تحميل رواية «الطبيب العاشق» PDF
بقلم منة جبريل
الفصل 11 — رواية الطبيب العاشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منة جبريل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
لم ينعم بقسط من الراحة منذ يومين والآن يحاول جاهدًا التخلص من أرقه والنوم بعد بقائه مستيقظًا ليومين متتاليين بسبب أعماله الكثيرة. وأما عن راحته الآن فهي بسبب عودة صديقه من السفر ليحمل من عليه بعض أعمال الشركات. فتحت باب غرفته بهدوء، وجدته نائمًا وعلى وجهه علامات الإرهاق. ابتسمت بحنان لأخيها واقتربت منه برفق حتى لا يستيقظ وقبلت رأسه بحنان وغادرت. بينما كان هو يشعر بها وهي تقبله وابتسم بداخله، لكنه لا يستطيع أن يفتح عيناه حتى. ودقائق وذهب في ثبات عميق مرة أخرى. *** وفي الشركة، يجلس على مكتب صديقه...
رواية الطبيب العاشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منة جبريل
تسير بتوتر تنظر إلى ظهر هذا الطويل، يبدو هادئًا وغير سيء كما يظهر عليه، ربما هو يتعمد ليكون أول انطباع يأخذه عنه الآخرون، ولكن في الحقيقة هو ليس سوى...
قاطع تفكيرها صوت رجولي ظهر عليه التحفز:
_ أيهم!
نظرت أمامها بعيدًا عن الجبل الذي وقف أمامها، لترى منزلًا يقف أمامه هشام، والذي ما إن رأى رأسًا تطل من خلف ذلك البارد... ولم تكن أي رأس، إنها رأس زوجة صديقه الخرقاء.
بينما ما إن رأته حوراء، وقبل أن تسأله إن كان ريان هنا أم لا، رغم أنه أكد لها أنه سيكون هنا إن لم يكن بمنزل العائلة، رأته يطل من المنزل وهو يتحدث مع بيجاد وبسمة صغيرة تزين شفتيه قبل أن يقع بصره عليها... عليهما!
ابتسمت حوراء ونظرت إلى أيهم قائلة بود:
_ شكرًا.
وأيهم الذي كان منشغلًا في النظر إلى ريان لم يستوعب سريعًا شكرها، لينظر إليها مضيقًا حاجبيه، ولكن كانت هي قد تحركت ناحية زوجها الذي أمسك بكفها يوقفها خلفه، ليبتسم بجانبية وسخرية، ثم رفع يده مرحكًا أصابعه في حركة رتيبة ثم أولاهما ظهره راحلًا، هكذا وببساطة دون أي كلمة.
فور رحيله قال هشام بجمود وهو ينظر إلى ظهر ذلك ثقيل الدم كما يطلق عليه:
_ بيجاد، تعال معي.
وقبل أن يتحدث بيجاد، كان هشام يجذبه بعيدًا يمنع رفض صديقه الأخرق، خصوصًا أنه لن تخطر بباله فكرة أن يترك ريان لأن زوجته الآن أتت إليه.
التفت ريان يرمق زوجته بهدوء ينتظر توضيحًا لأمر اصطحابها أيهم وليس غيره، والأخرى كانت تنظر له تنتظر أن يخبرها لمَ هو هنا وماذا سيفعلان بعد وقوفهما بهذا الشكل وكل منهما يحدق بالآخر.
ويبدو أن ريان أدرك أنها لن تفهم دون حديث ليتنهد قائلًا:
_ ملقيتيش غير أيهم؟ أنتِ لو متعمدة تخليني أقتله مش هتعملي كدا.
اتسعت عيناها تفتح فمها بصدمة وتغلقه وكأنها سمكة خارج الماء، قبل أن تقول بذهول وبلاهة جعلت ريان يدرك أن الحديث ليس معها:
_ تقتله لي؟
ربت على رأسها قائلًا:
_ لأنك اتأخرتي في النوم.
ثم تخطاها لداخل المنزل لتتبعه قائلة بعدم فهم:
_ ومال أيهم في الموضوع، مش فاهمة؟
_ طبيعي يا روحي، تعالي افطري.
***
نهضت عن فراشها تفتح باب الغرفة التي تمكث بها في هذا المنزل، لتعقد حاجبيها لدخول كيان وليان والأخرى تتحدث بحماس:
_ أنا اشتريت واحد من على موقع وهيكون هنا خلال ساعة، بس متوترة يكون مش زي الصورة أو يكون محتاج تعديل ومش معايا وقت لكل دا. أنتِ هتلبسي إي؟
نظرت إلى أريب، وأريب تنظر لهما بعدم فهم، هل دخلا إلى غرفتها بالخطأ في خضم حديثهما؟ لتسألها ليان مجددًا لتشير أريب إلى نفسها تتأكد أنها تقصدها، لتهز ليان رأسها وكيان تنظر لها مبتسمة تنتظر جوابها، لتقول أريب بهدوء:
_ ولا حاجة، مش هحضر الحفلة أصلًا.
عادت لتجلس على الفراش والأخريتان ترمقانها بتعجب، لتسألها كيان:
_ لي؟ هنستمتع فيها.
_ اتكلمي عن نفسك، أنا مش برتاح وسط التجمعات الكتيرة.
دخلت آية عليهن لتقول ليان:
_ شوفي أختك يا آية، بتقول أنها مش هتحضر الحفلة.
وآية التي كانت تفكر أنها لن تحضر أيضًا لم يشكل لها الأمر أهمية:
_ وإي يعني؟
رمقتهما ليان بسخرية قائلة:
_ والله؟ هتحضروا الحفلة أو هقول لحوراء.
تحدثت آية بهدوء وابتسامة صغيرة على وجهها:
_ إن شاء الله خير يا ليان، ممكن نغير رأينا على آخر اليوم.
_ مش هيحصل.
كان هذا رد أريب بملل وهي تنظر إلى هاتفها وكأنها تطردهن من غرفتها، بالأساس هي معاقبة من قِبل أخيها بسبب تحدثها مع ذلك الأبله والذي لا تخطر بباله فكرة أن يتقلص، لتنتفض قائلة بصوت مرتفع أفزعهن:
_ هحضر... هحضر الحفلة.
ثم عادت للنظر إلى هاتفها وكأنها لم تفزعهن، تهمس لذاتها بوعيد وقد لمعت عيناها بحدة وسخط:
_ مش هخليه يفكر أنه قدر يضايقني، حقير.
_ بتخططوا لإي؟
شهقت حوراء والتي أتت لتوها وتركها ريان عند مدخل المنزل لتأتي لرؤية أخواتها وترى هذا التجمع، لتشهق بخفة ما إن سحبها كيان بينهما ليبدأوا في التخطيط لحفل اليوم.
***
وصل ريان إلى مكان أعلى منحدر كبير وهو يعلم أن صديقيه يجلسان هنا، وبالفعل رآهما جالسين على حافة المنحدر.
جلس ريان بجانبهما وانزل قدميه في الهواء مثلهما، قائلًا بينما ينظر إلى السماء:
_ مرّ وقت طويل على تجمعنا هنا من آخر مرة.
_ فعلًا.
قالها بيجاد بينما تنهد هشام بقوة، مكان يشهد على أكثر المواقف صعوبة وطرافة وألفة بينهم، ولكن تنهيدة بتلك الطريقة دفعت ريان لسؤاله عمّا به، ليجيبه بيجاد بمرح:
_ ملّ من العزوبية.
هتف هشام بأعين خضراء قاتمة:
_ مش مضحك.
ربت ريان على كتفه مردفًا بهدوء:
_ لازم تنسى، والأهم أن يكون عندك علم أنهم مش كلهم واحد.
وهشام الذي لم يكن يود التحدث حيال هذا الأمر، نظر إلى بيجاد قائلًا:
_ مين البنت اللي بتقابلها؟
وبيجاد الذي فقه عمّن يسأل أجابه ناظرًا إلى السماء ببسمة بلهاء جعلتهما يرمقانه بسخرية:
_ صبا الشرقاوي.
_ الشرقاوي؟
سأل ريان وكأنه يتأكد ليقول بيجاد:
_ أيوا هو، معرفش إذا كان قاصد يخبي حقيقة أن له بنت أو لا، بس المهم فعلًا هي... مشوفتش زيها قبل كدا ومتأكد أني مش هلاقي اللي فيها في غيرها.
قلّب هشام عيناه بينما همهم ريان، وبعد وقت نهض قائلًا:
_ يلا نرجع، ورانا حفلة.
***
جاء المساء وزين القمر السماء واللمعت النجوم من حوله... وكان منزل عائلة الكيلاني يلمع مثل النجوم، وبالطبع كان تجهيزه تحت إشراف بيجاد الكيلاني الذي يمتلك شغفًا حيال هذا الأمر.
وقف أمامها قائلًا:
_ في هدية مستنياكِ هنا.
نظرت له حوراء بفضول ثم اتجهت إلى الخزانة حيث أشار، وجدت صندوقًا كبير الحجم فتحته لتتسع عيناها وهي ترى ثوبًا جميلًا بداخله.
التفتت له وهى تطالعه بسعادة، ابتسم لها بحب وهو سعيد لرؤية سعادتها، وفجأة وجدها تحتضنه بقوة مردفة بسعادة وكانت تفكر بأي الثياب ستحضر الحفلة:
_ شكرًا...
ثم وضعت قبلة رقيقة على وجنته وركضت إلى المرحاض لتبدل ثيابها وقد انزاح ضيقها بفضله، أما هو فتصلب جسده واتسعت عيناه بعدم استيعاب لفعلتها، قبل أن يبتسم بخفة يهز رأسه بقوة هامسًا لذاته:
_ شيء مخزٍ يا ريان، دي حالتك بسبب كائن صغير.
بعد مدة كان ريان قد ارتدى حلة سوداء زادته هيبة أسفلها قميص ناصع البياض، يقف أمام المرآة يرتب خصلات شعره ينتظر خروج تلك التي تكاد تكمل الساعة داخل المرحاض، يستاءل كيف يتطلب ارتداء الملابس ساعة بأكملها.
تأفف يتحرك في الغرفة بانتظار يمقته، حتى توقف وهو يسمع صوت قفل باب المرحاض يفتح وأخيرًا، ليقف مشدوهًا ينظر إليها، ترتدي ثوبًا أسود تدرج للون الأحمر وكأنها نيران مشتعلة، ووجهها الأبيض الدائري يتزين بحجابها الأسود، وإرهاق وسخط ساعة انتظار تبخر وكأنه لم يكن.
دارت حول نفسها تسأله ببسمة واسعة:
_ حلوة؟
اقترب منها يحيط بها بذراعيه، قبل جبينها ثم همس بصوت أجش دافئ:
_ مُبهرة، هتتسببي في تحويل الحفلة لبركة دماء.
ضحكت بخفة قائلة:
_ لو كان دا مدح فشكرًا، يلا علشان منتأخرش أكتر من كدا.
***
كان الحفل مليئًا ومزدحمًا برجال ونساء كثر، أغلبهم جاءوا لنيل فرصة للتقرب من حفيد العائلة الأول، علّها تكون فرصة ذهبية في التعامل معه.
تقف كيان برفقة أريب وليان وكل منهما تتألق بأسلوبها الخاص، وأريب بحجابها بينهما كان لديها تفردًا بطلتها وهيأتها، تراقب الجميع بملل وهي تتأكد أنها أكثر الأشخاص كرهًا للتجمعات، تأففت بضيق قبل أن تبتسم وتتحرك ناحية شقيقتها قائلة:
_ كويس إنك غيرتي رأيك، هموت من الملل.
ضحكت آية بخفوت قائلة:
_ صدقيني أحسن من أوضة أنتِ فيها لوحدك.
_ دلوقتي عرفت إن ذوقنا يختلف.
وعلى الناحية الأخرى من الحفل كان يقف هشام بوسامته وهيبته الطاغية بجانب بيجاد الذي كان غريبًا، وجهه الضاحك كان متجهمًا وعيناه باردة وكأنه ليس ذلك المرح أبدًا، ويقف معه إياد يتبادل معهما الحديث باهتمام.
وعلى بعد منهما يجلس بشموخ على مقعد لا يتوفر حقًا في هذه الحفلة التي يكون فيها الجميع واقفًا حول الطاولات الطويلة والصغيرة في حجمها، يضع قدمًا فوق الأخرى لا يكترث بكسره لقاعدة من قواعد الحفلة، وعيناه ذات اللون الغريب تمتلك نظرات مخيفة.
وكان يجلس بجانبه ذلك الهادئ بملامحه وشخصيته أيضًا، غيث الذي لم يحب ارتداء بذلة رسمية واكتفى ببنطال وتيشيرت أسود، كلاهما ينظران إلى رجل أعمال جلس برفقتهما يحاول بناء عمل معهما يخفي خلف جديته توترًا ورهبة من ذلك الأيهم.
فجأة نهض رجل الأعمال منتفضًا ينظر إلى مدخل الحفل ككثير ممن كانوا ينتظرون قدومه، حول أيهم نظراته يرمق ريان الذي حضر ويمسك بكف زوجته يسير بين المتواجدين وكأن لا مثيل له، لا ينظر لأحد أو يهتم بأحد، يسير لوجهه حيث يقف صديقيه وفقط، بينما أصاب التوتر حوراء في مقتل وهي من لم تتوقع حضور الكثير والأسوأ أن تتجمع أنظار أغلبهم عليهما.
وقف ريان أمام هشام وبيجاد بينما اقتربت حوراء من أخيها ببسمة تسأله عن هيأتها، ليقول بحنان:
_ ملكة الحفلة يا حور عيني.
جذبها ريان إلى جواره قائلًا بجمود:
_ شكرًا لرأيك.
رمقه إياد باستنكار ولكن تجاهل الرد عليه، وعلى بعد منهما تركت الفتيات تسير بين الموجودين قبل أن تصرخ وهي تشعر بذراع تلتف حول خصرها ويد تكمم فمها تجذبها إلى ركن في هذا المكان، شعرت بجسدها يدفع بعنف ويثبت على الحائط وأنفاس ساخنة تلفح جانب وجهها وهمس بنبرة مخيفة:
_ حلو أوي اللي أنتِ لابساه دا، مش كدا؟
تحركت بعنف ليبعد يده عن فمها لتصيح به بحدة:
_ أنت ازاي تكمم فمها؟
قائلًا بانزعاج:
_ وطي صوتك وبلاش تستفزيني، لإني مانع نفسي من كسر راسك بصعوبة، اسمعي يا بنت حسين... هتتحركي بكل هدوء وتغيري القرف اللي أنتِ لابساه دا، فاهمة.
ابتعد عنها قليلًا، يعطيها المساحة لالتقاط أنفاسها واسترجاع صوتها، لتهتف ليان بغضب:
_ أنت مالك بلبسي أو بغيره، غيث لو اتجرأت وقربت مني هحرقك.
تحدث غيث بنبرة حادة تحذيرية:
_ أنتِ ملكي يا ليان، وأنا مسمحش ليكِ تلبسي القرف دا.
وليان التي استفزتها نبرته وحديثه، صرخت به بغضب ظهر على حركات جسدها:
_ أنا مش ملك لحد ولا ملكك، أنا ملك نفسي، ومفيش حاجة قرف غيرك.
اشتعل الغضب في عينيه، يدافع عن حق سماه بنفسه له، ليصرخ بها بنبرة أرعبتها:
_ أنتِ ليا، إذا كان برضاكِ أو غصب عنك في الأخير مش هتكوني لغيري، فاهمة.
انكمشت على نفسها واختض جسدها رعبًا وتوترًا من طريقة تعهده للمرة الأولى، يبدو أن الهادئ له جانب مظلم أيضًا.
يا لحظكِ ليان، وقع عليك الاختيار في كشف هذا الجانب المخيف.
التصقت بالجدار ما إن اقترب منها هامسًا بأنفاس ساخنة وكأنها تشرح غضبه:
_ أنتِ ليا ودي حقيقة مش هتتغير يا لياني، غيري اللي لابساه وإلّا هتشوفي تصرف غير سار مني.
ثم اختفى من أمامها لتزفر بقوة ملتقطة أنفاسها وقلبها وكأنه دخل في حالة سباق، وما هي إلا لحظات وكانت تضرب بحديثه عرض الحائط عائدة إلى الحفل وكأن شيئًا لم يكن.
عاد ليجلس بجانب صديقه وأرجع تلك الخصلات التي تمردت وهبطت على جبينه بغضب زافرًا بقوة، لينظر له أيهم بسخرية من حالته.
لفت نظره وهي تسير بين الموجودين بثقة ولم تغير ثوبها فزفر بقوة يحاول كبت غضبه مردفًا بوعيد وأعين مشتعلة:
_ وماله، هنشوف يا بنت حسين.
***
وقف الكيلاني في مكان يستطيع منه رؤية الجميع والعكس، واردف بجدية وترحيب وهو ممسك بمكبر الصوت:
_ الحفلة دي بمناسبة تجمع أحفادي وقدوم حفيدي الأول والأكبر ريان الكيلاني، وقدوم حفيدي الثاني أيهم الكيلاني وحفيدي الثالث غيث الجارحي وحفيدي الرابع بيجاد الكيلاني...
صفق الجميع بحرارة وبدأت الصحافة بإلتقاط الصور لهذه الحفلة وأحفاد الكيلاني أيضًا... أكمل الكيلاني حديثه ملقيًا حديثًا كان كقنبلة بالنسبة للحاضرين دون العائلة:
_ وكمان إعلانًا ودعوة إلى حفل زواج حفيدي الأول ريان الكيلاني بعد سبعة أيام من النهاردة.
صدم كل المتواجدين وهم لا يصدقون.. أريان الكيلاني سيتزوج؟ هل الذئب سيتزوج؟ من تلك سعيدة الحظ التي ستتزوج بأكبر رجل أعمال في الشرق الأوسط؟
بدأ الجميع بالتوجه إلى ريان الذي يقف بجمود وشموخ يباركون له بحرارة وفضول.
حمدت الله أنها تركته قبل خمس دقائق للوقوف مع الفتيات، تنظر إلى ذلك الحشد حول زوجها بتوتر وخجل.
اقترب شاب بأعين زرقاء ذو شعر أشقر يظهر عليه صغر السن وهو يتقدم من الطاولة التي تقف حولها حوراء والفتيات، وعيناه مثبتة عليها حتى مد كف يده قائلًا:
_ مرحبًا.
نظرت له جميع الفتيات بتعجب وما كادت كيان تتحدث لتردع هذا الغريب، تحدث هو مجددًا:
_ تامر... محمد تامر.
مـقاطعه صوت أريب الحاد:
_ تايه يعني ولا إي؟
ونظراته الثابتة على حوراء تحولت إلى تلك ذات اللهجة العدائية ترمقها بعدم فهم أو استيعاب لحديثها، لتسأل مستفهمًا:
_ عفوًا! بتكلميني؟
ابتسمت له أريب بتهكم قائلة:
_ أيوا بكلمك، عايز إي يا حلو؟
والشاب الذي أتى لأجل التعرف على فتاة أعجبته، لم يفهم سبب عدائية الأخرى وكأنه سرق شيئًا ما منها:
_ أنتِ بتتكلمي بأي طريقة؟
كادت أريب أن تتحدث لتنهرها آية بعينيها بينما تولت كيان دفة الحديث وقد شعرت بإحراج من طريقة تحدث أريب:
_ عفوًا سيد محمد بس إحنا في وسط كلام أنت بتقاطعنا عنه حاليًا، شكرًا لحضورك.
نظر لها محمد وتعرف عليها على الفور، ليتغاضى عن حديث الأخرى وابتسم قائلًا:
_ فهمت، عذرًا وأكيد لينا لقاء سيدة كيان.
صافحته كيان مبتسمة قائلة:
_ أكيد.
نعم ها هي ستضع أخيها في لقاء مجددًا ولكن هذه المرة تختلف، هو ليس فتاة ترجو صحبتها، بل رجلًا تريد رحيله، وبالتأكيد أخيها _تتمنى_ أن يتفهم الأمر، نظرت لها أريب بتشنج قائلة:
_ ما كنتِ قلتي له آسفة على انشغالنا عنك!
نظرت لها كيان قائلة بهدوء:
_ أريب لو سمحتِ، عالم الأعمال محتاج مسايسة، وهو ابن رجل أعمال أبيه يتعامل معه في مشروع مهم، حتى لو الشخص لا يطاق لشخصه بس ممكن يتم التعامل معه باحترام ولو تظاهري بسبب الأعمال، علشان كدا بلاش طريقتك دي في الكلام، أهو مشي ومن غير مشاكل.
احتدت أعين أريب قائلة باستنكار:
_ مشاكل وطريقة؟
التفتت لها كيان قائلة بجدية:
_ أيوا مشاكل، أنتِ عارفة كان هيحصل إي لو مش اتكلمت أنا؟ بسبب طريقتك اللي مش هتعجبه صوته كان هيعلى وأبيه وهشام وبيجاد كانوا هيتعاملوا معاه بطريقة كانت هتقلب الحفلة لمشكلة كبيرة الصحافة ما هتصدق تصورها وأبيه سمعته وشركته ممكن تتضرر بسبب أي إشاعات أو كلام ملوش لازمة، دا من ناحيتي بس، وأخوكِ على ما أعتقد مش هيعجبه ولا هيسكت لشخص رفع صوته على أخته وهتبقى المشكلة مشكلتين، والله أعلم إذا المشكلة كانت هتنحصر على كدا ولا كانت هتمس أبيه في شغله بسبب تعامله مع والده.
شرحها المبسط وهي الأعلم بأخيها لم يعجب أريب التي همت بأن تخبرها أنها ليست مضطرة لمجاراة أحد أو الابتسام في وجهه والتصنع كما تفعل هي، لتتأفف ليان مقاطعة كل هذا بملل:
_ خلصتوا، صاحبة الشأن اللي جه علشانها معملتش الحوار دا كله، ممكن تخرسوا لإن بيجاد شكله بيقول اللي داير ما بينا لصحابه ووشهم لا يبشر بالخير أبدًا.
توجهت الأنظار ناحية ريان وهشام وبيجاد الذي نظر إلى ليان لتعطيه بسمة صفراء قائلة بصوت عادي:
_ لو نحترم الخصوصيات شوية مش هنموت.
ابتسم بيجاد باستفزاز لها، لتقول حوراء بعدم فهم:
_ مش فاهمة؟ بيقول اللي ما بينا إزاي؟
أجابتها كيان بتوتر وهي تنظر إلى أخيها الذي يطالعها بحدة:
_ بيجاد بيقدر يقرأ حركات الشفاه.
رفعت حوراء حاجبيها ونظرت إليه متعجبة، لتنظر إلى زوجها الذي تحرك ناحيتهن لتقول آية:
_ هشوف إياد...
تحركت آية مبتعدة وتمنت كيان لو تذهب معها ولكن نظرات أخيها عليها تحذرها من التحرك حتى، منذ متى وبيجاد يخبره بما يحدث تحديدًا؟
وقف ريان أمامهن واضعًا كفيه في جيب بنطاله، نظر إلى أريب ثم إلى شقيقته وأخيرًا زوجته التي تبتسم له، تحدث بنبرة وصل مغزاها إلى كيان:
_ مقابلة! تاني؟
ابتسمت له ببلاهة وعلمت أن الحديث وصله من البداية.
بالنسبة إلى ريان كان أول شيء فعله بعد رؤية ذلك الصغير يقترب من طاولة عليها زوجته وشقيقته أن يطلب من بيجاد أن يخبره ما يتحدث به، كان على وشك التدخل وتحطيم وجهه ولكن تدخل أريب أعجبه، ولكن شقيقته لا تدع انتشائه يستمر، لتتدخل وبحماقة تورطه في لقاء لا يرفضه لأجلها، لأجل أن لا توجه لها كلمة مثل "أخيكِ لا يهتم بما تقولين" فتحزن.
يجب عليه أن يأخذ موقفًا جادًا ويوقفها عن هذا.
***
تركت أخيها تتحرك ناحية الفتيات من جديد، الحفل ممل وغرفتها ليست بمختلفة، نظرت إلى باب القاعة بتفكير قبل أن تغير خطواتها نحوه، أخرجت هاتفها مرسلة إلى أختها بأنها ستقف في الخارج قليلًا لاستنشاق الهواء، زفرت بقوة وابتعدت قليلًا عن الحفل، ظلت واقفة تنظر أمامها بشرود، تريد فعل شيء يغير روتين حياتها التي لم تختلف حتى بعد شفائها.
_ بيجاد، أنا بالأساس جيت علشان ريان وعلشانك، إنما لو عليا مكنتش عايز أسيب شغلي وأتلهي في الهبل دا.
دفعه بيجاد من كتفه قائلًا بسخرية:
_ أنت مدمر المتعة.
ثم مال عليه هامسًا تحت نظرات ريان الساخرة:
_ خمس دقايق ورن عليا وأنقذني من الجو دا.
_ مفيش واحد منكم هيروح لمكان لبعد ما الحفلة تخلص.
زفر بيجاد بغيظ ليقول هشام مبتعدًا عنهما:
_ هخرج شوية.
لم ينتظر ردًا وتحرك إلى الخارج يحرر بداية قميصه، لا يرتدي ربطة عنق ليتخلص منها مع شعوره بشيء يلتف حول رقبته يتسبب في خنقه، تحرك بعيدًا عن الحفل، رفع رأسه عاليًا يأخذ أنفاسًا باردة هامسًا لذاته بسخرية:
_ إي المقرف والخنيق في تجمعات كلها أفاعي وحرباويات، تفاعل يا هشام وبلاش انطوائيتك دي.
زفر بقوة ليلفت نظره وقوفها بمفردها، نظر حوله ليجد مقهى على مقربة منه، ابتاع منه كوبان وتوجه ناحيتها، وقف أمامها يناولها الكوب، ونسي أن يبتسم ليبدو وكأنه مرغمًا على ما يفعل.
رمقته آية باستغراب قبل أن تشكره آخذة منه الكوب تنظر لمحتواه بفضول ودفء الكوب يتسرب إلى يدها، وقف هشام بجانبها مرتشفًا من قهوته ثم سألها بهدوء:
_ سبتي الحفلة لي؟
تحدثت آية بصوت خافت، تستعد لأول تجربة لها مع القهوة:
_ مُملة، و... مصطنعة.
همهم بصمت بينما آية تشجعت لارتشاف أول رشفة من كوبها، وما إن استقر بفمها حتى خرج صوتًا مستغيثًا منها، ابتلعتها مرغمة بوجه تقزز، نظر لها هشام مضيقًا حاجبيه، قائلًا:
_ مش بتحبي القهوة؟
تحدثت آية متخذة قرارًا في نفسها أنها ستكتفي بتدفئة يدها:
_ أول تجربة والأخيرة.
ابتسم هشام مرددًا:
_ ممكن مش بتفضلي السادة، جربي ميكس أو زيادة ممكن تعجبك.
نفت قائلة:
_ لا، الظاهر إني مش من محبي القهوة، بس عمومًا شكرًا.
نظر لها بجانب عينه مضيقًا بين حاجبيه قائلًا:
_ شكرًا لاكتشافك عن طريقي عدم حبك للقهوة!
نفت آية برأسها مبتسمة قائلة بهدوء:
_ لا، على الوَنَس.
نظر لها مبتسمًا، هز رأسه بخفة ولا يدري، أيخبرها أنه هو من استأنس بها أم هرب إليها من ضيق كاد يخنقه، ولكن بالأخير... ولأول مرة يبتسم دون تصنع أو ليتجنب _كما يفعل مع كيان_ حزنها لأنه لا يبتسم في وجهها.
***
بعد انتهاء الحفل وفي وقت متأخر من الليل، استيقظت وهي تشعر بجفاف كبير بحلقها، التقطت زجاجة المياه لتراها فارغة، زفرت بحنق وهي تترجل من على الفراش بنعاس، خرجت من غرفتها وهبطت الدرج وهي تستند على الحائط بسبب شعورها برغبة كبيرة في العودة إلى النوم، دلفت إلى المطبخ لتأتي بماء يزيل ذلك الجفاف الذي اجتاحها فجأة.
خرج من غرفته وتوجه إلى الدرج ليهبط بهدوء مقررًا الخروج وقد جافاه النوم، توقف وهو يرى إضاءة خافتة آتية من المطبخ، عقد حاجبيه متحركًا باتجاهه بخطوات هادئة، وقف أمام مدخل المطبخ وبسبب الظلام وأنه كان يرتدي الأسود لم يظهر من الظلام، ابتسم بسخرية ومال مستندًا بكتفه إلى الحائط ينظر إلى ذلك الجسد الصغير يقف أمام الثلاجة التي تكاد تختفي خلف بابها الكبير، ظل ثابتًا بمكانه دون أن يتحرك أو يصدر صوت يدل على وجوده، فقط يتابعها بعينيه.
انتهت من ارتشاف الماء والتفتت لكي تخرج ولكن تصنمت مكانها بخوف وهي ترى أعين ذهبية مضيئة تنظر لها بقوة، نظرت جيدًا ولكن لم ترَ أحد لا ترى سوى تلك الأعين وكأنها تطوف في الهواء كما صور لها عقلها الراغب في النوم، ابتلعت ريقها بخوف وها هي تشعر بجفاف حلقها مرة أخرى حتى بعدما تجرعت تلك الكمية الكبيرة من المياه.
مد ذراعه وفتح ضوء المطبخ ليراها وهي تنظر له برعب ثم تحولت نظراتها إلى حدة وسخرية.
أردفت أريب بحدة:
_ أنت بتتطفل على أي حد ولا متعمد؟
هتف أيهم ببرود وهو يربع ساعديه ومازال متكئًا على حائط المطبخ بكتفه:
_ كنت بشوف مين القطة اللي دخلت المطبخ في الوقت دا.
رفعت أريب يدها واضعة كفها الصغير على جبينها لتهدئة نفسها تكبح رغبة في سبه ورمي أي شيء ثقيل على وجهه، ليقول أيهم بسخرية لا تساعدها البتة:
_ متوقعش إن القطة... هي جنية قصيرة بتحب تلعب في النار.
تفتفت أريب من بين أسنانها:
_ نار تولع في شعرك يا أبو طويلة أنت، ابعد عايزة أمشي.
تحدث أيهم ببرود وهو من يقف أمام مدخل المطبخ:
_ محدش مانعك.
اغتاظت من بروده وتحركت بغضب ظهر على حركات جسدها لتمر من جواره ولكن كان لتوازها رأي آخر وكأنه يتعمد إحراجها أمام هذا اللئيم، شهقت ما إن اختل توازنها ولحسن حظها أو لسخريته كانت قد اقتربت منه ليمسك بها بسرعة محيطًا خصرها يمنع ارتطامها بالأرض كرد فعل سريع من جسده.
نظرت له أريب بأعين متسعة، قابلها هو بنظرات ماكرة، انحدرت عيناه على تلك البسمة الجانبية الخبيثة التي اعتلت شفتيه، نظرت له بريبة بينما هو غمزها بعينه تزامنًا مع تركه لها فجأة لتهشق مع شعورها بألم في ظهرها، رمقته بغيظ وغضب قبل أن تنهض عن الأرض صارخة به وهو ينظر لها مبتسمًا ببرود:
_ أنت... أنت حقير.
لثُم أمسكت طبق فاكهة أعلى المطبخ وألقته في وجهه ثم أطلقت لساقيها الريح في العودة إلى غرفتها، بينما وقف أيهم بصدمة وهو ينظر إلى الفاكهة التي ضربته بها قبل أن يبتسم ساخرًا، محركًا رقبته متوعدًا لها بالويل.