تحميل رواية «القرية» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، تم تعييني في مكتب بريد بإحدى القرى النائية، والتي يمنع علي ذكر اسمها لأسباب ستظهر لاحقًا. كان ذلك عام 1981. حينها كانت أغلب القرى ريفية بسيطة، لكن تلك ، منذ أول يوم حططت فيها قدمي، شعرت بالغرابة. فهي ليست منعزلة عن العمران، ويلزمني السير أكثر من ساعتين بعد النزول من أقرب محطة قطار فقط. لكن أيضًا، عادات أهلها غريبة. بعد أذان المغرب، وحين يهبط الليل، يغلق الأهالي بيوتهم المتفرقة، ولا ترى أي أثر للحركة في طرقاتها البدائية. الهم، إلا من قهوة في آخر تظل ساهرة لوقت متأخر....
رواية القرية الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، تم تعييني في مكتب بريد بإحدى القرى النائية، والتي يمنع علي ذكر اسمها لأسباب ستظهر لاحقًا. كان ذلك عام 1981. حينها كانت أغلب القرى ريفية بسيطة، لكن تلك القرية، منذ أول يوم حططت فيها قدمي، شعرت بالغرابة. فهي ليست منعزلة عن العمران، ويلزمني السير أكثر من ساعتين بعد النزول من أقرب محطة قطار فقط. لكن أيضًا، عادات أهلها غريبة.
بعد أذان المغرب، وحين يهبط الليل، يغلق الأهالي بيوتهم المتفرقة، ولا ترى أي أثر للحركة في طرقاتها البدائية. الهم، إلا من قهوة في آخر القرية تظل ساهرة لوقت متأخر. تلك القهوة التي كانت تشبه ألحانه، وكأننا لازلنا في أيام الملك، حيث يحتسي الموظفون المغتربون فيها البيرة والجعة، ولا يقصدها من الأهالي أي شخص غير العاملين فيها.
ولأني لم أشعر بالراحة للإقامة في استراحة البريد مع بقية زملائي، حيث لدي طقوسي الخاصة، بحثت عن سكن خارجي. لكن القرية بسيطة، وأهلها لا يقومون بتأجير المنازل التي يعيشون فيها لأي غريب عنها. حتى دلني أحد أبناء الحلال لمنزل يشبه القصر، كان يقطنه باشا من أيام الملك، حيث كانت تلك القرية ضيعته.
قال لي الرجل بالحرف الواحد: "المنزل خالٍ، لا أحد يعيش فيه، ولم يطالب أحد من الورثة بملكيته، حتى أن الحكومة نفسها نسيته، ولن تقابلني أي مشكلة في الإقامة فيه. وأهل القرية يرحبون بذلك، وليس لديهم أي اعتراض. فقد قام بالسكن فيه أحد الموظفين من مدة طويلة، سنوات عديدة، قبل اختفائه."
وقت الظهر، قادني الرجل للمنزل الذي تحيط به حديقة كبيرة، متهدمة السياج، تعفو فيها أشجار عجوز غير مشذبة، واحتلتها الحشائش حتى كادت تبتلع المنزل. نمت على جدرانه، والتصقت أفرع الأشجار بشرفاته الجميلة القديمة.
كان المنزل غارقًا في الفوضى والوساخة، ويحتاج لوقت طويل من أجل النظافة وتركيب مصابيح نيون عوضًا عن المحطمة. عندما دخلنا المنزل، لم يكن يعمل فيه أي مصباح، كانت كلها مهشمة ومحطمة. حتى أننا اضطررنا للسير على ضوء أشعة الشمس المتسلل من الشرفات وسقف المنزل.
اليوم التالي، أخذت نفسي نحو المنزل، ولأني كنت أعلم أنه يحتاجني وقت طويل، لم أذهب للعمل، وقمت بحملة نظافة للطابق الأرضي. وأدهشني السجاد القيم، الفخم، المفروش على الأرضيات، والأثاث الأوروبي الموزع في أرجائه، اللوحات المعلقة والتي تحطم بعضها بفعل الزمن.
قمت بتغيير بعض المصابيح، وانتظرت سباك القرية، الذي حضر وقت الظهر تحديدًا لتصليح مواسير الحمام والمطبخ، والذي سرعان ما انصرف فورًا مع حلول وقت العصر. قال إنه سيحضر في الغد لإنهاء عمله.
رواية القرية الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
ودعت السباك المرتبك علي باب المنزل وأنا أحاول أن أوضح له بعد أن لاحظت اضطرابه، أنه ليس لدي مشكلة بالانتظار حتى الغد.
رمقني السباك بنظرة مطولة وتمنى لي ليلة سعيدة.
حدقت في ساعتي الكاسيو، كانت تشير للرابعة عصرًا مما أثار دهشتي، لازال هناك وقت طويل حتى يهبط الليل من فوق قمة الجبل، لكن لأهل هذه القرية عاداتهم التي علي أن أحترمها.
رتبت بعض الأغراض وصنعت فنجان قهوة وضعته على طاولة تتوسط الرواق وشرعت في إخراج ملابسي من حقيبة قديمة وضعتها على الأريكة وسمحت لنفسي بجلسة لألتقاط الأنفاس وأنا أدخن سيجارة.
كانت جلستي أمام الباب المفتوح بإطلالة على الحديقة الكبيرة، هنا لاحظته مندفعًا نحوي من بين الحشائش الطويلة التي نمت في الحديقة، رجل خمسيني نمت لحية شعثاء من ذقنه غير المشذبة.
شفته السفلية متورمة إثر ندبة ناتجة عن إصابة قديمة وكان حاجباه كثين، بدت عيناه الغائمتان وهو يقترب كأنهما تدمعان بشكل دائم، من المؤكد أنه لم يكن وسيمًا، بوجه غزته التجاعيد بشكل غير اعتيادي، وذقن بارزة عريضة، وأنف كبير، بدا أنه كان يتمتع بحضور في الماضي.
مرتديًا قميصًا مطوي الكمين وقد تدلى الغليون من فمه وكان يعرج على قدمه التي من المحتمل أنها تعرضت لإصابة كبيرة في الماضي.
نهضت من مكاني للقيه، لكنه توقف على باب المنزل.
قال: هل يمكنني مساعدتك أيها السيد؟
ولما لاحظ ترددي قال: لن أكلفك مبلغًا كبيرًا!
رفعت يدي بقلة حيلة وأنا أمسح رواق المنزل الذي رغم جهدي ظل غارقًا في الفوضى.
قلت: تفضل.
قال: إذًا أنت تسمح لي بدخول منزلك؟
قلت: ليس منزلي على وجه الدقة، لكن تفضل.
تمتم الرجل بكلمات من تحت شفته المتورمة وطوى ذراعيه ليحتضن صدره كأنه يدخل مكانًا مقدسًا أو معبدًا بوذيًا ثم قفز على ساق واحدة نحو الداخل.
قال وهو يرمق الرواق: من أين ترغب أن أبدأ؟
قلت: من أي مكان تحب، المهم أن نتخلص من تلك الفوضى التي تزعجني.
رغم كبر سنه بدا الرجل نشيطًا وكان يعمل بقوة شابين فتتين، يرفع الأثاث وينظف أسفله ثم يعيده لمكانه، كان يعمل ضعفي في نفس الوقت حتى أنني فكرت أن هذا الرجل يستحق الأجرة التي يطلبها، بل وأكثر، كان يعامل المقاعد، الطاولات، المزهريات بحذر وانتباه بطريقة تشعرك أنه يقدر قيمتها ويرغب أن لا يصيبها أي خدش.
كان يتحرك بسرعة وينفخ التراب بفمه من على أفاريز الشرفات والنوافذ، إذًا لم يفتني شيء، فهذا الرجل متمرس في تلك الأعمال ويعرف عمله جيدًا.
أشفقت عليه حتى أنني دعوته لفنجان قهوة.
تصلب الرجل في مكانه لحظة بامتنان قبل أن يقول: سأصنعه بنفسي إذا لم يكن لديك مانع.
قلت: لا مشكلة.
قبل أن أشير على اتجاه المطبخ، مشى الرجل من تلقاء نفسه تجاهه كأنه يعرف مكانه من قبل.
تأملت المكان لحظة اختفائه والذي بدا منظمًا، نظيفًا ومرتبًا حتى أنني لم ألحظ أنه فعل كل ذلك في وجودي.
كانت الشمس قد مالت جهة الغرب تلك اللحظة وظهر شفق قرمزي خلف التلة.
رحت أتأمله وأنا مستلقٍ على الأريكة.
قال الرجل فجأة وهو يضع فنجان القهوة أمامي على الطاولة: يجب أن أغادر الآن.
قلت: اشرب قهوتك على الأقل؟
ردد الرجل بملامح ثابتة: يجب أن أرحل الآن.
قلت: لحظة واحدة ومشيت تجاه حقيبتي لأحضر النقود.
عندما التفت، كان قد رحل.
هرعت تجاه باب المنزل المفتوح لألحق به في الحديقة لكنه كان قد اختفى.
نادي بأسمه، فكرت أنه ربما اختفى بين الأشجار ولم أفلح في رؤيته لكني لم أتلق أي رد.
شبكت كفي بضيق.
قلت وأنا أهم بالدخول للمنزل: كان يمكنك الانتظار حتى تتلقى أجرتك.
لكني تذكرت أنني لا أمتلك طعامًا، الشمس على وشك الغروب وستغلق كل أبواب الدكاكين في وجهي.
نفضت الأتربة التي علقت في ملابسي، أغلقت باب المنزل وأخذت الطريق تجاه القرية.
للقرية شارع واحد يتوسط المنازل، بدا أنني تأخرت فقد كانت الأبواب تُصك على الجانبين حتى أنني فكرت في الركض.
تمكنت أخيرًا من الوصول لبقال القرية وأنا ألهث.
كان يعد نفسه للرحيل.
طلبت منه تبغًا وجبنًا وسكرًا.
حدق بي الرجل بتركيز قبل أن يقول: شطبنا يا أستاذ.
قبل أن أفتح فمي لأتوسله، صك باب الدكان وأولاني ظهره بلا اهتمام مواصلًا طريقه نحو منزله.
بخطى متكاسلة عدت أدراجي خالي الوفاق بمعدة تكركر، أحد عشر سيجارة لن تصل بي حتى منتصف الليل.
بطريقي راودتني فكرة أن أقصد استراحة العاملين بالبريد لأستعير بعض الأطعمة لكني شعرت بالحرج.
حل صمت محدق عندما وصلت المنزل ورغم أن الشمس للتو غربت إلا أن ظلامًا حالكًا استوطن المنزل.
شغلت مصابيح النور وسمحت لنفسي بجولة في الطابق الأرضي، حتى تلك اللحظة لم أصعد للطابق العلوي.
كان هناك حمام، مطبخ، غرفة ضيافة، ينتهي الرواق بباب قبو مظلم بممر طويل تكدست فيه أكوام من الخردة، الأثاث والملابس القديمة.
تركت القبو خلفي، بطريقي نحو المطبخ، أخذ ضوء المصباح يزداد خفوتًا وظلام الليل يزداد حلكة حوله.
ومضت دائرة الضوء على الرفوف الخاوية، كانت هناك طاولة أسفل نافذة تطل على ما بدا حظائر مهجورة.
لمع ما يشبه ظلًا متوجهًا ناحية المطبخ سرعان ما انمحي في العدم.
همست: هل من أحد هناك؟
ولأني أدرك عبثية الافتراض تابعت سيري مجتازًا الممر القصير إلى غرفة الضيافة الوحيدة لأرى إمكانية نومي داخلها.
ما أن فتحت باب الغرفة حتى قابلتني روائح عطنة جعلتني أنحي الفكرة جانبًا، بل وأغلق الباب أيضًا.
عاود المصباح وميضه المتقطع، ولأنه ليس المصباح الوحيد الذي قمت باستبداله اقتنعت أن مصباح المطبخ به عطب وعلي استبداله في الصباح.
اقتنعت بفكرة نومي في الرواق على إحدى الأرائك الواسعة إلى جانب طاولة استقرت فوقها مزهرية بديعة.
افترشت بطانية على الأريكة، كان الجو معتدلًا ولن أحتاج لغطاء.
أخرجت سيجارة، أشعلتها وأنا أحدق بالجدار.
كانت هناك صورة مجعدة بالأبيض والأسود بخلفية صفراء تلطخت بشيء ما ربما يكون قهوة لأربع فتيات شابات يقفن في مرعى يحملن بأيديهن مذاري جمع القش.
التقطت الصورة في يوم صيفي جميل، وقفن مبتسمات أمام الكاميرا وقد ارتدين جميعهن أثوابًا ووضعت اثنتان منهن غطاء على رأسيهما.
كن مصطفات أمام المصور بالرغم من أن ذلك كان منذ زمن طويل.
نهضت من مكاني لأتبيّن ملامحهن غير الواضحة، راحت المصابيح تومض بضوء متقطع كأنها لا تسمح لي برؤيتهن.
ليس مصباح المطبخ وحده بل كل المصابيح.
كانت وجوههن تظهر وتختفي على ضوء المصابيح المتقطع فتزداد بهجة.
للحظة بدت لي عيونهن تنز دموعًا سالت على الصفراء التي في خلفية الصورة.
تراجعت للخلف بارتياب، ما أن ابتعدت حتى عادت المصابيح تعمل بطريقة عادية وتوقف الوميض المتقطع.
رواية القرية الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
وميض المصابيح المتقطع أزعجني للحد الذي دفعني لتنحية فكرة التحديق في الصورة مرة أخرى وتركها حتى الصباح. هؤلاء الفتيات الجميلات في الصورة لن يتركن الجدار، لن يرحلن.
استلقيت على الأريكة أريح ظهري الشاكي أكثر من ربع ساعة حتى شعرت بالملل والخنقة. في هذه القرية لا وجود للتلفاز، وعليّ أن أفكر في شيء يضيع الوقت.
لا أعلم من أين أتتني تلك الفكرة، لكن كان عليّ تنفيذها. فتشت حقيبتي حتى عثرت على كشاف، تأكدت أن البطاريات تعمل. أعددت وميض الكشاف أكثر من مرة حتى اطمأننت من كفاءته.
أنهيت لفافة التبغ، سحقتها في المنفضة وعبرت الرواق تجاه القبو. ليس مستبعداً أن أجد هناك تلفازاً قديماً أو حتى مذياعاً تم تخزينه مع الخردة.
فتحت باب القبو الذي أصدر صريراً باكياً. كان القبو ممتداً أمامي إلى ما لا نهاية. تكدست داخله أكوام من الملابس والأثاث والتحف المهشمة حتى ظننت أنني داخل قصر أثري. ولاحظت ملابس مختلفة مهملة مكدسة. كان القبو ممتلئاً حتى آخره. الشخص الذي قام بتخزين كل تلك الأشياء أعتقد أنه كان حريصاً ألا يتخلص من أي غرض حتى لو كان تافهاً.
كانت هناك طبقات من التراب حين وضعت قدمي على أرضية القبو. أضاء الكشاف الممر أمامي. كتل من الملابس القديمة مطوية بعناية كأنها معدة للبس. قيمة الخامة.
فساتين كاملة لازالت بحالتها، حتى إنني اشتممت بقايا العطور فيها. عطر عتيق صمد كل تلك السنين، لابد أنه فاخر. كانت الفساتين في معظمها تعود لقوام فتيات شابات. ربطت ذلك بالصورة التي كانت معلقة على الجدار. قصات ملابس كانت سائدة في بلاد غرب أوروبا في بداية القرن الماضي.
أوشحة عنق وقبعات بحيرة البجع، مشابك ومشدات كانت تستخدم لارتداء الفساتين. من بين تلك الملابس كان هناك رداء طفلة صغيرة ملطخ بنقط من الدم، وأخرى لا تليق إلا بكونت أو أمير أو زعيم عصابة.
عبرت بين مزهريات، سجاجيد، ثريات، فناجين ملونة وأباريق، أطباق بنقوش أشجار. كنت حريصاً ألا أدهس أي شيء، لذا كانت خطواتي بطيئة على ضوء الكشاف.
مجموعة من اللوحات تزيد على المئة مرتبة فوق بعضها حتى السقف. قبل نهاية الرواق كان هناك جهاز جرامافون يجلس وحيداً يتوسط مجموعة من الأسطوانات مغلفة بأكياس بلاستيكية وبدت حالتها جيدة.
قفز فأر من بين الأغراض جعلني أجفل وأتراجع خطوات للخلف لألتصق بالجدار. ومض مصباح نيون مهشم الطرف فوق رأسي تماماً. كان ظهري ضغط على القابس حين ارتطمت بالجدار.
ظهرت كتل الأغراض المكومة، مجموعة من الأشباح الحلزونية بظلال قاتمة. ارتفعت غيمة من التراب جعلتني أسعل. احتضنت الجرامافون والأسطوانات وسرت قاطعاً القبو نحو الباب. من خلفي راح ضوء المصباح يومض بتقطع.
التفتت للخلف بسرعة. في إحدى الومضات لمحت جسد فتاة شابة بقميص زيتوني مبتل منزوع الكمين، محتضنة صدرها بيديها يتساقط منها الماء. واحدة من فتيات الرسام الفرنسي بول غوغان. ثم انطفأ المصباح.
صوبت ضوء الكشاف تجاهها. بدا المكان خالياً ولا أثر لأي بشر غيري داخله. مشيت بحذر نحو مؤخرة الرواق حيث كانت الفتاة تقف، وجدت قطرات من الماء لطخت الأرضية. كأن شخصاً مر من هنا للتو.
حملقت بسقف القبو، كان من الأسمنت المسلح ولا أثر لشقوق أو تسريب خارجي ولا مطر بالخارج. شعرت برعشة جعلتني أهتز. على ضوء الكشاف واصلت طريقي بسرعة نحو باب القبو الذي ما إن عبرته حتى انغلق بقوة محدثاً صوتاً صارخاً.
أجلست جهاز الجرامافون على طاولة إلى جانب الجدار وتركت الأسطوانات إلى جواره. أشعلت لفافة تبغ وأنا أحدق بباب القبو لدقيقة قبل أن أستعيد تركيزي.
في الخارج كانت ريح متوسطة تعصف بأشجار الحديقة واستطعت أن أسمع صوت صريرها. أعددت فنجان قهوة في المطبخ وكانت هناك نافذة مزججة تطل على الحديقة الخالية. وضعت فنجان القهوة بيد والسيجارة بيد، واضعاً المطبخ خلفي.
في تلك اللحظة خارج النافذة رأيت فتى صغيراً يمر بسرعة خارج المنزل. كانت لقطة ولم يظهر مرة أخرى. هرعت تجاه الرواق، تركت فنجان القهوة وانطلقت نحو باب المنزل.
نزلت درجات رخامية أوصلتني بدرب توسط الحديقة. مسحت المكان بعيني. كان المكان خالياً. التففت حول المنزل من كل الجهات. استغرقني ذلك بعض الوقت وأنا أفرك عيني حتى وصلت باب المنزل مرة أخرى وأنا أكاد أفقد ثباتي.
دلفت للداخل، أخذت رشفة من فنجان القهوة الذي كان ينتظرني. ووضعت أسطوانة في جهاز الموسيقى على أمل أن تعمل. انطلقت موسيقى هادئة أراحت أعصابي. حينها ألقيت بجسدي على الأريكة في مقابلة اللوحة على الجدار.
ارتعشت مصابيح السقف وراحت تومض بتقطع. عيني مثبتة على اللوحة، جسدي يرتعش بوتيرة متصاعدة. الموسيقى تصدح، واللوحة المصورة بالأبيض والأسود نقصت شخصاً. إحدى الفتيات الأربع انمحت من الصورة ولم يتبق منها إلا مذرات القش مثبتة في الهواء.
حاولت أن أتذكر وجه تلك الفتاة في اللوحة، أن أقنع نفسي أنها لا تمتلك ملامح فتاة. لكن وجه التشابه أصابني بالإحباط وجعل دقات قلبي تضربني بشدة.
رواية القرية الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
مسدت وجهي بكفة يدي متمنياً أن تنمحي مخاوفي ويعود كل شيء لنقطة البداية.
أنهضت جسدي المرهق غير المتزن، قصدت باب المنزل تحت أنظار وميض مصابيح متقطع.
صككت الباب خلفي.
في الحديقة تنشقت جرعة هواء بارد منعشة.
ودعت المنزل على أنغام سيمفونية بيتهوفن التاسعة وأنا أسير على أوراق أشجار جافة لها حفيف محزن.
المكان الوحيد الذي أعرف أنه لا يزال ينبض بالحياة حانة القرية على حافة المدينة الميتة.
مشيت بين البيوت المغلقة، منازل عامرة بالبشر تخضع لسكون دامٍ.
لا صوت، لا همسات، لا صراخ رضيع، ولا احتجاج امرأة.
وكان هناك شيء لامع على أبواب المنازل رأيته كلما انعكست الإضاءة على جدران المنازل.
شيء يشبه تمثالاً صغيراً أو قطعة معدن.
في كل مرة تدهشني هذه القرية حتى أنني اعتدت غرابتها.
وتذكرت عندما سألني السباك حينما كان في منزلي باندهاش: "ألم يمنحك عبد المتعال أوشابتي لتعلقها على باب المنزل؟"
الآن فهمت ما يعنيه "أوشابتي"، قطعة نحاسية لعينة من أيام الفراعنة.
أنوار حانته تسطع من بعيد منعكسة على بقايا شجرة صفصاف.
كانت حانته ممتلئة بحفنة من البشر.
جلسوا على مقاعد قديمة أمامهم طاولات قذرة.
قابلني نادل غزت وجهه الدمامة بنظرة باهتة مصدومة.
"كيف حضرت هنا في ذلك الوقت؟" قال باندهاش.
"كيف خرجت من منزلك؟"
تفحصت ساعتي.
كانت تشير للحادية عشر ليلاً.
قلت: "عادي، الساعة لا تزال الحادية عشر."
قال النادل بصدمة: "يعني لم يقابلوك؟"
قلت: "لا، لم يقابلني أحد. ثم من قد يمنعني من السير في الطرقات؟"
قال النادل: "أنت محظوظ."
ثم صرخ أحد الناس على النادل، فتركني ورحل.
رمقني رواد القهوة بصدمة، المحليون منهم، بينما بدا الأمر عادياً للموظفين من خارج القرية.
بينما سرت نحو النادل مرة أخرى.
"ماذا تعني بقولك؟ للقهوة مواعيد محددة؟"
"لا تشغل بالك،" قال النادل وهو يرمق الطريق خلفي.
"تفضل بالدخول."
"شاي، أم قهوة؟"
"قهوة من فضلك."
جلست على أحد المقاعد بجوار موظف رأيته مرة بجوار مكان عملي.
رحب بي الرجل بابتسامة كبيرة.
"مرحباً بك في القرية الصامتة."
قلت: "أهلاً وسهلاً."
أردف الرجل بتذمر: "لا أعلم لماذا ترسل بنا الحكومة إلى تلك القرى البعيدة المنعزلة."
"تصور، منذ حضرت هنا للوحدة الصحية لم يحضر لنا مريض واحد. أهل هذه القرية لا يمرضون!"
قال زميل لي بالعمل لم أكن لاحظته بعد: "وأنا لم أرسل ولا برقية حتى الآن."
"مكتب بريد حديث، صُرف عليه آلاف الجنيهات من أموال ضرائب الشعب، لا يطرقه أحد ولا نفر. اللهم إلا من رسالة شهرية ترد إلينا من خارج القرية لأحد الفلاحين يدعى مسعد عبد الرؤوف."
"تصل كل شهر في موعدها ونقوم بتوصيلها للشخص المعني الذي يفتحها أمام الموظف، يبحلق فيها ويقوم بتمزيقها فوراً."
همس عامل الوحدة الصحية: "هناك شيء آخر. أشتري كل يوم من البقال شاي وسكر وكافة احتياجاتي. لا شيء ينقص في دكانه ولا أعلم من أين تأتي بضاعته؟"
رد عليه زميلي في العمل: "أهل هذه القرية منقطعون عن العالم، أشك أن لا أحد منهم أقرباء خارج القرية."
رحت أستمع لحديثهم الغامض، الباهت.
وفي عقلي ومضات للمواقف التي حدثت معي في المنزل.
وشعرت بالألفة بينهم وأحببت جلستهم.
"شطبنا،" قال النادل وهو يشير لساعة عتيقة علقت على الحائط.
نهض كل الحاضرين، بدا أنهم معتادون على ذلك.
نهضت أنا الآخر وأنا أعاين الساعة.
منتصف الليل تماماً.
بدأ عددنا يتناقص مع كل الخطوات التي نبتعد فيها عن القهوة.
منزلي على مشارف القرية، لذا كنت أنا الشخص الذي يمشي بمفرده في النهاية.
لطالما كنت وحيداً في حياتي رغم الزحمة التي تحيط بي.
لا أحتاج لتذكير بذلك.
لكن السكون والظلمة صور مؤطرة لتاريخي الحافل مع العزلة.
المنازل مغلقة على جانبي الطريق.
أسير وأنا أُدندن، في فمي لفافة تبغ.
حتى كلاب تلك القرية لا تنبح ليلاً.
لم أرَ ولا قطة في الطريق أو تعبر بين المنازل.
قلت: "حتى السباك لم يظهر اليوم."
استقبلتني الحديقة الكئيبة بأشجارها الضخمة.
مجموعة من الحراس بظلال طويلة تشيعني نحو المنزل.
باب المنزل مغلق كما تركته.
الموسيقى تصدح أيضاً.
مع اقترابي من الباب شعرت بحركة.
خطوات أكثر من شخص تتحرك في الرواق.
وضعت يدي على مقبض الباب المذهب.
كان المعدن بارداً الملمس.
انفتح الباب بسهولة ويسر.
على ضوء المصابيح مسحت الرواق الذي كان خالياً.
وضعت قدمي بتردد داخل المنزل.
المقاعد، الطاولات، كل شيء في مكانه.
كان الوضع أقل مأساوية الآن.
الصورة الملتقطة على الجدار كاملة.
أربع فتيات جميلات مبتسمات للكاميرا.
اقتربت من الصورة، حدقت بوجه الفتاة التي أعتقد أنني رأيت طيفها في القب.
شابة نحيلة بملامح وجه حادة، تمتلك ضفيرة شعر طويلة سابحة على ظهرها.
هالني وجه التطابق بين الصورتين لدرجة لا يمكن تجاهلها.
هناك مكتبة.
للذهاب بعيداً، سحبت أول كتاب وقع في يدي.
مجلد يؤرخ للغرب الأوروبي، العادات وطرق المعيشة.
وجدت بعض القصص اللطيفة.
دخنت سيجارتين مع فنجان قهوة.
لكن قلقي لم يرحل.
أشعر أن جدران المنزل تضيق علي.
كل شيء قابلته في هذه القرية منذ أول لحظة وحتى الآن غريب جداً.
استلقيت على الأريكة تحت ضوء المصابيح المتقطع وحاولت النوم.
قاومني ملك الأحلام أكثر من ساعة قبل أن أغلق عيني وأتدحرج نحوي كابوس مرعب.
أنا خلف المنزل، أقف أمام شجرة تحتها شاهد قبر.
من فوقي ينعق غراب بعين واحدة.
الظلام يتسع، يبتلع الحقول، يطغى على ضوء القمر.
أمامي قطعة رخام عليها اسم وتاريخ.
أنحني لأدقق في الاسم، تخرج يد من القبر تمسك بعنقي، تسحبني نحو الأرض.
فتحت عيني بصعوبة وأنا متعرق.
أكره الأحلام والكوابيس.
ثم لاحظت شيئاً غريباً، أنا لن أنام سوى خمسة دقائق فقط.
رواية القرية الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
في مكتب البريد صباح اليوم التالي، كان بداية الشهر، الأول من كانون عام 51. قضيت ليلته مرعبة في المنزل، هاجمتني أحلام مزعجة ولم تتوقف المصابيح عن إزعاجي. لا يدخل مكتب البريد أي فرد من القرية، لذا يقوم الموظفون، من حضر منهم، بتسلية نفسه بالأكل والقصص.
الساعة العاشرة حضرت عربة البريد، عربة خشبية يجرها حصانين، كانت تحمل رسالة واحدة باسم مسعد عبد الرؤوف. وقع عامل البريد على استلامها، قال إنه سيرسلها لاحقًا، لكني أقنعته بأنني سأقوم بتوصيلها بنفسي.
كان على الانصراف وأخبرتهم أنني لا أعود مرة أخرى. وضعت الرسالة في جيبي وانطلقت لمنزل مسعد عبد الرؤوف. بمساعدة الأهالي، توصلت لمنزله، بيت قديم من طابق واحد قريب من النهر، أمامه حديقة صغيرة من العشب. طرقت الباب الذي أصدرت مفصلاته صريرًا مزعجًا، باب متهالك على وشك السقوط. لم أتلق أي رد.
درت حول المنزل محاولًا النظر من إحدى نوافذه.
"ماذا تفعل هنا؟" سألني رجل يحمل في يده عتلة حديدية. "من سمح لك بالتعدي على ملكيتي الخاصة؟"
اندهشت أن الرجل لم يعرفني، لقد عرض علي خدماته منذ يوم واحد فقط. كان غليونه يتدلى من فمه، في قدمه عرج بسيط.
"لا تعرفني؟" قلت. "كيف أعرفك بحق الجحيم؟ تحضر هنا، تتلصص علي وتدور حول المنزل، ماذا يعني ذلك؟"
كان الرجل واعيًا لكماته مما أصابني بالارتباك، عينيه مختفية داخل محجريهما.
قلت: "أنت عرضت علي المساعدة أمس في منزلي؟"
"أنا؟" ورفع الرجل كتفيه باستنكار. "لم أغادر منزلي منذ عام إلا للذهاب للنهر، كيف تزعم" وصوب العتلة تجاه وجهي "أنني كنت في منزلك؟ ثم أين منزلك بحق الشيطان؟ أنت من أهل القرية؟"
"أنا موظف البريد الجديد."
"وماذا يعني ذلك؟ كيف تتطفل على، أنت غير مرحب بك هنا، ارحل."
شعرت أنني بحاجة للمماطلة. أخرجت الرسالة من جيبي. "وصلت إليك رسالة!"
حملق في الرجل بارتياب. "أين عبد الدايم؟"
"على كال حال، ذلك العجوز المتهالك مات؟"
"لا،" قلت، "لكن طلب مني أن أوصل لك الرسالة."
مشي الرجل خطوات تجاهي وأنا أتفرسه، كان هو لا شك لدي. تناول الرسالة ووضعها في جيب معطفه.
"يمكنك الرحيل ولا تعود هنا مرة أخرى، أنا لا أستلطفك." ثم حدق لبعيد بعين تائه.
"أين تسكن؟" قلت.
"في المنزل الكبير على أطراف القرية."
"امممم، ارحل، يمكنك الرحيل."
دلف الرجل لمنزله وصك الباب خلفه. وضعت يدي في جيب بنطالي وأخرجت لفافة تبغ بطريقي نحو المنزل.
"لماذا يدعي أنه لم يحضر لمنزلي؟ قال إنه لم يغادر بيته منذ أعوام، ماذا يعني ذلك؟"
كان السباك ينتظرني أمام المنزل. اعتذرت له، كنت نسيت الموعد. أنهى عمله بسرعة ورفض تلقي أجرته. قال: "اعتبر ذلك واجب ضيافة."
أصررت أن يأخذ ماله، لكنه رفض. "ستلاحقني لعنات الشياطين إن فعلت."
"اسمع ونظر تجاهي."
"من الأفضل لك أن تبحث عن منزل آخر. هذا البيت لا يرحب بضيوفه وكل من يسكنه محكوم عليه بالفناء. أقول ذلك لأنك تعجبني رغم أنه محرم علي. ربما تكون الأيام رحيمة بي ولا يلحق بي أي أذى."
بدا حزينًا وخائفًا ومرتابًا لأنه تعدى حدوده، كأنه ألقى نصيحة ما كان عليه أن يقولها.
اختفى السباك بين أشجار الحديقة، غاب عن نظري.
"كل شيء يدعو للارتياب. حضرت منذ يومين وأكاد أشك في صحة قواي العقلية."
أعددت وجبة خفيفة وأنا أفكر في كلام مسعد عبد الرؤوف، هذا الرجل يخفي سرًا. القرية كلها تخفي سرًا.
مضت ساعات قبل أن تغرب الشمس. صكت كل منازل القرية أبوابها وخلت الطرقات من المارة.
أحتسيت فنجان قهوة وأشعلت سيجارتين. وضعت كشاف في جيبي وانطلقت نحو منزل مسعد عبد الرؤوف. كان الفضول ينهشني ولم يسمح لي بالتوقف ولا بالتفكير العقلاني.
عندما اقتربت من المنزل، رأيت مسعد يخرج من منزله. اختفيت خلف جذع شجرة. واصل الرجل سيره وهو يترنح حتى وصل حدود النهر، هناك ارتقى فلوكة صغيرة وراح يجدف بعيدًا.
تابعته حتى اختفى، ثم قصدت منزله. انفتح الباب بسهولة.
"هذا الرجل يخرج ليلاً، على عكس عادات أهل القرية." قابلتني رائحة سمك مملح أزكمت أنفي.
منزل بسيط من الداخل، عبارة عن غرفة واسعة بها موقد وبعض الأواني، طاولة مهشمة ومقعد، على الأرض حصير من القش.
تأملت المنزل قبل أن تقع عيني على الرسالة. كانت موضوعة في صندوق خشبي مفتوح، تحتها كومة من الرسائل لازالت لم تُفض بعد.
تناولت الرسالة، فضضت المظروف وقرأته.
"لا زلت حي، لم تمت بعد."
صمت لدقيقة قبل أن أفض رسالة أخرى، نفس الكلمات. لم يتغير ولا حرف.
رسالة أخرى. كانت الكلمات تتكرر كما هي، ولا رسالة فتحت من قبل مسعد عبد الرؤوف.
رواية القرية الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
أشعل سيجاره على باب منزل مسعد عبد الرؤوف المتهالك محدقًا بالنهر. البقعة التي التهم فيها الليل الفلوكة. إنه الشخص الوحيد الذي يتجول ليلاً وتصله رسائل من خارج البلدة. انتابني الفضول. لم أصدق أبدًا فكرة أنه ذاهب لصيد أسماك البلطي. تسمرت في مكاني.
كل ما يحدث لي هنا عجيب. هذه القرية اللعينة ستفقدني صوابي.
السباك، البقال، وكل أولئك الحثالة المقيمين هناك. لماذا يخشون الليل ويحتمون بمنازلهم؟ وما سر تلك التمائم التي يحمون بها منازلهم في الليل؟
راح فضولي ينهشني. جلست على الأرض في شرود وهواء بارد يلسعني. أنهيت ثلاثة لفافات تبغ ولم أفلح في إيجاد مبرر يقنعني.
كان لدي طريق طويل لأقطعه. لذلك نفضت ملابسي واستدرت خلف منزل مسعد عبد الدايم وسط الظلام. وأنا أشعل لفافة تبغ أخرى.
كنت في الجهة الشمالية من القرية حيث مزارع العنب والبرتقال والرمان وحقول الذرة التي لا آخر لها. أسير بين منازل ميتة. لا حركة فيها ولا روح. وشعرت في عمقي بلذة التبغ وسط كل ذلك التيه المرعب. ويبدو أنني شردت أكثر من اللازم. تلك اللحظات التي تقطع فيها أقدامنا مسافة كبيرة بلا وعي. ووجدتني أمام منزل ناءٍ لا جار له.
وكان هناك ضوء منبثق من شرفة عتيقة. لم أر هذا المنزل من قبل. لكنني لم أر العديد من الأشياء ولم أجربها. فأنا جديد في هذه القرية الغامضة.
وقفت لحظة غير مصدق. أول شعلة ضوء تقابلني منذ حضرت. ورغم أنني لم أمكث سوى يومين أو ثلاثة. إلا أنني أشعر أنني قضيت عمرًا كاملاً هنا.
حاولت أن أسمع أي صوت. ولم تصل لأذني أدنى حركة. كان الوقت متأخرًا. وكنت لازلت أشعر بالخوف. إلا أنني بكل حماقة نقرت باب المنزل.
عدت نقرات. كان لدي شغف أن أعرف من يقيم هنا. ولماذا هو مختلف عن أهل القرية؟ وهل من الممكن أن يساعدني في فهم تلك الأوضاع الغريبة؟
لم يصلني رد. إلا أنه بعد نصف دقيقة وقبل رحيلي سمعت خطوات وراء الباب. جعلتني أتسّمر في مكاني. أبذل محاولاتي لخلق مبرر مقنع.
"أنقر أبواب الخلف في منتصف الليل."
يسرعان ما رحل كل ذلك عندما انفتح الباب واطلت منه أجمل فتاة رأتها عيني. أقسم أنها كانت تمتلك جمال جنيه مسحورة.
وقفت مبهولاً لا أعرف ما أصابني. ووجدتني أهمس: "أنت من أهل القرية؟"
همست بلا خوف: "لو كنت أنت من أهل القرية لعرفت الحقيقة. لكنك غريب. والغريب أعمى."
قلت بارتباك: "هل يمكنني أن أدخل؟"
همست: "في أرضك يدخلون بيوت النساء في منتصف الليالي؟"
اعتذرت. قلت: "أنا آسف. لكن أتعرفين كل ما في هذه القرية يصيب بالجنون. ثم أنك المنزل الوحيد الذي أرى فيه ضوء مصباح خلال الليل خلاف الحانة."
وضعت يدها على الباب وأغلقت جزءاً منه. "إذا كنت تبحث عن أجوبة فهذا ليس المكان المناسب."
قلت: "انتظري من فضلك. كيف يكون بيتك الوحيد الذي أشعل مصباحه؟"
قالت: "لأنهم لا يصلون إليه. يبدو أنك قادم من عند منزل مسعد عبد الرؤوف. حيث أنك قطعت كل تلك المسافة وسط الخراب والتيه. اسمعني جيدا. لا تسير خلف فضولك."
ثم أغلقت الباب وهي تقول: "لا تسير تجاه الشمال أكثر من ذلك. الحماية التي تتمتع بها وتجعلهم لا يقتربون منك ستفقدها."
وقفت دقيقة غير مصدق أن هذا الحديث دار من أصله. كنت كالذي في حلم جميل ولا يرغب في الإفاقة منه. ولما لسعني البرد رحلت.
قطعت ما تبقى من المسافة في ما يشبه الجنون. عقلي لا يصدق كل ما حدث. إن ما حدث لم يحدث لي. كنت شخصًا آخر أرى نفسي أتحرك. أمشي. أتكلم.
ضغطت باب منزلي. انفتح بسرعة. تهاويت على الأريكة بكل جمود العالم وهذيانه. لقد شربت جرعة مخدر مركزة أفقدتني صوابي.
أخرجت لفافة تبغ وأشعلتها. روحت أحرك الدخان بيدي. لسعني لأتأكد أنني حي أشعر.
اللوحة اللعينة على الجدار تراقبني. أشعر أنها حية تتحرك وتتنفس وترى. لكنهم ثلاثة فتيات فقط. كانوا أربعة. سأجن.
اقتربت من اللوحة. كانوا أربعة فتيات. إحداهن رأيتها منذ قليل... اللعنة. كيف لم أدرك ذلك؟ نعم تلك الجميلة كانت واحدة من فتيات اللوحة. يا لغبائي.
ثم سرعان ما شعرت بالخوف والرعب وارتعش جسدي. كيف تكون هي؟ كيف تترك اللوحة ثم تعود؟ ما هذا المكان؟ بيت الشيطان؟
بعد أن هدأت بعض الشيء أخذت نفسي على الحمام. أغرقتني بالماء البارد حتى ارتجف جسدي.
ومض نور المصباح. ارتعش كعادته. وسمعت ضحكة مجلجلة قادمة من قبو المنزل. التصقت بالجدار، خائف، مرعب، مرتجف، وضائع.
ثم فتحت باب الحمام. وارتبت. كان الطريق خاليًا. ارتديت ملابسي بسرعة. إذا كنت سأموت فلا أرغب أن يجدوا جثتي عارية. أنا لا أرحب بذلك ولا أفضل.
لن أذهب إلى القبو. رميت نفسي على الأريكة وأنا أدعو الله أن تمر تلك الليلة بلا مفاجآت أخرى.
شقشقت العصافير التعيسة. وأطل نور الصباح من كوة المنزل مما زاد من طمأنينتي. كانت الساعة السابعة صباحًا.
تجرأت وفتحت باب القبو. كان خاليًا. تهيأ لي عقل مريض.
عدت للنوم مرة أخرى. وقبل أن أنام أشعلت لفافة تبغ أخرى. وأسلمت عيني لملك الأحلام.
سمعت طرقات عنيفة على باب المنزل. كان النهار قد انتصف. وأشعر بحرقة في عيوني. جسدي عارٍ. آخر ما أتذكره أنني ارتديت ملابسي.
ارتديت ملابسي المبعثرة على الأرض. وفتحت باب المنزل. وجدت السباك بسحنته التي أعرفها.
قال: "لقد حضرت لإصلاح سباكة الحمام. هناك تسريب هناك."
قلت: "أعتقد أنك مخطئ؟"
تقافز السباك مثل قرد. وقفز ثم دخل المنزل وقصد الحمام. تبعته بصمت. هناك كانت المياه تغرق كل الأرضية.
لم أجادل معه. شربت كوب شاي وأنا أدخن لفافة تبغ. وألقيت برأسي للخلف في شرود لعينة.
رواية القرية الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
القيت رأسى للوراء ولا اعرف كيف نمت رغم تسلل أشعة نحو الرواق ووصولها تحت قدمى، رغم انى كائن ليلى ولا يمكننى النوم إذا لمحت ذرة ضوء.
"أستاذ عونى، أنا خلصت!"
فتحت عينى، كان السباك يقف بجسده النحيل أمامي وكان الوقت عصرا طبعاً كما أعرف.
"لحظة، قلت سأحضر لك أُجرتك!"
"لقد تم دفع الأجرة أستاذ عونى."
وأشار نحو الرواق. وقبل أن أسأله من قام بالدفع وأين هو؟ كان السباك قد تسلل ناحية الحديقة.
تبعته بكل غل وحقد وكرهه وأنا أركض وقبضت على عنقه.
"من قام بالدفع، سألته؟"
"هذه ليست مشكلتي يا عونى، يمكنك أن تسألها."
وأشار مرة أخرى بيده اللعينة تجاه الشرفة.
خلف الشرفة، ومض طيف خيال لم أره. ظللت محدقاً بالشرفة، وتسحب السباك كاللص واختفى.
كان لدي شيء من الغضب عندما دلفت للداخل. بلا تردد، صعدت الطابق العلوي.
فتشت كل الغرف الكئيبة المحشوة بالكراكيب وتماثيل الجص والحجارة حتى وصلت الشرفة.
لم أجد أي كائن غريب سوى فأر قذر قفز على الأريكة.
راقبت الجرز المحشور بلا طريق للهرب، وعندما حركت يدي لأقتله، اختفى الجرز بين الكراكيب.
على الأرض كانت هناك آثار وحل لقدم دقيقة ورقيقة. تبّعت آثار الوحل على أرضية الخشب الإبنوسية حتى وصلت القبو.
صرخت بكل غضب على باب القبو، كنت في حالة هذيان ولم أتمالك نفسي.
"أظهر وجهك القبيح!"
"لن أترك مكاني حتى لو اضطررت لنقل كل الأثاث خارج المنزل!"
شككت أنني سمعت صوت قال: "أنت لا ترغب في ذلك."
وبعد أن فتشت القبو كله لم أعثر على إجابة.
في الرواق، صنعت ثلاثة فناجين قهوة ودخنت مائة لفافة تبغ قاتلة، وأنا ألف وأدور كالمجنون، أكاد أفقد عقلي.
تلفحت بسترة صوفية وغادرت المنزل قاصداً الحقول حيث المنزل الذي قابلني الليلة الماضية.
تبعت نفس الإشارات والمعالم حتى وصلت البقعة التي ظننت أنني رأيت المنزل فيها.
كانت مساحة شاسعة وخالية من أي عمران، لا آثار لجدران أو أي حياة.
جلست على الأرض، "هنا كان يقبع منزل، يا عقل يا أحمق، هنا كنت أتحدث مع أنثى جميلة."
انحرفت الشمس خلف التلال الرمادية القاتمة ولسعني البرد وشعرت بالوحدة، منزلي كان خلفي والبراح أمامي.
سرت على غير هدى وسط الحقول أملاً أن أرى أي شيء.
وقادتني قدمي نحو بقعة خالية يتوسطها بئر، أحاط بي الظلام وسمعت همسات من حولي وحركة غير واضحة جعلت جسدي ينتفض.
كان مظهر البئر مرعباً، لأتخلص من خوفي أشعلت لفافة تبغ وقررت أن أعود للمنزل بسرعة.
وليت البئر ظهري وسرت بخطوات بطيئة نحو الضوء البعيد لمنزلي.
"معك قداحة؟"
نظرت، كان يسير إلى جواري.
رجل قصير، بدين، مشعر بفمه سيجارة كليوباترا. ألقيت يدي في جيبي واشعلت لفافة تبغ.
رغم فجائية ظهوره، سعدت أنه سيرافقني خلال طريقي نحو المنزل.
"ما اسمك؟" قلت.
حاولت أن لا أنظر نحوه، كنا سائرين إلى جوار بعضنا نمشي ببطء.
"اسمي مسعد عبد الدايم." قال الرجل بهمس.
سرت رجفة في مؤخرة ظهري، لسعة برد لعينة وقبيحة تخللت عظمي.
"مسعد عبد الدايم؟"
"أجل."
"لقد قابلت مسعد عبد الدايم من قبل." قلت بصوت مرتعش.
"ولم يكن يشبهني." أتم الرجل جملتي.
"قلت: أجل."
"إنه ليس مسعد عبد الدايم الحقيقي." خاطبني الرجل بثبات.
"ماذا تعني؟" قلت وأنا ألتفت نحوه.
لكني لم أجد الرجل، كان قد تبخر بعد أن قال كلمته.
كنت أسمع عن الأشباح التي تظهر ليلاً في القرى والنجوع والحقول المهجورة، كنت أعرف أنها مرعبة ولم أكن أتخيل أنها من الممكن أن تظهر على هيئة رجل.
ورغم اختفائه ورحيله الآن، إلا أنني كنت أشعر بحضوره حولي.
كان يفصلني عن المنزل قرابة ميل وكنت أعرف أنني لو لم أتمالك نفسي ستؤول أموري إلى شيء سيء جداً.
الأشباح لا ترحم، بدأ جسدي يرتعش بشدة والسيجارة تهتز بين أصابعي، أغمضت عيني وتنهدت، "لقد رأيت أكثر من ذلك."
"اصمد يا عونى، كيف تسخر من أهل القرية وأنت ترتعش من مجرد مقابلة شخص مجهول؟"
ولأول مرة أدرك أن أهل القرية على حق، وما كان ينبغي علي السخرية من مخاوفهم.
ثم سمعت صرخة قادمة من البئر البعيد الذي كنت عنده.
كأن شيئاً كان محبوساً داخله وتحرر.
لم أستدر تجاه الصوت، لم أتجال.
إلى جواري رأيت قطة بيضاء تركض بسرعة.
للقطط قدرة كبيرة على استشعار حضور الأشباح والمخلوقات الغريبة، وكاد قلبي أن ينقلع.
"اسمع الصوت من خلفي يقترب."
"وكبريائي يمنعني من الركض."
ثم رأيت ضوء مصباح من على باب منزلي يصوب تجاهي.
كان الضوء خافتاً لكنه وصلني وشعرت ببعض الأمان، وكلما اقتربت من المنزل زادت قوة الضوء.
أي كان ذلك الشخص، فأنا مدين له بحياتي.
وكبريائي، عندما وضعت قدمي في حديقة المنزل، اختفى ضوء المصباح ولمحت باب البيت موارباً ولا أثر لأي شخص.
على باب البيت، أشعلت سيجارة ودلفت للداخل متوقعاً رؤية ذلك الشخص.
كان الرواق خالياً والمصابيح في طريق القبو ترتعش، ثم انغلق باب القبو.
"قلت لعقلي: هذا يكفي، لقد رأيت ضوء المصباح مثلي وسمعت صوت انغلاق باب القبو."
"هناك شخص يعيش معي داخل المنزل."
فتحت باب القبو وقابلتني آثار قدم من الوحل على الأرضية.
وقفت للحظة أستعيد ثباتي.
"فيه حد هنا؟"
"من فضلك أظهر!"
"مش معقول كده، مهما كانت ماهيتك أنا مش زعلان من تعديك على ممتلكاتي لكن عايز أشكرك."
ثم خطوت ببطء متفحصاً كل ركن في القبو حتى قاربت الوصول إلى النهاية.
ثم ظهرت قطة بيضاء غريبة أطلقت مواءً دافئاً.
"تساءلت: هل أنت نفس الهره؟"
"ثم استغربت سؤالي، من أبحث عنه؟ شخص قادر على استخدام مصباح وليس هرة."
تركت الهره ومشيت نحو باب القبو أفرك رأسي.
وعندما خرجت من القبو، كانت الهره تتحرك بين قدمي تسبقني وتعود وتحتك بقدمي.
"كده مش هينفع، أنا لازم أقابل الراجل اللي أجر لي البيت وأسأله حكاية البيت ده إيه، وإن كان ولابد هسيب البيت وأسكن في الاستراحة بتاعة البريد."
أغلقت باب المنزل جيداً والشرفات والنوافذ، الخوف دفعني إلى ذلك.
صنعت كوب قهوة وجلست في الرواق أفكر.
لم تمضِ سوى لحظات وسمعت طرقاً على باب المنزل.
بصيت على الساعة، كانت عشرة بالليل.
"أنا عارف إن أهل القرية مش بيتحركوا في الشوارع بعد المغرب."
"يا ترى مين ده؟"
قربت من الباب وبصيت من خرم إبرة السوس وجدت امرأة أربعينية بملابس مبتلة واقفة على الدرج بيدها قبعة لبنية داكنة.
"مين دي وإيه حكايتها؟ وإيه اللي رماها على بيتي في الوقت المتأخر ده؟"
حطيت إيدي على الأوكره وخلاص هفتح.
سمعت صوت أنثوي واضح بيقول من ورايا: "متفتحش."
رواية القرية الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
ايدي وقفت على اوكرة الباب. كنت متأكد ان المنزل خالى من أي بشر غيري. لكن في الآونه الأخيرة وبعد اللي حصل معايا في الغيطان، مقابلة الأشباح في هذه البلدة اسهل من شرب المياه.
استدرت بجسد مقشعر متخيل رؤية مخلوق مرعب. الصوت كان قادم من جهة اللوحة، وبالطبع لم أرى أحد هناك.
خارج الباب كانت المرأة لازالت تلح بطلب للدخول. امرأة جميلة بجسد مبتل رغم أنه لا مطر هطل على القرية. كان الصوت المحذر قد دق جرس إنذار داخل عقلي.
كنت مأخوذ بجمال المرأة. لطالما فتنتني النساء الجميلات المستعدات للخضوع لرغباتي. لكني لم أفكر في كيفية وصول هذه المرأة لبيتي المنعزل. ترتدي تنورة قصيرة ضيقة وقميص أزرق لامع. إنها ليست واحدة من أهل القرية؟ بالتأكيد لم يحملها منطاد سحري لمنزلي. فمن تكون؟
مثل هذه المرأة لا تشاهدها إلا في الساحل الشمالي أو في أفلام هند رستم. أثناء شرودي، ظهرت القطة التي قابلتها في القبو والتصقت بساقي.
"افتح الباب.... افتح الباب"
كان صوتها ناعم، دافيء، مغري، أنثوي، غجري. إذا كانت عفريت أو جنية أو حتى مخلوق فضائي، كيف أسمح لنفسي برفض كل هذا الجمال؟
فتحت الباب. ومع فتحي للباب، هربت القطة.
كنت في حضرة الجمال والابتسامة الساخرة، متيبس، مأخوذ، تائه. لكن المرأة لم تدخل البيت وأنا لم أدعوها للدخول.
"ممكن أدخل؟"
وأنا أحاول أن أختار كلماتي، مثل "تفضلي يا قمر" أو "طبعًا يا جميلة الجميلات"، سقطت ثريا الرواق فوق الأرض وتهشمت، محدثة صوتًا صاخبًا مرعبًا.
ارتعش جسدي وتراقصت قدماي من الرعب. كان الرواق خاليًا، رغم ذلك سمعت: "لا تسمح لها بالدخول، ستكون نهايتك".
دوى الصوت داخل الرواق وامتعضت ملامح المرأة، ولأول مرة أرى أنيابها الطويلة.
صككت الباب بسرعة بلا إرادة مني. تصرف جسدي تلقائيًا من الرعب.
وعندما فتحت الباب مرة أخرى، كانت المرأة رحلت. رأيتها تمشي داخل الحديقة دون أن تستدير.
وأنا واقف، كنت عارف أني استحالة أقدر أنام داخل البيت الليلة دي بعد ما الثريا المربوطة بالسلاسل ما وقعت على الأرض وتهشمت. ولم أصدق نفسي عندما رأيت الثريا معلقة في مكانها. الزجاج المكسر المبعثر على الأرض اختفى.
مقدرتش أدخل جوه البيت، فضلت واقف على الباب.
كانت المرة الأولى اللي اتأكد فيها إن البيت مسكون بأشباح. مش بس أشباح، لكن أشباح ربما تخاف على مصلحتي أو ترغب في مساعدتي.
ظهور القطة مرة تانية طمني وخلاني أمشي ناحية الكنبة وعيني وسط دماغي. ولعت سيجارة وأنا متوقع في أي لحظة يظهر لي عفريت أو جن. وكانت جلستي قدام اللوحة. اللوحة اللي التركيز في تفاصيلها هيدمر دماغي ويصيبني بالجنون.
نقصت اللوحة، وأحده من الفتيات، لم تكن نفس الفتاة التي اختفت في المرة الأولى، بل الأصغر منها. قربت من اللوحة غير مبالٍ بارتعاشة المصباح فوق دماغي.
"اللوحة دي مش طبيعية، اللوحة دي مسكونة، اللوحة دي كلها عفاريت".
أدرك جسدي أن البقاء في المنزل يعد جنون. مشيت قاصد الباب أهرب.
بخط عريض كتب على الباب: "في الحال إذا خرجت لن تعد مرة أخرى. لن تكون موجود. سيتم القضاء عليك".
رواية القرية الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
التحذير على الباب ما كانش هزار. لقيت نفسي متحاصر، بس البيت من الداخل رجع هادي مرة تانية كأنه بيقولي ارجع اقعد متخافش. رجعت قعدت في الصالة لحد الصبح، أشرب شاي وأدخن سجاير. لم يغمض لي جفن.
روحت الشغل وأنا مصمم أكتشف سر القرية دي، أو على الأقل اللي بيحصل معايا. في الشغل قابلت زمايلي اللي ما كنتش مهتم أعرف حاجة عنهم. اكتشفت حاجة غريبة، كلهم مش متجوزين. والأغرب من لحظة قدومهم للقرية مفيش إجازات، يعني محدش منهم خرج من القرية.
سألت: "طيب إزاي؟ مفيش حد فيكم فكر يزور أهله؟"
ولما سمعت الإجابة اتصدمت: "غالبية العاملين داخل مكتب البريد مقطوعين من شجرة." ولما فكرت شوية صدمتي بدأت تقل، أنا كمان مقطوع من شجرة. طيب ليه محدش حاول يغادر القرية؟ إيه السبب اللي يجبرهم يتحبسوا جوه القرية؟
مدير مكتب البريد راجل أربعيني يتمتع ببعض الحكمة. قال لي: "هو أنت يا أستاذ عوني ما أخدتش بالك من عقد الشغل اللي وصلك؟ في عقد التعيين فيه بند إنك لا تغادر القرية إلا لما يوصلك خطاب رسمي من الجهة الحكومية ينهى فترة شغلك هنا. وعلى مدار السنين اللي فاتت مفيش حد وصله الخطاب ده."
ما قدرتش أستحمل كل الهري ده.
"ده مش معقول يا أستاذ عبد الجواد، مش ممكن يكون كده. أنا فعلًا ما قرأتش إخطار التعيين، لكن اللي بتقول عليه يشبه الجنون!! هو فيه مراسلات بتوصل هنا غير لمسعد عبد الدايم؟"
صمت عبد الجواد دقيقة، كأنه بيفكر.
"يقول لك إيه، آخر شخص فكر يسيب القرية يا أستاذ عوني ما قدرش. القرية رفضت خروجه."
"رفضت خروجه إزاي بقى يا أستاذ عبد الجواد؟ وقفت له غفر؟ ولا عساكر النوبة ضربوه بالكرابيج؟"
ابتسم عبد الجواد.
"من حقك تسخر يا أستاذ عوني طبعًا، لكن لو مش مصدقني اسأل في القرية شوف آخر شخص خرج منها كان مين؟ وإمتى؟"
تنهدت بضيق. وأنا اللي كنت فاكر هألاقي هنا إجابات على أسئلتي، أسمع شوية قصص خيالية وخزعبلات؟ أخدت بعضي ومشيت، كده كده مفيش شغل والبوستة أشبه ببيت العيلة اللي بيجمع الموظفين.
كانت نظراتي لأهل القرية مختلفة تلك المرة. إنهم يمارسون حياتهم الطبيعية خلال النهار، يزرعون ويحصدون ويتزاورون كأن لا شيء غريب في حياتهم، بينما يغلقون بيوتهم مع غروب الشمس.
عرجت على منزل السباك، لم أكن أحتاجه في شيء، لكنه أول من ألقى إلي الأسرار. لم أجد السباك، بل وجدت زوجته. وكان عليّ أن أختلق أي حديث. فقلت بلا تفكير:
"طلب مني زوجك أن أمر عليه لأخذ تميمة أعلقها على منزلي. لقد وصلت القرية حديثًا ولا أمتلك تميمة."
دلفت المرأة داخل البيت وأحضرت قطعة نحاسية صغيرة على هيئة قزم وفراشة. فعلت ذلك كأنه أمر عادي لا غرابة فيه.
"علق هذه على باب بيتك لن يصلون إليك، إنهم يحترمون عهودهم القديمة."
شكرت المرأة ومشيت تجاه منزلي ساخرًا من نفسي. وقفت دقائق على مدخل حديقة المنزل أرمق الحقول البعيدة. هناك يقبع منزل مسعد عبد الدايم، الشخص الوحيد الحقيقي في هذه القرية.
لم تكن لي رغبة في دخول منزلي. جلست على مقعد أتابع الشمس حتى الغروب. بعدها، وعندما أقفلت كل بيوت القرية أبوابها، انطلقت بين الحقول بلا غاية محددة، تاركًا الرعب والخوف خلف ظهري.
قابلني نقيق الضفادع في الحقول والسكون الرهيب الذي يعم كل أرجاء القرية. مررت على حقل ذرة، وبعد عشرين دقيقة من المشي لاح منزل مسعد عبد الدايم. كان غارقًا في الظلام مثل قلعة مصاصي دماء. من تحته تنساب مياه النهر بين ضفتين نبتت عليهما حشائش الحلفا والغاب والغبيره. بين الحشائش تقبع فلوكة مسعد عبد الدايم.
وقفت بلا حركة أراقب المنزل والدخان يتصاعد من سيجارتي. وبدا لي أنني انتظرت إلى ما لا نهاية حتى هيأ لي أنني سمعت صوتًا داخل منزل مسعد عبد الدايم. ما أعرفه أن مسعد عبد الدايم غير متزوج، بينما الصوت الذي سمعته كان صوتًا أنثويًا.
ثم توقف الصوت فجأة وخرج مسعد عبد الدايم. واحترت، أذهب خلفه أم أدخل المنزل.
رواية القرية الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
مرقت فلوكة مسعد عبد الدايم من بين حشائش الحلفه والقصبه ثم جدف تجاه عمق مجرى النيل.
كان الجو رائق، وأسماك الشلبه الليليه تتلاعب قرب سطح الماء محدثه تموجات طفيفه.
وكل حين وحين تسمع ضربة شاموش او قرموط قرب الضفه محدثا فقاعه مائيه.
انتظرت حتى افرد مسعد عبد الدايم شباكه البلدى داخل مياه النهر ومرت القرعايه من أمام عيني.
مش بحب الانتظار ولا إلى يخليني أنتظر.
خبطت على الباب.
لو كانت أنثى غانيه داعره، من الأفضل أن أتعرف عليها الآن.
لم أسمع شيئاً داخل البيت، وهذا خلاني أدخل من الشباك المخلع.
ناديت: "حد هنا؟"
لم أتلقى أي رد.
تجولت في أرجاء البيت القديم ولم أقابل إنسان، حتى ظهرت قطة أخيراً قفزت من الشباك وهربت.
يعني مسعد عبد الدايم كان بيتكلم مع قطة؟
طيب والقطة دي لها صوت أنثى رقيق داعر!
قعدت على حصيرة مسعد عبد الدايم وولعت سيجارة.
البيت دا الوحيد اللي بعيد عن بيوت القرية.
تحس إن صاحبه منعزل عن البشرية وعايش مع نفسه.
أثاث رخيص متهالك قديم، وأواني نحاسية صدئة، كنكة ووابور جاز ولمبة جاز.
لكن على الحيطة فيه صورة متعلقة.
ولما قربت منها مكنتش صورة، كانت خريطة مرسومة باليد البشرية.
رسم بدائي لحدود القرية، بس مركز أكتر على الجبل اللي جنب القرية.
جبل مهجور مفيش فيه أي حياة.
داخل الجبل المرسوم كان فيه كهوف، وكل كهف ليه اسم غريب.
وعلى مدخل كل كهف مكتوب كلمات تشبه تعويذة بلغة غريبة.
مفيش فايدة من القعاد في بيت مسعد عبد الدايم.
فتحت الباب وخرجت وقفلت الباب ورايا ومشيت في نفس الطريق اللي وصلت منه.
وخيل لي أنني سمعت صوت قادم من النيل فتوقفت لحظة ثم واصلت سيري.
لم تمر لحظات بعد سير عوني تجاه القرية في ظلام الليل حتى لاحت فلوكة مسعد عبد الدايم.
لكنها لم تكن تحمل رزق السمك الذي منحه له الله.
بل أنثى جميلة بشعر أصفر ناعم تجلس على البطن.
تلبس قميص أحمر وعينيها مثبتة على البيت وعلى الطريق الذي اختفى فيه عوني.
أخذتني قدمي تجاه البقعة التي قابلني فيها البيت الذي كانت فيه الفتاة التي رأيتها.
البيت الذي اختفى من تلقاء نفسه في اليوم التالي على أمل أن أراها.
كانت البقعة خالية لا بيت ولا زرع فيها.
ومن بعيد لاحت البئر الملعون، الذي تسكنه الأشباح.
انعطفت بعيداً عنه.
بعد اللي حصل المرة اللي فاتت، كان لازم أكون بعيد عنه.
ودون أن أشعر استحضر عقلي كلام مدير مكتب البريد: "محدش بيقدر يخرج من القرية دي يا عوني."
"واللي حاول يخرج.........." لم يذكر المدير إيه اللي حاول يخرج حصل معاه إيه.
لأني مسمعتش ليه يكمل الخرافة اللي كان بيحكيها.
رغم كده الفضول نهشني، ليه محاولتش أنا أخرج من القرية بنفسي وأشوف هيحصل إيه؟
على الأقل أفضل عن ما أرجع للبيت المسكون بالأشباح.
والستات الغريبة اللي بتخبط عليه كل ليلها.
عمرت الخطه في عقلي جيدا، بكرة الجمعة ومافيش شغل.
وكان معي من السجائر ما يكفيني لحدود الصبح.
أخذت الطريق الرئيسي للقرية.
البيوت كلها مغلقة، حتى الحانة خلصت شغل.
مش سامع أي صوت، كأن القرية بتموت في الليل.
أو يمكن فيه أصوات لكن مش واصلاني.
أشعلت سيجارة ومشيت وأنا حاكم إغلاق معطفي على جسمي.
القرية صغيرة مش كبيرة، يعني نص ساعة وأوصل نهايتها.
مررت على البيوت واحد ورا التاني لحد ما البيوت خلصت.
ودا كان إشعار إن طريق القرية قرب ينتهي وهخرج منها.
بصيت على ساعتي لقيتها توقفت والطريق لسه مستمر قدامي.
هبت ريح باردة فجأة وسمعت أصوات متداخله.
بعدها وبعد أن أصغيت السمع عاد الصمت مرة تانيه وكملت سيري.
وبعد أكتر من ساعة ونص من المشي المستمر وتدخين السجاير ظهر قدامي بيت مضاء.
تنهدت براحة ومشيت بسرعة أكبر.
وكل ما أقرب أقول في نفسي: "أنا عارف البيت ده، شكله مش غريب علي."
لحد ما دخلت حديقته ووقفت قدام بابه.
البيت كان بيتي اللي أنا ساكن فيه.
طيب إزاي؟
مسكت دماغي بجنون.
طريق القرية مستقيم وأنا كنت ماشي في الاتجاه المعاكس لموقع بيتي.
إزاي رجعت هنا؟
ثم أنا متأكد حتى لو كنت اتجننت ولفيت بلا وعي مني وأنا ماشي إني مشفتش أي بيت من بيوت القرية في طريقي.
أطلقت صرخة غضب شقت سكون الليل حتى أنني سمعت صداها في الجبل القريب.
انفتح باب منزلي كأنه يدعوني للدخول.
لم أندهش، أعرف أن البيت مسكون بالأشباح.
جررت قدمي وروحي البائسة إلى باب بيتي.
ومن شدة لا مبالاتي لم ألحظ الفتاة التي ظهرت أمامي.