تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
الفصل 92 — رواية الهجينة الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم ماهي احمد
"عمار" نقطة ضعف "ياسين"، أصبح ضعيفًا به، وأضعف إذا تركه ورحل. ابتلع "ياسين" ريقه، وكأنه يبتلع غصة مريرة بحلقه. رفع نظره للأعلى، فتبادل الاثنان النظرات، نظرة رضا من "عمار" لما فعله "ياسين" للتو لكي يرضيه، ونظرة ألم بعيون "ياسين".
وقف "عمار" بعدما كان يجلس القرفصاء أمام "ياسين". بعدها قال:
"تقدر دلوقتي تطلع السكينة من جسمك، وزي ما اتفقنا مالكش دعوة بـ "شمس"."
قال آخر ثلاث كلمات وهو يضغط على أسنانه بنبرة تحذيرية لـ "ياسين". فحاول "ياسين" أن يخرج السكين من جسده، ولكن الألم كان مبرحًا هذه المرة، مما جعله يتأوه وهو يخرجها.
***
نزلت دموع "شمس" وهي جالسة على المقعد أمام كوخ "عم نصير"، وهي تسمع صوت "ياسين" في أذنيها وهو يقول بعصبية:
"أنت عايز تفهميني أنك خايفة عليا؟ شمس بنت المهدي بقت بتخاف عليا؟ ده من امتى؟ ومن مين؟ من عيل زي ده؟"
أشارت شمس برأسها بالنفي يسارًا ويمينًا بعيون دامعة، وهي ترفع رأسها تنظر له:
"أنت مش فاهم حاجة."
بتر هو حديثها بنبرة صوت أقل عصبية:
"ومش عايز أفهم يا شمس. ماكنتش أعرف أنك نسيتي عمار بالسهولة دي، وبقيتي تخافي على واحد تاني."
نظر "ياسين" لـ "فريد" وهو ملقى على الأرض فاقدًا للوعي، فترك "شمس" في الحال.
أفاقها "عم نصير" من شرودها فيما حدث قبل قدومها إليه. فانتفضت هي تنظر له، لتجده يمد كف يده بكوب من الشاي الساخن قائلًا:
"وبعدين يا بنتي، هتعملي إيه مع اللي اسمه "فريد" ده؟ باين عليه شراني ومش هيجيبها لبر."
مدت كف يدها وهي تأخذ منه الكوب، ترتشف منه رشفة بسيطة:
"مش عارفة يا عم نصير، من وقت ما فاق وهو بيهدد أنه مش هيسيب "ياسين" في حاله، وأنت عارف ده ابن مين."
تنهد وهو يهز رأسه بالموافقة قائلًا:
"عارف يا بنتي، عارف. بس برضه عارف ياسين ده ابن الصاوي. على العموم، سيبك منه أنت دلوقتي، المهم روحي شوفي "ياسين" ده فاكر إنك خايفة على "فريد" على حسب ما حكيتيلي. روحي ووضحي له كل شيء، وواحدة واحدة مع ياسين يا بنتي، طولي بالك عليه."
بررت له وكأنها تدفع الجرم عن نفسها:
"أيوه بس أنا ولا كنت خايفة على فريد ولا بطيقه من أساسه."
فجلس هو بجوارها يقول:
"أنا وأنتِ عارفين، بس "ياسين" مايعرفش."
أشار لها بعينيه بالمغادرة، فأشارت برأسها بالموافقة وهي تمد يدها تعطيه كوب الشاي وعلامات وجهها تدل على الاشمئزاز:
"مابتتعرفش تعمل شاي أبدًا يا عم نصير."
ابتسم لها ابتسامة رضا، يتابعها بعينيه لترحل عنه. فارتفع صوته قائلًا:
"ابقي هاتي مذكرة ياسين معاكي المرة اللي جايه وأنتِ جايه عشان لو سأل عليها، مايعرفش إنها معاكي."
التفتت له وهي تشير برأسها بالموافقة، ثم أكملت طريقها.
***
هو الآن في مركز الشرطة، يحتل الغضب ملامح وجهه، فقد حدث ما لم يكن بحسبانه، ولأول مرة استطاع أحد التهجم عليه أمام الفتاة التي وقع بحبها من النظرة الأولى. ضرب بكف يده على المكتب الخاص به، والتفكير يأكل من عقله، فكان يحدث نفسه قائلًا:
"ورحمة أمي لأوديك ورا الشمس يا ياسين يا صاوي، هخليك تندم على اليوم اللي عقلك وزك فيه تقرب مني."
دخل عليه "الضابط أحمد" بعدما انتزع الكاب الخاص به من على رأسه ووضعه على المكتب، وقال وهو يجلس على المقعد:
"مالك يا فريد باشا؟ شايفك جاي من بعيد وعلى آخرك. هو في حاجة حصلت؟"
ابتلع ريقه، وملأت التوتر نبرة صوته سائلًا:
"حاجة؟ حاجة زي إيه؟ وضح كلامك."
فاعتلت نظرة الشماتة وجه الضابط أحمد وهو يمد كف يده بالهاتف لفريد:
"حاجة زي دي كده. أصل أنا بفتح صفحة قرية الصاوي على الفيس بوك، لاقيت لك فيديو منور، بص كده."
نظر فريد إلى شاشة الهاتف، فقام أحمد بالضغط على زر تشغيل الفيديو بالشاشة، ليجد ما حدث مصورًا بالكامل صوتًا وصورة. كانت علامات الصدمة قد برزت على ملامحه، وجلس على المكتب وهو بحالة ذهول تام. فحاول الظابط أحمد كتم ضحكته وهو يقول:
"بس إزاي يا فريد باشا تاخد منك سلاحك بالسهولة دي بعد ما كنت رافعه في وشه؟ ده أخده منك "easy cake"."
أطاح فريد بيديه العاريتين وهو في حالة من الغضب، ما كان فوق مكتبه من أوراق ومستندات تناثرت الأوراق على الأرضية بكل مكان بالغرفة. فانمحت البسمة من على وجه الظابط أحمد وهو يراه بهذه العصبية المفرطة، مما جعله يسأل:
"أنت بتعمل في نفسك كده ليه يا فريد؟ ابعد عن عيلة الصاوي أحسن لك، ده اللي بقولهولك من سنين. أنت سبت حياتك في القاهرة وماحبيتش تنقل وفضلت هنا في القرية طول السنين اللي فاتت دي، وعشان إيه ده كله؟ لو على بنت الصاوي، فمش هتبقى ليك مهما عملت. أنا سمعت إن عيلة الصاوي مابتخرجش بناتها بره العيلة، وخصوصًا شمس. وأديك شفت مجرد ما قربت منها حصل فيك إيه، ياسين رجع، وصدقني القرية كلها هتبقى معاه."
لم يجب فريد على ما قاله أحمد، فأجابه بسؤال آخر:
"مين اللي صور الفيديو ده؟ انطق."
تنهد أحمد بيأس، فما قاله منذ قليل لم يؤثر به كالعادة، فهز رأسه بالنفي:
"معرفش، تلاقيه عيل شافكم من بعيد وصوره ونزله على صفحة القرية. ما أنت عارف أي حاجة بتحصل هنا في القرية بتنزل على الصفحة زي رجوع ياسين كده. الصفحة مالهاش سيرة غير عنه وعن رجوعه."
قبض فريد على الكاب الخاص به من فوق المكتب، واتجه باتجاه الباب، فأوقفه صوت أحمد:
"حتى لو روحت لصاحب الصفحة وخليته يمسح الفيديو، الفيديو نازل من ساعة والكل نزله عنده على موبايله. والفيديو يدينك أنت، ما يدينش ياسين، وخصوصًا إنك أنت اللي اتهمت على بنت الصاوي الأول، وأنت برضه اللي رفعت عليه السلاح الأول."
تنفس فريد بعمق بعدما سمع ما قاله الظابط أحمد، تاركًا إياه خلفه ورحل.
***
وصلت شمس إلى المنزل، وأول شيء فعلته هو سؤال أول شخص تقابله عن ياسين، فوجدت ميرا تقف أمام باب الخالة حكيمة تستمع لما يحدث بالداخل بينها وبين سارة ويزن، فسألتها قائلة:
"ميرا، ماشوفتيش ياسين؟"
أشارت ميرا بأصابعها على فمها:
"هووووش، وطي صوتك للخالة تسمعنا وتعرف إني واقفة هنا."
فأتى رعد من خلفها بابتسامة ساخرة:
"طب أنا بقى هقولها إن ميرا واقفة تتصنت عليكي يا خالة."
فردت ميرا مسرعة:
"هوووش أنت كمان، وطي صوتكم. أنا بجد هموت وأعرف هي الخالة عايزة تأجل الفرح ليه؟ ده الفرح لو اتأجل، سارة هتبيض على نفسها، حرام بجد."
دعمت "شمس" ما قالته ميرا:
"عندك حق، بس أنتِ عارفة الخالة، أكيد عندها أسبابها."
طالعت "شمس" رعد الواقف أمامها، ثم أشارت له بعينيها:
"رعد، ماشوفتش ياسين؟"
أشار برأسه على باب غرفته:
"أه، لسه شايفه من شوية، دخل أوضته وقميصه كان مكرمش تقريبًا."
هزت "شمس" رأسها وتركتهم سويا، فنظر رعد لميرا سائلًا إياها بعدما قرب أذنه من الباب:
"تفتكري الخالة أجلت الفرح ليه؟"
ابتسمت ميرا وهي تضغط على شفتيها بابتسامة على مجاراة رعد لها، وهي تقرب أذنيها من الباب ببطء:
"تعالى نسمع سوا، والخالة لو قفشتنا نتقفش سوا."
غمز لها بطرف عينيه بابتسامة مرحة:
"موافق."
***
هي الآن أمام غرفته تنتظره بالخارج، تفرك بأصابعها والتوتر يملؤها. فسمعت تأوهاته من الخارج، قبضت حاجبيها باستغراب، فهي الآن تسمع صرخة مكتومة من الداخل. لم تستطع "شمس" الانتظار حتى يخرج، فاقتحمت عليه غرفته، لتجده يخرج السكين من جسده ببطء وهو ينظر أمامه ناطقًا اسم "عمار".
استغربت كثيرًا مما يحدث ومما سمعت، فشعرت بالضياع مما ترى. نظرت للأرضية فوجدت بقعًا من دمه على السجاد. جلست القرفصاء بعدما أمرها بالخروج، ولكنها رفضت بعدما أغلقت الباب خلفها. همست باسمه والدموع تلتحم بعينيها، وقد تمزق قلبها وهي تقول:
"مين عمل فيك كده يا ياسين؟"
انتزع السكين من جسده وهو يضغط على أسنانه، فرد عليها قائلًا:
"مالكيش دعوة، أطلعي بره."
كانت نظراته لها معاتبة، فحاول الوقوف بعدما أسند بكف يده على طرف الفراش، لينهض. ما إن قام حتى ترنح في سيره، شعر بالدوار، فأسرعت شمس تسنده، تساعده على الجلوس، طالبة منه برجاء:
"أرجوك اقعد هنا."
ابتعد عنها خطوة وقال لها بحزم:
"ماتقربيش مني، ماتلمسنيش."
فانكمشت حاجباها وهي تسأله:
"أنا مش هقولك مين عمل فيك كده عشان واضح إنك مش هتقول، بس على الأقل أعرف جرحك مابيلتمش بسرعة زي الأول ليه؟"
وضع يده على جرحه، فتغلغلت الدماء بين أصابعه، ينتشر الألم في جسده كما تنتشر السموم بالأوردة. فنظر إلى مكان الجرح، فوجد جرحه أعمق بكثير من جروحه السابقة، فلم يلتئم كالعادة، وظلت الدماء تنزل منه. تحركت شمس مسرعة تبحث بالأدراج عن أدواتها، فكانت تضعها هنا من قبل، فهذه غرفتها، حتى أخرجت أدواتها مسرعة وهي تقول له:
"وريني جرحك."
أشاح ياسين بيده دليلًا على اعتراضه:
"سيبه يا شمس، هو هيلم دلوقتي."
أشارت برأسها بالنفي:
"مش باين يا ياسين إن جرحك هيلم المرة دي، سيبني أساعدك، ولا تحب إنادي الخالة عشان تشوف جرحك مابيلتمش ليه وتسألك مين اللي عمل فيك كده؟"
ابتسم ياسين ابتسامة بسيطة على الرغم من ألمه وسألها وهو يضع يده على معدته التي ألمته بمجرد أن ابتسم:
"أنتِ بتهدديني بأمي؟"
هزت كتفيها ونطقت بهدوء:
"أعتبره تهديد ها؟ تحب أنادي الخالة تشوف جرحك؟"
تحدث "ياسين" بتعب حقيقي:
"لا ماحبش."
ابتسمت ابتسامة ساخرة منه:
"أنا قولت كده برضوا، اخلع قميصك."
رفض ياسين رفضًا نهائيًا بذعر:
"لاء مش هقلعه، القميص مفتوح والجرح واضح قدامك."
طالعته باستغراب لتجد في عينيه الإصرار، فوافقت على عدم نزع قميصه، فوضعت كف يدها على كف يده التي يضغط بها على جرحه لكي تبعد يده قليلًا من على الجرح، فانتزع يده منها بسرعة، غزت الحمرة وجهها من كثرة الإحراج، فشعرت بقلبها على وشك التوقف، ففرت بعينيها مسرعة وهي ترجع شعرها خلف أذنها بيدها قائلة بتقطع:
"أنا..."
أنا آسفة، مكنتش حابة ألمسك بس عشان أبعد إيدك عن الجرح مش أكتر.
أشار برأسه بالموافقة دون كلام، فاسترسلت هي حديثها وهي تنظر للجرح:
"أنا مش معايا بنج دلوقتي ومش عارفة إذا كنت هتحس بألم ولا لأ."
فبتر حديثها هو:
"مش هحس."
فأكملت ما تفعله. اقتربت منه أكثر حتى شعرت بأنفاسه. كان الارتباك قد غزا الأجواء بالفعل، ولكن الآن توغله قد زاد. تبادلتا الأنظار بقلق. بهذه اللحظة، من كثرة توترها، شعرت بالرعشة في يديها. فنطق ياسين بهدوء:
"حاسة إنك مش مرتاحة، لو مش عارفة..."
فانزلقت الإبرة من يديها. انحنت لتأتي بها وهي تبتر حديثه:
"لأ، لأ..."
أكيد عارفه أنا ممرضة اتخرجت السنة دي.
فابتسم ياسين ابتسامة رضا وهو ينظر إليها سائلاً:
_ يعني اتعلمتي؟
أدخلت الإبرة بجسده فردت على سؤاله:
_ أيوه، كان لازم أتعلم ودكتور علي ساعدني كتير.
كرر ياسين بنفس نبرته:
_ على كده كنتي بتاخدي السنتين في سنة؟
أشارت برأسها وهي ما زالت تخيط جرحه بالموافقة:
أه.
_ وقدرتي؟
ابتسمت ابتسامة صفراء وهي تحاول إنهاء الأمر برمته:
_ أكيد قدرت، أنا ما بقيتش البنت الصغيرة اللي سيبتها من عشر سنين يا ياسين، أنا دلوقتي كبرت وأقدر أعمل أكتر من كده.
استدارت وهي تستكمل حديثها، فقام هو ليزرّ قميصه بأكمله:
_ أنا كنت جاية أقولك إن اللي حصل النهاردة في أرض عم نصير أنا ماليش أي ذنب فيه، فريد ده...
فقاطعها وهو يقف خلفها:
_ هتصدقيني لو قولتلك ما يهمنيش أعرف فريد ده مين؟
ابتلعت ريقها تتنفس الصعداء، فرغبت لو أشعلت النار به على ما سببه لها من إثارة غيظها، فردت قائلة:
_ تمام، اللي يريحك.
خرجت بعدما صفعت الباب خلفها بعنف، فوضع ياسين كف يده على عينيه، فتنهد بعمق وكأنه حُرم من الأكسجين لساعات طويلة. أنزل يده من على عينيه ليجد عمار أمامه ينظر له بابتسامة رضا قائلاً:
_ تعالى ورايا.
فسأله ياسين مستفسراً:
_ على فين؟
فأخبره عمار:
_ تعالى بس.
ذهب ياسين خلفه يتبعه أينما ذهب.
***
"كنتي فين يا شمس؟"
كان هذا سؤال "زهرة" لابنتها بنبرة حازمة:
_ ما رديتيش عليا، كنتي فين يا بت المهدي؟ ود مين اللي على إيدك ده؟
دلفت إلى المرحاض بعدما فتحت صنبور المياه تغسل يدها تحت المياه الجارية تحاول الهرب بعينيها من عيون زهرة:
_ ده مش دم، أنت عارفه، دي ألوان غدير وقعت على إيدي.
ربعت "زهرة" يديها تطالعها بعدم تصديق:
_ مش مصدقاكي يا بنت بطني، بس مش موضوعنا، طالما مش دمك فما يهمنيش يبقى دم مين، حتى لو كان دم ياسين اللي لسه خارجة من عنده دلوقتي.
نشفت "شمس" يدها بالمنشفة التي أمامها وتحدثت بتوتر:
_ أنا بس كنت بقوله...
فبترت هي حديثها قائلة:
_ اسمعي يا بنت بطني، أنا طول السنين اللي فاتت دي سيباكي على هواكي، جالك عرسان كتير وكنتي بترفضى وحجتك إنك تخلصي تعليمك الأول، وأهو تعليمك خلص وحجتك خلصت كمان معاه، يعني اعملي حسابك أي عريس هيجيلك وأنا شيفاه مناسب من وجهة نظري هوافق وأنتِ كمان هتوافقي يا بنت بطني.
ربتت "زهرة" على كتف "شمس" بحنان تهمس بأذنها قائلة:
_ اسمعي كلام أمك يا شمس، أنا الوحيدة اللي عارفة مصلحتك يا بتي.
***
خرجت سارة من غرفة الخالة وهي تتأفف بزهق، فصفعت الباب من خلفها بقوة، فوجدت ميرا تنتظرها بالخارج هي ورعد، وكان هذا أول سؤالها:
_ برضه ما قالتش هي عايزة تأجل الفرح ليه؟
نطقت سارة بضجر:
_ بتقول كلام مالهوش لازمة يا ميرا، حاسة إنها بتقول أي كلام وخلاص، كل ما أسألها تقول خليكم واثقين فيا، أنا مش عايزة أكذب عليكم، بس تقول السبب الحقيقي لأ، ما قالتهوش.
فجلس رعد على الأريكة بالردهة قائلاً:
_ طيب اهدي يا سارة، وبعدين أنتِ استنيتي كتير، جت على شهر يعني مش هتفرق صدقيني، المهم رضا الخالة، أنتِ عارفة الخالة تبقى إيه بالنسبالنا كلنا.
تنهدت بعمق وهي تجلس بجواره:
_ أنا بحبها بس ما بحبش تحكمتها.
فجلست ميرا بجوارها على الجانب الآخر:
_ ما فيش حاجة الخالة بتعملها إلا لما يكون وراها سبب قوي، كمان أراهنك إذا كان ياسين هو السبب، لأنها ببساطة كده من أول ما ياسين جه وهي قالت إنها هتأجل الفرح.
فنظرت سارة بجوارها لميرا بعدما انكمش حاجبها باستغراب سائلة:
_ تفتكري؟
فدعمت ميرا حديثها:
_ ده أكيد.
نظر لها رعد بتساؤل:
_ أومال يزن ما طلعش معاكي ليه من جوه؟
أشارت سارة له برأسها على غرفة الخالة:
_ وأنا طالعة الخالة ندهت على يزن وقالتله إنها عايزاه لوحده.
وضع رعد يده على ذقنه:
_ ياترى عايزاه في إيه؟
***
"اقعد يايزن هنا، جاري."
جلس يزن بجوار الخالة، فطلبت منه أن يكمل قهوته وهي ترمقه بنظرة رضا:
_ كمل قهوتك يايزن.
ابتسم وهو يشرب قهوته، فقد راقت له نظرتها:
_ ما تبرريش يا خالة، أنا خلاص فهمت أنتِ عايزة تأجلي الفرح ليه من غير حتى ما تقولي.
فأجابت هي مسرعة:
_ يعني فهمتني يا ولدي؟
هز رأسه بالموافقة وقد ارتشف آخر ما تبقى في قهوته ووضع الكوب على الطاولة:
_ أنا اللي فهمته وعرفته، وواضح أوي من غير ما تقوليه إنك عايزة تأجلي الفرح عشان خاطر ياسين، مش مهم السبب إيه يا خالة، المهم واللي متأكد منه إن السبب قوي عشان أجلتي الفرح عشانه، وأنا موافقك وواثق إن كل خطوة بتاخديها بتبقى الخطوة الصح.
ابتسمت له بحنان ثم سألت السؤال الذي طلبت منه البقاء لأجله:
_ قولي يايزن، أنا قصرت معاك في حاجة طول السنين اللي فاتت دي؟
هز رأسه نافياً لما تقوله:
_ أكيد لأ، أنتِ خلتيني أقف على رجلي من جديد وبقيت صاحب ماركة معروفة، وكله بفضل ربنا وبعدي فضلك.
جلست على مقعدها بارتياح ثم أخبرته:
_ ولو قولتلك عايزة أعرف ياسين الشغل معاك، ما تسيبهوش وتعرفه كل كبيرة وصغيرة، هتقول إيه؟
هز كتفيه بعفوية:
_ المال مالك وأنتِ حرة فيه يا خالة.
المال عمره ما كان مالي يا يزن، أنا كتبتلك كل حاجة باسمك أنت ورعد، أنا آه ساعدتك بالفلوس بس أنت اللي كبرت شغلك وأنت اللي سهرت وتعبت عليه.
_ وليه عملتي كده يا خالة؟
عشان ارتاح من ناحيتك يا ولدي، ما جاوبتش على سؤالي، هتاخد ياسين معاك؟
ابتسم يزن وهو يخبرها مؤكداً:
_ أكيد يا خالة، مش عايزك تقلقي، مش هسيبه.
ابتسمت الخالة له، فغادر هو الغرفة ويملأ وجهه ابتسامة رضا.
***
الوضع هكذا، كلاهما يسير بطريق واحد، "عمار وياسين"، على اليسار الخضرة والزرع يحركهما نسمات الهواء الباردة، وعلى الجانب الآخر مياه الترعة، وهما يسيران بطريقهما سوياً، فنطق عمار قائلاً:
حاسس إنك من ساعة ما جيت هنا وأنا مش عارف ألم عليك، خايف لا ياخدوك مني يا أبويا.
ابتسم ياسين بعدما وضع يديه بجيبه:
_ الموت هو الحاجة الوحيدة اللي هتاخدني منك يا عمار.
أوعدني إننا نفضل سوا مهما قالولك عني إني مت، مهما حاولوا يقنعوك، أنا عايش، فاهمني يا أبويا، أنا عايش.
تبادل ياسين وعمار النظرات القلقة، فقطع ياسين الصمت قائلاً باستخفاف:
_ أنا مش فاهم ليه مش عايز تعرف الكل إنك عايش يا عمار؟
فرد مسرعاً دون تفكير:
_ عشان لو عرفوا هيبعدونا عن بعض، وخصوصاً اللي اسمها شمس بعدتنا عن بعض مرة خلتنا أعداء وكانت هتفرق بين أب وابنه، شمس هي عدوتنا الأصلية يا أبويا، ما تسمحلهاش تدخل ما بينا مهما حصل.
فرد ياسين يحاول إقناعه:
_ محدش هيقدر يفرق ما بينا يا عمار مهما حصل، أنا عارف إنك لسه بتحب شمس وهي قدامك ومستنياك، ليه مش عايز ترجع لها؟
وقف ياسين ينظر لعمار، فرفع كف يده لكي يلمس وجهه، فعاد عمار خطوة للخلف حتى لا يلمسه قائلاً:
_ أنت عارف ما بحبش حد يلمسني، ودي مش أول مرة أقولهالك.
علم ياسين أن الجدال سيزيد الأمر تعقيداً، فنفذ طلبه في الحال، فاستكمل عمار حديثه بعدما رأى المقعد الخشبي على الجهة الأخرى باتجاه الترعة:
عارف أول مرة يا أبويا جيت هنا وشفتك فيها كنت قاعد هناك، كان في الكرسي ده لو تفتكر.
أشار عمار إلى جهة مياه الترعة، فانكمش حاجب ياسين مستفسراً:
_ شوفتني إزاي؟ أنا فاكر أول مرة شفتك فيها كنا في القبو يا عمار وأنت بتاخد شمس.
لالا، مش دي أول مرة، ما أنا كنت براقبك، ما أنا مش هدخل القبو من غير ما أعرف عدوي.
أشار ياسين بأصبعه على نفسه باستفسار:
_ أنا عدوك؟ اسمها كنت عدوك، وعلى فكرة أنت عندك حق، أنا كنت بحب زمان أقعد في المكان ده أوي، مش فاهم ليه بس كنت بقعد فيه وأفضل أسرح فيه بالساعات.
فابتسم عمار له بعدما أشار بيده قائلاً:
_ طيب تعالى نقعد فيه، وأي مكان كنت بتحبه أو ليك فيه ذكرى قولي عليه عشان نبقى مع بعض فيه.
أشار ياسين برأسه بالموافقة، فجلس عمار على المقعد، فهناك مقعد واحد فقط، وقف ياسين وهو يربع يديه، فطلب عمار من ياسين قائلاً:
_ احكيلي أيامك في القرية كانت عاملة إزاي؟
ابتسم ياسين وهو ينظر أمامه وشرد قليلاً قائلاً:
_ قبل الضبع كانت أيامنا حلوة وسهلة، كنت بصحى الصبح وأحب أشوف شروق الشمس أوي، الخضار كان معمر الأرض زي دلوقتي والناس كانت قلوبها صافية، أبويا الصاوي الكبير كان بيحكم القرية دي والكل كان بيقول إني هبقى من بعده كبيرهم، مع أن علي هو الأكبر مني بس الكل كان شايفني أنا الكبير، حتى الدكتور علي بنفسه كان بيقولي كده: "أنت الكبير يا خوي بحكمتك حتى لو ما كنتش بسنك". القرية كانت كل حياتي ومشاكل الناس كانت الشيء الأهم في دنيتي إني أصلحه، لحد ما دخل المهدي حياتنا، كنت وقتها لسه صغير، كان راجل حكيم ومسالم وأبويا خده تحت جناحه، كنت بحبه أوي زي أبويا بالظبط، لحد ما عرفنا حكايته وعلي اتصاب بالكانسر، الكانسر كان مرض جديد محدش يعرفله دوا وحكيمه ما قدرتش تشوفه وهو بيموت قدامها، وعرفنا أسرارهم ودخل الضبع والعربي حياتنا واتغيرت للأسوأ.
نقرت غدير بأصبعها على كتفه باستغراب:
_ ياسين، أنت بتكلم نفسك.
أفاق ياسين من شروده ينظر على المقعد المجاور له، فلم يجد عمار، فطالع هدير بنظرة شارده:
_ لا لا أبداً، تلاقيني سرحت شوية مش أكتر.
جلست على المقعد وهي تبتسم له:
_ كويس إني لقيتك هنا، أنا من الصبح من ساعة ما روحت مع حسان المدرسة وأنا مش لاقياك.
فهز رأسه دليل على معرفته:
_ آه ما أنا عارف، وكنت عايز أقولك حاجة بالمناسبة دي.
انكمش حاجبها باستغراب، فاستكمل هو حديثه:
_ لما تبعتيلي على الواتساب وما أردش، ما تتصليش بيا، ولما تتصلي بيا وأكنسل، ما تدوريش عليا، ولما تدوري عليا وما اهتمش، ما تراقبينيش فيا، أنتِ ليه بتعملي كل ده أصلاً؟ أنا مش حبيبك يا غدير.
صكت على أسنانها قائلة:
_ يعني أنت عارف إن ببعتلك على الواتساب من الصبح وما بتردش متعمد، وبعدين أنت عرفت رقمي منين أصلاً؟
ممممم، من صورتك اللي على الواتساب، ومش هسألك أنتِ عرفتي رقمي منين عشان ما يهمنيش.
قالها بنبرة باردة، فلمعت الدموع بعينيها، فابتسم هو محاولاً أن يلطف معها حديثه:
_ ما تعيطيش، ما تعيطيش وما تزنيش، ما بقتيش الطفلة الصغيرة اللي كل ما ما أوافقش على حاجة تزن عشان أعملهالها.
رفع كف يده يمسح دموعها من على وجنتيها:
_ خلاص بقى، ما تعيطيش، كنت بهزر معاكي.
قالها بحنان، فأشارت له رأسها بارتياح، فسمعت أصدقائها من الخلف يهتفون باسمها:
_ إيه يا غدير، أنتِ نستينا ولا إيه؟ مش هتعرفي علينا؟
استدارت تنظر لهما وأشارت بيديها على كل واحدة على حدى:
اه، اه طبعاً أعرفك أسماء، ولاء، حنان.
***
إنها إحدى الليالي التي يشعر فيها المرء أن قفصه الصدري لا يسع قلبه لشدة خفقانه مع وجود الحبيب بجانبه. قطفت هي وردة باللون الوردي وضعتها على أنفها تشم رائحتها، فشعرت بوجوده خلفها، فارتسمت البسمة تلقائياً على وجهها قائلة:
_ إيه اللي جابك يا بيدقوس؟
طالعها هو باهتمام قائلاً بحب:
_ ألا تريدين أن آتي؟
استدارت مارال له وضحكت بهدوء قبل أن ترد على سؤاله:
_ بيدقوس، أنت ما بتملش أبداً، أنت عارف بقالك كام سنة بتحاول.
أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة قائلاً:
_ وهل يمكن أن يمل الجسد من الروح يوماً يا صغيرتي؟
ابتسمت ابتسامة امتنان له، فعباراته الجميلة تمس قلبها الصغير. لمس رجاء صامت بعينيها لم يستطع خذلانه:
_ بيدقوس، أنت كده بتصعبها عليا أكتر.
لا شيء صعب إذا سهلنا الأمور يا مارال، أنا أعلم جيداً أنك تحبيني مثلما أحبك، فرسولنا الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام قال: "إذا أحببت أحداً فأخبره ليعلم وكررها ليطمئن".
وأنا سأظل أكررها حتى يطمئن قلبك لي، ولتعلمي مهما كانت اختلاف الأديان لن يكون عائقاً لحبي لك يوماً من الأيام.
صارحته مارال وعيناها تواجهه طالبة الصدق:
_ حط نفسك مكاني يا بيدقوس، أنت بتقول كده عشان دينك يسمحلك بالزواج من مسيحية، لكن أنا لأ. لو كنت أنت اللي مكاني ودينك مش بيسمحلك إنك تتزوج من مسيحي، كنت عملت إيه؟
فأجابها بصدق ينبع من عينيه:
_ أقسم بالذي خلقك، فوالله وبعقد الهاء، لو أحببته بصدق لن أنام ولن يغمض لي جفن حتى أنول المراد، فأنتِ تستحقي فعل المستحيل لأجلك. أنا أريد فقط منك أن تبحثي بصدق، فكل الآيات التي أقرأها عند صلاة الفجر، أريدك أن تبحثي عن معناها وتفسيرها، لا أريد منك سوى البحث القليل لتعرفي ما هو دين الحق.
تحدثت مارال بنبرة جادة:
_ وطبعاً الإسلام هو دين الحق في نظرك.
كل منا يعتنق لدينه ومقتنع تمام الاقتناع بأن دينه هو الحق، إذن أعطيني دليل واحد يا صغيرتي وسأعطيك أمامه ألف دليل.
شعرت بالتخبط أثر طلبه ونطقت بنبرة منخفضة باستخفاف:
_ عايز دليل؟ ماشي، أنا هجيبلك الدليل، تعالى هنا ونتقابل بالليل في نفس المكان وأنا هجيبلك الدليل من الإنجيل نفسه.
رفع نظره لها وهو يهز رأسه ببطء شديد دليل على الموافقة، فغادرته وظل هو واقفاً يراقبها تبتعد عنه، فجاء الطبيب من خلفه يسأله بنبرة صوت عالية:
_ ما شوفتش ياسين يا بربروس؟
انتفض بربروس من مكانه وأفاق من شروده بعدما شرد بمارال قائلاً:
_ تنحنح أيها اللعين فقد قشعر بدني.
ضحك الطبيب بصوت مرتفع ووضع يده على كتف بربروس قائلاً:
_ سلامتك من القشعريرة يا شيخ عجوة، تعالى نشوف ياسين فين.
***
علت ضحكاتهم بعدما تجمعت الفتيات حول "ياسين"، فسألته أحداهن بعد تعارفهما بقليل:
_ ممكن أسألك سؤال شخصي شوية بما إنك راجل وبتفكر زي بقيت الرجالة.
استدار لها بعدما نجحت في جذب انتباهه:
_ أعرف إزاي إنه بيحبني ومش بيتسلى بيا؟
فرد هو بصدق وبتلقائية مفرطة:
بعد الطفل التاني على طول، وقتها اتأكدي إنه بيحبك، قبل كده كل ده كلام فارغ مالهوش لازمة.
فتشجعت فتاة أخرى فسألته سؤالاً آخر:
طيب لو أنا بنت ناجحة في حياتي، أعمل إيه في الولاد اللي بتخاف من نجاحك؟
بصي، خفي نجاح شوية وشكلي اللي قدامك واتجوزيه، وبعد كده هو مش هيخاف من نجاحك، هو هيخاف منك أنتِ شخصياً.
فقالت فتاة أخرى:
طيب هو ممكن ألاقي راجل يحبني أنا لوحدي وما يبصش بره؟
فكر للحظات قبل الإجابة قائلاً:
موضوع إنه يحبك لوحدك ده انسيه خالص، كفاية إنك تبقي من العشرة الأوائل.
ضحك الجميع على كلامه العفوي، فسألته حنان قائلة بيأس:
إزاي أعرف إن العلاقة دي لازم تنتهي؟
أشار هو بيديه لها:
أول ما تبتدي مش محتاجة يعني.
فردت غدير قائلة بسؤال آخر:
هو ينفع نلاقي راجل مش toxic؟
مال بعينيه يجاوبها ضاحكاً وهو يغمز لها:
بصي، هو أنا عايزك بس تدعي ربنا الأول إنك تلاقي راجل في الزمن ده، وبعد كده بقى يطلع toxic مش toxic.
دي بقى نشوفها بعدين
ضحكت الفتيات بصوت مرتفع، فأجاباته زادت من إعجابهن به. فأجابته غدير قائلة على كلامه:
_ بس أنت راجل وراجل أوي كمان.
انمحت الابتسامة من على وجه ياسين ببطء شديد بعدما شعر بشيء في نبرة صوتها، فحاول أن يهرب من الحديث قائلاً وهو ينظر أمامه:
_ طيب روحي أنت بقى يا غدير عشان شيخ عجوه جاي.
فقالت فتاة طالبة منه أن تراه مرة أخرى:
_ تحب نشرب كوباية قهوة ونقعد في مكان؟
فنظرت لها غدير نظرة لوم، فصححت الفتاة جملتها قائلة:
_ أقصد نقعد كلنا يعني مع بعض.
فرد عليها هو بكبر يصاحبه نظرة عدم احترام:
_ في كتير نفسه يشرب معايا قهوة، اقفي في الصف عشان تاخدي دورك.
ترك ياسين الفتيات واتجه باتجاه بربروس والطبيب علي، فنظر له الطبيب نظرة بها من اللوم ما يكفي قائلاً:
_ إيه اللي اتنشر على الفيسبوك ده يا ياسين؟
ابتسم بمكر متابعاً:
_ إيه اللي اتنشر؟ بينقط عليك ولا إيه؟
تنهد بغضب وتابع بلوم وهو يمد كف يده بالهاتف:
_ ياسين أنا مابهزرش، إيه الفيديو ده؟
نظر ياسين يطالع الهاتف فوجد نفسه بمقطع الفيديو، فتحدث بلا مبالاة:
_ وانت إيه اللي مضايقك في حاجة زي دي؟
فرد عليه الطبيب قائلاً:
_ علشان أنت ماتعرفش ده ابن مين، ده ابن وزير الداخلية يا ياسين. إحنا مش ناقصين أبواب جهنم تتفتح علينا، إحنا لازم نلم الموضوع.
طالع ياسين بربروس قائلاً:
_ يرضيك الكلام ده يا شيخ عجوه؟
فهز رأسه بالإيجاب:
_ نعم يرضيني.
فنفى ياسين ما قاله علي بإصرار:
_ موضوع إيه اللي تلمه يا علي؟ أنت اتجننت؟ لو انت مش عايز تلم الموضوع أنا هتكلم على لسانك وألمه بمعرفتي.
_ ماتتكلمش على لساني، أنا مخارج حروفي واضحة وغاسل سناني وعارف كويس أوي أنا بعمل إيه يا علي.
فقال الطبيب بتهكم:
_ أنت مش عارف حاجة يا ياسين، أنت سبتنا سنين وما تعرفش عنا أي حاجة. أراهنك إنك عايز تمشي النهاردة قبل بكرة وتسيبنا.
أغلق ياسين عينيه بوجع مجاهداً:
_ عشان لازم أمشي يا علي.
_ اديني سبب واحد يخليك تمشي وتسيبنا تاني بعد ما رجعتلنا.
سأله بربروس بمشاكسة بعدما شعر بتوتر الأجواء:
_ ولماذا تريد أن تهرب من جديد؟ فلتعش هنا بيننا، ألا نستحق أن تجلس بيننا أيها المزندع اللعين.
استدعى ياسين كامل اتزانه وهو يرد بثبات:
_ أأكيد تستحقوا.
_ أذن ما المشكلة؟
أغلق عينيه بوجع مجاهداً ألا يظهر حزنه، ففضل عدم الرد:
_ أأنا لازم أمشي.
تركهما ياسين وسط أسئلة كثيرة تشغل بالهما الآن، أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها. من يراه يقسم أنه لا يبالي بأي شيء، مزيج من الصلابة واللين في نفس الوقت، لكن بداخله وكأن العالم كله أقسم على تحطيمه.
غريبة وطأت قدميها القرية، توقفت السيارة أمام منزل عائلة الصاوي، هبطت من سيارتها وهي تبحث عن الخالة، حتى أرشدها أحد المارين على المنزل، حتى وصلت أخيراً بعد معاناة طويلة. استقبلتها الخالة بالترحاب، فكل غريب يدخل دارها يصبح قريب. جلست تلك الغريبة على المقعد بعدما رحب الجميع بها، فذهبت شمس لإحضار مشروب منعش في هذا الطقس الحار إلى تلك الغريبة. فسألتها الخالة بود:
_ أنتِ مين يا بتي؟
فردت عليها بنبرة هادئة:
_ أأنا، أنا اسمي مشيرة.
دلفت شمس إلى الغرفة ومعها المشروب الساقع، تقدمه على الصينية. فسألتها الخالة سؤالاً آخر:
_ وجاية هنا لمين يا مشيرة؟
وقفت شمس أمام مشيرة تقدم لها المشروب، فقالت مشيرة بنبرة فيها من التحدي ما يكفي وهي تطالع شمس:
_ أنا جايه لياسين الصاوي جوزي.
وقعت الصينية من يد شمس عندما سمعت ما قالته هذه الغريبة منذ قليل، فكررت كلمتها والصدمة تعتلي وجهها:
_ جوزك؟