تحميل رواية «النهاية التي لم اختارها» PDF
بقلم ايات عاطف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
النهارده بجد اليوم كان تحفة. - معلش يا ليلي، أنا مشغول دلوقتي. هكلمك بعدين، باي. اتنهدت بهدوء: - باي. *** أنا مضايقة أوي بجد، محتاجة أتكلم معاك. فاضي؟ - لا، مش فاضي يا ليلي معلش. نبقى نتكلم بالليل. شوفت المسدج، ورميت الموبايل بخنقة، وما ردتش عليه. أصل بجد، هفضل لأمتى كده؟ هفضل لأمتى بيعاملني كأني مش موجودة؟ يظهر وقت ما هو عايز، ويختفي وقت ما هو عايز. أنا تعبت! *** عدى أسبوع. ما جاليش منه ولا مسدج واحدة يطمن فيها عليّ. للدرجادي أنا مش مهمة في حياته؟ شوية، وموبايلي رن. جريت عليه أرد زي المغفلة، فك...
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل الأول 1 - بقلم ايات عاطف
النهارده بجد اليوم كان تحفة.
- معلش يا ليلي، أنا مشغول دلوقتي.
هكلمك بعدين، باي.
اتنهدت بهدوء:
- باي.
***
أنا مضايقة أوي بجد، محتاجة أتكلم معاك.
فاضي؟
- لا، مش فاضي يا ليلي معلش.
نبقى نتكلم بالليل.
شوفت المسدج، ورميت الموبايل بخنقة، وما ردتش عليه.
أصل بجد، هفضل لأمتى كده؟
هفضل لأمتى بيعاملني كأني مش موجودة؟
يظهر وقت ما هو عايز، ويختفي وقت ما هو عايز.
أنا تعبت!
***
عدى أسبوع.
ما جاليش منه ولا مسدج واحدة يطمن فيها عليّ.
للدرجادي أنا مش مهمة في حياته؟
شوية، وموبايلي رن.
جريت عليه أرد زي المغفلة، فكرته هو.
لكن للأسف، طلع رقم الدكتور بتاعي.
- ألو.
إزي حضرتك يا دكتور؟
- أنا تمام الحمدلله.
أنا بس نتيجة التحاليل طلعت.
كنت محتاجك تيجي العيادة يا ليلي.
محتاج أستفسر منك على حاجة.
رديت باستغراب:
- ماشي يا دكتور، أجي لحضرتك إمتى؟
- كمان ساعة لو تحبي.
- خلاص، ماشي يا دكتور.
مع السلامة.
قفلت مع الدكتور وأنا حاسة قلبي دقاته بتسرع.
يا ترى هو عايزني في إيه؟
آخر مرة كنت عنده، قالي إني كويسة، بس أعمل التحاليل دي.
ولما نتيجتها تطلع هيكلمني.
أكيد خير.
مش هقلق نفسي.
***
فضلت قاعدة قدام الدكتور، عيني عليه ومش عارفة أرد.
كررت كلامه بصوت واهن:
- لوكيميا؟!
- بس إزاي يا دكتور؟
أنا التعب اللي حسيت بيه عادي يعني، مش لدرجة لوكيميا!
رد بأسف، وصوته فيه ثقل:
- أنا آسف يا ليلي.
بس دي الحقيقة.
ليلي، إنتِ عندك كانسر في الدم.
- بس أنا مش عايزك تقلقي، إن شاء الله هتتعالجي وهتبقي أحسن.
إحنا بس محتاجين نعمل شوية أشعة وفحوصات.
نشوف الورم ده خبيث ولا حميد.
- إنتِ معايا يا ليلي؟
- ليلي؟
مكنتش سامعة حاجة.
صوت الدكتور بقى بعيد قوي، كأنه بيكلمني من آخر الدنيا.
كل حاجة حواليّ بقت ضباب.
إيدي بردت، وقلبي بينبض بسرعة وجسمي بيتقل.
قمت، سيبته وخرجت من العيادة.
بمشي في الشوارع بلا هدف.
الناس ماشية رايحة جاية، وأنا حاسة إني مش شايفة حد.
الهوا بيخبط في وشي، بس مفيش إحساس غير الفراغ.
***
ما جاش في بالي غير سليم.
رنيت عليه وبدعي إنه يرد.
أول ما رد، اتكلمت بصوت مخنوق:
- سليم، أنا محتاجاك أوي.
أنا..
قاطعني:
- ليلي، أنا في ميتنج دلوقتي معلش.
هكلمك بعدين، باي.
قفل من غير ما يسمع ردّي.
ساعتها حسيت رجلي مش شايلاني، فقعدت على الرصيف.
العربيات حواليّ بتمشي، وأصوات الكلاكسات مش واصلة لوداني.
حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
حتى الشخص الوحيد في حياتي.
متجاهلني ولا كأني موجودة.
أنا مش عارفة أكلم مين.
أنا لوحدي.
من غير صحاب، ولا أهل، ولا قرايب.
أنا.
لوحدي.
***
وصلت بيتي بخطوات تقيلة.
كل خطوة كانت بتحسّسني إني شايلة الدنيا على كتافي.
فتحت الباب، ورميت الشنطة على الكرسي.
وقعدت على السرير من غير حتى ما أفتح النور.
طلعت الموبايل من جيبي، ولقيت إشعار بمسج جديدة.
قلبي دق غصب عني.
فتحته بسرعة.
كان منه: "معلش يا حبيبتي والله غصب عني."
قريت الجملة أكتر من مرة، بس مفيش أي إحساس جوايا.
وكأن الكلمة ما عدتش ليها نفس المعنى.
قفلته وحطيته جنبي من غير ما أرد.
قعدت أبص في السقف، وأفكّر.
هو أنا هقدر أواجه ده لوحدي؟
هبدأ منين؟
وهخلص إمتى؟
والأهم.
هو في حد هيفضل جنبي للآخر؟
الليل كان ساكت، بس جوايا عاصفة.
وأنا مش عارفة هتوديّني فين.
مديت إيدي تاني للموبايل، وبصيت على الرسالة من جديد: "معلش يا حبيبتي والله غصب عني."
فضلت أقرأها مرة ورا التانية، بس كل مرة بحس إنها جملة فاضية، زي بالونة مفرغة من الهوا.
اللي بجد محتاجاه منه مش اعتذار.
أنا محتاجة وجوده.
بس هو عمره ما كان موجود وقت ما كنت محتاجاه.
إيدي بدأت تتحرك لوحدها، كتبت كلمة واحدة:
- أنا مش عايزة أكمل.
أنا تعبت.
وقبل ما أرجع في كلامي، ضغطت "إرسال".
رسالة قصيرة، لكنها كانت زي نقطة نهاية لجملة طويلة مليانة وجع.
***
بعد ثواني، الموبايل بدأ يرن.
اسمه على الشاشة بيزيد ضربات قلبي.
بس المرة دي مش من الشوق، من الحزن و الغضب منه.
رديت أول مرة بصوت هادي، لكنه متوتر في الطرف التاني:
- ليلي، ما تكبريش الموضوع.
إنتِ عارفة إني كنت مشغول.
سكت، وحسيت دموعي بتلف في عيني، لكن قلبي بيقول "كفاية".
قفلت السكة من غير ما أرد.
بدأ يرن تاني، وتالت.
ورابع.
صوته بقى في المسدجات:
- ليلي ردّي، ما تبقيش عنيدة.
ليلي بلاش تعملي كده.
بهدوء، دخلت على كل حاجة بتربطنا.
واتساب.
فيسبوك.
إنستجرام.
حتى رقم الموبايل.
"بلوك" واحدة ورا التانية.
كل ما أضغط "بلوك" بحس إني بقفل باب ورايا.
ولما الشاشة بقت فاضية من اسمه، حسيت فراغ أكبر من الأول.
***
سندت راسي على الحيطة، وأنا بفكر.
دلوقتي أنا فعلاً بقيت لوحدي.
اللي كان حتى بالاسم "معايا" خلاص مش موجود.
لحظة صمت طويلة، سمعت فيها صوت نفسي بيجاوب عليا:
"هو كده كده طول عمرك لوحدك، حتى وهو موجود."
الكلمة دي وقعت جوايا زي حجر.
لأنها الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول الوقت.
الليل كان تقيل، والشقة أهدى من أي وقت.
لكن جوا دماغي كان في دوشة.
دوشة أسئلة مالهاش رد، وخوف مالهوش آخر.
حسيت إني واقفة على حافة جديدة.
والمرة دي.
مفيش إيد هتمدّ لي عشان تمنعني من الوقوع.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل الثاني 2 - بقلم ايات عاطف
صحيت تاني يوم على صوت المنبه اللي كنت ناسيه إني مشغلاه من الأساس.
فتحت عيني بالعافية، وحسيت إن جسمي تقيل، كأن حد رابطني في السرير.
قعدت أبص في السقف شوية، وبعدين غمّضت تاني…
يمكن كنت مستنية أحس إن اللي حصل امبارح كان كابوس.
لكن الحقيقة كانت واقفة قدامي جوه دماغي، واضحة ومؤلمة.
"أنا عندي كانسر."
الجملة دي فضلت بتتكرر جوايا زي صدى بيدب في الحيطان الفاضية.
قمت من السرير بخطوات بطيئة، دخلت المطبخ، عملت كوباية شاي…
مسكتها بين إيديا بس ما شربتش.
كنت بفكر… هل أنا هكمل العلاج؟ ولا أستنى لما…
لا... مسحت الفكرة دي من دماغي بسرعة.
رجعت الأوضة، مسكت الموبايل، وقعدت أبص عليه دقيقة كاملة قبل ما أفتح الكونتاكتس وأدور على رقم الدكتور.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا بسمع صوت الرنّة…
"ألو، صباح الخير يا ليلي، إزيك؟"
"صباح النور يا دكتور… أنا… أنا موافقة."
"موافقة على إيه بالظبط يا ليلي؟"
"إني أعمل الفحوصات والأشعة اللي حضرتك قولت عليها."
سمعت نفسه في السماعة، وكأنه كان مستني الجملة دي من امبارح.
"كويس جدًا. هنبدأ بأشعة مقطعية وفحوصات دم شاملة، وبعدها هنحدد خطة العلاج. تقدري تيجي النهاردة؟"
بصيت حواليا في الشقة… الكوباية على الطرابيزة، الشنطة مرمية على الكرسي، والهدوم اللي كنت لابساها امبارح لسه متعلقة على الشماعة.
"أيوه، هاجي النهاردة."
قفلت مع الدكتور، وحسيت إن في حاجة تقيلة اتحركت من على صدري…
لكن في نفس الوقت، في حاجة تانية تقيلة نزلت مكانها.
زي ما تكون أول خطوة للأمام… بس في طريق طويل، مظلم، ومفيهوش أي ضمان إني أوصل للآخر.
وقفت قدام الدولاب، بدور على هدوم مريحة…
ومع كل قطعة بشوف نفسي في مراية صغيرة على الباب.
وشي شاحب… عنيا مجهدة… لكن جوايا حاجة صغيرة بتقول: "لسه في أمل."
طلعت من البيت بعد ما قفلت الباب ورايا، حسيت نسمة هوا باردة بتخبط في وشي.
مسكت الشال كويس حوالين رقبتي، ومشيت على الرصيف بخطوات سريعة، كأني عايزة أخلّص الطريق قبل ما أفكر فيه.
الشارع كان زحمة… عربيات رايحة جاية، ناس بتجري عشان تلحق أشغالها، وأصوات البياعين في الخلفية.
بس أنا كنت حاسة إني ماشيّة في فيلم صامت، كل الأصوات متقطّعة، وكأني سامعاها من تحت الميّة.
وصلت المستشفى، ووقفت شوية قدام البوابة قبل ما أدخل.
مبنى كبير، لونه أبيض، ريحته مميزة…
الريحة اللي بتجمع بين مطهّر قوي وخوف مكتوم.
وأنا داخلة، شفت ناس قاعدة في الاستقبال… وشوش مختلفة، لكن في عينيهم نفس النظرة: قلق… وانتظار.
طلعت بطاقتي، واديتها للموظفة عشان تسجل بياناتي.
ابتسمتلي ابتسامة سريعة وقالت:
"اتفضلي يا أستاذة ليلي، الغرفة رقم ٣ في الدور الأول، هتلاقي الممرضة هناك."
مشيت في الممر، كل خطوة كان صداها بيرجعلي، كأن المستشفى فاضية رغم الزحمة.
عيني وقعت على باب عليه ورقة مكتوب عليها "قسم الأشعة المقطعية".
وقفت قدامه لحظة… وحسيت إيدي بتتعرق.
فتحت الباب ودخلت، لقيت الممرضة بابتسامة هادية:
"أهلا يا أستاذة ليلي، إحنا بس هنعمل الأشعة دي، مش هتاخد وقت خالص."
حطيت شنطتي على الكرسي، وبدأت أخلع الإكسسوارات والموبايل زي ما قالت.
الماكينة الكبيرة في نص الغرفة كانت شكلها غريب… دايرة بيضا بتلمع أضويتها، والسرير اللي بيخش جواها زي النفق.
الممرضة ساعدتني أستلقي، وقالت بصوت مطمئن:
"هتحسي بس ببرودة بسيطة من المادة اللي هنحقنها، وبعدين هتسمعي صوت الماكينة… ما تقلقيش."
قعدت أركز في سقف الأوضه عشان ما أبصش للماكينة.
لما بدأت تتحرك، الصوت العالي خلاني أغمض عيني…
وكل الأفكار بدأت تهاجمني مرة واحدة:
"يا ترى النتيجة هتكون إيه؟"
"هو أنا قوية كفاية؟"
"لو مفيش حد جنبي… هكمل إزاي؟"
خلصت الأشعة، وشكرتهم وأنا خارجة.
بس وأنا في الممر، حسيت رجلي بتبطّأ من تلقاء نفسها… زي ما قلبي مش عايز يوصّلني للخطوة اللي بعدها.
بعد ما خلصت كل الفحوصات، أخدت الورق ورجعت على الاستقبال.
الدكتور قالي قبل ما أمشي:
"النتايج هتكون جاهزة بعد يومين… استريحي وحاولي ما تفكريش كتير."
ابتسمت ابتسامة صغيرة ما وصلتوش، وخرجت من المستشفى.
الهوا برا كان أبرد، والشمس قربت تغرب.
وأنا ماشية، كنت حاسة إني سايبة جزء مني جوا المبنى ده… جزء مليان خوف، وجزء تاني بيحاول يتمسك بالأمل.
الشمس كانت خلاص بتودع اليوم، لونها برتقالي دافي، لكن جوايا البرد مسيطر.
وقفت ثواني عند البوابة، خدت نفس عميق، وبصيت للطريق قدامي… حسيت إن خطواتي تقيلة أكتر من الصبح.
ركبت تاكسي، وقعدت أبص من الشباك… الشوارع مليانة ناس راجعة من شغلها، أطفال بيجروا، وأصوات بياعين بتنادي.
كل ده كان بيمر قدامي كأنه فيلم صامت… الصوت الوحيد اللي سامعاه هو صوت دقات قلبي.
وصلت للشارع بتاعي، نزلت من التاكسي، ودخلت الشارع اللي فيه بيتي.
كنت حاسة إني خلاص هرتاح لما أوصل، لكن…
عيني وقعت عليه.
"سليم".
واقف قدام العمارة، مسند ضهره على العربية بتاعته، وإيده في جيبه، وعينيه بتدور حواليه كأنه مستني حاجة، أو حد.
وأنا شوفت الحد ده… كنت أنا.
وقفت في نص الشارع، رجلي اتحجرت، مش قادرة أتحرك خطوة.
قلبى بدأ يدق بسرعة، مش عارفة من الغضب ولا من حاجة تانية.
هو شافني.
عينيه اتسعت شوية، وابتسم ابتسامة باهتة… كأنه مش عارف إذا كان مسموح له يبتسم ولا لأ.
مشيت بخطوات بطيئة لحد ما قربت، لكن وقفت على بعد مترين منه.
لا أنا بادرت بالكلام، ولا هو.
الدنيا كانت ساكتة حوالينا، حتى أصوات الشارع كأنها اختفت.
هو خد نفس عميق، وبدأ يمشي ناحيتي… كل خطوة بيقرب بيها كنت بحس إني عايزة أرجع ورا، لكن رجلي ما استجابتش.
لحد ما وصل قدامي، ومد إيده يمسك إيدي.
برد إيده كان غريب… أو يمكن أنا اللي كنت بردانة.
بص في عينيّ مباشرة، وصوته كان هادي لكن فيه ارتباك:
"ليلي… إنتِ ليه اختفيتي كده؟ أنا مش فاهم إيه اللي حصل… وإزاي فجأة قررتي تسيبيني."
سكت ثانية، وبعدين كمل:
"أنا آسف… آسف بجد. عارف إني كنت مقصر معاكي، ويمكن كنت أناني… بس والله ما كان قصدي أوجعك."
أنا ما كنتش قادرة أرد.
عينيا كانت ثابتة في وشه، لكن جوا دماغي مشاهد كتير بتتقلب:
المكالمات اللي ما ردش عليها، الرسائل اللي اتجاهلها، اللحظات اللي كنت محتاجاه فيها وهو اختار يكون بعيد.
كنت عايزة أصرخ فيه: "فينك كنت لما كنت بموت من الخوف؟"
لكن الحنجرة خانتني، والكلام اتكتم.
هو قرب أكتر، وصوته اتكسر وهو بيقول:
"ليلي… إديني فرصة أصلح اللي حصل. أنا مش قادر أتخيل حياتي من غيرك."
سحبت إيدي ببطء من إيده… حسيت ببرودة فورية في صوابعي، بس كمان حسيت إن في حمل اتشال من على كتفي.
بصيت له نظرة طويلة، من غير ما أنطق بكلمة.
لفيت وطلعت السلم… كل خطوة فوق كانت زي إغلاق باب في وش الماضي.
وهو… فضل واقف تحت، بصتي الأخيرة ليه شفت فيها مزيج من حزن واستسلام.
لكن أنا كنت عارفة... إن المرة دي مش هسمح لقلبي يوجعني تاني.
عدّى يومين…
يومين تقال كأنهم شهرين.
النهار والليل بقوا شبه بعض، نفس الفراغ، نفس القلق، ونفس الإحساس اللي ما بيسيبنيش: "يا ترى النتيجة هتقول إيه؟"
كنت قاعدة في الصاله، التلفزيون شغال على أي قناة، لكن وداني مش سامعة حاجة.
كل حركة بسيطة في البيت كنت بعملها ببطء، كأني ماشية وسط مية تقيلة.
الموبايل جنبي على الترابيزة، وكل شوية عيني بتروح عليه… خايفة يرن وفي نفس الوقت مستنياه يرن.
الليل الأول عدّى وأنا مش قادرة أنام، عينيا مفتوحة، سقف الأوضة بيبصلي وأنا ببصله.
الليل التاني… حاولت أشغل نفسي بالقراءة، لكن الحروف كانت بتتوه مني.
حتى الأكل… بقى ملوش طعم، اللقمة بتقف في نص حلقي.
كنت بفتكر كلام الدكتور: "هنعرف إذا كان الورم حميد ولا خبيث لما النتيجة تطلع."
الجملة دي بقت بتدوي في دماغي طول الوقت، كأنها شريط مش بيرحم.
وفي تاني يوم، بعد العصر، الموبايل أخيرًا رن.
اسمه ظهر على الشاشة: "د. خالد".
قلبي اتقبض… حاسة إني مش قادرة أمد إيدي أرد، لكن صوابعي اتحركت غصب عني.
"ألو…"
صوتي كان مبحوح، كأني صحيت من كابوس.
"مساء الخير يا ليلي… أنا النتيجة وصلت، وعايزك تيجي المستشفى النهارده لو تقدري، نتكلم فيها."
صمتي كان أطول من اللازم… وهو كرر:
"إنتِ معايا يا ليلي؟"
"آه… آه يا دكتور، معاك."
"أجي إمتى؟"
"تيجي أول ما تقدري، أنا مستنيكِ."
"حاضر."
قفلت الموبايل وبصيت حواليّا، كل حاجة في البيت بدت غريبة…
الكنبة، الستارة، حتى فنجان القهوة الفاضي على الترابيزة.
كأن المكان بيودعني أو بيحضّرني لحاجة هتغير حياتي.
قمت ألبس، إيديا بترتعش وأنا بربط رباط الشوز.
بصيت في المراية… عينيّ كانت مجهدة، وجواهم لمعة خوف مش قادرة أخفيها حتى عن نفسي.
الطريق للمستشفى كان طويل أوي… أو يمكن أنا اللي كنت بحسه طويل.
كل إشارة مرور، كل زحمة عربية، كانت بتزود التوتر.
جوايا كان في صوت صغير بيقول: "يمكن خير… يمكن الدكتور هيقول مفيش حاجة خطيرة."
لكن في نفس الوقت، كان في صوت تاني أعمق وأهدى، بيقول: "استعدي للأسوأ."
وأنا داخلة المستشفى، ريحة المطهرات ضربت في مناخيري…
الريحة دي دايمًا بتخليني أحس إني في عالم تاني، عالم مليان وجع وأمل في نفس الوقت.
خطواتي على الأرضية اللامعة كانت بطيئة، وكأن كل خطوة بتقربني من الحقيقة اللي مستنياها.
وصلت قدام أوضة الدكتور…
مديت إيدي على مقبض الباب، وقلبي بيخبط كأنه بيحاول يهرب من صدري.
وأنا داخلة… حسيت إن الوقت بيبطّأ، وإن كل حاجة حواليّ بتبهت، إلا صوت أنفاسي.
دخلت الأوضة…
الدكتور كان قاعد ووشه جاد، مش مبتسم زي كل مرة.
على مكتبه كان فيه ورق كتير، لكن ورقة واحدة كانت محطوطة قدامه، كأنه كان بيستناها من بدري.
"اتفضلي يا ليلي…"
صوته هادي، لكن فيه حاجة وراه… حاجة مخبية ثقل.
قعدت قدامه، وقلبي بيخبط في ضلوعي.
عيني علقت على الورقة…
"دي النتيجة؟"
هز راسه بالإيجاب، وبصلي نظرة طويلة قبل ما يتكلم.
"ليلي… أنا مش هلف ولا هدوّر. النتيجة بتأكد إن الورم… خبيث."
الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي صخرة…
"خبيث."
كنت سامعاها، لكن مش مستوعباها.
كأن مخي رفض يسجّلها.
"إحنا لازم نبدأ العلاج فورًا… هنعمل خطة علاجية بالعلاج الكيماوي، وممكن نحتاج نقل دم في بعض الفترات."
كان بيشرح، لكن كلامه بقى ضبابي…
أنا مش سامعة إلا صوت نبضي في وداني.
حسيت الأرض تحت رجلي بتترج، والهوا في الأوضة بقى تقيل، صعب أتنفسه.
إيدي مسكت طرف الكرسي كأني بتشبث بالحياة نفسها.
في لحظة، الصور اتزاحمت في دماغي…
أنا على سرير المستشفى… شعري بيقع… إيدي ضعيفة…
سليم مش موجود…
الصالة فاضية… البيت فاضي… وأنا فاضية.
حاولت أفتح بوقي، أقول حاجة… لكن طلع صوتي واطي أوي:
"يعني أنا… عندي سرطان فعلًا."
الدكتور هز راسه بأسف:
"آه يا ليلي… لكن لسه بدري، ولسه عندنا فرصة كبيرة نعالجه."
أنا ما رديتش… عيني بقت تلمع بالدموع، بس كنت بحاول أتمالك نفسي.
مش قدامه… مش دلوقتي.
بعد ما خلص كلامه، سلّمني ورقة فيها تفاصيل التحاليل والعلاج، وقال:
"خدي يوم ترتبي نفسك، وبعدين تيجي نبدأ."
قمت من غير ما أنطق كلمة…
الباب اتقفل ورايا بهدوء، لكن جوايا كان في صوت صرخة مكتومة، صرخة مليانة خوف ووحدة.
خرجت من المستشفى، والهوا البارد ضرب في وشي فورًا.
كان الليل ابتدى ينزل، والسما لونها رمادي غامق، والشارع ريحته مبلولة من مطر خفيف كان نازل من شوية.
وقفت لحظة قدام باب المستشفى، بتلف يمين وشمال، مش عارفة أروح فين…
البيت؟ لا… مش قادرة أرجع دلوقتي وأقعد مع أفكاري بين أربع حيطان.
رجلي خدتني من غير ما أفكر… على البحر.
يمكن عشان البحر هو المكان الوحيد اللي بيستحمل وجعي، والوحيد اللي مابيحكمش عليا.
وصلت، والبرد كان قارس، والهوا بيقرص وشي، لكن ماهمنيش.
قعدت على الرملة، قدامي المية وهي بتموج بهدوء، وكل موجة بتحسّسني كأنها بتاخد معايا حاجة من همي… أو يمكن بتزوده.
كنت باخد نفس عميق، أحاول أهدّي العاصفة اللي في دماغي… أفكر إيه اللي جاي، أبدأ منين، وأخلص إزاي.
وفجأة… سمعت خطوات جاية من ورايا.
اتقربت الخطوات لحد ما شميت ريحته… الريحة اللي حافظاها حتى وأنا مش عايزاه.
بصيت جنبي، لقيته… سليم.
قعد من غير ما يستأذن، قعد بالظبط على المسافة اللي بتخليه قريب أوي… وقريب زيادة عن اللزوم.
بابتسامة صغيرة كأن مفيش حاجة حصلت، قال:
"كنت متأكد إني هلاقيكي هنا."
أنا ما بصيتش عليه… عيني على البحر، لكن قلبي بيخبط أسرع.
بهدوء مخنوق بالوجع قلت:
"ابعد عني يا سليم… أنا مش مستحملة."
هو ما سكتش… بالعكس، صوته بقى فيه عصبية:
"ليلي، أنا بجد قولتلك إني آسف، وأنتِ مكبرة الموضوع! عندك ايه بعني مخليكِ مش طايقة حتى تكلميني؟"
لفيت عليه فجأة، وصوتي ارتفع من غير ما أتحكم فيه، والدموع نطّت من عيني:
"اللي عندي؟ اللي عندي يا سليم إني عندي كانسر! سرطان يا سليم! بينـهش في جسمي كل يوم وأنا حتى مش عارفة أعمل إيه… أنا عايشة بعداد أيام، وكل يوم بيعدي أنا مش عارفة هفوق فيه ولا هخلص!"
اتسمر مكانه… صوته انكتم، وعينيه اتسعت.
أنا كملت بنفس النبرة الموجوعة:
"فـسيبني أعيش الكام يوم اللي فاضلين ليا زي ما أقدر… من غير وجع زيادة، من غير غيابك وحضورك اللي بيقتلني أكتر من المرض نفسه."
سكت. هو سكت تمامًا.
اللي كان بيجادل ويعلّي صوته من شوية، فجأة اتشلّ كلامه.
كان بيبصلي وكأنه أول مرة يشوفني، وأول مرة يفهم إني خلاص مش نفس البنت اللي كانت مستنياه يرد على مسدجاتها.
أنا وقفت، ورجلي غرست في الرملة وأنا ماشية بعيد عنه.
الهوا كان بيلف شعري ودموعي بتنزل، والبحر بيغطي على أي صوت ورايا.
بس حسيت إن نظراته لسه في ضهري… نظرات صدمة وذنب، يمكن لأول مرة يحس بيهم.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل الثالث 3 - بقلم ايات عاطف
رجعت البيت، قفلت الباب ورايا، وحسيت إني داخلة مقبرة مش بيت. الهدوء كان خانق، ولا صوت غير أنفاسي اللي بتتهز. رميت شنطتي على الأرض وقعدت جنبها. في الأول حاولت أتمالك نفسي، لكن الدموع غلبتني. انهارت، انهارت على كل حاجة. عيطت على سليم، على غيابه، على كل مرة احتجته وما لاقيتهوش. عيطت على السرطان اللي قرر يقتحم حياتي فجأة، ويسرق مني أمان كنت متشبثة بيه. عيطت على أهلي اللي ماتوا وسابوني لوحدي، والسؤال اللي بيقتلني كل يوم: ليه محدش فضل جنبي؟
كنت بكلم نفسي وأنا بعيط: أنا لوحدي، دايمًا لوحدي، ليه كله بيمشي؟ ليه أنا اللي لازم أتحمل ده كله؟
مديت إيدي على الرف، مسكت صورة قديمة، حضنتها وأنا ببكي زي طفلة: "نفسي أرجع يوم واحد بس بيوم واحد أكون فيه بخير، من غير خوف، من غير وجع."
دموعي كانت بتغرق وشي، وصوتي بيتكسر مع كل كلمة: أنا تعبت، تعبت أوي، ومش قادرة أكون قوية أكتر من كده. فضلت أعيط لحد ما حسيت صوتي راح، وعنيا ورمت من كتر البكا.
اترميت على الكنبة، جسمي تقيل، كأني فقدت آخر ذرة طاقة عندي. وأنا ممددة هناك، ببص في السقف والدموع ناشفة على خدي. جوايا لمعة صغيرة، ضعيفة جدًا، لكنها موجودة. بتقولي إني رغم كل ده، لسه عايشة.
وفجأة، الموبايل رن. بصيت عليه بعيون مورمة، رقم غريب. اترددت، بس في الآخر ضغطت "رد".
ثواني صمت، وبعدين سمعت صوته.
"ليلي.."
جسمي قشعر. كان سليم. إيديا تجمدت على الموبايل، وعقلي بيصرخ: "اقفلي، اقفلي دلوقتي!"
لكن قلبي، كان عامل زي طفل صغير لقى حضن كان مفتقده.
سمعته بيقول بصوت متقطع، صوت عمري ما سمعته منه قبل كده، مخنوق بالدموع: "بترجاكي، ما تقفليش... اسمعيني بس، دقيقة واحدة... أنا مش قادر أعيش من غيرك."
اتسمرت في مكاني. أول مرة في حياتي أحس صوته ضعيف، مهزوم، موجوع. أنا اللي كنت متعودة أسمع صوته دايمًا واثق، مليان عناد أو غضب. لكن دلوقتي، كان بيتكسر قدامي. فضلت ساكتة، دموعي نزلت تاني من غير ما أحس. يمكن لأني لأول مرة صدقت إنه بيتألم بجد.
هو بيحاول يتكلم وأنا سامعة نفسه بيتقطع: "ليلي… والله ما كنتش عايز أوصلنا لكده… أنا غلطت، غلطت كتير… بس بترجاكي ما تسيبينيش."
والمرة دي، أنا ما قفلتش. ما قدرتش. سيبته يتكلم، وسيبت قلبي يسمع صوته اللي كأنه بيرجعني لكل اللي حاولت أنساه. فضلت سايبة الموبايل على ودني، وصوته كان بيتكسر كل ثانية أكتر. كان بيعتذر، يكرر نفس الكلمة كأنه غريق بيحاول يتشبث بأي حاجة…
"سامحيني يا ليلي… والله ما كنتش قصدي أوجعك… أنا كنت غبي، ما تقفليش، أرجوكي ما تقفليش…"
ولأول مرة في حياتي حسيت صوته مرعب، كأنه بيعيط، كأنه بيختنق من جوه. كنت سامعة كل حاجة، وسايبة نفسي أسمع، يمكن عشان قلبي كان لسه ضعيف قدامه. بس كل صورة قديمة عدت قدام عيني في ثانية: غيابه، الوحدة، السرطان، كل حاجة.
والدموع نزلت من غير ما أحس. لقيت نفسي بقول بصوت متكسر:
"أنا مش هقدر يا سليم… أنا آسفة…"
قفلت الخط بسرعة، وكأني بقفل باب كان لازم يتقفل من زمان. الموبايل فضل يرن بعدها، مرة واتنين وتلاتة… وأنا ببص فيه ومش قادرة أرد. لحد ما في الآخر قفلته خالص، ورميته جنبي. بس المشكلة إن صوت رناته ما سكتش في دماغي… وأفكاري ما وقفتش. كنت بحاول أهرب، بس الحقيقة إني محبوسة جوا صراعاتي أنا.
قررت في الآخر أقفل عيني، يمكن أرتاح شوية… يمكن النوم يرحمني من دوشة دماغي. غطيت وشي بالبطانية، وبكيت لحد ما تعبت، لحد ما جسمي خلاص سلّم للنوم.
---
صحيت تاني يوم، عيني تقيلة ووشي مورم من كتر البكاء. مديت إيدي على الموبايل… ولقيته بيرن. بصيت، لقيته رقم الدكتور. رديت عليه بصوت مبحوح:
"الو يا دكتور."
سمعت صوته الهادي: "صباح الخير يا ليلي… عاملة إيه دلوقتي؟"
مكنتش متوقعة إني ألاقي حد بيسألني بالسؤال ده، حسيت بحاجة غريبة جوايا. قلتله وأنا بحاول أبين إني كويسة:
"الحمدلله يا دكتور… أنا كويسة."
ابتسم في صوته وقال بلطف: "أنا عارف إنك بتحاولي تبيني قوية، بس أنا كطبيب لازم أطمن عليكي بجد. وعايز أكلمك في موضوع مهم… نقدر نتقابل النهارده في كافيه قريب من المستشفى؟"
اتلخبطت، وسألته باستغراب:
"هو في حاجة حصلت يا دكتور؟"
قال وهو بيحاول يطمني أكتر: "مفيش حاجة تخوف… لما أشوفك هقولك، بس خليني أأكدلك إن ده كله لمصلحتك."
وافقت بعد تردد، وجهزت نفسي وروحت الكافيه.
---
لقيته قاعد مستنيني، أول ما شافني وقف بابتسامة صغيرة وشاور على الكرسي قصاده:
"تعالي، ارتاحي."
قعدت وأنا قلبي بيدق بسرعة، حاولت أقرأ ملامحه وأفهم هو عايز يقول إيه. ابتدا كلامه بهدوء:
"ليلي، أنا عارف قد إيه الفترة اللي جاية هتكون مش سهلة عليكي. جلسات الكيماوي مرهقة، ومش بس لجسمك، لنفسيتك كمان. وإنتي عايشة لوحدك من بعد ما أهلك اتوفوا."
حسيت دموعي بتلمع في عيني من غير ما أتكلم. كمل هو وهو بيبصلي بعطف: "أنا مقولتش ده عشان أوجعك… أنا قولته عشان أكون صريح معاكي. الفترة دي مينفعش تقضيها لوحدك في البيت. هتكوني محتاجة رعاية، وناس حواليكي يطمنوا عليكي. علشان كده أنا شايف إن الأفضل ليكي تتحجزي في المستشفى."
سكت شوية كأنه عارف إن الكلمة تقيلة عليا، وبعدين قال بلطف: "وأنا هكون معاكي هناك… مش هسيبك لوحدك، وهتابع معاكي خطوة بخطوة. مش عايزك تخافي."
أنا سكت، كنت بفكر في كل كلمة. فكرة إني أبقى محبوسة في المستشفى خوفتني، حسيت إني هكون محبوسة جوا مرضي. بصيت له بعين مليانة قلق وقلت بصوت مكسور:
"أنا مش عارفة يا دكتور. فكرة إني أبقى في المستشفى طول الوقت مخوفاني."
هو مد إيده على الترابيزة، كأنه بيحاول يقرب مني بالكلام من غير لمس: "بالعكس يا ليلي دي مش حبس. دي حماية ليكي. علشان تبقي في مكان متابعينك فيه لحظة بلحظة، وعلشان وقت التعب تلاقي اللي يساعدك فورًا. وأنا هكون جمبك، مش كطبيب بس كصاحب كمان."
اتنهدت وأنا ماسكة إيدي بإيدي بقوة… كنت محتاجة وقت أستوعب، بس في نفس الوقت جزء مني ارتاح إنه مش هيسيبني أواجه ده لوحدي. ابتسم الدكتور وهو بيبصلي وقلب نبرة هادية كأنها بتمسح شوية من خوفي:
"بصي يا ليلى… اعتبرينا بقينا أصحاب من دلوقتي. أنا مش مجرد دكتور وخلاص، أنا معاكِ خطوة بخطوة."
الكلمة دي نزلت على قلبي كأنها أول مرة حد يقولي إنه مش هيسيبني. لقيت نفسي بابتسم ابتسامة صغيرة ضعيفة بس كانت طالعة من جوايا بجد. هزيت راسي وقلت:
"تمام… أنا موافقة."
وشه نور، وقالي: "حلو قوي. يبقى من بكرة هنبدأ صفحة جديدة. أنا هكون خلصت كل الإجراءات وحجزتلك في المستشفى، وأستناكي هناك."
فضلت ساكتة شوية… مستوعبة إن دي يمكن أول مرة في حياتي ألاقي حد بيطمني بالشكل ده. حسيت إن يمكن مش كل حاجة سودا زي ما انا متخيله.
---
ليلى كانت قاعدة مع الدكتور في الكافيه، الجو حواليها لأول مرة حست إنه أهدى من جواها. كلامه طمنها، وإحساس الأمان اللي زرعه جواها كان بيكبر كل دقيقة. خلصت كلامها معاه، قامت وهي ناوية ترجع البيت تلم هدومها عشان تجهز لبكرة.
لكن قبل ما تتحرك من الكرسي، الباب اتفتح ودخل منه سليم مع اتنين من صحابه. ضحكتهم العالية كانت ملفتة، واحد من صحابه وقفه وهو بيبص ناحيتها وقال بدهشة:
"إيه ده مش دي ليلى؟ ومين اللي قاعد معاها ده؟"
سليم وقف مكانه اتجمد ثواني، وبعدها وشه اتغير فجأة. الدم غلي في عروقه، الغيرة والشك خنقوه. خطا خطوات سريعة ناحية الترابيزة، وبدون تفكير مسك إيدها بعنف وقال بصوت مليان عصبية:
"هو ده بقى اللي سبتيني عشانه؟! قوللي بقى إن حكاية الكانسر دي كانت كدبة عشان تخلعي، مش كده؟!"
ليلى اتجمدت مكانها، عينيها اتسعت من الصدمة والدموع اتجمعت بسرعة. كلمات سليم وقعت عليها زي طعنة، كأن كل اللي مرت بيه مش كفاية، وكأنها محتاجة تبرر وجعها اللي أصلاً بيموتها.
الدكتور وقف فورًا، خطوته كانت واثقة وصوته قوي، شد إيده من على ليلى وقال بحدة:
"احترم نفسك، ما تتكلمش معاها كده. أولاً، هي مش مضطرة تكذب عليك أو تمثل إنها عندها سرطان. وثانيًا… أنا الدكتور المشرف على حالتها، وأنا اللي متابعها من أول يوم."
الكلمات دي نزلت كالصاعقة على سليم، وشبه شاحب، عيناه اتكسرت فجأة. الإحساس بالذنب بدأ ينهش قلبه، إزاي سمح لنفسه يشك فيها؟ إزاي رماها بالتهمة دي وهي أصلاً بتحارب مرض قاتل؟
ليلى كانت واقفة بينهم، عينها مليانة دموع، مش دموع ضعف لأ، دموع وجع وانكسار. بصت له نظرة أخيرة، بصوت مهزوز لكنه مليان قوة قالت:
"عارف يا سليم… يمكن لو كنت صبرت شوية، لو كنت صدقتني كان ممكن أسامحك. بس خلاص… من جوايا أي فرصة كانت موجودة انتهت. أنا مش عايزة أعرفك تاني."
سكتت لحظة، كأنها كانت بتدفن كل ذكرى ليهم سوا. بعدين سحبت نفسها من المكان ولفت، دموعها نازلة وهي ماشية بعيد… بعيد عنه، وبعيد عن أي وجع جابه لحياتها.
سليم فضل واقف مكانه، صوته مكتوم وهو بيناديها: "ليلى.. استني، أنا آسف."
لكنها ما رجعتش، ما التفتتش حتى. هو وقف يتفرج عليها وهي ماشية، وشعور الندم بيأكل فيه. أما هي، لأول مرة من زمان طويل، مشيت بخطوات ثابتة وهي عارفة إنها مش هتسمح لحد يكسرها تاني. قررت إنها هتعيش الكام يوم اللي فاضلين ليها لنفسها وبس.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل الرابع 4 - بقلم ايات عاطف
خلصت لم هدومي…
كنت بحط قطعة ورا التانية في الشنطة وقلبي بيتقبض.
كل هدوم ليا معاها ذكرى، كل لون، كل ريحة…
حتى الكوفية اللي ماما كانت بتلفهالي في الشتا.
حسيت إني مش بلم هدوم، أنا بلم حياتي كلها جوا شنطة صغيرة.
قبل ما أخرج من الأوضة، وقفت أبص حواليّ.
الحيطان دي اللي شافتني وأنا بضحك وأنا بعيط، الكرسي اللي قعدت عليه بالساعات أكتب في دفتري، كأني بودع بيت عمري كله.
خدت نفس طويل وقلت لنفسي:
"يلا يا ليلى… خطوة جديدة."
نزلت بالشنطة، كنت ماسكاها بقوة كأنها آخر حاجة مخلّيانة واقفة.
قدام باب المستشفى لقيته واقف. خالد…
أول ما شافني ابتسم ابتسامة دافية، ابتسامة حسستني إن يمكن الموضوع مش مخيف زي ما أنا فاكرة.
ابتسم و قال:
"أهلا يا ليلى، جاهزة؟"
ما عرفتش أرد، هزيت راسي وخلاص.
دخلنا سوا.
الممرات طويلة وريحتها كلها معقمات وأدوية… كان قلبي بيرتعش مع كل خطوة.
فتح باب أوضتي، وقال:
"دي هتبقى أوضتك الفترة الجاية، اعتبريها بيتك."
دخلت أبص حواليّ… سرير أبيض، دولاب صغير، شباك داخله منه شمس.
المكان بارد وغريب… بس حسيت جوايا إنه يمكن يكون بداية جديدة.
حطيت الشنطة على السرير، وقعدت جنبه، رجلي ما كانتش قادرة تشيلني.
بص لي وقال:
"إنتي ترتاحي النهاردة، وبكرا إن شاء الله نبدأ أول جلسة كيماوي."
بصيت له، وقلت بهدوء:
"شكرا يا دكتور خالد."
ابتسم وقال:
"خالد بس يا ليلى… إحنا بقينا صحاب خلاص."
الكلمة دي لمستني من جوه… حسيت إني لأول مرة من فترة طويلة مش مجرد "مريضة".
ابتسمت غصب عني، ابتسامة صغيرة، وقلت:
"تمام يا خالد… شكرا."
وقتها عرفت إني يمكن مش هواجه الرحلة دي لوحدي.
بعد ما مشي خالد، قعدت على السرير… حسّيت كأني غريبة في مكان مش بتاعي.
ريحة المعقمات عاملة زي ريحة الغربة… باردة وقاسية.
حاولت أقنع نفسي إن ده "بيت مؤقت"، لكن قلبي مش راضي يصدق.
كنت عايزة أعيط، بس مفيش دموع… كأن عيني خلاص جفّت من كتر اللي عدّى.
قمت من على السرير، رحت ناحية البلكونة الصغيرة اللي في الأوضة.
فتحت الباب، والهوا البارد دخل بسرعة ولفّني، كأنه بيحضني بحنان قاسي.
وقفت أبص من فوق، الدنيا هادية، والليل ساكن… بس جوايا دوشة كبيرة.
وأنا غرقانة في أفكاري، فجأة سمعت صوت هادي يقطع الصمت:
"إنتِ جيتي هنا بإرادتك، ولا غصب عنك برضه؟"
اتخضّيت، قلبي دق بسرعة… لفيت بسرعة ناحية مصدر الصوت.
لقيت شاب واقف في البلكونة اللي جنب أوضتي.
عيونه كانت سودة غامقة، فيها وجع وسخرية في نفس الوقت، كأنه فاهم كل حاجة ومش فارق معاه يقولها بصوت عالي.
اتلعثمت شوية قبل ما أرد، وبصيت له بحذر:
"مش عارفة… حاسة إن الاتنين."
ابتسم ابتسامة صغيرة مالهاش تفسير، وقال:
"ما تقلقيش، شوية وهتتعودي. الوضع في الأول بيخوف، بس بعدين بيبقى أهدى من اللي انتِ متخيلاه."
كلامه دخل جوايا كأنه بيعترف بحاجة أنا مش قادرة أقولها لنفسي.
فضلت أبصله ثواني طويلة، وبعدين غصب عني ابتسمت… ابتسامة صغيرة، مش عارفه ايه سببها، بس صادقة.
لفيت وقررت أدخل عشان البرد بدأ يتسرب في جسمي.
كنت على وشك أسحب الباب، لكنه وقفني بصوته:
"معرفتش اسمك."
بصيت له من جديد، وحسيت إن السؤال بسيط بس تقيل… كأني بقوله عني من غير ما أحكي حكاياتي كلها.
تنفست بهدوء ورديت:
"ليلي."
وشه نور بابتسامة صافية وهو يرد:
"مُراد."
سكت لحظة وبعدين أتكلم:
"شكلنا هنبقى صحاب يا ليلي."
الكلمة دي نزلت على قلبي زي دوا. معرفش ليه حسّيت إن وجوده هيخفف من الوحدة اللي كنت متأكدة إنها هتخنقني هنا.
اكتفيت بابتسامة بسيطة، وقلت:
"يمكن."
دخلت الأوضة وسحبت الباب ورايا.
رجعت للسرير، ورميت نفسي عليه.
لوهلة حسّيت إن أوضتي ما بقتش باردة زي أول مرة دخلتها… حسيت إني لأول مرة من فترة طويلة مش وحيدة بالدرجة اللي كنت متخيلاها.
غمضت عيني، والابتسامة لسه معلّقة على شفايفي.
يمكن دي أول ليلة من زمان أنام وأنا حاسة بشوية راحة.
صحيت تاني يوم بدري، من غير ما المنبه يرن ولا حتى الممرضه تندهلي.
مكنتش عارفه أنا صحيت من نفسي ولا من القلق اللي مكنش عايز يسيبني لحظه من امبارح.
قعدت في السرير دقايق ببص حواليا في الأوضه… ريحتها جديده عليا، كل حاجه مترتبه بعنايه، حتى الملايه بيضا أوي لدرجة إنها حسستني بغربه.
مكنتش بيتي… بس حاولت أقنع نفسي إنها هتكون مأمني في الفتره الجايه.
بعد شويه دخلت الممرضه، معاها صينيه عليها الفطار.
ابتسمتلي وقالت:
"صباح الخير يا آنسه ليلي، لازم تفطري كويس النهارده."
فضلت أبص للأكل من غير نفس، بس غصب عني حاولت أكل… عشان أبان قدامهم قويه، حتى لو أنا من جوايا منهاره.
وأنا باكل كنت بفكر… هو جسمي هيستحمل اللي جاي؟ ولا أنا ببدأ رحله مليانه ألم مالوش آخر؟
خلصت أكل وقعدت على الكرسي جنب السرير.
مسكت دفتري اللي مافارقنيش من أول ما عرفت إني مريضه.
بدأت أكتب:
"أنا خايفه ،خايفه من الوجع اللي بيتقال عليه في كل مكان… خايفه من شكلي اللي هيتغير… خايفه من نظرة الناس، بس يمكن أكتر حاجة رعباني هي فكرة إني ممكن أضعف… ومبقاش أنا ليلي اللي كنت دايمًا واقفه عاند الدنيا."
الكلمات نزلت معايا زي الدموع… كل جملة بكتبها كأني بفضي جزء من قلبي المثقل.
قبل ما ألحق أكمل كتابتي، دخلت الممرضه تاني.
ابتسمت ابتسامة صغيره وقالتلي:
"يلا يا ليلي، جهزي نفسك… دلوقتي معاد الجلسه."
حسيت قلبي بيخبط بسرعه… إيدي بردت فجأه.
قمت ببطء، ووقفت قدام المرايه الصغيره اللي في الأوضه.
بصيت في عينيا… كنت شايفه الخوف واضح، بس حاولت أبتسم لنفسي… كأني بقول "إنتي أقوى من كده".
وإحنا ماشيين في الممر الطويل حسيت رجلي تقيله.
كل خطوه كأنها بتاخد مني مجهود كبير.
لما دخلت أوضة الجلسات لقيت د. خالد مستنيني.
ابتسم ابتسامه هاديه وقال:
"صباح الخير يا ليلي… ما تقلقيش، أنا موجود جمبك. الجلسه الأولي ممكن تكون صعبه شوية، هتحسي بوجع أو إرهاق، بس هتعدي."
حسيت صوته فيه دفء غريب… زي ما يكون عايز يطمني بجد مش مجرد كلام دكتور.
بصيتله وأنا بحاول أخفي رعشة إيدي وقلتله بصوت واطي:
"أنا خايفه يا خالد… خايفه اوي."
قرب مني، وحط إيده بخفه على ايدي وقال:
"الخوف طبيعي يا ليلي… كل اللي في مكانك بيخافوا. بس صدقيني، كل مره هتطلعي أقوى. أنا مش هسيبك."
الكلمات دي نزلت عليا كأنها مسحت جزء من خوفي.
قعدت على الكرسي المخصص للجلسه… وبصيت للسقف.
حاولت أتنفس ببطء… وقلت لنفسي:
"دي البدايه… وأنا لازم أكون قدها."
خلصت أول جلسة… حسيت كأن جسمي كله بيتفتت من جوه.
الوجع مش بس في عروقي اللي استقبلت الكيماوي، لأ… ده كمان في قلبي، في روحي، كأن حاجة بتسحبني لتحت وأنا بحاول أتنفس.
كنت مرهقة لدرجة إني معرفتش أقاوم النوم، فسيبت عيني تتقفل يمكن أنسى… يمكن أهرب لحلم ملوش وجع.
صحيت بليل… لقيت الدنيا هادية بشكل غريب، غير صوت أنفاسي اللي لسه تقيلة.
حسيت ببرودة فشدّيت الشال عليا وخرجت أقف في البلكونة الصغيرة، يمكن الهوا يهدّي نار اللي جوايا.
وأنا واقفة هناك… لقيت مُراد واقف في بلكونته، كأنه كان منتظرني من بدري.
نظراته كانت مختلفة… مش مجرد فضول، لأ، كانت مليانة اهتمام حقيقي، كأنه عارف أنا محتاجة حد دلوقتي.
"مُراد".
كنت واقف في البلكونة من بدري، الهوى بيخبط في وشي وأنا سايب عيني على السما اللي مليانة سكون غريب… سكون يشبه اللي جوايا.
يمكن كنت مستنيها من غير ما أعترف لنفسي، كنت حاسس إنها هتطلع.
وفعلاً الباب اتفتح بهدوء، وظهرت ليلي.
كانت لابسة تقيل كأنها بتحارب البرد، بس وشها… وشها كان هو اللي مجمد.
فيه أثر تعب جديد، تعب مختلف عن اللي بشوفه في كل العيون هنا.
أول ما شفتها حسيت إن قلبي ارتج.
مش عشان جمالها، لا… عشان ملامحها اللي باينة عليها الحرب.
وقفت قدامي كأنها دخلة عالم تاني.
سابت نظرها يتوه في السما… وأنا فضلت أبصلها من بعيد، لحد ما لقيت نفسي بكسر الصمت، قلتلها بهدوء:
"حسيتِ بإيه؟"
الكلمة خرجت مني أبسط من اللي جوايا… بس كانت تقيلة كأنها مفتاح لقفل كبير.
بصتلي، عينيها اتسعت شوية، كأنها مندهشة إن حد سألها السؤال ده.
لوهلة، حسيت إنها محتاجة الكلمة دي من زمان.
هي قالتلي بصوت مبحوح، متردد كأنها خايفة تكشف ضعفها:
"حسيت بوجع… وجع مالي جسمي كله… وكأن كل خلية فيا بتصرخ. بس مش بس الوجع… حسيت بخوف،خوف من اللي جاي، من المرات الجاية، من نفسي اللي يمكن متستحملش."
فضلت تحكي… وأنا سايبها تحكي.
صوتها بيرتجف أوقات، وبهدأ أوقات، بس أنا مكنتش عايز أوقفها.
كنت سامع مش كلامها بس… سامع صرخة جواها.
ولما خلصت، خدت نفس عميق… وابتسمت ابتسامة صغيرة يمكن مليانة مرارة.
قلتلها:
"أنا عارف الإحساس ده… يمكن مش نفس الوجع بالظبط، بس نفس الخوف. أنا كمان عندي كانسر،..بس في الدماغ."
شفت عينيها وهي بتتسع أكتر، كأنها فجأة شافتني بوضوح لأول مرة.
مكنش فيه شفقة في نظرتها… كان فيه اندهاش واهتمام حقيقي.
سكتنا لحظة طويلة، كل واحد فينا غرق في صمته… بس الصمت ده ماكنش وحش.
كان فيه نوع من الراحة. كأننا لاقينا بعض، وسط كل الضياع اللي حوالينا.
ابتسمت ليلي أخيرًا… ابتسامة صغيرة جداً، بس كانت كفيلة إنها تسيب أثر.
وأنا رديت بابتسامة أكبر، وبهدوء قلت:
"شكلنا مش هنكون غرباء هنا… يمكن نصاحب بعض."
ولقيتها هزت راسها بخفة، من غير ما تقول كلمة. بس عينيها قالت كل حاجة.
ساعتها حسيت إن اللحظة دي بداية مش عادية. بداية لشيء أعمق من اللي كنا متوقعينه.
"ليلي".
رجعت أوضتي بعد ما وقفت مع مُراد شوية في البلكونة، ولسه صورة عينيه وهو بيبصلي بالهدوء ده بتطاردني… حسيت إن في كلام كتير مستخبي جوا نظراته، وحسيت إني لأول مرة من فترة طويلة مش وحيدة…
قعدت على السرير، سندت ضهري على الحيطة، وسرحت لقيت نفسي بفتكر كلامه، وصوته، وإزاي كان بيسمعني من غير ما يقاطعني.
ابتسمت ابتسامة صغيرة من غير ما آخد بالي…
لكن فجأة، صوت الموبايل قطع كل حاجة…
رسالة من رقم غريب.
فتحتها بكسل، وما كنتش متخيلة إن اللي مكتوب هيوقع قلبي بالشكل ده:
سليم خطب !!
فضلت أبص على الشاشة كأني مش مصدقة.
خطِب؟
بالسرعة دي؟
إزاي؟
والمفاجأة الأكبر… لما شُفت اسم البنت اللي اتكتب جنبه، البنت الوحيدة اللي عمري ما كنت برتاح لنظراتها، واللي طول عمري كنت بقول لسليم إني مش مطمنة ليها… هو اختارها!
حسيت إن في حجر تقيل وقع جوا صدري، نفسي اتسدت، وإيديا ارتعشت…
كل لحظة كنت فاكرة إنها حب حقيقي، كل وعد، كل كلمة… كله انهار قدامي في ثانية.
قد إيه كنت غبية لما صدقته!
قد إيه كنت واهمه نفسي إنه مش هيعرف يعيش من غيري!
سندت راسي على الحيطة، والدموع غلّبتني… نزلت رغماً عني، بس في النص وقفت، مسحتها بسرعة كأني مش عايزة أعترف إني لسه ضعيفة قدامه.
همست لنفسي وأنا بضغط على أسناني:
"لأ مش هديك الفرصة إنك تشوفني منهارة. مش هوريك اللي نفسك تشوفه. انت عايزني أبان ضعيفة… بس لأ. أنا هقف، وهكمل… وهوريك إني أقوى من غيرك، وإن حياتي عادي هتمشي، يمكن حتى أحلى من الأول."
شدّيت الغطا عليا، بس جوايا كان في حرب… حرب بين الوجع اللي مش قادره أسيطر عليه، والقوة اللي بحاول أبنيها…
غمضت عيني، وقُلت لنفسي آخر كلمة قبل ما أسيبني للنوم:
"أنا مش هتكسر… مش عشانه."
وهنا خلصت ليلتي، بين صدمة الوجع وبداية قرار… قرار إني أعيش من غيره.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل الخامس 5 - بقلم ايات عاطف
عدى أسبوع كامل.. أسبوع حسيت فيه إن كل يوم أطول من اللي قبله.
النهاردة كان معاد جلستي التانية… جسمي لسه بيوجعني من الأولى، وقلبي لسه مرعوب من اللي جاي.
وأنا قاعدة على السرير بعد ما رجعت أوضتي، كنت حاسة إني متبهدلة… مش بس من التعب، لأ، من الخوف اللي بقى زي الضيف اللي قاعد جوايا ومش عايز يمشي.
دخلت الممرضة، نفس الست اللي دايمًا بتجبلي الفطار وتاخدني للجلسه وتفكرني بشكل غريب بـ"أمي".
عنيدة في طيبتها… يمكن عشان في عينيها حاجة مطمّنة، حاجة بتحسسني إني مش لوحدي.
قربت مني، شالت الغطا اللي كنت متلفحة بيه وقالتلي بصوتها الدافي:
– إنتي تعبتِ انا عارفه، بس شوفي… ده تعب بيجيب شفا. استحملي، يا حبيبتي، وعدّيه.
بصتلها، وعيني دمعت من غير ما أحس… قلتلها بصوت مكسور:
– أنا خايفة… خايفة جدًا. ساعات بحس إني مش هكمل، وإن الجلسات دي هتكسّرني.
حطت إيدها على إيدي… حسيت إن لمستها شبه حضن أمي اللي مفتقداه.
– بصي يا ليلي، اعتبريني زي أمك. ولو عندك أي حاجة مخوفاكي أو مضايقاكي، قولبلي. أنا هنا مش بس عشان أساعدك، أنا هنا عشان أسمعك كمان.
أنا سكت… يمكن عشان الكلام وقف في زوري، يمكن عشان مش متعودة أفتح قلبي لحد.
بس لقيتني بقولها فجأة:
– أنا حاسة إني لوحدي… حتى سليم، اللي كنت فاكرة هيبقى معايا للآخر، اختفى.
ابتسمت بأسى، وبصتلي بنظرة كلها حنان وقالت:
– اللي يسيب وقت الشدة ما يستاهلش دمعة من عنيكي. إنتي أقوى من كده… ولازم تفكري إن ربنا بيشيل من طريقك اللي مش ليكي عشان يفضّلك مكان للي يستاهل وجودك.
الكلام نزل على قلبي زي ميه ساقعة في عزّ الحر… يمكن ما شلش وجعي كله، بس ريّحني شوية.
وحسيت إني فعلاً مش لوحدي، في حد سامعني، في حد قادر يحتوي خوفي.
وأنا ببص في عينيها حسيت إني ممكن أصدقها… يمكن لأول مرة من زمان.
***
بعد ما الممرضة خرجت، فضلت قاعدة دقيقة ساكتة… عيني متعلقة في الباب اللي اتقفل وراها، وحسيت فجأة إن الغرفة رجعت باردة تاني.
قمت من على السرير بخطوات تقيلة، كأن الأرض بتشدني لتحت.
وقفت قدام المراية… المراية اللي بقت عدوي الأول من ساعة ما دخلت المستشفي.
بصيت لنفسي… وش باهت، عيني فيها هالات سودة واضحة كأنها مرسومة بالقلم. شفايفي باهتة، وحتى جلدي باين عليه الإرهاق.
أنا مش دي… مش دي ليلي اللي كانت بتضحك وتداري وجعها بابتسامة.
أنا بقيت نسخة تانية… نسخة ضعيفة.
مديت إيدي لشعري، حسيت إنه ناشف ومش زي الأول… مررت صوابعي فيه، وفجأة لقيت خصلة كاملة وقعت في إيدي.
ساعتها اتجمدت… قلبي وقع قبل الشعر ما يقع.
بصيت في كفي… الخصلات السودة الصغيرة نايمة في إيدي كأنها دليل على إني فعلاً بتفتت، جزء جزء.
دموعي نزلت من غير استئذان… فضلت أبص في المراية، ولقيتني بتكلمها وكأني بكلم نفسي:
– هو أنا بختفي؟ هي دي النهاية؟
وقفت أعيط… دموعي كانت سخنة وبتجري بسرعة، وأنا ماسكة شعري بإيدي وكأني بحاول أرجّعه مكانه.
حسيت إني ضعيفة… أضعف من أي وقت فات.
رجليا تهزت، واضطريت أسند على المراية عشان ما أقعش.
كل صرخة جوايا كانت بتقولي: "استسلمي… مش هتقدري."
لكن وسط الانهيار ده… وسط الدموع اللي غرقوا وشي… سمعت جوايا صوت خافت، كأنه بيطلع من قلبي المكسور نفسه.
همست لنفسي، بصوت مرتجف:
– خليكي قوية يا ليلي… ما ينفعش تستسلمي دلوقتي. مش بعد ما مشيتِ المشوار ده كله… مش بعد كل التعب ده.
مسحت دموعي بظهر إيدي، وحاولت أثبت بصري في المراية… حتى لو شكلي مش عاجبني، حتى لو شعري بيتساقط، بس جوايا في حرب… وأنا الوحيدة اللي ينفع أنتصر فيها.
حطيت خصلة الشعر اللي وقعت على الكومودينو جنب المراية… وكأني بقول لنفسي: "ده جزء ضاع، بس مش أنا اللي هضيع."
رجعت أتنفس ببطء… دموعي لسه موجودة، بس كان فيها حاجة مختلفة… حاجة شبه العناد.
***
كنت لسه واقفة قدام المراية، عيني محمرة من البكا اللي حاولت أخبيه… فجأة سمعت صوت مُراد بينادي عليا من البلكونة:
– ليلي… إنتِ صاحية؟
مسحت دموعي بسرعة، كأني بخاف أتعرف، بخاف يبان ضعفي لحد… حتى له. لكن في حاجة في صوته خلتني أخرجله، كأني كنت محتاجة أسمعه.
لما طلعت، كان واقف مستني، عينه في عيني بترقب كل تفصيلة. حسيت إنه شايف أكتر من اللي بظهره.
قال بهدوء:
– تعالي ننزل نقعد تحت شويه… الهوا ممكن يغير مودك.
اترددت ثواني… بعدين لقيت نفسي بميل راسي وبقول:
– ماشي.
نزلنا مع بعض للجنينة، الليل كان هادي بشكل غريب، أصوات العصافير الخافتة، ريحة الورد اللي حوالينا… حاجه رجعتلي ذكريات بيوت زمان.
قعدنا على دكة خشب تحت شجرة كبيرة، ومُراد فضل ساكت شوية كأنه بيديلي مساحة أتكلم.
بصلي وقال:
– قوليلي بصدق… إنتِ كويسة؟
المرة دي محاولتش أخبي… التعب كان أكبر من أي محاولة تمثيل. رفعت عيني وبصوت مخنوق قلت:
– لأ… مش كويسة. كل حاجة جوايا بتوجعني. بحاول أتعامل… بحاول أدي لنفسي فرصة أتأقلم، بس ساعات بحس إني بنهار من جوا.
هو ما حاولش يقاطعني بالعكس، قرب مني بهدوء، ومد إيده يمسك إيدي. لحظة لمسته حسيت بدفا غريب، كأني لأول مرة حد يقولي من غير كلام أنا فاهمك.
بصلي بثبات وقال:
– أنا جمبك يا ليلي. أنا شايفك وفاهم وجعك. ومش محتاجه تمثلي إنك قوية طول الوقت. مش لازم تخبي مشاعرك عني… صدقيني مش لوحدك.
الجملة دي كسرت جدار جوة قلبي… طول عمري كنت بحس إني متسابه في نص الطريق، إني بحارب لوحدي. لكن كلماته وصلت لحتة محدش قبل كده لمسها.
لأول مرة من سنين، حسيت إني متشافه… مش مجرد مريضة، ولا مجرد بنت بتحاول تبان قوية. كنت "ليلي" اللي جواها خوف ووجع، وهو شاف ده من غير ما أقول.
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الدموع اللي فضلت محبوسة، وهمست:
– أول مرة أحس كده… إن في حد شايفني بجد.
مُراد ضغط على إيدي أكتر وقال:
– وهتفضلي متشافه… طول ما أنا موجود.
ساعتها، جوة قلبي اتحرك إحساس غريب… مش عارفة أسميه، بس كان مزيج من راحة ودفا، كأني أخيرًا لقيت مكان أقدر أتسند عليه ولو للحظة.
***
فضلنا ساكتين شوية، والجنينة حوالينا كلها هدوء غير صوت ورق الشجر اللي بيتحرّك مع الهوا.
كنت كل شوية أبص على إيده اللي لسه ماسكه إيدي من غير ما يسيبها.
حاجة جوايا كانت بتترعش… يمكن عشان دي أول مرة من سنين أحس إني مش مضطرة أخبّي وجعي.
مُراد قطع الصمت وقال وهو بيبص في عيني:
- ليلي… إنتِ طول الوقت بتحاولي تبيني إنك قوية، بس أنا شايف غير كده… شايف إنك جواكِ تعب كبير.
بصيت له باندهاش:
- إزاي فهمت كده؟
ابتسم ابتسامة دافية:
- يمكن عشان أنا كنت زيك… بضحك وأهزر وأبان قدام الكل عادي، لكن بالليل، أول ما باب الأوضة يتقفل، بواجه نفسي، وبفتكر كل حاجة.
الكلام وقع عليّا كأنه بيتقال من قلبي أنا… حسيت إني عايزة أفتح، عايزة لأول مرة أحكي من غير ما أكون خايفة من نظرة شفقة.
قلت ودموعي بتلمع في عيني:
– أنا فعلًا تعبت يا مُراد… كل يوم بحاول أقنع نفسي إني هبقى بخير، بس الحقيقة إني مش عارفة… مش قادرة أنسى، ومش قادرة أتأقلم.
شد إيدي بإيده أكتر، وقال بهدوء:
– وإيه يعني لو مش قادرة دلوقتي؟ مش لازم تفضلي لوحدك في المعركة دي… أنا موجود يا ليلي. مش عشان أحنّ عليكِ لأ، عشان نفسي أشوفك واقفة علي رجلك.
حسيت ساعتها إن قلبي اتزحزح من مكانه. لأول مرة أصدّق إن فيه حد ممكن يكون عايز يفضل جمبي من غير مصلحة.
سكت لحظة، وبعدها أنا اللي سألت:
– طب إنت يا مُراد… إيه اللي بيوجعك اوي؟
ابتسم ابتسامة باهتة:
– موت والدتي.. كان نفسي تفضل عايشه عشان اعرفها انا بحبها قد ايه..
لمست كلامه قلبي بطريقة غريبة… وقلت وانا ببص له:
– ممكن تكون راحت، بس أكيد كانت عارفة قد إيه بتحبها.
بصلي وقتها نظرة عميقة… نظرة حسّيت فيها إنه بيشوفني بوضوح، كأني أول مرة في حياتي ببان على حقيقتي.
جوايا كنت بقول لنفسي: هو إزاي قادر يخليني أبقى صادقة كده؟ إزاي أول مرة من سنين أحس إني مش وحيدة؟ هل ينفع يكون ده بداية حاجة جديدة… ولا أنا بوهم نفسي؟
هو قرب مني شوية وقال بهدوء:
– ليلي متخافيش من مشاعرك. متخافيش من ضعفك. أوقات الضعف مش معناه إننا مهزومين، بالعكس، ده اللي بتخلينا بني آدمين.
ضحكت بخفة وسط دموعي:
– وانا معاك مش بحس اني ضعيفه، بالعكس… إنت بتخليني أحس إني لسه موجودة.
ابتسم وقال:
– وهتفضلي موجودة… طول ما أنا هنا.
وهو بيقول الجملة دي، قلبي لأول مرة من سنين حس بشيء غريب… كأن فيه باب صغير اتفتح، ونسمة هوا دافية دخلت.
***
كانت ليلي قاعدة جنب مُراد في الجنينة، الجو كان هادي، والهواء البارد بيحرك خصل شعرها. ابتسامتها كانت خفيفة، وفيها ارتباك، خاصة بعد كلامه اللي حسسها إنها متشافه لأول مرة.
علي الجانب التاني خالد كان واقف بيبص علي إيده اللي متبته في ايدها، وهو حاسس انه بيموت من جوا ومش قادر يفهم سبب وجعه ده ايه؟ وليه هو مش مستحمل يشوفها مقربه من حد تاني غيره..
***
"خالد"
رجعت مكتبي وأنا لسه شايف ملامحها قدامي "ليلي".
مشهدها وهي قاعدة مع مُراد، وإيده ماسكة إيدها… خلاني أحس بحاجة غريبة أول مرة تمر عليّ.
وجع في صدري مش لاقي له تفسير، غيرة؟ طب إزاي؟!
أنا الدكتور المسؤول عنها، والمفروض اننا صحاب. المفروض مشاعري تبقى محايدة… علاقتي بيها لازم تفضل في الإطار الطبي وبس.
وقفت قدام المكتب، قلبي بيدق أسرع من الطبيعي، وكأني شفت حاجة مش من حقي أشوفها.
سألت نفسي:
أنا المفروض أفرح إنها لقت حد يطبطب عليها… حد يساعدها تحس إنها مش وحيدة.
بس الحقيقة إني حسيت إن حد خطف حاجة مني… حاجة مش من حقي أصلاً.
قعدت على الكرسي وضربت إيدي على الترابيزة بعصبية.
إيه اللي بيحصلي؟!
أنا عارف إن أي مشاعر تجاهها غلط، والأخطر إنها ممكن تأذيها قبل ما تأذيني.
ليلي جايه هنا عشان تتعالج، مش عشان ألاقي نفسي ضعفت قدامها.
حاولت أهرب من الإحساس بس النهاردة، وهي قاعدة مع مُراد… لأول مرة شفت لمعة صغيرة في عينيها. لمعة بتقول إنها لقت حد يشوفها.
سألت نفسي:
هل أنا زعلان عشان لقيت اللي يقدر يدخل لقلبها وأنا لأ؟ ولا عشان حسيت إنها مش ليا من الأساس؟
زفرت بعمق وحطيت إيدي على وشي… لأ، ما ينفعش.
أنا دكتورها و صاحبها. لازم أحط حدود واضحة بيني وبينها، وإلا هتهد كل اللي حاولت أبنيه معاها من ثقة وعلاج.
بس جوايا… جوايا صوت خبيث بيهمس: "ليه مش أنا اللي أكون السند بتاعها؟ ليه مش أنا اللي ألم وجعها؟"
الحقيقة إني مش قادر… مش قادر أتجاهل إن ليلي بدأت تلمس فيا حاجة عُمري ما حسيتها قبل كده.
***
"ليلي"
كنت متعودة إن وجود خالد يخليني أستحمل. هو مش مجرد دكتور… بالنسبة لي بقى زي الصاحب اللي بيلحقني في أسوأ لحظات حياتي.
كل مرة كنت بدخل أوضة الكيماوي وقلبي بيخبط من الخوف، كنت بستناه يسألني بصوته الهادي:
– جاهزة يا ليلي؟
وكان السؤال البسيط ده بيخليني أحس إني مش لوحدي.
النهاردة كان غير.
دخلت وقعدت على الكرسي الأبيض المعتاد، وأنا متوقعة يطمني زي العادة.
بس خالد كان غريب… مسملش، ولا حتى ابتسملي ابتسامة خفيفة زي ما بيعمل كل مرة.
اتكلم بسرعة مع الممرضة وركب الكانيولا من غير ما يرفع عينه في وشي.
أنا ضحكت بخفة وحاولت أفك التوتر:
– المرة دي مش هتلاقيني بعيط زي كل مرة.
كنت منتظرة منه أي رد… حتى ضحكة صغيرة.
لكنه اكتفى بكلمة سريعة:
– تمام ده شئ كويس.
الكلمة وقعت تقيلة… مش من الكلمة نفسها، لكن من الطريقة اللي اتقالت بيها. كأنه مش عايز يطوّل في الكلام معايا.
فضلت أبصله من بعيد وهو واقف. كان بيتعمد ما يبصليش.
وكأن وجودي في المكان عبء.
وجعني ده… مش لأني شايفاه أكتر من اللي هو عليه، لكن لأني اعتبرته سند… وصاحب حقيقي في وقت فقدت فيه كل أصحاب الدنيا.
هو الوحيد اللي بيشوف خوفي من غير ما أضطر أشرحه… اللي بيهون على دموعي من غير ما يحرجني.
دلوقتي… وأنا شايفاه بيبعد، حسيت كأني بتسحب لدوامة الوحدة تاني.
أنا مش فاهمة إيه اللي حصل. هو زهق مني؟ ولا أنا تقلت عليه بكلامي؟ ولا يمكن أنا كنت غبية لما افتكرته صديق أصيل مش مجرد دكتور؟
الجلسة كلها عدت وأنا سايبة دموعي محبوسة في عيني. مكنتش قادرة أبصله ولا حتى أتكلم… لأن السؤال اللي كان بيصرخ جوايا كان بيوجعني أكتر:
"ليه يا خالد؟ ليه بقيت بعيد؟"
***
خلصت الجلسة، والممرضة فكت الكانيولا من إيد ليلي.
قامت ببطء، وبصت ناحية خالد اللي كان واقف بعيد، ماسك الورق ومش عايز يديها عينه.
خطواتها كانت تقيلة وهي خارجة من الأوضة، لكن قلبها كان أثقل.
قبل ما توصل للباب، وقفت… لفّت وبصت عليه، صوتها خرج واهي بتحاول تخفي رعشة دموعها:
– خالد… أنا عملت حاجة ضايقتك؟
هو رفع عينه لأول مرة، اتجمد مكانه، وكأنه مش عارف يرد.
لكن الصمت بتاعه كان أوجع من أي كلمة.
ليلي ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت وهي بتاخد نفس عميق:
– ما كنتش متخيلة إنك هتبقى زيهم… تمشي وتسيبني فجأة.
ومشيت.
سابت وراها ريحة وجع تقيلة في الأوضة، وسابت خالد واقف مكانه، متسمر بين صراعه كدكتور لازم يحافظ على المسافة… وبين إحساسه اللي بيخليه مش قادر يبعد.
***
طلعت من أوضة الكيماوي، وأنا مش عارفة آخد نفسي. كلامي مع خالد كان تقيل… وصمته كان أوحش من أي كلمة جارحة.
حسيت إني لو دخلت أوضتي دلوقتي مش هعرف أغمض عيني، روحي كانت متلخبطة.
وأنا ماشية في الممر، عيني وقعت على باب أوضة مُراد. كان مفتوح نص فتحة.
وقفت مكاني، قلبي قاللي: "ادخلي كلميه… يمكن كلمة منه تريحك."
قربت بخطوة مترددة، وخبطت بخفة على الباب:
– مُراد…؟
استنيت… لكن مفيش رد.
خبطت تاني، قلبي بدأ يقلق:
– مُراد، أنا ليلي… إنتَ صاحي؟
وبرضه الصمت.
حسيت بدقات قلبي بتجري أسرع من رجلي. مدّيت إيدي على الباب وفتحته بهدوء، ودخلت.
الأوضة كانت ساكتة، نور ضعيف داخل من الشباك، والأكسجين صوته واطي بيقطع السكون.
نديت بصوت واطي:
– مُراد؟
لفيت بعيني… ولقيته.
كان واقع على الأرض جنب السرير، وشه شاحب جدًا، وعينيه مقفولين.
في اللحظة دي حسيت بدمي كله بيتجمد. جريت عليه من غير تفكير، ركعت جنبه وهزيته:
– مُراد! فوق بالله عليك!
كان ساكت… ولا كأنه سامعني.
إيدي ارتعشت وأنا بهزه أقوى، ودموعي غلبتني:
– مُراد فوق عشان خاطري… بالله عليك ما تسبنيش!
مسكت إيده وهي واقعه على الأرض، ضغطت عليها بكل قوتي كإني خايفة تفلت مني وتضيع.
قربت وشّي منه أكتر وصوتي اتكسر:
– أنا لسه محتجاك… ما تسبنيش لوحدي يا مُراد!
فضلت أنده عليه، دموعي نازلة على إيده وأنا مش عارفة لو هو هيرد ولا لأ.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل السادس 6 - بقلم ايات عاطف
كنت واقفة عمالة أروح وأجي في الممر زي المجنونة.
دموعي كانت بتنزل من عيني ومش عارفة أوقفها.
مش هعرف أهدى طول ما هو في الأوضة جوا، مش عارفة هو حالته إيه.
شوية والممرضة خرجت، فجريت عليها وأنا بسألها بدموع:
"مراد كويس صح؟"
ردت عليا وهي بتحاول تهديني:
"ليلي اهدي، مراد كويس. هو بس تعب شوية، ما تقلقيش شوية وهيفوق وهيبقى تمام."
كملت وهي بتبصلي بحزم:
"دلوقتي انتِ لازم تروحي على أوضتك ترتاحي يا ليلي."
جيت اعترض، قاطعتني:
"من غير ما تقاطعيني يا ليلي، انتِ لازم تطلعي أوضتك دلوقتي عشان ترتاحي. انتِ كان عندك جلسة النهارده ولازم تريحي جسمك وإلا هينهار."
كملت كلامها بحزن:
"مش هبقى أنا ومراد يا ليلي!"
بصتلها بحزن واستسلمت وطلعت معاها أوضتي.
ادتني العلاج وقالتلي إن أول ما مراد يفوق هتبلغني.
بصتلها بهدوء وسكت، لأني بجد مكنتش قادرة أتكلم أو أقول أي حاجة.
---
بعد ما الممرضة خرجت من عندي.
سبت نفسي لأفكاري.
قعدت أفكر في مراد.
مش عارفة بجد هو بقى إيه بالنسبالي عشان أخاف عليه أوي كده!
أول ما شوفته واقع على الأرض ما بيتحركش، حسيت كأن كل الأكسجين اللي في الجو خلص.
حسيت فجأة إن العالم بتاعي بينهار.
ليه أنا حسيت كل ده مع إننا ما نعرفش بعض غير من أسبوعين!
بس بجد في الأسبوعين دول اكتشفت إن مراد كان مالي الفراغ والوحدة اللي أنا فيهم.
في وجوده عمري ما حسيت إني لوحدي.
يكفي بس إني لما كنت ببصله في عينه، كنت بحس بإحساس غريب، كأن عينه بتحكيلي حاجة هو مش عارف يقولهالي.
لما شوفته النهارده وهو ما بيتحركش، حسيت إن الأمان اللي كنت بحسه في وجوده اختفى.
اكتشفت إن حياتي مالهاش معنى من غير مراد.
أو بمعنى أصح حياتي مابقاش ليها معنى غير لما مراد بقى موجود فيها.
---
قاطع تفكيري صوت خبط على الباب.
فأذنت بالدخول.
دخلت الممرضة وقالتلي إن مراد فاق.
وطلب إنه يشوفني.
لقيت نفسي ببتسم لا إرادي.
وخرجت أجري من الأوضة عشان أشوفه.
هموت وأطمن قلبي عليه.
دخلت عليه كان راقد على السرير وشه باهت، وبان عليه كأنه كان في حرب خرج منها بصعوبة.
برغم كل اللي فيه ده أول ما لمحني ابتسم.
ميعرفش ابتسامته دي طمنت قلبي قد إيه.
قربت منه ومسكت إيده وأنا ببصله في عينه.
كأن عيني هي اللي هتوصله كل حاجة أنا حاسة بيها من غير ما أتكلم.
بصتله في عينه واتكلمت بوجع:
"خوفت أخسرك.. خوفت ما أعرفش أشوفك تاني."
بصلي في عيني ومد إيده مسح الدموع اللي هربت من عيني وقالي بدفئ:
"وأنا مقدرش أسيبك وأمشي يا ليلي.. أنا محتاجلك، يمكن أكتر ما انتِ محتاجالي كمان."
رديت عليه وأنا ببتسم بوجع:
"الظاهر إننا الاتنين محتاجين بعض. أنا ما أدركتش ده غير النهاردة.. عرفت فعلًا إنك مهم عندي أوي، ومش هعرف أكمل الرحلة دي من غيرك."
شد على إيدي أكتر:
"وأنا مش هسيبك تكملي الرحلة دي لوحدك، آه انتِ بدأتيها لوحدك، بس هننهيها سوا."
بصتله وأنا ببتسم براحة لأول مرة من بداية اليوم.
قاطع لحظاتنا دخول خالد، فسحبت إيدي من إيد مراد ومسحت دموعي.
سأله بهدوء:
"عامل إيه يا مراد دلوقتي؟"
رد عليه مراد بهدوء:
"الحمد لله يا دكتور أنا أحسن دلوقتي."
رد عليه بحزم:
"مراد إحنا الحمد لله المرة دي لحقناك، والوضع ما كانش خطير أوي. فاتمنى يا مراد تخلي بالك بعد كده وتاخد علاجك بانتظام."
مراد بهدوء:
"حاضر يا دكتور."
بصله بهدوء بعد كده وجه نظره ليا وقالي بهدوء:
"وانتِ كمان يا ليلي ياريت تطلعي أوضتك عشان ترتاحي شوية لأن انتِ تعبتي النهارده."
بصتله بهدوء واكتفيت إني هزيت راسي لأني بجد مش عايزة أتكلم معاه.
استأذن وخرج لما لقاني سكت.
فلقيت مراد بيمسك إيدي تاني وبيقولي بهدوء:
"بعد كده ما تسحبيش إيدك من إيدي أبداً.. ما تحرمنيش من الدفء اللي بحسه وأنا ماسكها."
بصتله وابتسمت وأنا مش عارفة أرد عليه وقلبي فضل يدق بسرعة من كمية المشاعر اللي حسيتها.
يا ترى أنا حبيتك ولا إيه يا مراد؟
---
تاني يوم.
صحيت من النوم وأنا حاسة إني تقيلة جدًا، جسمي كأنه متكتف مش قادر يقوم.
بس دماغي مكانتش فاضية، أول ما فتحت عيني لقيت نفسي بفكر في مراد.
افتكرت يوم ما لقيته واقع قدامي.
قلبي كان هيقف من الرعب، فضلت أنادي عليه وأعيط وهو ما بيردش.
ولما أخيرًا فتح عينيه وقال الكلمة دي.
الكلمة اللي لسه بتدوي جوا وداني: "ما تسيبينيش يا ليلي.. ما تسحبيش إيدك من إيدي."
من ساعتها وأنا مش عارفة أنام نومة هادية.
كل ما أقفل عيني ألاقي صوته قدامي، كأنه بيطلب مني أكون جنبه، كأنه محتاجني زي ما أنا محتاجاه.
أنا كنت طول عمري شايفة نفسي وحيدة.
بس اللحظة دي غيرت كل حاجة.
قعدت أبص في السقف وأبتسم ابتسامة صغيرة رغم إني مرعوبة من اللي جاي.
أول مرة من زمان أحس إني مش لوحدي خالص.
في حد تاني بيكمل معايا نفس الطريق.
وفجأة سمعت خبطة خفيفة على الباب.
دخلت الممرضة بابتسامة كالعادة، وقالتلي:
"صباح الخير يا ليلي، قومي حضري نفسك عندك جلسة دلوقتي."
بصتلها باندهاش وقلت:
"جلسة؟! مش المفروض إحنا جلستين بس في الأسبوع؟ النهاردة مش دوري."
قعدت تكتب في ورق معاها وقالت بهدوء:
"الدكتور قرر يكثف الجلسات الفترة دي.. بيقول إن ده هيكون أفضل لحالتك."
ساعتها حسيت قلبي وقع في الأرض.
أنا لسه جسمي ما فاقش من اللي فات.
الكيماوي بيكسرني كل مرة، بيسيبني منهكة ومجرد فكرة إني همر بيه تاني دلوقتي كانت كفيلة تخلي إيدي تتلج.
اتنهدت وأنا بحاول أثبت صوتي المرتعش:
"ماشي، حاضر."
الممرضة ابتسمت بخفة:
"معاكِ نص ساعة وهنكون مستنيينك."
وسابتني وخرجت.
فضلت قاعدة على طرف السرير، دماغي فاضية غير من صورة الحقنة، وريحة المعقمات اللي بقيت عارفها كويس، والألم اللي بيجي بعدها.
عيني غرقت في الفراغ وقلبي بيخبط كأني رايحة حرب مش جلسة علاج.
وبين كل الخوف ده.
صورة مراد رجعتلي تاني.
ابتسمت وأنا بفتكر عينيه المليانة رجاء، صوته المكسور وهو بيترجاني ما أسيبوش.
ووقتها حسيت إن وجوده بيهون عليّ حتى أصعب لحظة.
يمكن الكلمة اللي قالها تبقى السبب إني أتحمل جلسة النهارده.
قمت ببطء، مشيت لحد المرايا.
شعري المتساقط كان مغطي وشي، عدلته بإيدي.
أخدت نفس عميق كأني بقول لنفسي: "قومي يا ليلي.. لسه فيكِ روح."
---
دخلت القاعة وأنا حاسة إن رجليّ مش شايلاني.
يمكن عشان الخوف اللي بيشدني كل مرة قبل الجلسة، أو يمكن عشان عيني وقعت عليه.
على خالد.
من بعد آخر موقف بينا، وأنا مش قادرة أبص له زي الأول.
تجاهله جرحني.
تظاهرت إني مش شايفاه، قعدت على الكرسي، وحاولت أركز على أنفاسي.
هو كان واخد باله إني متجنباه، لكن ما علّقش.
حسيت عينيه بتراقبني بتردد، زي اللي عايز يتكلم بس خايف أصدّه.
سمعت صوته وهو بيقول بهدوء:
"ليلي إنتِ أقوى مما بتتصوري. الجلسة دي مش سهلة، بس أنا واثق إنك هتعديها زي ما عديتي قبل كده."
الكلمات هدتني، بس خوفي كان أكبر.
اتنهدت، حاولت أصدق نفسي، حاولت أقنع روحي إني هقدر أكمل.
الجلسة خلصت وأنا مرهقة، كل حاجة جوايا كانت متكسرة.
كنت ناوية أخرج من غير ما أبص ورايا، لكن لقيته واقف عند الباب مستنيني.
وقف قصادي وقال بصوت هادي، فيه كسرة ما عرف يخبيها:
"ليلي آسف. يمكن كنت قاسي معاكي المرة اللي فاتت، بس ما كنتش أقصد أوجعك. أنا بخاف عليكي يمكن أكتر من اللازم."
وقتها قلبي اتقبض.
بصيت له شوية، وبعدين قلت له بنبرة مليانة رجاء:
"خالد أنا بجد بعتبرك مش بس دكتوري. إنت الصاحب الوحيد اللي لقيته هنا. عشان خاطري ما تخلينيش أحس إني هخسرك."
ابتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة وجع، وقال:
"مش هتخسريني يا ليلي… وجودي معاكي مش مجرد جلسات، وجودي معاكي مسؤولية اخترتها، وهكملها لآخر الطريق."
ساعتها حسيت إن في حاجة جوايا بتهدى.
يمكن لسه الطريق طويل وصعب، بس معرفتي إني مش لوحدي… خلتني أتنفس للمرة الأولى من غير ما أحس إني بغرق.
---
من بعد الجلسة أنا ما كنتش قادرة أرجع أوضتي، حسيت إن الحيطان هتخنقني.
نزلت الجنينة، نفس المكان اللي قعدت فيه قبل كده مع مراد… تحت الشجرة اللي أوراقها بتتساقط ببطء، وكأنها بتحاول تواسيني بسكوتها.
قعدت على الأرض، ضمت ركبي لصدري، وبصيت قدامي بشرود.
الجو كان ساكت، بس جوايا كان دوشة، خوف وقلق ووجع مش عارفة أرتبه.
ما حستش بيه غير وهو بيقعد جنبي… من غير كلام، مد إيده وأمسك إيدي.
اللحظة دي، حسيت كأنه بيقول "أنا هنا، ما تخافيش."
اتنهدت، وبصيتله من غير ما أتكلم، عيني يمكن كانت بتحكي أكتر من لساني.
سكت شوية، وبعدين سألني السؤال اللي دايمًا بيسأله بعد كل جلسة:
"حسيتِ بإيه؟"
غمضت عيني، وحاولت أجمع نفسي.
قلتله بصوت مكسور:
"حسيت إني ضعيفة… وإن كل مرة بترعبني أكتر من اللي قبلها. بس المرة دي كان في حاجة مختلفة خالد."
بصلي باستغراب، كأني فاجأته بالاسم.
كملت كلامي:
"خالد مش مجرد دكتور، بجد حسيت إنه واقف جنبي كصاحب. هو اللي حاول يطمني، واللي فضل يرفعني وأنا كنت عايزة أهرب من كل حاجة. ساعات بحس إنه الوحيد اللي شايفني مش كـ حالة شايفني أنا، ليلي."
مراد فضل ساكت، عينه ما بتفارقش عيني.
وبعدين سألني بهدوء:
"وأنا؟ أنا بتعتبريني إيه يا ليلي؟"
اتلخبطت، قلبي دق بسرعة.
حسيت إني مش عارفة أرد، بس طلعت مني الكلمة بسرعة:
"إيه السؤال الغريب ده؟… أكيد صحابي برضه! مش إحنا صحاب ولا إيه؟"
هو ضحك ضحكة صغيرة، بس عينه ما كانتش بتهزر.
قرب مني وقال:
"لا شكلنا مش هنفضل مجرد صحاب يا ليلي… شكلنا هنبقى أكتر من كده."
الكلمة دي ضربتني في قلبي.
فضلت أبصله، مش عارفة أرد ولا أهرب، وكل حاجة جوايا اتلخبطت.
أنا فعلاً مش فاهمة هو يقصد إيه؟
وليه حسيت بدفا غريب وأنا ماسكة إيده؟
قبل ما أقدر أفتح بوقي وأقول أي حاجة، لقيت صوت مألوف بينادي عليا:
"ليلي!"
التفت بسرعة… كان سليم واقف بعيد، ووشه مليان قلق.
اللحظة اتقطعت فجأة، زي فيلم توقف في نصه.
بصيت لمراد، وهو لسه ماسك إيدي، بس عقلي خلاص اتشتت بينه وبين سليم.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل السابع 7 - بقلم ايات عاطف
سيبت إيد مُراد وروحت وقفت قدام سليم.
فضل باصصلي شويه من غير ما يتكلم.
لحد مانا اللي قررت اقطع الصمت ده واسأله بحده:
_ انتَ إيه اللي جابك هنا؟
و عرفت اني هنا منين؟
اتنهد بهدوء:
- فضلت أزن على بواب عمارتك لحد ما قالي.
كمل بتردد:
- ليلي أنا آسف!
ضحكت بسخرية:
_ بجد آسف!
آسف على إيه بالظبط يا سليم؟
على إنك خطبت ولا على إنك اتخليت عني في أكتر وقت أنا محتاجالك فيه.
أنا بجد مش عارفه أقولك إيه؟
اتكلم بندم:
- ليلي أنا آسف بجد أنا غلط وأنا عارف.
أنا سيبت خطيبتي يا ليلي.
أنا معرفتش أحبها زي ما حبيتك.
أنا بجد بحبك يا ليلي.
بصتله بوجع وأنا مصدومة من حقارته:
_ وأنا مش لعبة في إيدك يا سليم، تفضل تلعب فيا زي ما أنت عايز.
أنا مش عايزة أعرفك تاني بجد، ولو سمحت بجد امشي من هنا ومش عايزة ألمحك تاني حتى لو صدفة.
اتكلم بتصميم:
- ليلي إنتِ لسه بتحبيني أنا عارف إنتِ بس زعلانة مني لسه.
زهقت من طريقته كأنه عارف مشاعري أكتر مني.
رديت بزهق:
_ سليم فوق إنتَ بقيت ذكرى بالنسبالي بجد!
بصلي بصدمة واتكلم وهو بيشاور على مُراد:
- أكيد يا ليلي إنتِ ما حبيتيش ده؟
ده مريض إنتِ مش شايفة هو عامل إزاي.
أكيد مش عايزة ترجعيلي عشانه؟
بصتله بغضب ولأول مرة صوتي يعلى كده لدرجة إن مُراد جه على صوتي:
- أخرس يا سليم!
ما تتكلمش عنه نص كلمة إنتَ فاهم.
ده أحسن منك مية مرة.
وبعدين إنتَ اللي مريض صدقني مش هو!
كملت بوجع:
_ وبعدين طالما إنتَ شايفني كده أنا كمان مريضة عايز ترجعلي ليه؟
عشان بتحبني ولا عشان ترضي غرورك؟
بصلي بصدمة من كلامي ومعرفش يرد.
مُراد جه على صوتي العالي، لما لاحظ انهياري وإني بقيت بتنفس بصعوبة.
اتكلم معاه بغضب:
- أظنك سمعت بودانك إنها مش عايزة تعرفك تاني، يلا بعد إذنك اتفضل امشي من هنا بقي.
بص لمُراد بزهق بعد كده بصلي نظرة أخيرة.
ومشي من غير ما ينطق أي كلمة تانية.
بعد ما سليم مشي مُراد كانت جواه أسئلة كتير جوا عينه بس ما سألنيش أي حاجة، لأنه كان حاسس إني مش هقدر أتكلم دلوقتي.
استأذنت منه وطلعت أوضتي عشان فعلاً كنت تعبانة جدًا.
اترميت على السرير وأنا حاسة بدماغي بتلف زي المروحة.
وقلبي دقاته سريعة، مش عارفه ده من الكيماوي ولا من الغضب؟
بس حاولت ما أفكرش كتير ومن كتر تعبي سمحت لنفسي إني أنام يمكن دماغي تهدى وترتاح من التفكير.
"مُراد"
وقفت في مكاني زي التايه.
عيوني بتدور على أثرها.
وهي طالعة السلم بخطوات تقيلة، لحد ما اختفت من قدامي.
فضلت واقف، مش قادر أتحرك.
صوتها وهي بتصرخ في وش سليم "أخرس يا سليم!" كان لسه بيرن في وداني زي صدى ما بيروحش.
مفيش مرة اتخيلت إني هسمعها بتصرخ بالطريقة دي، ولا إنها هتدافع عني قدامه بالشجاعة دي.
بس في نفس اللحظة، جوايا كان في خوف.
الخوف من عينيها اللي كانت بتلمع بدموع وقهر.
الخوف من رعشة صوتها وهي بتنطق الكلام.
كان واضح إنها على حافة الانهيار، وأنا معرفتش أعمل أي حاجة غير إني أطرد سليم.
قعدت على أول كرسي جنبي، مديت إيدي ماسكت راسي، وحسيت إن الدنيا كلها دايرة بيا.
سألت نفسي بصوت مسموع:
"هو أنا كفاية ليها؟ ولا أنا مجرد حمل تقيل عليها زي ما هو قال؟"
اتخيلت شكلها وهي واقعة على السرير دلوقتي، مغمضة عينيها من كتر التعب، وبتتنفس بصعوبة من كتر الضغط اللي عليها.
حاسس إن جسدها بيتحطم كل يوم بالكيماوي، وروحها بتتحطم بالوجع اللي جواها.
دموعي نزلت من غير ما آخد بالي، طلعت بسرعة ومسحتها بإيدي، بس دمعة تانية لحقت الأولى.
ولقيت نفسي برفع راسي للسماء، كأني بدور على إجابة مش لاقيها.
همست:
"يا رب قوّيني، مش عايز أخسرها. دي مش مجرد بنت في حياتي، ليلي بقت حياتي كلها. إديني القدرة أحميها من نفسها ومن وجعها. خليها تحس إنها مش لوحدها طول ما أنا عايش."
رفعت إيدي، فضلت أبص فيها كأني شايف إيدها لسه ماسكة إيدي من شوية.
الدفا اللي حسيت بيه، الأمان اللي رجّعلي نفسي.
إزاي أسيب حاجة زي دي تضيع مني؟
اتنفست بعمق، حسيت صدري بيتقطع.
لكن في نفس الوقت في حاجة جوايا كانت بتتأكد:
أنا عمري ما هسيب ليلي.
حتى لو الطريق كله ظلام، حتى لو أنا نفسي تعبت.
هي الوحيدة اللي خلتني أحس إن ليا قيمة.
ومش هسمح لحد ياخدها مني أو يكسرها.
قمت من مكاني بخطوات تقيلة، كل خطوة كأنها شايلة وجع الدنيا.
بس رغم التعب، كنت عارف إني لازم أكون واقف، لازم أكون قوي مش عشاني، لكن عشانها هي.
وأنا داخل المبنى، آخر صورة شفتها في خيالي كانت عينيها.
اللي رغم دموعها ووجعها، لسه فيها لمعة بتناديني وتقولي:
"ما تسيبنيش."
"ليلي"
صحيت من النوم وأنا مش عارفه أنا كنت نايمة ولا مخنوقة.
نفَسي متقطع وقلبي بيرزع في صدري كأني مطاردة من حاجة مش شايفاها.
الهدوء حواليّ كان يخوف أكتر من الضوضاء.
مديت إيدي على الموبايل، لقيت الوقت بعد نص الليل، وقفلت الموبايل تاني، ما كانش عندي طاقة أفتح أي حاجة.
قمت من على السرير، قعدت قصاد المراية اللي في الأوضة.
وشي شاحب عينيّا غائرة.
وإيديا بترتعش وأنا بمدها ألمس وشي.
حسيت بغربة دي مش أنا.
أنا ليلي اللي كنت بضحك وأرقص وأتزين، دلوقتي واقفة قصاد نفسي زي ضيف غريب بيزور أوضة مش بتاعته.
سليم جه في بالي كلماته لسه بتطاردني:
"أنا بحبك يا ليلي."
ووراها صوت مراد:
"ما تسحبيش إيدك من إيدي، إنتِ محتاجاني وأنا محتاجك."
الاتنين بيتخانقوا جوا قلبي، بس اللي أنا متأكدة منه إن أنا اتكسرت.
الكيماوي كسر جسمي، وسليم كسر قلبي، ويمكن مراد بيحاول يلضم الشروخ.
بس هو نفسه متكسر.
يمكن عشان كده بنشبه بعض.
حطيت راسي بين إيديا وقلت لنفسي بصوت واطي:
"أنا تعبت مش عارفه أرجع مين، ولا حتى عارفه أرجع نفسي اللي ضاعت مني."
قربت من المراية أكتر.
وبإيدي هزيت شعري المتساقط اللي مغطي وشي.
الخصل اللي كانت زمان تاجي بقت عبء عليّ.
كل ما ألمسه ألاقيه واقع، كل ما أنام أصحى ألاقي وسادتي مليانة منه.
دموعي نزلت، بس فجأة ضحكت.
ضحكة مش ضحك، أقرب لصوت مجروح بيتحدى.
"إزاي حد لسه يقدر يشوفني جميلة بالشكل ده؟"
"إزاي مراد بيبتسم لي وأنا نصي ضاع مني؟"
وأنا واقفة هناك حسيت إن فيه حاجة لازم تتغير.
أنا مش ضعيفة حتى لو شكلي بيقول غير كده.
أنا محتاجة أكون أنا اللي تبدأ المواجهة، مش المرض.
مديت إيدي في الدولاب وطلعت ماكنة الحلاقة اللي كنت مخبيّاها طول الوقت.
كنت كل يوم أبص عليها وأتردد.
لكن النهارده حسيت إن اللحظة جات.
مسكتها بإيدي اللي بترتعش.
حطيتها جنب شعري، وصوتها وهي بتشتغل قطع السكون زي صفارة بداية حرب.
أول خصلة وقعت قلبي اتقبض.
الثانية دموعي جرت على خدي.
الثالثة حسيت كأني بنزع جزء مني بإيدي.
كنت موجوعة من جوايا، آه.
بس في نفس الوقت في نار صغيرة بتولع: نار قوة.
نار عناد.
كل خصلة بتقع كانت بتوجعني، لكن كانت كمان بتحررني.
ولما خلصت وبصيت في المراية.
مفيش شعر.
بس كان في وش بيبصلي لأول مرة من غير خوف.
لمست راسي، حسيت بقشعريرة غريبة.
اتوجعت بس ابتسمت ابتسامة صغيرة:
"أنا لسه ليلي يمكن مش زي الأول، بس دي أنا. واللي يقدر يحبني دلوقتي، يبقى بيحبني بجد."
وقفت وأنا لسه بمسح دموعي، والماكنة مرمية جنبي كأنها سلاح خلص مهمته.
أنا موجوعة آه، بس لأول مرة من شهور حسيت إني مش ضحية.
أنا اللي اخترت أواجه.
كنت لسه واقفة قصاد المراية.
إيدي بتلمس راسي الفاضي، ودموعي نشفت خلاص.
مكنتش عارفه إذا كنت قوية ولا مجنونة.
بس اللي متأكدة منه إني تعبت من الهروب.
فجأة سمعت خبطة على الباب.
قلبي وقع في رجلي.
خطواتي كانت تقيلة وأنا رايحة أفتحه.
فتحت الباب، لقيت مُراد واقف.
عينه عليا، سكت.
فضل يبصلي كأنه مش قادر يصدق.
الدنيا كلها سكتت للحظة، حتى نفسي أنا وهو.
كنت مستنية أي رد فعل خوف، صدمة، شفقة.
بس لقيت عينه بتلمع بحاجة غريبة، حاجة عمري ما شفتها قبل كده.
كان واقف مستغرب، آه.
بس في نفس الوقت كان في راحة في ملامحه، كأنه لقى فيا حاجة جديدة.
هو اتقدم خطوتين، وأنا واقفة متجمدة.
مد إيده، مسك إيدي مسكة مليانة دفء، كأنه بيقولي: "أنا هنا".
فضل ساكت ثواني، بعدين صوته طلع هادي:
- ليلي إنتِ مش عارفه قد إيه اللحظة دي علمتني.
أنا مش شايف فقدانك للشعر، أنا شايف إنك كسبتي نفسك.
شايف إنك قررتِ تكوني حرة، وإنك أقوى من أي يوم فات.
وصدقيني أنا متقبلك على أي حال، ومهما حصل هفضل ماسك إيدك لآخر الطريق.
كلماته كسرتني من جوه.
بس الكسر المرة دي كان بيريح.
دمعة نزلت من عيني، دمعة حقيقية طالعة من قلبي.
مكنتش عارفه أرد، قلبي كان بيصرخ بس لساني عجز.
هو لاحظ، وقرب أكتر، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال وهو بيضحك بخفة:
- على الأقل بقينا أنا وإنتِ من غير شعر.
يعني خلاص بقينا توأم رسمي.
ويا ستي وفرنا على نفسنا شامبو.
ضحكت من جوه قبل ما تبان على وشي.
ضحكة طلعت رغم إني كنت لسه ببكي.
ضحكة حسستني إن مش كل حاجة ضاعت.
مراد قعد جنبي على طرف السرير، ولسه ماسك إيدي.
وبصلي تاني، المرة دي عينه كلها صدق:
- ليلي أنا طول عمري بفتكر إن القوة إن الواحد ما يبانش عليه ضعفه.
بس النهارده إنتي علمتيني إن القوة الحقيقة إنك تبيني ضعفك من غير ما تخافي، وتواجهيه.
وصدقيني أنا فخور بيكي.
حسيت وقتها إن الدنيا وقفت، وإن وجعي اتحول لقوة.
لأول مرة من زمان.
حاسه إني مش لوحدي.
كنت لسه قاعدة قصاد مُراد.
عينيه كانت مليانة أسئلة، وهو واضح عليه عايز يتكلم من أول ما دخل الأوضة بس كان ساكت مستنيني أبدأ.
سكتت شوية لما سألني عن سليم.
وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة، قلتله:
_ عارف يا مُراد.
إنت يمكن أول واحد في حياتي بعد سنين بيسألني السؤال ده.
رفع حاجبه مستغرب وقال:
– سؤال إيه؟
بصيت له وأنا مديّة ضهري للسرير:
_ عن سليم.
هو كان إيه في حياتي؟
سكت لحظة طويلة، كنت بلمّ كل حاجة جوايا عشان أعرف أحكي.
أخدت نفس عميق وقلتله:
_ سليم أنا كنت شايفاه كل حاجة.
هو كان الشخص الوحيد اللي في حياتي من بعد ما أهلي ماتوا.
يعني كان الأمان الوحيد اللي فضلي، أو يمكن أنا كنت فاكرة كده.
هو كان موجود آه، كان بيقف جنبي في حاجات كتير، بس الحقيقة إنه عمره ما عرف يملأ الفراغ اللي كان جوايا.
كنت دايمًا حاسة إني ناقصة حاجة.
حاجة كبيرة محدش قادر يديهالي، حتى هو.
مُراد كان ساكت، مركز في كل كلمة بقولها.
غمضت عينيّ وكملت:
_ كنت متعلقة بيه تعلق غريب.
مش عشان هو الشخص الصح، لأ.
عشان كان الوحيد.
عارف الإحساس ده لما تكون غرقان وبتتعلق بأي خشبة قدامك حتى لو هتغرقك أكتر؟
ده كان سليم بالنسبة لي.
فتحت عينيّ وبصيت له، وابتسامة باهتة ارتسمت على وشي:
_ دلوقتي لما باجي أفكر فيه.
بقيت أشوفه ذكرى وبس.
وأصعب حاجة إن حتى الذكرى نفسها مش حلوة بقت حاجة تقرفني.
حاجة مش عايزة أفتكرها.
لو اسمه اتقال قدامي، ما بضحكش ولا حتى بابتسم.
لأ بحس إني عايزة أغير الموضوع وأبعد.
مُراد قرب مني، صوته كان واطي بس مليان دفء:
– طب دلوقتي؟
بتحسي بإيه؟
سكتت لحظة وبعدين لقيتني بقول بكل صدق:
_ دلوقتي مبسوطة إنك موجود.
متطمنة وأنا جنبك لأول مرة يمكن من سنين طويلة.
حاسة إني مش لوحدي.
يمكن الفراغ اللي كان جوايا، مش هيتسد كله، بس وجودك مخليني مش خايفة من الوحدة زي الأول.
كان ماسك إيدي من غير ما أطلب، إيده دافية، وأنا حاسّة إني عايزة اللحظة دي تفضل أطول وقت ممكن.
كملت وأنا عينيّ بتترعش بدموع صغيرة:
_ أنا تعبت من إني أدي كل اللي عندي لحدّ، وفي الآخر ألاقي نفسي فاضية.
بس معاك الوضع مختلف.
حاسة إنك شايفني، مش مجرد نسخة من حاجة ناقصة.
إنت شايفني أنا.
هو ابتسم، ابتسامة فيها حنية غريبة، وقال:
– وأنا شايفك أقوى من أي وقت قبل كده.
وشايف إنك تستاهلي تتشافي وتعيشي حياة جديدة من غير أي وجع قديم.
وأنا.
هفضل ماسك إيدك لحد آخر الطريق.
كلماته نزلت عليّا كأنها دوا.
حسّيت إن الحمل اللي جوا صدري اتخف شوية.
وكأني لأول مرة بجد لقيت حد فاهم معنى وجوده في حياتي.
بعد ما قعدنا نتكلم كتير وقلنا كل اللي جوانا، حسيت إن الكلام بدأ يهدأ زي ما يكون الموج العالي كسر خلاص ورجع البحر هادي.
كنت قاعدة قصاده وبحس إن عينيا خلاص تقيلة من كتر التعب.
بس قلبي لأول مرة مش تقيل ولا مخنوق.
مُراد قام من على الكرسي وهو لسه ماسك إيدي.
وبعدها قرب مني وبص لي بابتسامة صغيرة.
ابتسامة كان فيها وجع، وفيها أمل، وفيها كل حاجة أنا محتاجاها دلوقتي.
قال لي بصوت واطي:
- أنا لازم أرجع أوضتي قبل ما حد يشوفني هنا.
لو الممرضين لاحظوا هتبقى مشكلة كبيرة.
سكت ثواني، وبعدين كمل:
- بس عايزك تعرفي حاجة يا ليلي.
أنا موجود، وهفضل موجود.
ومش هسيبك تمشي في الطريق ده لوحدك، حتى لو العالم كله مشي.
الكلام وقع على قلبي كأنه حضن.
كأنه وعد متخافيش منه.
ولأول مرة من سنين، حسيت إني مش وحيدة.
سبته يسيب إيدي ببطء، كأني مش عايزة اللحظة دي تخلص.
وهو فتح الباب بهدوء وخرج.
شفته وهو بيبص وراه قبل ما يقفل الباب، عينه كلها خوف عليا، بس كمان كلها إصرار.
رجعت قفلت الباب ورايا واتكيت بظهري عليه.
أخدت نفس طويل حسيت إنه طهّرني من جوه.
رحت اتسندت على السرير، غمضت عيني.
وكل اللي حصل من شوية بيعدي قدام دماغي زي فيلم.
مكنتش مصدقة إن فيه حد فعلاً شايفني.
بيشوفني بجد مش زي ما أنا عايزة أبان، لكن زي ما أنا، ويقبلني كده.
ولأول مرة من زمان ضحكت وأنا بنام.
ضحكة صغيرة، بس كانت طالعة من القلب.
ونمت.
نمت من غير كوابيس، من غير خوف، من غير دموع.
نمت وأنا مش هاممني بكرة هييجي بإيه.
يكفي إني حسيت لأول مرة إني مبسوطة.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل الثامن 8 - بقلم ايات عاطف
كنت واقف قدام المكتب أسأل الممرضة:
_ ليلي عاملة إيه دلوقتي؟
بصّتلي بأرتباك وقالت:
– لسه نايمة يا دكتور خالد.
رفعت حاجبي باستغراب:
- لسه نايمة!؟ ده إحنا داخلين على العصر… إزاي لحد دلوقتي ما صحيتش؟ وبعدين إنتي إزاي ما دخلتيش عشان تطمني عليها من الصبح؟
قالت بسرعة:
– آسفة جدًا… ماخدتش بالي من الوقت.
زفرت وقلت بحدة:
– خلاص… أنا هطلع أشوفها بنفسي.
سيبتها وطلعت السلم بخطوات تقيلة وسريعة في نفس الوقت.
كل خطوة كنت حاسس قلبي بيتخبط جوا صدري.
مش عارف ليه كان عندي شعور غريب… زي ما يكون حاجة مش مظبوطة.
وقفت قدام باب أوضتها وخبطت بخفة:
– ليلي… إنتي صاحية؟
استنيت ثواني… مفيش أي صوت.
خبطت تاني وأنا رافع صوتي أكتر:
– ليلي أنا خالد… افتحي الباب يا بنتي.
وبرضه مفيش رد.
القلق بدأ ينهشني، مسكت مقبض الباب وفتحته بهدوء… دخلت.
الأوضة شبه مظلمة، هدوء يخوف.
بصيت على السرير… لقيتها ممددة زي ما هي، نفس الوضعية، ولا كأنها تحركت من بدري.
قربت بخطوات بطيئة وأنا بقول:
– ليلي قومي يا بنتي… كفاية نوم.
سكت لحظة أستنى أي إشارة… تنفس تقيل، حركة بسيطة أي حاجة.
لكن… لا صوت ولا نفس.
حسيت حاجة تقيلة نازلة على صدري.
مديت إيدي لمست إيدها… باردة بشكل يخوف.
عينيا جريت على وشها… وهنا اتجمدت!
دم… دم نازل من مناخيرها.
اتجمدت لحظة، بعدها صوتي خرج برجّة:
– ليلي!!! قومي يا ليلي… سامعاني؟
هزيتها بخفة في الأول مفيش رد.
بدأت أنده عليها بجنون:
_ ليلي!! حد يلحقني بسرعة!
رميت كل حاجة ورا ضهري وشلتها بين إيديا… خفيفة جدًا، كأن جسدها ما بقاش فيه روح.
حطيت دماغها على كتفي وأنا بجري في الممرات زي المجنون.
صوتي كان بيعلى مع كل خطوة:
– أوضة العمليات حالًا… جهّزوا الطاقم بسرعة! في نزيف داخلي محتمل… يلا بسرعه!
الممرضين جريوا ناحيتي، فتحولي الطريق… وأنا ماسكها بقوة كأنها أغلى حاجة في الدنيا.
قلبي كان بيدق أسرع من أي مرة قبل كده في حياتي، وصوت دماغي بيصرخ:
“لو اتأخرت ثانية واحدة… ممكن تضيع”
دخلت بيها أوضة العمليات وحطيتها على السرير… بصيت للطاقم وصرخت:
_ مافيش وقت… بسرعة لازم نلحقها!
---
بمجرد ما دخلت أوضة العمليات، الطاقم كله اتحرك زي ما اتعودنا: واحد بيجهز الأجهزة، والتاني بيركّب المحاليل، والتالت بيحضّر أدوات الجراحة.
أنا نفسي كنت حاسس إني تايه رغم إن دي شُغلتي ودي حياتي، بس المرة دي الموضوع مختلف… المرة دي ليلي هي اللي على السرير.
وفجأة الباب اتفتح بسرعة، ومُراد جري ناحيتي ووشه متلخبط كله خوف ودموعه واقفة في عنيه:
– في إيه يا دكتور خالد؟ ليلي مالها؟
صوته كان متكسر، نفس الصوت اللي بيخلي أي بني آدم عاقل يوقف، بس أنا ماكانش عندي وقت.
بصيت للمرضين وقلت بصوت حاد:
– طلعوه برة حالاً! مش عايز أي حد جوه.
اتشد من دراعه بالعافية، وهو بيقاوم، وأنا سامع صوته وهو بيصرخ:
– سيبوني عايز أطمن عليها… يا دكتور بالله عليك قوللي مالها!
الباب اتقفل، وساعتها حسيت إن الدنيا سكتت فجأة، ومفيش غير صوت الأجهزة والتنفس السريع بتاعها اللي بيتقطع، وأنا واقف فوقها.
قلبي أنا نفسه كان بيخبط جوا صدري لدرجة حسيت إنه هيوقف من الخوف عليها… ودي أول مرة في حياتي يحصلي الإحساس ده.
أنا الطبيب اللي اتعود يشوف دم وموت ونهايات، اللي اتعود يقف قدام أصعب الحالات ببرود، بس النهارده كنت واقف قدام قلب بيرتعش، قلب أنا فجأة اكتشفت إني اتعلقت بيه أكتر من أي حاجة في حياتي.
أنا بحبها.
الكلمة دي صدمتني جوا عقلي وأنا ماسك أدواتي وبجهز نفسي للجراحة، بس خوفي عليها فضحني… خلاني أعترف من غير ولا كلمة.
برا، كنت سامع خطوات مُراد وهو بيروح وييجي قدام الباب، زي أسد محبوس في قفص، عارف إنه لو فتح الباب حتى لو بالعافية هيلاقي نفسه بيخسرها.
كنت متخيله واقف، ظهره للحيطه، راسه في إيده، نفسه بيطلع متقطع… وقلبي حسسني إنه بيموت بالبُطئ من غيرها.
بس جوا أنا كنت بحارب. بحارب مش عشان مريضة عادية… لأ، عشان ليلي.
عشان الضحكة اللي أول مرة شوفتها وهي بتكلم المُمرضين.
عشان عينيها اللي كانت بتلمع حتى وهي تعبانة.
عشان كل حاجة فيا اتعلقت بيها من غير ما آخد بالي.
إيديا كانت بتتحرك بسرعة، عقلي بيركز، بس قلبي، قلبي كان مرعوب.
---
جوة أوضة العمليات:
خالد لبس الجوانتي بسرعة، عينيه مش بتتهز من مكانها. العرق نازل من جبينه، والممرضين بيبصوا له بخوف، لأنه مش هادي زي ما متعودين يشوفوه.
الممرضة قالتله:
– دكتور ضغطها بينزل بسرعة!
خالد صرخ وهو بيجهز:
– جهاز الصدمات بسرعه… جهّزوا كل حاجة.
بدأ يشتغل، وإيديه رغم ارتجافها كانت مصممة. كان شايف في عينيها وهي مغمضة صورة مختلفة… مش مجرد مريضة، لأ، دي ليلي اللي قلبه ارتبط بيها من غير ما يحس.
وفجأة الجهاز أطلق صفارة طويلة.
الممرضة صرخت:
– دكتور خالد… القلب وقف!
اللحظة اتجمدت إيده ارتعشت أكتر، وصوته خرج غصب عنه:
– لااا… مش هسمحلك تروحي مني دلوقتي!
بدأ يعمل إنعاش قلبي بنفسه، صوته مليان يأس وإصرار في نفس الوقت:
– ليلي إسمعي صوتي… إنتِ قوية، إنتِ مش هتستسلمي دلوقتي.
برّة الأوضة:
مُراد سمع الصفارة الطويلة من جوة، عينيه اتسعت، إحساس الموت خبطه في قلبه.
صرخ بأعلى صوته:
– لييييييلي!
لكن الباب مقفول وده زوّده عجز. انهار أكتر، قاعد على الأرض وهو بيخبط راسه في الحيطة:
– يا رب يا رب متاخدهاش… خد عمري أنا.
جوة عند خالد:
خالد بيضغط على صدرها، صوته بيتهز:
– ارجعيلي يا ليلي… ما تسبنيش.
ضغط مرة ورا التانية والجهاز لسه بيعمل beep طويل.
لكن فجأة نقطة أمل صغيرة:
الممرضة صرخت:
– دكتور النبض رجع! ضعيف بس موجود.
خالد أخد نفس عميق جدًا، وابتسامة ارتباك ظهرت لحظة صغيرة، قبل ما يرجع يركز بسرعة.
قال بحزم:
– تمام كملوا معايا… مش هسيبها لحد ما أرجّعها للحياة زي الأول.
وفي اللحظة دي، كان مُراد برّه حاسس إنه ميت حي، وخالد جوة بيحارب عشانها… وكل واحد فيهم بيحارب بطريقته.
---
"خالد"
خرجت من أوضة العمليات، خطواتي تقيلة كأني شايل الدنيا فوق كتافي. قلبي لسه بيرجّ جوا صدري، وصوت الأجهزة جوة الأوضة بيرن في دماغي.
أول ما باب الأوضة اتفتح، لقيت مُراد واقف مستنيني… عينيه حمرا من القلق، ووشه باين عليه الهلع.
أول ما شافني جري عليّا وقال بصوت مخنوق:
– هي عاملة إيه يا دكتور؟ ليلي كويسة؟
خدت نفس عميق وحاولت أخبي ارتباكي:
– اطمّن هي دلوقتي تحت الملاحظة، عملنا اللازم وهتبقى بخير إن شاء الله.
بس الحقيقة إني ماكنتش متأكد أوي من كلامي. جوايا كان في خوف، خوف أكبر من إني أعترف بيه حتى لنفسي.
فضلت أبص في وش مُراد، في عينيه اللي مليانة قلق، وحسيت بحاجة بتتسلل ليا… حاجة واجعاني أكتر من كل اللي شفته النهارده.
سكت لحظة، وبعدين لقيت نفسي بأسأله من غير تفكير:
– انت بتحبها يا مُراد؟
بصلي باندهاش، كأن السؤال وقع عليه زي صاعقة. لوهلة حسيت إنه مش عارف يرد، بس بعدين هز راسه وقال بصوت واطي:
– أيوه حبيتها. مش عارف ازاي ولا امتى، بس كل اللي أعرفه إني حبيتها بجد. ليلي حاجة مختلفة وجودها بيخليني عايش.
كلماته غرست في قلبي زي سكين. ابتسمت بس ابتسامة كلها وجع. ابتسامة مالهاش أي فرحة.
كنت سامع قلبي بيقولي:
"وانت كمان يا خالد… انت كمان حبيتها من غير ما تاخد بالك."
بس ماقدرتش أنطق، ماقدرتش أقول أي حاجة.
وقفت قصاده ثواني، ووشي متجمد، وبعدين بصيت له وقلت بنبرة هادية مصطنعة:
– ان شاء الله كل حاجه هتبقي احسن.
وسبتُه واقف مكانه، ومشيت. كل خطوة كنت باخدها بعيد عنه، كنت حاسس كأن رجلي بتتقل أكتر، كأني بسيب جزء مني واقف جنبه… وجزء تاني لسه محبوس جوة أوضة العمليات جنب ليلي.
---
"مُراد"
دخلت أوضتي بعد ما خالد قالّي إن ليلى هتبقى بخير… كلماته لسه بتتردّد في دماغي، بس قلبي مش قادر يصدق. يمكن هو حاول يطمني، يمكن هو نفسه مش متأكد، يمكن كان بيقول كده عشان يهديني… بس أنا؟ أنا جوّه قلبي في عاصفة مش عارف أسكّت صوتها.
قفلت الباب ورايا وقعدت عالسرير، وإيدي ماسكة راسي كأني بحاول أضغط على أفكاري توقف. كل ما أغمض عيني ألاقي وشها قدامي… عينيها، ضحكتها، وحتي لحظة ما شُفت دمها وهي على السرير. منظر مش راضي يسيبني، وكأن الصورة محفورة في عيني.
أنا مش فاهم إزاي وصلت للدرجة دي… إزاي بقت ليلى جزء مني من غير ما آخد بالي؟ يمكن من أول مرة شُفتها، ويمكن من لحظة حسيت إنها مش شبه حد… مختلفة. وأنا اللي كنت فاكر نفسي جامد، مش بضعف قدام حد، لقيتني دلوقتي ضعيف لدرجة إني مش قادر أتنفّس من غيرها.
كنت سامع دقات قلبي وأنا قاعد في أوضتي كأنها بتجري سباق… كل دقة بتقولي إنها مهمة، إنها أغلى من أي حاجة. وكنت متلخبط بين إحساسين: خوف قاتل من إني أخسرها، واعتراف ماكنتش عايز أقوله حتى لنفسي… إني حبيتها.
الاعتراف وقع عليا زي صاعقة. أنا مُراد اللي عمري ما اهتمّيت بحد بالشكل ده، فجأة بقيت قاعد وحاسس إني هتقطع نصين عشانها. كنت حاسس إني مش قادر أتحمّل فكرة إنها تتألم، حتى وأنا ماليش أي حق ماليش أي مكان في حياتها.
رفعت عيني للسقف، وكأني بسأل ربنا في صمت… "لو هي رزق ليا، احفظها. ولو مش ليا برضه احفظها، بس بلاش تبعدها دلوقتي."
الليل كان تقيل، والأوضة كأنها بتخنقني. كل حاجة حواليا سكتت، بس جوايا في صوت واحد عالي… صوت اسمه ليلى.
---
"الساعه 2 بعد منتصف الليل"
فتحت عينيها ببطء، كأنها بقالها سنين نايمة. نور الغرفة كان خفيف، بس عينيها رغم كده اتأذت من أول شعاع وصلها. حاولت تتحرك، بس جسمها كان تقيل كأن حد رابطها في السرير.
سمعت صوت ضعيف جاي من جنبها…
– ليلي؟
التفتت ببطء، لقت مُراد واقف، عينه كلها دموع محبوسة، وكأنه بقاله يومين مش بينام. كان ماسك الكرسي اللي قاعد عليه كأنه بيتشبث بيه علشان ميقعش.
ليلي بصت له بصعوبة، وصوتها كان متكسر:
_ مُراد؟
الابتسامة اللي طلعت على وشه كانت غريبة… ابتسامة وجع وراحة في نفس الوقت. قرب منها، مسك إيدها بحرص، كأنها هتتكسر لو ضغط عليها شوية.
– حمد لله على سلامتك يا ليلي… كنت هموت من الخوف عليكِ.
عيونها غمضت تاني، دمعة صغيرة خرجت من زاويتها، همست بصوت متقطع:
_ هو ايه اللي حصل، انا مش فاكره حاجه؟
هو شد على إيدها أكتر، صوته وهو بيرد كان كله رجاء:
– مش مهم المهم انك بخير دلوقتى. وعد، مش هسيبك تعدي باللي عدّيتي بيه تاني.
الأوضه غرقانة في صمت غير صوت الأجهزة الطبية اللي بتقيس نبضها. لحظة طويلة عدّت بينهم من غير كلام، بس كلها كلام.
ليلي حاولت تبتسم، ملامحها ضعيفة بس عينيها فيها حاجة مختلفة… أمان. لأول مرة من زمان حست إنها مش لوحدها.
همست بصوت خافت جدًا:
_ شكراً يا مُراد انك موجود.
قلبه اتقبض وهو سامع الكلمة دي. مش عارف يرد، ما لقاش غير إنه يرفع إيدها لشفايفه و يبوسها بخوف وصدق.
تعبها غلبها تاني، وغمضت عينيها وهي لسه ماسكة إيده.
وهو قعد يراقبها، كل نفس بتاخده بيطمن قلبه، وكل لحظة بتفكره قد إيه هي بقت كل حياته.
---
"تاني يوم الصبح"
فتحت عينيّ بهدوء، كأن الدنيا حواليا بقت ضباب… كل حاجة كانت بتلفّ، وقلبي بيخبط في صدري بخوف مش فاهمة سببه.
أول صورة وقعت عليها عيني كانت الممرضة "عفاف"… وشّها المليان طيبة، وابتسامتها اللي حسيتها طالعة من قلبها.
قالتلي وهي بتقرّب:
– سلامتك يا ليلي يا بنتي… الحمدلله عدّت على خير.
لسه كنت بحاول أفهم اللي حصل، وافتكرت مُراد، اكيد انا مكنتش بتخيله هو كان معابا امبارح.
بس صوت خطواتها وهي خارجة بسرعة ندهت حد برّا، وبمجرد لحظات سمعت صوته… صوته اللي كان دايمًا فيه حاجة غريبة، حاجة بين الحزم والاهتمام.
الدكتور خالد دخل الأوضة بسرعة، عينيه كلها قلق، وكأن الدنيا متعلقة في اللحظة دي. قرب مني وقال بصوت ملهوف:
– ليلي إزيك؟ حمدلله على سلامتك.
ابتسمت، وحاولت أتكلم، بس صوتي طلع مبحوح:
– إيه اللي حصل؟ أنا مش فاكرة.
قعد جنبي، نبرة صوته ناعمة بس مخنوقة:
– حصلك نزيف بسيط، كنا لازم ندخل العمليات فورًا… والحمدلله لحقنا الوضع في وقته. انتي دلوقتي كويسة، محتاجة بس ترتاحي.
سكت حسّيت إن الكلام وقف في زورى، قلبي مشغول بحاجة تانية، يمكن اسم واحد اسم كان بيرنّ في دماغي من ساعة ما فتحت عيني.
رفعت عيني عليه بهدوء، وبصوت كله ارتباك قولت:
– هو مُراد فين؟
اتغير وشّه، زي حد أخد ضربة مفاجئة، عينيه تعَبوا أكتر من الأول. شافني وبعدين نزل عينه للأرض، رد بصوت مبحوح وجواه وجع مش قادر يخبيه:
– في أوضته… زمانه جاي دلوقتي.
سكت بعدها، وكأنه مش قادر يكمل ولا يواجهني. وأنا قلبي دقّ أسرع… ليه حسيت بوجع في صوته؟ ليه عينيه وقعوا كده؟
---
شُفت الدكتور خالد وهو واقف جنبي، عينيه باينة فيها حاجة غريبة… وجع مش عارفة أوصفه.
كان لسه بيطمن عليّ، ولما سألته عن مُراد، اتغير وشّه بطريقة خلت قلبي يتقبض.
ساعتها ابتسم ابتسامة صغيرة باين إنها مجروحة، وقال بصوت مبحوح:
– في أوضته… زمانه جاي دلوقتي.
وبعدها وقف، خد نفس تقيل، وكأنه بيحاول يقول حاجة ومش قادر.
عينه وقعت في عيني لحظة قصيرة، بس كانت كفيلة تحسسني إنه شايل حاجة تقيلة جوا قلبه.
وبهدوء استأذن ومشي.
فضلت عيني وراه لحد ما الباب اتقفل.
في اللحظة دي كنت مشغولة بحاجة واحدة… "مُراد".
قعدت على السرير، جسمي لسه تعبان، أنفاسي متقطعة، بس قلبي كان بيرقص بخوف وانتظار.
سمعت خطوات حد بيقرب… الباب اتفتح ببطء، ولقيت مُراد واقف.
وقفته كانت مختلفة، مش زي كل مرة. كان باين عليه السهر من تحت عينيه، ووشه… وشه كان مجروح أكتر من جسمي.
قرب بخطوات بطيئة، كأنه بيخاف يلمس الهوا حواليا.
قلبي خبط في صدري، وابتسمت ابتسامة ضعيفة، وقلت بصوت متكسر:
_ انت كنت عندي امبارح بليل مش كده؟ مش بيتخيّل ليا؟
شُفته وهو بيتجمد لحظة، وبعدين هز راسه بهدوء صوته طلع واطي جدًا:
– آه كنت هنا.
عيني اتسعت، ووقتها لمحته لأول مرة… دمعة صغيرة، متمردة، نازلة من عينه.
مُراد اللي عمره ما ورّى ضعفه لحد، اللي دايمًا واقف زي الجبل… قدامي دلوقتي بينهار.
حاول بسرعة يمسح دموعه، يخبّيها كأنه بيتكسف منها، بس أنا ما قدرتش أستحمل أشوفه بيكسر كده.
مدّيت إيدي، رغم ضعفي وتعب جسمي، مسكت إيده بقوة مفاجئة حتى ليا أنا.
إيدي الباردة احتوت إيده السخنة المرتعشة.
---
كان مُراد ماسك إيدي كأنه بيتشبّث بيها من غير ما ياخد نفس.
دموعه نازلة، وأنا كل ثانية كنت حاسة إن قلبي بيتشد ناحية قلبه، كأنه محتاج كلمة مني تنقذه زي ما أنا كنت محتاجة أشوفه جنبي.
رفعت إيدي المرتعشة ولمست خدّه، مسحت دمعة قبل ما تلحق تنزل.
بصلي بعينين واسعة… عينين أول مرة أشوف فيها كل الضعف ده.
قلتله وأنا ابتسامتي ضعيفة بس صادقة:
– مُراد أنا هنا. مش هسيبك عمري، والله ما هسيبك.
لحظة صمت غريبة غطّت علينا، بس جوّا الصمت ده كان في كلام كتير، كلام قلوب مش لاقية غير بعضها.
هو قعد أقرب، حط جبينه على إيدي اللي ماسكاها، وصوته خرج متكسر، مليان وجع وراحة في نفس الوقت:
– ليلي أنا خوفت. خوفت أخسرك… خوفت ألاقي نفسي من غيرك.
الكلمة دي نزلت عليّا زي سهم وفي نفس الوقت زي حضن. حسيت إني مش لوحدي في الخوف… هو كمان بيخاف، هو كمان بيتعلق بيا زي ما أنا اتعلقت بيه.
دموعي نزلت من غير ما أقاوم، ضغطت على إيده أكتر وهمست:
– خلاص يا مُراد متخافش. أنا لسه هنا و هفضل هنا.
في اللحظة دي، حسيت إن التعب كله، الألم كله، اتحول لحاجة واحدة… لليقين.
اليقين إننا اتنين، بس قلوبنا بقت قلب واحد، وإنه مهما حصل، الخوف مش هيكسرنا طول ما إحنا سوا.
غمضت عيني وأنا لسه ماسكة إيده… وسبت نفسي أستسلم للنوم، والدفا الوحيد اللي كان مطمّني… إيده اللي ما سبتهاش، وصوته اللي لسه بيرن في ودني:
"خوفت أخسرك."
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل التاسع 9 - بقلم ايات عاطف
تاني يوم صحيت يمكن لأول مرة من فترة طويلة أصحى من النوم وأنا مبتسمة.
مش فاكرة آخر مرة قلبي حس بالراحة دي إمتى… بس النهاردة كان مختلف.
كان لسه في أثر لمسته على إيدي، أثر بسيط لكنه خلاني أحس إني موجودة، إني لسه عايشة.
كنت حاسة بخفة، كأني طفلة صغيرة بتصحى من كابوس طويل ولقت حواليها أمان.
قمت من على السرير بهدوء، بصيت في المراية يمكن ملامحي متغيرة، مرهقة من المرض… بس كنت حاسة جوايا إن فيه لمعة جديدة في عيني.
لمعة أنا معرفتهاش قبل كده.
دخلت الممرضة عفاف، اللي عمري ما حسيت إنها مجرد ممرضة… كانت زي حضن الأم اللي بيطبطب عليا من غير ما أطلب.
ابتسمت لها ابتسامة واسعة كأني بشاركها سر صغير.
_ صباح الخير يا عفاف.
- صباح النور يا حبيبتي، شكلك مبسوطه النهاردة.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين لقيتني بسألها من غير تفكير:
_ قوليلي.. ينفع واحدة زيي تحب؟ يعني في وضعي ده… ينفع ألاقي حد يشوفني مش مريضة، يشوفني أنا؟
شفت في عينيها لمعة حنان وصدق، ابتسمت وقالتلي:
- يا ليلى إنتي جميلة في أي وضع. وحقك تحبي وتتحبي. اللي يقدرك صح مش هيشوف مرضك، هيشوف قلبك.
الكلام نزل على قلبي زي دوا مريح. ابتسمت من غير ما أقاوم، وحسيت بدموعي بتلمع في عيني… دموع فرح مش وجع.
وقتها بس اعترفت لنفسي بالحقيقة اللي كنت بتهرب منها.
أنا بحب مراد.
كل لحظة بيني وبينه كانت بتأكدلي، كل كلمة، كل نظرة، كل خوف كان بيبان في عينيه عليا…
وأنا عارفة إنه هو كمان بيحبني، حتى لو بيخبي وبيحاول يهرب.
لازم أواجهه.
ولازم أقوله إني عارفة… إني حاسه بيه.
لأن يمكن العمر ما يسمحش نفضل ساكتين أكتر.
---
كنت واقفة قدام باب أوضته، قلبي بيدق كإني راجعة أعيش أول لحظة في حياتي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بخبط بخفة، لحظات وسمعت صوته الناعس:
– مين؟
قولت بصوت واطي:
_ أنا ليلي.
اتحرك جوايا حاجة وأنا سامعة خطواته بطيئة لحد ما فتح الباب، شكله لسه صاحي وعيونه نصها سهر ونصها حلم.
ابتسمت غصب عني، وقلت بسرعة قبل ما أتهرب:
_ هستناك تحت في الجنينة… عايزة أتكلم معاك.
هو فضل ساكت ثواني، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة كأنها بتطمني وقال:
– ماشي أنا جاي وراكِ.
نزلت وأنا قلبي بيدق أسرع من أي مرة قبل كده.
الجو كان هادي، والهوا بيهز أوراق الشجر حواليا، حسيت إن اللحظة دي بتتخبّط في صدري من كتر ما أنا متوترة.
قعدت على الكرسي الخشب اللي تحت الشجرة الكبيرة، وأخدت نفس عميق أستجمع بيه شجاعتي.
بعد دقايق سمعت خطواته ورايا… التفت لقيته جاي بهدوء، ابتسامته الخفيفة اللي بقت جزء من قلبي مرسومة على وشه.
قعد جنبي من غير ولا كلمة، وبصلي مستني.
قال بصوته الهادي اللي بيهدي أي عاصفة جوايا:
– ها يا ستي… كنتِ عايزاني في إيه؟
بصيت في عيونه ثواني، وبعدها لقيت نفسي بمسك إيده… مجرد ما لمستها حسستني بالأمان اللي عمري ما عرفته قبل كده.
ابتسمت وأنا لسه ماسكة إيده وبصيت في عيونه من غير ما أهرب.
الكلام خرج مني من غير ما أفكر:
_ مُراد من ساعة ما دخلت حياتي، كل حاجة اتغيرت.
انت خلتني أحب نفسي… حتى ضعفي اللي طول عمري كنت بخاف أبينه.
انت خلتني أعرف مين "ليلي" الحقيقية…
من غيرك كنت هفضل تايهة ومش متصالحة مع نفسي أبداً.
هو كان ساكت، عيونه بتلمع بلمعة مش قادر يخبيها… لمعة وجع وفرح وحب كله متلخبط، بس أنا كنت شايفة جواه أكتر من أي وقت فات.
حسيت إن اللحظة دي فرصتي، فخدت شهيق عميق وقولت من غير تمهيد، من غير هروب:
_ مُراد أنا بحبك.
بحبك أوي بجد.
عايزة أكمل اللي باقي من حياتي معاك.
حتى لو اللي فاضل من عمري مش كتير… هكون عايزة أقضيه كله معاك، بس معاك انت.
إيده شدت على إيدي كأنه خايف أسيبه.
بصلي بعيون كلها صدق وقال وهو بيبتسم ابتسامة مالهاش شبه:
– وأنا كمان بحبك يا ليلي.
بحبك أوي…
أنا بعافر مع المرض ده عشانك، عشان أبقى قادر أفضل معاك.
بقيت بحب حياتي عشانك إنتِ… مش عايز أسيبك… عمري ما هفكر أسيبك.
الكلمات دي كسرت جوايا حاجز من الخوف والشك، حسيت إن كل حاجة اتسندت.
كأننا أخيراً وصلنا للحقيقة اللي كنا بنهرب منها.
---
فضلت أبص في عنيه من غير ما أتكلم… يمكن أول مرة آخد بالي إن الحزن فيها مش عادي، كأن الدنيا كلها سابت فيه أثر.
قربت منه أكتر، وقلت بهدوء:
– مُراد هو إيه السبب اللي مخلّي عينيك طول الوقت شايله وجع كده؟
سكت شوية، ولفّ وشه بعيد عني… بس في الآخر رجع بصلي وقال بصوت واطي:
– من ساعة ما ماما توفت، حياتي كلها اتشقلبت… بابا اتجوز على طول، وكأنها ما كانتش موجودة أصلاً.
انشغل بحياته الجديدة ومبقاش يسأل فيا خالص.
عندي أخت أكبر مني، بس مسافرة، ومش عارف عنها أي حاجة…
حتى لما عرف إني جالي كانسر، ما عملش حاجه غير إنه حجزني هنا في المستشفى وخلاص.
صوته وهو بيحكي خلاني أحس إني شايلة الوجع معاه… وابتسامته الصغيرة اللي اتكسرت نصها في آخر كلماته جرحت قلبي.
كمل وقال:
– أنا يمكن كل اللي كان مخوفني، إني أموت من غير ما حد يفتكرني… من غير ما يبقى ليا أي أثر.
أنا هنا موقفتش… مديت إيدي، ومسكت ايده بقوة.
قلتله بصوت كله إصرار:
_ متقولش كده، إنت موجود، ودايمًا هتفضل موجود…
يمكن الدنيا قست علينا، بس أنا جنبك.
ومش هسيبك تعدي ده لوحدك.
إحنا الاتنين هنتعافى، وهنفضل سند لبعض طول الطريق.
لأول مرة من يوم عرفته، شفت عينيه بتلمع بدموع حقيقية، مش دموع ضعف… دموع حد أخيرًا لقى اللي يفهمه ويشوفه.
ابتسم بخجل، وكأن كلامي رجّعه شوية للحياة، وقال بهمس:
– وجودك فرق معايا يا ليلي… أكتر مما تتخيلي.
وأنا في اللحظة دي بس، حسيت إن كل اللي فاتني من مشاعر وحب… بيتجمع دلوقتي جواه، ومعاه.
---
ليلي وقفت قدام مُراد بابتسامة:
_ مُراد، أنا هطلع أوضتي أرتاح شوية.
مُراد بصّ لها بحنان واضح:
– طيب يا ليلي، ريّحي نفسك… ولو احتجتِ أي حاجة كلّميني.
هزت راسها وابتسمت له ابتسامة خفيفة، وبعدها أخدت خطواتها ببطء في طرقة المستشفى.
وهي طالعة عدت قدام مكتب خالد، قلبها وجعها بحزن… بقالهم كتير ما اتكلموش، وحست إن لازم تسلّم عليه.
رفعت إيدها وخبطت خبطتين خفيفين.
صوت خالد جه من جوه المكتب، متعب لكنه واضح:
– اتفضل.
فتحت الباب بهدوء، وطلّت براسها الأول وبعدين دخلت.
عينيه وقعت عليها فورًا، قام من مكانه بسرعة وهو بيقول بقلق واضح:
- ليلي إيه اللي خرجك من أوضتك؟ إنتِ كويسة؟
ابتسمت له ابتسامة تهديه:
– أنا كويسة، متقلقش… كنت محتاجة أغيّر جو شوية.
ما اقتنعش بسهولة، قعد على طرف المكتب ولسه نظرته فيها قلق:
– طب كنتِ فين؟ دورت عليكي كذا مرة.
قالتها بخفة وهي تحاول تطمّنه:
_ كنت في الجنينة مع مُراد.
كلمة "مُراد" نزلت زي حجر تقيل على قلبه.
ابتسم ابتسامة صغيرة بس كانت محمّلة بالوجع، وغمغم بعد لحظة صمت:
– ليلي إنتِ بتحبي مُراد؟
سكتت ثواني، عينيها لمعت بخجل وهي تهرب من نظرته، وبعدها قالت بصوت واطي لكنه صادق:
_ بصراحة آه، حبيته. مش عارفة لحقت أحبّه إمتى ولا إزاي، بس اللي أعرفه إنه… خلاني أحب نفسي من تاني.
الكلمات دي كانت كالسهم في قلب خالد.
سكت، عينيه اتغرقت بوجع مخفي، وصوته اختفى كأنه مش قادر ينطق.
ليلي لاحظت سكوته، قربت بخطوة وقالت بخوف:
_ خالد إنت كويس؟
رفع عينيه ليها بسرعة، ابتسم ابتسامة كاذبة:
– آه، كويس. ممكن تسيبيني لوحدي شوية؟
هزت راسها بالرفض:
_ لا، مش هسيبك كده. في إيه؟ قولي.
فجأة انفجر صوته وطلع منه اللي كان كاتمه طول الوقت:
– في إيه؟ في إني بحبك يا ليلي! بحبك من زمان… وكنت فاكر إني هعرف أدفن الإحساس ده جوايا، بس مش قادر.
وقف من مكانه وخطوة بخطوة قرب منها، صوته بيرتعش:
– أنا عارف إنك مش من حقي… وعارف إن قلبك مع واحد تاني… بس والله غصب عني، قلبي مش ملكي.
(بلع ريقه وكمل)
- بس عايزك تعرفي حاجة، إني بجد مبسوطلك. مبسوط إنك لقيتِ حد يحبك بصدق، حتى لو الحد ده مش أنا.
الكلام كسر قلبها. دموعها نزلت من غير ما تاخد بالها، وحست بذنب قاتل كأنها السبب في كل وجعه.
_ خالد أنا آسفة…
هز راسه وقال بابتسامة حزينة:
– ما تتأسفيش يا ليلي. الذنب مش ذنبك، قلبي هو اللي اختارك غصب عني. بس بعد إذنك سيبيني لوحدي شوية.
بصّت له نظرة أخيرة، دموعها مغرقاها، وبقلبها حزن تقيل إنها جرحت الشخص الوحيد اللي كان سندها وصاحبها.
سابت المكتب بهدوء، والباب اتقفل وراها… وفي اللحظة دي حسّت إنها فقدت الصاحب الحقيقي اللي كان بيحبها من غير شروط.
---
طلعت أوضتي وأنا حاسة إن في حاجة بتخنقني… مش عارفة أتحمل أكتر من كده.
قفلت الباب ورايا وسندت ضهري عليه، والدموع نزلت غصب عني.
مش قادره أشيل وجع خالد جوايا وهو مش مستاهل مني ده، بس قلبي بيتوجع كل ما ببص في عينه.
أنا حبيت مُراد، حبيته بصدق… بس ليه الوجع ده بيمزقني كده؟
مسحت دموعي بسرعة أول ما سمعت صوت خبطة على الباب.
قلبي دق جامد، بسرعة رفعت إيدي على وشي ومسحت أي أثر للدموع:
_ ادخل.
فتح الباب… وظهر مُراد.
ابتسمت ابتسامة مزيفة كأني طبيعية، بس هو وقف يبصلي، عنيه بتلمع بالقلق:
– ليلي… انتِ كنتِ بتعيطي؟
هزيت راسي بسرعة وأنا بحاول أثبت صوتي:
_ لا… لا، مكنتش بعيط.
قرب خطوة مني وهو بيحاول يقنع نفسه يصدقني، لكن شكله مش مقتنع:
– طب ليه عينك محمرة كده؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة متكسرة:
_ يمكن من التعب… بلاش تدقق.
سكت شوية، وبعدين طلع حاجة من جيبه.
– بصراحة… أنا جيت عشان أديكي حاجة.
بصيت له باستغراب:
_ حاجة إيه يعني؟
مد إيده وظهر في كفه سلسلة فضة على شكل قلب، مفتوح من النص، محفور جواه كلمة "بحبك" وتحتها توقيعه: "مُراد".
حسيت قلبي بيترج فجأة، مشاعر مختلطة فرحة، خوف، وجع.. كلهم في لحظة واحدة.
– دي عايزك تفضلي لابساها على طول. ما تقلعيهاش، كل مرة تبصي فيها تفتكريني.
اتجمدت، عينيا غرقوا دموع من غير ما أحس.
كان بيبصلي بحب نضيف، بس أنا… أنا حسيت كأنها علامة وداع، كأنها آخر حاجة هيفضل سايبها معايا.
قلبي وجعني أووي… حسيت إني مش عايزة اللحظة دي تخلص.
بلعت ريقي، وبصوت مكسور قلت بتردد:
_ مُراد ينفع… ينفع أحضنك؟
مردش بكلمة. هو بس خطفني جواه.
شدني لحضنه بقوة كأنه بيخبيني بين ضلوعه، كأنه عايز يدفني جواه من كتر الخوف إني أضيع.
وأنا… أنا كمان ماكنتش عايزة أسيبه أبدًا.
سندت راسي على صدره، وسمعت دقات قلبه، كانت سريعة… زي دقات قلبي.
"كنتُ في حضنه كأني وجدتُ وطني المفقود،
كل ما في قلبي من خوفٍ وقلق ذاب فجأة…
لكن رغم الدفء، كان في داخلي صدى يقول:
هذا الحضن قد يكون آخر الأمان…
وكأن القدر يهمس لي:
تمسكي به الآن،
فالغد لا يضمن بقاءه."
---
خرجت من حضنه ببطء، كأني كنت بقتلع جزء مني غصب عني…
بصيت له بعيني اللي مليانة أسئلة ملهاش صوت.
مد إيده وناولني دفتر صغير، لونه باهت زي ما يكون عاش معاه سنين من الوجع والسر.
قال بصوت هادي بس فيه ارتعاشة خفيفة:
– خدي ده بس ما تفتحيهوش دلوقتي.
اتسمرت مكاني وسألته وأنا ماسكة الدفتر كأني ماسكة قلبه:
_ أمال أفتحه إمتى؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، مش ابتسامة فرح… كانت ابتسامة حد عارف إن في حاجة جواه مش قادر يقولها:
– بعدين… أنا هبقى أقولك.
قلبي وقع وأنا سامعة الجملة دي. كأني حسيت إن "بعدين" دي بعيدة أوي… يمكن مش هتيجي أصلاً.
هو قال بعدها:
– هرجع أوضتي دلوقتي وأسيبك ترتاحي.
كنت عايزة أصرخ: "ما تسبنيش!"، كنت عايزة أمسك إيده وأشده يقعد جنبي.
حاجة جوايا كانت بتقولي: "ما تسبيهوش يبعد… ما تسبيهوش يمشي."
بس ما عرفتش، كتمت الكلام زي ما بكتم أنفاسي.
قرب للباب، وكل خطوة كان بياخدها كأنها بتسحب مني أمان ما كنتش أعرف إني محتاجاه بالشكل ده.
وقبل ما يخرج، وقف لحظة… بصلي بعينه اللي مليانة أسرار ودموع محبوسة…
وابتسم.
ابتسامة حقيقية، بس موجوعة.
وبعدين خرج و قفل الباب وراه.
قعدت على السرير وأنا ماسكة الدفتر، قلبي بيدق كأني في سباق مع الزمن.
حاولت أهدّي أفكاري… أقنع نفسي إن دي مجرد لحظة عادية، وإنه بكرة هييجي تاني.
بس كان في همس داخلي بيقولي: "المرة دي مش زي كل مرة… المرة دي في حاجة مختلفة."
حضنت راسي بين إيدي، والدموع وقفت عند عيني… مش عارفة تنزل ولا تفضل محبوسة.
كنت بحاول أسمع صوت نفسي، أقول: "هو راجع… لازم يكون راجع."
بس الحقيقة؟ أنا عمري ما كنت خايفة كده زي النهارده.
---
"مُراد"
خرجت من أوضتها… سبتها وهي لسه ماسكة الدفتر والسلسلة، وقلبي واجعني وأنا بسيب إيدي من إيديها.
رجعت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت على الكرسي اللي قُدام الشباك.
حاولت ألهي نفسي بأي حاجة… بس الحقيقة إن كل اللي قدامي كان ليلى.
من أول ما عرفتها لحد اللحظة اللي حضنتها فيها النهارده… كل حاجة عدت قدامي زي شريط سريع.
ضحكتها… خوفها… دموعها اللي كانت بتقع وهي بتحاول تضحك عشان محدش يبان عليه إنها موجوعة.
كنت بشوف نفسي فيها… كنت شايف إننا اتخلقنا من نفس الوجع، بس الفرق إن أنا استسلمت، وهي لسه بتدور على أمل.
أنا مش عارف ليه الإحساس ده مسيطر عليّ… ليه حاسس إن دي آخر مرة هشوفها.
حضنها النهاردة كان مختلف… كان كأن الزمن وقف، وأنا نفسي ما كنتش عايز أسيبها.
كان نفسي أخبيها جوا ضلوعي… أخليها جزء مني، محدش يقدر يقرب منها، ولا يوجعها.
بس معرفتش…
أنا عمري ما حبيت حد زيها… يمكن حبيت قبل كده، يمكن اتعلقت بناس، يمكن ضيعت وقتي في أوهام…
بس ليلى غير. ليلى حقيقية.
ليلى وجعتني بصدقها… خلتني أشوف قد إيه أنا كنت عايش بنص قلب، لحد ما هي دخلت وخلت النص التاني يدق.
يمكن أمشي قريب… يمكن أختفي… يمكن حتى أختار أبعد عشان أحميها من نفسي…
بس جوّه قلبي الحقيقة واضحة:
أنا عمري ما حبيت حد زيها.
ليلى كانت، ولسه، الحب الحقيقي الوحيد اللي عدى على حياتي.
---
"ليلي"
كنت فاكرة إني لما أنام هسكت الأصوات اللي جوا دماغي… أقفل عليها باب عقلي، وأخلي الليل يسرقني من نفسي.
وفعلاً أقنعت روحي بالنوم… لكن نص الليل صحيت، مخنوقة.
قلبي بيوجعني من غير سبب، وكأن حد قابض عليه بإيده.
قعدت على السرير، أخدت نفسي بالعافية… بس كان في حاجة مش طبيعية.
مكنتش عارفة مالي… بس كل جسمي بيصرخ إني مش مرتاحة.
قمت من غير ما أفكر، وكأني بتسحب على نور جوايا بيقولي: "روحيله… اطمّني عليه."
مكنش فارق معايا الوقت متأخر قد إيه… ولا فارق مين ممكن يلومني.
كل اللي كان شاغلني هو إني أوصل لمُراد.
وقفت قدام أوضته، قلبي بيدق أسرع من إيدي اللي خبطت على الباب.
مفيش رد…
ساعتها حسيت رجليا بتتقل، خوف بارد نزل في عروقي.
مديت إيدي على المقبض… فتحته بهدوء، كأني داخلة على سر مخيف.
الأوضة كانت عتمة، بس عيني بتدور عليه بكل لهفة.
وفجأة شُفته… واقع جنب السرير.
جسمه ساكن زي الجماد.
قلبي وقع في رجليا، جريت عليه مسكت إيده.
برد.
إيده كانت تلج… برد يخترقني من جوة.
قربت إيدي المرتعشة ناحيه مناخيره… ملقتش نفس.
في اللحظة دي حسيت إن روحي نفسها بتتسحب مني.
صرخت:
_ مُراد!! لا يا مُراد، لا ما تسبنيش يا مُراد!!
دموعي نزلت غصب عني، صوتي كان بيتقطع:
_ ما ينفعش تسيبني دلوقتي… ما ينفعش، عشان خاطري فوق!
ما تودعنيش بدري كده يا مُراد!
حضنته بكل قوتي… كنت حاسة إني لو ضميته أكتر هيرجعلي.
_ إنت قولتلي إنك هتفضل جمبي… قولت إننا هنتعافى سوا.
طب ليه مشيت بدري اوي كده؟!
دموعي بللت هدومي وأنا بترجّيه:
_ أنا بحبك، والله بحبك.
وهفضل جمبك، بس بالله عليك فوق… ما تسبنيش.
أنا من غيرك ولا حاجة، يا مُراد… بالله عليك رد عليا.
كنت بنادي عليه بهستيريا، كل صرخة بتقطع قلبي.
كأني مصدقة إن زعيقي ممكن يرجعه… إن صوتي ممكن ينقذه من الصمت.
لكن كل اللي بيرجعلي هو الصدى.
الأوضة كلها بقيت بتردد اسمه… وأنا حضناه وبعيط، كأني بلحق آخر أنفاسه.
رواية النهاية التي لم اختارها الفصل العاشر 10 - بقلم ايات عاطف
بعد 3 سنوات، المقابر.
السماء كانت صافية بشكل غريب، والشمس نازلة بهدوء كأنها بتودّع اليوم من غير ما تعمل دوشة.
والهواء بيعدي خفيف بين الشجر في المقابر، كأنه بيهمس أسرار محدش عارفها غير اللي راحوا.
ليلى وقفت قدام قبر مراد، ماسكة باقة ورد أبيض في إيدها، وعلى وشها ابتسامة حزينة، ابتسامة كلها وجع ورضا في نفس الوقت.
حطّت الورد قدام قبره بهدوء، وبعدها قعدت على الأرض، زي ما اتعودت من تلات سنين.
بصّت على اسمه المنقوش على الرخام وقالت بصوت واطي، كأنها خايفة تصحّي غيابه:
_ إزيك يا مراد… جِتلك زي كل مرة… عارفه إنك مستنيني.
سكتت لحظة، إيدها راحت تلقائيًا على السلسلة اللي في رقبتها.
مسكتها كويس وقالت:
_ أنا عمري ما قلعتها يا مراد… من يوم ما إدتهالي وأنا لابساها، وحاسّة إنها مش مجرد سلسلة… دي إنت. إنت حواليا في كل نفس.
ودفترك؟ لسه معايا… كل كلمة كتبتها فيه حافظاها عن ظهر قلب، كأنها محفورة جوايا مش على ورق.
ضحكت ضحكة صغيرة باكية وهي تبص للأرض:
_ عارف؟ كنت ساعات أقرأ كلامك وأنا منهارة، وألاقيك بتطبطب عليا بالكلمات… كأنك معايا، كأنك بتقولي ما تخافيش. وفعلاً كنت بصدق.
رفعت وشها ناحية السماء وقالت:
– أنا اتعافيت يا مراد… وبقي عندي محل ورد لأني عارفه انك بتحبه. السرطان اللي كان بياكلني خلاص مشي… يمكن كنت السبب، يمكن حبك هو اللي خلاني أقاوم وأعيش.
بس برضه… إنت اللي مشيت. عارف دي أصعب حاجة؟ إني أقف قدام قبرك وأكلمك وأنا عايشة، وأنت لأ.
سكتت لحظة، عينيها لمعت بدموع محبوسة:
_ مراد… عارف باباك؟ طلع بيحبك أوي… بس للأسف، معرفش قيمتك غير لما مشيت. كان دايمًا فاكر إنك ضعيف، بس لما رحلت… اكتشف قد إيه كنت قوي.
واختك… ندمت، ندمت إنها سابتك تواجه كل حاجة لوحدك. كانوا كلهم فاكرين إنك مش محتاجهم… مع إنك كنت أكتر واحد محتاج لحضن.
قربت أكتر من القبر، كأنها بتحاول تسمعه:
_ أنا بس كنت عايزة أقولك إنك عمرك ما هتبقى ذكرى بالنسبة لي… لأ، إنت مش مجرد فصل عدى من حياتي. إنت حياتي كلها يا مراد. محفور في قلبي، وعمري ما هعرف أحب بعدك. أنا بحبك… بحبك أوي، ووحشتني لدرجة مش قادره أوصفها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تمسح دموعها:
_ يمكن الناس شايفيني قوية عشان اتعافيت… بس محدش يعرف إن قوتي دي منك. إنت اللي علمتني أواجه. إنت اللي سبت فيا أثر عمري ما هعرف أنساه.
مدّت إيدها ولمست الرخام برفق، كأنها بتلمس إيده:
_ استناني يا مراد… يوم ما ييجي معادي، أول مكان هاجري عليه حضنك. وساعتها مش هسيبك تاني، ومش هيكون في موت يفرقنا.
قامت من مكانها بهدوء، حطّت إيدها على قلبها وقالت آخر كلمة وهي بتبتسم ابتسامة مكسورة:
_ أنا لسه ليلى اللي بتحبك… ولسه هنا..، ولسه بحبك أكتر من أي وقت.
---
خرجت من باب المقابر، وأنا لسه ماسكة وردة بيضا من البوكيه اللي سبتُه لمراد…
حسيت بالهوا بيخبط في وشي بهدوء، كأن روحه لسه معايا بتطبطب عليا.
لكن أول ما رفعت عيني، شُفته… خالد.
كان واقف برّه، مستنيني، زي ما بيعمل كتير من غير ما يقول.
أول ما نظر ليا، ابتسم ابتسامة كلها وجع وقال:
– كنت عارف إني هلاقيكي هنا يا ليلي.
بصيت له بهدوء، ابتسامة صغيرة ارتسمت على وشي من غير ما أقصد وقلت:
_ ما إنت عارف يا خالد… أنا باجي أزور مراد كل جمعة.
هز راسه بابتسامة حزينة وقال:
– عارف يا ليلي… عارف.
كان في حاجة في عينيه بتوجعني، كأنها كسور متراكمة من سنين.
فغيّرت الموضوع وقلتله:
_ أنا هروح بقى المحل، عندي شغل هناك.
قرب مني خطوة وقال بسرعة:
– طب ممكن قبل ما تروحي… نتكلم شوية؟ نروح كافيه كده؟
بصيت في عينيه، لقيت الرجاء واضح فيها… معرفتش أرفض، فهزيت راسي وقلت بهدوء:
_ ماشي يا خالد.
مشينا مع بعض لحد ما قعدنا في كافيه صغير على ناصية الشارع.
ريحة القهوة مالية المكان والهدوء حوالينا كأنه متعمد.
قعدنا قصاد بعض، طلبنا قهوة، وأنا كنت متوقعة إنه هيطول قبل ما يدخل في الموضوع… لكنه ما استناش دقيقة.
قال وهو بيبصلي بوجع:
– وبعدين يا ليلي؟ هتفضلي كده لحد إمتى موقفه حياتك.
اتنفست بعمق، قلبي اتقبض من كلامه، بس رديت بهدوء، زي واحدة حافظه الإجابة دي من زمان:
_ خالد إنت عارف إني مش هقدر أحب حد غير مراد. حتى لو حاولت… هبقى بظلم اللي قدامي، لأني قلبي مش معايا.
شفت نظرته وهو ساكت، كأنه بيتقاتل جوا نفسه، وبعد لحظة اتكلم وصوته فيه ارتعاشة وجع:
– ليلي أنا وافقت إننا نفضل صحاب عشان أكون جمبك. عشان أشوفك حتى لو مش ليا. بس بجد صدقيني، أنا لسه بحبك. وزوالله هبقى راضي بأي حاجة، بس تبقي معايا يا ليلي.
الكلمات دي قطّعت قلبي، حسيت بيه، حسيت قد إيه وجعه بيأكل روحه.
مدّيت إيدي ومسكت إيده على الترابيزة، وبصيت له بعيون كلها امتنان وقلت بابتسامة حزينة:
_ خالد إنت من أجمل الناس اللي عرفتهم في حياتي. إنت اللي وقفت جمبي، ساعدتني أتعافى، سندتني في لحظات محدش كان موجود فيها. ربنا يعلم إنك كنت أجدع صاحب في حياتي طول التلات سنين اللي فاتوا.
اتوقفت لحظة، صوتي اتكسر وقلت:
_ وعشان إنت مهم عندي ومش أي حد… أنا مش هرضهالك يا خالد. مش هرضى إنك تفضل معايا وقلبك متعلق بيا، وأنا قلبي مش ليك. إنت ما تستاهلش كده… إنت تستاهل حد يحبك بجد، يشوف قلبك ويقدّره، ويشوف جمالك اللي أنا عارفاه. يمكن أنا مش هقدر أديك الحب اللي تتمناه، ولا اللي تستحقه.
كانت عينيه مليانة دموع بيقاوم إنها تنزل، وأنا ابتسمت له ابتسامة أخيرة، ابتسامة كلها وجع بس كمان فيها راحة… لأني عارفة إني أخيرًا قلت اللي لازم يتقال.
سحبت إيدي من إيده بهدوء، وقمت من مكاني، وقلتله:
_ خالد شكراً على كل حاجة. بس لازم تبتدي تشوف نفسك وتدي قلبك لحد يستاهله.
بصيت له للمرة الأخيرة… ابتسامة صغيرة مرسومة على وشي، رغم الدموع اللي بتلمع في عيني… وبعدها مشيت.
وأنا ماشية حسيت قلبي موجوع، بس في نفس الوقت مرتاح… مرتاحة إني أنهيت حاجة كانت بتعذّبه. مرتاحة إني سبت له فرصة يبدأ يدور على نفسه من غير قيودي.
مسكت السلسله بأيدي، كأنه معايا و قولت:
"كل الناس بيقولوا إن الموت نهاية… بس أنا مصدقة إنك لسه عايش جوايا يا مراد، وإن يوم ما أقابلك تاني، هتعرف قد إيه فضلت أحبك بعد ما الدنيا كلها مشيت."
---
النهاية.