تحميل رواية «التوأمان» PDF
بقلم نرمين قدري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في إحدى الليالي الباردة، حين تتلاشى الظلمة، ويظهر أول خط للنهار، ويقطع الصمت المطلق على قرى الفلاحين طول الليل صوت أذان المؤذن لصلاة الفجر، ويختلط مع صوت الأذان صوت أنين مكتوم، يصدر من إحدى المنازل المجاورة للمسجد. حيث تجلس فتاة تتألم بصمت وأهات مكتومة، وتجلس بجوارها أختها التوأم تواسيها وتحاول أن تساعدها دون أن يشعر بهما أحد. هما روح وريحانة، أختان تؤام لا أحد يستطيع أن يفرق بينهما لدرجة الشبه المتطابقة. كانت ريحانة تعاني من آلام الوضع، فكانت تضع مولودها، ولكن حالتها الصحية كانت لا تسمح بالحمل...
رواية التوأمان الفصل الأول 1 - بقلم نرمين قدري
في إحدى الليالي الباردة، حين تتلاشى الظلمة، ويظهر أول خط للنهار، ويقطع الصمت المطلق على قرى الفلاحين طول الليل صوت أذان المؤذن لصلاة الفجر، ويختلط مع صوت الأذان صوت أنين مكتوم، يصدر من إحدى المنازل المجاورة للمسجد.
حيث تجلس فتاة تتألم بصمت وأهات مكتومة، وتجلس بجوارها أختها التوأم تواسيها وتحاول أن تساعدها دون أن يشعر بهما أحد. هما روح وريحانة، أختان تؤام لا أحد يستطيع أن يفرق بينهما لدرجة الشبه المتطابقة.
كانت ريحانة تعاني من آلام الوضع، فكانت تضع مولودها، ولكن حالتها الصحية كانت لا تسمح بالحمل من الأساس، فكانت مريضة قلب. وكانت تحاول أختها جاهدة أن تساعدها أن تضع مولودها بسلام دون الاستعانة بأحد من أهل القرية. فهن لا يعرفن أحدًا من أهل القرية، فقد أتين للقرية من خمسة شهور فقط، لا أحد يعرف عنهما شيئًا ولا هما يعلمان عن أحد شيئًا.
كانت روح طبيبة أمراض نسائية، تذهب إلى عملها في مستشفى القرية وتأتي لتعتني بأختها الحامل ولا تتحدث مع أحد.
ومع آخر آه أطلقتها ريحانة، ينزل ابنها على يد أختها، وتصعد روحها إلى السماء. احتضنت روح ابن أختها ودموعها تنزل في صمت، فهي تعلم حالة أختها جيدًا وتعلم أيضًا أن لن يستطيع قلبها التحمل.
أغمضت عينيها بشدة من الحزن، ولكنها سرعان ما استعادت السيطرة على نفسها على صوت بكاء الطفل. غطت أختها وأخذت الطفل وقامت بتنظيفه وارتداء الملابس التي اشتراها له أمه.
مسحت دموعها بظهر يدها، فهي تعلم أنه لا وقت لها للانهيار. لازم في أسرع وقت أن تأخذ الطفل وتختفي نهائيًا عن الأنظار، فكان مرض أختها هو العائق لهم في السفر من هذه البلدة.
حملت روح ابن أختها وذهبت إلى مكتب الصحة لاستخراج شهادة وفاة أختها. وقدمت ما يثبت أنها مريضة قلب، وكان قلبها يعمل بمعدل ضئيل جدًا. وأخفت تمامًا أنها كانت حامل وأن سبب الوفاة ضعف عضلة القلب بسبب الوضع.
وبالفعل، عندما شاهد دكتور الصحة الأشعة وأن فعلاً حالة القلب ضعيفة، استخرج شهادة الوفاة. وقامت روح بدفن جثمان أختها في هدوء دون أن يشعر بها أحد.
وفي صباح اليوم التالي، أخذت كل ما تبقى لها، وأخذت ابن أختها لتذهب به على مصر لتختفي وسط الزحام. استقلت القطار وارتمت على إحدى المقاعد وهي تحتضن الطفل، وأغمضت عينيها ليمر من أمامها شريط ذكرياتها بكل ما فيه من فرح وحزن.
قبل هذا اليوم بعام واحد فقط، كانت روح وريحانة من أسعد الناس على وجه الأرض. كانتا طالبتين في إحدى الجامعات. كانت ريحانة في كلية الآداب، بسبب حالتها الصحية اختارت دراسة مبسطة وسهلة. ولكن روح كانت في كلية الطب.
لا أحد يعلم في الجامعة أنهما اثنتان تؤام، فهما لم تجتمعا في مكان واحد، كما أن أيام حضور روح لا تتوافق مع حضور ريحانة. وكانتا يستمتعان بأن من يراهما لا يعرف مع من يتحدث.
كانت روح بحكم كليتها لا يوجد عندها وقت لأي نشاطات أو الاختلاط مع أحد، فكانت تركز في دراستها جيدًا.
أما ريحانة، فكانت مريحة واجتماعية ودائمًا المشاركة في ندوات. وفي يوم وهي كالعادة تحضر إحدى الندوات، لفت انتباهها الشخص الذي كان يلقي الندوة ومدى كرهه للنساء وتحقيره لعملهن وأن مكانهن البيوت، وأنهن من يزاحمهن في مجال العمل ويأخذن منهن فرص العمل.
قامت ريحانة واقفة تعترض على كلامه وتحدثت بعصبية مبالغ فيها، وقالت:
"خير يا أستاذ، أنت بتتكلم كده ليه؟ ما تتكلم عدل يا تنزل وتسيب حد غيرك بيعرف يتكلم يتكلم."
رفع سامر حاجبيه ونظر لها من تحت نظارته الطبية وقال لها بنبرة ساخرة:
"وإنتي تطلعي إيه بقى ومين أصلًا سمح لكِ تتكلمي؟ وأنا بتكلم مش عاجبك الندوة ما كنتيش كلفتي خاطرك وحضرتي، وكان ممكن تستأذني وتمشي، محدش ماسك فيكي على فكرة."
نظرت له ريحانة ثم صعدت بجواره وماسكت المايك دون أن ترد على كلامه، وقالت بثبات وصوت واثق:
"لم أخلق امرأة ليكسرني رجل.. خلقت امرأة لأنجبك وأربيك لتصبح رجلاً. لم تخلق المرأة لتكون ضعيفة بل خلقت لتكون الأساس، ولا يمكن الأساس أن يضعف وإلا سينهدم البناء."
ثم نظرت له نظرة تفحصية وتركت المايك ونزلت دون أن تلتفت له، ولكن وقف جميع الحاضرين واعتلى صوت التصفيق الحار على ما قالته ريحانة.
ابتسم سامر، ولكن ظل يفكر فيها بشدة. من أين ظهرت هذه الجنية؟ وأين اختفت؟ من هذه وما اسمها؟ وأي كلية تدرس؟ وكل هذه أسئلة خطرت بذهن سامر وأصر على معرفة كل معلومة تخص هذه الفتاة مجهولة الهوية أو الجنية كما أطلق عليها بسبب ظهورها واختفائها السريع.
وفعلاً كلم السائق الذي يعمل عند والده بالتحري عن هذه الفتاة ويعلم من هي. وبالفعل عرف أنها طالبة في كلية الآداب. ذهب إلى مجمع الكليات يبحث عنها، وبالفعل وجدها وكانت تتشاجر مع إحدى الزملاء وكأنها معتادة على افتعال المشاكل.
تدخل في الشجار بينها وبين زميل لها وقال وهو يوجه لها الكلام بنبرة سخرية مفتعلة:
"إيه يابنتي، أنتِ على طول عاملة مشاكل كده؟ في بيت الزواحف كل ما أشوفك بتكوني بتتخانقي، شكلك مبتعرفيش تعيشي من غير مشاكل."
تركت ريحانة ما كانت تتشاجر معه والتفتت لصوت المتحدث الذي كان يقف مستندًا على الجدار وهو يضع يده حول خصره.
ثم أطلقت صرخة وقالت بغضب:
"أنت تاني؟ أنت مبتحرمش؟ ممكن أعرف أنت هنا بتعمل إيه؟"
ضحك على منظرها وقال:
"بصراحة جاي مخصوص عشان أرخم عليكي."
"وليه بقى؟ أنت تعرفني منين أصلًا؟"
"صحيح معرفكيش، بس هنتعرف حالًا أهو. أنا سامر عز الدين."
ومد يده ليصافحها. لم تعره اهتمامًا وقالت:
"هي الثقة بالنفس الكبيرة اللي عندك دي، ومين قالك أصلًا أن أنا عايزة أتعرف عليك؟"
رفع عينه ينظر لها بتحدي وقال:
"هتعرفي وهتكوني أصدقاء كمان."
"ياسلام؟ هو مين عمل إيه يابني؟ انزل تحت على الأرض شوية وشوف بتتكلم إزاي."
أجاب عليها بنفس الثبات والثقة وقال:
"بقولك اللي هيحصل، ولو مش مصدقة براحتك، بس بأكد إننا هنكون أصدقاء يا آنسة رور."
شهقت ريحانة وقالت:
"أده؟ هو أنت عرفت الاسم ده منين؟ محدش بيقولي كده غير..."
قطع كلامها وقال:
"غير روح أختك بس، صح؟"
ابتسمت له نصف ابتسامة وقالت:
"ياااه، أنت تعرف روح كمان؟ لأ كده بقى أنت زودتها."
ثم تركته ومشيت وعلى وجهها شبح ابتسامة.
وصلت ريحانة المنزل ومازالت شبح الابتسامة يتوج وجهها. لاحظت روح بريق لمعان في عيون أختها. اقتربت منها وقالت بمكر:
"الجميل في إيه متغير النهاردة؟"
رفعت ريحانة حاجبيها وقالت بتعجب:
"إيه يابنتي، أنت مكسوفة؟ عندك الحجاب دايمًا لقطها كده؟"
قامت روح من مكانها وهي تقفز مسرعة وتقول بمرح:
"أوبا أوبا، لأ كده الحكاية فيها إنها كبيرة وأنا مش ههدا غير لما أعرف."
صحت ريحانة وقالت:
"بصي أنا هقوم أعمل طبق فشار كبير ومجان نسكافيه وأجي أحكيلك."
وبالفعل فضفضت ريحانة لروح كل الأحداث.
نظرت لها روح نظرة تفحصية وقالت:
"كل ده حلو، بس إيه اللي يخلي يدور وراكي عشان يعرف أنتِ مين؟"
تنهدت ريحانة وقالت:
"والله ما أعرف، أنا اتفاجئت أنه قدامي في الكلية."
"طيب يا رورو، خدي بالك كويس."
هزت ريحانة رأسها.
مر على هذا الحدث أكثر من شهرين، خلالهم توطدت علاقة ريحانة وسامر بسرعة كبيرة، وبدأ يتقرب بها. إلى أن جاء اليوم وصارحها أنه يريد الزواج منها.
ضحكت ريحانة وشعرت أن الحياة أخيرًا ابتسمت لها، ولكن سرعان ما انطفأ وهج ضحكتها عندما أكمل سامر وقال إنه يريد أن يتزوجها بعقد عرفي.
رواية التوأمان الفصل الثاني 2 - بقلم نرمين قدري
قامت ريحانة وهي تنظر له باستغراب وقالت بتعجب:
- ليه عرفي يا سامر؟ أنا مش فاهمة، إحنا لا صغيرين ولا عندنا حاجة نخاف منها؟
ثم شهقت فجأة، ووضعت يدها على فمها وقالت:
- أوعى تكون متجوز ومخبي عليا يا سامر!
ضحك سامر بشدة حتى أدمعت عينيه وقال بضحك:
- آه متجوز اتنين، وإنتي التالتة، إيه رأيك؟
ثم أكمل:
- يا بت إنتي هبلة! أنا حبيتك من أول نظرة، شقاوتك وتحديكي ليا، كل حاجة فيكي لفتت نظري من أول مرة، وقلت هي دي اللي لازم أكمل معاها.
- طيب تمام، كل ده حلو، إيه لازمته بقا الجواز العرفي؟
- بصي يا ريحانة، أنا هكلمك بصراحة بس من غير زعل. أنا من عيلة كبيرة، وأمي ليها طقوس كده مع نفسها إن اللي اتجوزها لازم تكون في نفس مستوانا الاجتماعي، وهي أصلاً حاطة عينيها على بنت صاحبتها، بنت كده مدلعة ماسخة كده، ملهاش طعم، كل حاجة فيها مرسومة.
عبث وجه ريحانة وقالت بزعل وقد أدمعت عينيها:
- وطبعًا أنا مش قد مقام العائلة المالكة، فا مايشرفهاش نسبنا. طيب تمام، بلاها خلاص يا سامر، وروح اتجوز البت اللي اختارتها ليك والدتك.
تنهد سامر بضيق وقال بتأفف:
- منا لو عاوز اتجوزها كنت جيتلك ليه! افهمي يا ريحانة، أنا بحبك، بس أنا كمان حافظ دماغ أمي، لو انطبقت السما على الأرض مش هتعمل غير اللي في دماغها. جاسر أخويا أخدها من قصرها وساب لها البلد واللي فيها علشان يهرب من تحكمها، رغم كده هي مش سيباه متحكمة فيه وهو برا، لدرجة أنها صممت يسيب البت اللي كان بيحبها هناك وهددته بحرمانه من مصروف البعثة، علشان كده بقولك إحنا لو هنفضل مستنيين أمي ومش هنتجوز العمر قصير، وأنا بحبك، علشان خاطري وافقي وخلينا نسرق من العمر حياة قبل ما يسرق العمر مننا أجمل سنوات حياتنا.
اقتنعت ريحانة بكلامه، ولكنها خافت أن تواجه أختها. هي الأخرى فتزوجا سراً في مكتب أحد المحامين، وأصبحت ريحانة زوجته أمام الله. ظل هذا الوضع خمس شهور دون أن أحد يعلم بذلك سوى جاسر أخو سامر، فقد بلغه سامر بكل الأحداث قبل بدايتها. ولكن أخفت ريحانة عن أختها طوال هذه المدة، إلى أن يشاء القدر وتشعر ريحانة بتعب مفاجئ وتفقد وعيها أمام أختها. قامت أختها بالكشف عليها، وبحكم خبرتها اكتشفت أنها حامل في الشهر الثالث. شهقت روح وهي غير مصدقة ما تراه أمامها. أعادت التحليل مرة أخرى وقامت بالكشف عليها من خلال جهاز السونار، لتكتشف أن أختها حامل في ثلاث شهور. وللأسف هي أدرى الناس بحالة اختها، فهي الوحيدة التي تعلم أن أختها غير مؤهلة للزواج أو الخلفه بسبب ضعف عضلة القلب، وأخفت الخبر ده عن أختها كي لا تصيبها بالوهم. ولكن الأهم من ذلك أن الحمل قد عدى مرحلة الإجهاد.
فاقت ريحانة وفتحت عينيها لتجد روح تنظر لها وعلى وجهها علامات الغضب. رفعت رأسها وقالت بصوت واهن:
- خير يا روح؟ إنتي بتبصيلي كده ليه؟ وإيه أصلاً اللي حصل وأنا هنا في العيادة عندك بعمل إيه؟
تنهدت روح وحاولت أن تتحكم في أعصابها وقالت بهدوء مصطنع وهي تجز على أسنانها من الغضب:
- براحة كده وبهدوء، أنا عاوزة أعرف اللي في بطنك ده جه إزاي ومين أبوه؟
وبحركة لا إرادية وشبه ابتسامة، وضعت ريحانة يدها على بطنها وقالت:
- أنا حامل بجد يا روح، أنا حامل!
زفرت روح آخر ذرة صبر وقالت بعصبية مبالغ فيها:
- انطقي! غلطتي مع مين؟ مين أبو اللي في بطنك يا ريحانة؟ أنا محتاجة أفهم، متجوزة ولا؟
قامت ريحانة واقفة تعترض على كلام أختها وقالت:
- غلطت؟ هي مين دي اللي تغلط؟ لا يا روح، أنا متربية معاكي وإنتي عارفة إن مش أنا اللي أغلط أو أعمل حاجة حرام. أنا اتجوزت يا روح، والله متجوزة ومعايا عقد جواز.
قطعت روح كلامها بصوت هز أركان الغرفة:
- إيه؟ سمعني تاني كده، عملتي إيه؟ اتجوزتي؟ وهو الجواز بيكون في السر؟ وده مين أصلاً اللي أقنعك واتجوزك زي الحرامية كده؟
قالت ريحانة بتلعثم أثر الخوف من صوت أختها:
- سـ سامر، اسمه سامر، وهو من عائلة كبيرة.
قالت روح بغضب:
- مين؟ ساـ قصدك الواد بتاع الندوة اللي كان بينطلك في الكلية كل شوية؟
هزت ريحانة رأسها. ثم أكملت روح وقالت:
- طيب ليه في السر؟ أفهم، ليه بس؟
قالت ريحانة بوهن من شدة التعب:
- إحنا متجوزين عرفي من خمس شهور، وهو عمل كده علشان مامته مش موافقة على الجواز مني علشان شايفاني أن أنا أقل من مستواهم. هي حرة في تفكيرها، بس أنا وسامر بنحب بعض، فاسامر قالي بلاش تضيع من عمرنا وقت نكون فيه مع بعض، فتجوزنا عرفي لحد ما يعرف يقنع مامته.
قامت روح واقفة وقالت ببكاء:
- ليه؟ ليه يا ريحانة ترخصي نفسك كده؟ ليه يا قلب أختك؟ اللي ميشيلكيش وردة على راسه ويتشرف بيكي ما يستاهلكيش، لكن ده زي اللي سرق وجرى. ده اتكسف منك قدام أهله، ما كانش يستاهل قلبك الأبيض ده. ليه يا قلب أختك رخصتي من نفسك كده؟ إنتي غالية قوي.
قطعت ريحانة كلام أختها وقالت ببكاء:
- لاء يا روح، سامر حد كويس وهو بيحبني قوي، لا يا روح مرخصتش نفسي، أنا حبيته قوي.
ضحكت روح نصف ضحكة وقالت بسخرية مصطنعة:
- طيب كلميه وقولي له إنك حامل وشوفي رد فعله ساعتها هيكون إيه.
=أكيد يا روح، هيفرح زي ما أنا فرحانة إني شايلة حتة منه جوايا.
ضحكت روح بسخرية وقالت:
- جربي يا ريحانة وقولي له.
فعلاً، أمسكت ريحانة الفون بيد ترتعش وهي من داخلها تخشى أن يخذلها، وقامت بالاتصال. سمعت صوته على الطرف الآخر يقول لها بحده:
+ في إيه يا ريحانة؟ مش قولتلك متتصليش بيا وأنا في البيت؟ افرضي أمي خدت بالها دلوقتي، إيه العمل؟
تنهدت ريحانة وقالت:
= أنا حامل.
والتزمت الصمت في انتظار رد فعله.
شهق سامر وقال:
+ مين عمل إيه؟ إنتي هتستعبطي؟ إحنا متفقناش على كده! إنتي قولتيلي إنك هتحملي، إيه؟ عاوزة تدبسيني فيكي ولا إيه؟
جحظت عين ريحانة من الرد الغير متوقع وقالت:
- أدبسك فيها؟ يعني إيه يا سامر؟ معلش وضح لي، غير أنا أصلاً معرفتش إن أنا حامل غير من ساعة بس.
قاطع كلامها وقال بجدية:
= طيب تمام، حلو أوي كده، الحمل ده ينزل حالا.
وهنا لم تستطع روح أن تتحكم في أعصابها أكثر من ذلك، وقد سمعت كل المكالمة من خلال فتح السماعة من الهاتف. أخذت الفون من أختها بقوة وقالت:
+ حمل مين اللي ينزل؟ إنت اتجننت؟ قسماً بالله لو ما جيت ومعاك مأذون وكتبت على ريحانة رسمي، لكون أنا بنفسي رايحة للملكة المتوجة ولدتك وهحكيلها على كل حاجة وهوريها العقد العرفي معاك، بالظبط نص ساعة بعدها متلومش غير نفسك.
أغلق سامر الفون وهو في حيرة لا يعلم ماذا يفعل؟ هل يخبر والدته ويستحمل رد فعلها؟ ولا يعمل إيه؟ ولكن خطر على باله أن يتصل بجاسر. اتصل عليه وقص عليه ما حدث. في هذه الأثناء دخلت أمه وقد سمعت كل ما حدث.
رواية التوأمان الفصل الثالث 3 - بقلم نرمين قدري
دخلت الغرفة دون استئذان.
عندما لمحها سامر، قاما واقفين واحمر وجهه.
ذهبت إليه وعلامات الغضب تعتلي وجهها، وبدون أي كلمة، هوت على وجهه بالقلم.
جحظ عينيه وقال بغضب:
= ليه كده يا أمي، ليه؟
قالت الأم بغضب:
+ علشان لما تكسر كلمتي وتروح تتلم على بنت من الشوارع وتحمل منك، يبقى أنا معرفتش أربي وأنت ناقص ترباية.
= بس ريحانة مش بنت من الشوارع، ريحانة بنت مؤدبة، لما تعرفها هتحبها.
قطعت الأم كلامه بصوت غاضب:
+ وأنا مش عاوزة أتعرف على حد، واللي في بطنها لازم ينزل، وده آخر كلام عندي. واعمل حسابك، فرحك على سالي الأسبوع الجاي.
ظفر بغضب وقال:
= بس أنا بحب ريحانة ومش عاوز البنت السمجة دي.
+ وأنا قلت الأسبوع الجاي فرحك، وانسي إنك كنت تعرف بنت بالاسم ده. واللي في بطنها لو منزلتهوش، أنت حر. قولها كده، لو منزلش يلزمنا، لكن هي برا، وإحنا محدش بيربي عيالنا غيرنا. اعمل حسابها إنها لو جابته، تنسي في يوم إن عندها طفل من عيلتنا، وبرضو مش هتتجوزها. لتكون فاكرة إنها بتلوي ذراعنا بالحمل. الهانم شكلها متعرفش إحنا مين.
ولكن يشاء القدر ويكون تليفون سامر اتصل بالغلط على ريحانة، وسمعت كل الحوار وهي لا تكاد تصدق ما تسمعه. ولكن الأكثر خذلانًا عندما سمعت سامر وهو يقبل أن يزف على غيرها الأسبوع المقبل.
أغلقت الخط وعاودت الاتصال وهي تبكي بحرقة، وشعرت أنها رخصت نفسها مثل ما قالت لها أختها.
قالت بصوت أنهكه البكاء:
- أيوا يا سامر، هعمل إيه؟
قال سامر:
= في إيه يا ريحانة؟ أنا كلامي كان واضح من الأول، الطفل لازم ينزل. أنا بصراحة مش مستعد أكون أب دلوقتي، أنا إيه اللي يلخمني من دلوقتي بتربية طفل وتحمل مسؤولية، لسه بدري.
- بس أنا عديت مرحلة الإجهاد خلاص، ما عدتش ينفع ينزل. لو نزل دلوقتي فيه خطورة عليا.
تنهد بغضب وقال:
= تمام يا ريحانة. وأنا ابني محدش هيربي غيري. اعملي حسابك من دلوقتي إنك تنسي إنك خلفتي، علشان الطفل ده هيتربي عندي، وده قرار مافيش منه رجعة.
- اللي هو إزاي يا سامر؟ أنت أكيد بتهزر، إيه الكلام الفارغ ده.
= لاء مش بهزر على فكرة. أمي ملهاش رغبة في إن اتجوزك. وأنا كنت واضح معاكي من الأول، وقلتلك تفكيرها إزاي. وأنا معنديش استعداد أخسر كل العز اللي أنا فيه ده، وأجي أقعد معاكي في شقتك اللي تحت السلم دي. ولا هسمح لابني إنه يتربى فيها. يا بنت الناس، أنت اللي خلفتي، الاتفاق اللي بينا مش أنا. كده أنا قلت اللي عندي، وعداني العيب. حضرتك هتيجي تعيشي هنا عندنا في الفيلا لحد ما تولدي، وبعد كده أنا آسف يا ريحانة، مش هقدر أعملك حاجة. هتفضلي تمشي. أنا بحبك، بس زعل أمي مش هيخلينا سعداء مع بعض، هتحاول تنغص عيشتنا. من أولها كده يا بنت الناس، يا تنزلي البيبي، يا تنسي إنك خلفتي أصلاً. القرار معاكي.
اعتصر الألم قلب ريحانة، وبقيت أشلاء حدوتة وانتهت باللعن، وكأنه وكأنها ما كانت وما كان، وكأن الزمن توقف على آخر لقاء.
كانت تود أن تودعه بطريقة تليق بها، ولكنها لعنت في حدوتة وكأنها مذنب.
وعليها دفع الجزاء.
هي تعلم جيدًا أنها مذنب، ولكن لم تكن تتوقع أن تتحمل وحدها ذنب اللقاء، وكأنها هي لعنة وأصابته وأفسدت عليه الحياة.
تنسى الود وحملها وحدها ذنب اللقاء.
أيحق للصياد أن يحمل فريسته ذنب البقاء؟
فهو من رمى لها الطعم، وكل ذنبها أنها أكلته.
هي قد أخطأت وهي تعلم ذلك جيدًا، ولكنها كانت جائعة.
الجائع لا يميز بين الطعام والطعم، يأكل كل ما يقدم دون النظر لنوع الطعام، وهذا ما كان يود أن يفعله الصياد.
ولكن عندما يفوق من غفلته، يلعن ما كان فيه وما عمله، ويتركها ويرحل دون أن ينظر خلفه.
لا يعلم ماذا ترك، كل ما يود الفرار من ذنبها لينجي حاله ويغسل نفسه من الذنب.
فقد تركها أشلاء لا تصلح له ولا لغيره، بقايا إنسان.
وصف ما كان بينهم بالعنة، وكان كل ذنبها أنها كانت صادقة معه.
نتساءل من المخطئ؟ هل الصياد أم الفريسة، أم من تركه الفريسة جائعة تلتهم الطعام من سلة الاهتمام الزائف.
أحببته كأنه،، لن يغادر أبدًا.. وغادر كأنه لم يحبها يومًا..
فاقت ريحانة على صوت أختها وهي تحتضنها وتطمئنها، وقالت بصوت حنون:
+ أوعي تخافي، وإنتي معايا محدش هيقدر يقرب لك، لا إنتي ولا اللي في بطنك. أنا هفضل أحارب معاكي وهنحافظ عليه. إحنا مش عاوزين حاجة منهم، طظ فيهم. أنا هاخدك وهنبعد من هنا ومش هيقدروا يوصلوا لينا.
هزت ريحانة رأسها بوهن شديد، فقد تملك منها التعب أقصاها.
مر شهران دون أن يتصل بها سامر، وهي كل يوم تنتظر أن يتصل بها ليعتذر عن ما فعله معها، ولكن الانتظار دون جدوى.
وصلت لآخر الشهر السادس، فقررت هي أن تتواصل معه، فاتصلت به، ومن هنا سمعت آخر حاجة ممكن تتوقعها.
لقد توفي الله سامر من شهر!!!!!
أثر حادث أليم. نزل الخبر على ريحانة مثل الصاعقة. ولكنها فاقت على صوت الطرف الآخر وهو يتوعد لها، فكانت أمه هي من تحدثها وتقول بتوعد:
- ابن ابني محدش هيربي غيري، إنتي سامعة ولا مش سامعة. من دلوقتي لحد ما تولدي جهزي نفسك وانسى إنك كنتي حامل أصلاً. أنا حاسبة شهور حملك كويس، وقبل التاسع ما يبدأ هتلاقيني فوق راسك علشان آخد ابن ابني منك. كفاية إن ابني أول مرة يعارضني بسببك، وقف قدامي وقالي مش هتجوز، وساب الفرح، وكان جيلك. عمل الحادثة، إنتي السبب في موت ابني. أنا هحرمك من ابنك زي ما حرمتيني من ابني.
أغلقت ريحانة الخط وهي ترتعش من الخوف وتحتضن بطنها بشدة.
دخلت روح ولاحظت حالة أختها، هدأت من روعها، وبدأت ريحانة تحكي لها ما حدث.
أخذت روح القرار أنها ستترك لهم البلد، ومع أول ضوء الفجر أخذت روح ريحانة وبعض أغراضهم، واتنقلت بها لقرية صغيرة لا تعرف فيها أحد.
باااااااك.
فاقت روح على صوت صفير القطار يعلن وصولها للقاهرة.
مسحت روح دموعها بظهر يدها، واحتضنت الرضيعه، وقد بدأت تعلن عن جوعها.
فقد أعدت لها الحليب الصناعي وبدأت في إطعامها.
تاهت روح في زحام المدينة، وذهبت لدكتورها في الكلية، وقصت عليه حكايتها، فهو كان بمثابة الأب الروحي لها.
اقترح عليها أن يكتب الطفلة باسمه، وبالفعل تمت كتابة غزل على اسم الدكتور، وسرعان ما جهز لروح ورق البعثة، وسافرت روح لتتحول حياتها لحياة أخرى جديدة.
رواية التوأمان الفصل الرابع 4 - بقلم نرمين قدري
سافرت روح إلى إنجلترا لاستكمال شهادة الدكتوراه. عملت طبيبة في إحدى المستشفيات هناك بجانب دراستها، وهي أيضًا تراعي ابنة أختها التي اعتبرتها ابنته.
مر خمس سنوات، طوال هذه السنوات وهي تراعي الطفلة وتعطيها كل الاهتمام وكأنها أمها. والطفلة كانت تعتقد أنها أمها.
تناست روح أن هناك من يتربص لها وينتظر عودتها. لا أحد يعلم مكانها لأنها خرجت من مصر باسم روح، وهم يبحثون عن ريحانة. لا أحد يعلم أن ريحانة فارقت الحياة.
وذات يوم، ذهبت روح لعملها متأخرة، ولكنها صدمت أن هناك اجتماع مجلس إدارة وعلى كل رؤساء الأقسام ضرورة الحضور بسبب تغيير مدير المستشفى وأن المالك هو من سيقوم بإدارة المستشفى.
طَرقت روح الباب واستأذنت واعتذرت عن التأخير، ولكن أوقفها صوت حاد وهو يقول بلغة إنجليزية متقنة وكأنه من أبناء البلد:
- ممكن أعرف حضرتك جاية متأخرة عن الاجتماع ربع ساعة ليه؟ الدكتور اللي ما يحترمش مواعيده ما يستاهلش لقب طبيب. إحنا مش شغالين في فرن عيش بلدي تيجي على مزاجك، إحنا في مستشفى كبيرة. لو كل واحد جه متأخر يبقى نقفلها أحسن.
لفتت انتباهها كلمة "فرن عيش بلدي". ابتسمت داخلها وعلمت أنه مصري بالتأكيد رغم إتقانه اللغة إتقانًا تامًا.
احمر وجه روح من الخجل، ولكنها أجابت عليه بلغة إنجليزية ولكن ليست بنفس الإتقان:
:= أولاً أنا ما عرفتش إن فيه اجتماع، ثانيًا أنا دخلت الشغل في معادي، بس اللي أخرني إني ما كنتش أعرف بالاجتماع عمومًا. بعتذر عن التأخير.
أجاب بجدية:
تمام، اتفضلي. وده أول لفت نظر لحضرتك، وأنا الأول عندي زي الأخير.
هزت رأسها وابتسمت نصف ابتسامة وجلست دون أن تعيره أي اهتمام.
عرف المدير نفسه وقال:
- أنا جاسر التهامي من مصر وصاحب المستشفى، ومن هنا ورايح أنا اللي هتولى إدارة المستشفى لأن المدير القديم كان متهاون مما كثرت الأخطاء.
وفي بعض القواعد اللي هنمشي عليها من هنا ورايح وحابب أقولها قبل ما نبدأ التعرف على بعض:
لازم تعرفوا إن عندي:
أن الغلطة الأولى هي الغلطة الأخيرة، ما عنديش تهاون.
ولا ممنوع منعًا باتًا التأخير، مرفوض بشكل قاطع.
ثانيًا: كل رئيس قسم مسؤول منه الفريق اللي معاه. المسؤول أمامي رئيس القسم مش المخطئ. واللي شايف نفسه مش قدها يقول من دلوقتي وأنا أشوف مدير قسم ثاني.
ورفع عينيه اتجاه روح، التي بدورها أرسلت له نظرات تحدي.
ثم أكمل كلامه:
ثالثًا: الكل هينزل شيفتات ليل.
ونظر للجدول أمامه وقال بسخرية:
- أنا شايف هنا مهازل. إيه التهريج ده؟ ده في ناس من ساعة ما اشتغلت ما مسكتش شيفت ليل من أصله. مين فيكم الدكتورة روح؟
رفعت روح عينها وقالت:
أنا دكتورة روح، وأكيد عندي أسبابي. إيه اللي يخليني ما أمسكش شيفت بليل؟
نظر لها نظرة عميقة وقال:
- يعني إيه يا دكتورة من خمس سنين ما مسكتيش شيفت ليل؟ خير؟
قالت روح بنبرة غضب:
= أنا قلت لحضرتك عندي ظروف مينفعش أمشي بليل، والمدير القديم كان متفهم ظروفي كويس.
- الظروف دي إحنا هنا ملناش دعوة بيها، دي حاجة تخصك إنتي. لكن هنا الشغل شغل، ولو شايفة حضرتك مش قد الشغل أنا بقبل الاستقالة عادي جدًا.
وصل الغضب عند روح أقصاه، وقامت واقفة وقالت بغضب بلغة العربية دون أن تشعر أنها تتكلم عربي:
= هو في إيه حضرتك؟ من ساعة ما دخلت وعمال تصدر في قرارات وأوامر. ده ينفع، ده مينفعش. انزل على الأرض معانا وشوف ظروف الناس اللي معاك. واستقالة إيه اللي هقدمها دي؟ انت تعرف القسم بتاعي كان عامل إزاي وبقى إزاي؟ مش بعد النجاح اللي عملته ده أسيبه وأمشي. وشيفت ليل ما بشتغلش ومن غير سلام عليكم.
وتركتهم وماشية.
قام جاسر واقفًا وهو يتتبعها بنظراته، ثم أشار لمساعده على أنه يتبعها.
ثم وجه كلامه لباقي فريق العمل:
- أخيرًا، الغلطة الأول زي الأخيرة عندي. الاجتماع انتهى.
ذهب جاسر لمكتبه وعلامات الغضب قد تملكت منه.
دخل المساعد، رفع جاسر عينيه وأشار له بالجلوس.
تحدث المساعد وكأنه مبرمج:
+ اسمها روح حافظ خليل، مصرية، عندها ٢٩ سنة، دكتورة أمراض النساء. أخدت شهادتها من جامعة القاهرة بدرجة امتياز. سافرت هنا بمنحة من الجامعة، بس الغريب إن المنحة اتعملت لها في أربع أيام بتوصية جامدة من الدكتور بتاعها.
وصلت إنجلترا من خمس سنوات هي وابنها كان رضيع. بس في حاجة كمان لفتت انتباهي، إن اسم ابنها على اسم الدكتور اللي طلعها البعثة.
رفع جاسر حاجبيه وقال بتعجب:
!!!= يعني هي متجوزة دكتورها؟
أشار المساعد بالنفي وقال:
+ ما أظنش يا فندم، لأنه كبير عليها قوي. هو تقريبًا عطاها الاسم، بس تقريبًا كان بيحاول يساعدها علشان هو كمان اللي خلص ورق خروجها من مصر وبسرعة غير طبيعية.
هز جاسر رأسه وقال:
:= تمام قوي كده، بس عاوز أعرف حياتها في مصر كانت عاملة إزاي، ومين اللي ممكن يكون أبو الطفل ده.
قام المساعد واقفًا وهز رأسه وخرج.
ظل جاسر يفكر في كم المعلومات التي حصل عليها. مر اليوم وانشغلت روح في عملها ما بين المرضى وعمليات الوضع تحت أنظار جاسر المراقبة لها.
روحت آخر اليوم وكلها شوق لابنتها المدللة. دخلت روح منزلها الصغير تبحث عن صغيرتها التي كانت برفقة المربية. فور سماع الصغيرة صوت أمها، تركت لعبتها وجرت تحتضن ابنتها الصغيرة. حملتها وقالت لها بحنان:
عصفورتي الحلوة، عملتي إيه في غيابي؟
قالت غزل بابتسامة:
+ سمعت كلام الناني وأكلت طبقي كله وشربت كمان اللبن كله كله.
قالت روح وهي تحتضنها:
- ياروحي عليكي شطورة يا قلبي. يلا حبيبت مامي تغسل أسنانها ويلا على النوم.
هزت غزل رأسها وقالت:
حاضر يا مامي.
وفي صباح اليوم التالي، أجبرت روح على أخذ غزل معها العمل لاعتذار الناني.
ذهبت غزل برفقتها إلى المستشفى وفي يدها حقيبتها الصغيرة، فهي مقتنعة أنها طبيبة مثل أمها.
أول ما دخلت المستشفى، تركت يد والدتها وذهبت تجري كالعادة، فهي معتادة أول ما تدخل المستشفى تجري على المدير لتمارس عملها كطبيبة معه.
جرت روح كي توقفها، ولكنها كانت أسرع منها واقتحمت مكتب المدير، الذي بدوره قام واقفًا عند دخول الصغيرة بدون استئذان.
رفعت الصغيرة نظرها ثم قالت بتلقائية وعينيها تبحث في كل مكان:
:+ هو فين صاحبي؟ راح فين؟
نزل جاسر لمستواها وابتسم لها وقال:
:= مين بقى صاحبك ده؟
قالت غزل بزعل:
:+ اللي كان قاعد هنا مكانك.
= طيب والجميل عاوزة إيه؟
+ أصل أنا دكتورة بتاعة أكشف عليه.
ضحك جاسر بهستريا وقال:
= خلاص اعتبرني أنا المريض الجديد بتاعك.
نظرت له غزل ثم قالت:
- ماشي، حتى إنت أصغر وأحلى بكتير.
حملها جاسر وهو يدقق النظر لها وهو في حالة ذهول من الشبه الغريب بينها وبين والدتها. الطفلة فعلاً فيها شبه كبير من والدته.
طَرقت روح الباب واستأذنت لتأخذ ابنتها مع تقديم الاعتذار لدخولها.
قال جاسر دون أن ينظر لها بصيغة أمر:
:= سيبها وروحي كملي شغلك. وياريت تفهمي إن هنا مستشفى مش حضانة. أكيد ممنوع اصطحاب الأطفال، ولا إيه يا دكتورة؟ ومن الواضح أن الطفلة متعودة تيجي هنا.
احمر وجه روح من الخجل.
رواية التوأمان الفصل الخامس 5 - بقلم نرمين قدري
طرقت روح الباب واستأذنت تأخذ ابنتها مع تقديم الاعتذار لدخولها.
قال جاسر دون أن ينظر لها بصيغة أمر:
- سبيها وروحي كملي شغلك.
- وياريت تفهمي إن هنا مستشفى مش حضانة.
- أكيد ممنوع اصطحاب الأطفال، ولا إيه يا دكتورة؟
- ومن الواضح إن الطفلة متعودة تيجي هنا.
احمر وجه روح من الخجل وقالت:
+ أنا بعتذر، بس أنا بجد معنديش مكان أسيبها فيه.
+ والنانى إجازة.
+ غير إنها مريضة ربو مزمن، صعب إني آمن عليها مع أي حد.
رنّت الكلمة في أذنيه، لأن والدته أيضاً مريضة ربو.
قال لها سؤال مفاجئ:
- طيب فين والدها؟ ليه متسبهاش معاه؟
انتفضت روح من سؤاله، فهذه أول مرة أحد يسألها عن والد غزل.
أجابت متلعثمة:
+ والدها اتوفى من قبل ما غزل تتولد.
تملك القلق منه وأشار لها بالخروج.
أخذت روح ابنتها وخرجت مسرعة.
رفع جاسر التليفون وتحدث مع أحد في مصر وقال بصيغة الأمر:
= روح حافظ خليل.
= تاريخ حياتها كله يكون عندي.
= أدق التفاصيل من ساعة ما اتولدت لحد ما جت إنجلترا.
= ما تسبش معلومة حتى لو كانت هايفة.
= عاوز أعرف اتجوزت مين، وجوزها عايش ولا ميت.
= وليه الطفلة اتكتبت باسم دكتورها في الكلية.
= كل حاجة وأي حاجة.
= وفي أسرع وقت ممكن.
= معاك بس يومين مش أكتر، مفهوم؟
ظل جاسر يراقب الطفلة وهو غير مصدق ما يرى من وجه التشابه الغريب اللي بينها وبين والدته.
ظل جاسر يدقق النظر في روح، فقد تملكه إحساس غريب أنه قد رآها من قبل.
سابقاً جلس يقلب في موبايله، ثم قام واقفاً مذعوراً وهو يقول بذعر بصوت منخفض:
- إنها هي هي بعينها، ولكن كان اسمها ريحانة.
- معقول غيرت اسمها عشان تقدر تهرب من أمي؟
- هي مرات سامر الله يرحمه؟
- هي اللي سرقت ابن سامر وعايشت أمي في حزن طول السنين دي كلها وهي عمالة تدور عليها.
- والله لأدفعك التمن غالي قوي.
- وبنتنا هناخدها منك برضاكي أو غصب عنك.
اقترب جاسر من غزل وهي تلعب وانخفض لمستواها وقال وهو يداعبها بحنان:
- الدكتورة الصغننة بتعمل إيه؟
أجابت الطفلة بمرح:
+ بكشف على عروساتي، أصلهم تعبانين خالص.
ابتسم على برائتها، ثم مد يده يداعب خصلات شعرها وأخذ خصلة دون أن أحد يشعر.
لمحت روح جاسر وهو قريب من غزل، جاءت تجري تحتضن ابنتها وتقول باستفهام:
؟- خير يا أستاذ جاسر؟
؟- غزل ضايقت حضرتك في حاجة؟
نظر لها وقال:
- لا أبداً، أنا بس كنت بلعبها.
ثم تركها ورحل دون أن يلتفت لها.
رن هاتفه وقال بجدية:
- أيوا، وصلت؟
- لأ إيه؟
ثم أكمل بجدية حادة:
- يعني ماتعرفش مين أبوها؟
الطرف الآخر:
+ الاسم اللي حضرتك بعتوهولي، الدكتورة روح طالبة في كلية طب القاهرة.
+ ما كانش ليها أي علاقات من أي نوع، حتى مع زمايلها في الكلية.
+ كانت المعاملة على قد بالظبط.
+ اختفت شهرين ورجعت وعلى إيدها طفلة بتقول إنها بنتها.
+ مع إن كل الشواهد بتقول إنها قبل ما تختفي ما كانتش حامل أصلاً!!!
بدأ الشك يتسرب لقلبه.
معقول تكون كانت عايزة تنسب طفل لأخويا مش ابنه؟
ثم أخرج من جيبه منديل به شعره من غزل، أرسلها لمعمل التحاليل.
وبعد عدة ساعات، طلعت نسبة التطابق بينه وبين غزل.
ولكن جن جنونه بالتأكيد.
في حلقة مفقودة.
منين ما كانش ليها علاقات؟
وإزاي قبل ما تختفي ما كانتش حامل أصلاً؟
بدأ جاسر يتقرب من روح بطريقته غير المباشرة، حاول الاهتمام بيها بشكل مبالغ فيه.
ولفت فعلاً اهتمامها.
ولكن لاحظ أن أحد الدكاترة بيحاول يقرب منها ويتودد لها.
لا ينكر أنه شعر بنوع من الغيرة.
ربما قد تسلل حبها إلى قلبه.
فقطع الشك باليقين وذهب لها وقال مباشرة بدون تجميل الكلام:
- دكتورة روح، أنا بتقدم ليكِ للجواز.
- تقبلي؟
شهقت روح من المفاجأة، فقد شلت تفكيرها، ولكنها كانت منجذبة إليه فعلاً.
تمالكت نفسها ورسمت الجدية وقالت:
+ أستاذ جاسر، مش عارفة أقول لحضرتك إيه، بس أنا عندي ظروف تمنعني من الارتباط.
- ممكن أعرفها ولا هي سر؟
+ لا خالص مش سر.
+ أنا زي ما حضرتك شايف، عندي طفلة صغيرة وأنا كل حياتها.
+ مش هينفع أسيبها وأتجوز.
+ هي ملهاش غيري وأنا كل حياتها.
- هو أنا قلتلك سبيها؟
- مين جاب سيرة إنك تسبيها؟
- تأكدي إن أنا هكون ليها أبوها اللي ما شفتهوش.
- أنا حبتها من أول ما شوفتها.
تلعثمت روح.
لا يوجد أي سبب آخر للرفض.
ماذا ستفعل؟
من المؤكد أنه سيكتشف أنها مش أم غزل.
ظلت في حيرة، هل تخبره أو تؤجلها ليوم الزفاف؟
وقررت أنها ستؤجل الكلام في الموضوع ده.
هزت روح رأسها وعلى وجهها علامات الخجل.
ابتسم جاسر على خجلها وكأنها بنت لم يسبق لها الزواج.
تمت مراسم الزفاف.
واعتلت معاها صوت دقات قلب روح خشية من افتضاح أمرها.
ولكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
وكان الحظ يلعبها مرة أخرى.
لم يستطع جاسر التحكم في أعصابه.
وأول ما اتقفل الباب عليهم، اقترب منها وأمسك ذراعيها بقسوة لدرجة أنها أخرجت آه مكتومة.
وقال وهو يجز على أسنانه من الغيظ:
:= أوعي تكوني فاكرة إنك كده هربتي ببنت سامر.
:= انتي لو كنتي في المريخ كنت هجيبك.
جحظ عين روح، ولكنها تحكمت في ثباتها الانفعالي كي لا يفتضح أمرها.
وقالت بثبات وهي تجذب يدها من يده:
- إيه؟ في إيه؟
- وانت بأي حق تتكلم معايا كده؟
- وإياك ثم إياك تتجرأ وتمد إيدك عليا تاني.
ضحك بسخرية وقال:
- زمان ضحكتي على أخويا، ودلوقتي فاكرة إنك تعرفي تضّحكي عليا؟
- لأ، أقسم بالله بحق كل دمعة أمي نزلتها على ابن سامر اللي اختفى معاكي.
- لا تشوفي أيام تكرهي فيها نفسك.
- أنا اتجوزتك عشان أعرف أوريكي تهربي بابن سامر إزاي.
قالت روح بلغة التحدي:
- طظ.
- أه طظ.
- أنا مش بتتهدد، وأنا مطلقة يا جاسر منك.
- وهنشوف، وبنتي محدش فيكم هيلمس شعرة منها.
- وأنا لو كنت أعرف إنك أخو سامر ما كنتش قبلت اتجوزك.
= انتي يا بنتي جاية الجرأة دي منين؟
= انتي هنا في سجني وأنا سجانك.
قالت وهي تحتضن ابنتها وتدخل غرفة من غرف الشقة:
- أعلى ما في خيلك اركبه.
- أنا مش بخاف على فكرة.
قال جاسر بتحدي:
:= لا معايا لازم تخافي.
:= زمان سامر كان بيحبك علشان كده اتهاون في حقه، لكن أنا لأ.
:= هطلع عليكي كل السنين اللي فضلت أدور فيهم عليكي وعلى ابن سامر.
:= على مستقبلي اللي سبته عشان أعرف ألاقيقي.
:= أنا سبت المستشفى هنا لما وقعت خالص عشان كنت بدور على جناب البرنسيسة وهي هنا.
:= بس الله في سما يا ريحانة، مش ريحانة برضوا.
:= لهتشوفي أيام تكرهي نفسك فيها.
أغلقت روح على نفسها الغرفة وكأنه لم يتحدث.
حضنت ابنتها وانسابت دموعها كشلال.
إلى أن غلبها النعاس.
استيقظت روح وقد بدأ الظلام يحل.
وجدت رأسها ثقيلة من كثرة البكاء.
ووجدت غزل نائمة.
ابتسمت لها وقامت تنظر لنفسها في المرايا.
قد أنهكها البكاء.
غسلت وجهها ولاحظت أن الهدوء يعم المكان.
فتحت باب الغرفة في حذر.
ولم تجده.
تجولت في الشقة بخفة باحثة عن المطبخ، فكانت جائعة بشدة.
فتحت الثلاجة وأخذت القليل من الطعام.
وابتسمت عندما لمحت كيس البن.
عملت مج قهوة كبير وجرت مسرعة على غرفتها.
ولكن كانت غافلة أن في أحد يراها من خلف الكاميرا ويبتسم على طفوليتها.
رواية التوأمان الفصل السادس 6 - بقلم نرمين قدري
استيقظت روح وقد بدأ الظلام يحل.
وجدت رأسها ثقيلة من كثرة البكاء.
وجدت غزل نائمة.
ابتسمت لها وقامت تنظر لنفسها في المراية.
قد أنهكها البكاء.
غسلت وجهها.
ولاحظت أن الهدوء يعم المكان.
فتحت باب الغرفة بحذر.
ولم تجد أحداً.
تجولت في الشقة بخفة باحثة عن المطبخ.
فكانت جائعة بشده.
فتحت الثلاجة وأخذت القليل من الطعام.
وابتسمت عندما لمحت كيس البن.
عملت مج قهوة كبير.
وجرت مسرعة على غرفتها.
ولكن كانت غافلة أن في أحد يراها من خلف الكاميرا ويبتسم على طفولتها.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
وهي تفكر ماذا بعد.
ولكنها استسلمت مرة أخرى للنوم.
وفي المساء استيقظت روح على يد الصغيرة وهي تحتضنها وتقول لها:
+ مامي أنا جعانة خالص.
ابتسمت لها في حنان وقالت لها:
- عيون. قلب مامي خمس دقائق ويكون أحلي أكل لأجمل بنوتة.
قامت روح بتكاسل وعدلت ملابسها.
فتحت الباب بثقة على أنها بمفردها.
ولكنها عندما خرجت وجدت جاسر يجلس أمام التلفاز بملابس بيتية وهو يشرب مج نسكافيه.
رفع نظره لها ولم يعرها اهتمام.
وهي أيضاً لم تنظر له.
دخلت على المطبخ لتعد الطعام لابنتها.
دخل خلفها وقال بصوت به بعض الحدة:
+ من فضلك أنا جعان مأكلتش حاجة من الصبح حضرلي حاجة أكلها.
هزت رأسها دون أن تلتفت له.
وقامت بإعداد الطعام.
خرجت لكي تضع الطعام أمامه.
وأخذت ما يكفي ابنتها.
ولكنها وجدت غزل تجلس بجواره وهي تضحك بمرح.
وهو يتبادل معاها الحديث وهي تضحك على كلامه معاها.
ظفرت روح أنفاسها بصوت مسموع.
ووجهت نظرها اتجاه غزل وقالت بأسلوب أمر:
- غزل يلا جوا أنا حضرتك ليكي الأكل قومي وما تخرجيش من جوا غير بإذن مني تمام.
قامت غزل وهي تنظر للأرض وتقول بأسف:
+ سوري مامي.
ولكن قطع كل ذلك صوت جاسر وهو يقول بغضب شديد وهو يوجه نظرة اتجاه روح:
= أول وآخر مرة صوتك يعلي وأنا قاعد وآخر مرة آخر مرة، أكون قاعد أو بتكلم مع غزل وتقوميها من قدامي سمعة، ولا مش سمعه، واتفضلي حطي الطبق اللي في إيدك على الترابيزة هنا علشان من هنا ورايح كل ما أكون في البيت غزل هتاكل معايا، مفهوم انطقي مفهوم.
جزت روح على أسنانها من الغيظ.
و اكتفت بهز رأسها.
وتركتهم لتدخل غرفتها.
ولكن أوقفها صوت جاسر وهو يقول لها:
= رايحة فين هو أنا قلت ليكي امشي.
التفت له والتقت عيناهم بتحدي وقالت:
- أفندم معلش مسمعتش.
بادلها جاسر نفس نظرات التحدي وقال:
= أنا قلت ليكي تمشي انطقي.
- بس أنا مش مستنية إذن من حد على فكرة.
= لا حضرتك فاهمة غلط النفس اللي بيطلع منك محتاج إذن مني وأنا لو مأذنتش متتنفسيش.
ضحكت روح حتى أدمعت عينيها وقالت:
- اللي هو إزاي معلش بصفتك إيه فاهمني.
نظر لها بثبات وقال:
= هي المدام ناسية أنها مراتي ولا إيه وإننا متجوزين ولا الهانم مش واخدة بالها من كده.
قطعت كلامه وقالت:
- مؤقت جواز مؤقت مع إيقاف التنفيذ مجرد حبر على ورق وكلها أيام وهيتقطع الورق ده ولا هيكون في جواز ولا يحزنون ولحد ده ميحصل ياريت بلاش تتكلم معايا.
قام جاسر واقفاً وقد تملك الغضب منه وقال:
= روح بلاش استفزاز أكتر من كده علشان رد فعلي هيزعلك.
لم تعره أي اهتمام.
وأكملت كلامها لغزل وقالت لها:
- يلا يا غزل على الأوضة بسرعة.
نظر جاسر لغزل وقال بنبرة حنونة:
= غزل ممكن تاخدي طبقك وتخشي الأوضة تفتحي الكرتون وتأكلي قدامة وماتطلعيش غير لما أنادي عليكي يلا بسرعة على جوا وأقفلي عليكي الباب لحد ما أخلص كلام مع مامي!
ابتسمت غزل ونفذت كل ما طلب منها.
ارتجفت روح ولكنها تماسكت أمامه.
وتركته وذهبت.
ولكنه كان أسرع منها وأمسك بيدها.
وبدون كلام سحبها لغرفته.
ألجمتها الصدمة.
ولكنها فاقت على صوت غلق باب الغرفة بحدة وقالت:
- في إيه أنت اتجننت إيه اللي أنت عملته ده ممكن أفهم أنت إزاي تسمح لنفسك تلمسني أصلاً.
احمرت عين جاسر وقال:
= بصي بقا يا بنت الناس علشان أنا ماسك نفسي عنك بالعافية أنا قلت دي كانت مرات أخويا يعني مينفعش أقرب منك فكرة الجواز منك ما كنتش في دماغي بس لما لقيت أن في المستشفى في كذا واحد بيحاول يتقرب منك قلت ما بدهاش بقا أقطع الكلام من أوله واتجوزك علشان اللي عاشق في حاجة يعرف إن خلاص مافيش أمل، قلت تتربي غزل وبلاش أحرمك منها وده حقي على فكرة لأنك حرمتينا منها وعارفة أن أبوها مات وهي الحاجة الوحيدة اللي من ريحته بس بغبائك بعدتيها وسافرتي وحرمتي جدتها من الحاجة الوحيدة اللي فاضللها من ابنها.
قطعت كلامه وقد تملكتها العبرة وبدأت دمعها تنهمر وقالت بقهر سنوات:
- لا عندك بقا لحد هنا واسكت ولازم تسمع آه لازم تسمع.
أنت مسألتش نفسك أنا ليه أخدت غزل وسافرت ليه أسافر لوحدي ومعايا طفلة رضيعة بنت أيام في بلد معرفش فيها حد وكمان معنديش شغل تعرف شوفنا إيه ولا عشنا إزاي لحد ما بدأت أستقر إيه اللي يخليني أعمل كده مسألتش الست ولدتك هي كانت عاوزة تعمل إيه وإزاي ما كنتش عاوزة الحمل ده أصلاً وهدتت لو منزلش هتعمل إيه،،
محدش قالك أن الست ولدتك كانت عاوزة تحرم طفل من حضن أمه، وتحرم أم من ابنها، اللي ملحقش يشوف الدنيا محدش قالك على عمل أخوك المرحوم لما عرف بالحمل محدش قالك أنه باع في لحظة وكل الكلام وكل الوعد اتبخرت، بمجرد تهديد ولدتك أنها هتحرمه من العز اللي عايش في،، ولما فاق وحب يرجع عمل الحادث واتوفى الحادث اللي السيدة ولدتك اتهمتني أن أنا السبب في موت ابنها بعد كل ده وعايزني كنت أقعد لحد ملاقي نفسي في الشارع وابنتي مش في حضني بسبب أن ولدتك شايفة أن احنا مش من مقام الأسرة المالكة احنا مجرد جواري لا نرتقي بيكم ماكنا الشارع مش بني آدمين من لحم ودم، ونحنحس !!!!
وجاي حضرتك دلوقتي عاوز تعيد الشريط من الأول لا يا جاسر باشا لا والف لا ولو آخر يوم في عمري مش هكون ليك زوجة، أو هخليك تتحكم فيا أو عقلك يصورلك أن أنت ممكن تاخد بنتي مني ساعتها هكون نمر مفترس بيأكل أي حد يقرب منها أنت فاهم ولا مش فاهم كله إلا بنتي كله إلا غزل أنا استحملت كل اللي أنا في ده علشان أحافظ عليها منكم استحملت الغربة واستحملت المرمطة دي كلها علشانها ومستعدة أستحمل أكتر من كده لكن أي حد عقله يصور له أنه ياخدها يبقى بيحلم.
ظل جاسر ينظر لها في ثبات وقال بهدوء مبالغ فيه:
= ها خلصتي ولا لسة.
لم تجبه أو تتلتفت له.
أكمل كلامه بنفس الثبات والهدوء وقال:
= أظن أن أنا حذرتك من أن صوتك يعلي وأنا موجود ومع كده صوتك كان عالي، قلتلك أنا اتجوزتك علشان خاطر غزل ومع كده مصممة تبعدي البنت عني وتستفزيني قلتلك علشان خاطر أخويا وذكراه مش هقرب منك لكن أنتي مش عارفة تحترمي أي حاجة ومصممة تخرجي أسوأ ما فيا بغبائك وعندك،،،
قطعت كلامه بحدة ورفعت صباعها في وجهه وقالت:
- بقولك إيه آخر مرة تغلط فيا وتقول غباء افهم يا جاسر قاعدة هنا معاك حاجة مؤقتة لحد ما أطلق منك ياريت بقا تعدي الأيام دي على خير وبلاش غلط علشان مش هسمح بده مفهوم.
نفد صبر جاسر وقال:
= تمام يا روح أنتي مصممة برضو طيب تمام مش جوازنا اللي على ورق ده عماله تهددي بيه.
ولم يشعر غير أنه يسحبها من ملابسها ويمزقها.
وبدأ يثبت حق ملكيته عليها تحت صراخها واعتراضها.
ولكنه لم يهتم بصراخها.
وبدأ يضع صك ملكيته عليها.
ولكنه قام مفزوع من مكانه عندما اكتشف أنها مازالت عذراء.
قام وهو غير مصدق نفسه هي مازالت عذراء !!!!
رواية التوأمان الفصل السابع 7 - بقلم نرمين قدري
تمالك نفسه وقال بصوت يحاول أن يهدأ به نفسه:
– انتي مين؟ انتي مين؟ انطقي، انتي مش ريحانة، صح؟
جلست روح وهي تحاول أن تُداري جسدها، ودموعها ما زالت تنهمر بشدة.
جلس جاسر وهو يحاول أن يسيطر على نفسه وقال:
– أنا هادي، اتفضلي كده وقوليلي انتي مين؟ ومين ريحانة؟ بطلي عياط عشان متعصبنيش، واللي حصل بينا ده طبيعي يحصل بين اتنين متجوزين. عارف إن الطريقة كانت غلط، بس انتي اللي استفزتيني. بس كويس إن ده حصل عشان يبان غشك وكدبك.
قالت روح وهي تحاول جاهدة أن تتماسك:
– أنا مش غشاشة ولا خدعتك، ولا في يوم قلتلك إني أنا ريحانة. انت اللي قعدت وفسرت كل حاجة على مزاجك.
– ماشي يا ستي، أنا اتزفت وفهمت غلطت. ممكن حضرتك تتكرمي وتفهمني الصح، عشان آخر ذرة صبر ليا خلصت!
توالت شهقاتها في البكاء هستيريا، وأوشكت على الانهيار.
أغمض جاسر عينيه وقام واقفًا واقترب منها، ولكنها اتفزعت ورجعت للوراء بشكل تلقائي.
ولكنه لم يبتعد، جذبها إليه وحاول احتواء الموقف وقال لها بصوت حنون، فهو يعلم أنه قسى عليها:
– أولًا، ألف مبروك إنك بقيتي مراتي قدام ربنا. اهدي كده وتعالي قومي خدي دش سخن عشان غزل ما تشوفكيش كده. والبس أي حاجة من دولابي لحد بكرة، بس استخدمي الحمام هنا، وأنا هطلع أشوف غزل وبعدين نتكلم. تمام؟
انحنى وترك قبلة على رأسها.
هزت رأسها وقامت ببطء. ساعدها في القيام وأدخلها الحمام وتركها وخرج، وهو يلوم نفسه على ما حدث. لقد دق قلبه لأول مرة، لقد أحبها وبشدة.
فتحت روح الماء الساخن ونزلت تحته، وبدأت دموعها تنهمر بشدة إلى أن هدأت. خرجت من الحمام وهي تلف حول جسدها المنشفة. فتحت دولابه وأخرجت بنطال وتيشيرت، وخرجت.
وجدت جاسر يجلس بجوار غزل يشاهد معها التلفاز. فور أن لمحها قام واقفًا وقال وهو يبتسم:
– شكل الطقم عليكي يجنن.
مما جعلها تبتسم لأنه كان واسعًا عليها جدًا.
ثم أكمل بحنان ملحوظ، محاولًا احتواء الموقف، فهو يعلم مدى غلطته في حقها، ولكن قد فات الأوان:
– اقعدي كده، وأنا هعملك حاجة سخنة تشربيها.
هزت رأسها وجلست تحتضن غزل.
دخل جاسر المطبخ وأعد لها مشروب الشيكولاتة الساخن وأحضر بعض الفطائر وقدمها لها.
تناولت روح منه الكوب وقالت بدون أن يسألها وهي تشرب، دون أن تنظر له:
– أنا وريحانة توأم متطابق. ريحانة محدش كان يعرف يفرقنا عن بعض. وفي نفس الوقت محدش يعرف إننا أخوات توأم عشان ما اتجمعناش مع بعض في أي مكان.
ريحانة كانت مريضة قلب. وسامر ما رحمهاش، فضل يضغط عليها لحد ما حبته واتجوزها عرفي، وهي أصلًا ما كانش ليها جواز. علشان كده اتجوزت من ورايا عشان عارفة إني هرفض الجواز ده، بس هي كانت حبت سامر. ولكن سامر مقدرش ده ولا قدر حجم التضحية اللي عملتها عشانه.
وبعدين حاول يهرب منها بعد ما عرف إنها حامل. غير إن الست والدتك ما قصرتش على الكلام اللي سمعتهولها، وكأنها هي المذنبة لوحدها. قلبها متحملش كل الصدمات دي وماتت وهي بتولد غزل.
علت صوت شهقاتها وهي تتذكر كل ما مر بأختها، وكأنه شريط يمر أمامها يسترجع الماضي بكل قسوته. ثم أكملت بقهر واضح:
– أخدت غزل وحاولت أبعد بيها لأبعد مكان يبعدني عن أي حاجة تربطني بالماضي. والله يكرمه الدكتور بتاعي في الجامعة كان الأب الروحي ليها. رحت وحكيت له كل اللي حصل. كتب غزل باسمه وساعدني في السفر. وده كل اللي حصل.
زفر جاسر أنفاسه وقال:
– تمام كده، الصورة كلها وضحت. بس انتي ما فكرتيش حال أمي إزاي؟ وما تنسيش إنها فقدت ابنها، وغزل كانت الحاجة الوحيدة اللي هتصبر قلبها.
احتدمت نظرات روح وارتفعت نبرة صوتها وقالت:
– ياسلام! كنت أصبر لحد ما الست الوالدة تاخد مني بنت ريحانة وتحرمني منها؟ مش كفاية اختي ماتت مقهورة، ماتت في بلد غريبة ودفنت في مدافن الصدقة من غير حد ما ياخد عزاها؟ كل ده ملوش قيمة؟ وأنا يا أستاذ جاسر، لما أخدت طفلة رضيعة عمرها يوم وأنا معرفش أي حاجة عن تربية طفل، أخدتها وهربت لبلد غريبة وأنا بشق طريقي فيها، معرفش حد. كل ده ملوش تمن! مش مامتك بس اللي دفعت التمن، كلنا دفعنا التمن غالي. ريحانة دفعته لما رخصت نفسها وقبلت على نفسها تتجوز بـ"حتة ورقة" تحت مسمى الحب. أي حب ده اللي يهدر كرامة الإنسان؟ الحب بيغلي مش بيرخص، بس هي اللي اختارت تعيش في الظلمة، عشان كده لما ماتت ماتت برضه في الظلمة ومحدش حس بيها.
وسامر كمان اللي مطلعش على قد المسؤولية وافتكر إن الجواز ليلة وتعدي. معرفش إن الليلة دي جنت على طفلة إنها تعيش العمر كله يتيمة. مطلعش راجل ولا على قد كلمته وضعيف شخصيته قدام والدتك. والدتك اللي بتتحكم فيكم زي لاعب المارونيت، بتحرككم بخيوط، لو حد فيكم قطع الشرنقة أو الخيط اللي هي عملاه، تغضب عليه وتهدده بحرمانه من النعيم اللي هو عايش فيه، من غير حتى ما تفكر هو عاوز إيه أو محتاج إيه. كل اللي شايفاه إنها هي الصح وبس، وأي حاجة أنتم بتعملوها غلط. يمكن انت حاولت تهرب منها بسفرك، بس في الآخر رجعت لنفس الشرنقة وربطت نفسك بنفسك في الخيط. حتى لما سامر فكر يخرج من تحت جناحها رجع ليها ملفوف في كفن. معرفش يخرج من الشرنقة اللي حاوططته بيها، وبكل قسوة وجبروت كانت عاوزة تحرم طفل من حضن أمه.
ثم أخفضت نبرة صوتها وقامت واقفة وهي تحتضن نفسها وكأنها بتواسي روحها، وقالت بشجن:
– تعرف يا جاسر إن والدتك هي المسؤولة عن كل حاجة حصلت ليكم. حبها الزائد ليكم واحتوائها وحب التملك اللي مسيطر عليها، عمى عينيها عن إنكم كبرتم وكل واحد ليه حياة مستقلة.
تنهد جاسر بصوت ممتلئ بالحزن، فهو يعلم مدى صدق حديثها، ولكنه حاول تبرير موقف أمه فقال:
– أمي يا روح، اتجوزت بابا وهي سنها صغير قوي. كانت من عيلة كبيرة وحبت بابا واتجوزته رغم اعتراض عائلتها على الجوازة، لأن في نظرهم إن بابا مش من مستواها. وتقريبًا كده كل العيلة قطعتها. حست إنها لوحدها. واللي زاد الحكاية عليها إن بابا مطلعش قد التضحية اللي هي عملتها ومقدرش إنها باعت أهلها كلهم عشانه. هو كان عشمان إنه هيقعد في القصر ويكون البيه، لكن خلف توقعاته لما أهل أمي قطعوها واتبروا منها. لقى نفسه لسه عايش في نفس بيته القديم ونفس مرتبه، لأ وزاد عليه مصروفات أمي وكمان إنها حملت فيا بسرعة. بدأت معاملته ليها تتغير وبدأ يطلع ضعفه عليها بكل أنواع الإهانة. وهو اللي أجبرها تحمل في أخويا سامر، لحد ما في يوم بتصحي من النوم مصحاش. سابنا ومات. مش عارفة موته ده كان راحة ليها ولا عذاب. أنا كنت طفل عمري سنة، وسامر لسة متولدش. فجأة لقت نفسها مسئولة عن كل ده لوحدها وهي سنها صغير. يا دوب قفلت عشرين سنة، ما كانش قدامها حل غير إنها ترجع بيت أهلها. وللأسف اتحكموا فيها لأبعد حد لحد ما بقت حرة نفسها، وأظن اللي هي دلوقتي رد فعل طبيعي لظروف اللي عاشته.
رفعت روح حاجبيها وقالت بتعجب:
– بس تفتكر ده مبرر لكل تصرفاتها وقسوتها؟ ما افتكرش.
ثم التفتت له وقالت بتوسل:
– بالله عليك يا جاسر، بالله عليك ما تاخدوش غزل مني. أنا عملت كل ده عشان أحافظ عليها. بلاش تبعدني عن بنت ريحانة. انت أكيد هتطلقني بعد لما عرفت إني مش أم غزل. عشان خاطري، بلاش. لو هقعد خدامة هنا، بس بلاش تبعدني عنها. من غيرها أنا ممكن أموت. بلاش والدتك تاخدها، هتزرع فيها القسوة.
اقترب منها جاسر وهو يهدئ من روعها ويحاول احتوائها وقال:
– ومين قال إن هبعدك عنها؟ غزل روحها فيكي، وانتي كمان روحك فيها، وأنا شفت ده بنفسي. استحالة أببعدكم عن بعض يا روح.
مسحت روح دموعها بظهر يدها وقالت:
– انت بتكلم جد؟ بجد يا جاسر هتخليني جمب غزل؟
ابتسم وقال وهو يجذبها لحضنه وهو يغمز لها:
– انتي ناسيه إنك بقيتي مراتي رسمي خلاص، يعني اتدبستي فيكي وخلاص، ما منهاش رجعة. وربنا يصبرني بقى على دماغك دي.
وجذبها لحضنه بشدة وكأنها يحاول أن يكون لها العوض. ثم همس لها بحنان وقال:
– روح، أنا زي ما تكون روحي رجعتلي لما اتجوزتك. أنا بحبك يا روح قلبي من جوا.
قال بحنان:
– روح قلبي، تتجوزيني؟ عارف إن قسيت عليكي، بس دلوقتي أنا بقولك بكل حب إني عاوزك مراتي قدام ربنا.
ابتسمت روح واحمر وجهها خجلًا، وكان ابتسامتها بواب عبور لقلبه. حملها برفق، حنانًا، وأخذها لغرفتهم وذهبوا لعالمهم الخاص بهم.