_بتعملي كوباية واحدة ليه! اعمليلي معاكي.
_بطلت أعمل حسابك في حاجة، معايا المطبخ قدامك أعمل اللي تحبه.
وتركت البراد وخرجت من المطبخ، دخلت الأوضة وقفلّت الباب وراها.
نظرت حولها في الأوضة، كم موقفاً مرت بها هنا! ومشيت بعينيها في الأوضة حتى وصلت للسرير، ونظرت إليه بحزن. وتذكرت كم مرة دفنت وجهها في المخدة؟ كم مرة كانت تعبانة وتتوجع من العلاج الذي تأخذه، لكن كله يهون من أجل نفسها في عيل. ومواقف كثيرة جداً.
تنهدت بحزن، وقربت من الدولاب ووقفت دقيقة. وبعد تفكير دام لدقائق، أخرجت شنطة سفر.
لم يعد مكاني ولا بيتي، ولا حتى هذا الشخص الذي كان يمكن أن يكون أبو عيالي.
على الجانب الآخر، كان واقفاً ينظر إلى طيفها بهدوء. أغمض عينيه بقله حيلة، وخرج من المطبخ ودخل غرفتهم.
فتح باب غرفتهم ودخل بدهشة، ووقف لثوانٍ وعينه وقعت عليها. نقل نظره بينها وبين الشنطة، وبقلب مشتت وصوت متردد قال:
_ أنتي بتعملي إيه؟!
أكملت ما تفعله من غير كلام.
أغمض عينيه بعنف وحاول أن يهدئ نفسه، ونطق مرة أخرى:
_ بتعملي إيه، رايحة فين؟
بعدم اهتمام:
_ رايحة بيت أهلي.
باستغراب:
_ طب ما دي شقتك وبيتك.
كانت واقفة أمام الشنطة وهو واقف خلفها.
بعدم اهتمام:
_ ده لا بيتي ولا مكاني.
ربّع يديه أمام صدره ووقف أمامها، ونظراته مزيج بين الغضب والخوف وعدم الفهم.
_ ومكانك ده اللي هو إيه يا أستاذة؟
لفت بظهرها وتفاجأت بقرب المسافة بينهما.
_ رايحة بيت أهلي.
فك يديه وبصوت متوتر:
_ هي مامتك تعبانة ولا حاجة؟
رفعت عينيها ونظراتها ثابتة:
_ متتمثلش إنك مش واخد بالك، إحنا وصلنا لأيه. أنا وأنت مبقاش في حاجة تربطنا ببعض، كفاية لحد كده.
_ أنتي ليه أنانية؟ ليه عايزة البيت يتهد وكل حاجة بينا تروح في لحظة؟
سخرية كبيرة ظهرت على ملامحها، وما زالت نظرتها ثابتة.
_ عندك حق، أنا أنانية فعلاً.
لفت بظهرها وأكملت باقي الشنطة.
_ طب ممكن تهدي و ننزل نتكلم في أي مكان بعيد عن البيت؟
بعدم اهتمام:
_ لأ.
وقفت للحظات لم تستوعب أنها رفضت، بعدما كانت تتحايل عليه أن ينزل معها خمس دقائق فقط.
قرب منها ووضع يده على كتفها.
_ طب ممكن أعرف مش...
بنفور:
_ ابعد عني.
صدمة كبيرة ظهرت على ملامحه، لدرجة أنها لم تعد تحتمل لمسته!
بغضب وصوت عالٍ:
_ في إيه! أنتي مالك مش مظبوطة ليه؟ لدرجة دي مش طايقة لمستي؟ في إيه! مين اللي قواكي عليا كده؟
لفت لتبص عليه.
بهدوء غير طبيعي:
_ خلصت؟
_ طب اقعدي نتكلم شوية، بس علشان خاطري. بلاش علشان خاطري، علشان خاطر أي حاجة بينا.
بسخرية:
_ حاجة بينا!! هو في حاجة بينا غير كام حيطة وخدامة ليك في البيت والسرير؟
بذهول:
_ أنتي بتقولي إيه؟ أنتي مراتي وحبيبتي، حب عمري، ولا نسيتي؟
عيونها بدأت تدمع.
_ مش أنا اللي نسيت... أنت اللي نسيت إني مراتك وليا حق عليك. اعتبرتني ساعة ولا قميص جبته فرحت بيه كام يوم وبعدها ركنته في رف ضلمة في الدولاب. رف عدى عليه سنين ومجاش في دماغك مرة واحدة تبص عليه.
دموعها بدأت تزيد وصوتها يضعف.
_ دلوقتي جيت تقول مراتي؟ أمال كانت فين مراتك وأنا بتحايل عليك تيجي معايا عند الدكتور؟ كنت بموت من الحقن والعلاج وأنت مش فاضي غير للسهر والقعدة مع صحابك والمشي مع البنات.
عيونها وقفت عن الدموع وصوتها بقى ثابتاً.
_ كنت فاكرني هبلة ونايمة على وداني ومش عارفة اللي بتعمله من ورايا؟ مش عارفة كام مرة كنت في حضن واحدة تانية؟ كام مرة غلطت في اسمي وقلت اسم واحدة تانية؟ كام مرة سمعت ليك مكالمات معاهم؟ كام مرة شمت ريحة واحدة تانية فيك؟ كنت بسكت وأعدي وأقول بكرة تتعدل، بس مفيش فايدة، اللي فيك فيك بردو.
_ ترميني بساعة وعشرة في البيت، ولما أطلب منك أخرج معاك ساعة واحدة بس تقول لأ مش فاضيلك؟ هه، أمال فاضي ليهم هما بس؟
صوتها بدأ يضيق والدموع تظهر في عينيها.
_ قالولي مينفعكيش، ده مش بتاع جواز، ده واحد عايشها بطول وعرض، بتاع بنات وكل يوم في حضن واحدة. جالي بدل الواحدة اتنين وتلاتة يحذروني منك، بس أنا اللي كنت هبلة ورميت كلامهم في الأرض ودست عليه واخترتك. وانهاردة بقولك: أنت اللي رميتني ودست عليا.
قامت وقفت.
_ مبقاش ليك عندي حاجة حلوة تخليني أكمل معاك، وأنا راضية. كفاية عليا لحد كده، وطلقني. ومستعدة اتنازل ليك عن كل حاجة، حتى هدومي مش عايزها، المهم تطلقني.
قامت قفلت شنطتها وأخذت فستانها ودخلت الحمام جهزت وخرجت، وهو قاعد يتابع حركتها.
_ مستنية ورقتي في بيت أبويا.
خرجت من الأوضة وفي إيدها شنطة هدومها.
_ استنى.
جاء صوته، وقفت مكانها من غير ما تبص عليه. قرب منها وقف قدامها.
_ حقك على راسي يا ست البنات.
قرب منها يبوس جبينها، وبعيون بدأت تظهر فيها دموع وصوت موجوع مكتوم اتكلم وقال:
_ أنا معنديش استعداد أخسرك، والله عارف إني مقصر وفيا عيوب الدنيا ومستاهلش واحدة زيك، بس علشان خاطر أي حاجة كانت حلوة بينا، بلاش طلاق. مستعدة تقعدي في بيت أهلك زي ما أنتي عايزة لحد ما تهدي، بس بالله عليكي بلاش طلاق. مقدرش أبعد عنك والله.
مسك ايديها.
_ هوصلك بيت باباكِ، وهقولهم إني مسافر كام يوم لحد ما تهدي. بس بالله عليكي بلاش تقولي نطلق، أنتي أمي وحبيبتي ومراتي وبنتي، مش عايز من الدنيا غيرك أنتي وبس، أنتي وبس والله.
_ هتغير والله، ومن اللحظة دي مفيش سهر ولا أي قرف تاني. اديني بس فرصة أخيرة أثبت لك إني اتغيرت علشان خاطر الحب اللي بينا.
ربما نظراته المرة دي كانت غير كل مرة. أول مرة تشوفه بهذا الضعف، بس مينفعش، مينفعش ترجع تاني. بس مش هيحصل حاجة لو ادته فرصة تانية. وبعد تفكير قالت:
_ موافقة.
بفرحة ودون وعي شالها في حضنه وضمها كأنه يريد أن يدخلها بين ضلوعه.
_ بحبك، بحبك أوي أوي أوي.
اكتفت بأن ابتسمت وبس.
_ يلا بينا يا ست البنات، هوّديكي عند باباكِ، بس الأول هنروح مشوار صغنن.
باستغراب:
_ مشوار إيه؟
_ هتعرفي لما نوصل، يلا بينا.
مسح وجهه وعينيه، وشال الشنطة في إيد، والإيد التانية ماسكة إيدها.
فتحت الباب وخرجت أول رجل بره الشقة، حسّت إن حاجات كثيرة جت قدام عينيها. ذكريات كثيرة جداً. فجأة وبدون سبب، سؤال واحد بيتردد جوه عقلها:
_ هرجع البيت ده تاني؟