمد:
مش مهم، عرفتها خلاص.
ليخرج مع دهشة عبد الله.
وفي السيارة.
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل السابع 7 - بقلم حياة محمد الجدوى
واقعه على الأرض في الطريق العام، قلبها ينزف ألمًا وعيونها تنزف دموعًا.
لسانها يردد جملة واحدة: "أنا بريئة والله العظيم، أنا بريئة والله العظيم، أنا مظلومة والله العظيم، أنا ما قتلت حد."
لتقوم وتتحرك كالأموات حتى وصلت إلى بيتها، وهي لا تعلم كيف وصلت.
أن دخلت الشقة فسقطت على الأرض لتصرخ بكل قوتها الهشة:
"أنا بريئة والله العظيم، أنا بريئة والله العظيم، أنا مظلومة. يا رب ارحمني، يا رب ارحمني. يا أمي الحقيني، يا أمي الحقيني بنتك. يا محمد شوف إللي حصل لأختك."
لتزيد صرخاتها حتى دارت الدنيا من حولها وينطفئ النور وتهرب من واقعها بإغمائه تسحبها إلى أرض الظلام.
***
أما أحمد، فقد كان الغضب ينهش في قلبه وإحساسه بالغدر يقتله.
"مستحيل البنت الوحيدة اللي حبيتها تكون دي حقيقتها. أكيد عبدالله الكلب هو اللي سلطها عليا. أنا لازم أنتقم منه الحيوان ده."
فحرك السيارة بعنف وغير اتجاهها إلى بيت عبدالله.
***
صوت طرقات شديدة على الباب فزع منها عبدالله. استيقظت هنا الصغيرة تبكي ليقوم عبدالله مسرعًا ليفتح الباب.
بينما تهدئ سارة من بكاء بنتها الصغيرة.
وما إن فتح الباب حتى سقط على الأرض من شدة الضربة التي أخذها من أحمد وهو يصرخ ويقول:
"هيا دي خطتك يا حقير؟ باعت لي حالتك الإنسانية عشان تدمرني."
أما عبدالله الذي كان على الأرض، فقد تلقى ضربة أخرى موجعة من أحمد. وبالرغم من قوتها، فقد حاول الوقوف ليتفادى ضربات أحمد العنيفة.
حتى تفادى ضربة جديدة بسرعة ليردها لأحمد بقوة شديدة في وجهه جعلت الدماء تخرج من شفة أحمد.
ثم مسكه من مقدمة ملابسه وصرخ فيه:
"مالك؟ إنت اتجننت؟ كنت في بيتي من ساعتين زي الفل راجع والشياطين ركباك ليه؟ إيه اللي حصل؟"
فيحاول أحمد التملص من يد عبدالله وهو يصرخ:
"حصل إني عرفتك يا حقير، باعت لي قريبتك عشان تدمر الشركة."
نظر له عبدالله بهدوء حتى استوعب ما قاله أحمد ثم قال:
"تقصد ياسمين؟"
فقال أحمد بصوت عالٍ:
"أيوه، باعت واحدة رد سجون تشتغل عندي في الشركة."
نظر عبدالله لزوجته سارة التي كانت واقفة في زاوية من الصالة تحتضن هنا الصغيرة، فقال بهدوء:
"اخشى جوة هدي هنا ونيميها. مفيش حاجة."
وبعد أن دخلت سارة الغرفة.
حتى دفع عبدالله أحمد على أحد الكراسي ثم قال بهدوء:
"كل الجنون ده عشان ياسمين."
فيصرخ أحمد:
"أيوه، عشان عرفت حقيقتها رد السجون."
فقال عبدالله بهدوء:
"ورد السجون دي دمرت شركتك إزاي؟ دي حتة موظفة في الأرشيف."
ليصرخ أحمد بجنون:
"إنت مش معترف بغلطتك دي؟"
فيقاطعه أحمد:
"خلاص يا سيدي، حقك عليا أنا آسف. ولو ياسمين هتضر شركتك، خلاص مش هتشتغل عندك تاني. فيه حاجة تانية؟"
أحمد:
"بالبساطة دي؟"
فينظر عبدالله لوجه سارة التي خرجت من الغرفة وهي تتابع الحوار بصمت وعيونها مليئة بالدموع، وقال:
"أيوه بالبساطة دي. من بكرة هشغل ياسمين عندي في مكتبي. ولو رفضت هعمل لها مشروع بسيط تعيش منه. ولا إن كلب زيك يذلها."
فتملك الغضب الشديد من أحمد، فما فيه ليس بسبب عملها ولكن من وجع قلبه.
فقال بغضب:
"وليه ما شغلتهاش عندك من الأول؟ وإلا عشان خايف من عارها؟"
فيصرخ عبدالله:
"إخرس! عمري ما اعتبرت ياسمين عار، دي أحسن مني ومنك."
أحمد:
"طبعًا بتدافع عنها، ما إنت المحامي بتاعها صح؟"
فيصرخ عبدالله:
"أيوه بدافع عنها ولآخر يوم في عمري هدافع عنها، لأنها بريئة وتستحق الدفاع عنها."
أحمد:
"طبعًا، ما هي دي شغلتك، حتى ولو كانت مجرمة واتحبست ست سنين."
عبدالله بألم:
"ياسمين مظلومة، مظلومة وما قتلتش حد. وعمري ما دافعت عن حد وأنا متأكد إنه بريء مليون في المية زيها."
أحمد:
"لو كانت بريئة ما كانتش اتحبست."
عبدالله:
"اتحبست لأن العدالة عميا، تحتاج مين يوجهها. وأنا كنت محامي صغير ما عنديش أي خبرة. رغم إني كنت متأكد من برائتها بس ما قدرتش أنقذها من السجن."
أحمد ببعض الهدوء والفضول:
"متأكد؟ متأكد ليه متأكد بالصورة دي؟"
عبدالله:
"لأن القتيل ما يستحقش الميتة دي، يستحق إنه يموت ميتة أصعب من كده ويتعذب كمان. أستغفر الله العظيم، الله يسامحه، ما يجوزش عليه إلا الدعاء بالرحمة."
أحمد بسخرية:
"القتيل غلطان إنها قتلته صح."
أحمد:
"هو ما يستحقش إنه يموت بإيد ملاك زي ياسمين. بس الله يسامحه، كان مؤذي وهو عايش ومؤذي جدًا بعد ما مات، لأنه راح وواحدة بريئة اتأذت منه. إنت ما تعرفوش، لكن أنا أعرفه كويس."
أحمد:
"إنت تعرفه؟"
عبدالله:
"طبعًا، ده كان أيقونة ومثل أعلى لكل طلبة الحقوق، الكل بيتمنى يكون زيه. أنا نفسي كنت بتمنى أتدرب على إيده."
أحمد بفضول:
"كان محامي؟"
عبدالله:
"أيوه، كان محامي بس متخصص في ثغرات القانون. كان يقدر ببساطة يخلي البريء متهم."
"كان عبقري بس وجه عبقريته في الدفاع عن تجار المخدرات ورجال الأعمال اللي بيسرقوا فلوس الناس ويهربوا."
أحمد بدهشة:
"وإيه علاقة ياسمين براجل زي ده؟"
عبدالله:
"حظها الوحش رماها في سكته. هو يموت وهي تنحبس."
"تعرف ملفها معايا، كل فترة أشوفه وأستغرب. لأن كل الأدلة بتأكد براءتها."
أحمد:
"طيب وليه اتحبست ما دام كل الأدلة بتأكد براءتها؟"
عبدالله:
"عشان غبية، حاولت تساعد القتيل فمسكت سلاح الجريمة وانطبعت بصمتها على السلاح."
أحمد:
"مش يمكن هيا المجرمة الحقيقية؟"
عبدالله:
"مستحيل، ما فيش أي دافع عشان تقتله. دي ما عرفتش إن اسمه عماد إلا مني."
فانتبه أحمد لاسم القتيل وقال:
"عماد."
عبدالله باسترسال:
"عماد الهادي، ديب القانون."
ليقول أحمد بخوف:
"هو كان لسه عايش؟"
ليكمل عبدالله دون الانتباه لكلمة أحمد:
"ده محامي بدأ من تحت الصفر، ولما مات حسبوا ثروته كانت ملايين."
دارت الدنيا بأحمد وانطفأت. ليجلس مهدودًا بعدما سمع اسم عماد الهادي المحامي، كابوسه المزعج الذي يؤرق نومه منذ أكثر من ست سنوات.
عماد الذي سرقه واختلس أمواله، وهو من رفع عليه السكين، عماد الذي طعنه بيده، هو من دخلت فيه ياسمين السجن.
لاحظ عبدالله شرود أحمد، فقال:
"مالك يا أحمد؟"
ليحاول أحمد تمالك نفسه ويقول بألم:
"إزاي؟ إزاي اتهموا ياسمين بقتله؟"
عبدالله:
"كانت المسكينة بتشتغل في مسمط شعبي وصاحب الشغل بعتها بفلوس لشخص بيته في منطقة اسمها الجيارة. وهيا راجعة في طريق ضلمة لقت اللي شدها من هدومها وقال لها: إلحقيني، قتلوني."
(فنظر أحمد برعب)
ليكمل عبدالله:
"كان عماد بيموت وحاولت المسكينة توقف النزيف، ما قدرتش، فجريت بسرعة تنادي وتصرخ عشان يلحقه الناس."
"لكنه كان مات واتهموها بقتله."
لتكمل سارة:
"حرام عليكم، كفاية اللي شافته في حياتها، ليه مصرين تأذوها؟"
فنظر أحمد لسارة بعيون فارغة وقال:
"إيه اللي حصل تاني؟"
فأكملت سارة:
"المسكينة خسرت كل حاجة. مات أبوها وهي في السجن، وانطردت عيلتها من بيتهم، واختفى أهلها، وسمعتها اللي اتدمرت بسبب التهمة دي. حتى أنا كنت من اللي آذوها، بالرغم من كده عمرها ما شالت في قلبها من حد. حرام عليك."
وأحمد بصوت ميت:
"إيه كمان؟"
فيدخل عبدالله المكتب ويعود ومعه ملف ووضعه بين يدي أحمد وقال:
"ده ملف قصتها، اقرأه عشان تعرف إنك ظلمتها."
فيرد أحمد بصوت ضائع:
"أنا عارف إني ظلمتها، ظلمتها أوي."
فيقوم أحمد وهو يجر قدميه ليخرج من الشقة.
لتقول سارة بعد تفكير:
"فيه شيء مش طبيعي."
أحمد وهو يضع يده على عينه المتورمة:
"إيه اللي مش طبيعي غير عيني دي؟"
فتجيب سارة:
"الوضع كله مش طبيعي. غضب أحمد وخنقته مش لمجرد موظفة عنده، لأن ببساطة كان رفدها. ده غضب واحد موجوع."
عبدالله:
"تقصدي إيه؟"
سارة:
"إنت ما لاحظتش نظراتهم لبعض كانت إزاي؟ كان كلها حب وعشق."
عبدالله:
"إنتي اتجننتي؟ حب إيه وكلام فارغ إيه؟ ياسمين مش بتاعت المسخرة دي."
فتقول سارة:
"خلاص يا عم، أنا آسفة. بس برضه أنا متأكدة إن نظراتهم لبعض كان فيها حاجة."
***
دخل الڤيلا يجر قدميه، لم يقوى على الكلام، فما يعيشه أقوى من قدرته.
دخل جناحه الملوكي وكأنه يدخل قبراً مظلمًا.
ياسمين ضحيته، هي من دفعت ثمن أخطائه. قضت في السجن ست سنين كاملة من عمرها، خسرت كل شيء بسببه، أبوها، أهلها، سمعتها.
ليصرخ بصوت عالٍ:
"آآآآآآآه ههههههههههههههههههه."
"عرفت سبب حزنك يا ياسمين، أنا أنا سبب حزنك، أنا اللي سقيتك كاس الألم ووقفت أتفرج عليكي وإنتي بتتعذبي. آآآه آآآه آآآه."
ليتذكر كلماته القاسية التي سلخها بها بلا رحمة:
"أنا اللي عرفت بنات بعدد شعر راسي، تيجي واحدة زيك رد سجون تضحك عليا."
ليضرب يده في الحائط بقسوة وهو يتذكر توسلاتها:
"أنا مظلومة والله العظيم أنا بريئة."
ليصرخ ويصرخ ويصرخ ويحطم كل ما تقابله يده من تحف وعطور، يحطم المرايا والزجاج. ويصرخ، فهذا عقاب الله له، أن يحب ضحيته، أن يراها تتعذب وهو سبب هذا العذاب.
لم يهتم بالطرق الشديد على الباب، ولا بتوسل أمه كي يفتح الباب، ولا بأمرها للخدم بكسر الباب. وظل يقاوم بشدة وهم يقيدوه بأيديهم حتى يغرس الطبيب حقنة مهدئة، ليستسلم أخيرًا للغيبوبة المؤقتة.
وآخر كلمة نطقها: "ياسمين."
***
في اليوم التالي، بدأ أحمد يفيق ليجد نفسه على فراش جديد في جناح جديد، فإن جناحه السابق قد تدمر. وهناك ممرضة جالسة على كرسي مجاور.
وما إن رآته تتحرك حتى حمدت له على سلامته وأسرعت تخبر الطبيب.
ليوقفها أحمد ويسألها:
"أنا نايم من إمتى؟"
الممرضة:
"من حوالي عشر ساعات."
ليبدأ عقله بالتدريج تذكر كل شيء. فينتفض بسرعة من فراشه ساحبًا إبرة المغذي من ذراعه.
دون الاهتمام برجاء الممرضة له بالراحة وانتظار الطبيب.
ليتجه وهو يترنح قليلاً إلى غرفة الملابس ليبدل ملابسه ويخرج دون الاهتمام بنداء الطبيب من خلفه.
ليركب سيارته بسرعة ويتصل بأرشيف الشركة ليرد عليه الحاج كامل أنها متغيبة.
ليتجه بسرعة إلى الحارة ليصل لبيتها ويضرب الجرس مرة واثنتين وثلاثة دون رد.
ليفقد أعصابه ويبدأ في طرق الباب بيديه بقوة وهو يناديها:
"افتحي يا ياسمين، افتحي الباب عشان خاطري، أنا عارف إني ظلمتك، افتحي الباب."
لتخرج له سيدة كبيرة في الستين من عمرها وتسأله:
"عاوز مين يا ابني؟"
أحمد:
"مش دي شقة ياسمين يا حاجة؟"
فتقول بتأكيد:
"أيوه يا ابني."
أحمد بقلق:
"بضرب الجرس بس مش بترد."
فتقول:
"انت مين يا ابني؟"
فيقول بتوتر:
"أنا معاها في الشغل."
فتبتسم وتقول:
"انت أحمد بيه صاحب الشركة صح؟"
أحمد بدهشة:
"إنتِ تعرفيني يا حاجة؟"
فتقول بابتسامة:
"طبعًا يا ابني، عرفاك. دي ياسمين بتحكي عنك دايما."
ليسألها:
"هيا فين ياسمين؟"
فتقول:
"والله يا ابني مش عارفه. أنا متعودة دايما تسأل عني كل يوم، لكن من امبارح ما شفتها ولا سألت عني."
ليزداد القلق عليها، فقال بسرعة:
"أنا لازم أكسر الباب، أنا متأكد إنها روحت امبارح، أكيد فيها حاجة."
ليقترن القول بالفعل ويضرب الباب بقدمه بقوة مرة واثنين حتى انفتح الباب من شدة ضرباته.
ليدخل أحمد البيت وتدخل وراءه هذه المرأة.
ليقف متجمدًا وهو يرى ياسمين ملقاة على الأرض فاقدة الوعي.
أما المرأة فقد صرخت واندفعت ناحية ياسمين تهز فيها وتنادي عليها.
أما أحمد فقد ظل متجمدًا في مكانه، فقد كان مرعوبًا، فلو ماتت سيموت هو الآخر بالتأكيد.
فعقله يعطيه إشارات، لكن جسده لا يستجيب.
إلا عندما ارتفع صوت المسنة بالولولة، ليتحرك بخطوات بطيئة كأنها ألف ميل حتى وصل إلى الجسد الملقى على الأرض ولمس عرقها النابض في الرقبة.
ليسمع صوت نبض ضعيف، أي أنها لا تزال حية والحمد لله.
فانحنى ووضع يداً تحت رقبتها والأخرى تحت ركبتيها ليحملها ويقول للمرأة:
"أنا لازم آخدها على المستشفى."
لتقول له المرأة:
"استنى يابني."
لتدخل بسرعة وتعود ومعها مفرش سرير وتغطي به جسد ياسمين حتى لا تنكشف.
وتقول:
"أنا هاجي معاك."
***
وضع أحمد ياسمين في الكرسي الخلفي ومعها هذه العجوز وانطلق بأقصى سرعة إلى المستشفى.
ليحملها ويدخل بسرعة ويصرخ بأعلى صوته حتى لحقه الأطباء والممرضات.
ليضعوها على السرير ويأخذوها لغرفة الكشف.
أما أحمد فقد ارتمى على أحد الكراسي وانحنى بجزعه للأمام مغطيًا وجهه بيديه.
لتسقط الدموع من عينيه.
ليشعر بيد تربت على ظهره بحنان شديد.
فرفع رأسه ورأى هذه المرأة تبتسم في وجهه وقالت:
"ما تخافش يابني، إن شاء الله هتبقى بخير."
أحمد:
"لو جرى لها حاجة هموت بعدها يا حاجة."
المرأة:
"بعد الشر عنك وعنها. أنا أبقى خالتك عفاف والكل بيناديني (بأم فوزي). أبقى جارة ياسمين."
فيهز أحمد رأسه بدون رد.
فتقول ببعض المرح:
"ياسمين كلمتني عنك كتير أوي، بس ما قالتش إنك حلو أوي وأمور. هيا كانت خايفة لأعاكسك."
فابتسم أحمد للحظة ثم قال:
"خايف عليها أوي يا خالة."
أم فوزي:
"إن شاء الله هتبقى بخير، ادعي لها يابني، ادعي لها. قول يارب."
ليقول أحمد:
"يارب اشفيها يارب، أنا غلطت كتير في حقها، يارب اشفيها وخليها تسامحني."
ليفتح الباب ويخرج الدكتور.
فأسرع له أحمد وسأله عن حالتها.
الدكتور:
"واضح إنها تعرضت لصدمة عصبية حادة أدت لحدوث انهيار لأعصابها. أما الإغماءة فبسبب انخفاض شديد في ضغط الدم، واكيد ده مرتبط بالصدمة اللي اتعرضت لها."
أحمد:
"ده فيه خطورة عليها؟"
الدكتور:
"هتكون تحت الملاحظة هنا، وإن شاء الله هتكون بخير."
***
في غرفة ياسمين الخاصة، تنام على السرير ويدها متصلة بالمغذي.
أما أحمد فيجلس على الكرسي المقابل ممسكًا بيدها الأخرى وعيونه متعلقة بها.
يراها لأول مرة، لكنه لا يرى ياسمين حبيبته، بل يرى ياسمين ضحيته.
في المقابل تجلس أم فوزي تنظر لهم بشفقة.
خرجت منها أنة صغيرة، فالتفت أحمد بسرعة. الممرضة التي أشارت أن الأمر طبيعي.
ظل طول الليل ممسكًا بيدها وهي نائمة حتى أشفقت عليه الخالة أم فوزي.
فهمست له:
"روح إنت يابني، ارتاح وأنا هقعد معاها. إنت تعبت أوي."
نظر لأم فوزي بعيون حزينة:
"لا يا خالة، أنا مش تعبان، أنا عايز أكون معاها."
أم فوزي بشفقة:
"طيب قوم ريح جسمك على الكنبة. ولو صحيت أنا هاصحيك. أنا نمت شوية وجسمي مرتاح."
فألقى على ياسمين نظرة طويلة ثم تحرك مع الخالة أم فوزي حتى تمدد على الكنبة ليرتاح قليلاً.
ليفيق على صرخة ياسمين تبكي وتصرخ:
"أنا بريئة، أنا ما عملتش حاجة، أنا بريئة. يا محمد، يا محمد، يا ماما، أنا بموت."
فينتفض أحمد بسرعة ليمسك بها حتى لا تؤذي نفسها ويقول:
"أنا عارف إنك بريئة، اسمعيني، أنا عارف..."
لكنها لا تراه ولا تسمعه.
في حين أسرعت الممرضة لاستدعاء الطبيب الذي أنهى عذابها بحقنة مهدئة.
مر يومان وأحمد وأم فوزي يتناوبان السهر على ياسمين وهي على نفس وضعها.
تستيقظ تبكي، تصرخ، تنادي على أهلها.
ليأتي الطبيب بحقنة مهدئة وتنام.
حتى تمكن منه التعب، فنام على الكرسي المجاور لها وهو ممسك يدها.
leفيق على صراخها:
"أنا بريئة، والله العظيم أنا بريئة."
أحمد:
"أنا عارف إنك بريئة."
فتصرخ:
"لأ، إنت مش عارف. أنا عمري ما أذيت حد، أنا بس كنت عايزة أروح. كان معايا فلوس ولحم أنا وأخواتي هناكل لحم بجد مش السمين اللي بيرميه الزباين."
(فعلم أحمد أنها تتذكر الليلة المشؤومة)
لتكمل:
"الشارع كان ضلمة، بس صوت العربيات من بعيد كان بيطمني."
"فجأة مسك هدومي قال لي: إلحقيني، قتلوني."
"كان بيموت."
(فانتبه أحمد بزعر أنها تتذكر آخر لحظات في عمر عماد المحامي)
لتكمل:
"حاولت أساعده، هدومي كلها دم وإيديا غرقانة بدمه. كان بينزف ومات. أنا بريئة، ربنا ينتقم من اللي ظلمني."
(فانتفض أحمد بشدة من دعواتها)
لتكمل:
"بابا مات وماما وإخواتي ضاعوا، وسوكه ضربتني أوي وقالت: اخرسي، فخرست. والله العظيم أنا سكت."
فينتقل أحمد لجوارها ويحتضنها بشدة ليهدأ جسدها بعد فترة.
لتقول بصوت ضعيف:
"أنا بريئة."
فيقبل جبينها ويقول:
"أنا عارف، سامحيني."
لتقول بضعف شديد:
"أنا عايزة ماما."
لتستكين بين أحضانه وتغلق عيونها وتنام.
***
في اليوم التالي، فتحت ياسمين عيونها لتجد الخالة أم فوزي أمامها.
فشعرت بحزن شديد لظنها أنها كانت تحلم بأحمد وأنه لم يكن بجوارها.
لتقول لها أم فوزي:
"حمد لله على سلامتك يا بنتي."
فتجيبها ياسمين بحزن:
"الله يسلمك يا خالة."
أم فوزي:
"لا ده إنتِ النهارده بسم الله ما شاء الله عليكي زي الفل واحسن من الأيام اللي فاتت، الله لا يعدها."
فتهز ياسمين رأسها بدون رد.
ولم تستطع مقاومة دموعها لتسيل على وجهها.
لكن الدموع توقفت عندما دخل أحمد يحمل باقة من الزهور وفي يده الأخرى كيس مملوء بالعصائر والطعام.
ليقف هو الآخر ويتبادلا النظرات معًا.
لتقطع عليهم حبل النظرات الخالة أم فوزي وهي ترحب بأحمد:
"اتفضل يابني، الحمد لله ياسمين فاقت وإن شاء الله هتكون بخير."
ليقترب أحمد بعد أن وضع ما في يده على الطاولة ليجلس على الكرسي بجوار ياسمين.
لتقول بحرج:
"أحمد بيه، أنا عايزة أقولك الحقيقة كلها، لكن أرجوك صدقني."
فيقاطعها أحمد:
"أنا عارف كل حاجة ومش محتاج أي تبرير. ثم أنا اسمي أحمد مش أحمد بيه."
فتقول بألم:
"إنت طلبت مني أقولك يا أحمد بيه."
فيقاطعها أحمد:
"انسى كل كلمة قولتها. أنا كنت غبي وأعمى، لكنى فتحت وكل شيء لازم يتغير."
ياسمين:
"الأستاذ عبدالله هو اللي حكالك الحقيقة صح؟"
أحمد:
"مش مهم مين اللي حكالي، المهم إني عرفت الحقيقة كلها."
ياسمين:
"عرفت إني بريئة؟"
أحمد:
"عرفت إنك أحسن واحدة في الدنيا كلها، وأنا كنت غبي لما ما صدقتكيش. بس خلاص، كل حاجة لازم تتغير وتاخد وضعها الصحيح."
ياسمين:
"مش فاهمه تقصد إيه؟"
أحمد:
"أقصد خلاص كل شيء لازم يتغير، وأولهم وجودك هنا في المستشفى. إنتِ مش مريضة عشان تنامي هنا."
أم فوزي:
"لا يابني حرام، ليه عايز تخرجها وهي عيانة؟"
فينظر لعيني ياسمين ويقول:
"هيا مش عيانة يا أم فوزي، هيا بخير."
(ويوجه كلامه لياسمين:)
"مش عارف، يمكن أخطبك أول ما تخرجي من المستشفى."
فابتسمت له ياسمين بخجل.
فيكمل:
"ثانية واحدة، ليه أستنى تخرجي؟"
ليضغط على زر استدعاء الممرضة.
لتدخل الممرضة مسرعة:
"خير يا أستاذ، فيه حاجة؟"
أحمد:
"أيوه، لو سمحتي، ممكن تستدعي مدير المستشفى هنا حالا."
الممرضة بخوف:
"فيه حاجة؟ أنا قصرت معاكم في شغلي؟"
أحمد بابتسامة:
"لا بالعكس، بس لو سمحتي اطلبيه حالا وقولي له أمر مهم جدًا ولابد من وجوده حالا."
بعد عشر دقائق، دخل دكتور (منير) مدير المستشفى ومعه وفد طبي مكون من خمسة أطباء وممرضين الغرفة.
وتوجه الدكتور المعالج لفحص ياسمين.
وسألها دكتور (منير):
"فيه حاجة بتشتكي منها؟"
فيجيبه أحمد:
"في الحقيقة، أنا اللي طلبت حضور حضرتك على وجه السرعة."
دكتور منير:
"إنت عندك شكوى من المستشفى؟ هل فيه أي عجز أو تقصير؟"
أحمد بجدية:
"لا والله، لكن عندي سؤال وطلب من حضرتك."
دكتور منير باستغراب:
"اتفضل اسأل."
أحمد:
"حضرتك مدير المستشفى، يعني المسؤول عن كل حالة تدخل هنا مسؤولية كاملة، صح؟"
فيجيب دكتور منير:
"طبعًا يا أستاذ، أنا أقسمت قسم إني أساعد كل حالة بغض النظر عن ظروفها أو حالتها المادية، وربي يشهد عليا إني بحاول أساعدهم على قدر استطاعتي وعلى قدر الإمكانيات المتاحة في المستشفى."
فيقول أحمد بجدية وهو يشير على ياسمين:
"والمريضة دي ضمن مسؤوليتك الكاملة."
فيجيب المدير بدهشة:
"اكيد."
أحمد:
"بما إنك المسؤول عن كل مريض في المستشفى وهيا ضمن مسؤوليتك، فأنا بطلب منك إيد المريضة دي تكون مراتي على سنة الله ورسوله."
لتسقط الأوراق من يد الطبيبة في حين وقف الجميع في ذهول.
ليل تلتفت دكتور منير حوله في دهشة.
فهذا أغرب طلب يطلب من مدير مستشفى وأمام كل هذا الحشد من الأطباء والممرضات.
ثم يتدارك نفسه لينظر لياسمين ويقول:
"إيه رأي المريضة في طلب الأستاذ؟"
لتخفض ياسمين وجهها في خجل شديد، بينما تربت أم فوزي على كتفها مساندة منها لياسمين وعلى وجهها ابتسامة كبيرة.
ليقول المدير بجدية:
"واضح أن المريضة مكسوفة."
ليحمر وجه ياسمين بشدة من الخجل.
ليبتسم دكتور منير ويقول لأحمد:
"بيقولوا السكوت علامة الرضا، هات إيدك نقرأ الفاتحة."
لتضع الطبيبة يدها على فمها من الصدمة، أما باقي الأطباء فكادت تخرج عيونهم من شدة الصدمة وهم يرون أحمد يضع يده في يد الطبيب ويقرأون الفاتحة.
وما أن قالوا: "ولا الضااااااليييين آميييين."
حتى أطلقت الممرضة أطول زغرودة سمعوها.
في حين انطلقت الممرضة الأخرى تخبر كل من تقابله عن الفاتحة التي قرأوها في المستشفى.
وكعادتنا كمصريين، لم يحتاج الأمر إلا فقط خمس دقائق حتى امتلأت الغرفة عن آخرها بالمهنئين من أطباء وممرضين.
وشاركهم بعض المرضى والزائرين.
ولأننا كمصريين قمة في التميز والإبداع، فقد قامت واحدة من المرضى بالطرق على الكوميدوا ليبدأ الكل بالتصفيق والزغاريد.
فتربط إحدى الزائرات خصرها بوشاح لترقص على الأغاني الشعبية التي يغنيها الحضور.
لتظهر من العدم إحدى الزائرات وفي يدها علبة من الشيكولاتة وتوزعها على الحضور.
وضيف آخر يقدم لياسمين باقة من الزهور ويهنئها.
ليكتمل المشهد العجيب بدخول أحد الفراشين يحمل على كتفه صندوق من زجاجات المياه الغازية.
ليفتحها ويقدمها للضيوف، لتتحول غرفة المستشفى لقاعة أفراح.
الكل يحتفل بالعروس المضجعة على السرير وفي يدها إبرة المغذي.
ليسلم دكتور منير على أحمد قبل أن يغادر.
فابتسم وقال:
"كل واحد منا عنده في حياته حكاية يحكيها لأولاده وأحفاده ويقول لهم: ده أغرب موقف عشتوا في حياتي. وأنا مش هتلاقي أغرب من موقفك ده أحكيه لأولادي وأحفادي."
"عن أغرب طلب أنفذه لمريضة عندي."
فيقول أحمد بسعادة:
"شكرًا لأن عندك من الحكمة والذكاء إنك تفهم أهمية وجودك بينا النهارده وأهمية اللي عملته لنا."
دكتور منير:
"أوعى تظن إن دوري انتهى، أبداً بالعكس، إنت حملتني مسؤوليتها وأصبح لها حقوق عندي. فأرجوك حافظ عليها ومش عايز أندم على قراري ده."
أحمد:
"عمرك ما هتندم إن شاء الله على قرارك ده."
فيقترب دكتور منير من ياسمين ليسلم عليها ثم يضع يده الأخرى فوق يدها وقال بحنان شديد:
"كوني كنت وكيلك جعل لك مكانة كبيرة عندي."
(ليخرج كارت عليه أرقام هواتفه)
"لو احتجتي أي حاجة أنا موجود. وإبقى اعزميني على الفرح."
لتمسح ياسمين دموعها وتبتسم له وهي تهز رأسها بالإيجاب.
فقد أثرت فيها كلمة دكتور منير.
ليرحل المدير ثم يتبعه الأطباء والممرضات.
لينفض الفرح بنفس السرعة التي تجمع بها مراعاة لحالة المرضى.
إلا من بعض المهنئين.
ليقترب أحمد من ياسمين ليجدها شاردة وتفكر بعمق.
ليضع يده على يدها ويقول:
"يا ترى خطيبتي بتفكر في إيه؟"
لتلتفت له وتقول بألم:
"إنت خطبتني من مدير المستشفى عشان أنا وحيدة وماليش أهل."
فيقول بشفقة وهو يعلم حالتها:
"أنا هكون كل أهلك."
فترد بقوة:
"بس أنا مش وحيدة يا أحمد عشان تطلبني من راجل غريب. أنا ليا أهل تطلبني منهم."
أحمد بدهشة:
"مين؟ أنا عارف إنهم كلهم را..."
فتقاطعه ياسمين بقوة:
"اللي ما لوش كبير يشتري له كبير، وأنا اخترت الأستاذ عبدالله كبيري."
"اللي مالوش كبير يشتري له كبير، وأنا اخترت الأستاذ عبدالله كبيري."
أحمد:
"عبدالله!!!!!"
ياسمين:
"أيوه، لو عايز فعلاً تتجوزني يبقى تطلبني من الأستاذ عبدالله."
أم فوزي:
"عين العقل يا بنتي، ربنا يكملك بعقلك."
***
بعد أربعة أيام على الهاتف.
سارة وهي تضحك:
"خلاص خلاص، هأقوله ما تتكسفيش بقى."
(ثم تنظر لعبدالله وتكمل):
"اكيد هكون معاه ومش هسيبك."
"خلاص إن شاء الله هتيجي من بدري. خلاص ألف مبروك. أنا فرحانة لكِ أوي."
"طيب، مع السلامة."
ينظر لها عبدالله:
"مين اللي بتكلميها؟"
سارة:
"اعترف إني صح وإنت غلط."
عبدالله:
"مش فاهم صح في إيه؟"
سارة:
"لما قلت لك نظراتهم لبعض فيها حاجة، وأهه إحساسي طلع صح."
عبدالله:
"نظرات مين؟ وإحساس مين؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه بالضبط؟"
سارة:
"عن أحمد وياسمين طبعًا."
عبدالله:
"مالهم؟"
سارة:
"فوق يا عبدالله، أحمد عاوز يتجوز ياسمين وهيجي بكرة يطلب إيدها منك."
عبدالله:
"مستحيل."
سارة:
"أنا قلت نظراتهم لبعض فيها حاجة، وأهه هيتقدم لها بكرة، وهيا اتصلت عشان تكون موجود معاها. والله فيها الخير."
عبدالله بغضب:
"فيها الخير؟ إنتِ شايفة إن فيها الخير؟"
سارة:
"اكيد فيها الخير، مالك يا عبدالله؟ إنت غريب عن ياسمين وما فيش لك أي صفة في حياتها، لكنها أصرت إن أحمد يطلبها منك."
عبدالله بغضب أكبر:
"وأنا بقولك ده لا يمكن يحصل إلا على جثتي."
ثم أخذ مفاتيح سيارته وخرج مسرعًا.
***
إحدى عاداتنا كمصريين، حينما يتقدم عريس، يقوم أهل العروسة بحملة تنظيف لكل ركن في البيت، وكأن العريس سيعاين البيت قبل أن يتقدم للعروس.
ولأن ياسمين مصرية أصيلة، فقد قامت بحملة تنظيف موسعة.
بدأتها بغسل كل الملابس النظيفة والمتسخة والستائر والمفروشات.
واليوم قررت تنظيف كل ركن في البيت حتى الحوائط والجدران والشبابيك.
ولأن مهمتها شاقة، فقد ارتدت جلباب بيتي قصير لنصف الساق وربع كم عليه صورة كبيرة لتوم وجيري بلون ليموني غريب.
أما شعرها فرفعته بإهمال.
وبعد مرور أكثر من ثلاث ساعات في التنظيف، فكت شعرها مسترسلاً لآخر ظهرها وجلست تستريح برضا تام عن إنجازها اليوم.
لتتفاجأ بطرق على الباب.
فتفتح بسرعة وتتفاجأ بالأستاذ عبدالله.
فترحب به:
"أهلاً يا أستاذ عبدالله، اتفضل."
فيدخل ويجلس على الكرسي في الصالة.
وبعدها ينتبه لشكل ياسمين، فلأول مرة يراها بهذه الصورة العشوائية الحلوة، ولأول مرة يرى شعرها مفكوكًا على حريته.
ليبقى فترة يتأملها.
لتشعر بالخجل من نظراته وتضع خصلة من شعرها خلف أذنها لتقول بخجل:
"أعمل لحضرتك فنجان قهوة؟"
عبدالله:
"اقعدي يا ياسمين، عاوز أسألك سؤال."
"هل فعلاً الكلام اللي سارة قالته صحيح؟ هل فعلاً أحمد عاوز يتجوزك؟"
فابتسمت بخجل وأخفضت رأسها وقالت:
"أيوه."
فيصرخ فيها:
"بالبساطة دي؟ أيوه؟ طيب وأنا فين بعد السنين اللي فاتت دي كلها؟ بتقولي أيوه؟ طيب أنا فين؟ مش عارف إني (بح...)"
فتصرخ ياسمين مقاطعة:
"لأ، أوعى تكملها."
"أوعى تضيع الشيء العظيم ده بحرفين."
"وأنا عارفة ومتأكدة إنك ما تقصدهاش، أوعى."
عبدالله بألم:
"ليه مش عاوزاني أقولها؟ هي دي الحقيقة."
فتقول بألم وقد بدأت دموعها بالنزول:
"لأ، مش دي الحقيقة. الحقيقة إني من أول ما عرفتك مش لاقية تصنيف للي بتعمله معايا غير إنك إنسان عظيم وشهم. فإوعى تستخف باللي عملته معايا. ولو قلت الحرفين الباقيين هتدمر كل حاجة."
عبدالله:
"تقصدي إيه بهدمر كل حاجة؟"
ياسمين دموعها تجري على خديها:
"اكيد هتدمر كل حاجة، لأن شهامتك وعظمتك دي هتكون عشان (بح..)."
"ولو كملتها، يا إما أوافقك أو أسيب البيت وأقطع كل علاقة ليا بيك."
عبدالله:
"وإيه علاقة الكلمة بإنك تسيبى البيت؟"
ياسمين بحسرة:
"لأني مش خاينة، مش هخون العيش والملح اللي أكلته في بيتك مع مراتك. ومستحيل أقابل طيبتها معايا بأني أخونها مع جوزها."
فتبكي وتقول:
"حرام عليك يا أستاذ عبدالله، حرام عليك. أنا ماليش في الدنيا غيرك. خسرت أمي وإخواتي، ليه عايزني أخسرك؟ ده إنت كل أهلي. لما أحمد قال أتجوزك، قلت له: أنا مش وحيدة، أنا عندي الأستاذ عبدالله."
"مين غيرك هيتشرط ويطلب ويقول له: ياسمين دي مش رخيصة، دي غالية ولازم يتعب عشان يوصل لها؟ مين غيرك هيحط إيده في إيد أحمد ويقرأ معاه فاتحة؟"
"ولما المأذون يقول: وكيلك مين يا عروسة؟ ليا مين غيرك يبقى وكيلى؟"
"مين غيرك هيسلمني لجوزي ويقول له: دي أمانة في رقبتك؟"
"ليا مين غيرك؟ إنت كل حاجة في حياتي، ليه عايز تضيع كل ده بحرفين تافهين؟ حرام عليك."
وتنخرط في بكاء شديد.
فيقترب منها عبدالله ويحوط كتفها ويضع رأسها على كتفه ليزيد بكائها وهو يربت على كتفها ويهدئها ويقول:
"مش بس هتشرط، ده أنا هخليه يشوف الويل قبل ما أوافق عليه. إنت مش رخيصة، ده إنت غالية علينا أوي. وقولي لأحمد: عيب تتقدم لك في بيتك وأنا بيتي موجود."
***
جالسة بكل رقي وفخامة على كرسيها الفخم تشرب كوب من القهوة التركية بكل أناقة.
لترى أحمد ينزل من على درجات سلم القصر ليجلس على الكرسي المقابل لها.
ويقول:
"ماما، أنا عايزك في موضوع مهم."
أمنية هانم:
"خير يا أحمد."
أحمد:
"أنا قررت أخطب وعايزك معايا."
فابتسمت وقالت:
"هايل، أخيرًا قررت. اتصل بخالتك وحدد معاها."
أحمد:
"إيه علاقة خالتي بخطوبتي؟"
أمنية هانم:
"إنت مش قررت تخطب هايدي بنت خالتك؟"
أحمد:
"لأ طبعًا، مش هتجوز هايدي وإنتِ عارفه ده كويس. أنا عايز أتجوز ياس..."
لتقاطعه أمنية هانم:
"إنت أكيد بتخرف. عايزني أخطب لك واحدة غير هايدي بعد كل التضحيات اللي عملتها لك؟ كفاية إنها سابت أهلها وعايشة معانا من سنين عشانك، وإنت ببساطة عايز تتجوز واحدة غيرها من دي اللي بتفضلها على هايدي بنت مين ومن عائلة مين؟"
أحمد:
"هيا بنت عادية بس..."
فتقاطعه بإستهزاء:
"كمان بنت عادية؟ مش بنت عائلة؟ أكيد دي نزوة من نزواتك بتاعت زمان. على العموم، enjoy، لكن لما تفكر تتجوز بجد، فاعرف إن هايدي وبس."
فيتأكد أحمد أن لا فائدة من الجدال معها فيقوم.
لتقول بإستهزاء:
"لما تزهق منها وتطلقها، ابقى ارمي لها شوية فلوس تملي عينها، أكيد دي بنت تافهة من اللي تعرفهم."
ليخرج أحمد وفي قلبه ألم من كلمات أمه القاسية.
***
★بالرغم من ضيق أحمد من كلام أمه، إلا أنه كان شديد الوسامة.
★بالرغم من إصرار عبدالله أن تقام حفلة الخطوبة في منزله، إلا أنه كان يخفي غصة في قلبه.
★بالرغم أن الحفلة كانت بسيطة، إلا أن ياسمين كانت جميلة جدًا بفستانها الوردي الطويل وتسريحة شعرها البسيطة ومكياجها الهادئ.
★بالرغم أن الحضور لا يتعدى خمسة أشخاص، عبدالله وزوجته سارة وإبناه هنا وهاني، صديق أحمد وأم فوزي، إلا أن الحفلة كانت رائعة.
★بالرغم أن الموسيقى الهادئة التي مصدرها مسجل الأغاني، إلا أن أحمد أصر أن يرقص مع ياسمين رقصتهم الأولى.
،★بالرغم من الغصة في قلب عبدالله، إلا أنه شاركهم الرقص مع زوجته سارة.
★بالرغم من إحساسها بما في قلب زوجها، إلا أنها لم تحقد على ياسمين، فهي تدرك أن ما به ليس حبًا بل تملك وإحساس بالمسؤولية.
★بالرغم من خلو الحفلة من الفتيات، إلا أن هاني اتجه لأم فوزي يطلب منها مشاركته في الرقص.
★بالرغم من الضربة التي أخذها هاني على رأسه من أم فوزي، إلا أنه لم يتخلى عن مرحه، فحمل هنا الصغيرة ليرقص معها.
★بالرغم من نقص عدد الحضور إلى أربعة، فقد نامت هنا على كتف هاني، إلا أن الحفلة استمرت.
★بالرغم من طلب أحمد أن يكمل سهرته مع ياسمين، إلا أن عبدالله رفض بشدة، لتطيع ياسمين عبدالله.
فينخرج عبدالله لسانه ليغيظ أحمد في حركة طفولية بينهم.
لينتهي الحفل العجيب الساعة الحادية عشر مساء.
ويصر أحمد على توصيل ياسمين ليرد أحمد الحركة لعبدالله ويخرج له لسانه.
لينتفاجأ بأم فوزي تركب معهم السيارة.
***
عندما دخلت السيارة الحارة، حتى بدأت أم فوزي في إطلاق الزغاريد.
ولما توقفت السيارة وخرج أحمد وياسمين، أخرجت أم فوزي كيسًا من حلوى (الكاملة) لترميه على أحمد وياسمين وهي تطلق الزغاريد.
فتجمع حولهما الأطفال والصغار لالتقاط الكرملة ويتساءل الجيران.
فتزف خبر خطوبة ياسمين من رجل الأعمال أحمد بيه.
ليتجمع الجيران حولهما في تصفيق وتهليل.
وتشاركهم الجارات بالزغاريد في احتفالية بسيطة لكنها جميلة.
ليعلم كل أهل الحارة أن هذا الرجل أحمد بيه خطيب ياسمين.
رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الثامن 8 - بقلم حياة محمد الجدوى
كانت ياسمين قد تغيبت كثيرًا عن العمل، لذلك تفاجأ الجميع برجوعها إلى العمل في نفس مكتبها في الأرشيف. ارتدت ملابس بسيطة لكنها أنيقة ومرتبة.
لتقابلها سلمى بالأحضان: "ياسمين وحشتينا! إيه الغيبة الطويلة دي؟"
لتدفعها مدام سعاد وتحتضن ياسمين: "حمدًا لله على سلامتك يا ياسمين."
لترد ياسمين: "الله يسلمك يا مدام سعاد."
الأستاذ كامل: "المكتب نور يا بنتي."
فترد بسعادة: "منور بيك يا أستاذ كامل."
جلست على مكتبها، فقد اشتاقت للعمل. ترجت أحمد كثيرًا حتى سمح لها بالعودة للعمل بشرط أن ينقلها لقسم آخر، لكنها أصرت أن تبقى بين زملائها. ولأن العمل بالشركة مؤقت حتى موعد الزفاف، تركها أحمد على راحتها.
قطع حبل أفكارها صوت سلمى وهي تشير على يدها: "إيه ده يا ياسمين؟ إنتِ اتخطبتي!؟"
فنظرت ياسمين للدبلة في إصبعها وقالت بسعادة: "أيوه."
سلمى: "إخص عليكي! مش تقولي لنا ولا خايفة نحسدك؟"
فقالت ياسمين: "لا والله، بس الموضوع جه بسرعة."
مدام سعاد: "واتخطبتي لمين يا ياسمين؟ حد نعرفه؟"
فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب.
فتقول سلمى بفضول: "مين يا ياسمين؟ أوعي تقولي اتخطبتي لحد معانا في الشركة؟"
فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب.
فتصرخ سلمى بحماس: "لا! الفضول هيقتلني! قولي اتخطبتي لمين؟ أوعي يكون الأستاذ شوقي اللي في الحسابات؟ كان بيبصلك بنظرات خبيثة، هو صح؟ هو؟"
فابتسمت ياسمين وقالت: "لأ، مش هو."
فأخرجت سلمى زفيرًا طويلاً وهي تضحك: "الحمد لله! ده كان راجل غلس أوي. طيب قولي مين عشان خاطري."
فقالت ياسمين بحالمية: "أنا اتخطبت لأحمد."
فقالت مدام سعاد: "مين أحمد يا ياسمين؟ الشركة فيها ألف واحد اسمه أحمد، مين فيهم؟ وبيشتغل في قسم إيه؟"
فقالت سلمى بسخرية: "مشهور أوي سي أحمد بتاعك! هنعرفه من اسمه إيه؟ يكون أحمد بيه صاحب الشركة واحنا مش عارفين؟"
نظرت لها ياسمين بدهشة وقالت: "عرفتي منين؟"
فضحكت مدام سعاد وقالت: "دي بتهزر يا سلمى."
ياسمين: "بس أنا بقول الحقيقة، أنا اتخطبت لأحمد بيه صاحب الشركة."
فأشارت سلمى بيدها علامة الجنون لتقول ياسمين: "هو أنتوا مش مصدقيني؟"
ليقطع كلامها دخول موظف العلاقات العامة يعلق على الباب نشرة إعلان خطوبة أحمد سامي عبدالله صاحب الشركة من الآنسة ياسمين سعيد من الأرشيف. وقام بتوزيع نشرات على الموجودين.
لتقرأ سلمى النشره وتقول: "إيه ده؟ دا بجد! إنتِ اتخطبتي لأحمد بيه؟ طب حصل إزاي؟ احكي ليا بالتفصيل."
مدام سعاد: "ألف مبروك يا ياسمين، وعيب يا سلمى كلامك ده."
وتفاجأ الجميع بدخول أحمد بيه للأرشيف لأول مرة. ليقف الكل في ذهول وهم يرونه واقفًا أمامهم بكل وسامته وهيبته. ليقترب من ياسمين ويهمس لها: "وحشتيني."
ليصبغ وجهها باللون الأحمر. ثم يقول بصوت واضح: "ده بقى مكتبك اللي مش عايزة تغيريه."
فتبتسم ياسمين وتهز رأسها بالإيجاب.
فينظر للموظفين من حوله ويقول: "مدام سعاد والأستاذ كامل، صح؟" فيهزوا رؤوسهم بغباء. وينظر لسلمى ويقول: "إنتي سلمى عبقرية الكمبيوتر."
فتقول بغباء: "إيه ده؟ إنت تعرفني؟"
فيرد بابتسامة: "عارف إنك بتعشقي حاجتين: الكمبيوتر و..."
فتصرخ سلمى بغباء: "يا فضيحتي! إنتِ عرفتيه يا مجنونة!"
فيضحك أحمد بصوت عالٍ، وقد احمر وجه ياسمين من الخجل.
فينظر أحمد للأستاذ كامل ويقول: "أكيد إنت عرفت إني خطبت ياسمين." فيهز الحاج كامل رأسه.
فيكمل أحمد ببعض الجدية الواضحة: "وهي اختارت تستمر معاكم هنا في الشغل."
ليتحول صوته المرح لصوت شديد الصرامة ويقول: "وأنا بعتمد عليك في مسألة راحة خطيبتي." لينظر للأستاذ كامل بحدة ويقول: "يعني مش هكون سعيد لما أعرف أنها بتمضي ملفات في الدور الخامس مثلًا، أو إنها بتصور ورق، أو يمكن بتاخد ملفات من الدور العاشر. صح يا أستاذ كامل؟"
ليتوتر الأستاذ كامل ويقول: "طبعًا طبعًا."
ليحول أحمد كلامه للمرح: "بس مسموح لها إنها تجيب الملفات لمكتبي بس." وهو يغمز بعينيه لياسمين.
ثم يخرج من المكتب.
لم تكن زيارة أحمد هي الوحيدة للأرشيف، فقد زارتهم الكارثة الكبرى المسماة أمنية هانم ومرافقتها المخلصة هايدي ابنة أختها. فقد اتصلت بها هايدي وهي تبكي وتخبرها بالفضيحة المنتشرة عن خطوبة أحمد بموظفة تافهة في الأرشيف.
لتأتي أمنية هانم بسرعة وتدخل المكتب وتتفحص بعينيها الموجودين باحتقار. لتقع عينيها على ياسمين، كما وصفها لها حارس البوابة. لتقف وهي تتفحص ملامح ياسمين ثم قالت باستهزاء: "إنتي ياسمين؟ إنتي اللي خطبك أحمد؟"
ثم أطلقت ضحكة ساخرة عالية. وقالت لهايدي: "إنتي بتعيطي عشان دي؟ دي الخدامة اللي بتغسل لبسك أنضف منها." ثم تشير لها باستصغار: "إنتِ اللي اختارك ابني حفيد إبراهيم باشا توفيق تكوني مراته؟" ثم أطلقت ضحكة أخرى.
وكعادة ياسمين، كانت صامتة ودموعها على خدها. لتقول سلمى باندفاع: "فيها إيه؟ ما إحنا كلنا ولاد تسعة."
فتصرخ فيها أمنية هانم: "اخرسي!"
فترتعب سلمى من صوتها.
لتقول أمنية هانم: "أنا عارفة أحمد اختارك ليه. إنتي مجرد أرجوز بيتحداني بيه. هيلعب بيكي شوية ولما يزهق هيرميكي ويدوس عليكي برجله. بس إنتي أكيد هتستفيدي. يكفيكي إن اسمك هيرتبط بحفيد إبراهيم باشا توفيق، واكيد هتاخدي قرشين ينفعوكي. صح؟ مش ده اتفاقكم مع بعض؟"
ليوقفها صوت أحمد: "مش أنا اللي اتفقت مع واحدة عشان اتحداكي، ومش ياسمين اللي اتسلى بيها."
فتلتفت إليه وتقول: "والمفروض أصدق إن أحمد بيه اختار الجربوعة دي؟"
فيقول أحمد بغضب: "مش هسمحلك إنك تهيني خطيبتي أو تجرحيها بكلامك، لأنها هتكون مراتي وكرامتها من كرامتي، واللي يهينها بحرف أنسفه من على وش الدنيا."
هايدي: "عيب يا أحمد تقول كدا لطنط."
أحمد بغضب: "أنا مش بوجه كلامي لطنط، أنا بوجهه لأمنية هانم صاحبة ٤٩٪ من أسهم الشركة. اللي عاوز يقول كلمة يقولها ليا أنا. أما خطيبتي فخط أحمر، أدمر أي حد يتخطاه."
لتنظر له أمنية هانم ثم ترحل ووراءها هايدي.
ليضع أحمد يده على رأس ياسمين ويقول معتذرًا: "أنا آسف، وأوعدك اللي حصل مش هيتكرر تاني." ويخرج.
فتنظر لها سلمى وتقول: "بتعملي إيه يا غبية؟ قومي روحي وراه."
ياسمين: "أروح وراه ليه؟"
سلمى: "بقى يدافع عنك ضد أمه وإنتِ قاعدة؟ قومي وروحي له المكتب، حسسيه إنك معاه وواقفة جنبه."
فتقول مدام سعاد: "سلمى عندها حق، روحي له. ده خطيبك مش حد غريب."
فقامت ياسمين بتثاقل، فقد عرفها أحمد أن هتكون فيه صعوبات ومشاكل، بس ما توقعتش إن المشاكل هتبدأ من أول يوم.
في الطابق السابع وأمام مكتب السكرتيرة، وقفت ياسمين لتقول بصوت خجول ومهزوز: "لو سمحتي، عايزة أدخل عند أحمد بيه."
فتنظر لها السكرتيرة باحتقار. رغم معرفتها أنها خطيبة أحمد بيه، إلا أنها قالت بغرور: "أحمد بيه مش فاضي ومش هيقابل حد. لو عايزة حاجة قولي ليا وأنا هوصلها له."
فتقول ياسمين بإحباط: "أنا كنت عايزاه بس خمس دقائق لو سمحتي."
فتصرخ فيها السكرتيرة: "قلت مش فاضي! روحي وتعالي بعد ساعة."
فترجع ياسمين بإحباط. في حين ابتسمت السكرتيرة بخبث واتصلت برقم هايدي هانم لتنقل لها آخر الأخبار.
أما ياسمين، فقد عادت إلى الأرشيف لتسألها سلمى: "ليه رجعتي بسرعة؟"
فتقول ياسمين: "السكرتيرة قالت مشغول وتعالى بعد ساعة."
لتقول سلمى بغضب: "إنتِ هبلة؟ إنتِ خطيبة صاحب الشركة كلها! إزاي تسمحي لحتة سكرتيرة إنها تطردك؟ ارجعي لها وقولي لها هدخل غصب عنك، وخلي قلبك جامد." وقامت من مكانها تدفع ياسمين لخارج المكتب.
لتعود ياسمين لتنظر لها السكرتيرة بغضب وتصرخ في وجهها: "قلت لك قبل كده أحمد بيه مش فاضي، يالا ارجعي على شغلك."
لتستدير ياسمين بإحباط، لكنها تسترجع كلمات سلمى فتعود مرة أخرى إلى المكتب وتجلس على الكرسي وتقول بصوت مهزوز: "أنا هستناه."
فتقول السكرتيرة بغضب وصوت عالٍ: "شيء بارد! نسيب أشغالنا عشانك؟ عايزة تستني استني بره، يالا بره."
في نفس اللحظة، فتح أحمد باب المكتب ليجد السكرتيرة تصرخ في وجه ياسمين وتطردها.
فيصرخ فيها: "إزاي تتجرأي وتكلميها بالطريقة دي؟ إنتي مش عارفة دي مين؟"
فتقول السكرتيرة بخوف: "بـ... يا أحمد بيه، أنا قلت لها إنك في اجتماع، لكن..."
فيصرخ فيها أحمد: "دي ياسمين هانم خطيبتي! تدخل وقت ما تحب من غير استئذان، فاهمة؟"
فتهز رأسها برعب.
فيكمل أحمد: "لو اتكرر أسلوبك ده معاها، اعتبري نفسك مطرودة بره الشركة."
لتبكي السكرتيرة وتقول: "حاضر حاضر."
فيصرخ فيها: "يالا اعتذري لياسمين هانم."
فتقول السكرتيرة ببكاء: "أنا آسفة يا ياسمين هانم، وعمري ما هغلط فيكي مرة تانية."
فيقول أحمد بنبرة صارمة: "هاتي عصير لياسمين هانم، وإنتي اللي قدميه لها بنفسك، فاهمة."
لتهز السكرتيرة رأسها بإذلال.
ليدخل أحمد وياسمين المكتب. فتقترب منه ياسمين وتقول: "أنا آسفة."
ليقول لها أحمد بضيق: "ليه بتعتذري؟"
لتقول: "عشان أنا السبب في زعلك ده صح؟ بس أنا كنت عايزة أطمن عليك."
فيبتسم أحمد ويجلس بجوارها ويقول: "بجد خايفة عليا؟"
فتهز رأسها بالإيجاب.
فيحيط وجهها بكفيه ويقول: "تعرفي إني فرحان أوي إنك جيتي، لأني بجد كنت محتاجك جنبي."
فابتسمت له بخجل.
ليقترب منها حتى كاد أن يلامس شفتيها بشفتيه، لتدخل عليهم العاصفة المسماة أمنية هانم وظلها الوفي هايدي، واللتان تفاجأتا بأحمد وياسمين في هذا الوضع الحميمي.
لتشير لها أمنية هانم بأسلوب أمر: "برا."
فتخفض ياسمين رأسها، وقبل أن تتحرك، يسحبها أحمد بجواره ويقول: "ياسمين مش هتخرج. أولًا، وثانيًا، فيه أسلوب أفضل من كده ومن الذوق إنكم تستأذنوا قبل الدخول. هو ده الإتيكيت يا أمنية هانم؟"
فتقول أمنية: "مش محتاجة إني أستأذن قبل ما أدخل عند ابني. أولًا، وثانيًا، أنا بمُلك ٤٩٪ من أسهم الشركة، يعني دي شركتي وأنا حرة أدخل أي مكان بالطريقة اللي تعجبني. ثالثًا، واضح إن دي مجرد نزوة، والدليل المنظر اللي شفناه لما دخلنا، فمش دي اللي هراعي شعورها."
وتنظر لياسمين باستعلاء وتقول: "برا. عندنا كلام مهم هنتكلم فيه."
فيمسك أحمد ياسمين من يدها ويقول: "ياسمين خطيبتي ومش هتمشي. وأي كلام مهم قوليه وهي موجودة."
فتغضب أمنية هانم بشدة وتقول: "طيب خلاص، اختار. يا أنا يا هي في الشركة دي."
فيقول أحمد: "ماما، إنتي بتقولي إيه؟"
فتقول بغضب أعمى: "اختار! يا ترميها بره الشركة وتفسخ الخطوبة دي، يا تفلس الشركة دي! قلت إيه؟"
فينظر أحمد لياسمين ثم لأمنية هانم، والتي تبتسم بانتصار، فهي تعرف أهمية الشركة عند أحمد.
ليجيب أحمد بعد خمس ثوانٍ: "وأنا موافق. هتشترى نصيبي؟ وإلا هتبيعي نصيبك؟"
هايدي: "أحمد! إنت اتجننت؟ عارف يعني إيه الشركة تتقسم؟ ده خراب بيوت."
أحمد: "مش خراب. في كلتا الحالتين، لو هي باعت نصيبها فالشركة كلها هتكون ملكي وهديرها بالطريقة اللي تعجبني من غير تحكمات مجلس الإدارة. أما لو أنا بعت، فهفتح شركة خاصة بيا وبرضه هديرها بالطريقة اللي تعجبني. فاختاري إنتي يا أمنية هانم، وأنا هبلغ الشؤون القانونية والمحامين عشان يبدأوا في جرد الحسابات والأملاك."
"فيه حاجة تانية عايزة تضيفيها إنتي وهايدي؟"
لتخرج أمنية هانم مسرعة ووراءها هايدي.
ليلنفت أحمد فيجد ياسمين تبكي في صمت، وقد غرقت عيونها بالدموع. فيمسح وجهها بيديه ويقول بهدوء: "ليه الدموع دي يا ياسمين؟"
فتقول ببكاء: "أنا آسفة أوي يا أحمد، أنا لو كنت أعرف إني وجودي في حياتك هيعملك الدمار ده كله، كنت سبتك. بس ما تخسرش أمك وشغلك بسببى."
فابتسم أحمد وقال: "مش هخسر أي حد. أنا في العادة علاقتي بأمي مدمرة ومن زمان، يعني تقريبًا ما بيجمعنا إلا الواجهة الاجتماعية في الصحف والمجلات. أما علاقة بين أم وابنها، فتقريبًا مفيش. وبالنسبة للشغل، فأنا كدا هرتاح أكتر وأقدر أحقق كل طموحاتي. بس أنا عايزك توعديني إنك مش هتتخلي عني أبدًا يا ياسمين. أوعديني."
ياسمين: "أوعدك. عمري ما هسيبك أبدًا يا أحمد، ولا هتخلي عنك طول عمري."
فيبتسم أحمد ويقول في نفسه: "يا ترى مش هتتخلي عني لما تعرفي الحقيقة يا ياسمين."
في مكتب هايدي، تجلس أمنية هانم في قمة غضبها تدخن بشراهة.
فتقول لها هايدي: "ليه يا طنط بتتسرعي؟ هو إحنا اتفقنا على إيه؟ مش اتفقنا إننا نهدى شوية ونتصرف بحكمة عشان ما نخسرش أحمد؟"
أمنية هانم: "ما قدرتش أتحمل وجود البت دي جنب أحمد. ما قدرتش أتحمل أشوف أحمد بيدافع عنها وبيعمل لها قيمة. الجربوعة دي."
هايدي: "أهي عصبيتك دي هتخسرنا أحمد والشركة كمان."
أمنية هانم: "هو أنا لسه ما خسرتش أحمد؟ أنا خسرته من زمان."
بعد فترة، انتشر بين العاملين في الشركة خبر انقسام الشركاء وإعلان أمنية هانم عن بيعها نصيبها في الشركة.
بعد الموقف السابق مع السكرتيرة، أصبحت ياسمين أكثر ثقة بنفسها، وخاصة في الدخول لمكتب أحمد.
أما أحمد، فأصبح لا يطيق فراق ياسمين ولا يحتمل أن يمر يوم دون أن يراها أو أن تصعد له في مكتبه، ووقت البريك وقتهم المقدس لهم.
لم يحتج أن يلتفت ليعرف من دخل عليه، فلا يوجد غيرها تدخل ليشعر بكل هذا الكم من السعادة.
فابتسمت له بمشاكسة: "أيوه يا أحمد بيه، حضرتك طلبتني."
فيجيبها بابتسامة: "أكيد يا ياسمين هانم، اتفضلي."
فتجلس على الكرسي المقابل وتقول: "تصديق؟ أنا بكره أوي كلمة ياسمين هانم دي، وعمري ما حبيتها."
فيقول بجدية: "بس لازم تتعودي عليها، لأنك هتسمعيها كتير. المهم، أنا عندي لكِ مفاجأة."
فتقول بحماس: "مفاجأة إيه؟"
فيخرج من درج مكتبه علبة مربعة يقدمها لها. فتفتحها بحماس لتجد جهاز محمول من أحدث طراز. فيقول ممازحًا: "طبعًا أنا عارف إنك رافضة للجهاز الكافر ده، بس لازم يكون معاكي عشان أطمن عليكي، وخاصة في الليل." ويغمز بعينيه.
ياسمين: "بس انت عارف إني مش بفهم في المحمول."
فيجيبها بابتسامة: "أنا موجود، هعلمك عليه. بس ده مش المفاجأة اللي عندي."
فتقول بدهشة: "المحمول مش المفاجأة؟ طيب إيه هي؟ شوقتني."
فيرفع الجريدة من على المكتب ويقدمها لها ويقول: "هيا دي المفاجأة."
فتحت ياسمين الجريدة اليومية لتجد في الصفحة الأخيرة صورة عائلتها بحجم جيد واضح، ومكتوب: "مكافأة مالية قدرها عشرون ألف جنيه لمن يدلنا عن مكان هذه العائلة، مع ذكر اسم الأم وأسماء الأبناء الثلاثة: محمد ومها وآية."
لتسقط الدموع من عيونها وهي ترى صورة أهلها. فكم تشعر بالامتنان لأحمد لأنه وعدها بالبحث عن أهلها، وقد قدم لها أول خطوة. فهي مدينة له بالكثير ولم تعرف كيف تعبر عن امتنانها إلا أنها انحنت لتقبل يده، وقد غرق وجهها بالدموع حتى سقطت على يده، والتي سحبها بسرعة ليشعر بالحزن والغضب الشديد من ياسمين ومن نفسه. ليقول بألم: "ليه يا ياسمين؟ حرام عليكي."
فترد: "تستاهل يا أحمد، تستاهل أكتر من كده. ربنا يخليك ليا يا رب."
فيقبل رأسها ويربت على خدها بحنان ويقول: "ده حقك يا ياسمين، وأقل من حقك كمان. أرجوكي أوعي تكرري الحركة دي مرة تانية، فاهمة."
فتهز رأسها بالإيجاب وتقول بابتسامة محاولة تغيير الجو: "فاكر المطعم اللي رحناه أول مرة؟"
فيهز رأسه فتقول بحماس: "خلاص يالا نروح هناك عشان بصراحة نفسي آكل الكيكة اللي فيها شوكولاتة."
فيقول بيأس: "يا ربي! اسمها كيكة برضه يا جاهلة! يا رب صبرني."
فتنظر له بملل بمعنى "خلص كلامك يا ممل". فيقول: "خلاص خلاص، بلاش النظرة دي. يالا عشان أنا كمان نفسي في اللحمة الخضراء."
فتمسك تحفة من على المكتب لتحاول ضربه بها، فيضحك وهو يمد يده ويمسك بكفها، وهم يسيرون متجاورين. وكلما مروا على موظف أو موظفة إلا وتوقف ليرى أحمد بيه وخطيبته. وكالعادة انقسم الجميع بين مؤيد لهذه الخطبة، وهم العمال والموظفون الصغار الذين يرون في ياسمين حلمًا بأن تكون واحدة منهم زوجة لصاحب الشركة. والبعض ينظر لها بحقد وأنها لا تستحق واحد كأحمد بيه، وهذا رأي معظم الموظفات في المكاتب الكبرى، فكلهن يرين أنهن أجمل من ياسمين وأكثر منها أناقة ولباقة، فهن أحق بأحمد بيه.
أما من مروا عليها وشعرت بحزن وألم شديد، كانت هايدي. فقد أحبت أحمد بصدق، لكنها لم تعرف الطريقة الصحيحة في التعبير عن هذا الحب، متأكدة أن أحمد لم يحبها أبدًا. حتى في الماضي كان يطاردها ليل نهار يتغزل بها، لكنه لم يكن بهذا القدر من السعادة. ففي الماضي أحبها بطيش، لكنه أحب ياسمين بعقله وقلبه.
بعد يومين، استدعاها أحمد كالعادة لتدخل عليه المكتب فتجد عددًا من الضيوف. فلما رآها استقبلها بابتسامة: "أهلاً وسهلاً يا ياسمين، اتفضلي."
ياسمين: "قلقتني يا أحمد، فيه حاجة؟"
أحمد: "اتفضل، تعالي أعرفك." فيمسك يدها ويقدمها: "لهذه عم رجب، ده يبقى السواق الخاص بيكي." (فتنظر له)
ليقول موضحًا: "ما هو مش معقول تكوني خطيبة أحمد بيه ولسه بتركبي مواصلات، عشان كده جهزت لكِ عربية خاصة هتكون تحت أمرك، وعم رجب هيوصلك للشغل ويرجعك، ويكون معاكي في كل مكان وتحت أمرك ٢٤ ساعة في اليوم. Okay؟"
فتهز رأسها بالإيجاب وتقول: "إزيك يا عم رجب؟"
فيرد عليها باحترام: "الحمد لله، تحت أمرك يا ياسمين هانم."
فينتقل أحمد للسيدة الأنيقة الجالسة وتضع ساقًا فوق الأخرى ليشير إليها لتنزل ساقها وتقف بشموخ.
ليقول: "دي تبقى مدام فريدة، وهي مدرسة الإتيكيت، وهتكون مسؤولة عن تعليمك كل شيء: المشي، الأكل، الكلام، والبروتوكولات الخاصة بالحفلات والسهرات، وطبعًا هتعلمك إنجليزية وفرنسية."
فتقول بخفوت: "ليه كل ده؟"
فيقول: "إنتي هتكوني مراتي، وظروف شغلي بتحكم تكوني معايا في حفلات فيها رجال أعمال ووزراء من كل مكان في العالم، فلازم تكوني قد المسؤولية."
فتبتسم لها ياسمين وتصافحها لتقول مدام فريدة: "اتشرفت بمعرفتك يا هانم، وإن شاء الله هيكون بينا تعاون كبير."
ينتقل أحمد للمرأة التالية: "دي مدام فيفيان، وهي صاحبة أكبر وأشهر دار أزياء في مصر، وهي هتكون الاستايلست الخاصة بيكي، هتكون مسؤولة عن لبسك، إكسسواراتك، والمجوهرات الخاصة بكل مناسبة."
فتتبادل مع ياسمين الابتسامة.
ثم ينتقل للمرأة الأخيرة: "دي تبقى آنسة جينا، وهي هتكون الميك أب أرتست الخاصة بيكي، وهتكون مسؤولة عن المكياج والشعر والبرفانات وكل أدوات التجميل الخاصة بيكي."
فتقوم جينا وتقول: "عُيونك كتير حلوين، بتاخد العقل، ما شاء الله. راح نعمل مكياج كتير حلو يبين جمالك. أما شعراتك كتير طوال، فراح نقصن من هون ونعملهن ويفي و..."
فيصرخ أحمد وياسمين: "لأ!"
فتخاف جينا وتقول: "شو غلط؟"
فيقول أحمد: "أوعي تقصي الشعر ولا سنتيمتر واحد! أنا عايزاه زي ما هو طويل وبنفس لونه الذهبي."
فتقول جينا: "Okay."
فيقول أحمد في نفسه: "مجنونة دي! عايزة تقص شعرها؟ وأنا بحلم كل يوم باليوم اللي أفرش فيه شعرها على مخدتي وفي حضني."
بعد مرور أسبوع، تحدد اليوم اجتماع مجلس الإدارة مع المستشارين القانونيين لإنهاء المسائل القانونية الخاصة بنقل ملكية الشركة لأحمد. وقد أصر أحمد أن تحضر ياسمين الاجتماع لتدخل معه قاعة الاجتماعات لتجد كل أعضاء مجلس الإدارة متواجدين. ولأنهم عرفوا بضعف موقفهم مع أحمد، فلم يجدوا إلا تملق ياسمين. فأقبل أول عضو ليقبل يد ياسمين ويهنئها بالخطوبة السعيدة، والآخر قدم لها هدية فاخرة، والثالث أحضر باقة ورد فاخرة، وهناك من قدم علبة من الشوكولاتة الفرنسية المغلفة بالذهب عيار ١٨ قابل للأكل.
أما أحمد، فقد كان يبتسم بسخرية من هذا التملق المكشوف.
أما أمنية هانم، فقد كانت تغلي من الغضب، فكل هؤلاء كانوا يقبلون يدها ليل نهار حتى ترضى عنهم، لكن دوام الحال من المحال.
انتهى الاجتماع بأن يقدم أحمد لأمنية هانم ربع قيمة الأسهم كدفعة أولى، وتقسم الباقي على عشر دفعات في خلال مدة قدرها عامين.
أما المشروعات المشتركة، فقد تركتها أمنية هانم مقابل أن تأخذ نصف قيمتها نقدًا، ليقدم أحمد شيكًا بمبلغ ٢٠ مليون جنيه. وفي المقابل، فقد مضت أمنية هانم على أوراق تنازلها عن الشركة لتصبح كلها وباقي المشروعات باسم أحمد. ولكن في المقابل، فقد قدم لها أحمد كل السيولة الموجودة في الشركة، إلى جانب مبلغ كبير من ماله الخاص.
في المساء، في فيلا أمنية هانم، جالسة على كرسيها الأنيق، تضع فنجان قهوة تركية أمامها، وبين أصبعيها سيجارة، وجالسة تنتظر دخوله بفارغ الصبر. فدخل بهدوء ملقيًا التحية لها: "مساء الخير."
لتضع ساقًا فوق الأخرى وتقول: "مساء النور. ياترى ارتحت لما قسمت الشركة وأخدتها كلها؟"
فأشار أحمد للخادمة لتحضر له كوبًا من القهوة، ويخلع جاكت البذلة ويرميه بإهمال على الكرسي، ويجلس مقابل لها ويقول بهدوء: "ارتحت جدًا."
أمنية: "وإنت بتظن إني ممكن أنسحب بالبساطة دي؟ أكيد إنت غلطان. الشركة دي بتاعتي، حتى ولو بعت نصيبي، ومش هسمح للبتاعة دي إنها تنتصر عليا."
أحمد: "مشكلتك إنك أعلنت الحرب، لكن ضد نفسك. لأني مش هحارب ضدك أبدًا. إنتي أمي، حتى ولو كانت علاقتنا مش زي أي أم وابنها، لكنك أمي. ونفسي تكون علاقتنا طبيعية، أنا وإنتي وياسمين."
أمنية هانم: "مستحيل أقبل البنت دي. لو عايز علاقتنا تكون طبيعية زي ما بتقول، ابعد البنت دي عننا."
أحمد: "مش ممكن يا أمي، مستحيل أسيب ياسمين. أنا بحبها بجد."
أمنية هانم بسخرية: "يبقى إنت اخترت. وعلى العموم، أنا مستحيل أقبل البنت دي في بيتي. أوعي تفكر إنك لو اتجوزتها هتجيبها هنا في فيلتي."
أحمد: "على الرغم إني ٧٥٪ من الشركة باسمي، لكن متخافش، أنا مقرر من الأول إن ياسمين مش هتعيش هنا في الفيلا."
أمنية هانم: "وإنت؟"
أحمد: "هعيش مع ياسمين."
فتقول بألم: "وأنا؟"
أحمد: "هبقى أزورك كل فترة."
في سيارة أحمد.
ياسمين: "طيب، مش تعرفني رايحين على فين؟"
أحمد: "هخطفك، عندك مانع؟"
ياسمين: "لأ يا عم، ما عنديش. اتكل على الله."
فيضحك ويقول: "الله يرحم المناحة اللي عملتيها وإحنا رايحين الفيوم."
ياسمين: "كل وقت وله أدانه. بجد، إحنا رايحين على فين؟"
يوقف أحمد السيارة ويقول: "وصلنا، اتفضلي."
لتراه يقف أمام عمارة كبيرة حوالي عشرة أدوار، جميلة وراقية وتطل على النيل.
فتقول: "إحنا هنا ليه؟"
فينظر لعينيها ويقول: "مش عايزة تشوفي شقتك اللي هنتجوز فيها؟" ويأخذها ويتجهو للداخل.
ويقول: "بابا اشترى العمارة دي من زمان، كانت مبنية ومش متشطبة، فشطبها وباع جزء وأجر جزء، لكنه احتفظ بالدور الثالث كله لنا. خدي وأهداني الشقة دي بمناسبة نجاحي في الثانوية العامة."
ويفتح الباب لتدخل ياسمين الشقة.
وتقول: "للمرة المليون هقولها، باباك كان عبقري. بس إنت جبت كام في الثانوية عشان يهديك باباك الشقة دي؟"
فيبتسم بحرج ويقول: "بلاش فضايح. المهم اتفرجي عليها وقولي إيه رأيك."
وتركها تتجول في الشقة. كانت ياسمين منبهرة جدًا، فالشقة كبيرة جدًا ويغلب عليها طابع شبابي في الألوان العصرية والفرش العصري المودرن.
فسألته: "الشقة كام غرفة؟"
أحمد: "الدور كله ثلاث شقق، ففتحت الشقة اللي جنبنا مع الشقة دي، فبقت حوالي خمس غرف وصالتين وثلاث حمامات ومطبخين. إيه رأيك؟"
ياسمين: "تحفة، حلوة أوي."
فأخذ بيدها وقال: "تعالي شوفي البرندة هتعجبك أوي." وفتح بابًا زجاجيًا لتجد مشهدًا رائعًا للنيل والمركب الشراعية تسير فيه، وعلى الجانب السفن السياحية الضخمة.
فأجلسها على أرجوحة شبابية وجلس بجوارها. وقال: "إن شاء الله من بكرة هسلمها لمهندسين الديكور يغيروا كل حاجة فيها من الألوان لحد الفرش، وبعد ما تنتهي نتجوز على طول."
ياسمين: "ليه التكاليف دي كلها؟ الشقة حلوة أوي وينفع نتجوز فيها."
أحمد: "مستحيل نتجوز في الشقة بالشكل ده، ومستحيل أتجوزك على الفرش ده. لازم كل شيء يتغير."
ليقول في نفسه: (مستحيل أتجوزك على فرش شاف أيام طيشي وغبائي، ومستحيل تنامي على سرير نامت عليه بنات ليل ورقصات).
لاحظ أحمد سرحانها، فسألها: "مالك يا ياسمين؟"
فتبسمت وقالت: "ولا حاجة، بس فيه حلم كنت بحلم بيه زمان. بس مش مهم."
أحمد: "حلم إيه يا ياسمين؟ يهمني أعرفه."
فتقول: "كنت بحلم بإحساس العروسة المشغولة بشقتها على ذوقها، ولما يسألني الناس ليه مش بنشوفك كتير، فتقول: فرحي قرب وورايا مليون حاجة. ده أنا لسه هركب الستاير وهشتري طقم الخروج، وماما قبضت جمعية هنجيب بها شنطة المعلق وكوبايات كرستال."
تنظر له وتقول: "كان نفسي أحس بإحساس العروسة اللي بتفرج أصحابه على شقتها وتقول: شوفوا ذوقي، كل ركن في الشقة دي من ذوقي أنا، وأنا اللي اخترته. بس خلاص، مش مهم."
(صمت قليلاً وهو يشاهد أحد أحلامها الضائعة والتي حرمها منها) وهو أن تعيش حياة أسرية طبيعية مثل أي بنت. لقد حرمها أهلها، لكنه لن يحرمها جزءًا من حلمها.
فقام ومد يده لها وقال: "تعالي معايا نحقق حلمك، وتختاري عفش بيتك بنفسك."
في الفيلا.
دخلت الخادمة على أمنية هانم تخبرها بحضور الأستاذ شاكر.
فسمحت لها بدخوله.
فيدخل رجل في الأربعين من عمره، له شعر أحمر وعيون بنية تميل للأخضر، ويبدو عليه المكر والذكاء الشديد.
أقبل عليها وقبل يدها وقال: "سعيد جدًا إنك اتصلتي بيا. تحت أمرك يا أمنية هانم."
فتبتسم له وتقول: "وأنا أكتر يا أستاذ شاكر. أكيد عايز تعرف أنا ليه طلبتك."
جلس الأستاذ شاكر ووضع ساقًا فوق الأخرى وقال بثقة: "أكيد."
فقدمت له ملفًا وقالت: "اتفضل."
فنظره وقرأه على عجل وقال: "ياسمين سعيد. طيب، إيه المطلوب؟"
أجابت بخبث: "كل حاجة. أنا عايزة اعرف عنها كل حاجة من يوم ما اتولدت لحد اللحظة دي. أكلت إيه، شربت إيه، مين أهلها، عيلتها، كل حاجة. فاهمة؟"
أكمل عنها: "وأركز على..."
قالت: "الفضايح، فاهم؟ كل حاجة غلط عملتها مهما كانت بسيطة. حتى لو مخالفة مرور، أو حتى كسرت إشارة بعربيتها. أي غلطة، أي حاجة تخصها."
فأكمل عنها: "وإن طلعت خالية ف..."
أكملت: "هنلفق لها."
فيضحك شاكر بصوت عالٍ ويقول: "إنتي أكيد بتكرهيها أوي. عملت إيه لكل ده؟"
أمنية هانم: "خدت حاجة ملكي."
فيقول: "Okay. عاوز شهر، وكل المعلومات هتكون عندك."
فتخرج دفتر الشيكات وتكتب له شيكًا بمبلغ عشرة آلاف جنيه وتقدمه له وتقول: "لك زيهم بعد انتهاء المهمة. أنا واثقة فيك، إنت أشهر تحري في البلد، وكلت ليك المهمة دي. بس عاوزة كل شيء يتم في سرية تامة."
في الناحية الأخرى، كان أحمد سعيدًا جدًا وهو يحقق لياسمين أمنيتها، لكن سعادته اختفت بعد مرور عشر دقائق فقط، لأنه اكتشف أنها لا تمتلك أي حس ذوقي أبدًا، لكنها مثل الأطفال تبحث عن الأشياء المبهرة ذات الألوان الزاهية والزخارف الكبيرة. فاختارت طقم أنتريه بلون بنفسجي فاتح به نقوش زهور بيضاء، وطقم آخر بلون أزرق به نقوش ذهبية. ليحاول معها، لكن جنّي الشراء قد لبسها، فقد اشترت أشياء غريبة وغير مرتبطة ببعض. فتركها تختار ما تريد، فقلبه لم يحتمل هذه الكارثة الشرائية، وخاصة عندما مر عليه أحد العاملين في المعرض فسأله: "لو سمحت، الأنسة اللي كانت معايا اشترت غرفة النوم؟" فأجابه العامل بسعادة: "أيوه."
فسأله أحمد بقلق: "طيب، عايز أعرف لونها إيه؟"
فقال العامل وهو يخفي ابتسامته: "بني غامق."
فقال أحمد ببعض الهدوء: "كويس."
فقال العامل: "مضاف إليه الأخضر والبرتقالي والذهبي، وستاير وردي فيها ورود حمراء كبيرة."
فأشار للعامل بيده ليرحل. أما أحمد، فقد خلع جاكيت البذلة وخلع الحذاء لينام على كنبة الأنتريه الأزرق ويعطي ظهره للناس ووجهه للكنبة في صورة سخيفة. ليأتيه مدير المعرض ويقول له: "لو سمحت، عيب حضرتك، فيه ناس ميصحش."
فيلتفت له أحمد في هدوء ويقول: "أنا خطيبتي اختارت غرفة نوم لونها بني في أخضر في برتقالي في دهبي، فاهم؟ دهبي وأخضر مع البني، فاهم؟" لينظر له مدير المعرض ثم يرحل دون كلام. فيناديه أحمد ليكمل له: "نسيت، فيه ستاير وردي وورد أحمر كبير، فاهم؟"
ليضحك مدير المعرض ويقول أحمد: "حسبي الله ونعم الوكيل."
وبعد عدة ساعات، انتقلوا فيه من معرض لمعرض، واختارت ياسمين كوارث غريبة. جلسوا معًا في أحد المطاعم المطلة على النيل ليقول بألم: "أنا غلطان إني وافقتك تشتري، بقالنا عشر ساعات يا مفترية رجلي ورمت."
فتقول بسعادة: "دي مرة واحدة في العمر، فليه بتعترض؟ المهم إحنا اشترينا كل حاجة عايزينها، شفت قد إيه اخترت حاجات حلوة أوي، إيه رأيك؟"
فيضحك ويقول: "حلوة إيه؟ حرام عليكي، لكن مش مهم. أنا عارف مهندس ديكور شاطر أوي بيفهم في الفسيخ والشربات، هينفعنا."
فتقول بدهشة: "يعني إيه بيفهم في الفسيخ والشربات؟"
فيجب: "يعني هيحول الفسيخ اللي اشتريتيه لشربات، وهيحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه."
فتقول باستنكار: "فسيخ! لعلمك أنا اشتريت حاجات حلوة أوي، وبكرة لما تشوف الشقة هتندم على كلامك ده وهتقول: كان عندك حق، دي أحلى شقة شفتها في حياتي."
لم ينتبه لكلامها لأنه ضاع في عينيها، فقد كانت تلمع بشدة لمعة سعادة جعل زرقتها براقة وجمالها ساحر، كأنه لم يرَ عيونًا أجمل من عيونها. لتنتبه له تقول: "فيه حاجة يا أحمد؟"
فيجيبها: "سبحان الله، سبحان من أبدع عيونك."
فتبتسم بخجل.
فيسألها مغيراً مجرى الكلام حتى لا يزيد حرجها: "المهم، غير الحصان اللي بيرقص، إيه تاني بتحلمي بيه في فرحك؟"
فابتسمت وقالت: "إنت لسه فاكر؟ على العموم، أنا كنت بحلم بفرح كبير أوي."
فيبتسم بحماس لتكمل بنفس الحماس: "كان نفسي في زينة كبيرة والأنوار تملي الحارة كلها من أولها لآخرها."
فيقول: "فرح في الحارة؟ ما أظنش."
فتكمل وكأنها لم تسمعه: "وأعزم كل أهل الحارة على فرحي، أما المسرح فيكون بعرض الحارة."
فيقول: "مسرح كبير وأنوار، أقدر أعملها. بس أنا أقصد شكل الفرح، عايزة مين يغني، مين يرقص، كده؟"
فتقول: "كان نفسي في فرح شعبي."
فيقول براحة: "أخيرًا قلتي حاجة معقولة. عايزة أغاني شعبية زي حكيم وسعد الصغير مثلًا؟"
فقالت له: "لأ طبعًا، أنا عايزة فرح شعبي. يعني مداحين شعبيين، مش مطربين."
فيقول: "تقصدي زي الريس متقال ومحمد طه؟"
ياسمين: "الله يرحمهم، بس أكيد هنجيب ناس عايشة." لتكمل بحماس: "مش بس مداحين، أنا عايزهم بالمزمار والربابة ورقاصين التنورة و..."
أحمد: "بس بس بس! إنتِ عايزة مولد مش فرح."
ليضحك ويقول من جمال الأحلام: "يا سوسو، إنه حلو في الحلم، بس صعب في الحقيقة. تخيلي فرح كبير في فندق سبع نجوم بيحضروا كبار رجال الأعمال ووزراء وسفراء، ويدخل عليهم راجل بجلبية ومزمار وواحد يغني على الربابة؟ مستحيل."
فتنظر له بابتسامة شقية وتقول: "فيه حاجة لسه ما قلتها."
فقال بمرح: "الله يسترك. قالت: بصراحة، آخر أحلامي تزفني لبيتي ((((الفرقة النحاسية))))"
فقال بعدم فهم: "الفرقة النحاسية؟ ده اسم كويس. مين اللي بيقودها؟"
فتبتسم أكثر، ليركز في عينيها ويقول: "لأ."
تهز رأسها بالإيجاب. فيقول: "مستحيل."
تهز رأسها بالإيجاب، فيصرخ: "على جثتي! عايزة فرقة (((((((((((( حسب الله))))))))))))"
مر شهر من أجمل ما يكون بين أحمد وياسمين، والتي انتظمت في دروس الإتيكيت عند مدام فريدة، وجلسات العناية بالبشرة والشعر عند آنسة جينا، وباقي الوقت مع أحمد.
أما وضع الشركة، فقد كان سيئًا. بالرغم من حماس أحمد للعمل، إلا أن وضع الشركة المالي في خطر. فهو ملزم بدفع أقساط إلى أمنية هانم، وملزم بمشروعات لم تكتمل تحتاج إلى رأس مال، وملزم برواتب موظفين عنده.
هذا ما دفعه لطلب قرض كبير من البنك بضمان المشروعات، ولكنه لا يعلم أن أمنية هانم لن تتركه في حاله.
في الفيلا.
دخل الأستاذ شاكر لأمنية هانم وهو يبتسم وقبل يدها وقال: "أنا جيت في ميعادي بالظبط."
فتقول بترحيب: "أهلاً. ياريت تكون عندك أخبار كويسة."
فجلس وقال: "وحضرتك متوقعة إيه؟"
فترد: "اكيد هتقول عنها ملاك ومثالية، بتساعد الفقراء وبتتبرع بالدم، صح؟"
فيضحك شاكر بصوت عالٍ وهو يقدم لها ملفًا ويقول: "طيب، اقرأي الملف ده، وإنتي هتدفعي لي باقي أتعابي. ده إنتي هتدفعي لي مكافأة كمان."
فتأخذ منه الملف وتبدأ في قراءته، لتتسع عيونها من الصدمة وتقول: "الكلام اللي في الملف ده صحيح؟"
فيرد بثقة: "ميه في الميه."
فتضحك بصوت عالٍ وتقول بارتياح: "هايل." ثم تخرج دفتر الشيكات وتكتب شيكًا بمبلغ خمسة عشر ألف جنيه وتقول: "مكافأة خمسة آلاف جنيه عشان أخبارك الحلوة."
ليرحل شاكر وتقف وهي ممسكة بالملف وتقول: "أخيرًا نهايتك على إيدي يا ياسمين."
في الأرشيف.
تعمل مع زملائها في المكتب ليدخل عليها الفراش بسرعة: "إلحقي يا آنسة ياسمين، أمنية هانم عند أحمد بيه من حوالي نصف ساعة وهما بيتخانقوا وبيزعقوا وصوتهم عالي وواضح أن الموضوع كبير أوي."
فتقول سلمى بقلق: "ربنا يستر. أنا بقيت بخاف من أمنية هانم، وعارفة إن أكيد فيه مصيبة وراها."
فتقوم ياسمين مسرعة، فقد أوجعها قلبها، فهي تعلم أن أكيد أحمد محتاجها بجانبه.
لتصعد للدور السابع، فتجد حشدًا كبيرًا من الموظفين بجوار المكتب. فتقول بحزم بصوت عالٍ: "كل واحد يروح على مكتبه بسرعة." (فيلتفت الموظفون لبعضهم) "لتكمل بصوت عالٍ: فيه أي حد عنده اعتراض؟ اللي معترض يعرفني بنفسه، وأنا بنفسي هوصله لأحمد بيه، وإنتوا أكيد عارفين الباقي." لينظر كل واحد للآخر ثم يرحلون بالتدريج.
فتقول: "مش عايزة أي حد يكون في الطرقة هنا."
لتدخل المكتب فتجد السكرتيرة تتصنت عليهم، فتقول لها بحزم: "بره، اطلعي بره المكتب."
لتقول السكرتيرة بخوف: "بس يا فندم، أنا..."
فتقاطعها ياسمين: "اعتبري إنك أخذتي اليوم إجازة. اتفضلي، تعالي بكرة، ولو مش عاجبك، فـ اتفضلي وإنتي مرفودة."
لتأخذ السكرتيرة حقيبتها وتخرج مسرعة.
أما ياسمين، فقد جلست على الكرسي بهده، فقد خلعت رداء القوة المزيف، فقد سمعت من بعيد صرخات أمنية هانم وعرفت السبب، فجلست على الكرسي تسمعها تصرخ في أحمد وتقول: "إنت اتجننت وإلا مش حاسس بالمصيبة دي؟ بقولك سفاحة مجرمة قتلت واحد ودخلت السجن، تقول لي: عارف، عارف إيه؟ إن الجوهرة بتاعتك رد سجون."
أحمد: "يا أمي، أنا ما يهمني حد، أنا عارف وراضي."
فتقول بغضب: "راضي بإيه؟ بالفضيحة؟ عارف لو أي حد من الصحفيين عرف هيعمل إيه؟ سمعتك هتبقى عاملة إزاي؟ الناس هتقول عنا إيه؟ هتقول أحمد بيه خاطب سفاحة ورد سجون."
أما ياسمين، فقد اظلمت الدنيا من حولها وهي تسمع كلمات أمنية هانم القاسية، وتسمعها تقول: "شكلك هيبقى عامل إزاي يا راجل الأعمال يا اللي سمعتك راس مالك؟ متوقع إن البنك هيقبل يديك القرض بتاعك؟ متوقع إن رجال الأعمال هيقبلوا يدخلوا معاك في أي مشروع لما يعرفوا الكارثة دي؟ متوقع إن شركتك هيبقى لها اسم؟ لا والله، دي سمعتها هتبقى في التراب زي سمعتك إنت كمان لما تنتشر الفضيحة والناس تعرف بالمجرمة اللي إنت مصر عليها."
لتسيل الدموع من عيني ياسمين وتقول: "عندها حق. أنا وجودي كارثة في حياة أحمد. أنا بدمر له شغله وسمعته. هتكون على كل لسان. ذنبه إيه عشان يتحمل ده كله عشاني؟ أنا خلاص لازم أدخل وأنهي كل شيء. لازم أسيب أحمد. أنا عار عليه وعلى كل اللي يعرفني."
لتتقدم من الباب، لكنها تقف عندما تسمع صرخة أحمد العالية: "يا ماما خلاص! ارحميني! ارحميني وسيبيني! أنا عمري ما هسيب ياسمين. عارفة ليه؟ لأن ياسمين أنضف مني مليون مرة. ياسمين بريئة، بريئة وملهاش أي ذنب في حاجة."
أمنية هانم بصراخة: "ودخلت السجن ليه وهي بريئة؟ كانت بتزكي عن صحتها؟ وياريت اتحبست. بس دي سمعتها، استغفر الله! تحب تعرف بيقولوا عنها إيه؟ بيقولوا شغالة في عصابة، هي تغري الرجالة والعصابة تسرقهم وتقتلهم، والناس بتقول قتلته عشان ما أخذتش أجرتها بعد ما نام معاها. هي دي الإنسانة اللي بتدافع عنها؟ مجرد بنت ليل ساقطة وسافلة."
لتضع ياسمين يدها على فمها لتمنع شهقاتها العالية. فما قالته أمنية هانم أول مرة تسمعه. هل لهذه الدرجة تشوهت سمعتها؟ لهذا السبب رفض عبدالله العودة إلى الحارة حتى لا يعرف أن سمعتي متشوهة وأسمع كلام الناس عني. لهذا السبب اختفت عائلتي بسبب الفضيحة.
لتنتبه لصوت أحمد يقول: "دي كلها إشاعات. ياسمين بريئة، أنا متأكد إنها بريئة."
لتصرخ فيه وتقول: "كل الأدلة بتقول مجرمة، ليه إنت بس مصر إنها بريئة؟"
ليصرخ في هستيريا: "عشان هي ضحيتي أنا! أنا اللي قتلت، مش ياسمين! أنا المجرم!"
فتقول ياسمين: "ليه يا أحمد؟ عايز تشوه سمعتك وتتهم نفسك عشاني؟"
لتسمع أمنية هانم تقول: "إنت أكيد اتجننت. بتتهم نفسك بالتهمة دي بدالها؟ هي أكيد عملت لك غسيل مخ."
ليصرخ أحمد: "لأ! أنا ما بتهمش نفسي بالباطل، لأن هيا دي الحقيقة. أنا اللي قتلت!"
فتمسك ياسمين كرة الباب وتقول: "أنا لازم أنهي المهزلة دي وأسيب أحمد بدل ما يتهم نفسه بالباطل عشاني."
لكن يدها تحجرت عندما سمعته يقول: "عارفة يا ماما؟ ياسمين منهمة بقتل مين؟ ياسمين اتسجنت بتهمة قتل عماد الهادي. فكراه يا ماما؟ عماد الهادي المحامي."
فتجلس الأم على الكرسي بذهول وتقول: "مين؟"
"مستحيل."
ليقول بنفس الحدة: "عماد اللي كان عاوز العشرة مليون. فاكرة اليوم اللي أخدت فيه السبعة مليون ورحت عشان أقابله في الجيارة؟ عارفة إيه اللي حصل؟" (لتنظر ياسمين حولها في ضياع وهي تسمع له)
ليقول: "لما رحت اتخانقنا وضربته بالسكينة غصب عني، ما كنتش أقصد. ومن حظ ياسمين الوحش إنها كانت في نفس المكان، واتهموها واتحبست. عرفتي ليه ياسمين بريئة؟ لأنها ضحيتي أنا. أنا اللي قتلت، وهي اللي انحبست وخسرت سمعتها وأهلها بسببى أنا."
لتقول أمه: "أوعى تقول الكلام..."
فأوقفها صوت سقطة قوية وارتطام على الأرض.
ليخرج أحمد مسرعًا من الغرفة ووراءه أمنية هانم، ليجدوا ياسمين قد دارت الدنيا من حولها، فأظلمت وأنارت واهتزت، لتسقط على الأرض بعيون متسعة تنظر حولها دون القدرة على استيعاب ما سمعته.
تنظر حولها دون القدرة على استيعاب ما سمعته. ليقترب أحمد منها ويقول: "ياسمين، اسمعيني أنا..."
لتنظر له بذهول وتهز رأسها بالرفض، وقد تشوشت الرؤيا. ليقترب منها محاولًا مسك يدها، لتنتفض بسرعة وتفتح الباب وتجري مسرعة. فحاول أحمد ملاحقتها، لكن منعته أمه، والتي تشبثت بذراعه وهي تشل حركته وتقول: "سيبها يا أحمد تمشي، أحسن لنا ولها."
فيصرخ أحمد حتى تسمعه ياسمين، لكن أمه مازالت متمسكة به وتقول: "لو كنت أعرف إنك متمسك بها عشان ضميرك يرتاح، كنت اديتها فلوس مش خطبتها وعملتها هانم."
فيحاول أحمد الهروب من قبضتها، لكنها متمسكة به بشدة، ليقول مثل الأسد الأسير المجروح: "سيبيني يا ماما، أنا لازم ألحقها. مستحيل تسيبني بعد ما سمعت كلامنا. أنا كده دبحتها. سيبيني ألحقها، دي هتموت."
أمنية هانم: "أوعي تكرر الكلام ده تاني. لو سألك حد، إحنا ما نعرفش عماد. سامعني؟"
فينفض نفسه منها ويسرع بالجري، لعله يلحق بها.
في نفس الوقت، اتصلت أمنية هانم بأمن البوابة وسألتهم: "هيا الآنسة ياسمين خرجت من الشركة؟"
فأجابها الأمن بالإيجاب. فتقول: "يبقى تقفل البوابات كلها، وامنع أي حد يدخل أو يخرج من الشركة."
أما أحمد، وصل لخارج المبنى وركب سيارته واتجه للبوابة ليجدها مغلقة والأمن يمنع دخول أو خروج أحد منها. فينزل من السيارة ويصرخ: "افتحوا البوابات! افتحوا بسرعة!" وهو يضرب البوابة بيديه وقدميه، ليخاف الحرس منه ويفتحوا البوابات بسرعة، ليركب سيارته ويخرج مسرعًا لعله يلحق بها.
تايهة في الشوارع، ظلت تجري وتجري إلى أن أنهكها التعب، لكنها لم تتوقف. دموعها تسيل بشدة، فقد مرت ساعات لا تعرف عددها، تسير في شوارع وطرقات لا تعرف اتجاهها. كل خلية في جسدها تصرخ من شدة الألم، لكن ألم النفس أشد بكثير من ألم الجسم. لا تزال كلمات أحمد تتردد بداخلها: "ده دموع (🙂 أنا اللي قتلت..... ياسمين ضحيتي...... خسرت سمعتها وأهلها بسببى."
تذكرت مرارة موت أبيها وفراق أهلها. تذكرت السجن وظلمته وسوكه وقسوتها.
تدفعها جموع الناس في كل اتجاه، وكلمات أحمد السامة تفتك بقلبها. فتصرخ وهي تغلق أذنيها بيديها. فتجمع حولها الناس، وحاول البعض تهدئتها، والبعض خاف منها، لكنها تركت الكل وعادت تسير في الشوارع وتحدث نفسها: "عرفت ليه أصر الأستاذ عبدالله إن أخضع لفحص العذرية، وأكد لي ضرورة الفحص ده للمحكمة؟" لتقول بألم: "كنت حزينة وأنا أراه يعرض شهادة العذرية في المحكمة، لكنى متأكدة دلوقتي إنه عرضها على أهل الحارة، عرضها على جيراني وأهلي اللي ظنوا فيا السوء. أكيد أمي وإخواتي سابوا الحارة من كلام الناس عني. أمي متحملتش طعنهم ليا في شرفي."
لتضع يديها على رأسها وتصرخ بكل قوتها: "آآآآه يااااااااامااااااا!"
الناس ينظرون لها بشفقة.
لتجلس على الرصيف وتسند رأسها على عمود الكهرباء. وفجأة، توقفت الدنيا من حولها واختفى الجميع وساد الكون هدوء غريب، وهي تراها. إنها هي فعلًا سر عذابها وسبب آلامها، إنها جنونها ونارها. أمها. نعم، أمها. حبيبة تسير في الناحية الأخرى، ترتدي نفس عباءتها السوداء وتضع على رأسها حجابها الأسود، وتحمل على ذراعها أختها الصغيرة آية، ويسير بجوارها إخوتها محمد ومها يحملون حقيبة كبيرة يرفعونها معًا.
مسحت الدموع من عينيها وقامت مسرعة، تحاول أن تنادي عليهم، لكن صوتها ضعيف مبحوح من كثرة البكاء. وقد ارتفعت الأصوات من حولها، لتجري وسط الزحام وعيونها تتابعهم خوفًا من أن يضيعوا منها بعد أن وجدهم، وتنادي عليهم بصوتها الضعيف. لتراهم من بعيد يدخلون بوابة، فأسرعت ورائهم لتدخل من نفس البوابة، لتجدها محطة قطارات.
فتلفتت بسرعة لترى أمها وإخوتها يصعدون السلم ويتجهون لرصيف القطارات. عرفت الآن لماذا لم تجدهم الفترة السابقة، لأنهم يعيشون خارج القاهرة. ستذهب معهم في أي مكان ولن تتركهم أبدًا. فجريت تلحق بهم، لتراهم يركبون أحد القطارات. فأسرعت لتدخل ورائهم وهي تنادي، ليضيع صوتها بين زحمة الناس وصوت القطارات، وتبحث عنهم بين الركاب بلهفة، وتتلفت وتنادي، فلم تجدهم في هذه العربة. فانتقتت لعربة أخرى وهي تنادي وتفتش عليهم بين الركاب، إلى أن رأتهم جالسين في ركن بعيد، فأسرعت لها وقالت بصوت مبحوح وعيون مليئة بالدموع: "يا ماما، أنا ياسمين يا ماما، وحش..."
لتلتفت لها المرأة وتراها ياسمين عن قرب، لتصدم. من هذه المرأة؟ إنها سمراء بعيون سوداء، ليست أمها، حتى الأطفال فمعها ثلاثة أولاد ذكور. ما هذا الجنون؟ أين أمها؟ أين أخوتها؟ أين آية ومحمد ومها؟
كانت ياسمين مثل المجنونة تفتش عن إخوتها بينهم وهي تنادي، ليخاف الصبية منها، لتمسك المرأة من ملابسها وتصرخ فيها: "فين أمي؟ فين ماما؟"
فتقول المرأة: "إنتِ مين وعايزة مني إيه؟ سبيني، خوفتي العيال."
لتصرخ ياسمين: "فين أمي؟ راحت فين؟ إنتِ خبّيتي أمي عني؟ عايزة ماما، أنا عايزة ماما يا ماما، يا ماما!"
لتفقد السيطرة على أعصابها، وضغط اليوم كله يتجمع عليها، لبدأ في صفع وجهها بيديها وهي تصرخ وتقفز بهستيريا شديدة، وقد تجمع حولها الركاب ويحاولون منعها عن ضرب نفسها، لكنها كانت هائجة وفقدت السيطرة على نفسها، تضرب نفسها وتنادي: "ماما، ماما، أنا عايزة م..." لتفقد وعيها وتسقط على الأرض.
فيقوم بعض الرجال بحملها، لكن أوقف الجميع صوت قوي حازم من إحدى الراكبات، وقالت بلهجتها الصعيدية الحازمة: "إياك حد يمس البت."
ليتوقف الجميع في دهشة.
وهي تزيل الناس عن طريقها وتقول: "بعد يدك يا ولد، كتر خيركم." وأشارت بيدها لبعض الراكبات وقالت بحزم: "ما فيش راجل يمد يده، إحنا اللي هنحملها وهنفوجها. كل واحد يرجع مكانه عشان تعرف تاخد نفسها."
ليقم الراكبات بإطاعة المرأة، ليحملوا معها ياسمين، وتضعها المرأة على الكرسي، وتقوم راكبة بإخراج زجاجة مياه من حقيبتها وترش القليل على وجه ياسمين، لعلها تفوق، لكنها لازالت فاقدة الوعي. لتقوم أخرى بفتح أزرار بلوزتها لتدلك صدرها، لعلها تسترد وعيها، غافلة عن العيون المترصدة التي تعشق سرقة النظرات لما كشف من جسد ياسمين.
فتنظر الحاجة فوزية إلى ابنها الواقف بعيد، فتنادي: "جاسر!"
فيقترب جاسر منها ويعطيهم ظهره ليغطي بجسده على ياسمين والنساء، ويعطي نظرات من نار للرجال القريبين، فيخاف أصحاب النظرات الغير شريفة منه. ويا للعجب، خافوا من رجل مثلهم ولم يخافوا من الله، وهو العالم بما في نفوسهم.
لتأتي امرأة ومعها زجاجة عطر وتقربه من أنف ياسمين، حتى بدأت أخيرًا في الاستجابة، لتفتح عيونها وتنظر حولها، لتري وجوهًا لا تعرفها. كانت عيونها مفتوحة، لكن عقلها غائب.
الحاجة فوزية: "حمدًا لله على سلامتك يا بتي. إنتِ مليحة؟ ردي عليا يا بتي، كيفك وكيف حالك زينة؟"
فتنظر لها ياسمين وتقول: "أنا عايزة ماما."
الحاجة فوزية: "مالك يا بتي؟"
ياسمين: "أنا عايزة ماما."
الحاجة فوزية: "لا حول ولا قوة إلا بالله." (فقد علمت الحاجة فوزية أن البنت ليست بوعيها، فحمدت الله أنها قامت على الفور ومنعت الرجال عنها).
لتحاول الحاجة فوزية تهدئتها وهي تغصبها على شرب بعض الماء وهي تسايرها: "اشربي يا بتي، اشربي، الله يهديكِ."
فيقول ابنها جاسر: "لا حول ولا قوة إلا بالله. هتعملي إيه يا أمي؟"
فتقول بضيق: "ما خبرش يا ولدي، بس البت أكيد معاها حد في الجطر (القطار)."
لترفع صوتها القوي حتى يسمعه كل من في العربة: "فيه حد يعرف البنية دي؟"
فيلتفت البعض حولهم، لعل أحد يجيب، ولكن بلا فائدة.
لتقول ياسمين: "أنا عايزة ماما."
لتقول الحاجة فوزية بقلة حيلة: "يا چاسر يا ولدي، اسأل الناس في العربات التانية، يمكن حد بيدور عليها."
فيقول جاسر بضيق: "وع أسأل الناس كمان."
فتقول باستعطاف: "البت ما دريناش بحالها، عشان خاطري يا ولدي."
فيقوم جاسر مضطرًا يسأل الناس عنها في بعض العربات، ليعود مرة أخرى لأمه ويقول: "ما فيش حد بيدور عليها."
بينما تنظر له ياسمين بضياع وتقول: "أنا عايزة ماما."
فتحايلها الحاجة فوزية وكأنها طفلة: "حاضر يا بتي، من عنيا، عأوديكِ لأمك."
ليقوم من آخر العربة رجل يقترب منهم وينظر لوجه ياسمين ثم يقول: "هو إنتِ؟ حرام عليكي! إيه اللي جابك هنا؟"
فتقول الحاجة فوزية بأمل: "تعرفها يا ولدي؟"
فيقول: "طبعًا، دي تبقى (( صفاء)) من بلدنا." (فتنظر له الحاجة بتشكيك)
فيكمل الرجل ببعض الثقة: "أصل أمها يا عيني ماتت من أربع شهور، فجالها لطف بعيد عنكم." (وأشار بيده علامة الجنون ليكمل حكايته ويقول): "وكل شوية نلاقيها في الشوارع تنادي على أمها."
لتقول ياسمين: "أنا عايزة ماما."
فيبتسم بثقة، فقد أكدت له بجملتها صدق كلامه.
لتقول الحاجة فوزية: "يعني تعرف أهلها يا ولدي؟"
فيقول بتأكيد: "طبعًا، دي من بلدنا، وأنا بنفسي هوديها بيت أبوها."
ليأخذها من ذراعها ويسحبها معه، ويجلسها بجواره ويلتصق بها، وهو يحاول منع ابتسامته عن الظهور، فهذه أسهل طريقة حصل فيها على فتاة لن تكلفه شيئًا ولن تطالبه بمال مثل فتيات الليل. لا يحتاج إلا أن يأخذها تحت أي كوبري أو إلى الحقول البعيدة عن العمران، أو حتى للمقابر، المهم أن تكون المنطقة خالية حتى يستمتع بها بمزاج، وبعد أن ينتهي منها، لا يحتاج إلا أن يعود لمحطة القطارات ويركب القطار التالي ويعود لبلده. فحتى لو وجدها الناس، فلن يعرفه أحد، وحالتها ستساعده كثيرًا، فحتى لو عاد لها وعيها، فلن تذكره.
شعر بنشوة كبيرة، فمد يده يتلمس جسدها. أما ياسمين، وإن كانت غائبة عن الوعي، إلا أن جسدها يفرّ ويشمئز من هذه اللمسات المنتهكة لحرمته.
فتلملمت منه وقالت: "أنا عايزة ماما."
فيضحك بصوت عالٍ ويقول بوقاحة: "دي ماما هتدعيلي النهارده."
على الجانب الآخر، كانت الحاجة فوزية تتلفت كل فترة تنظر في اتجاه ياسمين والرجل الملتصق بها. فيقول جاسر: "مالك يا أمه؟"
فتلتفت ناحية ياسمين وتقول: "ما ارتحتش يا ولدي، جَلبي (قلبي) مش مرتاح."
جاسر: "ليه يا أمه؟ البت وهتروح مع الراجل لأهلها؟"
فتتنهد الحاجة فوزية وتقول: "ربنا يستر يا ولدي."
فيمر بعض الوقت، فتقوم الحاجة فوزية من مكانها وتقول: "ما أستحملش يا ولدي." لتقف أمام الرجل وبسرعة تسحب ياسمين من جواره.
فيقول الرجل بسرعة: "فيه إيه يا حاجة؟ أخدتي البت ليه؟ هو أنا مش قلت هروحها؟"
فتقول الحاجة فوزية: "عارفة يا ولدي."
فيقول: "طيب ليه خدتيها؟ هاتيها، أنا هنزل المحطة الجاية."
فتقول: "ماهو أنا وولدي هننزل معاك."
فيقول بخوف: "ليه يا حاجة؟ هيا دي محطتك؟"
فتقول: "لأ يا ولدي، بس ع أنزل معاك."
فيقول: "ليه بس؟"
فتقول: "هتستلمها بس مش هنا. هأسلمهالك في نقطة القطر ((المقصود به مكتب الشرطة الموجود في كل محطة))."
فيقول بخوف: "ليه بس؟ المحاضر والشوشرة؟ ماهو أنا هوصلها من غير محاضر و..."
فتقول: "دي أمانة يا ولدي، وما ارتاحش إلا لما نكتب المحضر، وإنت خايف ليه؟ كلها خمس دقايق بس تمضي ع التعهد وتتوكل."
فيصيبه الحقد على هذه الصعيدية الماكرة ويقول بمكابرة: "وماله؟ هو أنا هاخاف يعني؟"
فتقول الحاجة فوزية: "القطر بجيله عشر دقايق ويوصل المحطة، يالا يا چاسر يا ولدي."
ليقوم جاسر بضيق، وقبل أن ينطق، تفاجأ هو وجميع الركاب بالرجل يقفز من القطار قبل أن يدخل المحطة. ليضرب جاسر كفًا بكف بعد هروب الرجل، ويشاركه الجميع الدهشة بعد أن عرفوا أنه كاذب وأدركوا سوء نيته.
فيقول جاسر بدهشة: "كيف عرفتي إنه ملاوع ونيته مش زينة؟"
فتسحب الحاجة فوزية ياسمين من ذراعها وتقول: "ما عرفش يا ولدي، بس جلبي ما ارتاحش إلا دلوجتي."
فتقول ياسمين: "أنا عايزة ماما."
فتبتسم الحاجة فوزية وتقول: "الظاهر أمك ع تدعيلك بالستر، عشان كده ربنا مفضحكيش."
ليجلس جاسر وتجلس أمه وهي تحتضن ياسمين، ويسألها جاسر: "طيب، هنعمل إيه بيها؟"
فترد عليه: "لما نوصل لمحطتنا، هنكتب المحضر في النقطة، وبعديها ناخدها معانا طوالي. البت دي مش وش بهدلة، وربنا بعتنا في سكتها عشان نحميها."
وبعد عدة ساعات، أيقظتها الحاجة فوزية: "يالا يا بتي، وصلنا خلاص."
فتفتح ياسمين عيونها وتنظر بضياع وتقول: "أنا عايزة ماما."
فتبتسم الحاجة فوزية وتقول: "اسم الله عليكي يا بتي، تعالي معايا. يالا يا چاسر، اسبقنا وإحنا وراك."
فيتقدمهم جاسر بطوله الفارع، ليخرج من القطار ووراءه أمه وياسمين، ليدخلا المحطة وقد انتصف الليل.
ليقول لأمه: "استنوا هنا، هدخل أنا الأول أعرف الظابط، وبعديها تدخلي مع الغريبة نعمل المحضر."
الحاجة فوزية: "اتوكل يا ولدي، في أمان الله."
ليدخل جاسر، في حين سحبت الحاجة فوزية ياسمين وأجلستها على أحد الكراسي وجلست بجوارها تنتظر خروج جاسر.
لتسمع صوت هاتفها المح