تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
الفصل 50 — رواية الهجينة الفصل الخمسون 50 - بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل الخمسون 50 - بقلم ماهي احمد
صُدق من قال بعض الكلمات كالقبور، تُدفنك حياً على الرغم من إنك على قيد الحياة. وهذا ما فعلته جملة "ياسين" بـ "فريد" وهو يتابع قوله:
_ أنا وشمس اتجوزنا ودى ورقه جوازنا.
كان "فريد" يقود سيارته ولكن عقله ذهب في جولة للمواجهة التي تمت منذ قليل مع "ياسين" ومع هذه الجملة تحديداً. حاول "فريد" انتزاع ورقة الزواج من يد "ياسين" ولكنه فشل في انتزاعها من كف يده، فنطق "ياسين" متهكماً:
_ لو هسمح لحد يشوف ورقة جوازنا، فاكيد مش هيبقى أنتَ.
تطلعت "مشيرة" إلى "ياسين" وقد انكمش حاجباها بريبة تطلب إجابة عما يحدث، ولكن تلك النظرة التي أصابتها من "ياسين" كانت الأسرع، حيث فرضت على "مشيرة" الصمت.
طالعت "شمس" تلك المتشبثة بكف يده، فكانت نظراتها لها ليست إلا ناراً وشراراً تشتعل في الخفاء، تنظر إليها نظرة مفترس يترقب فريسته. كان الجميع مصوب نظراتهم إليهم كالسهام، لا تستطيع عقولهم استيعاب ما يحدث. يطالع أحدهم الآخر بنظرات من الجلي معرفة بأنها نظرات عدم رضا.
هبت "زهرة" واقفة تحاول أن تستوعب ما يحدث، ولكن أنهتها "الخالة" عن فعل شيء أمام الحضور. قام "والد فريد" وهو ينظر هنا وهناك بعينيه، فوجد جميع من بالمكان ممسك بهاتفه ويقوم بتصوير ما يحدث. ضغط على أسنانه ولكنه حافظ على ثباته الانفعالي. زرر جاكيث بدلته السوداء يستعد للرحيل، فأوقفه "فريد" ينطق بقهر وهو يرى والده يبتعد ناحية الباب:
_ بابا أنتَ هتسيبني كده، احنا لازم نعلمه الأدب. شمس دي بتاعتي.. شمس ليا مش لغيري.
قاطعه "ياسين" وهو يقترب منه وجعل كل من بالغرفة يوجه أنظاره عليه، يطالعه بتحدي وهو يقول:
_ شمس من اللحظة دي بقت عقيدة محرمة على أمثالك.
عاد والد "فريد" يقترب من "ياسين" بنظرات مشتعلة، لو كانت ناراً لأكلت الأخضر واليابس. تصنع البسمة على وجهه وهو يقول بهمس:
_ أنا صحيح مكنتش موافق على الجوازة دي، بس وحياة القهرة اللي شرخت قلب ابني وشوفتها في عيونه، لا هخلي الموت من ضمن أحلامك اللي مش هتعرف تحققها في يوم.
هنا ظهر على وجه "ياسين" تقاسيم مسترخية على عكس ما توقعه "والد فريد"، فقد انتظر غضبه وثورته على ما قاله، ولكنه لبس قناع البرود وهو يقول باستفزاز مع ابتسامة ساخرة زينت ثغره:
_ إن شاء الله.. مستني.
طالعة "والد فريد" الذي اشتعلت ثورته من هذا المتبجح الذي يتحدث معه بطريقة لا تتناسب مع مركزه. يراقب الحضور بعينيه وهو يحاول تنظيم تنفسه. رحل ومن خلفه "والدة فريد" وهي تقول بصوتٍ عالٍ نسبياً عل صوتها يصل إليه:
_ استنى يادمنهوري خدني معاك.
أشارت برأسها بنبرة صارمة إلى فريد قائلة:
_ يلا بينا يافريد.
فأجاب يحثها على الانتظار:
_ استني ياماما ماتمشيش.
عاد يطالع "ياسين" بعيون ثابتة تابعها بقوله:
_ هتندم.. أنتَ ماتعرفش إيه اللي مستنيك، لو تعرف كنت فكرت ألف مرة قبل ما تعمل حركة زي دي.
فأجاب بما هو بعيداً تماماً عن سؤاله يشير إلى والدته بعينيه:
_ ماما حلوة يافريد.
تسارعت أنفاسه وهو يخبره بقهر:
_ أنا عايزك تفرح بنفسك دلوقتي عشان هتزعل عليها بعدين.
طالعة "ياسين" وتحدث بنبرة ذات مغزى أدت دورها جيداً في جعل "فريد" يستشيط غضباً:
_ اتكل.
كلمة واحدة فقط قالها ببطء شديد وهو يشير برأسه ناحية الباب يحثه على الخروج، فطالعه "فريد" بنبرة تحمل من التوعد ما يكفي:
_ بكرة تشوف يا ياسين.
جذبته والدته من مرفقه تحاول إخراجه للخارج قائلة:
_ ماتحرقش دمك مع ناس زي دول، لا هما مننا ولا من مستوانا.
استدار "ياسين" بجسده يطالعها وقال بابتسامته الماكرة:
_ نورتي يا طنط. كان نفسي أفرحك بابنك بس مبسوط إني معرفتش أفرحك.
مما أدى إلى اشتعال ثورة "فريد" ووالدته تجذبه من ذراعه وهو يقول:
_ أنا هوريك.. أنا هندمك.. أنا هخليك تشوف النجوم في عز الضهر... أنا...
صفق "ياسين" بيديه في حركة مسرحية وهو يقول ساخراً:
_ ماشي يا ابن الأحبه.
طالعته والدة فريد بغضب فاصطنع ابتسامة مزيفة وهو يقول:
_ الغاليين طبعاً.. الأحبه الغاليين.
رحل "فريد" وترك المكان ولم ينطق بحرف بعدما رحل. الصمت أصبح رفيقه الأول والغضب رفيقه الثاني.
أفاق "فريد" من تلك الذكرى التي حدثت منذ دقائق على صوت والده يستغيث بصوت مرتفع:
_ حاسب.. حاسب يافريد أنتَ كده هتموتنا.
استفاق "فريد" من ذاكرته يضغط بقدمه على دواسة الوقود بقوة، ولكن دون جدوى فقد اصطدم بجرو صغير على الطريق. هبط من السيارة يصفع الباب من خلفه يرى ما الشيء الذي قام بالاصطدام به، فوجده جرو غارق بدمائه. جلس القرفصاء بجواره لم تعد تتحمله قدماه، يتكئ بظهره على السيارة وهو يبكي، يبكي بحرقة عما حدث.
فهبط والداه من خلفه فقامت والدته باحتضانه تراه يبكي من جديد فدمعت عيناها وبدأت بقول:
_ قولتي لك من زمان يافريد البنت دي مش عايزاك ولا عمرها حبيتك، بس أنتَ ماسمعتش كلامي.
طالعه والده بنظرة استحقار مما يفعله بنفسه قائلاً:
_ أخس على الرجالة، حتى بت فلاحة مالهاش لازمة تعمل فيك كده.. تعمل في فريد ابن الدمنهوري وزير الداخلية كده.. قووم.. قووم اقف على حيلك، ولو ماجيبتهاش راكعة تحت رجليك وجييتلك الواد ده يبوس جزمتك مابقاش الدمنهوري.
انتعشت روح فريد وكأن عادت إليه الحياة عند سماع حديث والده وقد عاد الأمل له، يقول وهو يقف على قدميه:
_ بجد يابابا.. بجد مش هتتخلى عني؟
أشار له والده بالأيجاب يتابع بقوله:
_ الأيام دي في حركة تنقلات في الوزارة والعين مفتوحة عليا حبتين، اصبر عليا شوية لحد ما ابقى في الوزارة الجديدة، واياك ثم اياك تعمل أي شيء قبل ما ابقى ضامن إني من ضمن الوزارة الجديدة، وقتها بس هجيبهولك راكع.
تطلع لوالده وهو يقول بقهر:
_ وأنا لسه هستنى يابابا.. وافرض مكنتش من ضمنها هنسيبه؟
فأكد عليه والده بقول:
_ أنا ماقولتش إني هسيبه بأي حال من الأحوال، بس لازم نستنى اليومين دول، أنا محطوط تحت الميكروسكوب الأيام دي وأي شوشرة عليا هطلع منها خسران.
أخذ يربت على كتف ابنه مسترسلاً حديثه ينطق كلماته الآتية ببطء:
_ اصبر يافريد.. الصبر حلو يابني.
ما زال الحضور وكذلك المأذون الجالس على الأريكة في صدمة مما حدث. أما عن "ياسين" فبمجرد رحيل "فريد" تأفف بأنزعاج، فكل شيء يضغط على أعصابه أكثر.
مدت "شمس" كفها وقبضت على سترة "ياسين" من الخلف، كانت تنتفض من نظراتهم الملامة على ما حدث تحاول الهرب بعينيها من نظرات الجميع وبالأخص نظرات والدتها لها، فاختارت أن تختبئ خلف ظهره تشعر بالأمان بوجوده، ذلك الأمان الوحيد الذي نشعر به في لحظات خوفنا، وكأنه سد منيع بينهم وبينها.
وقد قطع صمتهم الرهيب صوت "الخالة" وقد أقدمت على الحديث:
_ كتب الكتاب واتكتب واليوم وخلص.. مشكور كل واحد جه وبارك، نردها لكم في أفراحكم، وواجب كل واحد فيكم هيترد لكم يارجالة في يوم.
خرجت كلمات "الخالة" حاسمة لهذا الموقف، فغادر كل من بالمنزل من خارج عائلة "ال صاوي". ومع خروج آخر شخص من المنزل أشارت الخالة بعينيها إلى "حسان" تحثه على غلق الباب خلفه. أسرع "حسان" لغلقه وأصبحوا بمفردهم من جديد.
اقتربت "زهرة" من "شمس" وهي تصيح بنبرة لاذعة، نبرة متهكمة ضربت "ياسين" في مقتل، سائلة ابنتها بقول:
_ ياسين اعتدى عليكي يابت المهدي؟
بانت الصدمة على ملامح "شمس" دون أن تنطق، فرد "ياسين" وكان رده ينم عن وجع كبير من سؤالها:
_ أنتِ اتجننتي يازهره.. أنتِ بتقولي إيه؟
اعترضت "زهرة" بقولها على كلامه بنبرة ساخرة من طريقة حديثه:
_ أيوه.. أيوه اتصنع البراءة اللي في عينيك واكأنك معملتهاش عشان تغصب بنتي إنها تتجوزك، تقدر تقولي فستانها متقطع ليه؟ وشعرها وشكلها وانت كمان شايف نفسك عامل إزاي.
_ أنتِ بتقولي إيه!! أنا لا يمكن آذي شمس بالشكل ده.
اتهام ونفي عنه، فضربت "الخالة" على الطاولة ناطقة باسمها بنبرة محذرة، فهي تحدثت بما لا يصح قوله، فاعترض زوجها هو الآخر وحاول منعها، ولكنها استكملت ما بدأته تردد بقول:
_ مكنتش مصدقة نفسك إنها ممكن تعيش وتتجوز وتبقى مبسوطة، تعيش حياة طبيعية مع بني آدم زيها زيه، قولت تجيب مناخيرها الأرض وخطفطها واعتديت عليها.
قاطع حديثها "الطبيب" وكأنه كان ينتظر دوره حتى يجعلها تندم أشد الندم على اللحظة التي قالت فيها هذه الكلمة بقول:
_ أنتِ زودتيها أوي يازهره.. كفاية كده.. أنا استحملتك كتير بس الظاهر مافيش فايدة فيكي.
ردت "زهرة" بإصرار:
_ لأ مش كفاية، تقدر تقولي إيه السبب اللي يخليها تتجبر إنها تتجوز ياسين بعد ما كانت موافقة ومصممة إنها تتجوز "فريد"، لأ وكمان يوم كتب كتابها.
طالعت "مشيرة" تتابع حديثها بضيق:
_ وأنتِ ياست مشيرة أنتِ مش المفروض خطيبته وهتتجوزوا ساكتة ليه؟ ماتنطقي.
وقفت "مشيرة" ولكن بعدم ارتياح وصدق ظنها حين رأت أعين الجميع مصوبة تجاهها، فأشار "ياسين" لها بعينيه يحثها على قول الحقيقة يطمئنها بنظراته، فقالت بتردد:
_ بصراحة.. بصراحة أنا.. أنا وياسين.
قاطعتها "الخالة" بقول:
_ عمرك ما كنتي هتبقي مراته ولا خطيبته في يوم صح يابتي.
اندهشت "مشيرة" بمعرفتها للأمر، فتابعت "الخالة" بقول:
_ كنت عارفة بكذبتك وملامحك اللي حاولتي تداريها وأنتِ بتعرفينا إنك مراته وياسين جه ودارى عليكي.. نظرته اللي اتسحبت ونبرته اللي اتغيرت وهو بيوافق على كلامك بينت إنه بيكذب زيك بالظبط. أنا مش عايزة أعرف أنتِ كذبتي ليه قد ما عايزة أعرف استفدتي إيه؟
لم يتدخل "يزن" بالحديث معهم، بل قال بعد أن أنهت حديثها:
_ مش وقت ياخالة الكلام ده دلوقتي، عايزين نسأل الأسئلة المهمة، وأتمنى مشيرة ما تبقاش وسطنا واحنا بنسألها.
تركتهما "مشيرة" بانفعال، فأشارت "الخالة" إلى حسان بعينيها حتى يلحق بها إلى الخارج في محاولة بائسة لإعطائها بعض الهدوء.
أتت "زهرة" لتتحدث ولكن منعتها نبرة "الخالة" المحتده:
_ أنتَ صحيح اتجوزت شمس ياياسين؟
فأشار ياسين برأسه بالإيجاب يطالعها بعينين صادقة:
_ أيوه يا أمي، بس طبعاً لسه ورقة الجواز ما طلعتش والورقة اللي في إيدي دي مجرد ورقة فاضية مافيهاش شيء.
أشار بكف يده للخارج وهو يقول:
_ أنا حتى كنت هرميها بره، مش عارف جايبتها منين.. بس اللي جت في إيدي والاتهام اللي زهرة بتتهمني بيه مش أنا اللي رد عليه.
استدار يطالع "شمس" يحاول طمئنتها، يضع وجهها بين كفيه يخبرها وعيناه تحاوطها، يخبر نقاءها عن صدق حديث صاحبه، وكأنه يمارس السحر فيسلب نظراتها بقول:
_ لو عايزة تحكي اللي حصل احكي وهتلاقيني هنا.
أشار على ظهرها فأتبع بقوله:
_ عايزك بس تعرفي إنك دايماً هتلاقيني جنبك وفي ضهرك يا شمس.. وزي ما اتفقنا قبل ما نيجي لو مش مستعدة تحكي وتقولي اللي حصل، فانا هفضل استنى لحد ما ييجي اليوم اللي تحكي فيه من غير ما حد يجبرك على الكلام.
بان تأثير كلماته عليها حين لانت تقاسيمها، انتظر ردها وبقت هي صامتة فقط تطالعه، حتى نطق هو بحسم وقد أبعد عينيه عنها يوجه حديثه لزهرة:
_ عموماً لو أنتِ شايفة إني وحش أوي وممكن آذيها بالشكل ده.. فمعنديش مانع.. يبقى افتكري اللي أنتِ عايزة تفتكريه.
وتابع بقوله الذي أثار غيظها:
_ يا حماتي.
هبت "زهرة" من مكانها وأبعدتها عنه وقد طفح الكيل وقد نطقت:
_ ده بعيد عن عينك إنك ممكن تحلم أبقى حماتك في يوم ياياسين.
فطالعها بنظرة ساخرة مما تقول وقد نجح باستفزازها، فالاستفزاز شيء يبرع هو فيه:
_ غريبة!! مع إن المأذون واحنا بنكتب كتب الكتاب أكد لي وقالي يا ياسين زهرة كده بقت حماتك رسمي.
مطت "زهرة" شفتيها بضيق وقد وصل الأمر لنقطة لم ترد أن تصل إليها أبداً، فنطقت بحزم:
_ أنتَ فاكر إنك بتلوي دراعي بعملتك السودا دي، ده أنا أروح فيك في داهية، حق بنتي مش هسيبه.
فنطقت "شمس" من بين دموعها تحاول تجميع كلماتها على شفتيها:
_ ماما ياسين ماقربليش زي ما أنتِ فاكرة وفستاني المتقطع وشكلي المتبهدل ده.. ده عشان أنا حاولت.
سرد ماتبقى من حديثها ولكن نظرات الجميع المصوبة ناحيتها زادت من ارتباكها، فنطقت زهره بحدة وهي تقترب منها:
_ ده عشان إيه ما تنطقي يابت المهدي؟
انتهت "زهرة" من سؤالها وانتبه الجميع حين سمعوا "شمس" تقول ما جعل "ياسين" يطالعها:
_ لولا ياسين اللي واقف قدامك وبتتهميه تهمة بشعة زي دي مكنتش أنا هبقى موجودة، ياسين أنقذ روحي بعد ما حكمت عليها بالموت.
ارتخت تقاسيم وجه "ياسين" بلين، بينما ظهرت على وجوههم علامات الاستفهام، كانوا ينتظروا المزيد وأرضت هي انتظارهم بقول:
_ أنا هربت من الفرح بإرادتي، هربت بعد ما أخدت قرار إني لازم أنهي حياتي بأيدي، واللي انتي شيفاه قدامك ده وفستاني المتقطع وشعري المنعكش ده عشان نطيت بالعربية من فوق الجبل، وياسين هو اللي ماسمحش بموتي.
أنهت حديثها وظلت محاوطة بنظرات من الجميع، "والخالة" التي سألت بخوف مستفسرة:
_ ليه يابتي عايزة تنهي حياتك؟ هو حد غصبك على فريد؟ بالعكس أنتِ الوحيدة اللي كنتي ماسكة فيه.
حالة الانهيار التي أصابتها جعلت الكل يشفق عليها، فخرجت "سارة" عن صمتها تجذبها من مرفقها بلين:
_ تعالي.. تعالي معايا يا شمس ندخل أوضتك عشان ترتاحي شوية.
تبعتهم "زهرة" بعدما ألقت بنظرات الاتهام عليها وعيناها بها من الأسئلة ما يكفي. فوجه "يزن" حديثه للجميع:
_ مش مهم دلوقتي نعرف هي ليه شمس وافقت من الأول، واضح إنها مش حابة تحكي.. بس الأهم إننا داخلين على حرب جديدة قصاد الدمنهوري وابنه، انتوا فاكرين إن الدمنهوري هيسكت بعد الإهانة اللي حصلت له هو وابنه؟ ده وزير الداخلية.. عارفين يعني إيه وزير الداخلية؟ يعني ممكن كلنا نروح ورا الشمس ومحدش يعرف لنا طريق.
نطق "ياسين" بعدوانية وقد نجحت عيناه في بثها ببراعة:
_ اللي عندهم يعملوه.. وبعدين ياريت تشيل نون الجماعة دي، محدش فيكم يدخل في الموضوع ده ولا حد فيكم يقول لشيخ عجوة حاجة من اللي حصلت.
وجه نظراته التحذيرية لغدير:
_ ولا حتى رعد وميرا ياغدير، سيبوهم يعيشوا في أمان، دي مشكلتي وأنا هعرف أحلها كويس.
قال كلماته مما جعل شقيقه يزداد غضبه عليه، فنطق متهكماً:
_ ومن إمتى لما حد فينا بيقع بنسيبه يقع لوحده ياياسين؟ إحنا لازم نفكر كويس في أي خطوة هنعملها، واللي أنا متأكد منه إن الأيام اللي جايه دي الدمنهوري مش هيقدر يعمل حاجة.
جلست "الخالة" على المقعد مستفهمة حديثه:
_ ليه بتقول كده يا ولدي؟
فرد عليها بنبرة ثقة مما يقول:
_ في حركة تنقلات الأيام دي في الوزارة والدمنهوري الكلام كان بيشوشر عليه الأيام اللي فاتت وما أفتكرش إنه هيعمل أي حاجة تضره الأيام دي لحد ما يبقى متأكد إنه مكمل فيها.
هز "يزن" رأسه بالموافقة وهو يقول:
_ عشان كده جه من غير حراسة، يادوبك هو والسواق بتاعه.
تحدث "ياسين" مدركاً تماماً لحقيقة الأمر:
_ سواء كمل فيها أو مكملش، نظرات عينيه والإهانة اللي حس بيها تخليني متأكد إنه مش هيسكت، عشان كده قولت لكم أبعدوا انتوا عن الموضوع ده، أنا مش عايز حد يتأذى بسببي، كفاية اللي انتوا فيه.
أنهى "ياسين" جملته يهرول إلى الخارج يمتلك عادة سيئة وهي عادة "الاختفاء المفاجئ"، ولكنها تريحه قليلاً عند شعوره بالانزعاج. يعلم بأنها تغضب من حوله، ولكن هذا ما يريحه ولن يؤذي من أحب، سيتجه إلى عزلته دوماً.
جالسة على المقعد في إحدى زوايا الحارة بجانب عم مدبولي صاحب قدرة الفول تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وعند رؤيته طلبت من "عم مدبولي" إحضار طلباتها التي طلبتها قبل مجيئه، فارتسمت بسمة على وجهها وهي تقول:
_ اتأخرت ليه يابيدقوس؟
جاء يلهث بأنفاس مقطوعة، طالعها جيداً، حالتها عادية لا دليل على أنها ليست بخير، ولكنه أراد أن يطمئن قلبه أكثر، فسألها بخوف:
_ أنتِ بخير يامارال؟
حاولت طمأنته قليلاً:
_ أي يابيدقوس، التوتي اللي باين على وشك ده، كل ده عشان اتصلت بيك وقولتلك عايزة أشوفك.
فأكمل هو حديثها يخرج أول كلماته من فمه ببطء:
_ ضروري.. لقد أنهيتي جملتك بكلمة ضروري.
أشارت له على المقعد المقابل لها بالجلوس، فتساءلت ساخرة:
_ أتعشيت.. أنا بصراحة ما اتعشيتش وما صدقت ماما نامت وأخويا النهاردة هيبات في الشغل، قولت نتعشى سوا ووصيت عم مدبولي يعملنا طبق فول وعليه التحابيش بتاعته.
ابتلع ريقه وعلامات الاشمئزاز تظهر عليه، يطالع عم مدبولي الذي بادله النظرات هو الآخر بضحكة مرعبة، يضع القليل من الزيت في الفول بعدما وضع إصبعه بمنخاره وهو يقول:
_ ماتقلقيش يا آنسة مارال، مانسيتش التحابيش.
_ ربــــــاه.
كان هذا صياح "بربروس" ووقف على الفور بأنزعاج والأشمئزاز يظهر على تفاصيل وجهه، ممسكاً به من ظهره يرفعه بيد واحدة وهو يقول:
_ يا رجل.. يا رجل ماذا تفعل بحق الله، فوالله وبعقد الهاء لولا أن الله حرم القتل لـكنت ذبحتك بيدي العاريتين ووضعت جثتك على أول الحارة حتى تكون عبرة لمن يعتبر، مثلما تأتي بالذبحة الصدرية للخلق، تبــاً لك أيها المزندع السفيه.
تسائلت مارال بعدم فهم:
_ فيه إيه يابيدقوس؟
أشار لها بكف يده يحثها على الوقوف:
_ هيا.. هيا من هنا ولا أريد أن أراكِ تضعين بفمك شيئاً من هذا العجوز.
ارتفع صوت عم مدبولي وهو يقول:
_ استنى بس ياشيخ بربروس، طب هعملك طبق تاني يعجبك.
تمتم بربروس بغيظ شديد وهو يدخل لأحد الشوارع الجانبية يلعن عم مدبولي وقدرة عم مدبولي ويلعن حياته هو شخصياً. وسرعان ما وقفت مارال أمامه وانفرجت شفتيها ببسمة واسعة تنظر إليه قائلة:
_ بيدقوس نسيت أقولك انتبه.
"بربروس" ينتظر تكملة حديثها، فاخبرته قائلة:
_ مش أنا جايلي عريس.
انكمش حاجبه باستغراب وقد كانت ملامحه عابسة، أشار بكف يده وهو يقول:
_ عي.. ماذا؟
فنطقت هي تستكمل الكلمة:
_ عيييس.. أنا قولت أقولك.. ها هتعمل إيه دلوقتي؟
_ وكيف لكِ ألا تخبريني بهذا الخبر التعيس من قبل؟
أنهى حديثه فبررت له:
_ أنا لحقت يابيدقوس، أنا لسه شيفاك دلوقتي، ها هتعمل إيه؟
تحدث "بربروس" بجدية:
_ سآتي بالتأكيد حتى أتقدم لخطبتك من شقيقك.
ابتسمت بلطف وأخبرته وهي تبتعد عنه:
_ ماشي هاتيوح على البيت، ولا هاتيوح الجامع.
أجابها وهو يزفر فقد اشتعلت غيرته مما أخبرته الآن، فنطق بتهكم:
_ لا شيء، سأكمل جلسة الأطفال فمن المؤكد بأنهم بانتظاري الآن.
أشارت برأسها بالإيجاب وعادت وهي تخبره ما تذكرته للتو:
_ آه بيدقوس نسيت أقولك، أوعى تيجي لوحدك يعني هات دكتوري على وياسين معاك على أساس إنهم أخواتك وكده اللي في القيية، أوعى تنسى.
أشار بربروس بالموافقة يعود للمسجد من جديد يتذكر ما قالته للتو بأن جاء لها عريس. دلف إلى المسجد ليجد أهالي الأطفال بانتظاره، يمسك كل والد طفل بكف ابنه، متهكماً طالع أبو المعاطي بمعني "ماذا يحدث؟" فأشار له أبو المعاطي بكتفه بعدم المعرفة، فنطق والد طفل منهم يقول:
_ الأطفال اتأخرت أوي النهارده ياشيخ بربروس، إحنا خوفنا على أطفالنا وأبو المعاطي مانعهم يطلعوا عشان يروحوا، ينفع كده؟
طالع أبو المعاطي بلوم بعدما اعتذر لأولياء أمورهم وهو متعصب بعض الشيء، ولكن جلس الجميع من حوله كالدائرة، فنطق والد آخر يسأله:
_ بما إننا اتجمعنا على غير معاد فعايزين نسألك شوية أسئلة ياشيخنا.
جلس "بربروس" بالمنتصف شاعراً بنار تندلع داخله، يتخيل مارال وذاك العريس الغبي، ولكنه نفض ذلك عن ذاكرته يستمع إلى أسئلتهم، فبدأ رجل بقول:
_ أنا اتزوجت امرأة وطلعت عرجاء، أطلقها ولا أنت إيه رأيك؟
زفر بربروس يهمس بداخله بقول: استغفر الله. فأكمل حديثه وهو يقلب حباته بأصابعه:
_ إذا أنت تزوجتها حتى تتسابق معها، فانصحك تطلقها.
فسأله آخر:
_ أنا بدخل بالتليفون الحمام ياشيخنا وطبعاً بيبقى فيه قرآن كده، يبقى حرام ولا حلال؟
تحدث "بربروس" بضيق مجاوباً:
_ يا أخي بعقلك، أيضاً تحفظ القرآن، ضعه بالخارج أيضاً قبل أن تدخل إلى المرحاض.
ابتسم الجميع، فزفر ذاك السائل، فقام آخر بسؤاله:
_ برأيك ياشيخ بربروس الشيطان بيولد ولا بيبيض؟
تصنع بربروس البسمة قائلاً بسخرية من سؤاله:
_ والله وبعقد الهاء لم يعزمني على عرسه حتى أعرف إذا يولد أو يبيض.
قهقه الجميع بضحكات عالية إلا هو، ولكن لم يكن يعلم أحد بأن بداخله نار لا يستطيع أحد إخمادها، فسأل آخر بمرح:
_ والدتي كبيرة بالعمر وما تقدرش تمشي وهي دلوقتي بتزحف كده، هي من القواعد ياشيخنا؟
_ بل هي من الزواحف.
قالها بربروس بعينين باحثة عن هاتفه، بعدما استأذن الجميع بالانصراف. أخرج هاتفه يبحث عن الرقم الخاص بياسين حتى يستطيع الحضور بأسرع وقت.
في أكثر الأوقات نريد الاختلاء والعزلة والبقاء بمفردنا، يتفنن المزعجون في إفساد خلوتنا. يقتـ ـلها فضولها لمعرفة الحقيقة الكاملة وهذا ما تفعله "زهره" الأن تحاول إجبار ابنتها على الحديث بالقوة بقول:
_ انطقي ياشمس إيه اللي خلاكي تسيبي كتب الكتاب بعد ما كنتي موافقة على فريد.. كده مرة واحدة تهربي من كتب الكتاب كده تحطي وشنا في الأرض قدام أهل القرية كلهم.. أوعي يابت ياسين يكون دخل عليكي ولا لمس شعرة منك.
حاولت شمس الابتعاد عنها ولكن منعتها يد "زهره" التي قالت:
_ ما أنا مش هسيبك يابت المهدي غير لما أعرف الحقيقة.
لم تكن إلا نبرة مليئة بالبغض من فعلتها الكارثية هذه، ولو طالت الأن لأزهقت روحها بدم بارد.
حررت "شمس" ذراعها من كف زهره بعنف ثائرة تنطق من بين دموعها:
_ ما لمسنيش ورحمة أبويا ما لمسني ولا دخل عليا ولا حتى حاول إنه يقرب لي.
كلماتها هذه هدأت من روع "زهره" قليلاً، فأتت "سارة" من خلفها ممسكة بفستان شتوي قائلة:
_ سبيها يا طنط زهره دلوقتي أرجوكي خليها على الأقل تغير هدومها كده هتموت من البرد، تهدى كده وأكيد هتحكيلك على كل حاجة.
احتدمت نظرات "زهره" وهي تعلق بغيظ تكرر كلماتها بسخرية:
_ هتموت من البرد.. وهي لسه هتموت ياسارة، ماهي خلاص ماتت من وقت ما وافقت بكتب كتابها على ياسين.
_ ليه بس كده يا طنط زهـ...
غادرت "زهره" ولم تترك لـ "ساره" الفرصة لاستكمال حديثها، صافعة الباب خلفها. أغمضت عيناها بقوة أثر صفعة الباب الحادة، فمدت يدها لـ "شمس" التي ما زالت تجلس على الأريكة بجانب النافذة تسرق النظرات لها وعلى حالها المبعثر بقول:
_ ماتزعليش من طنط ياشمس، اللي حصل ماكانش حد يتوقعه، خدي غيري هدومك عشان خاطري وأنا هاروح أعملك كوباية شاي سخنة تدفيكي في الساقعة دي.
مدت "شمس" كف يدها تأخذ منها الرداء بيد مرتعشة، تتبع أثرها بعينيها حتى خرجت من الغرفة تغلق الباب خلفها. أدارت وجهها بصمت تطالع النافذة، سندت وجهها بكف يدها تنظر للسماء الصافية المرصعة بالنجوم تلقي بآلامها وآمالها في بئر عميق. تركت نفسها لتسترجع ذكرى لم يمض على حدوثها سوى ساعات قليلة وهما أسفل المياه.
يطالع كل منهما الآخر ممسك بكف يدها حول عينيه إلى اللون الأحمر ليستطيع الرؤية وسط العتمة بهذه المياه، أما عنها فقد استطاعت الرؤية بوضوح كما علمها من قبل وهي صغيرة. هنا ابتسمت وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة عندما عادت بذاكرتها بالماضي، تسترجع ذكرى لهما وهما بالقبو يخبرها بقوله:
_ مش عايزك شخص ضعيف، الدنيا بره ما بترحم، عايزك استثنائية تفتحي في النور والضلمة، حتى لو هتفضلي تكرهيني طول عمرك، بكرة تعرفي قيمة اللي بعمله عشانك حتى لو على حساب كرهك ليا.
عادت بذاكرتها تطالعه من جديد وهي مازالت أسفل الماء تخرج فقاقيع الهواء من فمها تلفظ أنفاسها الأخيرة. لم يتحمل رؤيتها هكذا لتجده يركل باب السيارة بقدمه بقوة. اعترضت على فعلته هذه بنزع كف يدها من يده بالقوة، انعدمت الرغبة في الحياة وفي كل شيء. ولكن منعها هو من أن تتركه، فاستدار ينظر لها يحاوطها بعينيه، فنطقت روحه بما لا يستطيع لسانه نطقه، فكانت تحادثها عيناه يخبرها نقاء عينيه بصدق:
"أنا الذي لا يهزني برقٌ ولا رعدِ، بعينيكِ الخضراء فقد تاهت سُفني، لم يعد لي مرسى فبحر عيناكِ قد هزم ثباتي."
بان تأثير نظراته عليها وكأنها وضعت تحت تأثير سحر عينيه الصافيتان. صدق من قال إن للعيون لغة وهي الوحيدة التي استطاعت فك شفراته وقراءة ما بهما، لانت تقاسيمها بعد نظراته، فهـدأت حركتها. استدار هو ومازال ممسك بكف يدها بقوة لا يقدر على تركها، فأخذ يسبح للأعلى يجذبها للسطح من خلفه. فشهقت بعمق حين خرج بها من المياه تلك الأنفاس التي كانت تريد أن تتركها بإرادتها منذ قليل تعود لها من جديد رغماً عنها. أخذت أولى أنفاسها فابتسم هو ابتسامة ظهرت على محياه يراها تتنفس أمامه من جديد، فقال هامساً بداخله:
_ ده أنتِ حبيبة العين يا شمس.
ارتعش جسدها الصغير من برودة الماء وشفاها الزرقاء التي لا تستطيع التحكم بهما من رعشتهما المتتالية. استفاق من نظراته لها وأخذ يسبح بقوة حتى استطاع الخروج بها، فهو يعلم جيداً بأنها لا تستطيع السباحة. وصل أخيراً على الشاطئ مسد على عنقه بتعب. استقامت تضم جسدها بيدها من كثرة رعشته. وجدها هكذا فاقترب منها ببطء يحاول ضمها إليه حتى تنعم بحرارة جسده، ولكنها دفعته بيدها. عاد خطوة للوراء وهو يقول:
_ شمس أهدي.. أطمئني.. أنتِ بخير يا شمس.
فصاحت به بشراسة فقد كانت على حافة الانهيار وهي تقول:
_ بخير!! مين قالك إني بخير.. أنتَ نفسك مش هتبقى بخير بعد عملتك السودا دي وإنقاذك ليا مش هتبقى بخير يا ياسين.. محدش فيكم هيبقى بخير.. أنا مهما أحكيلك مش هتفهم.
انكمش حاجبه باستغراب فلم يستطع فهم ما تقول، ولكنه أدرك من ردود فعلها بأنها تؤمن بأن احتضان الماء لها أفضل من عالم قاسٍ لم يرحمها. فأكملت من بين شهقاتها وارتعاشه جسدها:
_ أبعد عني ياياسين، قربك مني هيأذيك مش هينفعك.. ابدأ حياة جديدة مع مشيرة، كفاية اللي حصلك بسببي في يوم أنتَ وعمار.
شعر بألمها فاقترب منها ببطء جذبها من مرفقها يضع يده على خصرها، دفعته بانفعال لتبعده بعيداً عنها:
_ مالكش دعوة بيا، أنتَ إيه مافيش فايدة فيك، لو مابتخافش على نفسك فخاف على غيرك.
فرد هو بانفعال نابع من عدم صبره:
_ لو كان جوازك من فريد ده كان بالنسبالك خطة عشان تحميني منه تبقي عبيطة.. عبيطة وهبلة كمان، وماتعرفيش "ياسين" ليه مش راضية تفتحي لي قلبي، احكي لي هددك بإيه "فريد" الزفت ده عشان توافقي على جوازك منه، عرفيني يا شمس.
لم يتلقى رد، ابتلعت ريقها بعيون حائرة، استدارت تبتعد عنه وتتركه خلفها، فتنهد هو بعمق يسير خلفها، فعـرقل حركتها وأحكم الإمساك بها فلم يعد إفلاتها ممكن، تجمدت أطرافها حين لاحظت اقترابه أكثر وقد احتضن عينها بعينيه، ولكن بنظراته الأسيرة تم إجبارها أن تنظر إليه، لم تعلم ماذا تفعل حتى يبتعد عنها. أخذت تضرب صدره بعنف بضربات متتالية حتى يتركها، نعم هو تركها ولكنه تركها تخرج غضبها بين أحضانه، دمعت عيناها وهو يتلقى ضرباتها قائلة:
_ سيبني.. سيبني ياسين.. أبعد عني.. مش عايزة أجيب لك تهمة.. كفاية اللي أنت فيه.
لم يتزحزح انش واحد بل اقترب منها أكثر حتى أصبح وجهها على مقربة من وجهه، أعاد خصلات شعرها الجانبية إلى الخلف، وهدأت قليلاً بعدما أفرغت كامل غضبها به، شعر بألمها فقال بأنفاس متقطعة وقد مال بجبينه على جبينها وقد ثبت رأسها بكف يده من الخلف:
_ آسف يا شمس.. مش هسمع كلامك ولو التهمة هتيجي منك فامسحي التهمة دي في قلبي.
لم تستطع قول شيء بعدما قال، أخذت تضرب برأسها على فؤاده تنهمر دموعها على وجنتيها، رفع كف يده ببطء بتردد، وما مر سوى ثواني حتى مسد بأصابعه بين خصلات شعرها، وكأن كل شيء سكن من حولها. نعم كانت تريد الموت ولكن قلبها يستغيث طالباً من ينتشله من كل هذا. مر دقائق ومازالت بنفس الوضعية مائلة برأسها على فؤاده يحاوطها بذراعه بحنان، أفاقت مما فيه وابتعدت عنه بذعر قائلة:
_ أنا.. أنا عايزة أروح.
أشار برأسه بالإيجاب يجذبها من ذراعها خلفه، صعد على الموتور فحاولت هي الصعود من خلفه، فعركلها ذيل الفستان. انحنى "ياسين" ومزق لها ذيل الفستان يلقيه بعيداً وهو يقول:
_ في ستين داهية مش لايق عليكي الفستان ده.
قاد الموتور واتجه إلى "عم نصير" على الفور قائلاً:
_ مأذون القرية فين ياعم نصير؟
استغرب عم نصير مما يحدث ولكنه ابتسم قائلاً:
_ عمك حسين لسه ماشي من عندي كان قاعد بيتسامر معايا، روح الحقه هو لسه ما طلعش على الطريق.
ابتلعت "شمس" ريقها باعتراض:
_ مأذون.. مأذون ليه ياياسين؟ أنت بتعمل إيه؟
لم تتلقى منه رد، جذبها من ذراعها داخل الكوخ وأغلق بابه عليها، أخذت تطرق الباب بكل قوتها:
_ افتح الباب ياياسين.. أنت فاكر نفسك بتعمل إيه.. ياسين افتح الباب بقولك.
تجاهلها "ياسين" يوجه كلامه لعم نصير بتحذير:
_ عارف لو فتحتلها الكوخ ياعم نصير هعمل فيك إيه؟
فرد يتتبع فضوله:
_ هتعمل إيه؟
فرد ساخراً يغمز له بطرف عينيه:
_ هجوزك كوكي.
اختفى من أمامه فسمع صياحها من ضربات الباب المتتالية:
_ افتح الباب ياعم نصير، ماتسمعش كلامه هو مش فاهم بيعمل إيه.
لم يستمع لها بل أسرع بالجلوس على المقعد المقابل له قائلاً:
_ وانتِ مش فاهمة لو فتحت الباب هيعمل فيا أنا إيه؟ ده ياسين مجنون ويعملها ويجوزني حكيمة وما أدراك ما حكيمة.
فحسمت أمرها بقول:
_ حتى لو جاب المأذون أنا لا يمكن أوافق على الجوازة دي، ياسين ده مجنون.
ولم تكمل حديثها حتى وجدته فتح الباب قائلاً:
_ المأذون بره وياريت توكلي عم نصير عشان جوازنا. ياسين أنتَ مش عارف بتعمل إيه، على الأقل اسمع كلامي.
يقابلها بلهجته المنفعلة وقد امتزجت بالسخرية:
_ ما بسمعش كلام حد ودي قلة أدب مني وأنا قليل الأدب كوكي ما عرفتش تربيني.
يبدو الأمر وكأنه حسمه، فترددت بالقبول، فابتسم وهو يقترب منها يربت على ذراعها بحنان:
_ اسمعيني يا شمس أنا عمري ما هقربلك ولا هلمس شعرة منك في يوم، ولا جوازنا ده هيبقى جواز حقيقي. واضح إنك في خطر وانتِ مش عايزة تقولي لي عشان أساعدك، قربك مني هو الحل مش بعدك.. الورقة اللي هتربطنا بينا هتبقى فيها أمانك وحمايتك من فريد، أنا مش هغصبك تقولي هو بيجبرك على جوازك منه بإيه، بس هقولك زي ما انتِ كنتِ عايزة تموتي نفسك عشان تحميني أنا وغيري، أنا هتجوزك عشان أحميكي منه.
فابتسم ساخراً يحاول تهدئتها قليلاً:
_ وده بالنسبالي موت برضه.
عادت ملامحه للجدية من جديد وهو يقول:
_ القرار قرارك يا بنت الناس وعايزك تثقي فيا عشان ياسين ابن الصاوي ما بيقولش أي كلام، أنا خارج يا شمس وهبعتلك عم نصير وهستنى قرارك معاه.
دلف عم نصير إلى الكوخ وجلس هو ينتظر مع المأذون بالخارج. كانت دقائق معدودة ولكنه شعر بها تمر كالساعات حتى خرج يخبره بقرارها النهائي وهو الموافقة.
ابتسمت "شمس" بسمة حانية دون قصد شارده بما حدث منذ ساعات، فأتت "سارة" بكوب الشاي الساخن على الحامل المعدني تمد يدها بالشاي قائلة:
_ أنتِ لسه ما غيرتيش ياشمس كده هتبردي، خدي اشربي الشاي ده يدفيكي وبعد كده غيري هدومك على طول.
أفاقت "شمس" من شرودها تمد كف يدها تأخذ منها كوب الشاي وهي تقول:
_ إيه.. آه.. أيوه نسيت.
جذبت "سارة" المقعد المقابل لها تجلس عليه وهي تقول:
_ لاااا.. أنتِ مش هنا خالص.
أشارت برأسها بالإيجاب وهي تخبرها:
_ أنا خايفة أوي ياسارة.
بدأ الاهتمام على وجهها وهي تسألها:
_ ما أنتِ لو تحكي لي اللي حصل ممكن أقدر أساعدك.
استجابت "شمس" لها تهز رأسها بالإيجاب:
_ هحكيلك.
الغل والحقد هي مشاعر امتزجت ببراعة على وجه "مشيرة" وهي تركض بين الطرقات حتى وجدت حظيرة بالقرب منها دلفت إليها مسرعة ولم يستوعب عقلها ما حدث للتو، كانت تحادث نفسها بصوت مسموع قائلة:
_ اتجوزها.. اتجوزها يعني إيه.. يعني كل السنين اللي فاتت واللي عملته ده كله عشان يبعد عنها راح على فشوش، دي أكيد ساحراله.
وقع على مسامعها صوت رنة هاتفها فأجابت على هاتفها بيد مرتعشة ودموع على وجنتيها ترد على الفيديو كول قائلة:
_ شوفت ياسين اتجوز يامنير.. ياسين اتجوز.
حاول تهدئتها بعض الشيء بقوله:
_ أهدي يامشيرة، من ساعة ما بعتي لي الرسالة على الواتس وأنا بحاول أتصل بيكي وانتِ مش بتردي.
فأجابت بما هو بعيداً عن سؤاله:
_ أنا لازم أخلص منها.. البنت دي ماطلعتش سهلة يامنير زي ما كنت فاكرة.. فيها إيه زيادة عني.. أنا عملت كل حاجة عشانه، لميته من الشوارع وخليته عليه القيمة.. مستنياه عشر سنين ووقفت جنبه وفي ضهره وفي الآخر يروح يتجوزها كده بكل سهولة وأنا.. أنا فين يامنير؟
_ عصبيتك دي مش هتحل شيء، خلينا نفكر هنعمل إيه ونرجعه تاني ألمانيا إزاي؟ الشركة من غيره بتنهار والعملاء كلهم بيثقوا فيه.
فصاحت به صارخة بانزعاج:
_ هو ده كل اللي يهمك؟ طب وأنا؟
_ ماهو لما يرجع يامشيرة هيرجع ياسين تاني بتاع زمان. إلا قولي لي أنتِ بطلتي تحطيلوا الحبوب في المشروب بتاعه ولا إيه؟ وفين الشخصية الوهمية اللي بتظهر له؟
قاطعته مشيرة تصرخ بحقد راكمته السنوات:
_ مافيش حاجة نافعة معاه، لا حبوب ولا شخصية عمار من ساعة ما بنت الـ *** دي بقت معاه.. أقسم بالله لو وصلت اقتلها بإيدي، لأهقتلها ولا أخليها تتهنى بيه في يوم.
وصل غيظ مشيرة وحقده إلى ذروته، فحاول من يهاتفه تهدئتها من جديد، فصرخت به قائلة:
_ ماتقوليش اهدى.. أنتَ سامع ماتقوليش اهدى.
ألقت بهاتفها بعرض الحائط بيد مرتعشة تبحث بعينيها عن أي شيء معدني بالأرضية حتى وجدت قطعة من الزجاج المكسور، أخذتها مسرعة ترفع كم ذراعها للأعلى تقطع يدها بالزجاج حتى تشعر بالألم، فهدأت قليلاً بعد فعلتها تلك.
لا يعلم كم مر من الوقت سوى هو الأن يجلس بمكانه المفضل أمام البحيرة يفكر فيما سيحدث بعد اتخاذه لهذه الخطوة، كم سيخسر بعد الآن، فوجد من يجلس بجواره قائلاً بهدوء وكأن شيئاً لم يكن:
_ عارف ياياسين أنا حذرتك إنك ماتقربش منها قد إيه، وأنت قولت لي إنك مش هتقرب، ورغم وعدك ليا أديك دلوقتي اتجوزتها.. طب عارف إنك من ساعة ما رجعت القرية وأنتَ بقيت ترفض طلباتي.. ومابقيتش مهتم بيا زي الأول.. هو ده اللي كنت بقولك عليه وأنت ماصدقتنيش.
_ اسكت.
لم ينطق سوى بهذه الكلمة نطق بها ببطء شديد، فأكمل عمار حديثه:
_ المشكلة مش فيها، المشكلة فيك أنتَ.. أنتَ اللي مش قادر تبعد عنها مش هي.. شوفت كنت بتتذللها إزاي عشان تتجوزك، كان منظرك يضحك بصراحة.
كان ينظر للبحيرة وما إن نطق حتى رفع رأسه يطالعه وهو يقول:
_ قولتلك اسكت.
فأكمل حديثه الساخر:
_ هتفضل تحبها لحد إمتى ياياسين؟ قولي لحد ما الجاموسة بتولد والطور مش عارف بيعمل إيه؟
فصرخ ياسين صرخة صدحت بالأجواء وهو يقول:
_ اسكـــــــت.
هنا تجمدت صورة عمار لم ينطق بشيء، لم تتحرك صورته وكأنه ولأول مرة هو الذي يتحكم به. رفع ذراعه دون أن ينظر جانبه ودموعه تنهمر على وجنتيه يشعر بالفراغ بجانبه ولم يجده بجواره، فنطق حروف اسمه بصوت مرتعش:
_ عمـــَـار.
حتى وجد من جلس بجواره طالعها بحزن يملأ عينيه، فقالت تمسح الدموع من على وجنتيها:
_ أنتَ خسرت عمار ياياسين.. مكانش ينفع تخسره.
استدار بوجهه لمشيرة متحدثاً بهدوء:
_ أنا مش عايز أخسره.
اقتربت منه سائلة بهدوء:
_ بعد إيه ياياسين.. بعد ما راح منك؟
كان الرد جاهزاً سريعاً:
_ أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان أرجعه، إلا إني أبعد عنهم وعن...
فقاطعته بيقين:
_ وعن شمس.
اقتربت منه تقول بود تجبر نفسها على الابتسام بوجهه:
_ وأنا هعمل أي حاجة عشان تفضل معاها ياياسين وجنبهم، أنت عارف أنا طول عمري هفضل في ضهرك وفي نفس الوقت نحاول نقنع عمار إنه يفضل معاك وما يسيبكش.
طالعها بامتنان على ما تفعله لأجله:
_ أنتِ دايماً جنبي يامشيرة ومش هنسالك شيء عملتيه معايا في يوم.
ابتسمت بوجهه بحب:
_ ماتقولش كده ياياسين، أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا دي واللي يبسطك يبسطني.
يقولون أن الركض نصف الجدعنة ولكن في حالتها هذه فالركض معناه النجاة بحياتك. تركض "غدير" بين الدرع بمنتصف الليل بأنفاس مقطوعة تدور بعينيها تبحث عن الملجأ لها منهم ومن شرهم بعدما تجمعوا على الفتك بها وبعرضها. لم تعرف من هؤلاء، فهذه هي المرة الأولى التي تراهم بها بالقرية ومن الجلي بأنها لن تكون الأخيرة. ابتسم لها أحدهم بخبث بابتسامة مزيفة وهو يقول:
_ أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي.
صرخت بعلو صوتها ولكن ليلة صاخبة كهذه لن يسمعها أحد بها.