تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
الفصل 36 — رواية الهجينة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ماهي احمد
استطاعت «شمس» أخيراً إقناع كلٍ منهما بالتعاون مع الآخر، فكان هذا ما يشغل تفكيرها وبالها. أغلقت الباب لتجد من ينتظرها بغرفتها قائلاً:
_ نفذتي المطلوب منكِ يا شمس؟
أشارت برأسها بالموافقة، يصاحبها ابتسامة رضا:
_ نعم، فلقد نفذت ما أمرتِ بهِ يا «خالة حكيمة».
_ كنت عارفة وواثقة فيكي يا بتي، إنك الوحيدة اللي هتقدري تقربيهم من بعض. مش قولتلك يا علي؟
يظهر الطبيب «علي» على من خلف «شمس» مباشرةً قائلاً:
_ إزاي قدرتي تقنعيهم يا شمس؟ قولتي إيه لياسين عشان يوافق يبقى مع عمار؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر له، فأخذ يطالعها بنظرات تدل على الاتهام، فأجابته مسرعة:
_ أنا لم أخبره بشيءٍ سوى المطلوب لا أكثر.
_ إنتِ عارفة الاتنين وافقوا ليه؟ إنتِ عارفة الاتنين يقربوا لبعض إيه؟ إنتِ عارفة إنك هتبقي السبب في أنك تفرقي بين أب وابنه؟
شعرت «شمس» بالألم يختزل روحها، حاولت الهروب وتفادي النظر إلى عينيه قائلة بهدوء:
_ نعم أعلم.
ظهرت «ميرا» أمامها فجأة في أقل من ثانية:
_ طيب وبعدين هتعملي إيه لما كل واحد فيهم يعرف إنهم أب وابنه؟ موقفك هيبقى إيه؟
انكمش حاجبها باستغراب، تطالع «الخالة حكيمة» وتساءلت بغضب:
_ ما هذا؟ كيف لها أن تعلم شيئًا كهذا؟
_ سمعتنا بالغلط يا بتي لما كنتِ بكلم أنا وعلي سوا.
طالعتها «ميرا» بهدوء:
_ ما تخافيش يا شمس، أنا مش هقول لحد. أنا لو كنت عايزة أقول كنت قلت من وقت ما سمعتهم.
ضغطت «الخالة» على أسنانها بغضب:
_ ما ينفعش حد منهم يعرف قبل المعركة. ياسين هيسيبنا لو عرف. أنا بفضل أدعي المولى عز وجل إنه ما يفتكرش شيء دلوقتي.
بترت شمس حديثها ثم هتفت:
_ ولكنه بدأ بتذكر بعض الأشياء بالفعل.
انكمش حاجب الطبيب «علي» سائلاً:
_ افتكر إيه؟
_ بدأ بتذكر أنه الألفا الأصلي وبدأ لون عينيه يعود كما كان للون الطبيعي، اللون الأحمر الداكن. بدأ يسترجع قوته الحقيقية من الواضح أن تأثير الضبع بدأ يزول من عليه.
قاطعتها الخالة مستنكرة:
_ لااا.. لسه ما افتكرش. طول ما هو مش بيناديني بـ «يماا» يبقى لسه ما افتكرش. ده مكانش بيقولي غيرها.
_ مش مهم كلمة «يما» يا خالة. اللي كان بيناديكي بيها أنا عارف إن الكلمة دي وحشاكي منه، وإنك بتحسي مع ياسين إنه ابنك اللي ما خلفتوش. بس قوته بترجعله والظاهر إنه قريب أوي هيفتكر إن عمار ابنه. عشان كده إحنا لازم نواجه العربي في أسرع وقت وقبل ما نواجهه نسمع رد شمس الأول.
كرر الطبيب «علي» سؤاله من جديد:
_ تعملي إيه لما ياسين وعمار يعرفوا حقيقتهم وإنهم أب وابنه يا شمس؟
أنهى الطبيب «علي» جملته مع إصراره الزائد بمعرفة ما يجول بخاطر «شمس».
شعرت «شمس» بتوجيه الاتهام إليها من قبل الطبيب، فقد رأت نظرات الاتهام في عينيه، لتبوح لهُ بمشاعرها وهي في حالة من الضجر:
_ هل تعتقد ولو للحظة واحدة أنني سعيدة بما يحدث معي؟ لا أحد هنا يفكر بي وما الذي أشعر بهِ، لا أحد هنا يفهم ما الذي أعيشه، أني اختنق، لا أستطيع التنفس، روحي تتألم.
تحدثت ودموعها تأبى النزول، تضرب بيدها على فؤادها بقوة:
_ نظرات الحب التي أراها في أعين كل منهما لي تؤلمني. فأي فتاة تتمنى ولو ربع مقدار هذا الحب؟ وأنا مثلي مثل أي فتاة ولكني لست سعيدة فأنا أتألم. كنت أريد عيش هذه المشاعر ولكن ليس هكذا. فعندما أخبرتني الخالة بمدى قربهما من بعضهما ذهلت وعلمت أن ليس لي حق ولا مكان بينهما بعد الآن. ولهذا اتخذت قراراً.
نزلت دموعها على وجنتيها، فقامت بمسح دموعها سريعاً:
_ عند انتهاء هذه المعركة سأختفي من حياتهما للأبد.
قالت جملتها تاركةً إياهم خلفها دون أن تتردد ولو للحظة واحدة، فكان قرارها حاسماً في هذه اللحظة.
***
كانت تصعد الدرج للوصول إلى الطابق الثاني، فيأتي هو خلفها مسرعاً ينادي عليها، ولكن لم تستجب لهُ لتكمل صعودها. يسرع «يزن» بخطوته ليصبح أمامها ليوقفها عن التحرك، يضع يده على جدار الدرج ليمنعها من الصعود قائلاً:
_ أنا نفسي أعرف أنا مالي شمس وعمار متخانقين تدخلينا إحنا في حواراتهم ليه؟
تحني ظهرها لكي تعبر من تحت ذراعه، محاولة التملص منه، ينزل بذراعه إلى الأسفل حتى لا تستطيع العبور، لتشعر بالضجر من فعلته قائلة:
_ سيبني أمشي يا يزن.
طالعها بتحدي وهو يضغط على كلمته التالية:
_ لأ.
تنهدت بغضب وتأففت قائلة:
_ خلاص خلينا واقفين كده على السلم، مش عايزة أطلع. أقولك وادي قاعدة.
جلست «سارة» على الدرج ليجلس هو بجانبها مبتسماً، ينظر بجانبه ليزيحها قليلاً:
_ وسعي انتِ، واخدة السلم كله. انتي تخنتي كده إمتى؟
تنظر هي لجسدها بهلع:
_ أنا، أنا ما تخنتش أصلاً.
ابتسم هو ابتسامة زادت من حسنه:
_ مالك اتخضيتي كده ليه؟ حتى لو تخنتي وبقيتي بطاية محشية فريك هتفضلي في عيني أجمل شريك.
وضعت يدها على وجنتيها تحاول جاهدة ألا تبتسم، ليضرب هو كتفه بكتفها بحنية متبسماً، ضغطت على شفتاها بأسنانها قائلة:
_ بس برضوا مش هتصالح بسهولة كده. أنا عايزة أعرف انتوا بتعملوا كده ليه انت وعمار بجد.
ابتسم وهو يطالعها لتبادله النظرات قائلاً:
_ تعرفي إنك زي القمر النهارده.
احمرت وجنتيها خجلاً، فنظرت بجوارها ممسكة بخصلات شعرها وأخذت تطالعه من جديد.
_ المفروض بقى بكلامك ده أنسى ومانتبتر كلماتها قائلاً: بس تسريحة شعرك تحسي إنها مختلفة. غيرتي فيها إيه؟
اتسعت عيناها وملأت البسمة وجهها:
_ بجد عجبتك؟ أنا قولت مش هتاخد بالك أصلاً.
غمز لها بعينيه:
_ ما أقدرش ما آخدش بالي. ده أنا حافظ تفاصيلك.
_ ممممم تمام. يعني نكنسل النكد النهارده يا يزن؟
تنهد هو بفرحة:
_ يا ريت.
_ ماشي، كنسل النكد النهارده.
قالت جملتها وهي تنظر له بابتسامة جعلتها أجمل مما تبدو عليه. ليهتف هو:
_ إنتِ مش ملاحظة إن بقالنا 18 ساعة و 30 دقيقة و 15 ثانية ضاعوا من عمرنا وإنتي مابتكلمنيش وزعلانة مني؟
سألته ضاحكة بشقاوة:
_ ياسلام؟ وانت مش قادر على بعدي بقى وبتعد الساعات؟ ما انت سايبني أصلاً من وقتها وما جيتش تكلمني.
ابتلع ريقه وهو يفرك بجبينه بأصبعه يحاول ألا تلتقي نظراتهم:
_ لا ما انتِ مش فاهمة. أنا قولت أصالحك في مصر أحسن. يمكن الحر يسيحلك دماغك ويشيلك الأفكار الهبلة اللي في دماغك دي.
نظرت له بعينين جاحظتين:
_ أنا أفكاري هبلة يا يزن؟
نضيق عينيه هو يغمز لها بالأخرى:
_ جداً.
_ وطالما أنا هبلة قاعد مع واحدة هبلة ليه؟
_ عشان الهبلة مابيقعش في حبها إلا الأاهبل زيها.
ضحكت بصوت مرتفع قائلة:
_ هدف جميل. ولكن في مرمى.
_ طيب بمناسبة الهدف تيجي نحط الأكل هدف قدامنا؟ جعان جداً ومأكلتش بقالي كتير.
وضعت يدها على معدتها دليل على شدة جوعها:
_ أنا كمان جعانة أوي.
قال هو مسرعاً:
_ طيب نطلب إيه؟
_ أطلب إيدك.
قالت جملتها وهي تغمز له بطرف عينيها وتبتسم بشقاوة.
ابتسم هو واضعاً يده على رأسها يضمها إلى صدره بكل حنان قائلاً:
_ هيحصل وقريب أوي.
***
عاد «عز وشريف» إلى الڤيلا الخاصة بهما بعدما قاما بإيصال «غرام» وشقيقتها الصغيرة إلى المنزل وتأكدا أنهما الآن بأمان. دخل «عز» إلى غرفة مكتبه وجلس على مقعده المحبب لقلبه، ولكنه في هذه اللحظة شعر بعدم الارتياح، فقد نحتت ملامحه مزيجاً من القلق والعصبية على وجهُ. نعم هو لا يتحدث ويفضل عدم البوح عما بداخله، ولكن ما بداخله صدره يظهر على ملامح وجهُ رغماً عنه. كانت مشاعر عز ماهي إلا عبارة عن بحر ثائر تتلاحقه أمواج لتتحطم فوق الصخور. وعندما أعياه التفكير وانهكه التعب غفى فوق مقعده بضع لحظات مرت عليه كأنها سنين، مما جعل شقيقه الأصغر «شريف» سائلاً:
_ هتفضل مخبي عني اللي جواك كتير يا عز؟
فاق من شروده يطالعه يحاول جاهداً الهروب من سؤاله:
_ شريف، أنا تعبان ومحتاج أرتاح. خلينا نأجل أي كلام لبكرة.
قام من على مقعده واستقام بعدما ربت بروية على كتف «شريف» بهدوء قائلاً:
_ أنا عارف إن جواك ألف سؤال محتاج إجابة، بس سيبني أفكر الأول في هدوء عشان أعرف هتصرف إزاي. وخليك واثق فيا يا شريف، ينفع؟
أخذ يطالعه باهتمام زائد وعلم من نظراته التي بان عليها الجدية أنه مهما حاول لن يتحدث معه بشيء الآن. أشار برأسه بالموافقة:
_ تمام يا عز، أنا هسيبك على راحتك واللي تشوفه أكيد.
استدار عز تاركاً شريف خلفه ينظر له وهو يبتعد عنه ويصعد الدرج، وقف فجأة ليسأل:
_ هو فين عم حسين؟
_ أديته إجازة هو ومحمود ورجعوا البلد بما إننا كنا مسافرين. هيقعدوا يعملوا إيه هنا لوحدهم؟
هز «عز» رأسه بالموافقة وأكمل طريقه، دخل إلى غرفته الخاصة بهِ هو و«غرام»، ينظر إلى صورة عرسهما الموجودة أعلى الكومود، ينظر لها ويسرح بملامحها اللطيفة، يضم صورتهما التي تجمعهما معاً إلى صدره ليلقي بجسده على الفراش ليعطي عقله هدنة من التفكير المستمر.
***
في تلك الأثناء كان القمر يستعد للرحيل مودعاً اليوم بانتهاءه، تاركاً مكانه بالسماء ليشع النور مجدداً معلناً انتهاء دوره في هذا اليوم، لتأتي الشمس لتضيء محله وتعلن عن قدوم النهار.
في تلك اللحظة تحديداً، كانت الصدمة ما زالت تعتلي وجهُ عندما سمع من «سارة» وبالصدفة العابرة عن ديانة «مارال»، لم يكن يستوعب لماذا أخفت أمر ديانتها عنه. ابتلع ريقه وقد أنهكه التفكير، ليجدها تخرج من باب المزرعة بهدوء متوجهة إلى الخارج. أغلبه فضوله وخرج خلفها ليجدها تجلس على الساقية شارده الذهن. التقطت رائحته دون أن تراه، نعم فقد استطاعت تمييز رائحته، فلا يوجد شيء بالدنيا يجعل المرء يشعر بشخص آخر غير أن يُكن له مشاعر خاصة، أما كره أو أن يكون حب. نظرت خلفها مسرعة لتجده أمامها، ابتسمت بلطف شديد قائلة:
_ لحظة الشروق هنا تحفة يا بيدق.
وسلم يكن ينظر إلى الشروق ولكن كان يصب كل تركيزه عليها. حتى نطقت سائلة:
_ كنت فين؟ أنا كنت لسه بدوي عليك.
انكمش حاجبه باستغراب، نظرت أمامها لتطالع الماء قليلاً:
_ واقف عندك ليه؟ ما تيجي تقعد جنبي، القاعدة هنا حلوة أوي.
جلس بجوارها وهو ينظر أمامه دون كلام، فكان بداخله صراع بين السؤال وعدمه. قطعت هي شروده قائلة:
_ مابتتكلمش ليه؟ حساك متغيير النهاردة مش زي كل يوم. إنت كويس؟
هل تسأله حقاً؟…. سؤال ليس له إجابة.. فهو نفسه لا يعلم إذا كان بخير أم لا.. قرر وأخيراً سؤالها والبوح عما بداخله:
_ قيل بالأمس أن المواجهة باب للحقيقة، وأنا أريد معرفة الحقيقة منك.
استطاع أن يجذب انتباهها أكثر بكلماته، فنظرت له باهتمام زائد بالرغم من أنها شعرت بما يريد قوله، فقلبها أخبرها من نظرات عينيه صدق من قال أن النظرات تبوح بما بداخلنا. وعلى الرغم من معرفتها بالذي يدور بداخل رأسه، إلا أنها سألته عن قصد:
_ تقصد إيه يا بيدق؟
_ إنتِ حقاً نصرانية؟
كانت تشعر وكأن سؤاله اخترق قلبها قبل أن يخترق أذنها، أغلقت عينيها لثواني معدودة وحاولت التئام روحها قائلة:
_ هتفوق معاك؟
رد مسرعاً:
_ ويحكِ يا فتاة، فبدون شك ستفرق معي.
_ وأيه اللي هيفوق معاك بقى؟ إحنا أصحاب، ولا أنتَ ماتصاحبش مسيحيين؟
رد هاتفاً:
_ معاذ الله، لكم دينكم ولي دين، ولكن لماذا أخفيتي عني حقيقتك؟
_ أنا مخبيتهاش، إنت اللي مسألتش.
أد الضيق يظهر بنبرة صوته ولكنه حاول جاهداً ألا يتعصب عليها قائلاً:
_ أنا لم أسأل أيضاً على أشياء كثيرة، ولكنكِ أخبرتني بها، مثل أخيك المتعجرف، وأمك التي كانت تنعتك بالبايرة، مثل ما تحبين وما تكرهين، كل هذا أخبرتني بهِ بمفردك دون سؤالي لكِ. لقد تعمدتي عدم إخباري من بادئ الأمر، حتى الآن أنتِ لم تخبريني فقد علمت بمفردي. كنت أتمنى أن أعلم منكِ على الأقل. لقد أنهك التفكير عقلي. هو سؤال واحد أريد إجابته بحق.. لماذا لم تخبريني يا مارال؟
نظرت للأرضية وهي تحاول تجمع الكلمات لكي تكون جملة مفيدة:
_ كنت خايفة يا بيدق.
_ من ماذا؟ أن تكوني نصرانية ليس بذنب تخافين منه.
نطقت مسرعة دون تردد وكان بنبرتها شيء من العصبية:
_ أنا عمري ما افتكر أو ييجي على بالي إني أكون مسيحية. ده ذنب. بالعكس ده فخري ليا إني أكون مسيحية. أنا من الناس اللي متمسكة جداً بديني ومقتنعة تمام الاقتناع إن المسيحية هي اللي على حق. بتشوف ديني في كل حتة وعمري ماخفت أقول إن مسيحية لحد إلا معاك.
تنهد بربروس ليستعيد بعض من ذلك الثبات المفقود وهو يقول بنبرة ثابتة:
_ ولماذا أنا بالذات؟
استدارت وأعطته ظهرها محاولة الهروب من نظراته لها:
_ مابقاش مهم خلاص إنك تعرف.
رد بإصرار:
_ ولكنه مهم بالنسبة لي.
قالت كلماتها بنفاذ صبر:
_ يعني عايز تعرف؟
_ بالتأكيد.
قال كلمته وهو يصمم على المعرفة، أخذت تطالعه بعينيه وتبادلوا النظرات لثوانٍ، فقالت بهدوء وهي تنظر إليه مع ارتفاع نبضات قلبها نبضة تلو الأخرى ليسمعها هو قائلة:
_ “كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء”.
قالت كلماتها وهي لا تصدق ما قالته للتو، وضعت يدها على فمها لم تكن تستوعب بما اعترفت بهِ، أردفت بكلمات متقطعة:
_ أنا، أنا لازم أمشي.
نظر لها بحب يحاول تهدئتها قليلاً فقد أفزعها ما أخبرته بهِ منذ لحظات، اقترب منها خطوة فابتعدت عنه:
_ أنا ما قصدتش اللي قولته. أنا مش عارفة قولت كده إزاي.
ابتسم وهو يراها تبتعد عنه وأخذ يتردد في أذنه ما أخبرتهُ بهِ منذ قليل:
_ “كنت أظنك صاحبي وفجأة دخلت الراء والتاء بين الصاد والحاء”.
لم يكن يصدق أنها تتكلم بطريقته، وتكن المشاعر لهُ.
***
كانت تتمنى ولو أن كل ما حدث يصبح حلماً، حلماً مزعجاً تدعي ربها وهي تحاول أن تفتح عينيها بأن يصبح كل هذا مجرد حلم لا أكثر. استيقظت ولم تجد سوى الظلام، تشعر بضوء الصباح من حولها ولكنها لا تراه، وهنا أدركت الحقيقة.
الحقيقة المرة التي جعلت جسدها ينتفض، لتجد «حسام» أمامها من جديد. نطق ببرود باسماً ابتسامة ظهرت بها نواياه الخبيثة، ضاغطاً على كلماته التالية:
_ صباح الخير يا مدام هدير، يا بنت عمي. أتمنى أن إقامتك معانا تكون مريحاكي. إيه كل ده نوم؟ هو داغر مكانش بيخليكي تنامي وانتي معاه ولا إيه؟
هرولت «هدير» سريعاً إلى الخلف وكأن الموت يأتي خلفها، ليقف هو أمامها في لمح البصر قائلاً:
_ إيه؟ شوفتي عفريت؟ ده أنا حتى وسيم حد الجحيم.
حاولت التظاهر أمامه بالقوة وبداخلها يملؤها الضعف:
_ عايز مني إيه يا حسام؟
استدار دون أن ينظر لها وتابع حديثه:
_ عايز مني إيه؟ قولي مش عايز إيه؟ عشان لو فضلت أقول اللي عايزه منك مش هخلص. بس تعالي نبدأ اللي عايزه منك واحدة واحدة.
نظر لها وجلس القرفصاء ليجلس بمستوى جلستها:
_ عايزك تشوفييني وأنا بـأقتل داغر قدامك. عايزك تتمني الموت ألف مرة وماتلاقيهوش. عايزك تشوفي ابنك وهو بيتولد على إيدي وأقطعه حتت قدامك. عايز أشوف الحسرة في عنيكي. مش عايزك تشوفي يوم حلو في حياتك. عايزك تكرهي قرب الناس منك عشان قربهم منك معناها موتهم حواليكي. عايزك تعيشي وحيدة وماتلاقيش حد جنبك. عايز حياتك تدمر زي ما دمرتيني. هـــا؟ عايزة تعرفي أنا عايز منك إيه تاني ولا كفاية كده؟
نظرت له وقد دب الرعب بقلبها مما قاله:
_ ليه ده كله؟ مش كفاية اللي عملته في أمي وأبويا؟ مش كفاية اللي حصل؟
نظر له صارخاً بكلماته:
_ مش كفاية! اللي عملته ولسه هعمله لسه ما طفاش النار اللي جوايا منك إنتِ. فضلتِ تعشميني بيكي سنين طويلة بنيت أحلام وحياة على عشمك لي.
بترت كلماته لتقاطعه هي:
_ محصلش، محصلش يا حسام أنا عمري ما حبيتك في يوم. إنتَ اللي كنت دايماً بتفرض نفسك عليا. أنا عمري ما أدّيتك ريق حلو، عمري ما وعدتك بحاجة.
بتر هو جملتها والصراخ يعتلي نبرة صوته:
_ بس عمي وعدني. وعدني بيكي هو وأمك طول عمرهم واحنا صغيرين يقولولي هدير ليك، هدير ملكك، هدير مراتك.
_ هما اللي قالوا يا حسام مش أنا. وانت صدقتهم، لكن أنا لأ. ما حبيتكش.
_ وليــــــــــه، ليه ما حبيتيش ياهدير؟ فيا إيه ما يتحبش؟ أنا بعت كل حاجة عشانك. أنا مكنتش شايف غيرك. أنا وصلت للي أنا فيه ده بسببك.
جلس أمامها يمرر أصابعه بين خصلات شعرها برفق ومزج نبرة صوته بالحنان:
_ كان نفسي تحبيني يا بنت عمي زي ما حبيتك. كان نفسي أسمع منك كلمة حلوة في يوم. في إيه داغر أحسن مني عشان تفضلي عليا؟ الأعمى ده ليه؟ عشان قوي؟
تحول عيناه إلى اللون الأسود لينظر لها بخبث:
_ شايفة، شايفة أنا.. أنا كمان بقيت قوي يا هدير. مابقيتش حسام الضعيف بتاع زمان. دلوقتي بقيت أقدر أحميكي من العالم كله. بس إنتِ تبقي معايا وجنبي. عارفة لو بقيتي جنبي وعارفة لو بقيتي معايا هنعيش إزاي؟
توقف البكاء في حلقها فلم تقدر على إخراجه:
_ مش عايزة أعرف يا حسام، مش عايزة. أنا ست دلوقتي متجوزة وحامل. أنا مش هدير بنت عمك بتاعت زمان، افهم بقى.
نظر لها وأخذ يطالعها بكل هدوء والابتسامة تملأ وجهُ:
_ بس إنتِ كلها النهارده أو بكرة بالكتير وتبقي أرملة وهتبقي ليا. مش هتلاقي حضن غيري يحتويكي. وما تقلقيش، هخليكي تاخدي وقتك في الحزن خالص على جوزك وابوكي وأمك. ما أنا برضوا راجل بعرف في الأصول. مش هتجوزك على طول.
نظرت له وهي تمقته فهي تكرهه من أعماق قلبها، وجدت لسانها ينطق ما بداخل فؤادها:
_ أنا بكرهك.
انمحت الابتسامة من ملامحه ببطء وارتفع صوت تنفسه والغضب ملأ عينيه، ليصفعها على وجنتيها بقوة. وضعت كف يديها على وجنتها بألم تحاول التماسك أمامه.
اخفض إصبعه ليزيح دمائها المنسدلة من فمها وهو يخبرها بحب:
_ بس أنا بقى بحبك. وما تقلقيش خالص، أنا هعرف إزاي أخليكي تحبيني.
أدار ظهره وفي أقل من لحظة اختفى. شعرت بالألم في أحشائها، تحس بشيء غريب يحدث لها، لا تعرف ما هو.
***
كان القلق ينهش بقلبه. سأل «رعد» للمرة التي لا يعلم عددها:
_ رعد، هدير اتصلت؟
_ الساعة لسه ما جتش سبعة الصبح يا داغر. أكيد نايمة. دي واحدة على وش ولادة وأكيد تعبانة ونامت.
أخذ يتحرك بالغرفة هنا وهناك:
_ لا لا لاء، أنا قلبي مش مطمن. أكيد حصل حاجة. هدير مش هتنام إلا على الأقل تتصل بيا من عند باباها. أنا مش عارف فضلت مستني إزاي. مكانش ينفع أسمع كلامك إنت وميرا. اتصلي بـ «عز» حالاً.
تنهد بعمق يحاول إقناعه:
_ أكيد نايم دلوقتي يا داغر، الساعة لسه ما جتش سبعة.
صرخ بهِ وأصبحت حالته لا تطاق:
_ اسمع اللي بقولك عليه، إن شاء الله حتى لو الفجر. كلمة بقولك.
هز «رعد» رأسه بالموافقة فقد علم من نبرة صوته أنه لن يرجع عن قراره. حاول الاتصال بهِ مراراً وجد الهاتف مغلق:
_ تليفونه مقفول يا داغر.
_ مش قولتلك في حاجة؟ توديني حالاً عند هدير بسرعة.
_ طيب استناني هحاول أطلع عربية من جراج المزرعة وجايلك حالاً.
_ وأنا هستناك هناك.
أنهى جملته واختفى من أمامه بلمح البصر.
هبط «رعد» الدرج ليجد «ميرا» أمامه وتجده مسرعاً بخطوته لتقوم بسؤاله قائلة:
_ رايح فين بسرعة كده؟
تحدث بانفعال غاضب:
_ هدير لسه ما اتصلتش بداغر من امبارح بالليل وبنتصل بـ عز فونه مقفول، وإنتي عارفة داغر مش قادر يتحمل وخايف عليها جداً.
_ هي بصراحة حاجة تقلق. استنى أنا هاجي معاك.
_ لا لا خليكي انتي، مالوش لزوم. أنا أول ما أروح هناك هطمنك.
قبضت بكف يدها على معصم يده:
_ متأكد؟ أوعى تنسى تطمني.
_ لا لا ما تقلقيش.
هبط «رعد» الدرج مكملاً لطريقه ليأتي بالسيارة ليجدها فارغة من البنزين ليتأفف بزهق:
_ يادي النيلة. وبعدين بقى.
يسمع هاتفه المحمول وهو يرن، أخرج الهاتف من جيبه الخلفي ليرى من المتصل فيجده عز يقوم بالرد عليه مسرعاً:
_ الو؟ أيوه يا عز.
أخبره رعد بما حدث الآن، أمسك داغر الهاتف من يده مسرعاً:
_ هدير مش بخير يا عز، أنا متأكد. أنا قلبي واجعني عليها. تعالالي حالا عشان نروحلا سوا. ما تروحش لوحدك، أنا مش هفضل مستني تليفونك. بسرعة يا عز، ما تتأخرش. أنا هستناك على الطريق.
كانت هذه كلماته بعد أن أنهى داغر الاتصال، ثم أردف:
_ عز في الطريق. أنا هستناه على الشارع. خليك انت هنا طالما العربية مافيهاش بنزين.
_ وأيه المشكلة لما أجي معاك؟
_ أنا عز معايا. خليك انت هنا عشان غدير. ولو حصل حاجة ابقى كلمني على تليفون عز.
***
أسرع «عز» بالنزول من على الدرج وهو يرتدي السترة السوداء الخاصة به منادياً على شريف:
_ شريف، شريف.
لم يتلق رداً ولم يستطع إيجاده بالڤيلا. قام بالاتصال بهِ ولكن دون جدوى. صعد إلى سيارته بعدما أغلق الباب خلفه متجهاً إلى داغر بأسرع ما يمكن.
***
هبطت «غرام» من المبنى الخاص بها متجهة إلى عملها لتأخذ إجازة مفتوحة لتجد «شريف» بانتظارها. ترجل من سيارته مسرعاً فور رؤيته لها، أسرعت «غرام» بخطاها فور رؤيته. قبض بكفه على معصم يدها يأمرها بالوقوف:
_ اقفي يا غرام، أنا مستنيكي من الصبح.
_ عايز إيه يا شريف؟
_ عايز أتكلم معاكي. عايز أعرف إيه اللي بيحصل.
_ وده بقي على أساس إنك مش عارف؟
_ وهعرف منين وإنتي مابتقوليش؟ ولا إنتي ولا عز بتقولولي على حاجة.
جذبت يدها من يده بقوة ونظرت له نظرة مليئة بالاحتقار. أخذ يطالعها من جديد ينظر إلى نظرتها له بتمعن حتى أردف:
_ نظرتك دي وكلامك معايا، كل حاجة متغيرة. مش إنتي غرام خالص اللي سبتها يوم فرحها وكانت مبسوطة. إيه اللي اتغير يا غرام؟ قوليلي. أنا عارف إن أنا السبب في خلافك إنتي وعز بس مش عارف ليه محتاج حد ينطق منكم حد يحكيلي اللي بيحصل.
أجبرها على التطلع له وهو يسترسل بدموع لامعة بعينيه:
_ إيه اللي مخبيينه إيه عني إنتي وعز مخلي حياتكم جحيم بالشكل ده؟
أخبرته وعينيها لا تفارق الأرض:
_ إنت السبب في كل اللي بيحصلنا. إنت كذاب وغشاش، وأنانى. كذبت عليا لما قولتلي إنك مالمستنيش. قولتلي إنّي عذراء وإن كل ده كان لعبة من جابر المنفلوطي وإنك ياحرام مالكش أي ذنب.
أخذت تطالعه وانسدلت إحدى دمعاتها على خديها:
_ المشكلة إنّي صدقتك، وروحت زي الهبلة أكشف عند الدكتورة بتاعة المستشفى اللي بشتغل فيها. وطبعاً إنت كنت متفق معاها إنها تقولي إنّي عذراء ومحدش لمسني عشان الدنيا تمشي وأحط جزمة في بوقي وأسكت وأتجوز أخوك والدنيا تمشي، مش صح يا شريف؟ عملت كل ده ليه؟ إنت حتى ما أدّيتنيش الحق إني أرفضّ أو أوافق إني أفضل معاكم. للمرة التانية بتخدعني، وأنا بقيت زي العبيطة مصدقاك. أنا كل اللي قاهر قلبي إني وثقت فيك وكنت عايزة أعمل مفاجأة لعز إنه هو أول واحد في حياتي واكتشف إني مش عذراء يوم فرحي.
المشكلة إنك عارف كل ده وعامل فيها عبيط ياحرام مش فاهم.
بتر حديثها قائلاً:
_ عشان فعلاً مكنتش فاهم. أنا معرفش، معرفش أي حاجة من اللي إنتي بتقوليها. ورحمة أمي تاني وغلاوة عز عندي ما كنت أعرف أي حاجة من اللي قولتيها لي دلوقتي.
بترت كلماته صارخة برعشة في صوتها:
_ أنا مش هصدقك تاني لو حلفتلي على الماية تجمد ما هصدقك. مرة تانية خلاص. خلصت يا شريف، كل حاجة خلصت خلاص.
استدارت لكي تستعد للرحيل، فـأوقفها هو قائلاً:
_ غرام استنى.
أعطته ظهرها دون النظر إليه:
_ مش عايزة أشوف وشك تاني. إنت فاهم؟
أخذت تخطو لترحل عنه، فتنهد هو بعمق ضاغطاً على أسنانه، ثم أمسك بها من معصم يدها يجذبها بداخل السيارة قائلاً:
_ اركبي.
حاولت فك قبضه يده قائلة وهي تنظر له باستغراب:
_ إنت اتجننت يا شريف؟ إنت بتعمل إيه؟
_ اركبي وانتي تعرفي أنا هعمل إيه؟
أنهى جملته بعدما أغلق الباب الأمامي يأخذها بالقوة معه، ثم قاد السيارة مسرعاً متجهاً بطريقه.
كانت «ولاء» تقف بالنافذة الخاصة بها تنظر لما حدث بينهما وترى السيارة مبتعدة عنها.
***
الآن هو وقت الصباح وقد خيم الصمت على الأجواء، وارتفع صوت تضارب الشجر. أمرت «الخالة حكيمة» بإحضار طاولة الإفطار من «زهرة» قائلة:
_ حضري لنا الفطار يا زُهرة إنتِ والبنات.
يدخل «يزن وسارة» إلى الردهة ممسكين بأكياس ممتلئة بالخضروات والفول وبعضاً من الجبن، يضعهم على الطاولة التي أمامه وهو يردف:
_ إحنا فتحنا التلاجة لقيناها متشفّرة، روحت أنا وسارة اشترينا فطار.
ركضت غدير مسرعة إلى الطاولة تفتح الأكياس لتضربها ميرا على ظهر يديها بخفة:
_ استني لما نغسل الأكل الأول.
_ أيوه بس أنا جعانة أوي.
قالت «غدير» جملتها وهي تضع يدها على معدتها دليل على جوعها.
تنطق ميرا بحنق:
_ برضوا مافيش أكل إلا لما يتغسل الأول.
أخذت زُهرة الأكياس من على الطاولة قائلة:
_ أنا هحضر الفطار.
دخلت إلى المطبخ تخرج ما بالأكياس لتبدأ بتحضير الفطار، لتجده هو خلفها بلمح البصر:
_ مش عايزة مساعدة؟
انتفض جسدها مفزوعة من سرعته، أخذت نفساً بعمق وهي تنظر له بحنق:
_ علي، خضتني بجد. مرة واحدة لقيتك هنا. مكانش في حد ورايا.
_ أنا آسف، ماكنتش أقصد أخضك. لاقيتك دخلتي لوحدك قولت أحضر معاكي الفطار عشان ماتتعبيش.
ابتسمت له ابتسامة بسيطة وهي تضع الزيت بطبق الفول:
_ أتعب من تحضير شوية فول على شوية جبن؟ ما إنت معذور، ماشوفتش في البلد كنت بعمل إيه.
أخرج الخيار والجرجير من الأكياس ووضعهم بطبق، سائلاً بلطف:
_ لا معرفش. قوليلي كنتي بتعملي إيه؟
ردت قائلة:
_ يـــــوه، ده أنا كنت بصحى قبل ما الفجر يأذن أحلب الجاموسة وأنضف من تحتها وأعلف في البهايم وأنضف بقيت الزريبة وأخد لبن الجاموسة وأحطه في المنشة.
استغرب «علي» من ذلك الاسم «المنشة»، فقال مستفسراً وهو يمد يده بقطعة من الخيار في فمها:
_ منشة!!
تبتلع هي قطعة الخيار مسترسلة حديثها:
_ آه، منشة. إنت مش صعيدي ولا إيه؟ منشة دي عبارة عن خوص متربط ببعضه نحط عليه اللبن ونفضل نبث فيها لحد ما تعمل جبنة قريش. ده كان بياخد مجهود كبير غير شغل الدار كلها.
استدارت لكي تلتقط الطبق بكف يدها لتجده بمكان ما عالٍ، لتقف على أطراف قدميها ولكن دون جدوى. يقف هو خلفها ويمد يده ممسكاً بالطبق ويعطيها إياه. تستدير هي لتجده خلفها ليلتصق جسدها بجسده، تعالت نبضات قلبها وهي تطالعه وتأخد منه الطبق قائلة:
_ متشكره أوي.
_ أنا اللي بشكر ربنا إنه خلقك.
قال جملته وما زال ينظر لها، فكانت هذه اللحظات بينهما لا تقدر بثمن، ليأتي «ياسين» ويقطع تلك اللحظة بينهما قائلاً:
_ طيب نجيب اتنين لمون متلج في الحر ده عشان يطري ولا نعمل إيه؟
ابتعدت «زهرة» على الفور ممسكة بالأطباق قائلة:
_ أنا خلاص خلصت أهو. أنا هاروح أحط الأكل على السفرة.
ينظر «ياسين» إلى الأطباق الممسكة بها ليجد بها فول وبعض الجبن ليهتف قائلاً:
_ أي ده؟ فول؟ أنا عايز واحد تشيكن فراخ.
ذهبت «زهرة» ويراها الطبيب علي تبتعد عنه، ينظر لـ«ياسين» وهو يضغط على أسنانه:
_ كده كسفتها.
_ اللاه.. وأنا أعملك إيه؟ وبعدين حد يحب حد الساعة تسعة الصبح؟ طب خليها عشرة كنا قولنا ماشية.
اشتعل الغضب بعينيه وهو يقول:
_ هو الحب بالمواعيد؟ إنتَ كمان.
_ أنا مش عارف بتحب إيه في الولية دي.
ينظر له «علي» نظرة توعد:
_ ياسين، كله إلا زهرة. ما بحبش حد يتكلم عنها وحش.
ابتسم ابتسامة رضا وهو يطالعه:
_ بتحبها قد إيه؟
_ قد ما إنت بتحب بنتها.
_ يبقى بتعشقها يا خويا مش بتحبها.
أشار برأسه بالموافقة:
_ أيوه، حاجة زي كده. مستني لما المعركة تخلص وهتقدملها. مش هسيبها غير على قبرها.
أشار له بعينيه وهو ينظر إلى شمس الواقفة أمامهم تحضر السفره مع والدتها:
_ علي، كنت عايز أطلب منك طلب.
_ أؤمرني يا خوي.
_ لو جرالي حاجة، شمس أمانة في رقبتك. زفها على عمار. أنا عارف إنها بتحبه ومش هتحب غيره في يوم.
رفع حاجبه الأيسر يضم شفتيه:
_ أنا خلاص استسلمت يا علي. الحب مش بالعافية.
قبض حاجبه باستغراب:
_ مين بيقول كده؟ ياسين الضبع؟
هز رأسه يساراً ويميناً بالرفض:
_ لاء، ياسين الصاوي.
تغير نبرة صوته على الفور:
_ بس مش معنى كده إنّي هوافق ياخدها مني وأنا حي. ياخدها وأنا ميت.
أهتر «علي» كلمته قائلاً:
_ بعد الشر عنك يا خوي.
_ الموت عمره ما كان شر. أنا الشر يا علي مش الموت.
_ إنت اتغيرت أوي يا ياسين.
أشار له بعينيه على تلك الواقفة من بعيد:
_ شمس غيرتني يا علي. مافيش غيرها غيرني.
_ مش هتيجوا تاكلوا بقى ولا هتفضلوا واقفين كده بعيد؟
بترت كلامهما «الخالة حكيمة» قائلة جملتها ليرد «علي» هاتفاً:
_ جايين أهو يا خالة.
جلست الخالة حكيمة تتوسط السفره وبجوارها غدير، جلس رعد وميرا وامامهم سارة ويزن، ليأتي بربروس يجلس بجانب ياسين ويجلس أمامهم شمس وعمار، ليفتح دكتور علي المقعد لزهره لتجلس عليه ويجلس هو بجوارها. تنظر له بامتنان على ما فعله.
يجلس الجميع باستثناء مارال على الطاولة. نظر بربروس لعمار سائلاً إياه:
_ أين شقيقتك؟
يميل برأسه ليخبره هامساً بأذنه:
_ حاولت أنزلها عشان تفطر معانا بس مارضيتش.
سمعت سارة ما قاله عمار لتقف معترضة:
_ إزاي يعني مارضيتش؟ كلنا متجمعين لازم تبقي معانا. دي ما أكلتش حاجة من الصبح. أنا هطلع أجيبها.
وقفت ميرا قائلة:
_ استني يا سارة، هطلع أجيبها معاكي.
نطق علي قائلاً:
_ كده ناقص الغريب. هو فين؟
_ سيب الغريب يا علي. هو مشغول دلوقتي.
_ مشغول بإيه يا خالة؟
قالها عمار بقلق، فأجابته الخالة بتشدد:
_ هتعرف بعدين يا عمار.
أتت مارال مع سارة وميرا وجلست أمام بربروس، لتهتف الخالة قائلة:
_ مش عايزة تاكلي ليه يا بتي؟
_ أبداً يا خالة، ماليش نفس.
_ طيب اقعدي عشان نتجمع على الأقل كلنا على سفرة واحدة. كله يسمي الله الأول قبل ما ياكل.
سمع الجميع الله ما عدا عمار ومارال، لتميل شمس برأسها على أذنه قائلة:
_ قل بسم الله يا عمار.
هز رأسه بالموافقة يصاحبها ابتسامة بسيطة:
_ “بسم الله الرحمن الرحيم”.
لتصلب مارال على الطعام وتنطق قائلة:
_ “بسم الأب والأبن والروح القدس إله واحد أمين”.
هتفت بجملتها وهي تطالع بربروس وتبادلوا النظرات قليلاً، ليبدأ الجميع بتناول طعامه.
عم الصمت على الأجواء لتأتي رسالة على الهاتف الخاص بـ«رعد» على الواتساب. يقرأها ويبتسم ثم يعود لاستكمال طعامه، لتسأله ميرا قائلة:
_ الرسالة دي من داغر؟
يهز رأسه بالنفي:
_ لاء، دي من واحد صاحبي بيسألني فيها عايز حاجة حلوة تكون من خمس حروف بيلعبوا لعبة على الجروب.
_ ياسين طبعاً. حلو ومن خمس حروف.
رد «ياسين» بجملته هذه مسرعاً دون تردد، لينظر له «عمار» قائلاً:
_ ومين من الناس اللي قال لك إنك حاجة حلوة؟
نظر له بكل برود وعدم مبالاة:
_ ما بستناش الناس تقولهالي، أصل أنا الناس.
قاطعت الخالة حديثهم وهي تضرب بيديها على الطاولة بغضب:
_ ياسين، عمار. عايزاكم جوه بعد ما تاكلوا.
وقفت واستقامت وأعطتهم ظهرها دون النظر إليهم:
_ وإنت يايزن إنت ورعد وعلي وطبعاً بربروس مستنياك معاهم.
دخلت الخالة إلى غرفتها لينظر كل منهم للآخر، لتنطق الطفلة بسخرية:
_ ما تعرفوش تقعدوا ساكتين أبداً على الأكل زي مخاليق ربنا.
_ اسكتي إنتي يازبلة.
كانت هذه كلمة ياسين لها «زبلة»، فكان يناديها بهذا الاسم باستمرار. نظرت شمس بجوارها لبربروس قائلة:
_ أريد استشارتك بشيء ما يا بربروس.
وضع قطع من الجبن بفمه وهو يقول:
_ بالتأكيد، تفضل.
_ إذا كان هناك شخص يعيش على أنه مسيحي ولكنه بالأصل مسلم ولكن لا يعلم، فما هي ديانته الأصلية؟
_ مسلم بالطبع.
كانت إجابته سريعة، لم يتخذ حتى وقت للتفكير.
_ تنهدت شمس قائلة: متأكد؟
_ نعم متأكد. ولكنه مسلم مع إيقاف التنفيذ. معنى أنه لا يعلم بديانته الحقيقية إذن فهو لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يؤدي فرائضه، فبالتالي مسلم اسماً وليس فعلاً.
استغرب يزن من هذا الحديث، انقبض حاجبه قائلاً:
_ أنا مش فاهم حاجة. إنت ناوي تسلم يا عمار؟
ردت مارال مسرعة:
_ هو مش مسيحي عشان يسلم من الأول يا يزن. أنا دلوقتي بس فهمت ليه أمي سمتك عماي وليه مش بتاخدك معانا الكنيسة وليه أمي أسلمت.. دلوقتي بس فهمت إنها أسلمت عشانك يا عمار.
رفع بربروس يده بمرح:
_ حسناً، فلننطق كلنا الشهادة ولتبدأ حياتك من جديد يا عمار.
يبتسم كل من عمار وشمس لبعضهما البعض، لتنادي عليهما الخالة من الداخل ليقفوا مسرعين جميعاً:
_ يقف الجميع أمامها تطلب منهم الجلوس وتخبر زهره لتحضر لهم كاسات من الشاي، ينظر لها الجميع بانتباه.
_ طبعاً كلكم بتسألوا أنا جمعتكم هنا ليه؟
رد ياسين بثقة:
_ لا، أنا عارف.
أخذ عمار يطالعه بتحدي:
_ وطالما عارف ما تقول.
_ لاء، ماليش نفس. بحب أوفر صوتي.
أخذت الخالة حكيمة تطالعهما بزهق:
_ خلاص خلصتوا؟
أشار الاثنان برأسهما بالموافقة، فاسترسلت حديثها:
_ في اللحظة اللي انتوا بتتناقروا فيها وواقفين لبعض على الواحدة، العربي بيجهز جيش قوي بيسقيه بدمه.
***
خرج حسام من غرفة هدير لينتظره العربي بالخارج قائلاً:
_ كل حاجة جهزت. مش ناقص غير شمس والسلسلة وبس. موتها هينهي كل شيء.
ابتسم ابتسامة خبيثة:
_ ما تقلقش، هتيجي. طول ما هدير هنا داغر هيعمل أي حاجة عشان ينقذها وهيقدملنا شمس على طبق من فضة.
جذب العربي حسام من يده إلى المعمل:
_ شايف الجيش ده؟ شايف المستذئبين دول كلهم؟ أنا رويتهم بدمي.
أخذ حسام يطالع كم المستذئبين، فهناك عدد لا حصر له منهم.
***
استغرب بربروس وانقبض حاجبه:
_ ولكننا قليلون على هذا العدد.
ردت الخالة مسرعاً:
_ إحنا أه قليلين بس بيهم كلهم. هما قش ورق مش أكتر. إحنا أقوى منهم وبوجود ناس معينة معانا هنكسبهم. بس بشرط.
سأل عمار الخالة:
_ إيه هو الشرط ده يا خالة؟
رد ياسين مسرعاً:
_ إن شمس ما تموتش.
التفتت الأنظار إليه، فاستغرب هو مما قاله للتو، فقال بكلمات متقطعة:
_ أنا، أنا مش عارف أنا عرفت إزاي بس حسيت إن حد بيقول الجملة دي في دماغي.
_ صح، ياسين بيتكلم صح. عشان العربي يبقى أقوى شخص على الأرض وتكمل فك اللعنة لازم شمس تموت. وده اللي لا يمكن نسمح بيه كلنا.
أنهت الخالة جملتها وهي تنظر لهم، لينطق يزن قائلاً:
_ أيوه بس تعالوا نفكر سوا. لما نيجي نروح للعربي هو أكيد مش هيبقى لوحده. هو وحسام واكيد هيستخدم الجيش اللي عمله لخدمته حتى لو كانوا المستذئبين دول ضعاف. عشان نوصل للعربي لازم نحارب كل دول. وكمان ما تنسوش إنه عايز يجيب العبقري اللي بتقولوا عليه ده. إذا مكانش قدر يجيبها؟
_ لاء، ماتقلقش مش هيقدر يجيبه من غير السلسلة. والسلسلة مع الخالة في رقبتها.
أنهى على جملته وهو متأكد مما يقوله.
***
الخالة أكيد عارفة إن بموتي كل شيء هيموت معايا. مع إنّي أنا لو مت كل شيء هيرجع زي ما كان وهترجع هي عجوز بتموت على سريرها، وكل واحد منهم معاه موهبة هاتروح منه. وأي حد اتحول بعد اللعنة هيموت. عشان كده يا حسام أنا ماينفعش أموت مهما حصل. أنا لازم أبقى أقوى وبعد كده هموتهم واحد واحد براحتي.
***
دب الرعب بقلب «رعد» عند سماع ما قيل للتو:
_ تقصدي إيه يعني لو العربي مات ميرا كمان هتموت؟
_ مش عايزك تقلق يا رعد. أنا عاملة حسابي لميرا. مش هخليها تموت عشان هخليها تلبس السلسلة. وطول ما هي لابسة السلسلة هتبقى في أمان.
تنهد «رعد» بعدما تغلغلت الطمأنينة إلى قلبه.
شرد يزن بتفكيره قليلاً:
_ برضوا إحنا ناسيين الرصاص ما بيأثرش فيكم وبتقدروا تقوموا منه وجرحكم يلم. وبكده أنا ورعد وعز مش هيبقى لينا لازمة وهنعرض حياتنا للخطر بدون أي داعي. لكن لو قدرنا نوفر السم اللي اخترعه الغريب اللي اتحقن بي علي ونملى مسدساتنا بيه على هيئة حقن كده هنقدر نموت كم كبير من المستذئبين.
ارتفعت الخالة حاجبها الأيسر:
_ ودي برضوا حاجة تفوتني؟ نادي على الغريب يا علي.
جاء الغريب ومعه كمية من السم بيده يتكلم كعادته بكلماته المتقطعة:
_ أنا.. أنا جه.. جهزت.. كل.. كل شيء.
رفع «ياسين» كف يده وأشار للغريب:
_ كفاية إنت كده يا غريب. عرفنا إنت تقصد إيه.
عادت الخالة تسترسل حديثها من جديد:
_ السم موجود وكل شيء جاهز. ومن بكرة الصبح هاخد شمس لمكان ما يعرفوش بني آدم عشان تبقى في أمان ونخلص من العربي.
_ سيبولي أنا حسام.
استغرب الجميع مما يقوله داغر، لتطلب منهم الخالة بهدوء الخروج جميعاً ليتركوهما بمفردهما قليلاً.
***
يخرج الجميع بالفعل ويبدأ الغريب بالانسحاب، فيسمع ياسين صوت شيئاً ما يهتز بجيبه، يضع يده على جيبه ليطفئه مسرعاً ويظهر الارتباك على ملامحه. يشعر عمار بشيء ما غير طبيعي ليتحرك خلفه دون أن يراه، ليذهب خلفه بهدوء ليجد ياسين يقف أمام نافذة الغرفة الخاصة بالغريب يضع إصبعه على فمه حتى لا يصدر أي صوت، ليسمع كل منهما الآخر الغريب وهو يتحدث بالهاتف قائلاً:
_ أيوه.. أيوه يا عربي بيه. كل.. كل شيء ماشي تمام. أنا هحطلهم السم في الأكل كلهم. ما.. ما عدا شمس زي.. زي ما اتفقنا. ولو.. لو ما قدرتش خطة هدير شغالة. داغر قال إنه.. إنه هيسلمك شمس.
ينظر كلاً من عمار وياسين بعضهما البعض والصدمة تعتلي ملامحهم، فيضغط ياسين على شفتيه بحده قائلاً:
_ ده أنا هخرب بيته.