تحميل رواية «الرسم على القلب» PDF
بقلم زينب محروس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
من كتر إعجابه بها، مصبرش لحد ما حفلة الخطوبة تخلص، وإنما اتحرك بسرعة تجاه ابن عمه واللي يفترض إنه العريس، وسأله باهتمام شديد: _ مين البنت اللي بترسم هناك دي يا خالد؟ بص خالد تجاه البنت اللي كانت لابسة بدلة سواريه سمرا، وجايبة شعرها على جنب وقاعدة مندمجة في رسم العروسة، وقال بتوضيح: _ دي ندى، رسامة بورتريه زي ما أنت شايف كدا! _ طيب أنا عايز اتعرف عليها، لازم يكون معايا رقمها النهاردة قبل ما خطوبتك تخلص. بصله خالد بسخرية وقال: _ كويس إنك فاكر إن النهاردة حفلة خطوبتي، نبقى نشوف موضوعك دا بعدين. كان...
رواية الرسم على القلب الفصل الأول 1 - بقلم زينب محروس
من كتر إعجابه بها، مصبرش لحد ما حفلة الخطوبة تخلص، وإنما اتحرك بسرعة تجاه ابن عمه واللي يفترض إنه العريس، وسأله باهتمام شديد:
_ مين البنت اللي بترسم هناك دي يا خالد؟
بص خالد تجاه البنت اللي كانت لابسة بدلة سواريه سمرا، وجايبة شعرها على جنب وقاعدة مندمجة في رسم العروسة، وقال بتوضيح:
_ دي ندى، رسامة بورتريه زي ما أنت شايف كدا!
_ طيب أنا عايز اتعرف عليها، لازم يكون معايا رقمها النهاردة قبل ما خطوبتك تخلص.
بصله خالد بسخرية وقال:
_ كويس إنك فاكر إن النهاردة حفلة خطوبتي، نبقى نشوف موضوعك دا بعدين.
كان هيرجع لعروسته، لكن منعه شريف لما اعترض طريقه:
_ وحياة أمك عايز اتعرف عليها.
كان خالد عارف إن ابن عمه زنان، وعشان كدا حاول يقنعه بإن خطيبته هي اللي هتحل الموضوع ده، وبذلك قدر يهرب من شريف.
لما قامت ندى عشان تسلم البورتريه للعروسة اعترض شريف طريقها وحاول يتكلم معاها:
_ على فكرة رسمك تحفة يا آنسة ندى.
ابتسمت ندى بمجاملة وشكرته، واتحركت عشان تروح للعروسة، لكنها تفاجأت بشريف اللي شدها من إيدها، فخلت إيدها تتحكم في البورتريه، واللي كان هيقع، لكن انضم ليهم كريم اللي مسكه بإحكام، وقال بخفوت:
_ خلي بالك يا آنسة.
شدت ندى إيدها من شريف واتحركت من قدامهم، فطبطب كريم على كتف شريف وقال بيأس:
_ خف شوية يا شريف مش كدا!!
تغاضى شريف عن كلام كريم وسأله باستغراب:
_ انت هتمشي ولا إيه؟ مش هتستنى لما الخطوبة تخلص!
_ لاء كفاية عليا كدا يلا سلام.
لما خرجت من القاعة وركبت العربية الملاكي، ظهرت بنت تانية مجبسة دراعها اليمين، وهنا بقى اتضح إن اللي كانت بترسم في الخطوبة تبقى نيچار اللي حضرت الخطوبة بدل ندى صاحبتها لأن دراعها اتكسر قبل الخطوبة بيوم وعشان كدا طلبت من نيچار تحضر بدالها. وبالرغم من موهبة نيچار إلا إنها مكتفية بشغلها كمعلمة رسم في مدرسة لغات.
قررت ندى إنها تتبع طريق مختصر لأنها مش هتقدر تستخدم إيدها الشمال في السواقة لمدة طويلة، بالإضافة لأن نيچار مبتعرفش تسوق، لكن اللي مكنش معمول حسابه إن العربية تعطل فجأة قبل ما يوصلوا.
في الوقت ده كانت العربية على وشك الدخول لشارع جانبي، فنزلوا البنات يتفقدوا العربية لكنهم مكنوش فاهمين حاجة ولا عارفين سبب العطل، وفي الوقت ده انتبهت نيچار لمرور شاب من جنبهم.
قررت تطلب منه المساعدة لكنها تفاجأت إنه نفس الشاب اللي كان في الخطوبة، أيوه بالظبط كدا هو كريم اللي كان بيتمشى وهو بيرتل القرآن بصوت منخفض.
لما سألته نيچار لو يعرف ورشة تصليح قريبة منهم، طلب منهم كريم إنه يبص على العربية، وقدر يعرف سبب العطل لكنه طلب منهم يستنوه دقيقة، واتحرك هو جري داخل الشارع ورجع بعد دقايق معدودة وهو شايل أدوات تصليح وبالفعل رجعت العربية تشتغل تاني بفضل مساعدته.
شكرته ندى وركبت العربية، في حين قربت نيچار وقالت بامتنان:
_ ملحقتش اشكرك من شوية في الخطوبة عشان كدا، شكرًا لحضرتك يا كابتن على المساعدة.
ابتسم لها بخفة وتخطاها، لكنه ضحك بشدة لما هتفت نيچار:
_ وشكرًا عشان خلصتني من الشاب اللي كان شبه الدبانة ده!
وهما معدين من الشارع بالعربية، انتبهوا لكريم اللي كان بيقفل ورشة تصليح، واتضح إن كريم شغال ميكانيكي، دي المعلومة الوحيدة اللي استنتجوها، لكنهم ميعرفوش إنه شاب متوسط التعليم، وعايش مع والدته وأطفال أخوه التلاتة اللي بسببهم هو مش عارف يعمل حاجة لنفسه ولا لمستقبله، كل اللي بيعمله إنه بيشتغل في الورشة أكتر وقت ممكن عشان يجيب فلوس تغطي مصاريفهم.
كانت شقتهم في حي شعبي لكنها كانت شقة مرتبة وأثاثها حديث نوعًا ما، نام على السرير وهو ساند دماغه بإيده، وشرد بتفكيره وهو بيدور على حل يقنع بيه بنت أخوه اللي مصممة تدخل مدرسة لغات زي صاحبتها اللي في الشارع اللي وراهم، وبالرغم من رفض جدتها إلا إن البنت مصممة إنها لو مدخلتش المدرسة اللي عايزاها مش هتذاكر ولا حتى هتروح المدرسة.
بالنسبة له لو الفلوس متاحة هو معندوش مشكلة، لكن المشكلة إن دخله على القد، وفي نفس الوقت مش قادر يرفض طلب بنت أخوه عشان ميجيش يوم ويتهموه ولاد اخوه إنه قصر في حقهم وأهمل مستقبلهم عشان هما مش ولاده.
وبعد تفكير طويل قرر أنه يقدم لبنت اخوه في المدرسة طالما كدا كدا دفع المصاريف متقسم على الترمين.
خبطت نيچار على الباب قبل ما تدخل للمكتب، ابتسم لها الرجل الخمسيني اللي اتكلم وهو بيلبس جاكت بدلته:
_ أنا خارج شوية يا نيچار، عايزك تقعدي بدالي في طلب تقديم لطالبة جديدة النهاردة.
ردت نيچار بتذمر:
_ يا بابا حضرتك عارف إن بكره شغل الأوراق والاستمارات ده.
ربت على كتفها وقال بطلف:
_ معلش يا حبيبة بابا بقى، عندي مشوار ضروري.
اتنهدت باستسلام وراحت قعدت بعد ما طلب منها والدها تدخل بعض الملفات على اللاب توب، قاطع شغلها على اللاب دخول شريف اللي دخل من غير ما يدق الباب، فسألته نيچار باستغراب:
_ انت بتعمل إيه هنا؟
قعد شريف وقال بمرح:
_ وحشتيني، فجيت عشان أشوفك.
_ عرفت مكاني منين؟
_ من ابن عمي اللي هو العريس بتاع امبارح، وقالي كمان إن اسمك نيچار، وحضرتي الخطوبة بدل صاحبتك.
_ أيوه حضرتك عايز إيه يعني؟
_ نتعرف على بعض كدا مش يمكن ندى اللي محضرتش الخطوبة امبارح تحضر خطوبتك؟
رفضت نيچار إنها تتكلم معاه وزعقت له وطلبت منه يخرج برا، وبالرغم من إلحاحه الشديد إلا إنها رفضت رفض قاطع فكان مضطر يخرج بعد ما سابها متعصبة، في الوقت ده دق كريم على الباب المفتوح وقال بجدية:
_ ممكن أخد من وقت حضرتك خمس دقايق؟
كانت بتكتب على اللاب لما قالت بعصبية:
_ مش حابة أتكلم قولتلك، مبتفهمش!!
رفعت دماغها في الكلمة الأخيرة، فاتصدمت إنه كريم، اللي فهم من كلامها إنها أكيد متخانقة مع شريف لأنهم اتقابلوا على بوابة المدرسة، فابتسم وقال بهدوء:
_ معتقدش إني أستحق النبرة دي!!!
وقفت نيچار مكانها وشاورت لكريم وقالت بإحراج:
_ أنا آسفة جدًا والله مقصدش حضرتك، كنت بحسب الدبانة رجعت تاني.
دخل كريم وهو بيبتسم بخفة، فشاورت له على الكرسي:
_ اتفضل يا كابتن أقعد.
قعد كريم وبدأ كلامه بجدية وهو بيعرفها بسبب تواجده، ولما كان المفروض يملي استمارات التقديم، تفاجئ كريم إنها كلها بالإنجليزي، فقال بإحراج:
_ بصراحة أنا واقع في الإنجليزي.
ابتسمت نيچار برقة وقالت بهزار:
_ دا أنا واقعة أكتر منك، استني هطلب من حد يساعدنا.
في الحقيقة هي محترفة في الإنجليزي وكأنه لغتها الأم، لكنها محبتش تظهر دا لكريم، وبالفعل طلبت من مدرسة زميلتها تساعدهم في الاستمارات.
كان ساند على سور المدرسة ومنتظر خالد اللي طلب يقابله، كان بيقرأ قرآن بصوت هو بس اللي سامعه، لكنه سكت مرة واحدة لما شاف نيچار خارجة من المدرسة وفجأة وقفت عربية وحاول شاب إنه يركبها في العربية بالرغم من صراخها ومعافرتها، وبالفعل قبل ما كريم يتحرك من مكانه كانت نيچار اتخطفت.
رواية الرسم على القلب الفصل الثاني 2 - بقلم زينب محروس
هي بالفعل اتخطفت قدام عيونه وهو واقف مالحقش يتحرك، وحتى مشافش وش الشخص اللي خطفها، لكنه كان نفس استايل شريف.
في اللحظة دي وصل خالد، وبمجرد نزوله من العربية، شاور له كريم بسرعة عشان يركب. وركب هو كمان معاه، وطلب منه يتحرك بسرعة ورا العربية اللي شاور له عليها.
لكن خالد حب يستفسر عن السبب واللهفة الشديدة في حثه على الحركة. فرد كريم باستعجال:
_ في بنت اتخطفت، اتحرك بسرعة.
هو قال الجملة دي، ونقل نظره لمكان العربية، لكنها كانت اختفت وكأنها فص ملح وداب. فسأله خالد اللي بدأ في السواقة:
_ أنهي عربية؟
_ اختفت. بقولك إيه، رن على ابن عمك المجنون ده، ليكون هو اللي خطفها.
وبالفعل اتصلوا على شريف، اللي أكد لهم إنه ملوش أي علاقة بالموضوع. فدخلوا المدرسة عشان يعرفوا أي حاجة عن نيچار أو أي طريقة يتواصلوا بها مع أهلها.
وفي الوقت ده وصل أبوها، اللي بمجرد معرفته بالموضوع أكد لهم إن الخاطف ده هو شخص عايزه يتنازل عن المدرسة. وبالفعل، وهما واقفين، وصلت رسالة تهديد لوالد نيچار إنه في خلال اتناشر ساعة لو المدرسة متبعتش، محدش هيعرف طريق نيچار.
***
من لما رجع من المدرسة وهو مش قادر ينسى اللحظة اللي اتخطفت فيها نيچار، واللي مضايقه أكتر إنه مقدرش يلحقها. بس مكنش يعرف إن الزبون اللي جايله هو اللي خاطف نيچار. مأخدش وقت كتير عشان يستوعب إن دي نفس الهيئة ونفس الهدوم بتاع الخاطف، ومش بس كدا، دا كمان العربية نفسها!
كان بيلف حوالين العربية وهو بيحاول يتفقد محتوى العربية من الشباك المفتوح، فانتبه لدبوس الشعر الفضي اللي كانت لبساه نيچار الصبح.
هو كدا بقى متأكد إن دا بالفعل هو الخاطف، وعشان كدا قبل ما يسلمه العربية متصلحة، كان مجهز نفسه، واتحرك وراه فورًا بالموتوسيكل بتاعه، لكنه كان حريص عشان الخاطف مياخدش باله.
العربية وقفت على طريق زراعي، ونزل منها الخاطف وتوجه تجاه مزرعة، ومن وراه كريم اللي تفاجئ بوجود عدد من الشباب غير الخاطف، وكمان في عربيات ملاكي واقفة داخل محيط المزرعة.
في اللحظة دي أدرك كريم إن الكثرة تغلب الشجاعة، وعشان كدا كان لازم يطلب مساعدة خالد والشرطة.
بدأ يتسلل من بين الزرع، بيدور على مدخل للمزرعة، لكنه متوقعش يلاقي نيچار في أوضة منفصلة عن المزرعة، وكمان من الطوب اللبن. قرب من الأوضة وهو بيدقق النظر من الشباك الإزاز المكسور.
كانت قاعدة على الأرض ومربوطة لدرجة إنها مش عارفة تتحرك. مد إيده فتح الشباك وهو بيتفقد الوضع حواليه، وأول ما رجله اصطدمت بأرضية الأوضة صرخت بصدمة:
_ هو انت اللي خاطفني!
قرب منها بسرعة وهو بيكتم صوتها وقال باستنكار:
_ يعني لو أنا اللي خاطفك، هدخل من الشباك!
بدأ يفكها وهو سامعها بتقول بارتياح:
_ الحمدلله إنك هنا، أنا كنت خايفة أوي يا كريم.
ساعدها تقف وهي بتنفض الحبل الملفوف عليها. وفي اللحظة دي، وبسبب صوتها اللي كان عالي لحظة دخوله، وصل شابين اشتبكوا مع كريم، اللي كان غالبهم في البداية، لكن مع زيادة العدد بدأ الموضوع يكون صعب.
وهنا قررت نيچار التخلي عن خوفها لما شالت عصاية حديد مركونة على الحيطة وضربت واحد من الشباب. لكنه قدر ياخد منها العصاية ويزقها ويزرع الخوف جواها من تاني، ودا ظهر من رعشة جسمها ودموعها اللي نزلت.
لما كان على وشك يضربها، لولا كريم اللي حماها وأخد الضربة على دراعه.
في الوقت ده وصل شخص في سن والد نيچار وطلب منهم يوقفوا الخناقة، وأخدوهم حبسوهم الاتنين في أوضة داخل بيت المزرعة. والمرة دي مكنوش مربوطين، لأن كريم صرخ في وشهم لما حاولوا ياخدوها منه.
حاول يهديها، لكنها كانت بتنتفض من كتر الخوف وبتتمسك بيه أكتر. فبدأ يقرأ لها قرآن، وبمرور الوقت بطلت بكا ونامت. ومحستش بالشرطة اللي وصلت ومعاهم خالد ووالدها.
***
تاني يوم وهو شغال في الورشة، حس بوجع إيده بيزيد، فقعد على كرسي خشب جانبي وهو بيحرك إيده بشكل تكراري كأنه بيقيم نسبة الألم. في الوقت ده سمع صوتها الأنثوي الرقيق:
_ بتوجعك؟
رفع دماغه وبصلها بدهشة:
_ آنسة نيچار! بتعملي إيه هنا؟
_ جاية مع بابا. المهم قولي إيدك عاملة إيه؟ بتوجعك من الضربة بتاع امبارح صح؟
اكتفى بابتسامة خفيفة:
_ أبدًا، أنا كويس.
لما وصل والدها، مكنش في مكان إنهم يقعدوا فيه، عشان كدا أخدتهم كريم لشه. ورحبت بهم والدته اللي أخدت نيچار وقعدت معاها بعيدًا عن كريم ووالدها اللي شكره على إنقاذ بنته الوحيدة.
وتعبيرًا عن امتنانه، كان حابب يعفيه من مصاريف المدرسة، ومش بس لبنت أخوه، بل لأي حد يخص كريم، لكن كريم رفض الموضوع بأسلوب قاطع.
وفي طريقهم للبيت، سألت نيچار والدها عن اللي حصل، فكان رده:
_ رفض الموضوع. الشاب دا عنده عزة نفس شديدة، يعني أنا لما قرأت المعلومات اللي كتبها في الاستمارات قولت دا هيتبسط جدًا بعرضي، بس حصل العكس وحسيت إنه اتضايق.
اكتفت نيچار بابتسامة إعجاب، ومعلقتش على كلام والدها.
***
بمرور يومين، كانت نيچار مع طلاب المرحلة الأولى بتعلمهم الرسم، لما ظهرت لها واحدة من العاملات وعرفتها إن في شاب مستنيها في جنينة المدرسة. خرجت نيچار على أمل إنه يكون كريم، لكن خاب أملها لما شافت شريف اللي استقبلها بابتسامة عريضة:
_ سمعت إنك كنتي مخطوفة، فجيت أطمن عليكي.
غمضت عيونها بيأس، وحاولت تنتقي كلامها بدل ما تتخانق معاه، لكنها تراجعت فورًا لما شريف كمل وقال:
_ تخيلي كريم كان مفكرني أنا اللي خاطفك! مش عارف إزاي ممكن يشك في صاحبه كدا!
بما إنهم صحاب والدبانة شريف مش عايز يحل عن دماغها، يبقى على الأقل تستفيد منه قبل ما تمسح بكرامته الأرض. فابتسمت بخفة وقالت:
_ شكرًا على ذوقك. ألا صحيح، كريم أخباره إيه؟
_ كويس الحمدلله، أنا لسه كنت عنده في الورشة.
_ آه ربنا يعينه، دا أخد ضربة شديدة على دراعه.
_ إيه ده بجد! أمّال بينزل يتمرن في الجيم إزاي؟!
كانت حريصة إنها تعرف من شريف اسم الجيم اللي بيتمرن فيه كريم، مع إنها لحد دلوقتي متعرفش اسم شريف أصلًا. وبعد ما أخدت منه المعلومات اللي عايزاها، اتهربت منه بحجة الشغل، وسابته ومشيت.
في الوقت اللي كان كريم مشغول في حياته وأموره، مكنتش نيچار قادرة تبطل تفكير فيه، واشتركت في الچيم مخصوص عشان تشوفه. لكنها كانت بتروح في مواعيد مختلفة، ولما أخيرًا راحت في وقت تواجده، أخدت أكبر صدمة.
كانت واقفة تتأمله من بعيد وهو بيتمرن، فجت بنوتة وقفت جنبها وقالت:
_ اهو دا بالذات بقى محدش يقدر يقرب منه.
انتبهت لها نيچار:
_ قصدك مين؟
_ كريم، مبيكلمش بنات من هنا نهائي، لأنه مرتبط، مش شايفة الدبلة اللي في إيده؟
رواية الرسم على القلب الفصل الثالث 3 - بقلم زينب محروس
كريم، مبيكلمش بنات من هنا نهائي، لأنه مرتبط، مش شايفة الدبلة اللي في إيده؟
ابتسمت نيچار و قالت بلامبالة:
_ طب و فين المشكلة إنه مرتبط!؟
_ أنا شوفتك مركزة معاه فقولت اعرفك.
طمنتها نيچار إنها بالفعل كانت مركزة معاه بسبب مقدار الوزن اللي بيتمرن به مش أكتر، بالإضافة لوجود معرفة طفيفة بينهم و هي كانت بتفكر لو تروح تسلم عليه و لا تستني لبعد التمرين.
ظهر حماس غريب على البنت لما عرفت إنهم معارف، فعرفتها إن اسمها مها و تبقى بنت خالة كريم، و اتعرفوا البنات على بعض و في الآخر مشيت نيچار بدون ما تتكلم مع كريم.
في طريقهم للبيت، فتحت مها الكلام وقالت بفضول:
_ بس مين البنت الحلوة اللي اتعرفت عليها مؤخرًا دي يا كريم؟
_ نيچار، مدرسة رسم.
_ لاء دا إحنا مركزين خالص! شكلك هتبدل الدبلة اللي في ايدك دي قريب.
رفع كريم ايده على مستوى نظره و قال بشرود:
_ مستحيل يبقى في غيرها، أنا كويس كدا.
اتنهدت بيأس و قالت:
_ و الله طول ما انت معقد نفسك كدا، الدنيا هتفضل مقفلة في وشك!
دا البت زي العسل الله اكبر عليها.
سألها كريم بانتباه:
_ و انتي عرفتيها منين؟
حكت له مها عن الحوار اللي دار بينهم في الچيم.
على الطرف التاني رجعت نيچار بيتهم اللي كان في حي راقي، لكنها كانت شقة بردو في عمارة، قعدت على السرير و هي بتفكر في نفسها و في مشاعرها اللي لأول مرة بتتحرك، مكنتش عارفة تحدد هي معجبة ب كريم و لا عايزة ترد له الجميل عشان ساعدها! و لا عايزة تساعده رأفة بحالته المادية! و لا المساعدة دي مجرد وهم عشان تقرب منه!؟
اتنفست بضيق و قالت باقتناع:
_ حب ايه و عبط ايه! هو انا لحقت، و الله ما أنا رايحة الجيم دا تاني.
و بالفعل مبقتش تروح، و في يوم كانت ندى معاها في المدرسة فسألتها بفضول عن علاقتها ب كريم، فقالت نيچار إنها متعرفش عنه حاجة من شهر، فقالت ندى باستغراب:
_ غريبة دا انتي فضلتي كام يوم مش بتتكلمي غير عنه و لما نزلتي الچيم عشانه قولت الموضوع هيطور بينكم و مش هتبقى مجرد رغبة في المساعدة.
اتنهدت نيچار و هي بتعدل شعرها، و قالت بتوضيح:
_بصراحة يا ندى أنا منكرش إنه ساعدني اكتر من مرة، بس خوفت كريم يفسر رغبتي في المساعدة على إني بلاحقه و معجبة بيه.
سألتها ندى بترقب:
_ طب و انتي مش معجبة به؟
_ يعني ممكن أكون معجبة، و عشان كدا محبتش أقرب منه، أنتي عارفة مبدأي في موضوع الارتباط و الحب ده.
ابتسمت ندى و قالت بتوضيح:
_ طبعًا دا أنا حفظت كلامك بإن البنت يُسعى إليها بالألف ميل و لا تتزحزح يا فنانة.
ضحكت نيچار و قالت بتأكيد:
_ براڤو عليكي، و عشان كدا أنا كرڤت للموضوع.
خرجت نيچار مع ندى توصلها لعربيتها المركونة قدام المدرسة و في رجعتها انتبهت للبنت اللي واقفة جنب السور و بترسم في دفتر صغير.
توجهت لها نيچار و سألتها بحب:
_ واقفة كدا ليه يا لوكة؟ مروحتيش مع صحابك في الباص ليه؟؟
_ مستنية عمو كريم.
بصت نيچار في ساعتها قبل ما تسأل ملك بشك:
_ متأكدة إنه جاي يا حبيبتي؟؟
ردت عليها ملك بحماس:
_ ايوه، هو قال إنه هيفك الجبس النهاردة و هيجي ياخدني عشان نتفسح سوا.
استغربت نيچار موضوع الجبس، لكنها لما استفسرت من ملك عرفت إن نفس الإيد اللي أخدت ضربة لما أنقذها هي اللي اتجبست، و دا بسبب الإصابة اللي تغاضي عنها في الاول فزاد الألم. أضعافه و بقى مضطر يجبس دراعه.
فضلت نيچار واقفة معاها و هي بتفكر في حل تساعده به، لأنها متأكدة إنها أساس المشكلة، و دا اكيد أثر على شغله، و بما إنه شخص لا بيقبل عوض و لا بيقبل مساعدة من حد فكانت حاسة بتأنيب الضمير.
لما وصل كريم كان معاه بنوتة عندها سبع سنين، اول ما شافت نيچار جريت عليها و حضنتها لأنها كانت بتلاعبها في المرة اللي زارتهم فيها مع والدها بعد حادث الخطف.
نزلت نيچار لمستواها و رحبت بها و هي بتمدح تسريحة شعرها اللي شبه ديل حصان على الجانبين، بدأ كريم كلامه بجدية:
_ شكرًا لحضرتك يا آنسة نيچار عشان استنيتي مع ملك.
رجعت وقفت و اتكلمت بابتسامة:
_ طمني عليك؟ صحتك تمام؟
رد كريم باختصار:
_ الحمدلله بخير.
قررت تنسحب و ترجع للمدرسة لكن البنوتة الصغيرة أصرت إنها تروح معاهم، لكن نيچار رفضت بحجة إنها خروجة عائلية، بس لما كان الطلب من كريم إنها تروح معاهم، مقدرتش ترفض و طلبت منهم يستنوها على ما تجيب شنطتها.
و هما في الملاهي كان كريم مكتفي إنه يشتري تذاكر الألعاب و يروح يراقبهم من بعيد و هما مبسوطين مع نيچار، و كل شوية كان يرفع ايده و ينقل نظره بين نيچار و بين دبلته.
كان واقف قدام بيت الرعب و هو بيفتكر إن دا اكتر مكان كان بيحب يدخله قبل ما يتحمل المسؤولية، و تتقلب حياته من الرفاهية المطلقة للحدود المقيدة في كل الأمور.
وقفت جنبه و في إيدها البنتين، و سألته بترقب:
_ تحب تدخل؟
_ ياريت.
كان رده تلقائي، لكنه تراجع بسرعة لما سألهم باهتمام عن اللعبة اللي لسه حابين يلعبوها، فردت ملك بإنها تعبت و مبقتش عايزة تركب اي لعبة تاني، و انتهي اليوم على كل كدا.
و مر على اليوم دا شهر كمان، لحد ما اشتركت المدرسة في مسابقة للأنشطة الفنية، و قدمت ملك في مسابقة الرسم، و عشان كانت نيچار هي المدرسة بتاعتها و المسؤولة عن تدريبها في الرسم، فكانت مضطرة تقابلها يوم في الأسبوع برا المدرسة عشان تعلمها، لكن كريم اعترض على موضوع المقابلة الخارجية و دا بسبب خوفه على بنت أخوه لأنه مش هيكون فاضي يوديها و يجيبها كل شوية، و بالتالي طلب من نيچار إن لو معندهاش مشكلة فهي تقدر تعلمها عندهم في البيت، و في أول أسبوعين مكنتش نيجار بتتقابل مع كريم نهائي بسبب شغله.
راح كريم عشان يزور خالد اللي بيجهز في شقته، فسأله خالد باستفسار:
_ مش ناوي تخلع دبلتك دي بقى و تفكر تاني في موضوع الجواز ده؟
حرك كريم الدبلة اللي في ايده، و قال بحيرة:
_ بصراحة فكرت في الموضوع ده، بس حتي اللي أنا معجب بيها، مستحيل يكون في بينا علاقة.
سأله خالد بتعجب:
_ أنت معجب بحد؟؟
حرك كريم دماغه بتأكيد، و قال:
_ أيوه، نيچار الرسامة اللي كانت في حفلة خطوبتك.
خبطه خالد على كتفه بحماس:
_ ايوه بقى يا معلم هو دا الكلام، هتفرحنا امتي.
_ متفرحش اوي كدا، لأنها علاقة مستحيلة.
حاول خالد يشجعه:
_ مستحيلة ليه؟ طالما أنت معجب بها؟ و بعدين هي تلاقي شاب زيك فين؟ محترم و أخلاق و ماشاء الله عليك فتحت مركز صيانة في مكان راقي و دخلك مش بطال، يبقى فين المشكلة؟؟
_ التعليم هو المشكلة؟
رد عليه خالد بتهكم:
_ دا عقلك المعقد هو المشكلة، بطل العبط بتاعك ده و خد خطوة في الموضوع، لأن الجواز دا نصيب عمره ما كان بالشهادة.
كان كريم مقتنع إن الموضوع بيكون صعب و مفهوش تفاهم لما يكون الزوج أقل في التعليم من الزوجة، لأن دا ساعات بيسبب خلافات بينهم، لكنه حاول يعطي لنفسه فرصة و يسمع لكلام صاحبه.
و عشان كدا قرر يرجع البيت بدري عشان يلحق يتكلم مع نيچار قبل ما تمشي، و في الحقيقة هي كمان كانت مستنياه، و عشان كدا اول ما دخل البيت طلبت تتكلم معاه لوحدهم، بدأت كلامها بإحراج:
_ أنا مش عارفة المفروض اقولك كدا و لا لاء، بس بصراحة عايزة اقول.
رد عليها كريم بابتسامة:
_ اتكلمي عادي، مفيش داعي لكل التردد ده.
بلعت ريقها و قالت:
_ بصراحة كدا هو عرض جواز، و أنا احترت من كتر التفكير لوحدي عشان كدا عايزة أسألك.
رواية الرسم على القلب الفصل الرابع 4 - بقلم زينب محروس
بصراحة كدا بابا عايز يتجوز والدتك.
نعم! دا اللي هو ازاي؟
هب كريم من مكانه، فقالت نيچار بهدوء:
أقعد بس و افهم يا كابتن.
رد عليها كريم بتهكم:
أفهم ايه؟ ما الكلام موضح نفسه!
وقفت نيچار قصاده:
طب وفين المشكلة؟
رد عليها كريم بسخرية:
يعني بدل ما اتجوزك، ابوكي هو اللي يتجوز أمي؟
سألته بانتباه:
أنت قولت ايه؟
بلع ريقه و قال بتراجع:
أقصد يعني بدل ما أنا اتجوز اروح أجوز أمي!
ليه هو عيب؟
لاء مش عيب.
طب حرام؟
برود مش حرام.
طب فين المشكلة يا كابتن؟ معترض ليه؟ والدتك ماشاء الله عليها صغيرة أصلًا. و من حقها تتجوز تاني.
اتنهد كريم و قعد مكانه:
ممكن المشكلة تكون أنانية مني، بس أنا فعلاً مش هقدر أتحمل مسؤولية البنات لوحدي و كمان عمر اللي لسه بيتعلم المشي! الموضوع هيبقى صعب عليا.
قعدت جنبه و حاولت تقنعه بالموضوع:
بس دي مش مشكلة، لأن بابا أصلا عايزهم يعيشوا معانا في البيت و على فكرة بابا و الله حنين و بيحب الأطفال جدًا و مش هيقصر في حقهم، بس أرجوك توافق.
سكت شوية و هو بيفكر في الموضوع، و بعدين قال باستسلام:
هتكلم مع ماما الأول، و لو هي رحبت بالموضوع انا أكيد مش هعترض.
حضر خالد لمركز التصليح الجديد عشان ياخد رأيه في بعض الأمور، لكنه منساش يسأله عن موضوعه مع نيچار، فعرف إن كريم تراجع عن الفكرة بسبب طلب جواز مامته اللي اترفض عشان والدته كان عندها نفس وجهة نظر كريم و متقدرش تتخلي عن مسؤوليتها تجاه أحفادها و في نفس الوقت متقدرش توكل مسؤوليتهم لشخص تاني لمجرد إنه عايز يتجوزها، بالإضافة لأنها لو اتجوزت كانت هتسيب كريم لوحده و تكرر غلط ابنها الكبير اللي طلق مراته و كل شخص فيهم اتجوز و اتخلوا عن أطفالهم.
اتكلم خالد بلوم:
بالعكس يا كريم دي كانت فرصة حلوة عشان تتقرب من نيچار و ساعتها كان والدها ميقدرش يرفضك عشان خاطر والدتك، لكن كدا ممكن يعاند.
اتحرك كريم يساعد واحد من اللي شغالين معاه في تركيب كوتش عربية، و هو بيقول برفض:
و أنا عمري أصلا ماكنت هستغل الوضع و لا كنت هفكر في خطوة جد تجاه نيچار، أنا عايزها تتقبلني و أبوها يرحب بيا عشاني مش عشان خاطر حد حتي لو كانت والدتي.
سأله خالد بحيرة:
ايوه يعني هتعمل ايه في حياتك؟
سلم الأدوات اللي في ايده للشاب، و قال بجدية:
ههتم بولاد أخويا، دول أهم حاجة دلوقت.
طب و والدتك؟
كان دا سؤال نيچار، اللي قربت و قعدت على الكنبة الجلد اللي قاعد عليها خالد مع احتفاظها بمسافة بينهم، فقال كريم بترقب:
اوعى تكوني جاية عشان نفس الموضوع؟
حركت دماغها بتأكيد مع ابتسامة بسيطة:
ايوه.
قرر خالد ينسحب بعد ما قال بمرح:
عمومًا يا شباب أنا مستني أي خطوبة، قرروا كدا مع نفسكم و كلموني.
ردت نيچار بحماس:
إن شاء الله هنعزم حضرتك على فرح بابا و طنط.
رد عليها كريم بسخرية و هو بيشاور على الشحم اللي على قميصه:
الشحم دا أكتر حاجة أنا مش بحبها في شغلي و في الحياة عمومًا، ف لو شاء القدر و حبيته أوعدك إني هوافق على الجوازة.
فكر تاني يا كابتن، لأن بابا مصمم على الموضوع و بصراحة أنا كمان حابة وجودكم في حياتنا.
حرك كتافه بقلة حيلة:
تقدروا تكون في حياتنا و تكون علاقتنا حلوة، لكن جواز لاء.
سكتت شوية و هي بتفكر هتعمل ايه، و أخيرًا اخدت شنطتها و مشيت.
و تاني يوم أخدت أدوات الرسم بتاعتها و راحت مركز الصيانة عند كريم و حطت لوحة على الاستاند، فسألها كريم باستغراب:
انتي ضاقت بيكي الدنيا، جاية ترسمي في المركز هنا؟
ابتسمت نيچار بغموض:
جيت أخد إلهامي من هنا، عندك مشكلة في وجودي هنا؟
بص كريم على الشباب حواليه و قال بغيرة خفيفة:
و الله لو مش محروجة تفضلي هنا بين الشباب دول، تقدري تقعدي.
و بالفعل نيچار قعدت ترسم، و هي بتنقل نظرها بين كريم اللي شغال في تصليح عربية و بين اللوحة بتاعتها، لكنه كان منزعج شوية بسبب وجود شباب غيره في المكان و عشان كدا غاب خمس دقايق عن نظرها لانه جمع الشباب و طلب منهم يرجعوا بيتهم و هو هيكمل الشغل لوحده.
لما رجع عندها كانت خلصت رسم فطلبت منه يقول رأيه في رسمتها، و كانت المفاجأة بالنسبة له إنها رسمته و هو بيشتغل في تصليح الجزء الأمامي من العربية، نقل نظره بينها و بين اللوحة فسألته بابتسامة واثقة:
ايه رأيك؟
رد عليها كريم بانبهار:
تحفة! ماشاء الله عليكي.
قربت منه نيچار و سألته بترقب:
عجبتك يعني؟
رد عليها كريم تلقائيًا:
عجبتني فوق ما تتخيلي.
حيث كدا بقى أجيب بابا و نيجي نقرأ الفاتحة امتي؟
حركت حواجبها بعد كلمتها الأخيرة و كأنها علامة الاستفهام، فضحك كريم بصوته الرجولي، قبل ما يقول بتخمين:
هي دي رشوة؟ طب كنتي ارفعي الليڤل شوية.
مش قولتلي إنك ممكن توافق على الجوازة في حالة إنك تحب الشحم؟ اهو انا رسمتك بالشحم و عملت أجمل لوحة في حياتي الفنية، يبقى دلوقت لازم توفي بوعدك.
ابتسم كريم بإعجاب، لأنه متوقعش نهائي إنها تستخدم الشحم في الرسم!!! في الحقيقة بقى هو حب الرسمة و صاحبة الرسمة، و داب في غرام الشحم مش بس حبه، دا كفاية إن لوحة الشحم دي اول هدية منها!!
و كدا خلاص المستحيل اتحقق بالنسبة له و كان مضطر يوافق على الجوازة، و عشان كدا أصرت نيچار إنها تروح معاه البيت عشان يقنوعوا والدته، فطلب منها تستناه، لكنه كان بيرتل القرآن و هو شغال و مش واخد باله إنها من شدة إنصاتها لصوته نامت!
حاول يصحيها لكنها كانت بترفض تصحى و كأنها طفلة و مش عايزة تروح مدرستها و في نفس الوقت اتحرج يشيلها، فمكنش قدامه غير إنه يستناها لحد ما تصحى لوحدها و بصراحة دا مأخدش وقت لأنه عشان يعلق اللوحة بتاعتها استخدم جهاز أصدر صوت مزعج و عشان كدا فاقت.
بتعمل ايه؟
كانت بتسأله بتكشيرة، فرد عليها بتوضيح:
بعلق رسمتك.
خرج صوتها بنبرة مشاكسة:
إن شاء الله لما نعلق برواز لكتب كتاب بابا تبقى أنت تاخد هديتك.
و الله؟
و الله.
و مالو يا فنانة، حقك تشوفي نفسك علينا، خلينا نشوف أخرتها.
شربات إن شاء الله.
و بالفعل بموافقة كريم قدر إنه يقنع والدته، و خصوصًا إن حالته المادية دلوقت بقت كويسة و يقدر يأجر شقة في نفس العمارة اللي ساكنة فيها نيچار.
و هو منهمك في شغله، سمع صوت خالد اللي بينده عليه من لما دخل المركز، خرج من تحت العربية و سأله بقلق:
نبرة صوتك تخض، خير؟
مصيبة يا كريم، مصيبة.
رد عليه كريم بنفاذ صبر:
ما تخلص يا خالد في ايه؟
شريف.
عمل ايه تاني اللي هيجلطنا ده؟
هو هيجلطك فعلاً لأنها هياخد منك حبيبتك.....الروش عامل مفاجأة قدام المدرسة و هيعترف بحبه و هيطلب منها الجواز النهاردة.
رواية الرسم على القلب الفصل الخامس 5 - بقلم زينب محروس
الفصل الخامس من الجزء الثالث وتابعت بذهول وهي لم تصدق ان ذاك الواقف أمامها هو "عمران" الذي عشقته سنوات وسنوات دون أن يعرف وعانت في عشقه كثيراً:
ـ بقى رايد تتجوَز على "سكون" يا "عمران" ؟هو دي حالك اللي هتشوفه علي ؟!أني مصدومة من كلامك والله وومصدقاش اللي سمعته وداني عاد ؟
أجابها "عمران" بحدة خفيفة كي يجعلها تفيق من دوامة الوهم التي تعيش بها وعقلها وقلبها وجل جسـ.ـدها الذين ورطتهم بل وسحلتهم في مفهوم بئر خاطئ من الأمومة وألقته هو في بئر الحرمان منها دون أن تكترث لمشاعره ولا أن يلومها ضميرها على إهمالها له وهو يتقطع داخله لأجل حزنها ولأجل نبرته الهادرة بها وهو دوما كان معها هيناً ، ليناً، طيب القلب ، عاشق لرائحتها وأنفاسها بل وما زال عاشقاً :ـ مصدومة من اني بطلب منك حقي فيكي اللي ربنا أمرك بيه ؟ولا مصدومة في إن طيرك العاشق المربوط والموصوم بعشقك وصلتيه بإهمالك انه بقي تايه وحيد الدفء غادر فرشته وبعادك عنه ليالي وشهور خلي ايامه كيف الحنضل المر بتعتبي علي ولا خايفه ان طيرك المربوط بعشقك هيفلت زمامه من يدك ؟أني لو عايز أغدر ولا أخون مستناش دي كله يا "سكون" ، مقعدش كل ليلة والتانية أحضن مخدتي كيف البت البايرة ومرتي اللي هعشقها وهيفصل بيني وبينها يدوب جدار مطيلهاش ،
وتابع بحدة مصاحبة لبعض العـ.ـنف وقد زهق الصبر من صبره وهو يمسك بكتفها يهزها بغضب :
ـ ارجعي بقى عن اللي في دماغك ، ارجعي لي "سكون" مرتي اللي مكانتش تتحمَل بعاد "عمرانها" ولو ليلة واحدة ، ويكون في معلومك المرة دي بالذات اني مش هتنازل عن اللي في دماغي يا "سكون" ودلوك تتفضلي تظبطي حالك لجوزك ومفيش بيات في أوضة العيال تاني ولو اعترضتي يوبقى باكده بتبني أول نعش في طريق سد بيناتنا ، واظن اني عداني العيب وياكي وصبرت كَتير وما فيش راجل هيتحمل الا اني اتحمَلته السنين دي كلاتها يا بت الناس .
ـ أنهى كلامه وتركها وخطى خطوتان لخارج الغرفة فلحقته وتمسكت به وهي تسأله :ـ طب انت رايح فين دلوك يا "عمران" لسه ما خلصناش كلامنا انت قلت اللي عايز تقوله وما اديتنيش فرصة ادافع عن نفسي ولا اقول اني كمان عايزه ايه؟أبعد يداها برفق عنه وهو ينظر بعينيه تجاه غرفة أولاده مُعلِماً إياها بحزم :ـ رايح لبتي اشوف ازاي قدرت تعمل السلوك العدواني دي مع خواتها واعلمها الصوح، واعلمها كيف توبقى زينة علشان دي واجبي ناحيتهم واللي انتِ عايزه تنحيني عنيه،
واسترسل حديثه باعتراض صارم وهو يحذرها بشدة :ـ واياكي يا "سكون" تفكِري انك تخليني صورة في باترينا قدام ولادي واني ما ليش رأي معاهم ،وانك الكل في الكل وانك المسؤولة عنهم في كل شيء وتنحي دوري كأب، وتخليهم يدوب شايلين اسمي وإني مجرد اسم بس، هما ولادي وليهم حق عليا كيف ما هم ولادك برده وليهم حق عليكِي مش اني الراجل اللي هيقف يبص على ولاده من بَعيد ولا يشوف أخطائهم ويقف متكتَف علشان خاطر عامل حساب ليكي ولزعلك، وما تفكِريش نفسك هتحبيهم اكتر مني؛ لااه يا "سكون" حبي لولادي من حبي ليكي ورعايتي ليهم المفروض انها تبسطك مش تخليكِي خايفة من رد فعلي عليهم ساعة الغلط، راجعي نفسك يا بت الناس لان الكيل طفح ومش هتحمَل اكتر من اكده واصل .كان الليل يفرش أجنحته على أرجاء المنزل بهدوء مهيب بينما هدوء يملأ الأجواء بعد نهارٍ طويل مليء بالحركة والصخب، وقف "عمران" أمام باب غرفة أطفاله وقد تملكه شعور مزدوج بين الحزم والحنان، دفع الباب برفق ودخل إلى الغرفة حيث كانت "سكن" تجلس على طرف السرير وتمسك بيدها قلماً وكراسة وتحاول أن ترسم كي تكون بارعة في الرسم مثل أخيها ، بينما كان "سليم" و"سيف" جالسين في ركن الغرفة يلهون ويلعبون مع بعضهم بلعبة "البازل" ،اقترب "عمران" بخطوات بطيئة مدروسة ثم جلس على الأرض أمام ابنته ورفع وجهه لينظر إليها بعينين تغمرهما الأبوة والرفق بينما خيم السكون على الغرفة كلها،مد يده ومسح على يد "سكن" الصغيرة وهو يقول بصوت منخفض يفيض حنانا :
ـ قولي لي هتعملي ايه يا "سكن" هترسمي وريني اكده رسمتك ؟
خبأت الطفلة رسمتها المشوهة من وجهه نظرها عن ابيها وهي تقول بحزن:ـ لاااه يا بابا رسمتي وحشة "سَليم" و"سيف" هيقولوا عليها عفشة، ماني بحاول اتعلَم ارسم حلو زيهم وماما هتساعدني كَتير لحد اما ارسم رسمة زينة اوريها لك .
اخذ منها الدفتر وهو ينظر إلى رسمتها وقد زينت الابتسامة ثغره وهو يبدي إعجابه برسمتها :
ـ ايه الحلاوة دي يا بتي، هتخزي العين ولا ايه ؟ ما انتِ هترسمي زين اهو، وما تاخديش على كلام خواتك هم هيمسكوا على عندك وعلشان اكده ما كانش ينفع تقطعي كتاب "سَليم" انت غلطتي يا حبيبة بابا ،انتي عميلتي اكده ليه يا حبيبتي قولي لي ايه اللي خلاكي تعملي اكده في كتاب خوكي ؟
في عيني "عمران" كان يلمع قلق لم يحاول أن يخفيه إذ شعر أن الغضب ليس سبيل الإصلاح في هذا الموقف بل إن الحوار والرفق هما ما تحتاجه ابنته الآن، لقد كان يعلم أن مشاعر الغضب عند الأطفال تأتي من شعور بالعجز أو الحاجة للانتباه وقد أدرك من نظرة عينيها المرتبكتين أنها نفسها لم تفهم ما دفعها لفعل ذلك،رمشت "سكن" عدة مرات ثم هزت رأسها بخفة وقالت والدموع تتساقط على خديها ببراءة الأطفال:
ـ والله ما كنت أقصد يا بابا والله ما كنت أعرِف إن دي هيوحصل الكتاب كان في يدي و'/"سَليم" كان هيزعِق لي جامد وقال لي ما تلعبيش معانا واني ما هعرفش ارسم ورسمتي عفشة قوي واني ما قدرتش أتحمّل وكنت متضايقة جوي.
استمع "عمران" إلى كلماتها بانتباه بالغ وهو يشعر بوجعٍ في قلبه من اعترافها البريء وبكائها الحار،لقد أدرك أن الطفلة الصغيرة كانت تتصرف من انفعال مفاجئ ولم تدرك عواقب ما فعلت وقد ازدادت مشاعر الحنو في قلبه نحوها أكثر فأكثر:
ـ بصي يا "سكن" أنا فاهم انك زعلانة وفاهم انك كنتي متضايقة بس برضو لازم تعرِفي انك لما تتضايقي ما ينفعش تعملي حاجة تزعل خوكي أو تأذيه ، ولازم لما حد يزعلك تاجي على طول تقولي لي واني اللي هتكلم معاه وهجيب لك حقك من غير ما تزعلوا بعض .
كانت ملامح "عمران" وهو يتحدث تتلون بصدق مطلق، في صوته اهتزاز خفيف يعكس الألم العميق الذي يشعر به حين يرى أبناءه يجرحون بعضهم البعض عن غير قصد، كان يعلم أن مشاعر الطفولة رقيقة وسريعة الانكسار وأن أي جرح قد يترك أثرًا طويل الأمد إذا لم يتم علاجه بالكلمة الطيبة والعناق الدافئ :
ـ انتي عارفة انك مش بس أختهم انتي بالنسبة لهم زي أمهم بالضبط يا "سكن" والأم لازم تكون قلبها وبالها طويل وانتي اللي لازم تكوني قدوتهم في كل حاجة، طيب ينفع بنتة قمر زيك تعمل اكده؟ بتي الحلوة اللي أني هعشقها تعمل اكده؟ لا طبعًا انتي أحن من اكده بكَتير وأطيب من اكده كماني .
رفعت "سكن" رأسها ونظرت إليه بعينين مغرورقتين وقد بدا عليها أنها تسمع صوته لا بأذنيها فقط بل بقلبها كله، كان وقع كلماته عليها كالماء البارد على نار داخلها كانت توشك أن تحـ.ـرق كل شيء ، احساس طفولي بعقل صغير جعلها تشعر أنها سيئة للغاية:
ـ أني آسفة يا بابا ،أني فعلًا آسفة ما كنتش أقصد أزعله أني كنت عايزة ألعب معاهم وخلاص وهم كانوا هيمسكوا على عِندي .
نظر "عمران" إلى ابنه "سليم" الذي كان لا يزال جالسًا دون حراك ثم أشار له أن يقترب، اقترب "سليم" بخطوات مترددة وعيناه متعلقتان بأبيه:
ـ تعالى اهنه يا "سليم" تعالى جنبي شوي، شوف يا حبيبي أختك غلطت لما قطعت الكتاب بس هي قالت إنها ما كانتش تقصد وكانت متضايقة، وانت كمان غلطت لما مسكت عليها وضغطت عليها بالكلام، المفروض اننا كلنا نحافظ على بعض وما نوجعشي بعض بالكلام ولا بالفعل.
التفت "عمران" إلى ابنته وقال بلطف وحنان:
ـ يا "سكن" هتجولي لأخوكي إيه؟ جولي له إنك آسفة وانك مش هتعملي اكده تاني وانك بتحبيه.
نظرت "سكن" إلى "سليم" ودموعها لم تتوقف ثم قالت بصوت منخفض:
ـ أني آسفة يا "سليم" بجد مش هعمل اكده تاني سامحني علشان أني هحبك وكنت عايزاك تقول على رسمتي حلوه بس المره الجايه مش تقول ل"سكن" رسمتك عفشة.
ثم التفت "عمران" إلى "سليم" وقال له:
ـ وأنت كمان يا "سَليم" لازم تعتذر لها علشان الكلمة اللي قلتها لها وجعت قلبها، إحنا ما ينفعش نكسر قلب بعض علشان ننتصر في لحظة، قول لخيتك إنك آسف وانك هتحبها.
أخفض "سليم" رأسه قليلًا ثم قال بصوت خافت:ـ أني آسف يا "سكن" أني ما كنتش أقصد أزعلك أني كمان هحبك.
في تلك اللحظة شعر "عمران" أن قلبه قد امتلأ دفئًا غامرًا وتسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيه دون أن يدري، مد ذراعيه واحتضن "سكن" و"سليم" ثم نادى على "سيف" الذي كان يراقب الموقف بعينين فضوليتين فركض إليه وقفز في حضنه دون تردد،ضم "عمران" أولاده الثلاثة إلى صدره بشدة كأنما يريد أن يحتفظ بهم داخل قلبه وألا يفرط في لحظة دفء واحدة معهم، أحاطهم بذراعيه ونظر إليهم بعينين تلمعان بالحب والحنان وقال بصوت منخفض لكنه مملوء باليقين:
ـ اسمعوني كويس يا حبايبي انتو إخوات يعني لازم جلبكم يبجى على جلب بعض وتبجوا يد واحدة وما حدش يغدر بالتاني وما حدش يزعل التاني وما حدش يعاند مع خوه، أي حاجة تحصل بينكم تيجوا تحكوها لبابا على طول وبابا هو اللي هيحلها .
شعر الأطفال جميعًا بدفء الأمان في صدر أبيهم وارتسمت على وجوههم الصغيرة ملامح الاطمئنان والسكينة وكأنهم أدركوا أن لهم سندًا لا يتخلى أبدًا عنهم مهما حدث،وفي الطرف الآخر من الغرفة كانت "سكون" تقف بصمت تراقب المشهد ويداها تتشابكان أمام صدرها وعيناها مغرورقتان بالدموع، كانت تشعر بغصة في حلقها ووجع يعتصر صدرها كلما نظرت إلى "عمران" وهو يضم أولاده إليه بحنان لم تبذل هي جهدًا في دعمه كما ينبغي،كانت تلوم نفسها في صمت وتعترف أمام قلبها بأنها قصّرت في حقه كثيرًا ولم تقدر جهده كما يجب، كانت تعرف أن قلبه عامر بالحب وأن صبره لم يكن يومًا ضعفًا بل قوة لا تُضاهى، وفي تلك اللحظة فقط تمنت من قلبها لو استطاعت أن تعيد الزمن لتكون أقرب إليه كما كان دومًا أقرب إلى أبنائهم منها ،ولم تخرج من تلك الليلة إلا بصمتٍ طويل ورسالة واحدة تنبض في قلب "سكون" قبل عقلها أن "عمران" لم يكن أبًا فقط بل وطنًا حقيقيًا لثلاثة قلوب صغيرة وسندًا لامرأة ما عادت تعرف كيف تفيه حقه في زمنٍ مرهق بالخذلان ********
كانت تقف أمام المرآه تنهي لمساتها التجميلية لوجهها ومن ثَمَّ شعرها وهي تنظر إلى هيئتها بإعجاب شديد ويدها تتحسس ذاك القميص الناعم باللون الأسود والذي أعطاها هيئة أنثوية مغرية للغاية والإبتسامة العابثة تزين ثغرها وأخذت تدور حول حالها بخيلاء وداخلها واثق الخطى أنها ستبهره بشدة ، ثم أمسكت بزجاجة المعطر وبدأت برش عطرها في جميع الغرفة كي تعبئ المكان بتلك العطور النفاذة وبعد أن انتهت استنشقت عبقه وهي تغمض عينيها وكان ذاك المشهد أعطاها سحراً خاصاً لايليق إلا بتلك القوية ،
في تلك اللحظة دلف زوجها إلى الغرفة وجدها تجلس على الشزلونج وقدماها ممدة بأنوثة وتغمض عينيها تستنشق عبق العطور الذي يملأ الغرفة ، ساقته قدماه إليها كالمسحور من جمالها وجمال المكان ناهيك عن رائحتها التي نادته من أسفل وهيئتها الساحرة التي خطـ.ـفته وهي تقف مغمضة العينين وتلك الموسيقى الرومانسية الهادئة تعطي نغماتها لحناً خاص وساحر ، كم كان ذاك المشهد بالنسبة له كالحلم الذي حلم به كثيراً ، حلم بأن يعود من عمله يجد زوجته تنتظره بتلك الهيئة دون أن يجبرها على أن تكون في أحضانه وأنه يشتاقها كل مرة ، وهو يحدث حاله أمامها وكل ذلك حدث في بضع ثواني ، كل تلك المشاعر والأحاسيس والنبضات التي كادت أن تخترق صدره وتهرب من بين ضلوعه وتستقر بين يديها :
ـ فقال العقل ؛اهدأ يا رجل وتمسك بحالك قليلا أمام تلك العابثة الماكرة ، اهدأ ولا تستكين لمحاولات جذبها إليك بذاك الدهاء الكبير ، ليرد القلب الملهوف الآن ؛أحقا! لن تستطيع يا رجل أن تصمد أمام كتلة الأنوثة تلك ، تقدم وانهل من رحيق شهدها المسكر حتى تغيب معها وتنسى نفسك والظروف والزمان والمكان وكل الأشياء ، هنا عاد العقل يذكره بما فعلته وهو ينهره ، تراجع يا رجل ، تراجع عن أفعال تلك الماكرة فهي ماكرة تقصد أن تنسيك العقاب ، أين الكبرياء ؟ فلا تدعها تنسيك وكل ما فعلته معك يضيع هباء ، نطق القلب مكانه وهو ينهر ذاك العقل ؛ اصمت أنت أيها العقل ، ألم ترى هيئتها الساحرة ؟ ألم تشم عبقها الآخاذ ؟ ألم تقف أمام فاتنة بإطلالة ثائرة؟ أنت الآن سوف ستجعلني أخسر جولة ممتعة أمام تلك الصغيرة الفاتنة فليذهب العقاب والعقل والقلب إلى الجحيم وسأخطو بقدمي إليها بعد أن أشعلت حـ.ـرائق الاحتياج لها داخلي ، تقدم يا رجل واسحبها اليك واسحقها بين أحضانك وتمتع وتهنئ باقترابها ، وعلى الفور هبط بنصف جسده أمامه وهمس بصوت أجش داخل أذنها حتى اقشعر جسدها من صوته الرجولي في أذنها ،حينما استقر الضوء في قلب الغرفة وارتسمت على ملامحها سكينة خفيفة مع لمحة دلالٍ لا تخفى على عين "ماهر" المترصدة لكل نبضٍ منها اقترب منها وهو يحمل في عينيه رجفة الاشتياق وغضبة المحب التي لا تلبث أن تنقلب إلى شغف متوهج كان حضوره في الغرفة كأنفاس عاصفة صيفية ناعمة تحاصر الهدوء وتحرك كل ساكن فيها اقترب بكبريائه الذي لا يلين ووقف أمامها بذراعين مفتوحتين وكأنه يختصر المسافات بينها وبين اعتراف قلبه:
ـ على فكرة تدوبي وتجنني وكل حاجة حلوة ومختلفة ومميزة فيكي النهاردة يا رحمتي
فتحت عينيها على اتساعهما وكأن قلبها سمع صوته قبل أذنيها وبمجرد أن لمحت طيفه أمامها شعرت بأنفاسها تخرج متلاحقة كأنها تحاول اللحاق بهيبة حضوره وقبل أن تنتفض لتقوم من مكانها إذا به يسبقها بحركته الحاسمة محاصرًا إياها بين ذراعيه والشزلونج وكأن لا مفر من سطوته ولا نجاة من سحر عينيه:
ـ رايحة فين يابت "سلطان" هو دخول الحمام كيف خروجه ولا ايه عاد؟وبعدين إيه الجو الجامد دي يا رحمتي دي الغيبة بتاعتي مقصرة فيكي جوي وهتموتي من الاشتياق يا صغنن؟
لم تضعف "رحمة" رغم الحصار ولم تهرب رغم القرب بل رفعت حاجبيها بدلالٍ أنثويٍ لا يجيده سواها وعيناها تتحدثان قبل شفتيها وكأنها تخبره أن التحدي بدأ الآن وأن اللعبة لم تنتهِ بعد وجهها تلفه ابتسامة خبيرة تخبئ وراؤها موجة أنوثة تندفع نحوه بثبات:
ـمين دي اللي هتموت من الاشتياق مين يا حبيبي؟!جول إن انت اللي مش قادر تمسك حالك قدامي وانك أول لما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على انك تاخدني في حضنك وانك مش جادر تتنفس قدامي اصلا.
ضحك "ماهر" ضحكته الرجولية التي تحمل في نبرتها ثقة المنتصر وهو يرمقها من أعلى وكأنه يعرف أن هذه اللحظة تخصه وأنها لن تفلت منه مهما حاولت الدفاع أو المناورة عيناه تخترقان ملامحها ويداه تتشبثان بإطار اللحظة ليؤكد أنه لا مجال للهروب بعد الآن:
ـ أني بردوا اللي هموت عليكي آمال الروايح اللي معبية الأوضة داي ايه؟والشموع والموسيقى والقمصان الجامدة والحركات اللي انتِ عاملاها دي تدل على ايه؟غير انك انتِ اللي هتعرضي نفسك علي وهتموتي على انك تنامي في حضني النهاردة وانتِ كل يوم والتاني هتحضنيني بعد ما انام ومفكِره اني مش هحس بيكي لعلمك بجى أني عارف انك ميتة من الاشتياق وجبتي أخرك يا رحمتي اعترفي بجي انك رجعتي وانتِ مسلمة الراية البيضا وكلك جوع لأحضان "ماهر"
تقهقرت "رحمة" بخطوة لكنها لم تبتعد ظلت واقفة أمامه كالملكة التي لا تسمح بالهزيمة حتى وإن أرادت أن تهدأ عنادها جعلها تصعد في اللعبة وعزتها جعلتها تتمايل بالكلمات لكنها في قرارة نفسها كانت تشتاق أكثر منه لتقول قبل أن تنتوي الخروج بعد أن أحست بالحرج من تلميحاته :
ـ فشر مين دي اللي بتعرض عليك ؟دي أني "رحمة سلطان المهدي" يعني انت اللي تشوفني تموت علي وتتمنى رضاي وحضنيجول بجى انك اول ما دخلت الأوضة وشفتني ما قدرتش تمسك اعصابك وبجيت تطلع نـ.ـ.ـار من كل حتة حتى حرارة جسمك وصلت لي واحنا في ايام الجو معتدل فيها واذا كان على اللبس والحركات اللي هتتحدت عنيها دي اني ست وفي أوضة نومي الخاصة وحبيت ادلع نفسي واروق على حالي بعيد عن الحوارات اللي في دماغك دي خالص اللي انت اصلا هتموت عليها واما صدجت شفتني اكده و هتموت على نفسك.
لم يتحمل "ماهر" تلك النبرة المتعالية التي تخرج منها وكأنها تملك الحق كله في قلب المعركة أراد أن يعيد التوازن ويؤكد أن السيطرة ما زالت بيده فتقدم منها خطوة أخرى اقترب حتى أصبح يفصل بينهما أنفاسهما الملتهبة وأمسك بيدها بحزم العاشق الواثق:
ـ تعالي اهنه رايحة فين هو انت هتشعللي النار جواي وتُهربي اكده عاد ؟اعقلي يا بت سلطان ومفيش خروج من اهنه واصل الا لما تطفي الحـ.ـريق اللي أشعلتيه،أه منكم انتم يا جنس حوا شاطرين في اللفلفة والدوران والمكر ما تقصري الطريق واعترفي انك عايزاني وانك مقدراش تعيشي من غيري يوم واحد وانك عملتي الليلة داي علشان تصالحيني واني ياستي بكل نفس راضية سامحتك.
أشاحت بوجهها قليلًا لكنها لم تستطع الفرار من قبضته أو من صوته الذي يتغلغل في عروقها كالموسيقى المتسللة بين جدران القلب وقفت بثبات الأنثى العنيدة ورفعت ذقنها في كبرياء ظن أنه قد ولى لكنها أثبتت أن الحب حين يسكن القلوب لا يلغي قوة الشخصية:
ـ هأو مش "رحمة سلطان المهدي" بردوا اللي تاجي راكعة وتطلب الوداداعترف انت انك مش قادر تمسك حالك قدامي وانك أول لما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على وانك دلوك خلاص جبت أخرك يا متر واني جامدة موت وعرفت أخليك تقف قدامي وعيونك هتاكلني وكمان تصالحني على السبوعين اللي قعدتهم بعيد عني ومخاصمني اعترف واني اخليلك الليله دي زي شهريار بالظبط وهعيشك ليلة ولا ألف ليلة وليلة من بتوع شهرزاد.
لم يتمالك "ماهر" نفسه أمام هذا الإغراء الملفوف في تحدي وكبرياء ضحك بحرارة وهو يهز رأسه بإعجاب واستسلام وكأن كل الكلمات قد ذابت في وهج عينيها وشوقه الذي لم ينطفئ منذ أول يوم افترقا فيه:
ـ طب أعترف أنا "ماهر البنان" وأنا بكامل قوايا العقلية إن "رحمة سلطان المهدي" خلتني دايب ومشتاق ومش قادر على بعدها ولا قادر مشدهاش لحضني ولا قادر أستنى أكتر من اكده قدام سحرك وجمالك يا صغنن.
أطلقت "رحمة" تنهيدة دافئة خرجت من أعماق قلبها المنهك من الخصام وتقدمت نحوه كمن وجد ضالته في حضن الحبيب فتراقص صوتها بدفءٍ وصدقٍ وهي تنطق الكلمات كأنها مرهم على جراح الاشتياق:
ـ وأنا عفوت عنك يا متر بس ياريت متعملهاش تاني علشان انت عارف اني هحبك وهعشقك ياقلب "رحمة" ومجدراش على بعادك اكتر من اكده كيفك وأكتر كمان.
ضم "ماهر" يديها بين يديه ونظر في عينيها بعمقٍ لا يحمل إلا الصدق والحب والخوف من الفقد من جديد تنهد بحنان الأب والعاشق وقال بصوته الرجولي العميق الممزوج بعاطفةٍ جياشة:
ـ وأني هحبك طول مانتي واخدة بالك من بنتنا وهتراعيها بنفسك أني مليش غيركم يا "رحمة" انتو جنتي على الارض وانتو كل حاجة حلوة بالنسبة لي وأحب أشوفكم بكل الخير.
في تلك اللحظة كانت روحهما قد تصالحت معًا قبل أن تتصالح الكلمات وألقت "رحمة" بكل العناد أرضًا ورفعت كفيها لتطلب حضنه كأنها تعلن أنه وطنها الوحيد فمالت عليه بهمسة ممزوجة بالشوق:
ـ طب خدني في حضنك بجي اتوحشتك جوي جوي يا "ماهر" اتوحشت حضنك وضمتك ليا وحنانك علي اتوحشت أنفاسك وريحتك وكل حاجة في يومي وحشة من غير كلامك معاي بجى هنت عليك تخاصمني سبوعين بحالهم من غير ما تسأل فياهنت عليك نبقى نايمين على سرير واحد وتبَعد عني وأجي أقرب منك كأن كهربا لمستك وتنفرني أني زعلانة منك جوي وجلبي مش مسامحك على بعدك وهجرك ليا.
اقترب منها أكثر وكأن الندم يذوب على ملامحه وتشابكت نظراته بنظراتها ليُسكت كل الأسى باعتذارٍ من قلبه لا يحتاج إلى كلمات لكنه رغم ذلك نطق بها بصوته الذي اختلط بالحب والندم:
ـ حجك علي بس اللي حوصل منك لبنتنا ما كانش سهل واصل ويا ريت ما نفتحش فيه تاني علشان أني ناوي اني أدوبك الليله واخد حقي في السبوعين اللي فاتوا منك لحد ما تجيبي أخرك وتُهربي مني وتجولي لي ارحمني بجى كفاية .
ساد في الأرجاء صمت مهيب، كأن اللحظة ذاتها تخشى أن تُقاطع ما بين قلبين ينبضان بنبضٍ واحد، في ذلك الركن الهادئ من البيت، حيث لا ضجيج سوى همسات الهواء، ولا حركة سوى ارتجافة الستائر، كان كل شيء يدعو للسكينة، لكنه يخبّئ في طيّاته نداءً عارمًا للشوق، ليقول "ماهر" بصوت منخفض أقرب للهمس:ـ "حاسس إني محتاجك جوي يا رحمتي ومش هستحمل تبعدي تاني .
انزلقت نظراتها على ملامحه، متأملة تلك القسوة التي لا تفارق قسمات وجهه، لكنها تعلم تمامًا أنها تختبئ تحتها حنانًا لم يكتشفه أحد سواها، كانت تحب فيه هذا التناقض، وتشتاق دومًا للغوص في أعماقه لتتحسس وجنتيه بنعومة وابتسامة خفيفة ونغمة لا تخلو من الدلال والمناوشة:ـ طب ما اناي اهنه اهو ، واجفه جدامك ملك يمينك ، اعمل ما بدالك يا جلب "رحمة" واني هتجبل منك أي عاصفة اشتياق بصدر رحب .
اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوة منه تعني تحدّيًا لصبره، وتعني لها عزة في أنوثتها، لكنها قاومت، كعادتها، واختارت أن تقف متماسكة، رغم أنها كادت أن تنهار بين ذراعيه،وقد اقترب حتى بات بينه وبينها شبرٌ واحد، ينظر في عينيها نظرة تعرف جيدًا معناها:ـ "هضمّك جواي بس اتحمَلي بجي جبروت ابن البنان المحروم من حضن مرته .
شعرت برجفة تسري في أطرافها، لكنها ما زالت متشبثة بتلك اللعبة الجميلة، لعبة القرب والتمنّع، لعبة النساء التي لا يجيدها سواها، لكن عينيه جعلتاها تفقد اتزانها للحظة لتقول بصوتٍ خافت وهي ترفع رأسها لتثبت نظرتها في عينيه:ـ "يعني ناوي تفتكر دلوك إنك هتحبني؟ بعد ما سيبتني أتقلب في الوحدة وأني جنبك يا ابو جلب حجر .
تقلّصت المسافة بين جسديهما، لكنه لم يمسّها بعد، وكأن لمسةً واحدة ستشعل الكون، وستفتح أبوابًا من الضعف والشوق، لم يُردها أن تُفتح سريعًا، بل أرادها أن تنكسر أمام رجولته شيئًا فشيئًا ليهمس بصوتٍ أجش، فيه نبرة احتياج ورغبة لا تحتمل التأجيل:ـ أني مهبحبش أبرّر ، بس لما بكون بَعيد، ببجى شايل الدنيا على دماغي وكل لحظة بتعدي علي من غيرك، بحس إني مطايقش حالي وهخانق دبان وشي .
أشاحت بنظرها قليلًا، وكأنها تخشى أن يقرأ في ملامحها ما تخفيه، لكنها لم تبعد كثيرًا، فقد كانت كل ذرة فيها تشتاق لاحتوائه، لوجوده، لرائحته، لكنها فقط أرادت أن تعرف: هل هو ما زال يراها كما كانت؟لتنطق بصوت مرتعش، لكنه ما زال يخبّئ قوة امرأة تعرف من تكون وهي تمسح في صدره كالقط الوديع :ـ "وإنت فاكر إني كنت مرتاحة وانت هتبعد كل يوم عن حضني ؟ اني من غيرك بتوه توهة انت دليلي يا "ماهر" .
لم يتمالك نفسه، رفع يده ببطء، ولمس طرف خدها بطرف أصابعه، كأن لمسته تحمل آلاف الاعتذارات التي لا تُقال، ثم أحاط وجهها بكفّيه، وقال كلماته كمن يُقسم على صدر السماء بصوت منخفض، يشبه تنهيدة موج عائد للشاطئ:ـ طب أديني رجعت لك بقلب مليان اشتياق، ومليان حب، وكل حاجة ناقصة فيا مش هتكمّل غير بيكي يا صغنن .
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحتبس دمعة، أو تحاول لجم عاصفة داخلها، ثم فتحتها ورفعت يدها تمسك بيده الموضوعة على خدها، وضغطت عليها برقة ونعومة وبصوتٍ هامس:ـ يا هلا وغلا بيك يا قلب وروح وعمر الصغنن .
اشتدت عاصفة الاقتراب بينهما كما يشتد الموج إذا عانق الصخر بعد طول غياب، لا رحمة في الاشتياق، ولا عذر في الحنين، كانت بين ذراعيه كأنها وطنه المفقود، وكأن صدره كان يفتقد أنفاسها كما يفتقد الجسد روحه حين تتيه، احتواها "ماهر" بين ضلوعه برجولة لا تعرف التراجع، وقبّـل وجعها قبل شفتيها، وبعينيه أخبرها كم أرهقته المسافة، وكم كان عناده مجرد صرخة خوف من حجم الحب الذي يسكنها ،أما "رحمة"، فقد أذابت كبرياءها بأناملها على وجهه، وكتبت بلمساتها على جسده قصيدة عشق ناري ، لم تحتج حروفاً، بل تناثرت همسًا وأنفاسًا لا تُفسَّر، كانت عنيدة، نعم، لكنها ما إن لامس دفء صدره روحها، حتى استسلمت بكامل كبريائها، كأنها لم تكن يومًا سيدة الممانعة ،التصقت به كأنها تختبئ من العالم، وكأنها تقول له بلغة الجسد؛ "أحبك رغم كل شيء"، فردّ عليها بلغة أكثر وحشية، أكثر رجولة، أكثر امتلاكًا ،تسابقا في الجنون، في الإقتراب، في كسر كل ما بينهما من جليدٍ عنيد، وكان كل منهما يشتهي الآخر كأنه لم يره من قبل، لم يكن مجرد لقاء جسد، بل اشتعال روحين كان بينهما آلاف الكلمات المؤجلة، وكمٌ هائل من الرغبة المخبأة تحت وسائد العناد، لم تكن قبلاته تلامس بشرتها فقط، بل كانت تقتحم أعماقها، تُشعلها، تُوقظ أنوثتها من نومها الطويل، وظلت هي تهمس له بصمتها، بصدرها الملتصق به، بدموعها التي لم تنزل بل احترقت على جفنيها، أنها لم تملك يومًا مهربًا منه، ولن تملك وكانت تلك اللحظة، رغم جنونها، لحظة خلاص، لحظة عناق بين العاشقين، حين يتلاشى الزمن، ويذوب العناد، وتنتصر الرغبة في لحظة حبٍ لا تعرف التراجع.
********كان الصباح يزحف على أطراف الغرفة بهدوء، كأن الشمس تخشى أن توقظ من ناموا على وعد الحب، غير أن "أشرف" لم ينتظر الضوء، كان مستيقظًا قبله، يتقلب في الفراش كمن لدغته نحلة الشوق، نظر إلى "فاطمة" التي تنام على الطرف الآخر من السرير، متكوّرة كقطة صغيرة، وغطاؤها يرتفع وينخفض بأنفاسٍ هادئة، ووجهها نائم في براءة تُغري بالمشاكسة،مال ناحيتها، وبصوتٍ هامس لا يخلو من المقالب قال:
ـ يا صباح الجمال على وش القمر،قومتي؟ ولا لسه في عالم السنافر؟
لم ترد، لكنه لمح حركة خفيفة في زاوية فمها كأنها تكتم ابتسامة، فعلم أنها مستيقظة، لكنها تتغافل، وهنا شعر أنه آن أوان اللعب ،اقترب منها أكثر وهمس في أذنها:
ـ بصي لو ما قمتيش دلوقتي، هتشوفي الوجه التاني لـ"أشرف" هتشوفي الجنرال بيتنطط لك هنا في الأوضة ، هفتح لك الشباك، وأغرقك بشمس يوليو في عينيكي، وبعدين هغني لك ذهب الليل وطلع الفجر والعصفور صوصو، بصوتي اللي يخلي العصافير تهاجر!.
فتحت "فاطمة" عينيها بتثاقل، وما إن رأته يضحك كالأطفال، حتى عضّت شفتها وغطت وجهها بالملاءة، ثم تمتمت:
ـ قوم يا "أشرف" خليني أنام شوي أني لسه ما خدتش نفسي من اللي حوصل امبارح، جاي تهزر من بدري اكده؟!
رد وهو يمد لسانه:
ـ لا يا حبيبتي انا خلاص خلصت نوم وانتِ كمان هتقومي من النوم اجباري علشان تجهزي لي فطار وتعامليني معاملة الملوك في يوم اجازتي وانت كل يوم بتبقي نايمه وبتشخري وتسيبي جوزك حبيبك يروح الشغل من غير فطار ، قوم يا بطبط علشان مش هحلك النهاردة .
اعتدلت "فاطمة" في جلستها وجلست على طرف السرير، تغطي صدرها بالغطاء، وشعرها المبعثر قد تناثر حول وجهها كستار شفاف، ثم قالت بخجل:
ـ إنت كان لازم تصحيني بالشقلوب؟ يعني ما فيش صباح الخير ناعم كده، ولا بوسة على الراس، ولا اي كلمتين من اللي هيعملهم الراجل ويا مرته لما يصحيها من النوم .
رفع حاجبه كأنه يمثل مشهد درامي وقال:
ـ والله أنا ناوي أقولها، بس لما شفت منظر الشعر الغجري الذي يسافر في كل الدنيا ده، نسيت كل حاجة!
قالها وهو يشير لشعرها المنكوش، وعينيها المتورمتين من النوم، فأطلقت ضحكة خفيفة، ثم رمته بالوسادة وهي تقول:
ـ يا قليل الأدب، هو دي ذوقك وصباحك؟ طب قوم حضّر فطارك بدل ما تفضل تتمسخر علي.
أمسك الوسادة وضربها بها ضربة تمثيلية كأنه داخل حرب، ثم صاح:
ـ مش هحضر حاجة، أنا راجل شرقي،لازم مراتي تصحى تحضر لي الفطار، وأنا أقعد على السفرة أستنى ولو ما عملتيش كده، هبعت لأمك تقولك جوازنا باطل!
قامت "فاطمة" وهي تكاد تتعثر في الغطاء، وقالت بتهديد وهمي:
ـ ماشي، طيب يا "أشرف"، والله ما هعملك غير شاي بكركديه سخن علشان يهدّ أعصابك، ومعاه بيضة مسلوقة ناشفة تطلع لك تراب في بقك، هو ده الفطار بتاع الرجالة الشرقيين!
وضع يده على صدره وكأنه تلقّى طعنة:
ـ كده يا فاطمة؟ بيضة ناشفة؟ ده أنا كنت فاكرك هتعملي لي فول بالسمن، وطعمية مقرمشة، ومربة مشمش، وشاي بحليب!
اقتربت منه بخطوات محسوبة وقالت:
ـ مش إنت الراجل الشرقي؟ قوم اعمل لنفسك يا باشا، دي المساواة بقى مش انت بتقول هتحب المودرن والفاهمين؟ولعلمك بقى اني عايزه أتعامل معاملة بطة جدو علي تصحى من النوم تغطس وتعوم وهات يا لعب وهات يا نوم ما ليش اني في حوار الزوجة اللي تفطر جوزها دي خالص.
رفع حاجبيه وقال:
ـ بس أنا بحب الفاهمة اللي بتفهم إن الرجالة صباحهم بيبدأ بلقمة حلوة، مش نكد وضرب بالوسايد يا "بطة" ما ليش انا في الجو ده بلا بطة جدو علي بلا بطة جدو حسين.
ضحكت "فاطمة" ثم اتجهت إلى الحمام، لكنها قبل أن تدخل، استدارت نحوه وقالت بخبث:
ـ بقولك إيه، لو قعدت تعيط شوية وأني جوه، ممكن أطبخ لك بيضتين بدل واحدة.
رمقها بنظرة فيها تمثيل الذل والخضوع، ثم تظاهر أنه يجهش بالبكاء:
ـ هو ده جزاء اللي استناكي أربع سنين؟ هو ده؟ دموعي بتنزل ،طب يا ناس شوفوا مراتي هتذلني علشان تفطرني.
دخلت الحمام وضحكت ضحكة خفيفة، وتركته يمثل في الخارج مسرحية درامية لا تنتهي،
بعد قليل، خرجت "فاطمة" من الحمام، ترتدي قميصًا بسيطًا بلون السماء، وشعرها لا يزال مبللًا يتدلّى على كتفيها، ووجهها متورد من حرارة الماء والحياء ،كانت تتحرك في الغرفة بخجلٍ، كأنها تمشي على أطراف الضوء،توقّف "أشرف" عن التهريج فجأة، ثم قال ببطء وهو يتأملها:
ـ إيه الجمال ده؟ هو أنا رجعت تاني ليلة الدخلة ولا إيه؟ طب ده أنا لازم أعملك زفة تاني من السرير للمطبخ!
خفضت "فاطمة" بصرها وهمست:
ـ خلّي عندك دم، مش كل مرة تقعد تسبل لي اكده وتحرجني.
اقترب منها، ووضع يده على كتفها برقة، ثم قال بنبرة أكثر دفئًا:
ـ والله يا "بطبط"، لو كل يوم أصحى على وشك ده يبقى كتر خير الدنيا كفاية عليا ضحكتك دي، دي فيها أكتر من ألف صبّاح.
هزّت كتفها محاولة أن تُبعد يده بخفة، لكنها لم تقاوم كثيرًا، ثم قالت بنعومة:
ـ طيب قوم بقى يلا علشان نفطر يا سيدي الرومانسي انت .
قال وهو يغمز:
ـ طيب بس عندي شرط.
ـ خير؟
ـ الفطار يكون على السرير ومعاه بوسة مجانية فوق البيعة!
نظرت إليه بصدمة، ثم قالت بسرعة:
ـ هو إحنا في فندق ولا في بيت؟ قوم يلا يا "أشرف" قبل ما أرجع أنام تاني وتصحيني بكركديه فعلاً!
ضحك، ثم اندفع خلفها إلى المطبخ وهو يغني بصوته المزعج:
ـ بطبط يا بطبط ، يا حتة سكره خلقك ضيق قاسينه بمسطرة يا أجمل من المربى على العيش السخن يا سكرة
وانطلق النهار عليهما كما ينبغي أن يبدأ ،خفة دم، ودفء، وكسوف، وضحكة من القلب، تملأ البيت قبل الشمس. **********
هبت نسمات المساء على أرجاء المزرعة، تداعب أشجار الجميز والنخيل، فيما خيّم السكون على المكان إلّا من أصوات الطيور العائدة إلى أعشاشها، وصهيل بعيد من أحد الخيول داخل الإسطبل،كان "عمران" جالسًا تحت مظلّة خشبية تتوسط حديقة المزرعة، على مقعد بسيط من القش، ينظر نحو غروب الشمس الذي لوّن الأفق بدرجات من البرتقالي والذهبي، ويداه متشابكتان في هدوءٍ تام،لم تمر دقائق حتى اقتربت منه الدكتورة "نور" تمشي بخطواتٍ ثابتة، تمسك بملف صغير، وعلى وجهها علامات التوتر،وقفت أمامه، ثم قالت بصوتٍ منخفض وهي تنظر إليه مباشرة:– "مساء الخير يا بشمهندس "عمران"، معلش مضطرة أبلغك بحاجة مش كويسة.
رفع عينيه إليها ببطء، وعيناه امتلأتا بالقلق قبل أن يتكلم، بصوته العميق ولهجته الروجولية التي لا تخطئها الأذن:–خير يا داكتورة ،فَرَسة منهم حوصل لها حاجة؟
أومأت برأسها في حزن:– آه للأسف "لمّة"حالتها مش مستقرة خالص، بعد ما كشفت عليها، شكيت في بداية إصابتها بـ'داء الحوافر المزمن' وده مرض مؤلم جدًا للخيل، وبيأثر على حركتهم بشكل كبير.
ظلّ صامتًا للحظات، ثم مال بجذعه للأمام، ووضع كفيه على ركبتيه، قبل أن يهمس وكأنّه يخاطب أحد أبنائه:– "لمّة؟ يا ساتر يا رب! دي أغلى فَرَسه عندي يا داكتورة، دي أنا مربّيها من يوم ما كانت مُهره صَغيرة.
نظرت "نور" إلى ملامحه في تلك اللحظة، فرأت شيئًا لم تعهده في وجوه الرجال الذين عرفتهم، لم يكن فقط حزنًا، بل انكسارًا صامتًا، يتسلّل من بين السطور المتماسكة في هيئتهثم قالت بتردّد:– أنا آسفة، بس لفت نظري حاجة، إنت بتحبهم أوي كده؟ أقصد الخيل بالنسبة لك مش بس شُغل أو تجارة، صح على ما أعتقد؟
اعتدل في جلسته، ثم نظر نحو الإسطبل البعيد كأنّه ينظر إلى أرواح تسكنه، وقال ببطءٍ يحوي صدقًا شديدًا:– الخيل حداي مش بس حيوانات، دول أهلي وونسي من واني طفل صغير كل واحد فيهم ليه حكاية ،لمّة داي مثلًا، كانت بتنهج وهي بتجري عشان صَدرها ضعيف، فضّلت شهور أقعد جنبها، أدفّيها ببطانية وأرضّعها بلبن صناعي علشان تقوى ،فقولي لي بربّك، ينفع أنسى داي أو محسش بالحزن على مرضها؟
شعرت "نور" أن قلبها اهتزّ، ليس من حكاية الفرسة، بل من الطريقة التي حكاها بها ،نبرة صوته، عمق مشاعره، عينيه اللتين لم تخشيا أن تُظهرا التأثّر كان مختلفًا ،ثم ابتسمت في حياء وهي تهز رأسها:– "أنا بشتغل في المجال ده من سبع سنين، لكن عمري ما شفت حد بيحب الخيل كده، الصراحة، إنت مختلف جدًا يا بشمهندس "عمران" عندك وفاء تجاه الفرسان مشفتهوش قبل كده .
ردّ وهو يُخفض بصره في احترام، ثم قال بصوت حزين كحاله:ـ وكيف مهكونش ليهم وفي وهما ليا أوفياء عمرهم ما بتغيروا في محبتهم ليا كيف البني ادمين ما عتتغير طباعها والسنين هتخليهم أنانين مهيشوفوش غير حالهم .
صمتت نور لثوانٍ، ثم قالت محاولة أن تخفف من الجو الكئيب:– "طيب إحنا هنبدأ العلاج فورًا، بس محتاجين نتابع كل يوم، وأحب أكون أنا اللي أشرف بنفسي على كل حاجه تخص الفرسة ده لو ما كانش يضايقك يعني؟
هز رأسه بامتنان، وهو يقول:– لكِ السماح يا داكتورة إنتي من يوم ما جيتي المزرعة وقلبي مطمئن للخيل، ربنا يجعل تعبك في ميزان حسناتك.
ابتسمت في هدوء، ثم جلست على المقعد المقابل له، وأخرجت من الملف بعض الأوراق، وبدأت تشرح له الخطة العلاجية،في تلك اللحظة، كانت "سُكون" تقف في شرفة الطابق العلوي، ذراعاها مسنودتان على السور الحجري، ووجهها يعكس مزيجًا من الصدمة والضيق،لم تكن تسمع ما يُقال، لكن عينيها رأت كل شيء،رأت "عمران" وهو يجلس بهدوء أمام امرأة جميلة حد الفتنة، ملامحها مصرية أصيلة، تتحدث إليه بثقة، وهو ينصت إليها بكل احترام واهتمام ،رأت ضحكتها الخفيفة، وجلوسها المقابل له، ولمحت في عينيها نظرة لا تُخطئها النساء، نظرة إعجاب، وشيء آخر لا تستطيع أن تُسميه، لكن قلبها أحسّه ،
شعرت كأن نـ.ـارًا اشتعلت في صدرها، نارًا باردة لكنها مؤلمة، تمدّدت في شرايينها ببطء،تراجعت خطوة إلى الخلف، وداخلها يسألها:ليه وجعاني النظرة دي؟ وليه حسيت إنها كانت بتبص له مش كدكتور إنما كراجل؟
اما في الأسفل، كانت الجلسة قد صارت أكثر هدوءًا فقالت نور وهي تنظر إليه نظرة أطول من اللازم:– "عارف؟ أنا أول مرة في حياتي أقعد مع حد وأحس بالأمان ده، يمكن عشان كلامك صادق، أو يمكن عشان فيك حاجه نادرة.
قطّب "عمران" حاجبيه قليلًا، ثم قال بحزم مهذّب:– "كتر خيرك يا داكتورة ،بس أني راجل عادي جداً هيتهيئ لك .
ضحكت بخفّة، ثم ردّت وقد تبدلت معالم وجهها للحزن وقد تذكرت ماحدث لها من جنس الذكور وما جعلها ترى في "عمران" أنه مختلف حقا:– أنا كمان مش بحب المجاملات، بس بحب أعترف بالحقيقة ويمكن الحقيقة المرة بجد إن الرجالة اللي زيك نادرين.
أشاح بوجهه نحو الغروب، وقال بنبرة أقرب للهمس:– هتصدقي لو قلت لك إن الندرة ساعات بتكون نقمة مش نعمة.ساد الصمت بينهما، لم يقاطعه سوى صوت الرياح وهي تمر بين أوراق الأشجار،ومن بعيد، كانت "سُكون" ما تزال واقفة، تُراقب، دون أن تدري هل تغار عليه كزوج؟ أم كراجل سكن قلبها دون إذن؟ربما كانت لحظة عابرة،وربما كانت بداية حرب صامتة لم تُعلن بعد ،
كانت الحاجة "زينب" تجلس على المقعد الخشبي خلف نافذة الصالون، تُطلّ على الحديقة الهادئة التي ما عادت هادئة في عينيها، هناك في ذلك الركن الظليل تحت شجرة التوت، كان عمران يجلس بجواره تلك الدكتورة الجديدة، لم تكن المسافة بينهما ضيقة، ولا الأحاديث المعلنة تحمل ريبة، لكنّ نظرات "نور" كانت تحمل اهتمامًا زائدًا، وعين "عمران"رغم التشتت كانت تستمع، تنصت، تتجاوب ،رفعت "زينب" بصرها إلى البلكونة، فوجدت "سكون" واقفة شاردة، يديها مشبوكتان، ووجهها جامد كأنّها تمثال من خيبة، غير أنها حين التفتت نحو الحديقة، اشتعلت في عينيها شرارة لم تخفَ على الأم ، كانت تلك نظرة امرأة تستفيق من غفلة، نظرة أنثى أحسّت أن ما تُهمله، قد يُؤخذ منها ذات لحظة،تنهدت "زينب" بحرقة وهي تتذكر أنها نصحتها ألف مرة :ـالراجل مش بيتساب يا بتي، الراجل لو مهتمّتيش بيه، غيرك هيشوف فيه اللي إنتِ ناسياه.كانت تشعر أن البيوت لا تنهار صخبًا، بل بصمتٍ يتسلّل من بين الشقوق الصغيرة، وها هي ترى الشق يتّسع، والنـ.ـار تتهيّأ للدخول،
حدس الأم لا يُخطيء؛ العلاقة بين "سكون" و"عمران" مثقلة بصمتٍ مريب، وتلك الدكتورة "نور" ليست بريئة النظرات، و"عمران" ابنها رجل كأيّ رجل، إن وجد اهتمامًا في عيون امرأة، مال القلب وإن لم يُدرِك العقل.
•