قالت "منى" بصوت هادئ كأنها تتحدث عن حالة الطقس اليوم:
جوزي بيخوني.
صوت جعل "حسين" أخاها، الذي يسمعها، يعتقد أنها مجرد شك في زوجها. فسألها:
_ شاكه فيه يعني؟
هزت رأسها بالنفي وقالت بنفس نبرة الصوت:
_ اتأكدت.. مش مجرد شك. شوفت الرسايل بينهم، وسمعته بيكلمه كذا مرة في التليفون.. أنا متأكدة.
نظر إليها باستغراب وهو غير مستوعب هدوئها:
_ أمال أنتِ هادية كده ليه؟ ده شكل واحدة متأكدة إن جوزها بيخونها؟ ده أنتِ كأنك بتحكيلي عن واحدة صاحبتك!
ابتسمت ابتسامة تخفي الكثير:
_ أصل أنا عملت كل اللي تتخيله في اليومين اللي فاتوا.. عياط وعياط، صريخ وصرخت، كنت بنام بدموعي وأقوم بيها. يعني عملت كل اللي ممكن تعمله واحدة عرفت بخيانة جوزها، بس وأنا لوحدي من غير ما حد يحس بيا.. وكان خدمة ليا إنه مسافر في شغل...
نظر إليها بسكوت كأنه ينتظرها تكمل ما بعد ذلك، وكأنه يعرف أن كلامها له تكملة. وفعلاً أكملت بنظرة عين غريبة عليه:
_ ودلوقتي.. وقت الفوقة، وقت إني أعرف هعمل إيه وإزاي، عشان كده كلمتك.
_ يعني إيه مش فاهم؟ عايزة تطلقي؟ عايزاني أكلمه يعني؟
ضحكت فجأة وكأنه قالها نكتة، وتنهدت بعدها وهي تقول بابتسامة فيها قسوة ومكر:
_ أطلق؟ لا أنا مش من الستات الخايبة. عاصم ده أنا اللي عملته، أنا اللي وقفت جنبه خطوة بخطوة. كان حتة صنايعي ودلوقتي بقى عنده مصنع وصاحب شغل. مش بعد كل ده هخلع وآخد أنا العضم وأسيبله اللحمة يغوص فيها لوحده... أنا ليا حق في كل جنيه عنده، حق وقفتي جنبه وحق تعبي معاه كل السنين دي. مش في الآخر أطلق وتيجي هي على الجاهز تعيش في الهنا..
_ أمال هتعملي إيه؟
اشتعلت ملامحها ونظرت أمامها بعيون كلها غضب وقالت بتوعد:
_ هاخد حقي منه. هخليه يندم على اليوم اللي خاني فيه. هخليه يلعن الوقت اللي فكر يغدر بيا فيه. هلففه حوالين نفسه وفي الآخر هطلع أنا كسبانة وهو هيخبط راسه في الحيط.
نظر إليها بقلق على ما تنوي فعله وما لم يصل إليه بعد:
_ اهدي كده وفهميني عشان كلامك يقلق. يعني إيه هتلففيه حوالين نفسه؟ وأنا لازمتي إيه في كل الحوار ده؟
نظرت إليه وهي تقول:
_ هعمل إيه مش مهم دلوقتي... أما أنتَ مهمتك إيه، فانتَ أهم جزء في اللعبة.
_ لعبة؟
_ آه طبعاً، دي لعبة على الشناكل. لعبة لازم نطلع منها فايزين. اعتبرها لعبة رد حق وكرامة.
قال بقلق وهو يشعر أن القادم ليس خيراً:
_ بس حاسبي يا بنت أبويا لاحسن اللعبة دي تتقلب ضدنا، وبدل ما نكون أصحاب حق ناخد على دماغنا.
دمعت عينيها وهي تقول بكل الغضب الذي تكون بداخلها في الأيام الماضية:
_ ورحمة أمي وأبويا ما هطلع من البيت ده غير بحقي، وما هسيبه يتهنى بكسرتي.
نظر إليها أخوها بخوف عليها من شر نفسها ومن لعبة الأيام، لكن سكت لأنه شعر أنه مهما قال لن تقتنع. وفضل أن يكون واقفاً في صفها ليُلحقها وقتما تكون على وشك الوقوع. الأفضل أن يكون عارف خطواتها ومتابعها وفي ظهرها. ولا يقدر أن ينكر أنه هو أيضاً يريد أن يُحسِر عاصم على ما فعله بأخته. هو أصلاً إلى الآن لم يستطع استيعاب أنه خانها بعد كل ما فعلته معه وله.
***
اليوم راجع بعد خمسة أيام سفر.
واليوم هي لازم تستقبله بأحسن ما عندها كالعادة. مينفعش أبداً يشك في تغيرها. عشان كده من إمبارح وهي لم تنم، قاعدة تجهز نفسها عشان تقدر ترسم الدور كويس. بترمم نفسها نفسياً، وتطبطب على قلبها وتطمئنه أنها ستأخذ حقها، ولكن بالصبر. وأخيراً كلمها وقال لها أنه أمامه ربع ساعة ويكون في البيت. فقامت لبست أحسن ما عندها وتزينت لتظهر بأبهى صورها كعادتها. وقعدت تستناه. شوية وسمعت صوت فتح الباب وعرفت أنه وصل. أخذت نفساً عميقاً جداً قبل أن ترسم الفرحة على وجهها وتجري للصالة وهي تنادي باسمه:
_ عاصم...
ابتسم "عاصم" أول ما رآها وفتح ذراعيه لها لتجري عليه وتحتضنه. ولأول مرة تحس أن حضنه شوك. حضنه الذي طول الوقت كان أحسن مكان يؤويها وأكثر مكان تجد راحتها فيه. غريب تبدل الأحوال والمشاعر من يوم ليوم وسبحان من يقلبها!
لازم تتحمل ولا تظهر أي شيء، وعشان كده أغمضت عينيها وتضغط على نفسها وهي تحتضنه وتقول:
_ وحشتني أوي. غيبتك طالت. عمرك ما بعدت عني خمس أيام بحالهم.
كلامها خارج من وراء قلبها، وأول مرة تعرف معنى الجملة دي. معنى أن تقول كلاماً قلبك رافضه ولكن تجاري الموجة.
_ معلش يا حبيبتي كان عندي شغل كتير أوي.
ابتسمت وداخلها بتردد بسخرية: "مانا عارفة الشغل ده". هي تعرف جيداً أنه كان معها. لا تعرف هل كان معها طوال الأيام الماضية أم تقابلا في أوقات معينة. لكنها متأكدة أنه رآها وقابلها.
_ غير هدومك على ما أجهزلك الأكل.
وانسحبت من أمامه. وسؤال واحد يتردد في عقلها: كيف ستقدر على التعامل معه؟ هي شكت في خيانته لها من فترة، لكنها تأكدت قبل سفره بيوم واحد عندما رأت رسالة على هاتفه تقول: "هستناك تكلمني فيديو بعد مراتك ما تنام، عايزة أوريك القميص الجديد اللي جبته وباللون اللي بتحبه". ولم يكن بالطبع في مجال للشك بعد هذه الرسالة. لا تقدر على التعامل معه وهي التي فكرت أن الموضوع سهل، لكن فعلاً الخيال شيء والواقع شيء آخر.
_ تسلم إيدك يا منمن، الأكل تحفة. كان واحشني أكلك طول الأيام اللي فاتت.
ابتسمت بدلع وهي تقول:
_ كان واحشك أكلي بس!!؟
ضحك وهو يمسك يدها ويقول بحب:
_ كلك واحشني..
نظرت إليه بسكوت وهي تحدث نفسها بداخلها: "كيف يعرف أن يتلون هكذا؟ كيف يمثل الحب وهو يخون؟"
_ روحتِ فين يا حبيبتي؟
نظرت إليه بابتسامة وهي تفوق من شرودها وقالت:
_ معاك.. أنا بس حاسة إني دايخة ومرهقة شوية من تعب اليوم.. أصل قعدت أروق الشقة وأجهز الأكل وكده.
_ تحبي تنامي؟
وقفت وهي تقول متصنعة التعب:
_ أنا شكلي كده محتاجة أنام فعلاً.. كل أنت ولما تخلص حصلني.
وسابته ودخلت الأوضة، أغلقت الباب وأخذت نفساً قوياً جداً تحاول أن تمنع به بكاءً، لو فُتح فيه لن يقف. ذهبت نامت على السرير وعقلها مثل الطوفان يلف بسرعة رهيبة في كل أحداث الفترة الماضية.
***
ثاني يوم..
صحت الصبح ولأول مرة تنظر إليه بهذا الكره وهو نائم. لأول مرة لا تفضل ناظرة إليه بحبه وتقول لنفسها أنه يبدو جميلاً وهو نائم وبريء. ربما لأنها الآن متأكدة أنه ليس بريئاً أبداً!
قامت فوراً من جانبه، ومسكت هاتفها خرجت به الصالة وهي تطلب رقم أخيها الذي رد بعد ثوانٍ.
_ خير يا منى؟ في حاجة حصلت؟
كان صوته كله نوم، فعرفت أنها أقلقت نومه:
_ معلش يا حبيبي كلمتك بدري.. كمل نوم وهكلمك بعدين.
رد بقلق:
_ لا طبعاً نوم إيه، قولي في إيه؟
أخذت نفساً وقالت بعده:
_ أنا بس عايزة رقم محامي يكون كويس. قولت أكلمك يمكن تعرف حد.
وقبل أن يرد "حسين"، جاء صوت "عاصم" من ورائها يسألها:
_ أنتِ عايزة محامي في إيه؟؟
لفتت ونظرت إليه بصدمة حتى أنها لم تقدر أن ترد على حسين الذي يسألها نفس السؤال.