نهضت من مكانها حتى تفتح الباب.
كانت تجلس وحدها بالمنزل كالعادة، ظنت أنها السيدة آمال فقد تواعدا أن تزورها اليوم مساءً.
لذلك قامت بتوضيب المنزل بأكمله.
تفاجأت ميرنا بياسر أمامها ينظر لها بأسف شديد.
تجاهلت ميرنا معنى نظراته رغم أنها تعرف ماهيتها جيدًا وهتفت بصوت جامد:
_ أفندم يا دكتور ياسر، أقدر أساعد حضرتك في إيه؟
حاول ياسر الخروج من ذلك الجو البارد قائلاً:
_ طب مش هتقوليلي اتفضل؟
_ آسفة، بس زي ما حضرتك عارف أنا لوحدي في البيت، ومليش إلا سمعتي، فمقدرش أدخل حضرتك. حضرتك عاوز إيه؟
زفر ياسر بتعب قائلاً:
_ جاي أعتذر لك.
_ عن؟
ثباتها وجمودها ترهقه، فهتف بصوت مهتز:
_ عن اللي قولته من كام يوم كده.
ابتسمت ميرنا بسخرية قائلة:
_ عن إني لازقة عندكم عشان تبص لي وتتجوزني مثلاً! ولا عن إني كنت مخبية رسالة زمزم عشان عاوزة أمحيها من حياتك وتتجوزني برضو! عن إيه بالظبط يا دكتور؟
وضع كفه على جبينه يضغط عليه قائلاً:
_ عن كل كلمة قولتها لك يا ميرنا، عن كل كلمة قولتها لك في ساعة غضب وأنتِ اللي جيتي قدامي من غير ترتيب لكده.
_ آسفة لتاني مرة يا دكتور، بس أنا مش من أهلك عشان أستحمل إنك تفش غضبك فيا وتسمعني الكلام ده.
_ عمومًا أنا بكرر أسفي تاني وتالت وعاشر كمان. ماما عاوزة تشوفك.
_ أهلاً وسهلاً تنور، بيتي هو بيتها، هي اللي ربتني واهتمت بيا بعد موت أهلي.
ياسر بضيق:
_ ميرنا ماما متعرفش حاجة عن اللي أنا قولته لك، وأنا نزلت اعتذرت لك من نفسي لأني غلطت في حقك. أتمنى إن اللي أنا قولته لك اليوم ده ميغيرش معاملتك مع ماما. واسف كمان مرة على أي كلمة أسأت لك بيها. عن إذنك.
وذهب من أمامها.
أما هي فأغلقت الباب واستندت إلى ظهره تتنهد بتعب وحيرة، ماذا عليها أن تفعل؟ هل عليها أن تقبل اعتذاره؟ أم تتمسك بعدم الصعود إلى والدته مجددًا؟
***
بغرفة زمزم.
تمكنت الطبيبة من إفاقتها من إغمائها.
كانت زمزم توقفت عن البكاء وعادت إلى طبيعتها الساكنة من جديد.
اقتربت منها يارا وجلست على طرف الفراش أمامها هاتفية بابتسامة ودودة:
_ أنا يارا، وأنتِ؟
تجاهلت زمزم حديثها التافه ذاك وهتفت بجدية:
_ أنتِ مين؟ وعاوزة مني إيه؟
_ أنا دكتورة، دكتورة يارا عويس، وأنتِ اسمك إيه؟
تجاهلت زمزم حديثها للمرة الثانية وهتفت:
_ دكتورة إيه؟
ردت يارا بابتسامة:
_ نفسية، دكتورة نفسية.
_ وجاية ليه؟
_ جاية عشان أساعدك أكيد.
_ بس أنا مش محتاجة مساعدة من حد، شكراً برضو إنك جيتي، بس للأسف أنا مش مريضة عشان تعالجيني أو تساعديني.
اتسعت ابتسامة يارا أكثر فقد وجدت طرف الحديث حتى تبدأ معها:
_ أوكي، خلينا أصحاب، تحكي لي، أحكيلك، يعني، إيه رأيك؟
احتدمت عينا زمزم بغضب وهتفت بصوت حاد:
_ قولت لأ، قولت لك شكراً، اتفضلي امشي بقى.
_ بس أنا عاوزة أتعرف عليكي.
ربعت زمزم يديها واستندت بظهرها إلى الفراش قائلة ببرود:
_ عاوزة تقعدي تحكي اقعدي براحتك، لا هقولك اطلعي برة ولا هعمل حاجة، عشان مش بيتي أصلًا، تمام كده؟
بالخارج.
كان وقاص يحاول مع عمه حتى يسمح له بالدخول إليها ورؤيتها.
_ لا يا وقاص، لا مش هتدخلها، كفاياها كده أوي.
وقاص بعناد:
_ وأنا عاوز أشوفها، بقالها كتير هربانة، ودي مراتي.
ناصر بصوت جهوري:
_ هطلقها منك يا وقاص، هطلقها ومش هيبقى فيه رابط بينكوا غير القرابة، أنا مش مستغني عن بنتي. وإذا كنت زمان جوزتهالك فكنت مفكرك راجل وهتحافظ عليها.
لم يعبأ وقاص بكلام عمه واستدار حتى يصعد إلى غرفتها، ووراءه والده وناصر يحاولان منعه.
دلف وقاص إلى الغرفة ونظر إليها ببهوت.
لم تكن هي نفس الفتاة التي عاشت معه، تلك شخصًا آخر.
اقترب منها بخطوات بطيئة وهتف بصوت متحشرج:
_ زمزم.
لم تكن لتخطئ صوته أبدًا.
انطلقت رأسها كالقذيفة باتجاه الصوت، وبلحظة كانت تعاود البكاء من جديد، ولكن دون صوت هذه المرة.
تابعت يارا تعبيراتها بتركيز شديد.
من الواضح أنه زوجها الذي أخبرها به ناصر منذ قليل.
ظل وقاص يقترب منها ببطء حتى لا ترتعب أكثر، لكنه كان مخطئًا.
كل خطوة يخطيها وقاص كانت هي تزحف إلى الوراء مثلها، إلى أن التصقت بالجدار، وكان هو يتابع السير نحوها.
هنا صرخت زمزم بقوة قائلة:
_ طلعيه، طلعيه برة والنبي، وأنا هعمل لك اللي أنت عاوزه. طلعيه.
هنا تحدثت يارا بقوة:
_ لو سمحت اطلع برة، مينفعش كده.
استطاع ناصر وقدري إخراج وقاص من الغرفة بالقوة رغم ممانعته.
بعد خروجهم، أغلقت يارا الباب والتفتت عائدة إلى زمزم تحاول تهدئتها.
_ اهدي، خلاص هو خرج.
بعد قليل هدأت زمزم وتوقفت عن البكاء.
_ الحمد لله هديتي؟
زمزم بصوت باكي:
_ أيوة هديت، بس أنا مش عاوزة أتكلم عليه.
ابتسمت يارا ثم رفعت منكبيها قائلة:
_ مقولتش اتكلمي عليه، أي حاجة، قولي أي حاجة تانية اللي ييجي في بالك تتكلمي عليه اتكلمي، حتى لو عاوزة تخرجي من هنا.
لمعت عينا زمزم وهتفت بلهفة:
_ بجد، ممكن تخرجيني من هنا؟
_ اممم، طبعًا ممكن أخرجك، مش شرط نقعد هنا.
نهضت زمزم من مكانها بسرعة وهتفت:
_ طيب، أنا، أنا هلبس وننزل، ماشي.
أومأت برأسها وخرجت من الغرفة تنتظرها بالخارج.
***
لم يستطع ناير السيطرة عليها، فقد خشي أن يأذيها هي وطفله، فتركها على راحتها.
وبالتأكيد لن يتركها.
خرجت زهرة من الغرفة وبيدها حقيبتها.
وقف ناير أمامها يحاول تهدئتها، وأثناءها عن رأسها:
_ يا زهرة مش كده، بقول لك اتجوزتها غصب عني، اقعدي ونحل مشاكلنا مع بعض.
_ دي مش مشكلة يا أستاذ، ده طلاق، طلاق ومن غير رجعة، أنا هروح لبابا وهو بقي يتصرف معاك ويطلقني.
_ مش هطلق، والله ما هطلق يا زهرة.
_ هخلعك يا ناير، مش هعيش معاك.
وخرجت من المنزل بأكمله تاركة إياه وراءها يحطم كل شيء بالمنزل بغضب أعمى.
بڤيلا ناصر النوساني.
دلف إلى غرفة المكتب بعد أن شاهد رحيل زمزم وتلك الطبيبة.
تنهد براحة بعض الشيء، فها هي زمزم تبدأ أولى مراحل العلاج النفسي.
قطع سيل أفكاره دخول زهرة كالإعصار من الباب.
_ طلقني من ناير يا بابا، مش عاوزة أعيش معاه تاني.
أغمض عينيه بتعب.
إنجاب البنات متعب حقًا، قصفوا ظهره إلى نصفين.
عندما يتخلص من واحدة تظهر الأخرى بمشكلة جديدة.
_ إيه اللي حصل يا زهرة؟ عاوزة تطلقي ليه يا ماما؟
زهرة بحدة:
_ عشان خاين، كان متجوز عليا بس ربنا كشفه وحد بعت لي الزفت على راسه صورة قسيمة الطلاق.
_ طب وهو برر موقفه إزاي؟
_ هيقول إيه يعني! قال إيه اتجوزها غصب عنه.
أمسك ناصر بهاتفه وأشعله وهو يقول:
_ طيب، أنا هتصل بيه دلوقتي عشان يوضح لنا الموضوع كله، واللي أنتِ عاوزاه أنا هعمله لك.
بعد مرور ثلاثة أشهر.
تجلس زمزم على طاولة الطعام أمام شقيقتها الوسطى، ويترأس الطاولة والدها.
وبجانبهم يجلس عابد وزوجته وأطفاله الاثنان.
_ ناوية ترجعي البيت امتى يا زهرة؟
قالها عابد بقوة لزهرة، فهو يعتبرها شقيقته الصغرى هي وزمزم، ولذلك يتحدث معهم بأريحية.
_ لما يطلقني إن شاء الله هروح عشان آخد حاجتي من البيت.
أفلتت ضحكة عالية من تمارا جعلته ينظر إليها بغضب.
تذكرت ملازمته لها عندما يدعوها والدها إلى منزله، يلازمها عند جلوسها مع زهرة تحديدًا، خائفًا من استماعها إليه بعقابه بشأن زواجه من أخرى.
_ آسفة.
رمقها عابد بحدة والتفت إلى زهرة مكملاً حديثه:
_ حضرتك منعتيه يشوفك، سيادتك منعاه يروح معاكي للدكتورة يطمن على ابنه. ثم إنه اتجوزها غصب عنه، أمه اشتغلت له في الأزرق وتعبانة وهتغضب عليك، يعمل إيه يعني؟
_ يقول لي اللي حصل يا عابد، وبعدين أنا مش هرجع له وهطلق منه كمان.
ابتسم عابد بسخرية قائلاً:
_ يا صلاة النبي، وأنتِ مفكرة بقى إنه هيزهق ويطلقك كده عادي صح؟
امتدت يد زهرة إلى كف والدها الذي يحاول قدر استطاعته كتمان ضحكته وهتفت:
_ بابا حبيبي هيطلقني منه، ولو مرديش هيخلعه، صح يا بابا؟
أفلتت الضحكة العالية هذه المرة من زمزم، وشاركها جميعًا الضحك بما فيهم عابد والصغيران.
_ يا بت، يا بت بطلي كذب، ده أنتِ بتتصلي بيه من خط جديد تسمعي صوته. احترمي نفسك بقى. وبعدين هو جه هنا حكى كل حاجة، اتجوزها عشان زن أمه وأنتِ عارفة إنها مبطقكيش أساسًا، وبعدين اللي كان بإيده عمله وأنتِ فاهماني كويس.
أمسكت زهرة بالشوكة توجهها ناحية زمزم هاتفة بغيظ:
_ أنتِ سوسة أصلاً، أنا مش عارفة إيه اللي بيخليني أنام معاكي في الأوضة، مبتناميش أصلاً.
_ ربنا حب يوقعك في شر أعمالك وكشفك قدامي. كفاية كده، 3 شهور مش عارف يشوفك. غيره كان طلبك في بيت الطاعة وخلص.
تحدث ناصر أخيرًا يحاول خلق حديث معها.
تحسنت حالتها النفسية كثيرًا وأصبحت تتقبله بحياتها.
سامحته على شيء تقريبًا، لكن ذلك اليوم اللعين لا يزال محفورًا بذاكرتها يأبى النسيان.
_ زمزم بتتكلم صح يا زهرة، سامحي بقى، ده جوزك وأبو اللي في بطنك إن شاء الله.
لم تلتفت زمزم إليه وتابعت تناول طعامها بصمت تام وشردت بفكرها بعيدًا إلى تلك الرسائل النصية التي يبعث بها وقاص إليها، يعتذر عما اقترفه بحقها، يبعث لها بالورود كل صباح، يأتي إلى المنزل يوميًا حتى يراها، لكنها تختفي من أمامه كالزئبق.
لكن اليوم لم يأتِ.
تساءلت في نفسها لم؟ هل مل من الاعتذار لها؟
تنهدت بحيرة يتخللها الحزن، واستمعت إلى والدها يقول:
_ بكرة خطوبة سيلين يا بنات ولازم هنروح لها.