تحميل رواية «الجواب الملعون» PDF
بقلم مصطفى محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اسمي خالد، عندي 39 سنة، متزوج وعندي ولد وبنت، وبشتغل ساعي في مكتب البريد من أكتر من 15 سنة. عمري ما حبيت اللخبطة، وبحب كل حاجة تبقى ماشية بنظام. يمكن علشان كده الشغلانة دي كانت مناسبة ليّ. كل يوم شبه اللي قبله. بصحى بدري، أفطر، وأودّع مراتي وولادي، وأنزل الشغل. أوصل المكتب، أستلم الشنطة، وأراجع الجوابات، عناوين وأختام، وأتأكد إن كل حاجة في مكانها. وبعدها أمشي نفس السكة اللي حافظها خطوة خطوة من سنين. الجوابات دايمًا كانت بتوصل في معدها، عمرها ما ضاعت ولا مرة وصلت متأخرة. وده كان أكتر شيء بحبه في...
رواية الجواب الملعون الفصل الأول 1 - بقلم مصطفى محسن
اسمي خالد، عندي 39 سنة، متزوج وعندي ولد وبنت، وبشتغل ساعي في مكتب البريد من أكتر من 15 سنة. عمري ما حبيت اللخبطة، وبحب كل حاجة تبقى ماشية بنظام. يمكن علشان كده الشغلانة دي كانت مناسبة ليّ.
كل يوم شبه اللي قبله. بصحى بدري، أفطر، وأودّع مراتي وولادي، وأنزل الشغل. أوصل المكتب، أستلم الشنطة، وأراجع الجوابات، عناوين وأختام، وأتأكد إن كل حاجة في مكانها. وبعدها أمشي نفس السكة اللي حافظها خطوة خطوة من سنين. الجوابات دايمًا كانت بتوصل في معدها، عمرها ما ضاعت ولا مرة وصلت متأخرة. وده كان أكتر شيء بحبه في حياتي، النظام.
من حوالي سنة بدأ يطلع لي جواب ثابت، نفس الاسم ونفس العنوان، شقة في عمارة قديمة في شارع جانبي هادي. أول مرة وصلت الجواب، خبطت وفتحت لي ست كبيرة في السن، وشها هادي، ومدّت إيدها وأخدت الجواب. الغريب إنها ما اتكلمتش ولا حتى قالت شكرًا، وأنا ما علقتش. الموضوع عدّى اليوم عادي.
بعد كده الموضوع اتكرر عشرات المرات، نفس الجواب، نفس العنوان، نفس العمارة، ونفس الست بنفس الهدوء. ولا مرة شكرتني، ولا أنا حاولت أفتح معاها كلام. لحد ما بقى الموضوع روتين زي أي حاجة في شغلي.
لحد اليوم اللي كل حاجة فيه وقفت. وصلت العمارة وطلعت السلم ووقفت قدام باب الشقة وخبطت. محدش فتح. خبطت تاني واستنيت شوية وبرضه محدش فتح.
كنت خلاص ناوي أمشي، لقيت باب الشقة اللي جنبها بيتفتح براحة وست واقفة بتبص لي باستغراب. سألتها: "لو سمحتي الحاجة اللي في الشقة دي مش موجودة؟"
بصّت لي وسكتت لحظة كأنها بتحاول تفهم قصدي، وبعدين قالت: "حضرتك تقصد مين؟"
قلت: "الست الكبيرة اللي ساكنة هنا، اسمها مدام فاطمة عبد الصمد. أنا بسلّم لها جوابات بقالها فترة ودي أول مرة أخبط ومحدش يفتح."
الست وشها شد فجأة ونبرة صوتها اتغيرت، وقالت: "إنت بتهزر؟"
قلت لها: "لا مش بهزر، أنا باجي هنا على طول وبسلّمها الجوابات بإيدي."
الست قربت مني خطوة وبصّت لي بتركيز، وقالت: "يا أستاذ، الشقة دي مقفولة من أكتر من 20 سنة."
بلعت ريقي وقلت لها: "مقفولة إزاي؟ أنا آخر مرة كنت هنا من يومين."
بصّت لي نظرة خوفتني حقيقي، وقالت: "الست اللي كانت ساكنة هنا اتقتلت من أكتر من عشرين سنة."
الكلمة خبطت في دماغي زي ضربة مفاجئة. قلت بسرعة: "إزاي ده؟ أنا كنت بسلّم لها الجواب بإيدي!"
الست هزّت راسها وقالت: "والله أنا بقولك اللي حصل. من ساعتها الشقة اتقفلت ومحدش دخلها."
بصّيت على باب الشقة وقولت: "يمكن أنا غلطان في العنوان"، لكن كان هو نفس الباب، نفس الرقم، نفس المكان اللي وقفت قدامه عشرات المرات. والجواب في إيدي كان بيترعش.
من غير ما أحس، سألتها بصوت واطي: "طب الجوابات دي كانت بتروح لمين؟"
ما ردّتش ودخلت وقفلت الباب. نزلت السلم وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي حصل سوء تفاهم. يمكن الست غلطانة، أي تفسير وخلاص، المهم إن الدنيا ترجع لطبيعتها.
رجعت البيت متأخر على غير عادتي. حاولت أتصرف طبيعي قدام مراتي وولادي، وأقنعت نفسي إن اللي حصل مجرد سوء تفاهم. اليوم كان طويل. دخلت أوضتي وطلّعت الجواب من الشنطة وسبته على المكتب عشان أرجّعه بكرة مكتب البريد. وكنت ناوي أبعد عنه وأقفل الموضوع.
بس فضولي شدّني. مدّيت إيدي ومسكته. الجواب كنت حاسس إنه تقيل في إيدي. الإحساس ده خلاني أتوتر. فتحت الظرف بهدوء، وقلبي بيدق من غير سبب واضح. الورقة كانت قديمة، مفيهاش كلام كتير، ولا امضاء ولا ختم. غير سطرين مكتوبين بخط مهزوز.
أول ما قريته حسّيت إن رجلي تقيلة ومش قادر أتحرك. السطر كان بيقول: "عارف إنك هتفتح الجواب يا خالد."
رواية الجواب الملعون الفصل الثاني 2 - بقلم مصطفى محسن
فجأة حسيت إيد اتحطت على كتفي. جسمي انتفض وبصيت بسرعة.
لقيت مراتي واقفة ورايا وبتقول بهدوء:
"مالك يا خالد؟ في إيه؟"
قلت لها وأنا لسه متلخبط:
"ماعرفش. أنا شفت حاجة غريبة في الجواب ده."
قالت:
"جواب إيه؟"
بصيت على إيدي. الجواب اللي كنت ماسكه اختفى.
قلت لها:
"الجواب اللي كان في ايدي راح فين؟"
قالت له:
"جواب إيه؟ أنا من وقت ما دخلت الأوضة ما شفتش أي جوابات. إنت كنت قاعد على المكتب وأنا بنادي عليك من بدري وإنت مش سامعني."
خالد توتر ونزل تحت المكتب يدور على الجواب. قلب المكان كله. فتح الأدراج وبص تحت الكرسي وما لقاش حاجة. وقف وهو متلخبط وقال لنفسه بصوت واطي:
"أكيد تخيلات. أكيد أنا بتهيألي."
قام بسرعة وفتح الشنطة. إيده كانت بترتعش. لقى الجواب جوه زي ما هو بالظبط. مقفول ولا كأنه اتحرك من مكانه. وشه شحب وقلبه اتقبض جامد وحس بنغزة باردة طلعت من صدره.
مراته بصت له باستغراب وقالت:
"مالك يا خالد؟ وشك متغير ليه؟"
بلع ريقه وقال وهو بيحاول يبان طبيعي:
"مش عارف. يمكن تعبان شوية."
مراته قربت خطوة وقالت بنبرة قلق:
"فعلاً من وقت ما دخلت الشقة وإنت مش طبيعي. كأنك جواك حاجة ومش عايز تقول."
لف وشه بعيد وقال بسرعة:
"ضغط شغل بس كده."
وسابها وخرج من الأوضة. في الصالة لقى ابتسام بنته قاعدة على الأرض بتلعب بعروستها. قعد جنبها. حاول يضحك ومسح على شعرها وقالها:
"عاملة إيه يا حبيبتي؟"
ابتسام رفعت العروسة وبصت له وابتسمت. الدنيا هديت شوية وقلبه بدأ يهدى. وفجأة ابتسام وقفت تضحك. عينيها وسعت شوية. وملامحها نشفت. وصوتها طلع مش صوتها. صوت تقيل مبحوح. نفس صوت الست العجوزة. وقالت:
"الجواب لسه معاك يا خالد."
خالد رجع لورا مفزوع. خبط في الترابيزة ووقعت الكوباية. ابتسام جريت عليه وقالت:
"مالك يا بابا؟ إنت كويس؟"
خالد قالها:
"مافيش حاجة يا حبيبتي. أنا بخير الحمد لله. بس من جوايا قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة. كنت حاسس إنه هيطلع من صدري في أي لحظة."
قال لمراته:
"هدخل أنام شوية علشان تعبان."
بصتله بنظرة مش مطمنة وقالتله:
"أنا خايفة عليك يا خالد."
وقبل ما أقفل الأوضة ورايا قالتلي:
"لو فيه حاجة احكيهالي قبل ما تنام. يمكن ترتاح."
قلت لها بصوت مكسور:
"لا. مافيش حاجة."
دخلت الأوضة وقعدت على السرير شوية بحاول أهدي نفسي. وبعدين فردت جسمي وغمضت عيني. أول ما الدنيا سكتت حسيت بحركة خفيفة ورايا. نفس تقيل قريب قوي من ودني. ريحة مش كويسة. جسمي اتجمد. حاولت أفتح عيني بالعافية. لفيت وشي واحدة واحدة وقلبي هيقف.
لقيت الست العجوزة نايمة ورايا لازقة في ضهري. عينيها مفتوحة على الآخر مبتغمضش. بتبصلي من غير رمش. وشها قريب قوي لدرجة اني كنت حاسس بنفَسها سخن على خدي. شفايفها اتحركت من غير صوت. وبعدين همست باسمي.
"خالد."
صرخت بأعلى صوتي وقفزت من على السرير ووقعت على الأرض. ولمّا قمت أبص على السرير كان فاضي. والصوت لسه بيرن في ودني.
مراتي والولاد دخلوا لقوني قاعد مكموش على الأرض وجسمي كله بينتفض. كان نفسي مقطوع ووشي لونه أصفر. مراتي قربت بسرعة وجابتلي كوباية مية وقعدت جنبي تحاول تهديني وهي بتقول:
"احكيلي يا خالد. إيه اللي حصل؟"
بصيتلها وكنت بحاول أجمع نفسي وقلت لها:
"النهاردة حصل معايا حاجة عمري ما تخيلت في حياتي انها تحصللي."
بصتلي بخوف وقالت:
"احكيلي. حصل إيه؟"
عينيا راحت ناحية ابتسام ونور كانوا واقفين عند الباب. قلتلهم بهدوء مصطنع:
"اطلعوا بره شوية."
لما خرجوا وقفلوا الباب وراهم بدأت أحكي لمراتي عن الجواب والشقة بتاعت الست العجوزة. وعن الست اللي قالت إنها ماتت من عشرين سنة.
مراتي حطت ايديها على بقها وقالت:
"يا نهار أسود. قصدك إيه الكلام ده؟ حقيقي؟"
قلت لها وأنا صوتي بيرتعش:
"أنا مش فاهم حاجة. من وقت ما رحت الشقة دي وأنا بحس بحاجات غريبة."
فجأة مراتي بصت حوالين نفسها كأنها حاسة بحاجة. وبصتلي بنظرة محاولة تطمّن وقالت:
"إنت محتاج ترتاح. ده أكيد ضغط شغل. نام دلوقتي وبكرة هتكون بخير."
حاولت أصدقها وغمضت عيني ونمت غصب عني.
تاني يوم صحيت وقلبي تقيل. بس حاولت أتعامل طبيعي. حضرت الشنطة زي كل يوم وروحت المكتب. طول الطريق كنت حاسس إن في حاجة غلط. بس مش عارف أحددها. دخلت الإدارة وأنا بطلع الجوابات المرتجعة. قابلت عبد الله صاحبي. أول ما شافني سكت شوية. وبعدين قال:
"مالك يا خالد؟ شكلك مش مظبوط."
قعدت جنبه وقلت له:
"لو حكيتلك اللي حصل مش هتصدقني."
ضحك ضحكة خفيفة وقال:
"احكي يا خالد. حصلك إيه؟"
بدأت أحكيله كل حاجة من أول الجواب لحد الست العجوز. وصوت بنتي. وأنا بحكي لاحظت وشه بيتغير وعينيه وسعت. قاللي فجأة:
"هو كلام عمي منصور بجد ولا إيه؟"
وقفت مكاني مرة واحدة وقلبي دق جامد وقلتله:
"مين منصور؟"
عبد الله اتلخبط وبص حواليه وقال بصوت واطي:
"عم منصور واحد كان شغال عندنا هنا في البريد من فترة كبيرة قوي. وكان بيحكي نفس التفاصيل اللي إنت بتحكيها بالظبط. جواب وشقة قديمة وست عجوز بتيجي في النوم."
وبعدها بأسبوع واحد بس قدم استقالته ومشي. ومن وقتها محدش يعرف عنه أي حاجة.
بلعت ريقي وقلتله:
"أنا عايز أعرف عنوان عم منصور دلوقتي."
عبد الله بصلي شوية كأنه متردد. وبعدين قال:
"استنى هنا."
ونزل الأرشيف. وبعد دقائق رجع اداني الورقة وإيده بتترعش. وقال:
"ده آخر عنوان مسجل عندنا."
خالد خد العنوان وخرج وهو حاسس إن رجليه تقيلة. وصل الشارع وبص على العمارة. طلع السلم وقف قدام الباب القديم. ورن الجرس. بعدين جه صوت تقيل مبحوح من ورا الباب:
"مين؟"
قلت:
"حضرتك عم منصور؟"
الباب اتفتح. وراجل كبير في السن ظهر. بصلي من فوق لتحت وقال:
"إنت شكلك موظف من البريد."
قلتله:
"أيوه. وعايزك في كلمتين."
قال:
"اتفضل."
ودخلنا. وقفل الباب وراه. أول ما دخلت حسيت نفس الريحة القديمة اللي في شقة الست العجوزة. عم منصور قعد على كرسي وأنا وقفت قدامه. وبدأت أحكي كل اللي حصلي من غير ما أسيب تفصيلة واحدة. وكل ما أذكر الست العجوز أو الجواب كنت ألاقي وشه بيشد أكتر لحد ما لونه شحب.
فجأة وقف مرة واحدة وقال بصوت عالي:
"ليه يا ابني بتجيب سيرتهم تاني؟"
الكلمة خرجت منه تقيلة. سألته:
"قصدك إيه؟"
قال وهوا بيتمشى في الأوضة بعصبية:
"ماكنش المفروض ترجع للشقة دي ولا تمسك الجواب ده."
ولما قلتله ليه وقف قدامي وبص في عيني وقال:
"لأن اللي شوفته ده لسه عايش ومش بيسيب حد يعرف حكايته."
قلتله:
"مين هما يا عم منصور؟"
قال كلمة واحدة خلتني أتجمد في مكاني:
"الله يكون في عونك في اللي هتشوفه."
حسيت رجلي مش شايلاني. وقلتله وأنا متوتر:
"هشوف إيه؟ كفاية اللي بيحصللي."
عم منصور اتنهد تنهيدة طويلة وقال:
"الحكاية بدأت من واحدة اسمها فاطمة. ست ماكانش في قلبها رحمة. كانت بتعمل طقوس غريبة وحاجات محدش يقدر يستحملها. لدرجة إن جوزها وأولادها اختفوا في ليلة واحدة. ومن ساعتها محدش عرف راحوا فين ولا حتى لقوا أثر ليهم."
فجأة الستارة اللي ورا عم منصور بدأت تتحرك لوحدها. رغم إن الشباك مقفول. والنور بدأ يطفي ويولع بسرعة. وصوت أنفاس تقيلة ملي الأوضة. حسيت بنفس قريب من ودني. فجأة عم منصور وقف وهو بيصرخ...
رواية الجواب الملعون الفصل الثالث 3 - بقلم مصطفى محسن
منصور وقف وصرخ صرخة قوية وصوته اتكسر فجأة وعينيه اتثبتت ورا ضهري كإنه شاف حاجة مش المفروض تتشاف.
جسمي اتجمد وقلبي دق دقة تقيلة فضلت ترن جوا وداني.
بصلي بملامح كلها ذهول وقرب خطوة وقال بصوت قوي مهزوز:
"لازم تمشي دلوقتي يا خالد. امشي حالا. ما تخلينيش أشوفك قدامي."
حاولت أتكلم لساني كان تقيل وماطلعش صوت.
وفي اللحظة دي حسيت بنفس سخن قريب من ضهري ونفس الريحة اللي كانت في شقة فاطمة شمتها في مناخيري.
النور ضعف أكتر وعم منصور رجع لورا كإنه خايف يقرب مني وقال:
"أوعى تبص وراك مهما حسيت. لو بصيت مش هتعرف ترجع."
حاولت أسأله في إيه بس صوتي كان محبوس جوا صدري ومطلعش.
وفي نفس اللحظة الهوا زاد في الشقة والشبابيك بدأت تخبط جامد والكراسي بدأت تخبط في بعض بشكل رهيب.
قوّتله بصوت مهزوز:
"إيه اللي بيحصل ده؟"
عم منصور مسك راسه بإيده كإنه موجوع وصوته كان مهزوز:
"مش وقته. لازم تمشي من هنا."
وكإنه حاسس إن المكان نفسه بقى مش آمن.
حاولت أتحرك بس رجلي ما كانتش مطاوعة كإن الأرض ماسكة فيّ ومش راضية تسيبني.
عم منصور قرب بسرعة وزقني ناحية الباب وهو بيهمهم بنبرة حادة مليانة توتر:
"امشي ومهما حصل اوعى تبص وراك على السلم."
صوته كان قاطع.
حسيت إن اللحظة دي بالذات هي اللي هتفرق بين إني أخرج أو أفضل جوه الحكاية للأبد.
أول ما مسكت مقبض الباب حسيت بإحساس غريب بيشدني لورا.
زقيت نفسي بالعافية لقدام.
الباب اتفتح فجأة واندفعت على السلم.
كان أطول من الطبيعي. كل درجة بنزلها بحس إن في قوة خفية بتشدني لورا وكإن المكان نفسه مش عايزني أطلع منه.
وصوت عم منصور جاي من ورايا مبحوح كإنه طالع من بير عميق بينده باسمي بس وقال:
"لازم ترجع الجواب شقة فاطمة."
نزلت تحت بالعافية رجلي كانت تقيلة.
فتحت باب العمارة واندفعت بره ورميت نفسي في الشارع.
بس الغريب إن الإحساس ما اختفاش. حسيت إن الحاجة اللي كانت ورايا مسبتنيش.
قلبي لسه بيدق جامد وبحاول آخد نفسي.
الدنيا حواليّا كانت طبيعية بس أنا اللي مكنتش طبيعي.
خرجت من المكان بس قولت لنفسي مش معنى إني خرجت يبقى الموضوع انتهى.
رجعت البيت بدري.
أول ما دخلت مراتي بصتلي باستغراب وقالت:
"انت رجعت ليه بدري؟"
قلت بالعافية:
"تعبان شوية وما نمتش كويس."
مراته قالت:
"انت حصلك حاجة من اللي حصلت معاك امبارح؟"
حاولت أطمنها وقولتلها:
"لا الحمد لله."
دخلت الأوضة وقفلت الباب ورايا وقعدت قدام الشنطة فترة طويلة من غير ما أفتحها ولا المسها.
صوت عم منصور كان بيرن في دماغي واضح: "لازم توصل الجواب لشقة فاطمة."
حاولت أقنع نفسي إن الكلام ده مالوش معنى بس كل ما حاولت أتجاهله الإحساس التقيل يرجع يضغط عليا.
مديت إيدي ناحية الشنطة وسحبتها ناحيتي بالراحة وفتحتها وطلعت الجواب وأنا إيدي بتترعش.
بس كان فيه إحساس جوايا إن رجوعي بالجواب مش هيخلص الحكاية بس يمكن يخفف الحمل اللي قافل على صدري.
فكرة إني أرجع الشقة لوحدي كانت مستحيلة.
ففكرت في أسامة صاحبي.
اتصلت وحكيت له الموضوع من غير تفاصيل كتير.
وافق ييجي معايا.
قولتله ينتظرني في شارع الجلاء.
خت الجواب ونزلت بسرعة.
لايت أسامة واقف قدام عمارة فاطمة.
وقفنا المكان كان هادي.
طلعنا خبطنا محدش رد.
أسامة بص حواليه وقال:
"يلا نمشي ونرجع وقت تاني."
وقبل ما نتحرك سمعنا صوت الترباس والباب اتفتح بالراحة من غير ما يظهر حد.
الهوا ساقع خارج من جوه.
أسامة بصلي وهو متوتر وقال:
"مين فتح الباب؟"
قلتله:
"مش عارف بس الجواب لازم يتسلّم. يلا ندخل."
أسامة وشه شد وقال:
"لا يا خالد ما ينفعش. هنا في حاجة غلط."
بصيتله وقلت:
"لازم أدخل."
وساعتها الباب اتفتح أكتر كإنه بيفتح لنا طريق.
دخلت خطوة وهو ورايا متردد.
أول ما دخلنا الباب قفل لوحده براحه والستارة اتحركت.
أسامة وقف وقال:
"إحنا نمشي دلوقتي."
لكن في اللحظة دي الجواب اتسحب من إيدي.
لفيت أدور على أسامة مش موجود.
ملقتهوش.
قولت بصوت عالي:
"أسامة انت فين؟"
دخلت أوضة صغيرة أدور عليه فيها ملقتهوش.
وقفت في الصالة حسيت بنفس ورايا.
لفيت.
أسامة واقف بس مش هو.
عينيه كانت فاضية وصوته طالع واطي غريب:
"الجواب وصل يا خالد… دلوقتي دورك."
رواية الجواب الملعون الفصل الرابع 4 - بقلم مصطفى محسن
حسّيت فجأة إن نفسي اتحبس جوّه صدري، كأن الهوا بقى تقيل ومش راضي يدخل.
وفي اللحظة دي سمعت صوت خربشة خافتة طالعة من الحيطان، صوت يزحف على أعصابي واحدة واحدة.
أسامة كان واقف قدّامي لكن عينيه اسودّت فجأة، سواد غريب.
وقبل ما أستوعب اللي بيحصل دوّى خبط قوى على باب الشقة، خبط حقيقي مش وهم ولا خيال.
أسامة لفّ وشّه ناحية الباب وجسمه بدأ يبهت ويتفكك لحد ما اتحوّل لدخان أسود واختفى قدّامي.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوت ست من ورا الباب بتقول: "افتح يا ابني إيه اللي دخّلك هنا".
عرفت الصوت فورًا، نفس الست الجارة اللي قابلتني قبل كده على السلم واللي أكدتلي إن الشقة دي مقفولة من ٢٠ سنة.
من غير تفكير زقيت نفسي ناحية الباب ومدّيت إيدي وفتحته بالعافية واندفعت برّه على السلم.
والست واقفة قدّامي وشّها أصفر وعينيها مليانة توتر بصّتلي وقالت بسرعة: "امشي يا ابني من هنا، احمد ربنا إنك خرجت".
جريت على السلم من غير ما أبص ورايا وهي ورايا بتصرخ: "بسرعة بسرعة".
وأنا نازل سمعت صوت أسامة بينده عليّ من جوّه، صوته كان متكسّر بيقول: "ما تسبنيش هنا يا خالد".
حسّيت كأن في حاجة خفية بتشدّني لفوق وبتحاول ترجّعني.
فضلت أجري لحد ما وصلت باب العمارة وخرجت برّه.
الهوا اندفع جوّه صدري لكن الإحساس التقيل ما اختفاش.
رجعت البيت وأنا متأكد إن في حاجة مش مظبوطة.
مراتي بصّتلي وقالت: "إنت مش طبيعي… فيك حاجة مخبيها عليّا؟"
قلت لها: "مافيش، شوية ارهاق".
ودخلت أوضتي وقفلت الباب.
وقفت قدام المراية وبصّيت لنفسي، التعب كان باين في وشي.
فجأة سمعت نفس قريب، وهمس قال: "خالد".
قلبي دق جامد، بصّت حواليا ملقتش حد.
رجعت أبص للمراية، الصوت اتكرر، بس المرة دي كان صوت أسامة.
حاولت أقنع نفسي إنه وهم، بس الإحساس كان أقوى من أي وهم.
فجأة الباب خبط.
مراتي دخلت وهي قلقانة وقالت: "أنا مش مطمّنة عليك".
قلت لها: "متقلقيش، هكون بخير".
مردتش عليا وخرجت وقفلت الباب.
قعدت على السرير.
صوت اسامة رجع تاني وقال: "أنا لسه هناك… متسبنيش يا خالد".
الكلمة فضلت تلف في دماغي طول الليل.
تاني يوم ما استحملتش ورحت لعم منصور.
خبطت، فتح وبصّلي وقال: "عملت ايه سلمت الجواب؟"
قلت له: "سلمته، بس أسامة صاحبي اختفى جوه الشقة".
ملامح وشه اتغيرت وقال: "إنت روحت ومعاك حد؟"
قلت له: "أيوه، صاحبي أسامة".
عم منصور قال بعصبية: "ليه يا ابني؟ ليه بتتصرف من دماغك؟ أنا قلتلك تروح لوحدك".
قلت له بصوت مهزوز: "مكنتش قادر، ابوس ايدك قولى أعمل إيه".
سكت لحظة وبعدين قاله: "الكلام ده ما ينفعش هنا… تعالى نطلع بره".
نزلنا وقعدنا على قهوة بسيطة.
بصّلي وقال: "الحل الوحيد إني أجي معاك، لأنك مش هتقدر عليها لوحدك. الشقة دي مش مجرد شقة، دي لعنة كبيرة ملهاش آخر".
بلعت ريقي وقلت: "ياريت تنقذني انا وأسامة".
عم منصور اتنهد وقال: "النهاردة كل حاجة هتنتهى".
سألته: "بجد؟"
قال وهو واقف: "يلا بينا نروح الشقة قبل فوات الاوان".
رحنا ووقفنا قدّام العمارة، وبدأنا نطلع السلم خطوة بخطوة.
كل درجة كانت تقيلة كإنها آخر درجة في حياتنا.
ولما وصلنا قدّام الشقة الباب اتفتح لوحده ببطء، كإنه كان مستنينا.
دخلنا ووقف عم منصور في نص الصالة وبص حواليه بهدوء غريب وقال: "عارف إنك هنا يا فاطمة، وعارف إنك سامعة، وعارف ان نفسك أزورك من بدري".
فجأة ضحكة طلعت ببطء تقيل وظهر أسامة قدّامي بنفس ملامحه ولكن عينيه كانت فاضية.
والصوت خرج من بُقه وقال: "فات الوقت منصور، اللي دخل الدائرة ما بيطلعش".
عم منصور رد بثبات: "الدائرة اتقفلت يوم موتك وربطتي روحك بالجواب".
قالت بسخرية: "ومين قال إن الدائرة اتقفلت؟".
عم منصور قرب خطوة وقال: "أسامة مالوش ذنب وخالد مالوش ذنب، الذنب ذنبك إنتِ، ضحيتي بجوزك وولادك علشان تفضلي شابة، وفي الآخر اللعنة قلبت عليكِ".
الحيطان بدأت تهتز وصراخها عليّ فى المكان.
وفي اللحظة دي عم منصور طلع الجواب من جيبه.
أول ما أسامة شافه وقع على الأرض، وخرجت منه فاطمة العجوزة قدّامنا.
بصّت لمنصور بغضب وقالت: "اللي بتعمله دلوقتي هيقضي على حياتك".
رد وهو ماسك الجواب بإيد ثابتة: "إنتِ اللي اخترتي نهاية حياتك يا فاطمة".
ولّع في الجواب والنار مسكته بسرعة، والصوت اتحوّل لصرخة هزّت الشقة، وجسمها بدأ يتبخر في الهوا زي الرماد.
فجأة الحيطة ورا عم منصور اتفتحت ونار طلعت منها وبدأت تسحبه لجوه.
حاول يقاوم وهو بيتسحب بصّلي وصرخ: "اخرجوا من هنا بسرعة".
في نفس اللحظة هوا شديد هبّ والباب اتفتح لوحده.
مسكت إيد أسامة وشلته.
نزلنا السلم بسرعة ولما وصلنا عند البوابه أسامة وقع على الأرض وأنا واقف مش قادر آخد نفسي.
بصّينا لبعض لا عارفين نفرح ولا نطمن.
قلت له: "هطلع أشوف عم منصور".
اسامة مسكني من رجلي وقال: "بلاش".
قلت له: "مش هينفع أسيبه".
قال وهو صوته بيرتعش: "لو تعرف اللي أنا حسّيت بيه جوه عمرك ما تطلع فوق تاني".
زقيت إيده وطلعت.
أول ما وصلت قدّام باب الشقة لقيت عم منصور واقف قدّامي سليم، بيبصّلي بنظرات غريبة وقال: "فاطمة انتهت".
قلبي مكنش مطمن وحسّيت إن في حاجة مش مظبوطة.
نزلت انا وعم منصور السلم بسرعة.
وأول ما أسامة شافه صرخ بأعلى صوته: "مش منصور ده يا خالد".
وانتهت.