رواية الحب في الوقت المناسب — الفصل 14 — بقلم زينب محروس
تنهد إيهاب بحنق، وقام من مكانه وهو يقول بزهق:
_ دمك بقى تقيل يا هاني، امشي دلوقت.
نطق بجملته الأخيرة وهو يزق هاني بخفة، وهاني بدوره وقف وقال بجدية مخلوطة بالحزن:
_ أنا مش بهزر يا إيهاب، اتفضل معايا بقى.
مكنش قادر يقتنع إنه راح يساعدها بالليل عشان تقدم هي شكوى فيه الصبح! ودي مش مجرد قضية عادية، دي ممكن توقفه عن شغله ويتسجن سنين لابأس بها!
لكنه كان مجبر يقتنع لما بدأ هاني يحكيله إزاي جالهم بلاغ من المستشفى الساعة أربعة الصبح، ولما شاف سما في المستشفى كانت يادوب خرجت من العمليات وولدت طفل ميت، ومش بس كده، دا كمان تعرضت لضرر في الرحم بسبب كمية الحبوب المجهضة اللي ادعت إنها أخدتها إجباري من إيهاب. ودي الأقوال اللي قالتها والدتها.
سأله إيهاب بصدمة:
_ الطفل مات؟
حرك هاني دماغه بتأكيد. فضربت شهيرة صدرها بولولة، في حين تنهد إيهاب باستسلام:
_ صوتي براحتك يا ماما، موت وخراب ديار.
كانت جملته ساخرة بنوع من الحسرة، لأنه فعلاً لو التهمة ثبتت عليه يبقى خسر كل حاجة. والحسرة الأشد بالنسبة له هي خسارة ابنه، وكأن سما حالفة متسبش لإيهاب ولا ذكرى حلوة منها.
وبالفعل أخده هاني لمكتبه، وقعد قصاده وحاول يطمّنه لما قال:
_ أنا آسف لو موضوع القبض عليك جه مني، بس أنا عارف ومتأكد إنك بريء من غير ما تتكلم، وأنا مش هسكت غير لما أنت تطلع براءة من القضية دي، بس عايزك تعذرني لأني لازم أتخذ الإجراءات القانونية.
تنهد إيهاب بحزن، وقال باستسلام:
_ الحمد لله، أكيد ربنا عنده حكمة من اللي بيحصل.
***
أخدت رنا النضارة ونزلت تستنى إيهاب جنب الدراجة النارية بتاعته، لكن مر نص ساعة وهو منزلش، لأنه أصلاً مش موجود. لكنها لمحت شهيرة خارجة مع جوزها، فجريت عليهم واعترضت طريقهم بابتسامة لطيفة:
_ صباح الخير يا طنط، صباح الخير يا عمو، أنا رنا حفيدة الحاج رشدي اللي ساكن في الدور اللي تحتكم.
كان واضح على شهيرة الحزن، وعيونها مجفتش منها الدموع، فقالت بصوت واهن:
_ أهلاً يا بنتي، محتاجة حاجة؟
ردت رنا تلقائيًا:
_ كنت عايزة إيهاب، بس حضرتك كويسة يا طنط؟
كان سؤالها الأخير فضولي، وبسببه شهيرة رجعت تبكي تاني، ولما أصرت رنا تعرف الموضوع، حكت لها شهيرة اللي حصل، فمكنش من رنا غير إنها تواسيهم ببعض الكلمات قبل ما ترجع عند جدها، اللي أخدت معلوماته عن إيهاب، وبالتالي عرفت إن العيلة فيها اتنين عبد الجواد، والاتنين ولاد عم، واحد والد سما والتاني والد إيهاب، يعني هو وسما ولاد عم عن طريق الأجداد، بالإضافة لمعرفتها بطريقة الانفصال وخطوبة مروة من إيهاب. وبعد كده قررت تروح تزوره في المركز.
***
_ مع الأسف يا إيهاب، سما لما فاقت أكدت كلام والدتها، وكمان تسجيلات المراقبة اللي في العمارة بتثبت تواجدك عندها في البيت ليلة امبارح.
زفر إيهاب باستياء، وقال بصدق:
_ أنا فعلاً روحتلها يا هاني، بس عشان هي اللي اتصلت بيا وقالت تعبانة ومحتاجة الحبوب ضروري.
ابتسم له هاني بأمل وقال بتشجيع:
_ متقلقش، أنا طلبت سجل المكالمات ليكم الاتنين، وإن شاء الله الحقيقة عمرها ما تختفي.
خرج صوته المخنوق:
_ أنا اللي هيجنني يا إيهاب إني مش لاقي مبرر لعملتها دي! معقول بتنتقم مني أنا ومروة عشان طلقتها! بس لو عشان كدا ما عملتش الحركات الثعابينية دي قبل ما أنفصل عن مروة، أو حتى كانت اعترضت وقتها، لكنها رحبت بالموضوع!!!
رد هاني بتخمين:
_ أعتقد إنها كانت عايزة تلعب دور الضحية المسكينة، وكان عندها أمل إنك ترجع لها، بدليل إنها حاولت تقنعك بالرجوع بعد انفصالك عن مروة، وحاولت كذا مرة مع والدتك عشان تقنعك، وبرضو والدتك رفضت، فيمكن بتنتقم عشان كدا.
_ بس أصلاً مكنش ينفع نرجع لبعض يا هاني، طلاقنا كان تم رسمي، وأصلاً لو كان في فرصة، أنا مش عايز، مش هكرر غلطي مرتين، ياريتني كنت طلقتها بالمسدس في نفوخها.
ابتسم هاني:
_ كنت ساعتها بردو هتتحبس.
كانت نبرته غير مبالية:
_ على الأقل مكنتش هبقى مظلوم! ومكنتش هبقى متهم في قتل ابني اللي لسه مجاش للدنيا، منها لله.
في الوقت ده وصلت رنا، اللي دخلت بعد ما سمح لها هاني، وطلبت تتكلم مع إيهاب لوحدهم.
مدت إيدها بعلبة النضارة وهي بتقول بمرح:
_ جبت لك النضارة بدل اللي اتكسرت.
مسح على وشه بيأس قبل ما يقول:
_ أنا ربنا يصبرني على الناس اللي في حياتي!
عقدت حواجبها وسألته باستغراب مزيف:
_ ليه بتقول كدا؟
رد عليها بتهكم:
_ انتي شايفة إن دا وقت مناسب عشان تتعبي نفسك وتجيبي النضارة؟
ردت ببراءة:
_ أيوه طبعاً، دي مهمة جداً عشان الشمس وشوفتك أكتر من مرة وهي دايمًا معاك.
_ هو أنا مقولتلكيش؟
_ لأ.
_ اسكتي مش أنا ممكن مشوفش الشمس تاني!
_ عشان القضية المرفوعة ضدك يعني؟
_ اسم الله عليكي، بالظبط كدا! خدي النضارة واتكلي على الله بقى عشان أنا موالي طويل.
_ أيوه ما أنا عارفة، أنت متهم بضرب طليقتك وقتل الجنين والرحم تضرر بشدة يعني جناية، يعني إن شاء الله مش أقل من 15 سنة.
_ ياستي عارف والله، اتكلي انتي بس على الله، وأنا هبقى كويس.
اعترضت رنا بعبوس طفولي:
_ لأ والله، مش همشي من غيرك، أنت عارف إني مش بعرف أرجع البيت لوحدي.....
بصلها بطرف عينه ومردش، فهي اتكلمت بجدية وقالت:
_ أنا هخرجك من هنا، أنا عارفة القصة كلها......
انتبه إيهاب لكلامها، فبدأت تحكيله إن لما نضارته اتكسرت هي طلبت من صاحبتها ترشح لها محل حلو تشتري منه نضارة، ويشاء القدر إن المحل ده في نفس الحي السكني بتاع سما، ومش بس كدا، دا كمان المحل مجاور مباشرة للصيدلية اللي أخد منها إيهاب الحبوب. والحقيقة إن الحبوب دي مش بتتصرف غير بوصف طبيب، ومع ذلك الصيدلي باع الحبوب لإيهاب عادي من غير أي تشدد عشان دا كان طلب من سما. سمعتها رنا وهي بتتكلم مع الصيدلي لحظة دخولها للصيدلية عشان تجيب علاج لجدها، وكملوا كلامهم قدامها عادي عشان هي بالنسبة لهم غريبة ومش هتفهم هما بيحاكوا إيه. هي فعلاً مكنتش تعرف مين الضحية، لكنها ركزت في كلامهم يومها وفهمت كمان إن مفعول الحبوب بيشتغل بعد ساعة مهما كانت الكمية، يعني كانت تلحق تطلب المساعدة من الجيران مثلاً بما إنك أجبرتها تاخد الحبوب.
بعد ما خلصت كلامها مع إيهاب، تنهد براحة وابتسم لها بارتياح:
_ تصدقي بالله، أنتي تستاهلي كل يوم توصيلة ببلاش.
ضحكت رنا بنغمة مشرقة، فهو خطف النضارة من إيدها وغمز لها بمشاكسة:
_ هتنفعني لما تاخدي الخوذة.
بالإضافة لسجل المكالمات اللي بيثبت إن سما هي اللي طلبت حضور إيهاب، بقى موجود شهادة رنا، وتسجيلات الكاميرات بتاع الصيدلية، وبكدا يبقى حضرة الظابط بريء تمامًا من التهم المنسوبة إليه.
وهنا بقى هو متنازلش عن حقه، ورفع هو قضية عليهم وكلم مروة كمان عشان ترفع قضية، وينتقم هو بقى من بنت عمه، على اللي عملته فيه وعلى قتل ابنهم.
***
اجتمع مع والده ووالدته على الفطار، فبدأت والدته تتكلم عن رنا وإزاي ساعدته في إيجاد الأدلة، طبعًا الموضوع مكنش خالي من بعض كلمات المدح اللي عبروا عن ارتياح شهيرة لزوجة ابنها المستقبلية زي ما تمنت مؤخرًا، وشجعت إيهاب اللي كان متردد إنه يروح ويشكرها وما يتأخرش عن كدا لأنه بالفعل القضية اتحلت من كام يوم، بالإضافة لرغبتها إنها تعزمهم على الغدا.
وبعد خروج إيهاب من البيت، اتكلم والده بشك:
_ حاسس إنك بتخططي لحاجة يا شهيرة!
ضحكت بسعادة وقالت:
_ دي حقيقة، اصبر واتفرج.
كلمها بتحذير لما فهم قصدها:
_ بلاش تغلطي تاني يا شهيرة، المرة دي أنا اللي هاخد موقف مش إيهاب.
ضحكت بدلال وطبطبت على كتفه وقالت بحب:
_ أنا مش هجبر إيهاب على حاجة، بس استني واتفرج، هتلاقينا كلنا متفقين على الاختيار المرة دي.
قبل ما إيهاب يدق الباب، تفاجأ ب رنا، خارجة بشنط السفر، فسألها بجدية:
_ انتي رايحة فين؟
_ مسافرة.