في السرايا...
بدأ رفعت أن يفيق من نومه وفتح عيناه ولكن الصاعقة له حين وجد مهجة تنام بجواره. صرخ فيها:
_ أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ اصحي بسرعة وامشي يلا.
أفاقت مهجة وهي تقول له:
_ صباحية مباركة يا حبيبي. حد يصحّي مراته من النوم كده.
_ مراته؟! ثم نظر إلى حاله ووجد نفسه بدون ملابسه.
تحدث بغضب شديد:
_ إيه اللي حصل امبارح؟ وأنتِ هنا إزاي؟ وأصلاً إزاي اتجوزتك؟!
ضحكت بدلع:
_ أنت يا حبيبي اللي اتصلت وقلت هاتوا مأذون هتجوزك يا مهجة.
كان في حالة من عدم تصديق كلامها، لينزل معها على السرير ويدلف إلى المرحاض ليأخذ شاور.
بعد أن انتهى من أخذ الشاور خرج ووجدها كما كانت في السرير. صرخ فيها:
_ أنتِ لسه قاعدة؟ قومي يلا البسي حاجة وتعالي ورايا.
بعد قليل نزل من جناحه لينادي على آسيا وبناته. ليرى إحدى الخادمات تبكي بشدة. ليذهب إليها ويتحدث بنبرة غاضبة:
_ أنتِ بتبكي على الصبح ليه كده؟ وفين ستك آسيا والبنات؟
تحدثت الخادمة من بين دموعها:
_ ما حضرتك كرّشتهم يا بيه بعد ما ستي آسيا ولدت بنت.
كان في حالة ذهول تمام، لم يقدر حتى على الكلام. كان بنسبة له صاعقة كبرى، أحقاً قام بفعل كل هذا؟
_ أنتِ بتقولي إيه يا وليه يا خرفانة؟ وظل ينادي على بناته ولم يجيبه أحد.
لتنزل مهجة من على الدرج وهمست له:
_ إيه يا رفعت؟ صوتك عالي ليه كده؟ اللي حصل حصل واحنا اتجوزنا، وإن شاء الله هجيب لك الولد اللي نفسك فيه.
نظر لها بغل وغضب وقال للخادمة:
_ فين أدهم؟ انطقي.
_ سي أدهم فوق في جناحه بعد ما حضرتك يا بيه قفلت عليه.
جرى بسرعة على الدرج ليذهب إلى أدهم في جناحه ليدخل ليجد أدهم واقع على الأرض ناحية الشباك الذي كان يقف بجانبه. ليرى خديجة وهي تغادر.
ليقوم بحمله ووضعه على السرير ليطلب له الطبيب بعد أن فشل في إفاقته.
جاء الطبيب وبالفعل تم إفاقة أدهم ولكن لم يستطع الكلام نهائي. ليقول الطبيب بأنه أصيب بحالة عصبية شديدة وفقد النطق.
كان رفعت واقف لم يفهم ماذا فعل؟ وماذا يقول؟
في المشفى... بعد مرور يومين.
تم الانتهاء من مراسم دفن وتشيع جنازة السيدة إيمان. وبدأت آسيا أن تتعافى والوضع أصبح مستقر نوع ما.
كانت حزينة شارده تفكر ماذا تفعل بعد أن تم طلاقها، ولكن السؤال الأهم ماذا تذهب ببناتها؟ كانت تحتضن الصغيرة "ونس" وترضعها وبجانبها بدور وخديجة.
سمعت طرق على الباب لتأذن بدخول الشخص، فكانت السيدة سميرة والدة سامح الأنصاري.
دخلت السيدة سميرة ومعها مالك الصغير. رحبت بها آسيا كثيراً وشكرتها على معروف السيد سامح.
وجدت آسيا الصغير مالك يبكي بشدة ورافض أن يرضع.
نظرت له ووضعت "ونس" وقالت:
_ ممكن بعد إذنك أحاول معاه أرضعه.
_ أكيد يا بنتي ياريت، ده رافض ياخد أي لبن صناعي. ربنا يكرمك.
وبالفعل أول ما لمست الصغير وقامت بحمله أحس بسكينة وقامت برضاعته.
شكرتها سميرة وقالت لها بأن سامح يريد أن يدخل لها.
دخل سامح وجدها تحمل مالك، وقالت له والدته بأن آسيا قامت بإرضاعه. فشكرها، ثم قال لها:
_ ممكن أعرف إيه حكايتكم وإزاي كنتم قاعدين في المكان ده لوحدكم؟
لتبكي آسيا بشدة وتتذكر رفعت وما حدث معها وتقص لهم كل شيء.
حزنت سميرة على حالهم، فهي كانت جميلة بمعنى الكلمة وبناتها لا يقلن جمالاً عنها. لتقول:
_ الواطي الدون إزاي يقبل على نفسه يخرجك وأنتِ لسه والدة وبناتك في الليالي كده؟ ما فيش رحمة. ربنا ينتقم منه.
نظر لها سامح قائلاً:
_ يعني أنتِ متعرفيش حد تروحي له؟
هزت رأسها وقالت:
_ لا. أنا أصلي تركي ولما ماما ماتت رجعنا مصر. وبعد ما اتجوزت رفعت بعدها بسنتين بابا مات. حتى ورثي وأوراقي كلها كانت عند رفعت وأخدهم مني.
_ يا ستي ولا يهمك، الأوراق أمرها سهل، ممكن تطلعي غيرها.
_ بجد يعني ينفع أطلع غيرها وأنا مش معايا حتى صور؟
_ أكيد يا بنتي سامح هيساعدك متقلقيش.
_ بس أنا مش عاوزة أعمل لكم مشا مشاكل؟
_ ولا مشاكل ولا حاجة، أكيد سامح هيخلي حد من الإدارة عنده يخلص كل حاجة. مش كده يا سامح؟
_ أكيد يا أمي. إن شاء الله خير.
لتهمس آسيا وتقول:
_ هو حضرتك شغال إيه؟
_ أنا أكون المقدم سامح الأنصاري. يعني مفيش مشاكل هتحصل. ويلا بقا إحنا يا أمي عشان نسيبها تستريح.
وبإذن الله هنيجي بكرة على ميعاد خروجك.
_ انكمشت وقالت: خروجي؟! بس هروح فين؟
_ ربك يحلها. متقلقيش يا بنتي. تصبحي على خير.
في السرايا...
بعد مرور أسبوع كان يجلس ويضع يده على دماغه. بحث كثير عنهم ولم يجدهم. والأكثر حزنًا أدهم ابن أخيه، ماذا يقول لهم عند رجعهم من السفر؟
جاءت له مهجة وهي تتدلع وتضحك:
_ وبعدين معاك يا رفعت؟ اللي حصل حصل. فكر لما أجيب لك الولد هيكون كل ده لك. فكر الولد عزة وكرامة. شوف لما أجيب لك الولد هتكون إزاي وسط الخلق وهترفع راسك إزاي؟ وبعدين أنا بحبك يا رفعت. ظلت تطبخ سمها في دماغه إلى أن استسلم لها.
بعد خروج آسيا من المشفى اقترحت عليها السيدة سميرة بأن تذهب معهم، فهم يملكون عمارة وممكن أن تأخذ شقة تعيش فيها هي وبناتها. وافقت آسيا ولكن بشرط أن تدفع ثمن الإيجار وأن سامح يساعدها في جلب عمل لها.
بعد مرور أسبوع...
جاء سامح من الخارج وطلب من أمه أن تنادي على آسيا. وبالفعل جاءت آسيا التي بدأت أن تستعيد صحتها ويظهر جمالها مرة أخرى.
جلست آسيا وتحدث سامح:
_ بصي يا أم خديجة أنا عملت اتصالات وعرفت فعلاً إنك تم طلاقك. فعلى وأخرج من جيبه ورقة وأعطاها. وكانت ورقة طلاقها.
أمسكتها ونظرت فيها ولكن كانت قوية، لم تنزل دمعة واحدة من عينها.
رفعت وجهها ونظرت إلى سامح الذي لاول مرة يرى وجهها ولون عينها من قريب. استغفر ربه في سره، فهو لم يشدّه أي أنثى لا قبل ولا بعد زوجته، رغم أنه تزوجها زواج عادي ولكن كانت ونعمة الزوجة الصالحة، كانت ونعمة الصديقة.
همست آسيا له:
_ طيب ورثي وأملاك أهلي؟
_ للأسف مفيش حاجة مكتوبة باسمك، كله باسم رفعت. ولو حابة ترفعي قضية أنا ممكن أشوف لك محامي.
_ لا أنا خلاص عوضت ربنا فيهم ولا يمكن أرجع لهم تاني. بس ممكن تساعدني أشوف شغل.
تألم قلبه عليها وعلى بناتها وأحس بشعور غريب ناحيتهم:
_ إن شاء الله ربنا يسهل.
وجدت بدور تنادي عليها لتخبرها بأن "ونس" أفاقت وتبكي.
كل هذا تحت نظرات ماهر الغاضبة من تلك الأسرة التي اقتحمت عالمهم.
نظر سامح إلى بدور:
_ مفيش ازيك يا بدور ولا إيه؟
_ جرت إليه الصغيرة وقامت بضمه قائلة:
_ ازيك يا عمو سامح؟ عامل إيه؟
_ مسح سامح على شعرها بحب أبوي:
_ أنا الحمد لله. وبعدين مش بتيجي ليه تقعدي مع ماهر ومالك أنتِ وخديجة؟
_ نظرت بدور لماهر الذي كان ينظر إليها بكره وهمست:
_ معلش يا عمو هنبقى نيجي. يلا يا ماما.
_ بعد خروجهم وجد سامح ماهر يدلف إلى غرفته بدون أن ينطق بكلمة. لتقول له والدته:
_ أنا صعبان عليا يا ابني آسيا وبناتها. هو في أب ممكن يعمل كده مع أولاده ومراته؟
_ كان سامح شارد الذهن يفكر في حال ابنه ولم يسمع كلام أمه.
_ هااا؟ بتقولى حاجة يا أمي؟
_ ولا حاجة يا حبيبي. ادخل استريح على ما الغداء يجهز.
بعد مرور أسبوعين...
اليوم حضور الحاج مندور ويوسف وإيناس من الحج. استقبلهم رفعت من المطار ولم يقل لهم شيئاً. وإذا كان أحد يسأل على أدهم أو البنات كان يغير الحديث.
دلفوا جميع إلى الداخل لتنادي إيناس على أدهم وينادي الحاج مندور على آسيا والبنات. ولكن وجدوا مهجة تنزل من الدرج وترحب بهم.
كانوا يقفون في حالة من الذهول. ليتحدث الحاج مندور بغضب:
_ مين دي يا رفعت؟
_ مراتي يا حج اللي هتجيب الولد.
_ مراتك؟ وفين آسيا والبنات؟
لينزل مسرعاً من على الدرج أدهم إلى أمه وهو يبكي بشدة. لتقوم إيناس بضمه وتربت على ظهره وتهمس له:
_ أدهم يا حبيبي عامل إيه؟ وحشتني يا عمري. لتجد أدهم ساكت لا يتكلم.
ذهب إليه يوسف وتكلم معه وحضنه. ولكن أدهم كما هو لم يتكلم كلمة واحدة. ليعطي ورقة لأمه.
قرأتها إيناس التي ظلت تبكي وتصرخ وتضم أدهم. لياخذها يوسف ويقرأها. ليصرخ في أخيه.
ليضرب الحاج مندور بعصاه ويقول:
_ هو إيه اللي بيحصل؟ ممكن أعرف فين آسيا والبنات؟ وماله أدهم؟
ليقص عليه يوسف ما قرأ في الورقة.
ليقوم مندور والغضب يأكله ويقترب من رفعت ويرفع يده ويصفعه على وجهه. لينصعق رفعت ليقول:
_ أنت إيه يا أخي خلفة الشؤم؟ أنت جبروت كده إزاي تعمل كده في لحمك وبناتك؟ كانوا بنات حرام، إياك دول لو كانوا كلاب كنت حنيت عليهم أكتر من كده.
_ أنت اللي بتقول الكلام ده يا بوي؟ مش أنت اللي كل شوية تقول لي الولد الولد.
_ أيوا أنا كل شوية بقولك الولد. عارف ليه؟ عشان يكون هو السند لهم. أنا عارف لعبك وسهرك كل يوم مع الغوازي.
وفي لحظة ممكن تضيع كل حاجة. كان نفسي في ولد يحميهم منك. يكون سندهم. وأنا اللي طلبت من أخوك إنه يرجع عشان أدهم يكون جنبهم. آه أنا كنت قاسي عليهم، بس عمري ما كرهتهم. منك لله، ضيعت بناتك ومراتك. هتروح بيهم فين؟ وهم ما لهمش حد. لا أنت كمان أخذت منها كل حاجة، حتى ورثها. طول عمرك طماع.
صرخ يوسف في أخيه:
_ أنت عملت إيه في ابني يا رفعت؟ أدهم فقد النطق ليه؟ ابني عنده صدمة عصبية ليه؟ انطق! منك لله، روح منك لله.