تحميل رواية «التوأم» PDF
بقلم راغدة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
يجلس بكل أناقة ببدلته الرمادية المفضلة له وقميصه الأبيض وربطة العنق الحمراء. شعره مصفف بعناية ولحيته المشذبة التي تزيده جاذبية. رفع قدح قهوته التي ينبعث منها البخار ورائحتها الزكية. وبتلك اللحظة الفارقة لم يسعه إلا الفرار للذته وملاذه. يفضي إليه كل ما يلم بقلبه. يحتسي قدحاً من القهوة اللذيذة مع مكعبات من الشوكولاتة الناعمة التي تاخذه إلى عالم الكمال. مع ارتشاف أول قطرة من قدحه المفضل. لعلها تحلي مرارة القهوة ومرارة واقعه وماضيه ومرارة الفراق. ارتشف عدة رشفات يحاول كبح فكره وقلبه عنها. ولكنها كال...
رواية التوأم الفصل الأول 1 - بقلم راغدة
يجلس بكل أناقة ببدلته الرمادية المفضلة له وقميصه الأبيض وربطة العنق الحمراء. شعره مصفف بعناية ولحيته المشذبة التي تزيده جاذبية.
رفع قدح قهوته التي ينبعث منها البخار ورائحتها الزكية. وبتلك اللحظة الفارقة لم يسعه إلا الفرار للذته وملاذه. يفضي إليه كل ما يلم بقلبه. يحتسي قدحاً من القهوة اللذيذة مع مكعبات من الشوكولاتة الناعمة التي تاخذه إلى عالم الكمال. مع ارتشاف أول قطرة من قدحه المفضل. لعلها تحلي مرارة القهوة ومرارة واقعه وماضيه ومرارة الفراق.
ارتشف عدة رشفات يحاول كبح فكره وقلبه عنها. ولكنها كالوباء الذي انتشر واستحال العلاج منه.
خلع نظارته الطبية ومسح عينيه. وحين أزال يده نظر خارج المقهى لينصدم بوجودها.
كانت على الرصيف المقابل بابتسامتها الجذابة الآسرة للقلوب. بيدها عدة لوحات تعطيها لرجل يقف أمامها يبادلها الابتسام.
مسح عينيه ثانية وارتدى نظارته ونظر متمعناً لينتفض مسرعاً للخارج يصرخ بصوته كله: "نادو نادو".
حاول عبور الشارع ولكن كانت السيارات تمر بسرعة من أمامه. كان يتنفس بقوة وهو يشير للسيارات للتوقف. وما أن عبرت آخر مركبة وعبر الشارع للرصيف حتى اختفت. كأنها لم تكن.
شد شعره وزفر بقوة وهو ينادي باسمها وعيناه تدور بالمكان بأكمله باحثة عنها. ولكنها كأنها تبخرت. كأنها لم تكن.
اقترب من أحدهم وكان يعزف بـ كـمـانـه. يضع قبعته أمامه يلقي له المارة بضعة جنيهات.
"لو سمحت يا أخ"
هز الشاب حاجبه وهو يشير بعينيه للـ قـبـعـة.
نظر مراد للقبعة وسحب من جيبه مبلغاً من المال وقال له: "المبلغ ده قصاد جواب لسؤال".
نظر الشاب للمال ووضع كـمـانـه جانباً وهو يمد يده يأخذ المال. ولكن مراد بقي متشبثاً بالمال وقال: "كان في بنت هنا معاها لوحات تعرفها؟"
هز الشاب رأسه بنعم.
"تعرف راحت فين؟"
هز الشاب رأسه.
شد مراد المال. فقال الشاب: "بس أعرف هتيجي امتى".
أرخى مراد المال.
أدخل الشاب المال بجيبه وقال: "نيرمين بتيجي كل خمسـتاشر يوم بتبيع لوحاتها وتمشي".
ابتسم مراد بمرارة وقال: "هي بقا اسمها نيرمين؟"
"بتقول حاجة؟"
استدار مراد وعاد للمقهى وعيناه مسلطة بالاتجاه الآخر. عائداً بذاكرته عام مضى.
***
دخل شركته بخطى سريعة وواثقة تحت نظرات الموظفين دون أن يعطيهم أدنى اهتمام. ودلف للمصعد.
وقف يعدل ربطة عنقه ويتأكد من أناقته. وما أن توقف المصعد حتى خرج ووقف أمام مكتبها يتأمله.
"صباح الجمال يا حبيبتي"
نادين وهي تزيح خصلات شعرها المنسدل على وجهها بابتسامة رائعة قالت: "صباح الورد يا حبيبي، اتأخرت النهارده".
مراد وهو يتحسس وجنتها بأصابعه: "كنت عند المحامي خلصت كل العقود".
ازدادت ابتسامتها وقالت باندفاع: "بجد يا مراد؟"
"وجد الجد كمان. وكلها أسبوع بالكثير وتبقي شريكة حياتي بكل حاجة".
نادين بدلع وهي تلعب بربطة عنقه: "أنا بحبك أوي يا مراد".
مراد وهو يمسك يدها يرفعها لشفتيه يقبلها: "وأنا بموت فيكي يا قلب مراد".
نادين وهي تتحرك نحوه بدلع حتى التصقت به وبصوتها اللعوب: "طب والموضوع اللي قالك عليه بابا؟"
أحاط خصرها بيده ورفع يده الأخرى بالحقيبة وقال: "المبلغ كله هنا يا قلبي".
ألصقت شفتيها على وجنته وقبلته بنعومة ويدها تمتد بخفة تمسك بالحقيبة من يده.
كان مغمض العينين يستمتع بقبلتها التي تحولت من وجنته لشفتيه حتى أصبح كالمغيب.
ابتعدت بخفة عنه تاركة إياه بعالم آخر لا يود الخروج منه بعد أن أصبح هو وقلبه أسيراً لها.
زفر مراد وقال: "أمتى يوم الخميس ييجي وتبقي مراتي؟"
نادين: "هانت يا حبيبي، كلها كام يوم".
مراد: "إحنا لازم نخلص كل شغلنا عشان هاخدك ونلف العالم كله، أنا هعيشك أيام عمرك ما هتنسيها".
ابتسمت نادين وقالت له وعيناها تطالعه بإغراء واضح: "ده أنت اللي هتعيش أيام عمرك ما تخيلت تعيشها ولا عمرك هتنساها".
اقترب مراد منها وقبلها بشغف وقوة ولم يبتعد عنها إلا حين شعر أنه سيفقد السيطرة على نفسه.
دلف مكتبه وتبعته معها الأوراق التي تحتاج توقيعه.
تناول قلمه وبدأ بتوقيعهم دون قراءته.
نادين بمكر ويداها تمسد كتفيه: "مش هتقراهم يا حبيبي؟"
مراد: "مش انتي قرياهم يبقى خلاص".
استدار بكرسيه يحتضن خصرها بيديه وراسه بحضنها: "أنا بثق فيكي أكتر من نفسي يا نادين".
أكملت تمسيد كتفيه وعنقه وانتقلت لرأسه تداعبها وهي تبتسم ابتسامة عريضة. ولكنها لم تكن أبداً ابتسامة عشق بل كانت خبيثة ماكرة.
أسبوع واحد فقط وجاء اليوم المنتظر يوم زفافه من معشوقته.
كان يرتدي بدلة سوداء تغمره سعادة لا توصف. وقف أمام مرآته للمرة التي لا يعرف عددها يتأكد من شكله قبل هبوطه للقاعة.
وفي الغرفة الأخرى كانت تجلس بفستانها الأبيض بكامل زينتها والثقة تعلو ملامحها. تلمع عيناها بنظرة انتصار وكأنها حققت أكبر انتصاراتها.
دلف والدها وليد وطلب من الميكاب أرتيست أن تتركهم هي ومساعداتها. وبالفعل لم يبق إلا هو مع ابنته.
"جاهزة يا حبيبتي؟"
"أيوه يا بابا".
أخرج وليد من جيبه زجاجة صغيرة وأعطاها لها: "كده كله تمام".
وضعتها بحقيبة يدها البيضاء الصغيرة: "بابا أنت خلصت كل حاجة مش كده؟"
"متقلقيش، ساعة بالكتير وكل حاجة هتكون بحسابنا اللي برا".
"يلا يا عروسة".
ابتسمت وهي تتشبث بذراعه وتسير بجانبه.
يقف بهيئته الخاطفة للأنظار وسط القاعة ينتظر وصول عروسه. وما أن تسلطت الأضواء على مدخل القاعة وفتح بابها على وسعه حتى شعر بأنفاسه تتسارع ودقات قلبه كأنها طبول.
دلف والأنوار مسلطة عليها تسير بخطى واثقة وابتسامتها لا تفارق وجهها. أما هو فكان يتأملها بوله وعشق واضح للجميع. وما أن اقتربت حتى اختطلها من يد والدها واحتضنها بقوة.
بدأ الحفل برقصة للعروسين. جذبها نحوه بتملك وهو يراقصها. وكأنها لعبة بيده يحركها كما يشاء. تاركة إياه ينعم بشعور السيطرة المؤقتة. وكل ما يشغل تفكيرها ما سيحدث بعد ذلك.
انتهى الحفل وانفض الحضور وصعد العروسين لجناحهم. وقبل أن يدخلوه اقترب وليد من مراد وقال بنزق: "مراد يا حبيبي أنا عارف إنك عريس بس في ورق محتاج إمضاء".
"دلوقتي يا عمي؟"
"أصل طيارتي الفجر ومش هقدر أجل".
"هو ده وقته يا بابا".
"خلاص براحتكم بس كده هنخسر الصفقة دي".
"خلاص يا حبيبتي هوقعهم بسرعة أهو".
مد وليد القلم لمراد الذي وقع الأوراق سريعاً وعيناه على عروسه.
اختفى وليد من أمامهم بسرعة.
حمل مراد نادين ودلف بها لجناحهم. كان يشعر بفرحة كبرى وأخيراً أغلق بابا عليهما.
حملها وأخذ يدور بها وصوت ضحكاته ملأت الغرفة. وضعها على السرير وجلس بجوارها ينظر لها يتأمل كل شبر بها يتفحصها غير مصدق أنها معه وبين يديه وعلى سريره.
وأخيراً أصبحت زوجته واكتمل حلم عاشه منذ شهور عدة.
قبلها قبلات متتالية بشغف وعشق ورغبة تعمقت قبلاته. لم تعد تقوى على السيطرة على نفسها وحصونها تنهار وأصبحت من موقع قوة وسيطرة إلى موقع الضعف والاستسلام.
كادت أن تسلم نفسها له من فرط حماسته واندفاعه. ولكن صدحت كلمات والدها وكأنه يهمس بأذنها بقوة.
"شغلتنا دي عاوزة قوة وإياكي تكوني لقمة سهلة وتسلمي نفسك لأي حد عشان مش هيكون في حد خسران باللعبة دي غيرك".
دفعته بضعف من صدره وقالت بخفوت: "مراد".
نظر لها وجد وجهها مصبوغاً باللون الأحمر وعينيها تتهرب من عينيه.
جلى صوته وقال: "أنا هروح أغير هدومي بالأوضة التانية". قبل جبينها وأخذ منامته وخرج.
زفرت براحة بعد خروجه واضعة يدها على موضع قلبها تحاول تهدئة دقاتها.
اغتسلت وأبدلت ثيابها سريعاً وأحضرت كوبين من العصير وجلست تنتظره.
دق الباب وفتحه وجدها ترتدي قميص نوم أبيض قصير تبدو به بأبهى حلة.
جلس بجوارها ممسكاً خصلات شعرها المنسدل على كتفيها.
أمسكت كوباً من العصير وأعطته له. ارتشفه سريعاً وعيناه لا تحيد عنها.
اقترب منها وضمه لصدره. وما هي إلا دقائق وكان يسحبها إلى السرير.
استيقظ مراد وهو يشعر بألم يكاد يفتك برأسه. وعيناه تبحث عنها في أنحاء الغرفة فلم يجدها.
حاول أن يتذكر ما حدث ولكن كل شيء ضبابي.
ناداها كثيراً لم تجب ولكنه وجد ورقة صغيرة موضوعة بجانب السرير.
التقطها بسرعة وقرأ ما بها ليشعر بصدمة تجتاحه. تتردد صداها في داخل أفكاره.
كيف خدعته؟ كيف استطاعت خداعه طوال هذه المدة دون أن ينتبه وهو رجل الأعمال الذي شق طريقه بنفسه منذ صغره.
عاد من شروده والتقط هاتفه مفتاح سيارته. تاركاً بعض المال على الطاولة ثمن قهوته.
عاد لمنزله وما زال يفكر في لقائهما. كيف ظهرت أمامه بعد طوال هذه المدة بعد عام كامل. بحث عنها طوال هذه المدة ولم يجدها.
يا للسخرية. وجدها أمامه بالصدفة البحتة بعد أن شعر باليأس.
جلس على مكتبه وأخرج من درجـه المغلق ملفاً وفتحها. أخرج منها ورقة واتكأ على كرسيه وعيناه تنهش حروف كلماتها.
رواية التوأم الفصل الثاني 2 - بقلم راغدة
جلس على مكتبه وأخرج من درجه المغلق ملفًا وفتحه.
خرجت منه ورقة واتكأ على كرسيه وعيناه تنهشان حروف كلماتها.
"مازالت رائحتها تعبق بين ثنايا طياتها...
كتبت لهم:
"مراد، أكيد أنت مش مستوعب إيه وأنا فين وعملت كده ليه، بس أنا مش هسيبك بحيرتك أبدًا. اسمي مش نادين، بس مش هقدر أقولك اسمي الحقيقي. كمان شوية هتاخد أكبر مفاجأة في حياتك، وزي ما وعدتك عمرك ما هتنساني أبدًا وهفضل ذكرى بعقلك قبل قلبك. بس عاوزة أقولك حاجة مهمة، صدقني أنت دخلت قلبي والحكاية مش شخصية أبدًا. أنت كنت زيك زي غيرك، الاختيار جه عليك وأنا ببساطة نفذت. ببساطة أنت ممكن تكون ضحية، بس أنا واثقة فيك وإنك تقدر تقف على رجليك من تاني.
أتمنى ما تشوفنيش تاني ومتدوررش عليَّ، لأنك مش هتلاقيني.
مع حبي.
اموووووه."
زفر بقوة وهو يذكر اتصال محامي الشركة يصرخ به أن كل أسهم الشركة بيعت وتم تحويل كل السيولة إلى سندات لا يمكن تتبعها.
أعاد رسالتها للملف الخاصته وأخرج الصورة الوحيدة لهما وهو يبتسم على غبائه، فهو صدق كرهها للتصوير.
رغم جمالها الآخاذ ورضخت له في أحد الأيام ووقفت خلفه وأظهرت جزءًا من وجهها وهي تغمز بعينها.
رغم خداعها له، إلا أن قلبه القابع بين أضلعه يأبى أن يحررها من داخله. ما زالت متربعة على عرش قلبه بكل شموخ.
تلك النصابة السارقة لم تكتفِ بسرقة أمواله التي كد وتعب بها، بل سرقت قلبه، ولم يستطع استعادة أي منهما. ولكن، رغم هذا الحب، إلا أنه أقسم أن يجدها وينتقم منها أشد انتقام، ليس لأجل ماله، فهو على قناعة أن المال يمكن تعويضه، ولكن لقلبه الذي ذاق المرارة والألم لبعدها.
خمسة عشر يومًا داوم على الذهاب لنفس المقهى، يجلس بانتظار اللحظة التي ستظهر به.
وجاء اليوم المنتظر وظهرت به وهي تحمل لوحات بيدها كما أخبره ذلك الشاب.
وقفت في نفس المكان وهي تعرض اللوحات على قارعة الطريق، تبتسم للمارة وهي تجذبهم لرؤية ما تعرضه.
وضع فنجان قهوته ومشى بخطوات ثابتة واثقة نحوها، يحاول كبح دقات قلبه عن الخفقان.
وقف خلفها واستنشق عطرها يملأ به جوفه ليهمس لنفسه:
"غيرتي بارفانك زي ما غيرتي حاجات كتير."
"نادو." همس بها.
التفتت وما زالت ابتسامتها تزين ثغرها وقالت بصوتها الذي اشتاقه:
"تحب تشتري لوحة؟"
"يا لها من مخادعة وممثلة بارعة. واللوحات دي مين رسمها؟"
قالت بسرعة:
"أنا، بص دي لوحة للبحر وقت الغروب. ودي صورة أطفال بيلعبوا."
أخذت تثرثر كثيرًا وهو لا يستمع لما تقول، بل ينظر لها مستمتعًا ومشدوهًا بملامحها وقوة ثباتها. ينتظر انهيارها، اعترافها، اعتذارها. ولكنها مستمرة بالثرثرة وكأنها لا تعرفه.
استشاط غضبًا وهو يرى عينيها خالية من أي تعبير.
أمسك معصمها بقوة جعلها تصرخ بألم وهي تصرخ به:
"سيبني، أنت اتجننت!!!"
لم يعرها أي انتباه وسحبها خلفه أمام أعين المارة الذين لم يبالوا بها.
أجبرها على الصعود بسيارته وهو يصرخ بها:
"اخرسي، اخرسي واركبي وإلا أقسم بالله لهندمك وأدفعك الثمن غالي."
وصل لمنزله وأنزلها غير عابئ ببكائها وتوسلاتها، ودلف بها مغلقًا الباب خلفه.
جثث عند قدميه مشبثة بيده تتوسله:
"أرجوك سيبني أروح، متئذنيش. اعتبرني أختك، والله ماما هتروح فيها، هي ملهاش غيرك."
كانت تتوسله وتبكي بحرقة.
جثى بجانبها وأمسك وجهها بين كفيه وقال:
"ليه؟ ليه بتعملي كده؟ قصرت معاكي بإيه؟ ده انتي لو طلبتي أي حاجة كنت لبيتهالك وادتهالك؟ ليه غدرتي بيا؟ معقول للدرجة دي كنت غبي؟"
ثم صرخ بها وهو يهزها بعنف:
"لسه بتكذبي ليه؟؟؟؟؟؟"
شعرت بدوار أطاح بها لتسقط مغشيًا عليها بين يديه.
بعد وقت، دلف مكتبه وأخذ يضرب على صدره موضع قلبه بقوة وهو يصرخ بلوعة:
"لحد إمتى هتفضل ضعيف قدامها؟ كنت فاكر إنها هترمي نفسها بحضنك، تعتذر، هتقولك وحشتني. بس لأ، هي كدابة وهتفضل كدابة، عايشة بكذب طول عمرها."
فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها بالسرير. خوف بل رعب هو كل ما شعرت به. نظرت لنفسها بتفحص لتطمئن حين وجدت نفسها ما زالت بملابسها كما كانت. وقبل أن تزفر بارتياح، فتح الباب ودلف ببطء وابتسامة مكسورة على وجهه.
عادت لبكائها ورجائها ولكنه لم يتكلم، بل جلس على طرف السرير وقال بضعف وصوت متحشرج:
"أنتي كويسة؟"
أومأت برأسها دون أن تتكلم.
أمسك يدها ووضعها على صدره وقال برجاء:
"قوليلي إزاي أقنعه ميدوقش ليكي. قوليله إزاي ينساكي. فهميه إنه غبي."
فلتت يده بعنف وصرخ:
"قوليله إنك كدابة وإنك خدعتيه وإنك متستاهليش كل الحب ده وعمرك ما حبتيه، عشان أقدر آخد حقي منك ومن باباكي ده لو هو بجد باباك. عشان أنتقم الانتقام اللي تستاهله وأرجع حقي وحق قلبي منك. قلبي اللي هان عليكي بكل سهولة."
كانت تضع يديها على أذنيها حتى لا تستمع لكم الاتهامات التي يوجهها لها بالباطل.
أزاح يديها وقال:
"ابعدي إيديكي كده، ولا الحقيقة بتجرح عريتك قدام نفسك. أنا مش عاوز منك حاجة إلا إني أفهم ليه."
بكت وقالت:
"والله ما أعرف أنت بتتكلم عن إيه. أنا أول مرة أشوفك النهارده، وبابايا ميت من أكتر من عشرين سنة."
قهقه مراد بشدة حتى أدمعت عيناه وقال:
"يااااه، أنتِ موتّي وليد باشا كده بكل سهولة؟ إيه الأنانية دي بتاعتك؟ كل ده عشان متعترفيش بغلطك؟ طب أنا هسيبك هنا لحد ما ألاقي جواب لكل أسئلتي، أو يبقى يشرف الوالد هنا عشان ينقذ حضرتك."
خرج سريعًا وأغلق الباب خلفه قبل أن يخونه قلبه ويضعف أمامه.
بكت كثيرًا وطَرقت الباب مرارًا وهي تتوسل له أن يخرجها، ولكنه كان قد غادر المنزل بأكمله.
في مكان آخر في أحد الأحياء، تقف امرأة كبيرة بالسن تتكئ على باب منزلها وهي تبكي وبعض الجيران يحاولون تهدئتها.
"بنتي يا ناس بنتي."
"الغايب حجته معاه يا ست إيمان."
"لا، قلبي بيقولي بنتي فيها حاجة، دي عمرها ما عملتها واتأخرت وكمان فونها مقفول."
ظهر شاب كان يجري من بعيد.
"طمني يا صالح، لقيتها."
وقف يلتقط أنفاسه وهو يقول:
"في مصيبة يا ست إيمان، في حد جه خدها بعربيتها."
"يا لهوي، راحت فين؟"
"هي مراحتش، هو خدها غصب عنها."
أخذت إيمان تنتحب وهي تلطم:
"بنتي، بنتي، خدها فين ومين ده؟"
"محدش يعرفه يا ست إيمان."
بعد منتصف الليل، عاد مراد ظنًا منه أنها قد خلدت للنوم، ولكنه سمع صوت بكائها. جلس أرضًا على الطرف الآخر من الباب وأرجع رأسه للخلف كأنه يواسيه.
بعد عدة ساعات، بزغ الفجر وهدأت أنفاسها واختفت شهقاتها. فتح الباب بروية وهدوء ليجدها ممددة أرضًا وأثر البكاء ما زال يرتسم على وجنتيها.
حملها بين يديه ووضعها على السرير وجلس بجانبها يرسم بأصابعه ملامح وجهها البريء، يتسائل كيف لهذه الملاك أن تكون نصابة وسارقة.
رواية التوأم الفصل الثالث 3 - بقلم راغدة
جلست إيمان في بيتها البسيط وحولها جاراتها، منهن من تبكي معها، ومنهن من تواسيها، ومنهن من تجلس تمصمص شفتيها وترمُقها بنظرات تخفي خلفها الكثير والكثير.
إيمان ببكاء: يرضيكوا يقول عن بنتي كده؟ دي تربية إيدكم. عاشت طول عمرها بينكم، واكيد عارفين أخلاقها إيه.
الجارة الأولى أم صالح: أكيد مش مصدقين، الظابط ده ميعرفهاش وبيقول أي كلام.
الجارة الأخرى التي تجلس بعيدًا وتدعى مروة: متاخذنيش يا أم نرمين بس مفيش دخان من غير نار. أومال ليه جه خدها هي دونًا عن أي بنت تانية إن مكانش يعرفها.
شعرت إيمان وكأن صاعقة قد ضربتها، وقبل أن ترد هتفت أم صالح: اتلمي يا مروة، بنتنا نرمين متربية وعمرها ما تعمل حاجة غلط، وإنتي بنفسك سمعتي صالح قال إنه خدها غصب عنه، بس الظابط ده عاوز يريح دماغه وميدورش عليه.
نظرت مروة لها وابتسمت بتهكم وهي تخرج من المنزل. نكست إيمان رأسها دون أن تعقب على كلام مروة أمام هذا الجمع من السيدات.
استيقظت نرمين تشعر باعياء وتعب بكل أنحاء جسدها، وتشعر بوخز بكتفها. فتحت عينيها لتجده يضع رأسه على كتفها مغمض العينين، لتنتفض بسرعة وتقع أرضًا بسبب تعبها وعدم توازنها.
استيقظ على انتفاضتها من جانبها.
اقترب منها قليلاً لتمد يدها أمامه مشيرة له بالتوقف، وقالت باعياء: خليك عندك، متقربليش.
بقي مكانه وقال: مش هقرب، إنتي كويسة؟ شكلك تعبانة.
قالت: ملكاش دعوة بيا، أنا عاوزة أروح. أبوس إيدك سيبني، ماما هتروح فيها، حرام عليك.
لا يعلم لماذا شعر أنها صادقة، ولكن كيف ذلك؟ ومع كل ما بداخله من حيرة قال: طب متعيطيش، وأنا هجيبلك مامك لحد هنا، اديني عنوانها.
صرخت به: تجيبها فين؟ وبصفتك إيه؟ وجبتني هنا ليه؟ إنت أكيد مجنون أو...
همس مراد: أو إيه؟
نظرت للفراغ وقالت: تكون بتشبه علي.
نظر لها قليلاً وبعدها بدأ يضحك بصوت عالٍ: ههههههه حلوة اللعبة الجديدة دي. تصدقي كنت هصدقك.
اقترب منها كالنمر يتصيد فريسته، ثم بلحظة كان يقبض على يدها ويهمس بأذنها: أنا عرفت هفكرك بيا إزاي.
قالت بخوف: إزاي؟
مراد: إنتي ناسيه إننا متجوزين، بس للأسف عالورق.
ثم نظر بقسوة لها وقال بحده: بس مش لكثير، عشان أنا قررت آخد حقي الشرعي اللي حرمتيني منه.
قالها ولم يعطها وقتًا لتستوعب ما يقول، وجذبها نحوه يقبلها. ولكن نفسها الدافئ الذي لفح وجهه جعله يتراجع، ويلمس وجنتها ليجد حرارتها مرتفعة، عينيها ذابلة محتقنة باللون الأحمر، تنظر للفراغ.
نرمين وهي تتراجع للخلف برعب: بالله عليك ما تقربلي. والله أنا أول مرة أشوفك كانت امبارح.
وقف مراد سريعًا مغادرًا الغرفة، يلعن نفسه والظروف. كيف لا يصدقها والصدق ينبض بكل كلمة وكل نظرة، وحرصها على ألا يلمسها. إنها تختلف، فـ نادين، وبعد طول تفكير، نادين كانت وقحة لعوب، كانت تتلاعب به وبمشاعره بلمساتها الجريئة.
دخل لها ثانية وقال بحزم دون أن ينظر لها: قومي معايا أوصلك.
بقيت بمكانها بخوف. ليقول ثانية: مش عاوزة تروحي لمامتك؟
هزت رأسها بلهفة وقالت: أيوه.
مراد: يبقى يلا، هوصلك.
في السيارة الخاصة به كانت تجلس وهي تبكي.
أوقف مراد السيارة فجأة وقال بعصبية: ممكن أفهم بتعيطي دلوقتي ليه؟
خايفة على ماما تكون تعبت. ثم نظرت له وقالت بلوم: هتقول إيه للناس؟ كنت مع راجل غريب؟
أدار السيارة من جديد وقال: متقلقيش، أنا هتصرف.
وبعد قليل وقف أمام صيدلية ودخلها. وبعد قليل عاد ومعه ظرف به بعض الأدوية وأعطاها إياه وأكمل طريقه.
وصل مراد إلى الحي، فأشارت له نحو منزلها. وما إن توقف حتى نزلت مسرعة، فهبط خلفها.
طرقات متتالية جعلت والدتها ومن عندها ينتفضون.
هرولت إيمان سريعًا وخلفها أم صالح، وما إن فتحت الباب حتى ارتمت نرمين بحضن والدتها التي صرخت باسمها وشدت من احتضانها: الحمد لله بنتي رجعتلي.
ظهر من خلفها مراد يتفحص بعينيه والدتها وتلك النسوة التي تجمعت حولها والمنزل البسيط الذي تسكنه.
بعد عناق طويل مليء بالمشاعر الجياشة وصوت شهقاتهما، هتفت إيمان: كنتي فين كل ده يا ضنايا؟
تنحنح مراد وقال: السلام عليكم.
انتبهت إيمان لوجوده تحت نظرات هذا الحشد كله، وقالت: وعليكم السلام يا ابني.
مد مراد يده لها وقال: اعرفك بنفسي، مراد، والآنسة نرمين كانت معايا.
شهقت بعض النساء ورسم الذهول على وجه إيمان، ليقول بتبرير: قصدي كانت بالمستشفى وأنا كنت معاها.
إيمان بشفاه مرتجفة: مستشفى؟ إنتي تعبتي تاني؟
نظرت نرمين له وعادت لوالدتها بنظراتها وقالت: اطمني، أنا كويسة. بس أنا روحت مكان ما بتبيع لوحاتها وعرفت إنها اتخطفت. خطف يا... مراد.
كانت هذه كلمات صالح الذي لمحها بالسيارة لحظة دخولها للحين.
نظر له مراد بتحدٍ وقال بثقة وهو يضع يده في جيب بنطاله: يبقى اللي قالك فهم الموضوع غلط.
أم صالح: طب ادخلوا يا ابني نفهم الموضوع إيه.
تقدم صالح وهو يقول: اتفضل.
ابتسم مراد وقال: لحظة بس، هجيب حاجة من العربية.
خرج معه صالح وشعور بداخله يخبره أنه سيهرب من هنا تاركًا نرمين في ظرفها هذا. ولكن فاجأه مراد حين فتح الباب المجاور للسائق والتقط ظرفًا وعاد به.
بعد وقت.
صالح بشك: أومال ليه قالوا إنك سحبتها غصب عنه؟
مراد بعد أن ارتشف القليل من القهوة، وضع القدح وقال: يمكن عشان لما داخت أنا سندتها وركبتها العربية، افتكروني بخطفها.
صالح: والدكتور قال عندها إيه؟
مراد: ضعف عام وكتبلها على مقويات وفايتمينز. ثم مد الظرف لإيمان وقال: أنا جبتهم أهو.
كانت نرمين تجلس بجوار والدتها متشبثة بها، تفكر كيف له أن يكذب بإتقان ويحبك هذه القصة بهذه البراعة.
نظر لها مراد بابتسامة وقال: هبقى أجي وقت تاني آخد اللوحات اللي كنت طلبتهم منك.
ثم استأذن منهم وغادر.
أم صالح: حمد لله على سلامتك يا نيمو، خدي بالك من نفسك واحنا هنيجي نطمن عليكي وقت تاني. يلا يا جماعة نسيبهم يرتاحوا.
خرج الجميع وبقيت نرمين بحضن والدتها حتى غفوا كلاهما.
أدلف مراد لشركته الجديدة وكل ما يشغل باله نرمين وكيف لها أن تكون شخصًا آخر غير نادين.
جلس بمكتبه مطولاً، وبعدها هاتف المحامي الخاص به وقال باختصار: أيوه يا متر، عاوز محقق ثقة يجيبلي كل المعلومات عن البنت اللي هقولك عليه.
مضت عدة شهور وما زال مراد يبحث عن نادين، وأيضًا يراقب نرمين، خاصة بعد أن تأكدت شكوكه، فقرر القيام بالخطوة المهمة.
وفي أحد الأيام، بعد أن تأكد من خروج نرمين من منزلها، طرق على الباب لتفتح له إيمان ليقول: محتاج أتكلم معاكي بموضوع مهم.
جلس كلاهما بالصالة، فقالت: خير يا ابني.
أخرج مراد الصورة الوحيدة التي بحوزته لنادين ووضعها أمامه على الطاولة.
نظرت لها إيمان غير مستوعبة لتقول: نرمين.
ابتسم بتهكم وقال: نادين.
أمسكت الصورة وقالت: مش فاهمة.
قال لها وهو يتفرس ملامحها: دي مش نرمين، دي نادين مراتي.
أمسكت الصورة سريعًا وهي تنقل نظراتها بينها وبين مراد، لتشعر بانقباضة بصدرها. تغيرت ملامحها ووضعت يدها موضع قلبها، تصارع ألمًا قاتلاً.
اقترب منها سريعًا: ست إيمان، إنتي كويسة؟
ولكنها لم تستطع الرد، بل ازداد شحوبها وأصبح تنفسها صعبًا.
أخرج هاتفه سريعًا واتصل بالإسعاف، التي وصلت سريعًا ونقلتها للمشفى.
كانت ترص لوحاتها أمامها لتسمع لرنين هاتفها، وكانت إحدى الجارات تخبرها أن الإسعاف أخذ والدتها. وحين سألتها عما حدث، قالت الجارة أن هناك شابًا كان معها حين وصل الإسعاف، وأن صالح تبعهم بدراجته.
غلقت الهاتف وحملت حقيبتها مشيرة لسيارة أجرة، واتصلت على صالح الذي أخبرها أنه خلف عربة الإسعاف، وحين يصل سيخبرها باسم المشفى.
بعد قليل اتصل بها لتصل بغضون دقائق.
دخلت المشفى لتجد أمامها صالح يتعارك مع من؟ مع مراد، وهو يتهمه أنه السبب بتعب السيدة إيمان.
صرخت نرمين: ماما فين؟ جرالها إيه؟
نظر لها كلاهما، ليقول صالح: مامتك بالاوضة بيكشفوا عليها. ثم نظر نحو مراد وقال: اسألي الأفندي ده جرالها إيه وعملها إيه؟
اندفعت نحوه تدفعه بصدره وهي تصرخ به: إنت عاوز مننا إيه؟ عملتلها إيه؟ حرام عليك.
لم يجد مراد أي رد على اتهامها، فهو حقًا يشعر بالذنب وأنه السبب بما حدث لها.
خرج الطبيب وهو يقول: لازم ننقلها للعناية لأنها بتعاني من ذبحة صدرية، وادعوا تعدي على خير ومتحتاجش جراحة.
نرمين ببكاء: عاوزة أشوف ماما.
كاد يعترض، ولكن نظرة مراد له جعلته يقول: طب ماشي، بس خمس دقايق عشان لازم ننقلها بسرعة.
دخلت نرمين لتجد والدتها على السرير بملامح مجهدة ووجهه شاحب يغطيه قناع التنفس.
احتضنتها وهي تبكي: متسيبنيش يا ماما، أنا مليش بالدنيا دي غيرك، ارجوكي متسبنيش.
أخرجها الطبيب وتم نقل والدتها للعناية، لتنهار نرمين فهي ليس لها سواها.
جلس صالح بجانبها يواسيها بعد أن هاتف والدته لتأتي وتبقى مع نرمين.
رواية التوأم الفصل الرابع 4 - بقلم راغدة
مضى يومان من أصعب الأيام على نرمين التي لم تتحرك من أمام العناية تنتظر والدتها أن تفتح عينيها.
كان صالح ووالدته معها ولا يفارقانها، وكان أيضاً مراد الذي يشعر بالذنب وتأنيب الضمير لما آل إليه الأمر.
فاقت إيمان وبدأت تستعيد عافيتها وتم نقلها إلى غرفة عادية.
وبعد لقائها الحميمي الذي كان لا يخلو من البكاء، طلبت إيمان أن تلتقي بمراد.
اعترضت نرمين وصالح بداية، ولكن إصرارها أرغمهما على الخضوع لمطلبها.
بخطى مثقلة دلف إليها، وما إن اقترب منها حتى قال معتذراً:
"أنا بعتذر منك، وحقك عليا. مكانش قصدي، وصدقيني دي مش نرمين."
إيمان بصوت ضعيف:
"اقفل الباب."
التفت حوله وأقفل الباب بوجه صالح الذي كان يقف أمامه.
ساعدها مراد لتعتدل بجلستها وقالت:
"الكلام اللي هقولك عليه هيفضل بينا، ومش عاوزة نرمين تعرف عنه حاجة لحد ما ييجي الوقت المناسب وأقولها أنا."
جلس على الكرسي أمامها وقال بكل تأكيد:
"أوعدك محدش هيعرف."
تنهدت بألم وعادت بذكرياتها لأكثر من خمسة وعشرين عاماً.
فلاش باك
إيمان بصراخ:
"حرام عليك الي بتعمله بينا. بنتك محتاجة عملية وأنت مضيع فلوسك عالحرام والهباب الي بتشربه."
"ادفعيها."
قال وليد بقسوة لترتطم رأسها بقوة بالحائط وتتأوه بألم.
نظر لها بقسوة وحمل إحدى الطفلتين وقال:
"أنا هاخد بنتي، وأنتِ اشبعي باللي كل اهتمامك بيها. ويا رب أسمع خبرك أنتِ وهيا قريب."
إيمان بصراخ:
"لا لا، أنت واخد بنتي فين؟ وليد ارجع."
حاملت على نفسها وجرت خلفه، ولكنه كان قد انطلق بسيارته تاركاً خلفه زوجته وابنته المريضة.
بحثت عنهم كثيراً عند أقاربه وكل معارفهم، ولكنه اختفى تماماً، كأنه لم يكن له وجود.
وفي أحد الأيام تفاجأت برجل غريب يطرق بابها.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام."
"مدام إيمان؟"
"أيوة أنا."
"ممكن توقّعي عالورق أنك استلمتي،" وناولها ظرفاً.
وقعت على الدفتر الذي كان يحمله وانصرف الرجل لتتفاجأ بورقة طلاقها.
شعرت أن الدنيا تتلاعب بها دون رحمة.
ألا يكفي ما فعله بها وخطف صغيرتها أيضاً؟ طلقها غيابياً.
هنا إيمان باتت على يقين أنه لن يعود، وعليها أن تعتمد على نفسها وتعمل لتأمين تكاليف العملية.
ولكن وليد لم يستكفِ بهذا، ففي نفس اليوم جاء رجل آخر معه رسالة من كان زوجها مع كارثتين.
الأولى أنه قد باع منزله لهذا الرجل وعليها إخلاؤه في أقرب وقت.
والأخرى يخبر أن ابنتها قد فارقت الحياة.
صرخت كثيراً وبكت حتى شعرت أنها قد فقدت بصرها.
هون عليها جيرانها قليلاً وأرسلوا بمن يخبر والدها بما تعانيه ابنته.
جاء والدها وأخذها مع ابنته إلى منزله البسيط واعتنى بكلاهما رغم كبر سنه وحاجته لمن يعتني به.
واستطاع أن يستلف مبلغاً مالياً وبعض المساعدة من أهل الخير المقيمين بنفس الحي أن يؤمن تكاليف عملية حفيدته.
ومن هنا تغيرت إيمان وحياتها، وبات كل همها عنايتها بابنتها ووالدها الذي أثبت أن الرجال ليسوا سواسية.
ومضت بضع سنوات ليفارق والدها الحياة ويتركها تلاطم مصاعب الحياة وبقلبها حسرة على صغيرتها.
عملت بالخياطة لتأمين لقمة عيشها هي ووحيدتها، دافنة الماضي بكل ما به من قسوة.
نهاية الفلاش باك
عادت من ذكرياتها وهي تقول:
"بنتي نيفين يا مراد، أكيد هي. عمر قلبي ما صدق أنها ماتت."
كان يستمع لها وعيناه تبكي رغماً عنه، وبقلبه يتوعد لذلك المدعو وليد على قسوته وما فعله بهذه السيدة وبطفلتيها.
اقترب منها وأمسك يدها وقبلها وقال:
"أوعدك هدّور عليها وهلاقيها، حتى لو بآخر يوم بعمري."
أجهشت بالبكاء، فاحتضنها وقلبه يبكي عليها قبل عينيه.
سمح الطبيب بخروج إيمان مع توصياته بالراحة وعدم الانفعال أو أن تتعرض للزعل والإجهاد.
بعد عودتهم، استلقت إيمان على سريرها، وأسرعت نرمين بتحضير الطعام، تاركة أم صالح معها.
وحين دلفت للصالة وجدت بعض الأغراض ملقية أرضاً منذ تعب والدتها.
فانخفضت لتعيد كل شيء مكانه، ولكنها وجدت تلك الصورة لتصاب بصدمة وتزداد حيرتها حين رأت نفسها مع مراد.
تأملتها كثيراً لتجد فارقاً واحداً بينهم.
نظرتها المليئة بالثقة والغرور، وأكثر من هذا نظرة إغراء واضحة.
نفضت أفكارها وأخفت الصورة لتكمل الترتيب وإعداد الطعام.
أسبوعان كاملان نقلت نرمين إقامتها الكاملة لغرفة والدتها واعتنت بها رغم تحسنها.
كان مراد يأتي كل بضعة أيام لزيارة إيمان وتقرب من نرمين التي اتضح أنها النقيض من شقيقتها، فهي طيبة وليست لعوباً، وبانية ملتزمة لحد كبير، عزيزة النفس، رفضت أي مساعدة مالية منه، بل وعدته أنها ستسد تكاليف المشفى التي دفعها لوالدتها.
استشعر الحب والدفء بداخل هذا المنزل البسيط، وهذا ما كان يفتقده منذ وفاة والديه بحادث سير مؤلم وهو ببداية شبابه.
كثف مراد جهوده وعين بدل المحقق اثنين، ولجأ لأصدقائه في المباحث، وأغدق بالأموال على الجميع في سبيل إيجاد وليد ونيفين.
وفي أحد الأيام أخبره صديقه أنه بحاجة لمعلومات أكثر، وأن وجود صورة لهما ستكون مفيدة أكثر، فذهب مراد لزيارة إيمان.
جلس مراد أمام إيمان وعينا نرمين تراقبه، فهي لم ترتح له وتشعر بأن هنالك ما هو خفي عنها بينه وبين والدته.
مراد لإيمان:
"عاملة إيه يا طنط؟"
إيمان:
"الحمد لله يا ابني، تسلم على سؤالك."
نظرت لابنتها وقالت:
"اعمليلنا قهوة."
وما أن تركتهما حتى قال مراد:
"عاوز صورة للآنسة نرمين ومعلومات عن وليد، ممكن تساعدنا؟"
إيمان:
"صورة لـ نرمين ليه؟"
مراد:
"أنتِ ناسيه إن نرمين ونيفين نفس الشكل؟"
هزت رأسها بمرارة وقامت من مكانها:
"ثواني وهجيبلك طلبك."
عادت بعد دقائق وبيدها صورة لابنتها وحقيبة صغيرة قديمة جداً.
أعطته إياها وقالت:
"هنا في صور قديمة لينا، وفي قسيمة جوازي وقسيمة طلاقي وشهادة ميلاد البنات."
أمسكها بسرعة وهو يقول:
"ده المطلوب. إحنا ممكن نجيبه من بياناتها."
أكملا حديثهما غافلين عن تلك التي تقف بشرود تستمع لحديثهما.
أنهى مراد قهوته وغادر، وما أن أغلقت إيمان الباب خلفه حتى وجدت ابنتها تقف أمامها بنظرة اتهام ولوم.
أيقنت إيمان أن سرها قد كشف قبل أن تبوح هي به.
نرمين بنبرة ألم:
"كنتي هتقولي إمتى إن بابا عايش؟ خبيتي عليا السنين دي كلها، وأنتِ مفهماني إنه مات. ليا أخت وأنا عايشة لوحدي عمر بحاله. ليه عملتي كده؟ لييييييه؟"
قالت آخر كلماتها بصراخ لتركض نحوها إيمان وتأخذها بأحضانها وهي تقول:
"اسمعيني الأول قبل ما تحكمي. اسمعيني عشان تعرفي إن أنا نفسي مكنتش أعرف هما عايشين ولا لأ."
نرمين بنبرة تعجب:
"إزاي متعرفيش؟ وأنا سمعتكم بوداني، أنتِ واللي اسمه مراد ده."
تنهدت إيمان وقالت:
"تعالي جوا وأنا هفهمك كل حاجة."
قصت إيمان لها الماضي بكل مرارته، وأيضاً زواج شقيقتها من مراد، وكيف ساقها القدر أمامه ليراها ويكون هو يد العون ليبحث لها عن نيفين.
مضت أيام على نرمين وهي تفكر بمدى قسوة المدعو والدها، فكيف له أن يترك والدتها وهي بهذه الطيبة والحنان، وكيف يكون عنده قلب ويترك صغيرته من كانت تصارع الموت دون أن يلتفت لها، بل إن ما بصدره حجر صوان ليخبر أم أن طفلتها قد فارقت الحياة وهي حية ترزق.
وأيضاً فكرت بهذا المراد الذي برغم ما فعلته به شقيقتها، إلا أنه ما زال يبحث عنها بل ويعشقها.
نعم، كان قاسياً حين خطفها واحتجزها، ولكنها تتذكر كسرته ونظرته وتوسلاته له.
باتت لياليها محتضنة تلك الصورة تحاول فهم هذه القريبة البعيدة.
أما عن مراد، فبعد حصوله على بيانات وليد الحقيقية، أصبح العثور عليه مسألة وقت فقط.
رواية التوأم الفصل الخامس 5 - بقلم راغدة
رواية التوأم الفصل السادس 6 - بقلم راغدة
بعد وقت ليس بقليل كانت تجلس منهارة على المقعد ويجثو أمامها والدها يحاول فهم ما تتفوه به ولكن لا يستمع إلا لشهقاتها وهي تقول:
"عملت فيا كده ليه؟ ذنبنا إيه؟"
"صدقيني مش هيجرالك حاجة، أنا عامل حسابي، وفي فلوس كتير ليكي متقلقيش."
ازداد نحيبها وصرخت به:
"فلوس إيه اللي بتتكلم عنها، هو أنت مش بتفكر إلا بالفلوس؟"
"اسمعيني كويس، كل التهم أنا هشيلها وأنتي هتعيشي حرة، والواد وعدني أخد أقل عقوبة وأخرج ونرجع سوا."
جاهدت نفسها أن تكف عن البكاء وقالت بألم:
"هو سؤال وعاوزة إجابته... أمي ماتت زي ما قولتلي ولا لأ؟"
سؤال فاق كل التوقعات، لم يحسب له حساب، لم يظن يوما أن يعود الماضي من جديد، بل الأقسى أنه كذب كذبته وصدقها وآمن بها وعاش حياته دون النظر لماضيه ولو لمرة واحدة.
لجمته الصدمة وعادت إيمان لذكرياته:
"أيعقل أنها لم تمت بحسرتها على بناتها؟ هو يعلم أنها امرأة ضعيفة لا تستطيع أن تعيش بدونه وهو فارقها بعد أن سرق منها فلذة كبدها بل أعلن موتها لها. كيف قاومت؟ ولما عادت؟ ولماذا؟"
أخرجه من ذكرياته صوتها الذي أدمى قلبه:
"حرمتني من ماما ومن اختي لييييييييه؟"
شعر أن الأرض تلف به، أخته، ابنته التي كانت تصارع الموت، ماذا يحدث وكيف؟ أكل مخططاته وكل ما سعى له ذهب هباء، أحيى بكذبة هو كتبها ومثلها بإتقان ولكن تلقى صفعة في النهاية.
لم يتحمل ما يحدث ليسقط أرضاً غائباً عن الوعي، وكان آخر ما استمع له صرخة ابنته الملتاعة:
"بابااااااااا!"
***
في منزل إيمان.
كانت تجلس على مصلاها تسبح وتذكر الله، لا تعلم لما ينهشها قلبها، تشعر بشعور غريب، لا تشعر براحة. لم يحدثها اليوم مراد بغير عادته، فهو كل يوم يحدثها ويعدها مراراً وتكراراً أنه سيجدها، ولكن اليوم منذ الصباح لم يتصل، وها هو الليل أسدل ستائره دون خبر منه.
تنهدت بحسرة وقالت لنفسها:
"مقدرش ألومك يا ابني ولا أحملك شيلة مش شيلتك."
"يا رب أنت عالم بحالي، يا رب تجمعني بضنايا وتطمن قلبي عليها، يا رب أنا طمعانة بكرمك ترجعها لحضني، أنا ما صدقت إني أتأكد أنها عايشة."
ثم طوت مصلاها وذهبت لسريرها ولسانها لم يتوقف عن الذكر.
***
في المشفى، وأمام العناية المكثفة التي لا تسمع بها سوى رنين أجهزتها، يقف عسكري وتجلس على المقعد أمامه نيفين، واضعة رأسها بين كفيها. ماذا يخبئ لها هذا اليوم الذي لا ينتهي عن مفاجآته وصفعه مرة تلو الأخرى.
كان مراد يسير أمامها، يود لو يستطيع التخفيف عنها. لأول مرة منذ عرفها يراها بهذا الضعف والانكسار.
جثى أمام قدميها وأمسك بكفيها التي كانت شديدة البرودة ليفاركهما بين يديه وهو يقول:
"هتعدي على خير، باباكي قوي وهيبقى زي الحصان."
همست بضعف كبير وعيناها تذرف دمعاتها بغزارة على وجنتيها:
"أنا السبب، أنا أنا."
سحبها مراد لأحضانه وهو يربت على ظهرها:
"متلوميش نفسك، لأن ده مش ذنبك، وهو هيبقى كويس بس أنتي ادعيله."
بقيت تبكي بأحضان حتى هدأت واستكانت، لتخرج من أحضانه وتعود لمقعدها وهي تقول:
"يا رب اشفيه يا رب."
جلس بجوارها وبين فينة وأخرى يمد يده يتلمس موضع قلبه، ليجبرها فضولها على سؤاله:
"مراد، أنت كويس؟"
ابتسم لها وأومأ برأسه:
"أيوة أنا كويس، أنتي كويسة؟"
ابتسمت له:
"أنا كويسة، بس شايفاك كل شوية بتحط إيدك على قلبك."
زم شفتيه ومن ثم ابتسم وهو يخرج صورة شقيقتها ويمدها لها.
أمسكتها وتأملتها وهمست:
"أنت تعرفها؟"
أجابها بنبرة حب:
"أيوة."
عقدت حاجبيها قليلاً وعادت بنظراتها للصورة:
"طب كلمني عنها شوية، باين القعدة طويلة ومفيش حاجة نعملها."
أطلق تنهيدة وقال:
"نرمين دي بنت بريئة أوي وهادية، قريبة للقلب، سهلة التعامل والمعشر، خجولة بتتكسف لو حد مدحها بكلمة، وعزيزة نفس لدرجة تلاقي نفسك صغير أوي قدامها، نظرة من عينيها تحلي يومك، ابتسامتها يااااه، مشوفتش بحياتي ابتسامة رضا زي اللي بشوفها على وشها. إنسانة مسؤولة، شالت الحمل من بدري عشان تقدر تصرف عليها وعلى مامتها وتريحها بعد شقاها سنين طويلة، مجتهدة وفنانة بترسم لوحات حلوة أوي تشبهها بكل تفاصيلها، تحسيها بترسم بقلبها مش بإيدها. لما تتكلم تحسي عصفور بيغرد."
كانت تستمع له وعلى وجهها ابتسامة، فقاطعته قائلة:
"قد كده بتحبها؟"
صمت ران حولهما لا يشوبه سوى صوت أنفاسه المتهدجة. أيعقل؟ أهذا إحساسه الحقيقي الذي يسكن قلبه؟ ولكن... هي أخت زوجته، مهما كانت ظروف زواجه، فنيفين ما زالت زوجته وهذا لا يجوز حتى مجرد التفكير به.
قطعت الصمت وهي تقول:
"حابة أتعرف عليها، من كلامك حبيتها... بس يا ترى هتقبل تشوفني وأنا..."
صمتت ولم تكمل. ليقول هو:
"دي بتحلم باليوم اللي تقابلك فيه، ومامتك الست إيمان دي هتموت وتاخدك بحضنها. أما تقابليهم هتحبيهم أوي."
"ماما... هي شكلها إيه؟"
"ست أصيلة محاربة وبنفس الوقت هشة وضعيفة وطيبة أوي. حضنها دافي، حنونة، قلبها كبير وحنون، مهما كنتي وحيدة وبغربة هتلاقي نفسك بوجودها. أم معطاءة بتدي من قلبها ومش بتستنى مقابل، كلامها دوا لأي جرح، بتفهمك من غير ما تتكلمي، حساسة لأبعد الحدود، دمعتها قريبة. الزمن جار عليها وكسرها وساب جراحه عليها، مع كل خط بوشها حكاية ألم، تبصي لها تحسيها خليط جميل، ممكن تلاقي ملامحها بوش أي ست مش غريبة ولا متكبرة، مستعدة تحرم نفسها عشان تسعد غيرها."
قالت بمرارة ودموعها تخونها:
"يا بختك."
أشفق عليها، ليلف يده حول كتفها ويهمس بأذنها:
"هسمعك صوتها."
شعرت بغصة ولهفة وشوق. أخرج هاتفه وطلب رقم إيمان وفتح مكبر الصوت ليصلهم صوتها.
"السلام عليكم، ازيك يا ابني؟"
ابتسم مراد وأجابها:
"وعليكم السلام، أنا الحمد لله بخير، أنتي عاملة إيه؟"
"نحمد الله يا ضنايا، قلقتني عليك لما مكلمتنيش النهارده."
"ولما قلقتك متصلتيش ليه؟"
تنحنت وقالت بإحراج:
"خفت أضايقك باتصالي أو أفرض نفسي عليك وتفتكر إني اتصلت عشان نيفين. تنهدت وقالت: ربنا يعلم إني بعتبرك ابني الي كنت أتمناه ومعزتك من معزة بناتي وعشمي بربنا كبير إنه يجمعني ببنتي بس مش على حساب راحتك ووقتك."
كانت نيفين تستمع لصوتها وهي تبتسم وتبكي، غير مصدقة أنها حقيقة.
رمقها مراد وقال:
"أنا عندي ليكي مفاجأة هتفرحك، بس قوليلي أنتي واقفة ولا قاعدة؟"
"إيمان بضحك: أنا قاعدة، فرحني."
يقول بصوت واثق تغمره السعادة:
"لقيتها."
صرخت إيمان بلهفة:
"بنتي بنتي بنتي، لقيتها بجد؟"
قرب الهاتف من نيفين وهو يحرك رأسه لها يشجعها، حتى قالت بغصة:
"ماما."
ازدادت صرخات إيمان وصوتها ملؤه البكاء:
"يا ضنايا يا بنتي! أنتي بنتي مش كده؟"
لم تجد رداً لتكمل:
"أنا أمك يا حبيبتي، متخليش عليا واسمعيني صوتك، قلبي ناطف عليكي."
علت صرخات إيمان ففزعت نرمين وركضت نحو غرفة والدتها:
"ماما في إيه؟"
لتتصلب أوصالها وهي تستمع لوالدتها ترجو نيفين أن تتحدث. جذبت الهاتف من والدتها وقالت بصوت مرتجف:
"نيفين؟"
أجابها مراد بعد أن علا نشيج بكاء إيمان على الهاتف ونيفين بجانبه:
"أيوة، با نرمين، أختك معايا."
"نرمين بلهفة: اسمع صوتها، عاوزة أكلمها."
"نص ساعة ونكون عندكوا." قالها مراد وأقفل هاتفه دون انتظار الرد.
سحبها من يدها وهي تجر قدميها خلفه كالمغيبة، المسيرة لا تدري أهذا هو الوقت المناسب أم لا، وهل ستجد ما كانت محرومة منه لأعوام طويلة أم لا. كانت تسير نحو المجهول برغبة ورهبة من المجهول.
ما إن أغلقت نرمين الهاتف حتى همست لوالدتها:
"نص ساعة وهتكون هنا."
خرت إيمان ساجدة ونحيبها يزداد وهي تردد الشكر والحمد لله الذي رد لها الغائب. دقائق انتظار مرت كدَهر مضى، عادت بها إيمان للحظة ولادتها وبكاء صغيرتيها، تذكرت أول حضن لنيفين بعد أن افترقت عن توأمها المريضة، تذكرت دفء حضنها ولمس بشرتها الناعمة النديه ورائحتها المهلكة للأنفاس، أول لقاء بين أم وطفلتها، تذكرت عينيها الصغيرتين حين فتحتهما لتخطف قلبها بنظرتها البريئة.
كم كانت تشعر أن قلبها قد امتلأ حباً لها وازداد أضعافاً برؤيتها. تذكرت أيامها التي تعد على أصابع كفيها وهي بأحضانها قبل أن يغدر بها زوجها ويخطفها.
كل نظرة وكل صوت وكل حضن اجتاح ذاكرتها لتشعر برائحتها تنبض بعروقها.
رواية التوأم الفصل السابع 7 - بقلم راغدة
في سيارة مراد، كانت تجلس بجواره تفرك يديها ببعضهما بتوتر. تفكر بكلمات مراد وهو يصف والدتها، ولهفة صوتها حين حدثتها. وقارنتهم بكم الليالي التي كانت تحتاج بها لأمها، وكم من مرة كانت ترغب بحضن دافئ يزيح عنها تعب يوم طويل. كم من مرة كانت تحتاج أن تسر لوالدتها عن أمور خاصة بها لم تستطع أن تخبر بها والدها، أمور فتيات لن تفهمها سوى والدتها.
كان يرمقها بين حين وآخر، يلاحظ ارتباكها. فوضع يده على يديها وابتسم لها، يحاول بث الأمان والطمأنينة لها. لتُخرج ابتسامة باهتة على وجهها.
أوقف سيارته لتراهما نرمين التي كانت تقف بجانب الشباك تنتظرهم، لتجري سريعًا باتجاه الباب وهي تصرخ: "وصلت يا ماما وصلت".
فتحت الباب ورآها تقف أمام الباب، في حين أن إيمان التي كانت تجري خلفها تعثرت بأسدالها الذي كانت ترتديه لتقع أرضًا. لتمتد لها بدل اليد ثلاث. تلقفتها ابنتيها، كل منهما أمسكتها من يد. ليبتسم مراد وهو يسحب يده ويحك شعره بها وهو يبتسم.
شدت إيمان على كفي بناتها اللواتي جثين أمامها، لتحتضن كلاهما وتقبلهما. وينهرن ثلاثتهم ويجهشن ببكاء يقطع نياط القلوب.
نرمين تحتضن والدتها واختها، تشعر أنها اكتملت ووجدت نصفها الآخر. مشاعر عارمة تجتاحها، لم تتخيل يومًا أن يكون لها أخت، بل توأم مطابق لها. تحتضنها كأنها تحتضن نفسها.
نيفين عينيها تذرف الدموع دون توقف، تتلقى قبلات والدتها العشوائية على وجهها وكتفها ويديها. تشعر بأمان ودفء جديد عليها لم تشعر به من قبل. شعرت أن كل هم كانت تحمله اختفى. شعرت بالاكتمال لأول مرة في حياتها. لتترك جسدها يتراخى بين أحضان والدتها، وهي على يقين أن هناك من سيحميها، من سيخفيها بقلبه ويقفل عليها بمفتاح من ذهب. لتدفن نفسها أكثر بداخل حضن والدتها، تستنشق رائحتها، تبحث عن كل ما افتقدته سنوات طوال.
أغمضت عينيها وأطلقت "آه" من صدرها، لتفرغ بها كل الألم وكل الوجع وكل "آه" كانت محتجزة حبيسة عمر بأكمله.
إيمان التي عاشت عمرها بحسرة، كسرت قلبها. جبرها الله حين رد لها ابنة قلبها وفلذة كبده. تركض بأقصى سرعتها، تشعر بدوار وأن الأرض تميد تحت قدميها، ولكنها تستمر، تريد أن تصل لها، أن تراها، أن تحتضنها. لتقع أرضًا قبل أن تقر عينها بمرآها.. ولكن الله كان لطيف بها، لتجد بدل اليد اثنتين يسندونها ويتلقفونها.
برودة صعقت جسدها حين لامست كف من افتقدتها. ضمتهما وهي تبكي، أحذت تقبل كل أنش تطاله شفتاه، تستنشق رائحتها كأنها ترياق الحياة لها بعد طول سنين عجاف. صغيرتها بأحضانها، تلمسها، السراب بات حقيقة. تشعر بقلبها سيقفز من بين أضلعها. كلما ضمتها ترغب بضمها بقوة أكبر، وكل قبلة تتبعها قبلة عديدة. لا تريد إبعادها عن أحضانها، تخاف أن تبعدها فتفقدها ثانية. هي لن تتحمل خسارة جديدة وفقدان وهجر، لا لن تتحمل. قلبها لن يقوى، ستموت حتمًا وسيقف نبضها لو ابتعدت عنها.
شعرت بها تدس نفسها بحضنها لتفرح وتغمرها السعادة. ولكن صرخة متألمة خرجت على شكل "آه" من بين شفتي ابنتها، كانت كالخنجر الذي شق قلبها نصفين.
مراد يقف بالقرب منهم، يضع يديه على رأسه، غير مصدق أنه شاهد على لقاء حميمي، بريء، طاهر، خالي من أي شوائب أو مصالح. فهذا لقاء القلوب المشتاقة الصادقة. بل الأجمل أنه هو سبب هذا المشهد الملحمي.
كان يراقبهم مع أهل الحي الذين التموا على هذه الأصوات في هذا الوقت من الليل. كان يتابعهم بدقة، يحاول حفر كل لحظة من هذا اللقاء بقلبه وعقله، فهو لن يتكرر.
وجفل قلبه حين سمع تلك "الآه" التي تحررت أخيرًا. ولكن ما هي إلا دقائق قليلة ورأى يدي إيمان تتراخى عن ابنتيها، ليركض سريعًا هو وصالح ويجلسا خلف إيمان كسد منيع وسند لها، يمنعان انقلابها للخلف. كالزهرة تحيط بها بتلاتها، هذا أقرب وصف لهما.
إيمان تتوسط أربعة رجال، سدًا وسندًا رزقها الله بهما، كانهما من صلبها. وابنتيها قرة عينيها اللآتي اجتمعتا أخيرًا، يحيطون بها، لتغمض عينيها قريرة مطمئنة، فها هو الله قد حقق دعاءها الذي لم تكف عنه منذ أول لحظة فراق. ولن يخزلها ولن يحرمها لذة اللقاء، لن يفرقها عمن اشتاق لها قلبها قبل عينيها.
ممددة على سريرها، تغط بنوم عميق بعد أن أعطاها الطبيب حقنة مهدئة. تجلس ابنتيها بجانبها. نيفين منهارة من البكاء المتواصل. اقتربت نحوها نرمين وقالت: "حبيبتي متخافيش، الدكتور طمنا وهتبقى كويسة". ثم احتضنتها بقوة. وبعد وقت قليل غفت الفتاتان بجانب والدتهما، وكانت تتوسطهم نيفين التي نعمت بنوم هانئ ومريح لأول مرة بحياتها.
مع مرور الأيام، تحسنت حالة وليد وعُرض على المحكمة ونال عقوبته. إضافة إلى عقوبة أقسى حين رأى ابنته نرمين تجلس بجوار نيفين تحاول التخفيف عنها وشد أزره.
بعد النطق بالحكم، اقتربت منه نرمين. لم يجد ما يقوله واكتفى بصمته ونظراته التي كانت تعبر عن أسفه وندمه. ولكن ما الفائدة؟ وبعد ماذا؟ كانت نرمين لا تشعر بحميمية نحوه، فابتسمت بمرارة وقالت: "أنا مسامحاك على أنك اتخليت عني ومكونتش عاوزني، بس عمري ما هسامحك على بعدي عن أختي، ولا عمري هسامحك على قهرة أمي ووجعها طول السنين دي".
ليشعر أن كلامها كان أقسى من أي حكم قد ناله. شعر بالندم، ولكن بعد ماذا؟ لتتركه بعد لقاء أدمى قلبه وغادرت، تاركة إياه مع ضميره ليعذبه، هذا إن كان حقًا يملك ضميرًا.
أما مراد، المحامي الخاص به، ليساعد محامي وليد بالقضايا المنسوبة لنيفين. وتبين أن كل عقود الزواج مزيفة، وبما أنها لم تقضِ مع أي منهما ليلة أو أي علاقة، فأسقطت الدعاوى وأعادت لكل منهم أمواله مما جمعته مع والدها على مدار سنوات.
مراد: يعني إحنا مش متجوزين؟
هزت رأسها وقالت: لأ.
مراد: بس أنا مش مرتاح وعاوز أريح ضميري.
نيفين: وعاوز تريحه إزاي؟
تلفت حوله وقال: انتي طالق. ثم قال: بالتلاتة.
لتنفجر نيفين بالضحك وقالت: كده ضميرك ارتاح؟
مراد: أيوه.
نيفين: ابقى ريح قلبك بسرعة برضه قبل ما ييجي غيرك ويخطفها منكم.
مراد: تفتكري هتوافق؟
رفعت كتفها ومطت شفتيها وقالت: أنا هقنعها متوافقش.
وسارت بخطى واثقة ليتبعها وهو يوبخها ويتوعد لها إن حاولت مجرد المحاولة أن تفرقه عن حبه، وهي تضحك على حاله.
تم شمل العائلة واستعادت إيمان ابنتها التي انتقلت للإقامة معها. عرض مراد على نيفين أن تعمل معه بالشركة، فهي حقًا بارعة بالدعاية والإعلان. فوافقتا.
أكملت نرمين مشوارها الفني برسم اللوحات بتشجيع من مراد ونيفين، بل واقنعوها بإقامة معرض للوحاتها الذي سيكون مراد شريكًا معها، وذلك بتأمين المكان المناسب وهي بالرسومات، وتولت شقيقتها الدعاية لها على أوسع نطاق.
بعد تسعة أشهر، انتهت الفتيات من وضع اللمسات الأخيرة، ليقول مراد بانبهار: "واو، المعرض تحفة يا بنات بجد، مكونتش متوقع أنه هيبقى بالشكل ده".
نيفين: "بكرة كمان هتشوف أما يتملي ناس وكل اللوحات دي تتباع".
ضحك مراد وقال: "طبعًا بعد الإعلانات اللي روجتيها، المعرض لازم يتملي".
تنهدت نرمين وقالت: "أنا خايفة وبطني بتمغصني".
اقترب منها مراد وأمسك يدها: "مالك يا حبيبتي؟ تعالي أخودك الدكتور تكشفيل".
لوت نيفين شفتيها وقالت: "ابتدينا بقى، ما تتلموا يا جدعان، انت يا مراد انشف شوية مش كل ما تتنفس تقولها نكشف، وانتي يا سندريلا بطلي خوف من كل حاجة".
مراد: "انتي مش شايفة وشها أصفر إزاي؟"
نيفين: "شايفاها طبعًا، وبرضه شفتها لما فاجئتها بفكرة المعرض، وشفتها يوم ما طلبتها للجواز".
لتصمت قليلاً وتتبادل هي ومراد النظرات، ومن ثم انفجرا بالضحك.
فلاش باك:
في أحد المطاعم، بعد أن انتهوا من تناول وجبة العشاء التي أصر عليها مراد، فجأة أطفأت الأضواء وتحولت الجدران إلى لوحة فنية رائعة مضاءة بإضاءة حمراء خافتة ومكتوب بها: "هل تقبلين الزواج مني؟".
كان الهدوء يعم المكان والصمت حليفه. ليتحرك مراد من مكانه ويجثو على ركبته أمام نرمين وهو يحمل بيده خاتم رائع وقال: "نيمو، تقبلي تتجوزيني؟ تكوني نصي التاني، النص الأجمل والأرقى والأنقى. تقبلي تقضي معايا حياتي اللي ناقصة ومش هتكتمل إلا بيكي ومعاكي. تسمحيلي أحبك وأكون جزء من حياتك؟ وافقي وادي لحياتي معنى. وافقي وارحمي قلبي اللي مش بينبض إلا بوجودك ولا بيحس بالسعادة إلا بنظرة عيونك".
كان الكل ينتظر إجابتها وبدأوا تشجيعها.
اصفر لون بشرتها وبهتت ملامحها وتسارعت أنفاسها. بدأ الكل يهدئها وهي معلقة عينيها على مراد، حتى هدأت قليلاً لتقول بكل غباء: "أنا بطني بتوجعني".
يضحك عليها كل الحاضرين. ليمسك يدها ويهمس لها: "وافقي وهتنسي كل وجع".
لتخفض وجهها الذي تحول كحبة طماطم.
لتقول نيفين: "إيه الحب اللي يجيب المغص ده؟".
عودة للحاضر.
رن هاتف نرمين باسم والدتها لتتركهم وتجيبها.
"أيوه يا ماما".
"أهو خلصنا وجايين".
أغلقت مع والدتها وتلتفت لهم لتجد صالح ينظر لنيفين بغضب وهو يهتف بها: "أنا كام مرة قلتلك مسمعش صوت ضحكتك دي".
نيفين: "وانت مالك؟ أضحك أعياط ده شيء ميخصكش".
صالح بعند: "لا بيخصني يا سنيورة، وكل حاجة بتعمليها وبتتصرفيها بتخصني أنا".
نيفين وهي ترفع إصبعها بوجهه: "لا بقولك إيه؟ فوق لنفسك. انت لا أبويا ولا أخويا ولا خطيبي عشان تتحكم بيا".
أمسك إصبعها وضغط عليه وقال: "هبقى يا بت، وابقي قولي لخالتك إننا جايين الليلة نشرب عندها قهوة".
وتركها وخرج لتضحك بصوت عالٍ.
نرمين بعتب: "وبعدين معاكي يا نيفين؟ صالح راجل بجد وبيحبك وبيغير عليكي، وانتي اللي بتعاندي بكل مرة بتشوفيه".
نيفين بغرور: "هو يطول يحبني".
مراد وهو يلكزها بكتفها: "يا بنتي بس بقى، عينيكي فاضحينك. ثم أردف: انتي فاكرة إني مش فاهمك؟ كل ما تشوفيه تقعدي تضحكي معايا وتهزري وانتي عارفة إنه بيغير عليكي".
نظرت له بسخط وقالت: "يلا نروح، أنا جعت".
في منزل إيمان، على طاولة الطعام كانت تجلس إيمان وابنتيها، كل منهما تجلس بطرف ومراد بجانب نرمين.
نيفين: "يا يا ماما ريحة الأكل تهبل".
وبدأت تسكب لنفسها لتضربها إيمان بخفة على كف يدها: "استني، في ضيف هييجي".
نيفين: "ومين الضيف ده؟"
إيمان: "صالح".
عادت نيفين لسكب الطعام بصحنها وهي تقول بامتعاض: "واستنى سي صالح ليه إن شاء الله؟"
ثم نظرت لوالدتها: "وهو ليه كل يوم والتاني يتنطط وييجي؟ ملوش بيت يلمه ولا طنط أم صالح مش بتعمل أكل؟ وهو أنا باجي عشان آكل؟"
جاءها الرد ممن سحب الكرسي الملاصق لها، لتنظر له بغرور وهي تلف خصلة من شعرها حول إصبعها.
"أومال بتيجي ليها؟"
خذ صحن الطعام الممتلئ أمامه ووضعه أمامه وتذوق الطعام وقال: "عشان أشوف ست الكل طبعًا".
ضحكت إيمان وقالت: "تشوف السعادة يا ضنايا، ويحققلك اللي ببالك".
أزاحت كرسيها بغضب وقبل أن تقف، أمسكها صالح من يدها وشدها نحوه وقال: "إيه رأيك يا مراد نعمل فرحنا مع بعض؟"
ضحك مراد وقال: "وماله؟ انت بس شوف عروسة حلوة تليق بيك ونعمله".
صالح: "العروسة موجودة، وهاخد خالتي إيمان تشوفها لو مناسبة".
نيفين بعصبية: "وماما مالها بجوازك؟ خد أمك وروح شوفها".
قرب وجهه من وجهها وقال وهو يضغط على أسنانه: "وهو في وحدة محترمة تقول لخطيبها خد أمك؟"
نيفين: "خطيب مبنصالح: خطيبك انتي. أومال خطيب خالتي".
نظر لإيمان وقال: "خالتي، أنا كنت هاجي بالليل أنا وماما نطلب إيد نيفين، بس خير البر عاجلها".
إيمان: "والله يا ابني أنا مش هلاقي أحسن منك لبنتي".
صالح بابتسامة عريضة: "طب نقرا الفاتحة يلا".
رفع الجميع يديهم لتقول نيفين: "وأنا مش موافقة".
صالح: "اتنيلي واقري معانا".
ليضحك الجميع ويقرؤون الفاتحة، وقد تحول وجهها للون الأحمر.
صالح بهمس لها: "أحمدك يا رب، عشت وشوفتك بتتكسفي والقطة واكلة لسانك".
بعد أن جهزت إيمان ابنتيها بأفضل ما استطاعت، تم تحديد موعد الزفاف وزفت ابنتيها بنفس ذات اليوم. كان يومًا صعبًا عليها لأبعد الحدود، فها هي ستعود لوحدتها وستبتعد عنها ابنتيها. ولكنها كانت تشعر بالسعادة والراحة، فالله رزقهما بزوجين يحبوهما ويحباها، وهي تعتبرهم أبناءها.
لن تنسى أبدًا حين فاجأها بأحد المرات مراد وسألها وعينيه تفيض حبًا وتلمع كالزجاج، وهو يمنع دموعته من الهبوط: "تسمحيلي أناديكي ماما؟"
قالها بغصة لتحتضنه وهي تقول: "يشهد الله أني بعتبرك ابني مش خطيب بنتي، لو هتكون مرتاح قولها وأنا هكون أسعد أم بالدنيا".
كم حزنت حين بكى بحضنها وهو يخبرها بالحادث الذي أودى بحياة والديه وتخلي عمه عنه، ليشق طريق حياته وحيدًا. نعم، هو ابنها الذي أعاد لها روحها الضائعة.
أما صالح، فهي تعرفه منذ كان طفل صغير، وكان يقضي وقتًا كبيرًا في منزلها. حتى بعد أن كبر لم يتوقف عن ودها وزيارتها. ازدادت ابتسامتها حين تذكرت أنها كانت تتمنى وتدعو الله أن يكون زوجًا لابنتها ليحميها من غدر الزمن، وألا تقع بشبيه لوالدها القاسي. وها هو القدر يلبي أمنيتها، ولكن كانت نيفين بدل نرمين.
عاش أبطالنا حياة هانئة متنعمين بالحب والدفء العائلي. رفضت إيمان عروضهم أن تعيش مع أحدهما، وبقيت بمنزلها تستقبل زياراتهم التي لا تنتهي. ليعج المنزل بصوت الضحكات ومشاكسات نيفين وصالح التي لا تنتهي.