تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
الفصل 106 — رواية الهجينة الفصل 106 - بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل 106 - بقلم ماهي احمد
سبها بعبارات نابيه مما جعل "مارال" تتصدى له وتقف أمامه بحده:
_ أخيس ياحسان قطع لسانك ماتقولش عليها كده.
تدخل بدر ليحجم الموقف:
_ غدير عمرها ما كانت كده، هي بس كانت مخنوقه و..
قبل أن يكمل، أشار له بربروس بكف يده حتى يكف عن الحديث قائلاً:
_ نعلم جيدا بنات عائلتنا، فمن صفاتهم الاحترام، لا داعي بأن يدخل غريب بيننا ليعلمنا من هم بناتنا.
طالع حسان بنظره حاده، نظره جعلته ينظر للأرض بندم:
_ وما قاله حسان عن ابنتنا ما هو إلا تراهات ناتجة عن قلقه فقط.
أشار برأسه لـ "مارال" يحثها على أخذ "غدير" للداخل، وافقت، تمد كف يدها لها، وما إن مدت كفها حتى استجابت لها "غدير"، تطالع "بدر" بعيون دامعه، يراها تبتعد عنه تحت ناظريه، وما إن دلفت داخل المنزل حتى حث "بربروس" بدر على الرحيل، وتوعد لـ "حسان" على فعلته منذ قليل.
رحل الجميع، وقبل أن يلدف إلى المنزل وجد "الطبيب" يصعد إلى سيارته، حثه على النزول بقول:
_ أيها الطبيب، أين أنت من ليلة البارحة؟
_ معلش يابربروس، سيبني دلوقتي.
قالها بلهجة طغت عليها اللامبالاة، يعلم جيدا ما بداخله، فنظر "بربروس" إلى الساعة بمعصم يده وقد دقت التاسعة، صعد جواره داخل سيارته وبدأ بقول:
_ إنها التاسعة صباحا، وقد تذكرت شيئا، أريد منك أن توصلني إلى مكان ما.
وضع "الطبيب" المفتاح بالسيارة وحركها وهو يسأل:
_ عايز تروح فين يابربروس؟
أجابه "بربروس" بما لديه:
_ إلى المكان الذي تقصده، فقد تذكرت أن لدي موعد هناك.
_ بس أنا مش عايز حد معايا يابربروس، أرجوك تسيبني في حالي.
قالها "الطبيب" بحده، لم يقابلها "بربروس" إلا بكل هدوء، يجلس بأريحية على مقعده وبدأ بقول:
_ حسنا، إلى أين تريدنا أن نذهب؟
أدرك "الطبيب" مراوغة "بربروس"، ضغط على دواسة البنزين يتحرك بالسيارة وهو يردف بحنق:
_ أنا عارف إني مش هعرف أخلص منك.
حلت الظهيرة ولم يأت منها إلا ضوء خافت جاء على استحياء، اتجه "ياسين" ناحية الكوخ يطالعها بهدوء من بعيد، يستند بظهره على الباب، يطالع سكينتها متمنيا بألا يصيبها أي مكروه، فشعور بأنك ستفقد من تحب يدفعك للجنون، يتحدث بعيونه ما لم ينطقه لسانه:
_ لو جرالك حاجة في يوم، العيشة في بعدك هتصبح مرة والدنيا هتفضى من الونس على واحد عاش سنين محروم منه، ومحسش بيه إلا بوجودك جنبه. أنا الغريب في دنيا نابذة وجودي جواها، متقيد بيها ومعاها، وكأنك حريتي اللي فضلت سنين أتمناها.
كلمات يرددها بينه وبين نفسه، فأتى "عم نصير" من خلفه بعدما رحلت حكيمة وهي تحذره من ألا يعلم أحد بقدومها، يمد يده بكوب من الشاي الدافئ يعطيه له، يقطع شروده سائلاً:
_ بتحبها يابن الصاوي؟
سؤاله أربكه، شعر بانسحاب الأنفاس من سؤاله، أعطاه ظهره يجلس على الأريكة الخشبية أمام الكوخ قائلاً بكلمات متقطعة نافياً سؤاله:
_ عارف لما تبقى أكتر حاجة أنت عايزها هي أكتر حاجة ماتنفعلكش، اللي بتتمناه يبقى جنبك هو الوحيد اللي لازم تبعده عنك.
أتى يجلس بجواره ومازال ممسكاً بكوب الشاي بيده، يعيد عليه سؤاله:
_ مش ده رد سؤالي اللي مستنيه ياياسين؟
لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة وتحدث نافياً:
_ شمس عمرها ما انكتبت ليا في يوم.
_ وده أنت اللي قررته بنفسك.
أغمض عينيه بتعب، فأعطاه "عم نصير" كوب الشاي الساخن ومد يده يستقبله منه وقال بوجه بشوش يتابع حديثه:
_ طب بلاش بتحبها، على الأقل بتحس ناحيتها بأيه؟
وقبل أن يجيبه، اقترح عليه أن يجيبه كما يفعل سابقاً، بطريقته الشاعرية بحديثه الفصحى كما كان يحب منذ سنين مضت، وهو يدون كل شيء بداخل مفكرته، حتى يخرج ما بقلبه. صمت قليلاً، ينظر أمامه وقد كان يحاول تجميع الكلمات، قال وعيونه تدور في أرجاء المكان يشرد بما شعر به:
_ أشعر وكأن العالم مظلم ووحدها من تضيء عتمته، وكأنها الجار والجوار والدار والديار، لا شبيه لها ولا مثيل ولا بديل.
أجابه بغموض لم يروِ ظمأ أسئلته، فنطق يؤكد عليه:
_ يبقى بتحبها ياياسين.
صرح ينكر جملته سريعاً:
_ ماتكبرش الموضوع، مش للدرجة دي.
أكمل حديثه يغير مجراه، وتابع "نصير" ردة فعله وهو يرى الغضب الذي كاد أن يلتهم وجهه:
_ أنا طلعت مغفل كبير أوي ياعم نصير، كنت فاكر نفسي شديد ومحدش يقدر يضحك عليا، لاء وكمان كنت فاكر إني أقدر أحمي اللي مني وطول ما هما جنبي هيبقوا في أمان. عمار طلع ميت مش عايش، وكمان لما مات مات قدام عنيا وشمس اتضربت بالنار وهي في حضني ومش هتطلع من حد غيره، مش هتطلع غير من فريد.
_ وهتتصرف ازاي ياياسين؟
وجه عم نصير سؤاله له، وقبل أن ينطق، أتت "زهره" تهرول، وقد انتشر الخبر سريعاً بين أهل القرية، الكل علم بخبر إطلاق النار على "شمس" في المساء بعدما رآه أحد المارة يهرول بها بين طرقات القرية، تنسدل دماؤها منها متجهة ناحية الكوخ. أتت "زهره" تهرول ناحيتهم، ظنت أن ابنتها قد فارقت الحياة، مجرد تخيل هذا جعل جنونها ينشط، فتحدثت بصوت نال منه الفزع وعيون مستنجدة قد نال منها الذعر، تقبض عليه من تلابيبه:
_ بنتي، بنتي فين ياياسين، حصلها إيه؟ انطق.
أغمض عينيه بتعب وفتحهما، تلقى على مسامعه البقية:
_ شوفت، شوفت أنا كنت خايفة بتي تبقى معاك ليه؟ عشان مافيش خير بييجي من وراك ياياسين مهما حصل. أنت اللي مكنتش فاهم ده. حرقتلي بيتي وطلقتني من جوزي وأنت السبب في أذية بنتي. أنا كنت كل همي في الدنيا إنها تتجوز واحد سوي تعيش معاه أيامها في أمان، واحد ماتخافش معاه من بكرة، واهو قبل ما ييجي بكرة يابن الصاوي كانت مضروبة بالنار. هو ده اللي أنت عايزه؟ أنت كده بتحميها؟ أنت مابتعملش حاجة غير إنك تدمر اللي حواليك. إيه اللي جابك بس؟ إيه اللي رجعك؟ ما أنت كنت بعيد وقولنا خلصنا منك، عشر سنين عشناهم من غيرك كنا عايشين في أمان، ومن وقت ما رجعت ماشوفناش غير وجع القلب وعدم الأمان. روح منك لله.
انهارت، لم تقدر قدماها على حملها أكثر من هذا، استشعر رعشات جسدها، خانتها قدماها وقد خرت على الأرضية ومازالت ممسكة بتلابيبه، جلس معها وفعل عكس المتوقع، فعل ما أدهشها، تحدث معها هذه المرة ووضع استفزازه لها جانباً، ربت على كفيها بحنان يحدثها بعينين صادقة وقلب مكسور:
_ أول مرة أوافقك على كل كلمة قولتيها يازهره.
حركت "زهره" رأسها بغير تصديق وعادت تنظر له من جديد، ساعدها على الوقوف وقد جلسا سوياً على المقعد الخشبي، وضع كفه أسفل وجنته وهو يقول بهدوء واستسلام، لم تعهده منه من قبل:
_ ماتستغربيش يازهره، أنت فعلا عندك حق في كل كلمة قولتيها، أنا دلوقتي بس فهمت إن طول ما شمس جنبي هتشوف الأذية ألوان.
الصدق ينطق في حديثه وفي مقلتيه وهو يدافع عن نفسه:
_ بس مش هتبقى الأذية مني، هتبقى من اللي حواليا، عشان أنا جنبها حاجة مكنتش فاهمها وفهمتها دلوقتي. حاولت تنبهيني قد إيه أنا مؤذي، بس مكنتش فاهم. كنت فاهم إن اللي زيي ينفع يتغير ويقدر يعيش في أمان زي بقيت الخلق.
برزت ابتسامة على ثغره يحاول بها أخفاء الألم الذي ينزف من كلماته:
_ آه أنا حرقت بيتك وعارف إن مكانش ينفع أعمل كده، بس وقتها مكنتش بفكر، مكنتش عايز حاجة تبعدني عنها، كنت خايف لا تبعد وتتأذي، محطيتش في بالي ولو لحظة إني السبب في أذاها. اطمني، شمس لحد دلوقتي بخير، وأنا همشي وأسيبها يازهره، بس مش قبل ما أبعد عنها اللي ممكن يأذيها وأطمن قلبي عليها.
عند هذه النقطة تحديدا، انفجرت في البكاء، تعالت شهقاتها وأصبحت تسرق الأنفاس بصعوبة من بين شهقاتها، تحدثت تبرر له:
_ ياسين أنا مش وحشة، بس أنا شفت الوحش اللي جواك. محدش فيكم باصصلي بعين أم خايفة على ضناها واللي هي حتة منها. أنا اتحرمت من شمس 16 سنة وأنت كنت بالنسبالي الوحش اللي حارمني منها، كنت بنام وأقوم وأنا كارهالك. عارفة، عارفة إن كل اللي حصلك كان غصب عنك، بس أنت مش ابني مش حتة مني عشان أحس بيك، لكن هي لأ، هي اللي طلعت بيها من الدنيا وكل اللي بتمناه إنها تعيش في أمان اللي باقي من عمرها، واديك شوفت واعترفت بنفسك إنها كل ما هتكون معاك كل ما الأذى هيجري وراها بالمشوار.
تحدثت معه باستفاضة وتفهم هو مشاعرها، وافقها على كل شيء، وأتى إلى النقطة الأصعب، ولكنه كان بارعاً في التعبير:
_ شمس تستحق ترتاح والدنيا تبقى ليها براح، حتى لو أنا مش فيها، ولا أستحق براح الدنيا معاها. شمس تستحق كل حاجة حلوة في الحياة، هي أصلا بالحياة وما فيها.
صدق نبرته أذهلها، وحتى حاول إخراجها من نوبة بكائها الزائدة بقول:
_ خلاص بقى، ده أنت نكدية بزيادة، لي حق علي يطلقك.
انكمشت تقاسيمها وزادت شهقاتها التي هتفت من بينها وتعالت نبرتها بغضب:
_ ما أنت السبب، أنت برضوا سبب طلاقي، ياللي منك لله.
حول عينيه للون الأحمر وتهكمت تقاسيمه وقد بان على ملامحه الجدية:
_ صوتك ما يعلاش يازهره، ولا عشان قعدتك جنبي وطبطبت عليكي بكلمتين هتاخدي عليا.
دب الذعر بقلبها، ابتعدت عنه متجهة إلى طرف المقعد، ابتسم "عم نصير" من فعلته، ضاق نفسها فهي الآن بمفردها معه، ابتسم يشير لها بيده مازحاً، بعدما أعاد عينيه إلى لونه الطبيعي:
_ والله يازهره أنت غلبانة بجد، وما طلعتيش حيع ولا حاجة. تعالي، تعالي، أنا بهزر معاكي، في برضوا حد يأذي حماته.
نفت كلمته وبشدة:
_ ماتقولش حماتي.
انصاع لأمرها يخبرها:
_ اللي تشوفيه يازهره، حلو كده.
صدرت عن "زهره" تنهيدة متعبة ثم أخبرته:
_ حلو، بس عايزك توعدني إنك فعلا هتبعد عنها وتطلقها.
صمت للحظة وألقت عليه نظرة وقد خيم على عينيه الحزن، وجدته يطالعها بعينين وقد لمعا ببريق ممزوج من الحزن، وبالرغم من ذلك يجبر شفتيه على الابتسام:
_ هوعدك، بس مش قبل ما تفردي وشك ده الأول.
كانت نبرته هنا جادة عكس نبرته المازحة، مسترسلاً:
_ حبايبي دول بارتين مع بعض، التكملة تحت الصورة التانية، وأرجوكي التفاعل يبقى من بره الصورتين، أرجوكي علشان صوتنا يوصل لأكبر عدد وننقذ الأسرة من الفلسطين/ييه.
_ وزي ما قولتلك هبعد لما أطمن عليها وأبعد اللي عايزين يأذيها عنها، بس لحد ما ده يحصل، أنا هفضل جنبها ومش عايز منك أي اعتراض إني أبقى قريب منها، واللي أقولك عليه تنفذيه، يعني وقت ما أقولك خليها معايا هتفضل معايا.
_ أيوه بس.
قالتها معترضة، فبتر حديثها بعدما علم مقصدها:
_ مش هلمسها، ولا هقربلها، شمس عمرها ما كانت ليا في يوم يازهره، اطمني، دي حاجة أنا عارفها ومأمن بيها كويس.
أشار برأسه يحثها على النهوض:
_ يلا، ادخلي لبنتك واطمني عليها، هي قريب هتبقى بخير.
كانت في الحقيقة تبكي وكأنها المرة الأخيرة، تفرغ كل ما لديها من الدموع، شعرت "مشيرة" بكل ما هو قاتل، كلامه مزقها، فعل كل هذا فقط حينما علم بأنها جارته بأن "عمار" ما زال حياً يرزق، أبعدها عن حياته للأبد، وأهل الأه لو علم بأنها تدس له الدواء بداخل مشروبه حتى يظل على عماه. أخذت تحدث نفسها، ماذا لو علم بأنها هي من تسبب بإطلاق النار على "شمس"؟ ماذا سيفعل حينها؟ كل هذا نفضته عن تفكيرها، كل شيء مباح لديها فقط ليظل بجوارها، عادت إلى المنزل بعدما وعدته بأنها تريد الراحة ولو قليلاً، وستغادر بعدما تلملم أشياءها المتبقية من بيت "الصاوي"، وهي تعرف تمام المعرفة أنهم سيكتشفون مقتل "شمس" قريباً، ومن ثم ستبقى بجواره لمواساته كما تفعل كل مرة. توقفت لدقائق تفكر، لم تسمع نحيب أحدهم، لم يتحدث هو عن مقتل شمس وكل ما يشغل باله فقط هو "عمار". تحرك "حسان" أمامها فاستوقفته مسرعة تسأله بلهفة:
_ الا قولي ياحسان، هي فين شمس؟
كمش حاجبيه باستغراب ثم أرضت هي فضوله بقول:
_ أقصد يعني مافيش حد في البيت، هو انتوا فين؟
بان عليه القلق بقول:
_ أنت ماسمعتيش؟ أختي شمس انضربت بالنار. كل اللي في البيت مش موجودين، كلهم راحوا عند كوخ "عم نصير".
_ يعني عايشة؟ مامتش؟
كانت ترغب وبشدة في موتها، رمقه "حسان" وبشدة وهو يعترض على ما يقول بقوله:
_ بعد الشر، إن شاء الله اللي يكرهها، جت سليمة، بس عم ياسين هيعرف يجيب اللي عملها، إن شاء الله لو كان في جحر نملة.
شلت الصدمة "مشيرة" الآن، ماهذا الذي تسمعه؟ اشتعلت عيناها، ودت لو قتلته، ولكنها تصنعت الشفقة ببراعة وهي تقول:
_ أنا ما قصدتش، بعد الشر عليها طبعاً، أنا بس كنت عايزة أطمن عليها.
أشار بكف يده للخارج:
_ أنا كنت بجيب لها هدوم ورايحلها دلوقتي، لو حابة تيجي معايا استناكي.
هتفت مسرعة:
_ لا، لاء، هاروح لها وقت تاني، أنا هدخل أوضتي عشان أرتاح.
جاء رده جافاً:
_ عن إذنك يا طنط.
استدار ليغادر، من هنا ترمقه بعيونها التي لو كانت سهاماً لأصابته، وخر "حسان" أرضاً سريعاً، الآن تمتمت بداخلها بقول:
_ طنط لما يلهفك.
دلفت إلى غرفتها، صافعها الباب خلفها، بعدما أدركت أن ما خططت له أصبح بلا فائدة، ركلت الطاولة التي أمامها بقدميها بقوة، مسحت دموعها بعنف تحاول كتم صرختها، ولكنها فشلت، وما إن وجدت زجاجة من الماء أمامها حتى ألقت بها بعرض الحائط، تحولت الزجاجة إلى قطع، ألتقطت أحداها لكي تجرح يدها بعنف حتى تهدأ، فهذه هي وسيلتها الوحيدة للهدوء عبر جرح ذراعيها، تتلذذ بالألم الخارج منها، وما تجهله بأن "الخالة" ما زالت بداخل المنزل تضعها تحت أعينها دون أن تراها، وأن الألم الحقيقي قادم لا محالة.
أخيراً، وقف "الطبيب" بسيارته أمام بيت مهجور.
بيت قديم من الطين متهالك، هبط من سيارته يقف أمامه يتأمله، تبعه "بربروس" يقف من خلفه، فقطع صمت الطبيب بسؤاله يربت على كتفه بابتسامة:
_ هل هذا بيتك القديم؟
هز "الطبيب" رأسه وقد لمعت الدموع بعينيه وهو يقول:
_ كان بيتي أنا وياسين.
جلس على الطوب اللبني بهدوء يسرد له ما كان يحدث منذ زمن:
_ لما كنا صغيرين، والدي كان دايماً شايف ياسين مستهتر مابيشيلش مسؤولية، كان كل ما يقعدوا في قعدة معاه وهو بيحل مشاكل أهل القرية، ياسين كان بيزهق ويسيبهم ويطلع فوق السطوح جنب غية الحمام. الحمام أول ما يشوفه كان بيتلم حواليه ويمسك دفتره اللي مكانش بيسيبه ويكتب قد إيه إن نفسه يكبر عشان يبعد عن القرية ويعيش حر زي الحمام اللي بيربيه. أبويا لما كان يبص ما يلاقوش جنبه كان بيعرف مكانه أكيد جنب غية الحمام، يطلع ويدور في الضرب ويديله كل قلم وقلم، كان لسه صغير ما يكملش العشر سنين. وأنا كانت صحتي على قدي، أبويا كان عارف إني هموت زمان، مكانوش يعرفوا حاجة اسمها كانسر، كان عارف إن صحتي على قدي وبس، ما أقدرش أمسك قرية بحالها، مع أني كنت بحب أقعد معاه أوي، بس هو مكانش بيرضى. كنت بصلب طولي بالعافية وأطلع السلم عشان أدافع عنه وما أخليهوش يضربه، واقف في النص ما بينه وما بين أبويا، وأبويا مراعاة لصحة تعبانة كان بيوقف ضرب في ياسين أول ما يشوفني وينزل ويسيبه.
لمع بريق في عينيه وهو يتابع من جديد:
_ كنت وقتها باخده في حضني ويفضل يبكي جواه ويقولي أنا مش عايز أبقى كبير القرية، مش عايز أبقى مسؤول عن حد.
كان حديثه هذه المرة غير المرات السابقة، حرك داخله أشياء ساكنة، دفعه للانهيار وهو يقول:
_ ولاقيته بيقولي اللي خلاني أبقى مسؤول عنه سنين طويلة، لاقيته بيقولي ياريتك كنت أنت أبويا بداله. أخدته في حضني وأنا بعيط ووعدته إني مش هخللي حد يمد إيده عليه بعد كده. وجينا آخر القرية أنا وهو وبقينا نعمل البيت ده من الطين حتة حتة وطوبة طوبة، قعدنا فيه شهور نبنيه بس كنا مبسوطين، وأنا لما كنت بتعب كان بيكمل هو بدالي، ولما كنا بنحب نهرب من القرية ومسؤوليتها كنا نيجي هنا ونفضل سوا. ولما ظهر المهدي وحكيمة أشفق عليا لأني خلاص جبت آخري وفي أيامي الأخيرة حولتني وأنقذتني من الموت وحكيتله اللي حصل، قالي ماتسبنيش وأنا كمان مكنتش عايز أسيبه، وطلبت من المهدي يحولوا زيي وبقينا من ساعتها سوا، بس مكنتش أتخيل في يوم من الأيام إني أنكث بالوعد اللي وعدتهوله وأنا اللي أضربه بدل أبويا. مش فاهم عملت كده إزاي؟ لأول مرة ما أقدرش أتحمل استفزازه ليا، لأول مرة أندفع في شعوري يابربروس وماتحكمش في نفسي قصاده. خايف لا ما يسامحنيش ويبعد عني وأنا ما صدقت رجع يبقى جنبي من جديد. ياسين مش أخويا الصغير وبس، ياسين ابني اللي ما خلفتوش وصاحب العمر ورفيق السنين الكتير اللي عيشتها.
تابع من بين دموعه:
_ محتاج أخده في حضني زي زمان وعارف إن هو كمان محتاج الحضن ده وخايف لا الأوان يكون فات.
ربت "بربروس" على كتفه مهوناً:
_ هون عليك يا أخي، من خبرتي لسنين طوال فقد علمت بأن مصارين البطن تتعارك ولكنهم يظلوا مصارين في بطن واحدة مهما تشاجروا سيعودون من جديد سوياً، فقط إنها الأيام ستداوي الجروح.
يوم جديد والأيام تتوالى على ركودها، متدثرة بفراش "عم نصير"، حالتها بدأت بالاستقرار التام، تأتي لها والدتها طوال النهار وترحل بالمساء، وهذا بعدما طلب "ياسين" من والدتها استكمال علاجها هنا تحت أنظاره حتى لا يلتقي "بالطبيب علي" داخل "منزل الصاوي". هو الآن وفي هذه اللحظة هنا حيث الكوخ البسيط، الوقت يمضي بسرعة البرق، وككل ليلة يسهر بجانبها، يسهر على راحتها بعدما غادره "عم نصير" وأخبره بأنه سيقضي الليلة لدى قريب له، فأصبحوا بمفردهما سوياً، وكالعادة أشعل النيران بالأخشاب التي بالخارج في ليلة شديدة البرودة كهذه، لعله ينعم ببعض الدفء. كل ليلة يتمنى أن تستعيد عافيتها، تعود لمحادثته من جديد، وغالباً الشئ الذي نرغب به بشدة نجده يحدث بعد قليل، عندما شعر بوجودها تقف خلفه دون إصدار أي صوت، أغلق عيونه يستشعر وجودها، يشتم رائحتها التي لطالما ميزها، اقتربت منه تقف أمامه لتجد هيئته التي نمت على أنه ليس بخير، حين رمقته تصرح بصدق معاناته، نطقت وقد بدا على وجهها الاهتمام:
_ ياسين، أنت كويس؟
مجرد نطقها باسمه يصيب قلبه باضطراب، ابتسم على سماع صوتها من جديد، رمقها بنظرة مشتاق، يشتاق إلى روحه التي كادت أن تسلب منه، لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال:
_ أنت بتسأليني أنا السؤال ده؟ المفروض أنا اللي أسألهولك، أنت اللي اتضررت بالنار ياشمس وبقالك أكتر من تلات أيام نايمة ومحاسة باللي حواليكي.
شعرت بعدم الاتزان، فحاوط كف يدها سريعاً يساعدها على الوقوف قائلاً:
_ تعالي ارتاحي على السرير، الجو هنا برد عليكي.
أخبرته راجية:
_ لا، عشان خاطري أنا زهقت من جوه، عايزة أشم شوية هوا.
انصاع لطلبها، يساعدها على الجلوس أمام النار، دار بعينيه يبحث عن المزيد من الأخشاب بالجوار، ومن ثم وضعهم بداخلها، وقد أحضر غطاء من الداخل يحاوطها به، يضعه على كتفيها من الخلف قائلاً:
_ خلي الشال ده على كتفك عشان يدفيكي.
وضعت يدها تعدل من وضعية الشال الذي وضعه هو بفوضوية على جسدها، فلامس كفها كفه، رفعت "شمس" رأسها، فتقابلت عيناها بعينه، ارتبكت من نظراته الثابتة واستدارت تنظر جوارها، فحمحم يخبرها وهو يجلس بجوارها:
_ أعملك معايا شاي؟
أتى بالبراد الموضوع بجواره يضعه على النار المشتعلة أمامهم، طالعته بذهول، عن أي شاي يتحدث؟ فهي تعلم جيداً بأنه لا يحب الشاي، فهم هو تعابير وجهها، فابتسم بقول:
_ أنا عارف إنك زمانك بتقولي إن مابحبش الشاي وازاي بشربه دلوقتي، بس اللي يقعد بقى مع عمك نصير لازم يحبه غصب عنه، مع أنه بيعمله وحش أوي بس اتعودت عليه.
تعالت ضحكاتها، فابتسم هو على ضحكتها، يمد كفه بكوب الشاي بعدما سكبه لها، تناولت الكوب تقول وسط ضحكتها:
_ المشكلة إنه بيجبرك إنك تشرب الشاي بتاعه بالعافية أصلاً، ومهما تقنعه إنه بيعمله وحش مابيصدقش.
وذكرته هي بحديث مر عليه أكثر من اثنى عشر عاماً، تسرده بقول:
_ فاكر لما دخلت عليا القبو وخليلة كانت بتشرب كوباية الشاي، وأول ما شفتك خافت وترعشت وبقت تغمي عينيها على طول بالقماشة وفضلت ماسكة كوباية الشاي مارمتهاش. وقتها نزلت علينا بخطواتك البطيئة وبنظرتك الشريرة دي، ومع أنها معملتش حاجة روحت باصصلها كده وكسرت كوباية الشاي من إيدها.
ابتسم بألم يرتشف رشفة من كوبه، يبتسم على ذكرياته وهو يقول:
_ المشكلة مش في كده، المشكلة إنها معملتش حاجة ومش لاقيلها أي غلطة، روحت مزعق فيها وقولتلها وأنت كمان بتشربي شاي.
انكمش ما بين حاجبيه يكمل:
_ مش فاهم، ماتشرب شاي كنت بزعقلها ليه أنا؟ غلطت في إيه عشان أبهدلها البهدلة دي كلها وأبهدلك أنت كمان معايا؟
أنمحت الابتسامة من على وجهه ببطء وتهكمت تقاسيمه، يشعر بالذنب، نادماً على ما فعله:
_ كنت حارمها من كل حاجة، من أولادها وبيتها وجوزها ومن جبروتي، بعد ما فضلت 16 سنة تربي فيكي وماتشوفش الشمس في يوم، أقتلها بدم بارد ولا أكنها بني آدمة وليها حياة. ده أنا كنت جبار.
اعتدلت بجلستها كي تقترب منه، طالعته بهدوء قبل أن تقول بابتسامة حزينة ونبرة حنونة:
_ ياسين، أنت مكنتش في وعيك وأنت بتعمل كده، كل ده كان غصب عنك، كل ما تفتكر حاجة زي كده قول لنفسك إن مش أنت السبب وإن اللي حصل ده أنت كنت مجبر عليه مش بإرادتك.
ثم لانت نظراتها ورأى فيها خوفاً حقيقياً عليه، تحاول ألا تشعره بالذنب:
_ وبعدين أنا كنت بفرح أوي لما بتزعقلها، بس برضوا كنت بخاف عشان بعد ما كنت بتمشي بطلعهم عليا. طب على الأقل أنت مكنتش في وعيك، لكن هي كانت بكامل عقلها وهي بتعامل طفلة ماتكملش السنتين بمنتهى القسوة.
لمعت العبرات في مقلتيها وهي تحكي له:
_ طبعاً مش فاكرة كتير، بس فاكرة كويس أوي لما كانت بترميلي الأكل في الأرض عشان أوطي آكل منه، مكانتش بترضى تخليني أستخدم إيدي، كانت بتسيبني عطشانة بالأيام، حتى الكلام مكانتش عايزاني أنطقه، مفكرتش ولو للحظة تاخدني في حضنها زي أولادها وخصوصاً إن هي اللي مربياني. لما كرهتها وكنت بكره حتى أسمع نفسها، على الأقل في أيام رغم إن الضبع كان مسيطر عليك كنت بتبقى حنين عليا فيها، ولما كنت بتلاقي شفايفي زي الحجر رغم قسوتك كنت بتديني بوق الماية، أه بعدين بترجع تطلعه عليا تاني، بس على الأقل كان بيحصل.
كل شيء يؤلمها وبان هذا في سؤالها بوجع طغى في عينيها:
_ تفتكر أنا عملت إيه عشان يحصل معايا كل ده ولحد دلوقتي لسه بيحصل؟ لسه بعاني.
فرت دموعها تشعر بسخونتها على وجنتيها أثناء تنهدها بعمق:
_ أنت ماتعرفش أنا عشت إزاي طول العشر سنين اللي فاتوا. ماتعرفش حسيت بإيه بعد موت عمار ياياسين وكمان بعد ما مشيت وسيبتني، كنت وحيدة فضلت سنتين مكنتش بعمل فيهم أي حاجة في حياتي غير إني قاعدة جنب قبره بفكر في ألف سؤال، لو كان لسه عايش كان إيه اللي هيحصل في حياتي دلوقتي؟ طب ليه مات؟ ليه مش موجود لحد.
صمتت لثوانٍ، يتابعها بنظراته المستفسرة، فأكملت وقد حاربت ترددها:
_ لحد ما مذكراتك وقعت معايا بالصدفة، رجلي خدتني ليها من غير ما أحس.
لمحت التوتر الذي ظهر على وجه ياسين وهو يرد:
_ مذكراتي!!
ردت تؤكد على ما قاله:
_ أيوه مذكراتك، هي دايماً معايا في الشنطة مابشلهاش أبداً، منها لو كنت فتحت شنطتي كنت لاقيتها فيها.
بدا على وجهه الانزعاج، فأضافت تبرر:
_ أنا عارفة كويس إن اللي عملته ده غلط، وإن مكانش ينفع أبداً إني أقرأ حاجة شخصية ليك كده ولا أعرف عنك كل اللي عرفته، بس هتصدقني أو لاء، بس مذكراتك واللي قرأته جواها أنقذني من الوحدة وخلاني أتجه للتعليم، كان عندي فضول شديد أعرف إيه اللي مكتوب جواها.
رد بهدوء جاهد ليستدعاه:
_ وعرفتي!!
وردت بسؤال آخر:
_ اتضايقت؟
اختار الكذب وقال:
_ لا ما ضايقتش، بس كنت عايز أعرف عرفتي إيه؟
ابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تضيف:
_ إن حياتي زي ما كانت صعبة، حياتك كانت أصعب. وإن الحج يزيد باباك كان دايماً بيعاملك بقسوة، وإنك ماشفتش حلو الدنيا غير من مامتك، واختارت إنك تعيش مع دكتور علي، وإنك تعيش ميت على إنك تموت عايش، مش ده كلامك اللي كاتبه في مذكراتك؟ طول عمرك كان في غيرك بيتحكم في حياتك، الأول باباك ولما يا دوبك طلعت من تحت جناحه اتحطيت تحت جناح الضبع.
رأت "شمس" الدموع في عينيه، ولم يخفها "ياسين" بل طالعها معاتباً على النبش بماضيه، ونظراته تطالبها بأن تكف عن الحديث، ولكنها ختمت وكأنها لم تر هذه الدموع:
_ الظاهر إننا طلعنا شبه بعض أوي ياياسين، كل واحد فينا ضحية لغيره.
شريط طويل يعرض أمامه الآن، امتزجت الذكريات بعقله بنبرتها وهي تخبره:
_ ده غير كمان البنت اللي حبيتها زمان و..
_ مش جعانة؟
ألقى بسؤاله للهروب من مجرى الحديث أو الهروب من نفسه، طالعته بابتسامة وعلمت قصده وقررت ألا تضغط عليه وجارته بحديثه بقول:
_ بصراحة أه جعانة أوي، بس مش عايزة آكل أي أكل، عايزة آكل حاجة معينة.
قبض حاجبيه بتساؤل، فأشارت بعينيها خلفه، استدار للخلف على البقعة الزراعية وعاد يطالعها من جديد ببسمة حانية، يشير بعينيه بمعنى لكِ ما تريدين.
في بعض الأوقات من المفترض أن تنفذ تهديدك حتى لا تشمت من هددته بك، ولكن بحالة كحالتها لم تعد تفكر بشيء سوى محادثته حتى لو لدقائق.
ظلت تنتظر "الطبيب" كالعادة أمام منزل الصاوي، ولكنه يتهرب منها ويوصد باب غرفته عليه، ولكنها استطاعت أن توقفه هذه المرة قبل أن يوصد باب غرفته عليه بقول:
_ علي، أرجوك ماتمشيش وتقفل الباب في وشي زي كل مرة.
وقف أمامها يطالعها ورد بابتسامة كادت أن تقتلها قائلاً:
_ أي ده، زهره! أنت هنا غريبة، مكنتش واخد بالي منك.
_ علي بلاش كذب، أنت شايفني وبتشوفني كل يوم.
استدار "الطبيب" يطالعها ورأى غضبها في عينيها، وخاصة وهي تتابع:
_ أنت من ساعة اللي حصل ما بقيتش حتى تبص في وشي خلاص، نسيتني ياعلي؟ نسيت زهرتك؟
لانت تقاسيمها بعض الشيء، تقترب منه:
_ أنا زهره ياعلي اللي لما كنت بقولك سيبني في حالي كنت بتقولي أنا حالك، ومكنتش بتسيبني مهما حصل.
رد "الطبيب" وهو يمسح على عنقه بتعب يتخطاها بقول:
_ أديكي بتقوليها بلسانك يازهره، كنت حطي بقى تحت كلمة كنت دي ألف خط وخط قبل ما تقوليلي إني مش راجل، قبل ما تعرفيني إنك بتبقي نايمة جنبي وخايفة لا أشتهي دمك، قبل ما أعرف إنك على استعداد إنك تسيبيني وتبعدي وتعيشي بعيد عني.
أشار برأسه مستفسراً:
_ إيه اللي مخليكي قاعدة في بيت الصاوي لحد دلوقتي؟ مش ده البيت اللي كنتي كارهة تقعدي فيه؟ احلو دلوقتي وبقى عليه سكر.
حاولت التبرير وقبل أن تنطق، بتر عبارتها بقول:
_ ماتقوليش إن عشان بيتك اتحرق بيت أخوكي أبو حسان لسه موجود.
تنهدت "زهره" الدموع تلمع بعينيها:
_ عمرك ما كنت قاسي عليا أوي كده ياعلي.
رد عليها بما أوجعها وجعل الدموع تنهمر من عينيها بغزارة:
_ علي اللي كنتي تعرفيه أنت خسرتيه خلاص، ومهما عملتي مش هتعرفي تكسبيه تاني يابنت الناس.
ألقى بكلماته عليها كالسهام التي نخرت بفؤادها، رأته يبتعد عنها، ومع رحيله سلب أنفاسها منها.
كانت تسير وهي تنظر للسماء وقد زينتها النجوم والقمر بالمنتصف كلوحة بديعة تسر النظر وتطرب القلب، قاطع شرودها بقول:
_ مش قولتلك بلاش نتمشى، أنت تعبانة ياشمس.
كان هذا قوله ممسكاً بكوز الذرة بعد أن قام بشويه على نار هادئة، يتسايرون بالطريق بجوار الرقع الزراعية، الليل قاتم بالمكان ولا يوجد سوى عمود إنارة واحد يضفي إضاءة خفيفة، قضمت قضمة واحدة من كوز الذرة وبدأت بقول:
_ لاء، أنا بقيت أحسن دلوقتي وبجد كنت محتاجة أتمشى شوية.
وقفت أمامه بعيون سائلة سؤال يلح عليها من أول جلستهم، لاحظ هو اقتضابها وقام بإرضاء فضولها بقول:
_ أنت مستغربة إني لحد دلوقتي ماجبتش سيرة عن اللي حصلك وشايفاني هادي صح؟
التحمت عيناه وهو يلقي على مسامعها رده:
_ علشان عارف هتقولي إيه ياشمس.
تخطاها يتابع سيره، فحاولت توسيع خطواتها للحاق به، تخبره بصوت عالٍ نسبياً:
_ اقف ياياسين، أنا مش قادرة أمد، ممكن تقف عشان خاطري.
لأجل خاطرها، لأجل خاطرها فقط يفعل المستحيل، وقف يعطيها ظهره يلبي طلبها، ووقفت هي خلفه بعيون راجية تتابع حديثها بقول:
_ أنا مش عارفة مين عمل كده.
بتر حديثها بحدة:
_ بس أنا بقى عارف.
تابعت وكأنها لم تسمعه:
_ ومش عايزة أعرف، مش عايزة أعرف مين اللي عملها ياياسين، أنا عارفة مين اللي في بالك، بس ده بالذات لازم نبعد عنه.
تقصد بقولها فريد، أضاف وقد تبعت الحدة نبرته:
_ أهوه ده بالذات اللي مش هسيبه، لو سيبته أكتر من كده هيقتلكوا واحد ورا التاني.
استعد لرحيل، فتابعت بقولها الذي أثره:
_ أنا بخاف عليك.
أغمض عينيه من قولها، لطالما تمنى سماع هذه الكلمات منها، واليوم أخيراً قد أخبرته بها، تقدمت تقف أمامه، نزلت دموعها وهي تطلب منه برجاء:
_ أيوه بقيت بخاف عليك، ولو وقفنا قدامه أبواب هتتفتح في وشنا، أوعدني إننا نعيش في أمان، أنا تعبت ياياسين وعايزة أعيش حياة طبيعية زي أي بنت في سني. فريد لو اكتشف حقيقتنا الدنيا كلها هتتقلب علينا والسر اللي فضلنا مخبيينه سنين هيتكشف وهنبقى مطاردين من كل الناس، وأنا مش عايزة كده. مش عايزالك أنت بالذات كده. اوعدني ياياسين، اوعدني إنك هتبعد عنه، ده تعبان حي، بلاش تقرب منه، في كل خطوة بينصب فخ، وفي كل فخ بؤرة بيتمنى إنك تقع فيها، ولو وقعت فيها هضيع مني.
تنهدت تخبره بما داخل قلبها:
_ وأنا مش عايزة إني أضيع منك، اوعدني ياياسين، اوعدني إنك هتنسى الموضوع ده خالص ولا كأنه حصل.
ختمت حديثها وضمها إلى صدره، فدبت القشعريرة بجسدها، شعرت بالأمان، تشعر بكفه يربت عليها، تتغلل أصابعه بين خصلاتها الطويلة بحنان، زادت دقات قلبها وشعر هو باضطرابه، تنطق من بين دموعها:
_ عشان خاطري اوعدني.
أبعدها عن حضنه بروية، يطالعها بعينيه الصافية كصفاء الليل القاتم، يمسح بيده دموعها قائلاً:
_ أوعدك إني هحاول عشانك، هحاول أنسى عشانك ياشمس.
ما زالت عباراتها تتوالى على خديها، برزت ابتسامة على ثغره يمسح دموعها بقول:
_ خلاص بقى، كفاية دموع، مابحبش أشوف الدموع نازلة من حد عزيز على قلبي، وبالذات لو من عيونك علشان.
ابتسم يطالعها بعينين محب صادقة:
_ عيونك حبايبي ياشمس.
إن شعور الاختناق مميت، كانت "غدير" غارقة بنومها، تشعر بوجود شخص ما بغرفتها يقترب رويداً رويداً، هنا وبالرغم من برودة الطقس استيقظت "غدير" لاهثة والعرق يغطي وجهها، شهقت عند رؤية "ياسين"، فهو لم يعتاد على دخول غرفتها هكذا، ابتلعت ريقها وقبل أن تنطق سألها هو بنبرة حادة:
_ عملتي إيه ياغدير؟ انطقِ، قولتي له؟
اقتربت منه بجسد دبّت به القشعريرة من نبرته، ولكن لانت تقاسيمها حين اقتربت منه تخبره بابتسامة:
_ حصل، حاكيت لبدر على كل حاجة زي ما اتفقنا بالظبط.
ابتسم بسمة ماكرة يثني عليها ما فعلته:
_ برافو عليكي.
ابتسمت بغرور تغمز له بطرف عينيها مازحة:
_ عيب عليك، ده أنا تلميذة ياسين الصاوي.
الأيام متواصلة، تحسنت فيها حالة "شمس" كثيراً، وهذا سمح لـ "ياسين" بالذهاب إلى القاهرة، ذهب لغرض واحد فقط وهو مقابلة "فريد"، قرر مقابلته ورمى بطلب "شمس" عرض الحائط، وبالرغم من وعده لها إلا أنه لم يستطع تنفيذه، ذهب، ذهب يتوعد له، يتوعد بأنه سيقلب حياته رأساً على عقب، وكل اعتقاده أن ما حدث لشمس كان هو السبب فيه. هو الآن هنا بغرفته، تسري رعشة بكفه، يقف أمامه يتواجهان وجهاً لوجه بتحدٍ، ومع عقاب والده له بعدم تركه لغرفته، وخاصة أثناء تلك الأيام ظل "فريد" داخل غرفته مجبراً، ابتلع غصة مريرة بحلقه، فوجه "ياسين" لا يبشر بالخير أبداً، وكأنه تحول وعاد إلى أسوأ أيامه من قبل، وخاصة بعدما حول عيناه إلى اللون الأحمر القاتم. عاد "فريد" خطوات للخلف ببطء، لم تعد تتحمله قدمه من شدة خوفه، بلل سرواله من شدة رعبه، إنه هنا معه وبغرفته، حاول "فريد" التكلم من بين شفتيه بتقطع بقول:
_ أنت، أنت عايز إيه؟
صمت دون إجابة، ولكن عينيه كانت تنطق بنواياه، هرول "فريد" بقدم مرتعشة يحاول الخروج من الغرفة، وقبل أن يلمس المقبض الخاص بالباب كان "ياسين" هو الأسرع وقد أغلق الباب بإحكام، يقترب منه ببطء ويصك على أسنانه، وما قال سوى كلمة واحدة، كلمة واحدة كانت تفي بكل ما يريده وهي:
_ عايزك.
يلزمها اعتذار منه على غيابه لمدة يومين، يومين لم تعرف بهما شيئاً عنه، جلست على المقعد أمام الكوخ كالعادة بأنتظاره، الطقس اليوم أدفأ عن البقية، جلست "زهره" بجوارها تحثها على المغادرة بهدوء:
_ مش يلا بقى ياشمس؟ قعدتك عند عم نصير طولت، أنتِ بقيتي كويسة دلوقتي.
لم تكف عيناها عن التدوير بكل مكان عنه، فأخبرتها متحججة:
_ أصل أنا لسه مش قادرة أمشي ياماما.
أخبرتها سريعاً:
_ ماتمشيش، هجيبلك عربية لحد هنا ترجعنا بيتنا، أنا فرشت بيت خالك القديم.
تنهدت بتعب وقد نفذت حجتها:
_ طيب ياماما، اللي تشوفيه.
كان القلق ينهش قلبها من كثرة قلقها عليه، حاولت مهاتفته للمرة التي سئمت من عدها، ولكنه دائماً مغلق، دلفت إلى الكوخ توضب حقائبها، وقبل أن ترحل طلبت من والدتها الذهاب أولاً إلى منزل الصاوي لأحضار بقية أغراضها، وعند وصولها وجدت حشداً كبيراً يقف أمام المنزل من ضباط وعساكر وأهل القرية يحاوطون المنزل، حاولت المرور بين الحشد وبعد معاناة قد دلفت إلى المنزل، ترى الضابط أحمد يضع الحديد بيديه، يأخذه جاذباً إياه خلفه، الفضول كاد ينهش بها، تستفسر بعينيها قبل لسانها بقول:
_ وخدينوه ورايحين بي على فين يا حضرة ظابط؟ هو عمل إيه؟
جاوبها بآلية يسير به إلى السيارة الحديدية:
_ متهم بقضية قتل فريد الدمنهوري.
هوى قلبها أرضاً، استسلامه لهم دون مقاومة، يطالعها والضابط يجذبه من خلفه، ومن بين صوت الحشد الكثير استطاعت سماعه من بينهم يخبرها بعينين بهما الصدق، يحرك شفتيه نافياً:
_ ما قتلتهوش.
من جديد هناك جرح يتوسط القلب، وكأن حياته ناقمة عليه وعلى راحته، كلما حاول الوصول إلى بر الأمان تجرفه الموجة إلى الغريق، مهما كان استسلم، استسلم بعيون هاوية وكأنه سئم التجديف بقارب لن يصل أبداً.