تحميل رواية «الشيخ المعالج» PDF
بقلم مصطفى محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أنا الشيخ عبد الرحمن، ٤٨ سنة، من سوهاج، وهبت نفسي وحياتي لعلاج الناس من أي أذى، وبدون أي مقابل، لوجه الله. أنا ما ورّثتش العلم ده من حد، ولا كنت طالب شهرة ولا مال، العلم جه لوحده وجات معاه مسؤولية تقيلة ومصايب كتير أنا اللي دفعت تمنها. من سنين وأنا بعالج حالات كتيرة، وكل حالة بتسيب أثر جوايا، وكل أثر له تمن. في ليلة شتوية والساعة كانت داخلة على اتنين ونص بعد نص الليل، جالي اتصال من راجل صوته كان مهزوز، عرّفني نفسه وقال: “ابني… مش طبيعي يا شيخ عبد الرحمن… ابني بيضيع قدامي وانا مش عارف اعمله ايه.”...
رواية الشيخ المعالج الفصل الأول 1 - بقلم مصطفى محسن
أنا الشيخ عبد الرحمن، ٤٨ سنة، من سوهاج، وهبت نفسي وحياتي لعلاج الناس من أي أذى، وبدون أي مقابل، لوجه الله.
أنا ما ورّثتش العلم ده من حد، ولا كنت طالب شهرة ولا مال، العلم جه لوحده وجات معاه مسؤولية تقيلة ومصايب كتير أنا اللي دفعت تمنها.
من سنين وأنا بعالج حالات كتيرة، وكل حالة بتسيب أثر جوايا، وكل أثر له تمن.
في ليلة شتوية والساعة كانت داخلة على اتنين ونص بعد نص الليل، جالي اتصال من راجل صوته كان مهزوز، عرّفني نفسه وقال:
“ابني… مش طبيعي يا شيخ عبد الرحمن… ابني بيضيع قدامي وانا مش عارف اعمله ايه.”
الشيخ عبد الرحمن مش بيحب يشوف بني آدم مكسور أبداً، قاله بهدوء:
“هات ابنك وتعال بكرة… واللي فيه خير ربنا هييسره.”
لكن الراجل رد بسرعة وقال:
“ما ينفعش… لازم دلوقتي… لو سبته لحد بكرة مش هتلاقيه حي.”
الشيخ عبد الرحمن لاحظ حاجة، صوت الراجل اتغير… بدأ يهمس لكلام غريب بصوت واطي.
الشيخ عبد الرحمن الفضول زاد عنده وقال:
“هات ابنك وتعالى دلوقتي.”
وبعد حوالي ساعة الباب خبط. فتحت، لقيت الراجل واقف بجلابية سودا ووشه أصفر ومبرق، بس اللي لفت نظري مش الراجل… الشاب اللي كان وراه. شاب حوالي ٢٢ سنة، نحيف، ووشه لونه أزرق، وعينه مش مركّزة في أي حاجة، كأنه بيبص على مكان إحنا مش شايفينه.
دخلوا وقعدوا. الراجل قال اسمه حلمي، وابنه اسمه يوسف. قربت من يوسف شميت ريحة غريبة… مش ريحة بني آدمين. بصيت لحلمي بسرعة وقوّلتله:
“الحالة دي من امتى؟”
حلمي قال:
“من فترة… بيقوم يصرخ بالليل… وبيتكلم مع حد مش ظاهر… وبعدها يقوم يضحك ويقول كلمة واحدة… ‘لسه ناقص’.”
الكلمة وقفت في ودان الشيخ عبد الرحمن، وقولت:
“ناقص إيه؟”
فجأة يوسف رفع راسه وبص ليا لأول مرة، وقال بصوت مش بشري خالص:
“ناقص الدور ده… وإنت عارف يا شيخ.”
في اللحظة دي فهمت إن الشاب مش جاي يتعالج… الشاب ده جاي يسلم رسالة. وقبل ما أسأله، يوسف وقع على الأرض وبدأ جسمه يهتز بقوة، وكان جسمه بيتحرك وكأنه بيتفكك ويتجمع تاني.
الشيخ عبد الرحمن وقف وقال:
“إنت مين؟”
الهزة وقفت، يوسف فتح عينه وبص للسقف وقال:
“خلاص بدأنا…”
وقتها فهمت حاجة ما كنتش متوقعها. عشان أتأكد أكتر، بدأت أقرأ، قرآن كريم، ويوسف نام فجأة كأنه ميت.
حلمي قال بصوت تخين:
“عارف... هته… صح؟”
الشيخ عبد الرحمن بص لحلمي باستغراب وقاله:
“إنت مش جاي عشان علاج… إنت جاي لهدف تاني.”
وقتها فهمت إن اللي حصل ده مش انتقام من يوسف… ده انتقام موجه ليا أنا.
رواية الشيخ المعالج الفصل الثاني 2 - بقلم مصطفى محسن
فجأة، عين يوسف اسودّت بالكامل، من غير بياض، وحلمي اختفى من مكانه كأنه ما كانش موجود أساسًا. الشيخ عبد الرحمن فهم إن اللي قدامه مش حاله جايه تتعالج، ده كائن داخل برسالة ومستخدم جسد شاب.
الشيخ كان ثابت مكانه ما اتهزّش، مد إيده على الخاتم اللي في صباعه، ورفعه في وش يوسف، وبدأ يقرأ قرآن بصوت عالٍ. يوسف بدأ يصرخ، صريخ مش بشري، صريخ كأنه خارج من تجويف حجر مش من صدر بني آدم.
الشيخ قال بصوت قوي: "إنت مين؟ ومين اللي أمرك تيجي لي؟ ولو ما قلتليش جاي ليه هحرقك زي ما حرقت غيركم كثير."
يوسف بدأ يضرب دماغه في البلاط ويتمرّغ في الأرض من الوجع اللي حاسس بيه.
وبصوت تخين قال: "اللي بعتني ليك هتّه."
الشيخ ضحك ضحكة قصيرة وقال: "وبعتك ليا أنا ليه؟"
الكائن قال: "أمرني أوصل لك رسالة. ابعد عن كريمة… وإلا مش هتعرف ترتاح لحظة في حياتك."
الشيخ عبد الرحمن ضحك للمرة التانية وقال: "أنا قابلت زيكم كتير… بس عمري ما قابلت أضعف من هتّه."
الشيخ عبد الرحمن بدأ يقرأ قرآن بصوت عالٍ. والكائن بدأ يصرخ صرخة هزّت المكان كله، والجسم بدأ يختفي زي الدخان، ولما القراءة علت أكتر، الجسم كله اتبخر في لحظة وبقى رماد على الأرض.
ساعتها الشيخ عرف إن دي ما كانتش رسالة… دي كانت بداية لمعركة كبيرة، وإن هتّه فاكر إن الخوف هيوقفه عن علاج كريمة. الشيخ قعد على الكرسي ورجع ظهره لورا وقال بهدوء ثابت: "أنا مكمل لحد آخر يوم في عمري."
"وكريمة لازم تخف وترجع أحسن من الأول."
تاني يوم، كان الشيخ واقف قدام بيت قديم في القرية، بيت عم عرفة. الشيخ خبط والباب اتفتح ببطء، وعم عرفة استقبله بوش مرهق وعينين فيها قلق وتوتر من حاجة أكبر من المرض بنته كريمة.
دخل الشيخ وقال: "كريمة فين؟"
عم عرفة قال: "جوا أوضتها زي ما هي…"
الشيخ عبد الرحمن فتح باب الأوضة، ودخل.
لقى كريمة قاعدة على السرير ووشّها في الحيطة، بتهمس بكلام غريب وصوتها ما كانش صوت بشري.
الشيخ قال: "يا كريمة… أنا عرفت مين اللي أذيكي."
ضحكت ضحكة تقيلة هزّت الأوضة وقالت بصوت مش صوتها: "إنت فاكرني كريمة؟ أنا هتّه يا عبد الرحمن."
رد الشيخ بثبات: "عارف إنك مش كريمة، ولو فاكر إنك هتقدر تمنعني عن علاجها يبقى مصيرك زي اللي قبلك."
هتّه ضحك وقال: "هنشوف."
فجأة كريمة عدّلت وشها ناحية الشيخ وهجمت عليه بسرعة، لكن الشيخ ما اتحركش، طلع السبحة من جيبه، ورفعها في وشها. بدأت تصرخ وتقول كلام قبيح، الشيخ علي صوته في التلاوة، صرخت كريمة صرخة هستيرية ووقعت على الأرض، شالها الشيخ وحطها على السرير وخرج من الأوضة.
عم عرفة جري عليه وهو بيقول: "إيه اللي حصل يا شيخ؟"
الشيخ طبطب على كتف عرفة وقال: "ما تقلقش… كل حاجة ليها حل." وخرج من البيت.
وهو ماشي في الشارع، قابل صديقه الشيخ عزت. سلّموا على بعض وقال عزت: "إنت فيك حاجة يا عبد الرحمن."
رد الشيخ: "أول مرة أحس إني ضعيف."
الشيخ عزت قاله: "إوعى تقول كده… إحنا أقوياء بإيماننا بالله."
الشيخ عبد الرحمن اتنهد وقال: "أنا دخلت معركة كبيرة مع هتّه… ومش عارف مصيري فيها إيه."
الشيخ عزت حط إيده على كتفه وقال: "احكيلي كل اللي حصل… وأنا هكون معاك."
الشيخ عبد الرحمن قاله الحكاية بدأت من عند كريمة...
كريمة دي كانت واحدة غلبانة، اتجوزت راجل اسمه عصمت، والراجل ده من يوم ما اتجوزها وهو ماشي في طريق مش بتاع ربنا، في يوم من الأيام جه له واحد من بتوع الكلام الفاضي وقال له: "إنت تحت بيتك في كنز كبير… والكنز ده مش بتاع البشر."
عصمت عينيه لمعت، ولما الطمع يعشش في القلب ما يفضلش فيه لا عقل ولا دين.
عصمت سأله: "طب والكنز ده يطلع إزاي؟"
الدجال رد عليه وقال له: "تحفر… الحفرة هي المفتاح."
وبالفعل جاب مجموعة رجالة وبدأوا يحفروا تحت البيت. من أول يوم الحفر كان فيه حاجات غريبة… أصوات مش مفهومة، ريحتها كانت زي البلاستيك المحروق. الرجالة اتهزوا وقالوا للدجال: "إحنا مش هنكمل… في حاجة غريبة في المكان ده."
الدجال شدّد عليهم، لكن اللي شافوه كان أكبر من اللي يتحمله بشر… فانسحبوا واحد ورا التاني، وما فضلش غير عصمت.
عصمت راح لكريمة وقال لها: "ساعديني… أوصل للكنز ده هيغيّر حياتنا."
كريمة كانت بتحبه، وكانت شايفة إن ده بيتها وراجلها، وطبعًا الست لما تحب تتحمل، فطاعته وبدأت تحفر معاه. الليالي كانت، كانوا بيسمعوا أصوات همس غريبة، لحد ما جه يوم ما كانش زي باقي الأيام…
رواية الشيخ المعالج الفصل الثالث 3 - بقلم مصطفى محسن
من اليوم ده كل حاجة اتغيرت.
عصمت قال: "احنا كده بنضيع وقت… لازم أجيب شيخ قوي."
كريمة بصت له وقالت: "وانت هتجيبه ازاي؟ ده انت ما معكش فلوس!"
عصمت قالها: "أنا هتصرف… لازم الكنز يطلع في أقرب وقت."
وبعد يومين الباب خبط. عصمت فتح لاقى راجل طويل، وشه حاد، وعينه فيها لمعة مش بتاعة بشر. ده كان رسلان.
رسلان ما كانش راجل عادي… ده كان من أقوى الناس اللي اشتغلوا في الأذى. سمعته كانت معروفة، واللي يتعامل معاه يا يطلع كنز يا يطلع روحه.
أول ما دخل البيت، وقف في نص الصالة وغمض عينه، وبإيده لمس الحيطة اللي وراها مكان الحفر. بعد لحظات فتح عينه وقال بصوت واطي:
"هنا فيه كنز. بس اللي بيحرسه مش حراس عاديين… دول من قبيلة هتّه."
عصمت اتخض وقاله: "انت عرفت منين إني بحفر لكنز؟"
رسلان بص له بنظرة باردة وقال: "مش مهم عرفت منين، المهم الكنز. هتّه… مش قبيلة عادية. دي قبيلة كاملة من العالم التاني… من أقوى قبائل الأذى والمعارك. واللي يحرس الكنز منهم ما بيسيبش حاجة إلا مكانها روح."
عصمت حس إن الموضوع كبر، لكنه بس ما تراجعش. الطمع كان ساكن في قلبه. قال بصوت تقيل:
"يعني إيه؟… مش هنقدر نطلعه؟"
رسلان ضحك ضحكة قصيرة وقال: "في حل واحد."
عصمت قرب وقال: "إيه هو؟"
رسلان قاله: "أحضر على روح مراتك، يا عاشت يا ماتت."
عصمت حس الدنيا ضاقت حواليه… وبلع ريقه وقال: "بس… كريمة؟ معرفش هتوافق ولا لأ."
رسلان قرب منه وقال: "لازم توافق… ما فيش كنز في الدنيا يطلع من غير تضحية. وبعدين الكنز ده كبير… لو طلعته هتعيش ملك."
عصمت قال: "هعيش ملك… ومعايا فلوس… وقصر… حياة جديدة… واهرب من الفقر… اهرب من العجز…"
بص لنفسه وقال جواه: "لازم… لازم أخليها توافق… عشان أخلص من الفقر اللي أنا فيه."
لكن اللي عصمت ما كانش يعرفه… إن اللي هيتفتح ما كانش باب كنز… ده كان باب مقبرة لعالم مش للبشر.
وكريمة كانت ضحية لرجالة حقيرة.
وبالفعل عصمت قدر يقنع كريمة، وقالها: "الموضوع بسيط… ورسلان فاهم كل حاجة، وإحنا خلاص هنطلع من الفقر ده… وهنعيش في قصر يا كريمة."
كريمة كانت غلبانة وقلبها بيصدق بسهولة لأنها كانت بتحب عصمت… وكانت فاكرة إن اللي بيعمله عشانها، مش عشان نفسه. وافقت… وهي مش عارفة إن الموافقة دي كانت بداية خراب مش بداية راحة.
تاني يوم نزلوا كلهم للحفرة: رسلان، وعصمت، وكريمة.
رسلان بدأ يجهز شغله القذر… شموع بتتحط في دواير، مرسومة على الأرض، وحروف ورموز غريبة.
كريمة حسّت إن ريحة المكان اتغيرت بقت كلها عفن. قالت: "إيه الريحة دي؟"
رسلان رفع راسه وقال: "اسكتي… ما تتكلميش."
بعد دقائق، الأرض بدأت تهتز هزة بسيطة… التراب اتنثر في الحفرة كأن في حد بيسحبهم.
كريمة اتجمدت مكانها وقالت بصوت خفيف: "إيه ده؟!"
رسلان رد بسرعة: "متخافوش… اللي بيحصل طبيعي."
بس اللي حصل بعدها ما كانش طبيعي أبداً…
الحفرة بدأت تتهد عليهم، والتراب بدأ ينزل عليهم زي المطر، وصوت حاجة بتتنفس من تحت الأرض.
رسلان رفع صوته وقال: "اثبتوا! خلاص الباب اتفتح!"
لكن الباب اللي اتفتح ما كانش باب كنز…
ده كان باب لقبيلة هتّه… قبيلة ما بترحم.
وفجأة الناس لقوا كريمة واقعة برا البيت. ومن يومها… لا حد شاف عصمت ولا رسلان ومحدش عارف راحوا فين.
وكل ما يسألوا كريمة تقول: "أنا ما شفتش حاجة… كل اللي أعرفه إن في آخر لحظة شفت حاجة بتسحب عصمت لتحت وبعدين اختفى."
الشيخ عزت قال: "وأنت عرفت منين إن اللي ورا الموضوع ده قبيلة هتّة؟"
رد الشيخ عبد الرحمن بتنهيدة وقال: "هتّه بعتتلي مرسال، وكان عاوزني أبعد عن طريقه."
الشيخ عزت رفع عينيه وقال: "ومين اللي حكالك موضوع كريمة؟"
عبد الرحمن قال: "كريمة نفسها."
عزت قال: "ومش يمكن كريمة بتكذب؟"
هنا اتغير وش عبد الرحمن وقال بنبرة جد: "قصدك إيه؟"
اقترب عزت وقال: "أنا عاوز أشوف كريمة."
سأله عبد الرحمن: "انت شاكك في حاجة؟"
عزت قاله بصوت ثابت: "هنعرف كل حاجة لما أشوفها بنفسي."
تاني يوم، راح الشيخ عبد الرحمن والشيخ عزت بيت عم عرفة.
استقبلهم عرفة بوش مرهق. عبد الرحمن عرف عم عرفه على عزت وقال له: "الشيخ عزت من أكتر الناس اللي بتساعدني."
عرفة قال: "يا رب يكون الشفاء لكريمة على إيديكم."
عبد الرحمن طلب يشوف كريمة. عم عرفه أخدهم للأوضة.
أول ما فتح الباب كريمة كانت نايمة، ونفسها صوته عالي بشكل يخلي الواحد يحس إنها مش نايمة… لكنها متربصة.
الشيخ عزت اقترب من السرير خطوة خطوة، كأنه شايف حاجة مش بشرية.
في لحظة واحدة… كريمة فتحت عينيها فجأة، وما كانش فيها بياض، سودة بالكامل.
عزت اتجمد مكانه، وعم عرفه اتسمر وهو بيقول: "اللهم سلم."
الشيخ عزت قرب أكتر وقال بصوت ثابت: "انت مين."
كريمة، ضحكت ضحكة مش بشرية، وقالت بصوت تخين:
رواية الشيخ المعالج الفصل الرابع 4 - بقلم مصطفى محسن
ضحكت كريمة ضحكة غير بشرية، وقالت:
"أنا مش كريمة يا عزت."
الشيخ عبد الرحمن بلع ريقه وقال وهو بيبص لعزت:
"هي عرفت اسمك إزاي؟"
الشيخ عزت قاله بثبات:
"أكيد لازم يعرفني… مش أنا جاي عشان أوقّفه عند حده."
ضحكت كريمة مرة تانية لكن الضحكة المرة دي هزت الأوضة كلها كأن جدرانها بتتنفس.
وقالت بصوت طخين:
"إنت نسيت أنا عملت فيك إيه من ٧ سنين؟"
الشيخ عزت شد نفسه وقال وهو بيقرب خطوة:
"كان زمان عندي أخطاء… بس دلوقتي الوضع اتغير."
كريمة قالته بنبرة فيها بسخرية:
"عاوز اشوف قوتك يا عزت."
فجأة الشيخ عزت ارتفع في الهواء كأن في إيد خفية بترفعه، رجليه بتخبط في الهوا وهو بيمد إيده بيحاول يفك نفسه.
عم عرفة وقع على الأرض وفقد وعيه من هول المشهد. أما الشيخ عبد الرحمن بدأ يقرأ القرآن بصوت عالي وقوي، صوت يحسسك إنه مش بس بيقرأ… ده بيقاتل.
كريمة صرخت صرخة قوية كأن ايد خافيه خبطت الشيخ عبد الرحمن هو كمان في الحيطة ووقع اغمى عليه.
عزت كان لسه مرفوع في الهوا، وشه احمر ونفسه بيقطع، لكنه جمع كل قوته وبدأ يقرأ قرآن من غير ما يقفل عينه. اتبدل الصوت في الأوضة… قرآن في مواجهة كيان.
كريمة صرخت صرخة أقوى، صرخة خليت الأوضة كلها بتهتز من تحتهم، وفجأة وقع عزت على الأرض وبيتنفس بصعوبة، ووقعت كريمة هي كمان على الأرض زي حجر اترمى من جبل.
عزت سند نفسه على الكرسي بشق الأنفس، وبعد ما قدر يقوم وقف وبص حواليه لقى الشيخ عبد الرحمن وعم عرفة واقعين على الأرض. جري عليهم يصحيهم، وبعد شوية صحي عبد الرحمن وهو بيتوجع من الخبطة وصحي بعدها عم عرفة وهو بيرتعش من اللي شافه.
شالوا كريمة على السرير ورجعوا خرجوا من الأوضة من غير ما حد يتكلم… لأن الكلام في اللحظة دي ما كانش ليه معنى.
قعد الشيخ عزت وعم عرفة والشيخ عبد الرحمن على الكنبة في الصالة، عم عرفة قال وهو بيحاول يلم نفسه:
"انا أول مرة أشوف كريمة بالشكل ده… دي مش بنتي اللي أنا عارفها."
الشيخ عزت قاله بنبرة ثابتة:
"لازم تعرف إن بنتك اتلعب بيها."
عبد الرحمن وعرفة رفعوا راسهم في نفس اللحظة وقالوا:
"قصدك إيه يا شيخ عزت؟"
عزت قال:
"رسلان لما راح بيت عصمت ما كانش صُدفة… ده كان مطلوب يعمل كده عشان يرضي الخدام."
الشيخ عبد الرحمن هز راسه وقال:
"يبقى كريمة حكتلي كل حاجة صح."
عزت قاله وهو بياخد نفسه بالعافيه:
"لا… مش كله صح."
عبد الرحمن بصلة باستغراب وقال:
"تقصد إيه؟"
عزت رفع عينه وقال:
"عصمت مختفاش يا عبد الرحمن… عصمت مات."
عبد الرحمن اتصدم وقال:
"مات إزاي؟ فين جثته؟"
عزت قاله:
"هو السر كله في الجثة… ولازم نعرف مدفونة فين."
عم عرفة قطع الكلام وقال:
"أنا مش فاهم حاجة ايه اللي بتقولوه ده!"
عزت طبطب على كتفه وقال:
"هتفهم كل حاجة بعدين يا عم عرفة… بس دلوقتي لازم نكمل الطريق."
عبد الرحمن قاله بجدية:
"والحل؟"
عزت وقف من مكانه وقال:
"لازم أروح بيت عصمت الليلة."
عم عرفة قاله بسرعة:
"بس الحكومة مانعة حد يقرب من البيت… بيقولوا ممكن يقع فوق دماغ أي حد!"
عزت قاله:
"لازم أروحه الليلة… وإلا بنتك كريمة هتفضل تعبانة… ويمكن ما تصحاش من اللي هي فيه."
عبد الرحمن قاله بثبات:
"وأنا معاك يا عزت."
عزت بص له وقال:
"بس لازم تتحصن كويس… لان اللي هنشوفه مش سهل يا عبد الرحمن."
عبد الرحمن قاله بثقة:
"وأنا جاهز."
رواية الشيخ المعالج الفصل الخامس 5 - بقلم مصطفى محسن
الشيخ عزت قال وهو واقف عند باب البيت: "معادنا النهارده الساعة 11 بالليل."
عبد الرحمن قاله بثبات: "اتفقنا… على بركة الله."
عم عرفة قال وهو واقف جنبهم بعينين مليانة قلق: "ربنا معاكم إن شاء الله."
وبالفعل، الساعة 11 بالليل وصل الشيخ عزت والشيخ عبد الرحمن لبيت عصمت المهدوم.
المكان كان مظلم وكأنه مهجور من سنين، مع إن الهدم حصل قريب.
عزت فتح كشاف الموبايل وبدأ يدخل ومعاه عبد الرحمن.
أول ما دخلوا كان الجو عادي، لكن بعد لحظات حصل اللي كانوا متوقعينه…
بدأوا يسمعوا أصوات همس جاية من تحت الأرض، همس خفيف في الأول، وبعدها أعلى كأنه حد بيحاول يتكلم من جوه حفرة.
بدأ الشيخ عبد الرحمن يقرأ القرآن بصوت عالى، لكن عزت رفع إيده وقال: "وقف القراءة دلوقتي."
عبد الرحمن اتفاجئ وقال: "ليه؟"
عزت قال: "لازم نعرف الموضوع الحقيقي الأول."
عبد الرحمن سأله: "وهنعرف إزاي؟"
عزت قال بصوت هادى: "كل حاجة هتوضح دلوقتي."
فجأة ظهر ظل قصير القامة قدامهم، بدون ملامح، عزت كان واقف بثبات وقال للظل: "إحنا مش جايين للأذى… إحنا عاوزين نعرف اللي حصل هنا… ساعدني."
اختفى الظل في لحظة، لكن بعدها بثوانى طلع صوت من تحت الأرض بصوت حاد وجاف: "إنت جاي عايز تعرف إيه؟"
عزت قاله: "عاوز أعرف الموضوع من الأول… عشان أقدر أنقذ كريمة من الأذى."
الصوت قال بنفس النبرة: "كريمة هي اللي اختارت الطريق… وعصمت كان ضحية."
عزت شد نفسه وقال: "أنا عاوز أعرف كل حاجة من البداية."
الصوت قال بغضب: "أنا مش خادم ليك عشان تآمرني."
عزت قاله بصوت قوى: "بقولها للمرة الأخيرة… إحنا مش جايين نؤذيك… إحنا جايين نفهم."
الصوت قال: "وأنا مش هقولك أي تفاصيل زيادة."
عزت بص لعبد الرحمن وقال كلمة واحدة: "ابدأ."
وبدأ الشيخان يقرأان القرآن بصوت عالي وقوي، صوت ما كانش مجرد قراءة… كان مواجهة قوية، الصوت صرخ صرخة عالية رجت البيت كله.
الصوت قال: "هقولك كل حاجة! بس كفاية!"
عزت وعبد الرحمن وقفوا القراءة، عزت قال بصوت ثابت: "قولى الموضوع بالتفصيل."
الصوت قال من تحت الأرض بنبرة ثابتة: "عرفة هو السبب الرئيسي في كل حاجة. عصمت ماكانش يعرف حاجة عن الكنز اللي تحت البيت. عرفة طول عمره طماع… هو اللي جوز كريمة لعصمت عشان يبقى له فرصة يدخل البيت، وهو اللي قال لعصمت إن تحت بيتك كنز.
وهو اللي اتفق مع رسلان. وقتها رسلان قال له المكان طالب روح… والروح دي كانت روح عصمت."
الشيخ عزت قال بصدمة: "يعني ضحكوا على عصمت؟"
الكائن قال: "عصمت كان ضحية… ورسلان ضحّى بيه. وبعدها المكان اتهد… ورسلان هرب للصحراء."
الشيخ عزت قاله: "وكريمة خرجت إزاي من الحفرة؟"
الكائن قال: "هي ماكانتش موجودة… والأمير هتّه هو اللي أمر بإيذائها لأنها خالفت القواعد."
الشيخ عبد الرحمن اتسمر مكانة من الصدمة وقال: "كريمة كان عندها علم باللي حصل؟"
قبل ما الصوت يجاوب بدأ المكان يهتز جامد، والغبار وقع من السقف، الشيخ عزت قال: "لازم نخرج دلوقتي."
وقبل ما يخرجوا شافوا قدامهم حاجة ماكنش حد منهم يتوقعها…
رواية الشيخ المعالج الفصل السادس 6 - بقلم مصطفى محسن
وقبل ما يخرجوا لقوا نفسهم فجأة قدام راجل ملثم واقف بثبات.
الشيخ عبد الرحمن شدّ نفسه وسأله: "انت مين؟"
الملثم قالهم بصوت تقيل وقاطع: "انتم هنا في مكاني، وأنا اللي أسألكم بتعملوا إيه هنا."
الشيخ عبد الرحمن حاول يتمالك نفسه وقاله: "ده مش مكانك."
لكن الراجل الملثم قرب خطوة ونبرة صوته بقت أقوى وأصعب وقالهم: "دي آخر مرة أشوفكم هنا، ولو شوفتكم هنا تاني يبقى ده آخر يوم في عمركم."
ولف وخرج سايب وراه صمت تقيل.
الشيخ عزت بص لعبد الرحمن وقاله: "يلا نمشي، المكان ده مش مرحب بينا."
ولما خرجوا ووقفوا بره، عزت بص حواليه وقال لعبد الرحمن: "بلاش تقول لعرفة أي حاجة عن اللي حصل، ومش عاوزين نكشف السر أبدًا."
عبد الرحمن استغرب وسأله: "ليه؟"
عزت قاله: "لو السر اتقال دلوقتي كريمة ممكن تتأذى أكتر."
"عرفة لو عرف هيقلب الدنيا وهيحاول يبوظ كل حاجة بنعملها."
عبد الرحمن هز راسه بالموافقة من غير كلام.
عبد الرحمن قاله: "تتوقع مين الراجل الملثم ده؟"
عزت قاله وهو باصص قدامه: "في الوقت المناسب هنعرف كل حاجة. المهم دلوقتي لازم أشوف كريمة بكرة، ومنها هفهم حاجات كتير، بس أهم حاجة عرفة ما يكونش موجود. أنا مش عاوزه يعرف أي سر خالص."
عبد الرحمن فكر لحظة وبص لعزت وقاله: "بكرة بعد صلاة العصر هروح لعرفه بنفسي، آخده ونطلع أي مكان بعيد عن البيت. وانت في الوقت ده ادخل البيت وشوف كريمة واسمع منها كل حاجة من غير استعجال. ولما تخلص وتكون الصورة وضحت قدامك اتصل عليا وقولي إنك محتاجني. ساعتها هسيب عرفة يرجع لوحده وكأن مفيش حاجة حصلت، ونتقابل عندي في البيت وتفهمني هنعمل إيه الخطوة الجاية."
الشيخ عزت تنفس بارتياح وقاله: "بارك الله فيك، ربنا يوفقنا."
وهو جواه إحساس إن اللي جاي مش سهل، وإن الليلة دي كانت مجرد أول خيط في سر أكبر بكتير.
وبالفعل، تاني يوم راح الشيخ عبد الرحمن لبيت عرفة وقال له: "تعالى نروح مشوار أنا وإنت."
عرفة قاله: "هنروح فين؟"
عبد الرحمن قاله بنبرة جادة: "هنروح مكان… يمكن يوضح لينا كريمة فيها إيه بالظبط."
عرفة وافق من غير نقاش ومشي مع الشيخ عبد الرحمن.
في نفس الوقت كان الشيخ عزت واقف بعيد، وبمجرد ما خرجوا من البيت دخل عزت بسرعة.
أول حاجة عملها إنه حصّن نفسه بالقرآن.
وهو بيبص قدامه، فجأة شاف كريمة واقفة في نص الصالة، شعرها نازل على وشها مغطي كل ملامحها.
وقالت بصوت مش بشري: "أنا حذرت عبد الرحمن قبل كده… لكن الدور عليك إنت يا عزت. ابعد عن طريقي… وبلاش تكمل طريقك معايا… لأن اللي يكمل معايا بيكون آخره هلاك."
الشيخ عزت واقف بثبات وقاله: "أنا عرفت كل حاجة… وعارف إنك هتّه… وعرفت كمان إن السبب هو عرفة وطمعه… وهو اللي جاب رسلان."
كريمة ضحكت ضحكة هزت المكان كله وقالت: "اللي إنت عرفته ده جزء صغير… وآخر مرة هقولها لك يا عزت… ابعد عن طريقي… إنت وعبد الرحمن."
الشيخ عزت بدأ يقرأ القرآن بصوت قوي… ولكن فجأة…
دخل الراجل الملثم من باب الأوضة بخطوة ثابتة، وقال بصوت تقيل: "مافيش داعي يا شيخ عزت… كل حاجة دلوقتي بقت ملكنا."
عزت قال بغضب مكتوم: "إنت مين؟… إنت اللي قابلتنا في بيت عصمت!"
الملثم رفع راسه، وقاله: "أيوه… أنا."
عزت قاله: "انت مين؟"
الملثم قاله، وهو بيشيل اللثام من على وشه ببطء: "أنا رسلان."
رواية الشيخ المعالج الفصل السابع 7 - بقلم مصطفى محسن
الشيخ عزت قاله وهو بيشد نفسه:
"إنت بقى رسلان؟"
رسلان هز راسه وقال بثقة:
"أيوه… أنا بالظبط."
عزت قاله بغضب مكتوم:
"لعنة الله عليك وعلى كل اللي زيك."
رسلان ضحك وقال:
"ابعد عن طريقي… انت مش قدي."
عزت رفع راسه وقال بثبات:
"أنا قدك… وقد عشرة زيك."
رسلان قاله وهو بيقرب خطوة وابتسامة خفيفة على وشه:
"واضح إنك لسه ما تعرفش أنا مين."
الشيخ عزت قاله:
"ولا عايز أعرف… كفاية إني عرفت إنك إنسان مؤذي… ودايمًا بتيجي على الضعيف."
رسلان ضحك وقاله بنبرة فيها استفزاز:
"هو انت ضعيف؟"
عزت قال بنبرة ثابتة:
"أنا عمري ما كنت ضعيف… أنا قوي بإيماني بربنا… وعارف إن مافيش حاجة بتحصل ليا أو لغيري غير اللي ربنا كاتبه."
رسلان ابتسم وسقف بإيده وقال:
"برافو عليك."
"خلاص كده وقتك معايا خلص… قدامك اختيارين: يا تكمل وتستحمل اللي هيحصل لك… يا تسحب نفسك وتعيش في أمان."
الشيخ عزت قاله:
"انت فاكر نفسك تقدر تأذيني؟"
رسلان قاله:
"أنا مش هأذيك انت وبس… أنا هأذيك انت وأهلك."
عزت طلع سبحته وبدأ يقرأ القرآن بصوت ثابت، لكن رسلان رفع إيده وبدأ يعمل حركات غريبة بأصابعه، وفجأة الشيخ عزت اتجمد مكانه.
جسمه اتقفل، ولا كان قادر ينطق كلمة.
رسلان قرب منه وقال بصوت واطي:
"أنا قلت لك تبعد عن طريقي… انت مش قدي… وانت اللي ما سمعتش كلامي."
رسلان طلع إزازة ميّة صغيرة من جيبه، شكلها غريب ولونها غامق، وبدأ يصب قطرات منها على رأس الشيخ عزت، وعزت واقف متحجر… لا قادر يتحرك ولا قادر يتكلم… عينه بس هي اللي كانت مفتوحة وبتتحرك.
بدأ رسلان يتمتم بكلمات مش مفهومة، بصوت قريب من الهمس لكن تقيل. فجأة المكان كله اتحوّل لضباب رمادي، وبقى البيت كأنه مش بيت كأنه مقبرة. الأرض بدأت تتحرك تحت رجلين عزت، وطلع من تحت الأرض كائن أسود بالكامل، ما فيهوش أي ملامح، الكائن قرب من الشيخ عزت.
عزت واقف متحجر لا قادر يتحرك ولا قادر ينطق، الكائن بدأ يدخل من بين صوابع رجليه، وطلع ببطء جوا جسمه، ولحد ما تملك الشيخ عزت كاملًا، عزت فجأة، عينيه بقت كلها سواد، من غير نقطة بياض ووقع على الأرض بقوة.
رسلان اتراجع خطوة وفي لحظة واحدة جري وخرج من البيت، بعد شوية فاق الشيخ عزت، لكن كان حاسس إنه مش طبيعي… جسمه تقيل، ورجليه مش ثابتة، ونَفَسه تقيل. قام بالعافية، بيتسند على الحيطة لحد ما وصل للباب وفتحه وخرج.
في الوقت ده كان الشيخ عبد الرحمن مستني تليفون من الشيخ عزت يقوله إن كل حاجة خلصت، لكن عزت ما اتصلش ولا مرة، عبد الرحمن قال لعرفة اللي كان ماشي معاه:
"موضوع كريمة مش هنقدر نخلصه النهاردة لازم نرجع…"
عرفة قاله:
"خلاص نرجع."
رجعوا البيت، عرفة فتح الباب ودخل هو وعبد الرحمن، عبد الرحمن قال:
"أنا عايز أشوف كريمة."
فتح باب الأوضة، كريمة كانت قاعدة على السرير وشها للحيطة وضهرها للباب، الشيخ عبد الرحمن قال:
"أنا عرفت السر يا كريمة."
كريمة ما ردتش، ولا حتى اتحركت.
عبد الرحمن قال:
"أنا خلاص هساعدك… وقربت أوصل للغز."
فجأة كريمة عدّلت وشها على عبد الرحمن، وعينيها كلها سواد، كك، وبدأت تقرب منه… وفجأة.
رواية الشيخ المعالج الفصل الثامن 8 - بقلم مصطفى محسن
هجمت كريمة على الشيخ عبد الرحمن فجأة، لكن عبد الرحمن أخرج السبحة بسرعة من جيبه وبدأ يقرأ القرآن بصوت عالٍ.
كريمة تكلمت بصوت ليس صوتها وقالت: "ابعد عن طريقي يا عبد الرحمن… انت عايز مني إيه؟"
عبد الرحمن صوته بقى أعلى في القراءة لدرجة إن المكان كله اهتز.
وقعت كريمة على الأرض وبدأت تصرخ صرخة قوية.
وبعد لحظات انطفأ نور البيت كله مرة واحدة، وبعد ثوانٍ رجع الضوء ضعيفًا… لكنه رجع ومعه كل الأذى.
كان في كائن طويل واقف قدام عبد الرحمن، عينه حمراء ومفيهاش رحمة.
ورغم إن شكله كان صعب، عبد الرحمن كان عنده يقين بالله إن ربنا هيحميه، وبدأ يردد القرآن بصوت أثقل.
الكائن قرب من عبد الرحمن وكان على وشك الهجوم، لكن نور أبيض نزل كحاجز قدام عبد الرحمن فجأة.
الكائن بدأ يصرخ ويرجع لورا، وكل ما عبد الرحمن يقرأ قرآن بصوت أقوى كل ما الكائن يرجع ويتبخر زي دخان.
وبعد ثوانٍ الكائن اختفى تمامًا، والنور رجع في البيت لطبيعته.
عبد الرحمن بص على الأرض لقى كريمة مرمية ومغمى عليها.
شالها وحطها على السرير وبدأ يقرأ عليها قرآن لحد ما بدأت تفوق شوية شوية.
ولما فتحت عينها ابتسم وقال: "الحمد لله على سلامتك."
كريمة بصت له باستغراب وقالت: "أنت مين؟"
قالها: "أنا الشيخ عبد الرحمن… اللي كنت بساعدك عشان تتخلصي من الأذى اللي كان عليكي."
كريمة قالت: "أنا مش فاهمة حاجة."
عبد الرحمن قالها: "عايزك تقولي آخر حاجة فاكرها."
كريمة قالت: "عصمت… جوزي… كان جايب واحد اسمه رسلان علشان يطلع كنز من البيت… وفجأة البيت كله اتهد… وأنا لقيت نفسي بره البيت."
عبد الرحمن قالها: "وعصمت فين؟"
كريمة قالت: "عصمت اتسحب تحت الأرض… ورسـلان خرج… وأنا ما حسّيتش بأي حاجة غير لما لقيت نفسي بره البيت."
طبطب عبد الرحمن على كتفها وقال: "لازم يا بنتي تقرأي القرآن بشكل مستمر… علشان مافيش حاجة تأذيكي تاني."
كريمة هزّت راسها بهدوء، وبعد ثوانٍ نامت.
عبد الرحمن خرج من الأوضة، وبص لعرفة وقال: "قول لي يا عم عرفة… إنت تعرف حاجة عن موضوع البيت اللي اتهد؟"
عرفة حاول يتظاهر إنه مش فاهم وقال: "لا… ماعرفش حاجة."
لكن بعد ما واجهه عبد الرحمن بالحقيقة، عرفة قال بصوت مكسور: "أيوه… كنت عارف كل حاجة… وأنا اللي جبت رسلان عشان يطلع الكنز من بيت عصمت… وأنا اللي جوزت كريمة بنتي لعصمت عشان أقدر أوصل للكنز."
عبد الرحمن قاله بنبرة تقيلة: "إنت عارف إن اللي يستعين بالشياطين بيكون كافر… وربنا بيلعنه في الدنيا والآخرة؟"
عرفة دموعه نزلت وقال: "والله يا ابني الطمع عمى عيني وقلبي. انت ما تعرفش انا كنت تعبان قد إيه وخصوصًا لما بشوف بنتي بالحالة دي… وربنا يسامحني على اللي عملته."
تليفون الشيخ عبد الرحمن رن، ولما فتح الخط لقى صوت الشيخ عزت بيقوله بنبرة غريبة: "أنا عايزك… أنا عرفت كل حاجة."
عبد الرحمن قاله: "اطمن يا شيخ عزت… أنا خلّصت كريمة من الأذى اللي كان عليها."
عزت قاله: "الحمد لله… بس لازم أشوفك."
عبد الرحمن قاله: "أجيلك فين؟"
عزت قاله: "عند مقابر البلد."
عبد الرحمن قاله باستغراب: "أنت بتعمل إيه عند المقابر؟"
عزت قاله: "تعالى… وانت هتعرف كل حاجة."
وقفل السكة.
عبد الرحمن بص لعرفة وطبطب على كتفه وقاله: "ارجع لربنا يا عرفة… ربنا هو اللي بيحمي… وهو اللي بيرزق."
عرفة قاله بصوت مكسور: "عندك حق يا شيخ عبد الرحمن."
عبد الرحمن خرج من البيت وراح المقابر، وكانت الدنيا ساكته، حتى الهوا كان ساكت.
لاقى الشيخ عزت واقف عند المدخل مستنيه، قرب منه وقال: "خير يا عزت؟ جايبني ليه هنا؟"
عزت قاله وهو بيشاور لقدام: "تعالى… ادخل معايا دلوقتي… في حاجة لازم تشوفها."
عبد الرحمن حس إن في حاجة مش طبيعية، لكن مشي معاه.
دخلوا جوه المقابر، وصلوا لنص المقابر، وفجأة.
رواية الشيخ المعالج الفصل التاسع 9 - بقلم مصطفى محسن
فجأة الشيخ عبد الرحمن بص لعزت وقال له بثبات:
"أنا عارف إنك مش عزت."
عزت وقف مكانه وبص له، وابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت تقيل:
"كويس إنك عارف… هو فيه حد يروح للموت برجله؟"
الشيخ عبد الرحمن قاله بصوت قوى:
"محدش يقدر ياخد الروح غير اللي خلقها."
عزت قال بغضب:
"عمرك انتهى يا عبد الرحمن."
عبد الرحمن قاله بثبات:
"الله أعلم مين اللي عمره انتهى."
عزت مسك كتف الشيخ عبد الرحمن بقوة، لكن عبد الرحمن رفع الخاتم في وشه، عزت صرخ فجأة، وفي نفس اللحظة الجو اتقلب الهوا في المقابر وبقى زي عاصفة ترابية، والمكان كله اتملّى تراب لدرجة إن الرؤية اختفت.
عزت قال كلمة واحدة قبل ما يختفي:
"إحنا لسه في البداية يا عبد الرحمن."
واختفى.
كان عبد الرحمن بيكح بقوة ومش قادر يتنفس، وقع على الأرض واغمى عليه، ولما فاق لقى نفسه في بيت غريب، سقفه واطي وريحتُه قديمة. ظهر راجل عجوز واقف عند الباب، عبد الرحمن اتخض وقال:
"انت مين؟"
العجوز قاله بهدوء:
"ما تخافش… أنا حارس المقابر اللي كنت واقع فيها. لاقيتك بالليل وجبتك عندي… قول لي انت مين وإيه اللي جابك المقابر بالليل؟ شكلك مش بتاع أذى."
عبد الرحمن طلب يشرب ميه، وراح العجوز وجاب له كوباية، شربها عبد الرحمن وسند ضهره وقال:
"أنا عبد الرحمن حكايتي كبيرة."
العجوز قاله:
"يا بني كل حكاية ليها آخر… المهم إنك متستسلمش وتكمل الطريق… أهم حاجة الطريق يكون خير."
عبد الرحمن ابتسم وقال:
"اسمك إيه؟"
العجوز قاله:
"أنا اسمي بدر."
ابتسم عبد الرحمن وقال:
"شكلك راجل طيب."
بدر ابتسم له وقال:
"وانت كمان يا بني."
عبد الرحمن سكت لحظة وقال:
"تعرف حد اسمه رسلان؟"
بدر قاله بصوت تقيل:
"ومين ميعرفش رسلان؟… صاحب الأذى كله."
الشيخ عبد الرحمن بص لبدر بذهول وقال:
"أنا عايز أعرف كل حاجة عن رسلان."
بدر قال وهو بيولع لمبة جاز صغيرة:
"احكيلي الموضوع… واللي أعرفه هقوله لك عليه."
عبد الرحمن حكى كل اللي حصل من أول كريمة لحد المقابر ورسلان، بدر سمع الكلام كله من غير ما يقاطع، ولما خلص قال بصوت تقيل:
"يبقى رسلان بيستخدم نفس أسلوبه القديم."
عبد الرحمن قاله بسرعة:
"أسلوبه؟ عرفني كل حاجة."
بدر قال وهو بيقرب منه:
"أسلوب رسلان دايمًا بيستهدف حد يكون تقي… عشان يقدر يحط عليه الطقوس بتاعته. وكل ما يكون الإنسان اللي قدامه مؤمن بربنا… كل ما قوت رسلان تزيد."
"لأن الخادم اللي معاه بيحب الإنسان المؤمن… مش الضعيف."
عيون عبد الرحمن اتسعت وقال:
"يعني قصدك يكون استخدم… الشيخ عزت؟"
بدر قاله من غير تردد:
"ده مش ممكن… ده أكيد."
عبد الرحمن اتصدم وقال:
"تقدر تساعدني أنقذ عزت… وأقضي على رسلان؟"
بدر اتنهد وقال:
"صعب… لكن مافيش حاجة مستحيلة."
عبد الرحمن قال بإصرار:
"ساعدني."
بدر قاله:
"مافيش غير واحد بس اللي يقدر يساعدك."
عبد الرحمن قاله:
"مين؟"
بدر قال بنبرة ثابتة:
"عرفة… اللي انت أنقذت بنته."
عبد الرحمن قال:
"إزاي؟"
بدر قاله:
"اللي ماتعرفوش إن عرفة شريك رسلان في كل حاجة… وهو الوحيد اللي عارف نقطة ضعفه."
عبد الرحمن قال وهو بيقوم من مكانه:
"وأنا هروح لعرفة."
بدر قال:
"أهم حاجة… بلاش تثق في عرفة ثقة كبيرة."
عبد الرحمن قاله بثبات:
"الله هو الحافظ."
وصل الشيخ عبد الرحمن لبيت عرفة، ولما قرب من الباب شاف اللي مكنش متوقع.
رواية الشيخ المعالج الفصل العاشر 10 - بقلم مصطفى محسن
الشيخ عبد الرحمن شاف رسلان خارج من بيت عرفة ومعاه كريمة وعرفة. وقتها فهم إن عرفة كان بيلعب عليه من البداية، وإن كل اللي حصل كان تمويه. قرر ما يواجهش ويسيب عقله يمشي قدّام غضبه، وبدأ يراقبهم من بعيد من غير ما يحسّوه.
مشي وراهم لحد ما وصلوا لبيت قديم في آخر البلد، بيت شكله قديم، الشبابيك متكسّرة. دخلوا جوا البيت وقفلوا الباب وراهم.
الشيخ عبد الرحمن قرب من الشباك وحاول يبص جواه، لكن الضلمة كانت غالبة وما كانش شايف حاجة غير حركة ظلال ملخبطة.
قرر يدخل من الباب، ولما خطى خطوة في اتجاهه، الباب اتفتح فجأة وخرجت كريمة وعرفة، ومعاهم كيس أسود كبير متقفل بإحكام. وقف عبد الرحمن في مكانه، مش فاهم الكيس ده فيه إيه… والأهم من كده: رسلان راح فين؟
الشيخ عبد الرحمن قرر يراقبهم ويشوف هيروحوا فين، وفضل ماشي وراهم لحد ما وصلوا لبيت عصمت المهجور.
عبد الرحمن استغرب وقال بصوت واطي: "هم إيه اللي جابهم هنا؟"
دخلوا جوّا البيت واتأخروا، فوقف عبد الرحمن بعيد يراقب المكان وقال لنفسه: "بيعملوا إيه جوّه كلة ده؟"
فضل منتظر لحد ما خرجوا وبعد ما اتأكد إنهم مشيوا خالص.
قرب من البيت ودخل بهدوء، فتح الكشاف اتصدم من اللى شافه… لقى الشيخ عزت قاعد على الارض ومش داري بالدنيا، عينه مفتوحة بس مفيهاش وعي، وجسمه ثابت كأنه حجر.
جري عبد الرحمن عليه وحط إيده على راسه وبدأ يقرا القرآن بصوت عالي، صوت تقيل، المكان بدأ يهتز مع كل آية.
وفجأة فتح الشيخ عزت عينه، وقال بصوت مش صوته: "إنت فاكر إنك هتقدر تحمي عزت مني؟… أنا هخليك تندم يا عبد الرحمن!"
لكن عبد الرحمن ما تهزش، ورفع صوته أكتر في القراءة، لحد ما عزت وقع على الأرض، وطلع من بقه ماده سودا تقيله. عبد الرحمن رفع عزت من كتفه وسنده وخرّجه برّه البيت.
وخده عنده في البيت، وقعد يقرا عليه قرآن لحد ما نام عزت.
لما صحي لقى الشيخ عبد الرحمن قاعد قصاده، بصله باستغراب وقال: "أنا… إيه اللي جابني هنا؟"
عبد الرحمن قاله: "رسلان عمل عليك طقوس… والحمد لله قدرت أرجعك تاني. المهم دلوقتي… عايزك تساعدني نقضي على رسلان."
عزت قاله: "وأنا معاك… وفي ضهرك بس هنبدا ازاى."
عبد الرحمن قاله: "السر كله عند عرفة."
عزت قال بنبرة جادة: "يبقى لازم نتحرك بسرعة… علشان نوقف رسلان."
الشيخ عبد الرحمن قاله بثبات: "دلوقتي هنروح بيت عرفة… وهناك هنعرف كل حاجة وهنواجه بكل اللي عندنا."
وبالفعل راح عبد الرحمن وعزت بيت عرفة، ولما خبطوا على الباب فتح عرفة.
ولما شاف عزت ملامح وشة اتغيرت من الصدمة.
عبد الرحمن دخل من غير ما يستأذن، ومسك عرفة من كتفه بقوة وقال له بنبرة تقيلة: "لو ما قلتليش كل حاجة عن رسلان… هادفنك في نفس المكان اللي اتدفن فيه عصمت."
عرفة بلع ريقه وهو بيرتعش وقال: "هقول… هقول كل حاجة… بس سيبوني في حالي."
فجأة كريمة خرجت من الأوضة وهي بتجري، ورمت نفسها على الشيخ عبد الرحمن وباست إيده وقالت بصوت مليان بكاء: "انقذني من أبويا… ورسلان مش سايبيني في حالي."
الشيخ عبد الرحمن قال لها وهو ماسكها من كتفها: "وانتي ليه بتطوعيهم؟"
كريمة قالته وهي بتعيط: "أنا ضعيفة… وماكنتش أقدر أقول لأبويا لا… بس أبوس إيدك… خلّصني منهم."
فجأة حد خبط على الباب، كريمة فتحت الباب، والمفاجأة كان رسلان.
رسلان واقف قدامهم. وابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "أهلاً بالغاليين… وفّرتوا عليا تعب كتير."
الشيخ عزت قال بغضب: "وانت فاكر نفسك تقدر تعمل حاجة؟"
رسلان ضحك وقال: "شكلك نسيت اللي حصل لك."
اتدخل عبد الرحمن وقال بثبات: "وانت متعرفش أنا عملت إيه في كريمة… وخرجت منها."
كريمة ضحكت ضحكة تقيلة وقالت بصوت مش صوتها: "أنا كنت بضحك عليك يا عبد الرحمن… انت متقدرش عليا."
عبد الرحمن قال بهدوء: "اوعي تفتكري لما جيتي تبوسي إيدي كنت هثق فيكي… أنا عارف إنك تبعيهم من يوم ما شوفت الوشم اللي في رقبتك."
في لحظة واحدة اسودّت عينين كريمة.
والضوء في البيت بدأ يطفي وينوّر.
عبد الرحمن بص لعزت وقال: "جاهز؟"
عزت من غير تردد قال: "جاهز."
بدأ الاتنين يقرأوا القرآن بصوت قوي، صوت هزّ البيت كله.
بدأت كريمة تصرخ صرخة غير بشرية، وصرخ رسلان: "كفاية! كفاية!"
وعرفة هو كمان صرخ بصوت متقطع.
فجأة البيت بدأ يهتز جامد، والحجارة فوق السقف بقت تقع، والكراسي تتقلب، والحيطة اتشقّت.
عبد الرحمن مسك عزت من دراعه وسحبه بسرعة لبرا البيت، ولما خرجوا بثواني انهار البيت كله فوق عرفة ورسلان وكريمة.
اتلمّت الناس من كل مكان، وجت الحماية المدنية وفضلوا 24 ساعة يحفروا ويدوروا تحت الردم.
لكن ماكانش في أي أثر.
الشيخ عزت بص للشيخ عبد الرحمن وقال بنبرة تقيلة: "صحيح… من يعمل يعمل… ولو بعد حين."
الشيخ عبد الرحمن قاله: "ربنا سبحانه وتعاله قال: فى سورة الشورة (وجزاء سيئة سيئة مثلها)."