عيونها وسعت لما استوعبت إن الشاب اللي أنقذت حياته، هو نفسه الشخص اللي خاطفها.
قربت منه فجأة وبدون إنذار ضربته بقبضتها قرب كتفه وقالت بغضب:
_ تصدق إنك حيوان! كان المفروض أسيبك تموت.
كل جملة بضربة على جرحه اللي نسيت موقعه. مازال رامي على نفس جموده، لكن الجارد بتاعه شدها من دراعها بتهكم:
_ احترمي نفسك، واحمدي ربنا إنك عايشة لحد دلوقتي.
حاولت تنفض إيده لكنها معرفتش، فطبقت دراعه بين أسنانها. بمجرد ما رفعت دماغها الجارد سحب إيده بألم خفيف. وقبل ما يتكلم، سارة صرخت في وشه بغضب:
_ مترفعش صوتك عليا، وأسلوب التهديد دا ميجيش معايا سكة!
تدخل رامي في الحوار، وسألها بهدوء:
_ مين اللي متفق معاكي يا سارة؟
بصتله سارة بتعجب وقالت باستنكار:
_ اتفاق إيه!! يعني فوق ما أنا مخطوفة كمان بتستجوبني بخصوص حاجة معرفهاش؟ هو دا رد الجميل!!
اتنهد رامي بزهق:
_ أنا فعلاً كنت ممتن للمساعدة، لكن لما أعرف إن تواجدك في مكان الحادث كان مقصود عشان تسعفيني، وإنك واحدة من أعدائي يبقى الموضوع مختلف.
قهقهت سارة بنغمة ساخرة وهي بتضرب كفوفها ببعضها، ورددت بتعجب:
_ أنا عملت دا كله؟!! دا أنا طلعت شريرة في قصة أحدهم وأنا معرفش!!!
تغاضى رامي عن سخريتها، وسألها بهدوء:
_ نهلة ولا سفيان؟ ولا الاتنين؟
عقدت حواجبها وقالت بنفور:
_ بلاش تذكر اسم سفيان عشان عندي تروما منه، وأه معرفش مين نهلة دي.
اندفع الجارد بتهكم:
_ أهي ذكرت بنفسها إنها تعرف سفيان.
نقلت نظرها بينهم بزهق وقالت بحزم:
_ أنا جعانة، ومش هتكلم ولا أقول حاجة غير لما تأكلوني!!!
***
كان قاعد قصادها على الأرض بيتابعها وهي بتاكل باستمتاع، ولا كأنها مخطوفة.
إحساس داخلي بيقوله إن سارة ملهاش علاقة بمحاولة قتله، لكن في نفس الوقت الشخص اللي اتصل على الجارد الخاص برامي، واللي يعتبر دراعه اليمين، قال إن الطلق الناري دا مجرد قرصة ودن، وفي حد تبعهم هيسعفه، ولسوء الحظ كانت سارة هي اللي أسعفته.
من ثبات نظره عليها، اعتقدت سارة إن رامي عايز ياكل من البيتزا اللي معاها ومحرج، وعشان كدا أخدت قطعتها الأخيرة وقربت منه وهي بتمدها قدامه وبتقول:
_ طعمها حلو هتعجبك.
انتبه لكلامها، فنقل نظره بينها وبين البيتزا، وهو بيفكر إزاي لسه بتتعامل بتهاون كدا ومش خايفة منه. معقول تكون بتتظاهر بالبراءة عشان تخدعه.
في الحقيقة هي فعلاً مكنتش خايفة منه، السبب الأول إنها معملتش حاجة غلط تتعاقب عليها، والسبب التاني إنها مش مقتنعة إن رامي ممكن يكون شخص شيء ويؤذيها.
زفر بحيرة ولفت نظره بعيد عنها:
_ مش بحبها.
لوت شفايفها بسخرية وقالت بلامبالاة:
_ أنا أصلاً مكنتش هعطيك، ملكش في الطيب نصيب.
رد عليها بضيق مكتوم:
_ ياريت تنجزي بقى و تقولي مين اللي بعتك؟
_ تصدق أنت معندكش ذوق! مجبتوش صودا ليه عشان أشربها بعد البيتزا!
هو فعلاً ابتسم بجد، دي بتتعامل فعلاً كأنه ابن خالتها. في حين تدخل الجارد وقال بتوبيخ:
_ احترمي نفسك قولتلك، وبلاش تتعدي حدودك، مش عارف أنا خطف إيه اللي فيه الدلع ده!!
حركت إيدها في الهوا كعلامة على عدم الاهتمام، فسألها رامي بجدية:
_ انجزي يا سارة لو حابة ترجعي بيتك، غير كدا هتفضلي مشرفاني.
اتحركت وقعدت قدامه مباشرة وسألته بجدية:
_ عايز تعرف إيه؟
_ متفقة مع سفيان ولا نهلة.
_ مبدأياً كدا أنا معرفش واحدة اسمها نهلة، وسفيان الوحيد اللي في حياتي كائن شبه البومة كدا وأنا وهو عمرنا ما اتفقنا على حاجة، غير كدا أنا معنديش كلام أقوله.
وهو بيقوم مكنش عارف يسند على إيده، فقبل ما الجارد يقرب منه، لحقته سارة وساعدته يقف. فطبطب على إيدها وقال:
_ أنا محتاج ممرضة معايا، اتمنالك إقامة سعيدة عندنا في البيت.
فهمت من كلامه إنها هتتخطف لفترة أطول، فقالت باعتراض:
_ دا لما تشوف حلمة ودنك، ابقى اجي معاك.
استخدم الفون بسرعة وصور جانب وشه، وبص في الصورة قبل ما يحط الفون على مستوى نظرها:
_ اهو شفتها، خليكي قد كلامك بقى بدل ما تيجي غصب عنك.
***
أخدها معاه البيت اللي كان عبارة عن شقة واحدة دور أرضي، تدل على إن رامي هو شخصية متوسطة الدخل على عكس ثرائه وشهرته في مجال شغله.
مكنش في جارد كتير بس بالنسبة... لأنها بنت وهما شباب... فمكنتش قادرة تهرب منهم.
كانت قاعدة جنبه على طرف السرير وكل شوية تنقل نظرها بين رامي وبين تليفونها اللي حفظ رامي عليه لحد ما هي تتكلم.
رجعت لأوضة الأطفال اللي المفروض تستقر فيها طول فترة تواجدها مع رامي، فضلت قاعدة على سريرها وهي بتفكر في اللغز اللي اتحطت فيه.
وارد جداً يكون سفيان اللي اتكلم عليه رامي هو واحد غير ابن عمها اللي بيكره يشوفها وبسببه فقدت والدتها في حادث وأختها بقت جليسة على كرسي متحرك، ومن وقتها قرر والدها يسيب بيت العيلة والثراء الفاحش اللي كانوا عايشين فيه وانعزل ببناته في الإسكندرية، لكن شاء القدر إن سارة يجيلها شغل في مستشفى خاص في القاهرة.
ظنت إن رامي أكيد نام، عشان كدا دخلت لأوضته وهي بتتحرك على أطرافها، وأخيرًا وصلت للفون، ويادوب هتاخده.
أفزعها صوت رامي الجهورى:
_ بتعملي إيه!؟
أخدت الفون بسرعة وقالت بهزار:
_ كنت زهقانة، قولت اتسلي شوية على الفون.
_ انتي ليه مش مقتنعة إنك مخطوفة؟
انحنت شوية وقالت بثقة:
_ عشان الوجه السمح اللي قدامي ده أكيد مش هيضرني.
تأمل عيونها لثواني وكأنه بيحاول يستشف منهم الحقيقة، وأخيرًا سحب الفون من إيدها، ومن تمسكها بالفون كانت هتقع على رامي اللي مازال بيكلمها وهو مستلقي مكانه، وعشان تلحق نفسها فسندت بكوعها اللي ضغط بشدة على الجرح.
تأوه رامي بوجع وزقها بعيد، فمكنش من سارة غير إنها تسيب الفون وترجع تغير له على الجرح تاني لأن ضغطتها تسببت في نزفه مرة تانية. قبل ما تشيل الأدوات الطبية وتقوم سألها رامي بمشاكسة:
_ ماقولتليش بقى عايزة تكلمي عمي سمير ليه؟
ابتسمت سارة بدهشة:
_ عرفت إزاي؟
غمز لها بخفة وقال بثقة:
_ عيب عليكي، أي حاجة عايز أعرفها بتجيلي لحد عندي.
ردت عليه بنفاذ صبر:
_ خلي اللي يجبلك المعلومات يركز بقى عشان أنا خلقي ضيق ومش هستنى هنا كتير.
قامت عشان تخرج لكنه نادي اسمها وسمح لها تكلم والدها بشرط إنها متجبش سيرة رامي.
***
تاني يوم الصبح كانت بتتجول في البيت فانتبهت للباب المفتوح، لما قربت كان رامي بيهتم بشتلات الزرع المرصوصة قدام الباب الخارجي، مكنش حد من الجارد موجود، وهو بيحاول ينقل النبتة الصغيرة في أصيص أكبر.
كانت النبتة هتقع منه لكن لحقته سارة، وقالت بجدية:
_ خليني أنقلها بدالك.
بالفعل زرعتها في أصيص أكبر، وبعدين سألته باستغراب:
_ مفضلتش في سريرك ليه، وتطلب من الجارد ينقلها.
_ محدش موجود منهم، والمفروض كانت تتنقل بدري وبصراحة بكره قعدة السرير.
فضلت معاه تساعده في الاهتمام بالنباتات، ومفكرتش إنها تهرب منه أو تمشي، بل كانت مبسوطة وهي بتساعده وبدأت تحكيله قد إيه والدتها كانت بتحب الزرع والنباتات، وإنها كانت دايمًا بتساعدها.
لكنه لما دخل يبدل هدومه خرج ملقهاش، دور عليها في البيت ملهاش أثر، فابتسم بسخرية وهمس:
_ وقعتي في الفخ يا سارة.