دفعها فضولها تأخذ الورقة الموجودة في جيب القميص، لكن قبل ما تفتحها، تفاجأت برامي اللي طل على باب الأوضة وقال بهدوء:
_ بتدوري على ده؟
بلعت ريقها بمشاعر كتير متلغبطة، واتحركت لعنده وسحبت الدفتر من ايده وتفقدته بتمعن، وكان فعلاً دفتر والدتها. هي حافظة توقيع والدتها اللي كانت بتسيبه على كل تصميم، وكانت بتكتب أفكارها بخصوص القماش تحت التصميم.
قفلت الدفتر، فنزلت دمعتها على الغلاف وهي بتسأله بتحفز وغضب:
_ بيعمل معاك إيه؟ دفتر أمي أنت محتفظ به ليه؟
صرخت سارة في سؤالها الأخير، فشد رامي على إيده عشان ميتعصبش، وخرج ردّه بهدوء:
_ ممكن مثلاً عشان والدتك كانت متعاقدة معانا؟
بصتله بضياع وعيونها بتبحث عن الحقيقة في عيونه، لما رددت بحيرة:
_ متعاقدة معاك إزاي؟ والتصاميم دي نفسها اللي قدمت بها شركتنا في مسابقة فرنسا العالمية اللي كانت من سنتين؟
كان حاسس بسهام الاتهام اللي خرجت من كلامها بتخترق قلبه، وده كان مسبب وجع وخذلان كبير بالنسبة له، لكنه تظاهر بالبرود وقال:
_ حابة تعرفي الحقيقة بجد؟ ولا هتسمعي كلام سفيان وتتهميني بقتل والدتك وخلاص؟
تفاجأت سارة لما فهمت إنه على علم بالاتفاق اللي بينها وبين سفيان، فضيقت حواجبها باستغراب:
_ أنت عارف ومع ذلك جاي تسلمني إثبات إن سفيان على حق؟
اتنهد رامي بحزن:
_ كنت أتمنى تكوني واثقة فيا وتيجي تحكيلي اللي حصل مباشرة! بس خالفتي توقعاتي يا سارة.
مسحت دموعها بضهر إيدها وقالت:
_ وانت يعني متوقع مني إيه؟ المفروض أثق في مين وأنا مش واثقة في والدي نفسه.
_ والدك ملهوش علاقة بالموضوع، يا سارة.
انسحبت سارة من المواجهة ودخلت أوضتها لأنها كانت محتاجة تحدد موقفها قبل ما تسمع كلام رامي. هي فعلاً ضايعة ومش عارفة مين كذاب ومين صادق.
طول الليل هي مش عارفة تنام من كتر التفكير، بس لو المفروض تثق في حد يبقى تثق في رامي لأنهم اتقابلوا صدفة وكان على حافة الموت، ومن قبل ما يعرف هي مين كان بيتهمها إنها متفقة مع سفيان. وطالما سفيان حاول يقتل رامي يبقى رامي على حق وماسك سر على سفيان، بالإضافة لأن سفيان عمره ما حبها ودايماً كانت منبوذة هي وأمها وأبوها وأختها من عمها وجدها وباقي العيلة.
أول ما الشمس طلعت اتحركت لأوضة رامي اللي معرفش ينام هو كمان، دقت الباب مرتين وهو سمح لها تدخل في المرة التالتة.
بدون مقدمات قالت بهدوء:
_ أنا عايزة أعرف كل المعلومات اللي عندك، مش هسمح لسفيان يضللني.
ابتسم لها بخفة لأنها وثقت فيه، وبدأ يحكلها إن اليوم اللي والدتها وقعت فيه من الأوتيل في الوقت ده كان سفيان موجود في الجناح الخاص بـ هناء وخرج مباشرة بعد ما هي وقعت. بالإضافة لأن اليوم اللي حصل فيه الحادث مع عربية الإسعاف اللي كانت بتنقل هناء، بعدها مباشرة عربية والد سفيان راحت ورشة تصليح والكسر اللي كان فيها من الجزء الأمامي يدل إنها تعرضت لحادث. وطبعاً سفيان عمل كدا لأن والدتها كانت قادرة تثبت إن التصاميم ليها وساعتها كانت شركة العيلة هتعلن إفلاسها.
مسحت سارة دموعها اللي نزلت وقالت بحزن:
_ تعرف إن ماما حاولت كتير عشان تشتغل كمصممة في شركة جدي لكن عمي كان بيرفض كل مرة، وبابا كان ضعيف الشخصية ومكنش بيتناقش مع عمي في أي حاجة حتى لو بابا على حق كان كلام عمي هو اللي بيمشي. كنت لما بغلط وأنا صغيرة كان عمي هو اللي يعاقبني مش بابا أبداً.
طبطب رامي على كتفها بمواساة:
_ متقلقيش يا سارة، حق والدتك هيرجع، إحنا معانا إثباتات كافية.
بصت له بترقب:
_ طيب أنت دلوقتي تقدر تسترجع المشروع ده تاني لو أثبتنا إن التصاميم بتاعة ماما؟
_ بصراحة مش عارف، ومش مهتم ناخد المشروع تاني. أنا كل اللي كان هاممني في الحرب دي هو خسارة نهلة، بس الحمد لله علاقتنا اتصلحت تاني.
قطع حديثهم جرس الباب، فاستغربوا مين هيزورهم الساعة سبعة الصبح!
اتحرك رامي للباب ومن وراه سارة اللي شهقت أول ما شافت الشخص اللي على الباب وقالت بصدمة:
_ بابا؟
تخطى والدها رامي وكان ردّه عليها هو الكف اللي نزل على وشها، قبل ما يقول بغضب:
_ واضح إني سبتلك حرية زيادة عن اللزوم، لدرجة إنك عايشة في بيت راجل غريب!
حطت إيدها على خدها وسألته بخفوت:
_ عرفت مكاني إزاي؟
صرخ في وشها:
_ هو ده كل اللي همك؟ مش إنك قاعدة مع شاب في بيت لوحدكم! طيب يا ستي أهو بسببك بقى لسفيان فرصة جديدة عشان يذلني.
ابتسمت سارة بحسرة:
_ سفيان! كان لازم أتوقع إنه أكيد هيكلمك عشان تمنعوني أكشف الحقيقة اللي أنت عارفها ومخبيها، ومش بعيد تكون مشترك معاهم كمان!
ارتبك والدها وتظاهر الجهل:
_ حقيقة إيه اللي بتتكلمي عنها؟
مبقتش قادرة تتحكم في غضبها أكتر من كدا، فصرخت:
_ حقيقة وفاة أمي اللي اشترك عمي وسفيان في قتلها!
مكنش لاقي مخرج ينفي بيه الحقيقة لأنه هو أكتر واحد عارف الحقيقة ومع ذلك كان مجبور يفضل ساكت عشان مصلحة بناته وحياتهم، لأنه لما اكتشف الحقيقة واجه تهديد من أخوه وسفيان اللي أجبروه ياخد بناته ويمشي من الفيلا بدون ما يقدم أي مبرر لحد ولا حتى بناته.
صرخت سارة في وشه وكملت:
_ أنا سمعتك وانت بتتكلم مع عمي وبتقوله إنك هتاخد بناتك وتعيش في مكان منفصل ومش هتسمح لحد يعرف الحقيقة! فكان لازم أدور على الحقيقة بنفسي.
رد والدها بتهكم:
_ انتي هتعيشي طبيعي ولا كأنك عرفتي حاجة، عمك وسفيان مش هيسيبونا في حالنا يا سارة.
ابتسمت سارة بسخرية:
_ أنت خايف علينا من عمي! ولا خايف عمي يقول إنك مشترك معاهم؟
حرك والدها دماغه بخذلان وقال بحزن:
_ يا خسارة يا سارة، أنت متوقعة إني ممكن أشارك في جريمة زي دي؟ معقول أنا هسمح لحد يأذي هناء وأشترك معاهم كمان؟
بدأت تضرب بقبضتها موضع قلبها وهي بتقول بحيرة من بين دموعها:
_ مش سهلة عليا! مكنتش سهلة وأنا عايشة وبشك فيك! بس مفيش مبرر، اعطيني مبرر يخليك تخبي اللي حصل وتتنازل عن حق ماما، عايزة مبرر يخليك تسمع كلام عمي وتاخدنا وتسافر وتوهمنا إن ده كان قرارك!
تدخل رامي في الحوار وقال بجدية:
_ والدك كان مجبور يعمل كدا عشانك انتي وأختك يا سارة، أنا معايا الدليل إن والدك بريء.
حان الآن دور الأدلة اللي جبتها نهلة والفيديو ده كانت صورته سكرتيرة سفيان القديمة عشان تستغله وتاخد منهم فلوس، وكان الفيديو بيوضح خناقة والد سارة مع سفيان وأبوه وتهديدهم بأنه لو حاول يعمل حاجة هيتخلصوا من بناته زي ما تخلصوا من مراته.
مبقاش له لزوم إنهم يستنوا أكتر من كدا، بقى من الضروري إنهم يفتحوا قضية موت هناء ويقدموا الأدلة اللي معاهم، وبالفعل بمرور الوقت اتقبض على سفيان وأبوه والجد طلب من سمير يرجع الفيلا هو وبناته، لأنهم دلوقتي مش مجبورين يعيشوا بعيد عن عيلتهم.
ونظرًا لأن سمير هو اللي هيبقى مسؤول عن شغل العيلة فمحاولش رامي إنه يسترد المشروع اللي اتسرق منهم من سنتين، وده كان سبب عشان يلح سمير على رامي وأسامة إنهم يبقوا شركاء في الشغل بدل ما يكونوا منافسين لبعض، وهما رحبوا بالفكرة لأن شركة العيلة دي من أكبر وأنجح الشركات في البلد.
وبالنسبة لرامي كانت فرصة حلوة عشان يشوف سارة، لكن حصل العكس ومبقاش يشوفها خالص ولا حتى صدفة! حتى الحفلات الخاصة بالشركة كانت أختها بتحضر وهي لأ، وكأنها قاصدة تتهرب منه!
وفي الحقيقة هي فعلاً كانت بتتهرب منه لأنها خافت مشاعرها تكبر وتتعلق به وفي الآخر قلبها ينكسر، بس هي كدا كدا اتعلقت ومشي الحال والوجع اللي خافت منه على وشك إنها تعيشه.
كانت بتكوي طقم الشغل بتاعها لما دخل والدها، وجايب معاه نوع الآيس كريم المعلب اللي بتحبه سارة.
قعد على طرف السرير وهو متابعها بنظره، فهي ابتسمت وقالت:
_ أنا واخدة بالي، بس هخلص الأول وبعدين استفرد بالآيس كريم.
ضحك سمير بخفة وساب العلبة على الكومود، واتحرك عشان يخرج لكنه وقف وقال:
_ بالحق يا سارة خطوبة نهلة بعد بكرة وإحنا معزومين، هتيجي معانا ولا إيه؟
بدأ قلبها يدق جامد وهي بتختبر إحساس جديد من الوجع، لكنها تظاهرت بالجمود:
_ مش عارفة يا بابا، أنا يومها عندي سهر يعني احتمال معرفش أحضر.
_ لأ لو على الشغل هتكون الحفلة خلصت أصلاً، لأنها بالنهار في قاعة فندقنا المفتوحة.
سكتت شوية وهي بتفكر لأنها مش هتقدر تروح وتشوف رامي بيخطب غيرها، فقال سمير بتشجيع:
_ على فكرة رامي بنفسه أكد عليا حضورك.
واضح إنها مش فارقة معاه نهائي! حسمت أمرها وقررت تحضر الخطوبة، المفروض أصلاً مكنتش تتوقع منه حاجة، واحد قالها إن نهلة أهم حاجة بالنسبة له! شخص فات على آخر مقابلة بينهم سبع شهور ومفكرش يبعت لها رسالة أو حتى يكلمها!!
انزوت شفايفها بابتسامة ساخرة ورددت بحزن:
_ وأنا اللي فكرت احتفاظه بقميص اللاهور عشان ذكرى عني!
افتكرت دلوقتي الورقة اللي كانت في جيب القميص واللي لحد دلوقتي مقرأتهاش! ومش فاكرة أصلاً هي سابت الورقة فين!
هي عمرها ما تبقى ضعيفة ولا بكاءة، وعشان كدا لبست فستان وتأنقت بمكياج خفيف واستعدت وكأنها أخت العروسة بل ممكن تكون العروسة نفسها!
كان متحمس لما عرف من والدها إنها موجودة في القاعة مع المعازيم، فتوجه مباشرة وسلم عليها وعلى أفراد العيلة، وبعدين وقف جنبها ومال بدماغه شوية وقال:
_ وحشتيني.
بصتله باستغراب، ما هو مش معقول سايب عروسته ورايح يقولها إنه مفتقدها، ومع ذلك هي ردت باقتضاب:
_ متشوفش وحش.
ابتسم رامي وقال بحب:
_ وحش إيه بس، ده أنتي الحلو كله.
بصتله سارة وسكتت، لكنه رجع سألها بمشاكسة:
_ إيه موحشتكيش ولا إيه؟
كانت معتقدة إن إجابتها مش هتفرق معاه، فقالت بجدية:
_ بلاش تتأخر على عروستك.
هو دلوقتي فهم سبب تهكمها في الكلام، فقال بحماس:
_ معاكي حق، مش لازم أتأخر أكتر عن كدا.
مع آخر كلمة نطق بها، كان قابض على معصمها وسحبها وراه من غير ما يهتم بضربات إيدها الخفيفة على قبضته.
لما ركبوا الأسانسير هي كانت هتخرج، لكنه منعها وقال بمشاكسة:
_ بلاش تأخرينا بقى.
بصت له بضيق وقالت بعصبية:
_ مش فاهمة واخدني معاك ليه!
قرب منها جامد وقال بتوضيح:
_ نهلة هتتخطب لـ أسامة، مش أنا.
بعد عنها ووقف مكانه بهدوء، فهي سألته بحزن:
_ هي رفضتك؟
ضحك رامي بيأس وقال بمرح:
_ نهلة تبقى بنت عمي وأختي في الرضاعة، مش معنى إني قولت عنها مهمة في حياتي يبقى بينا حب جواز.
هنا ابتسمت تلقائي، ووقفت جنبه بهدوء لحد ما وصلوا سطح الفندق، وهنا تفاجأت بوجود طيارة ورقية كبيرة نوعًا ما.
نقلت نظرها بين رامي وبين الطيارة باستغراب، فهو ابتسم بحب وقال:
_ قولتيلي قبل كدا إن نفسك تجربي تلعبي بالطيارات الورقية.
معقول لسه فاكر! يعني هي فعلاً مهمة بالنسبة له؟ خالف توقعاتها وغير مودها الحزين ١٨٠ درجة، دي من كتر السعادة كانت حاسة إنها ممكن تطير بدل الطيارة، اهو رامي اللي أنقذت حياته...... النهاردة أنقذ قلبها من وجع وانكسار هي مش قده!
أضاف رامي بغموض:
_ بس لو قبلتي الطيارة يبقى لازم تقبليها كلها.
مفهمتش قصده، لكنها حركت دماغها بموافقة.
بدأوا سوا يرفعوا الطيارة وبمرور دقايق، استقرت الطيارة في السما وهنا ظهرت المفاجأة الأساسية.
وهي كلمة "بحبك" اللي تشكلت بالأكياس الملونة كجزئية ممتدة من الطيارة.
ضحكت بسعادة شديدة، وقالت:
_ أتمنى ده ميطلعش حلم.
_ لأ ده واقع، وكان ممكن نعيش اللحظة دي في وقت أبكر من كدا لو كنتي قرأتي الورقة اللي أخدتيها من قميص اللاهور.
سألته بفضول:
_ أيوه صح كان مكتوب فيها إيه؟
احتوى رامي كفوفها بين إيده، وقال بحب:
_ تمنيت فيها إن الونس والدفا اللي حسيت به يوم اللاهور يكون هو الواقع في حياتي بنفس الشخص.
سألته سارة بمشاكسة:
_ حتى لو خلصت لك على سلالة الاهور اللي عندك؟
رد عليها رامي بهيام:
_ حتى لو خلصتي عليا أنا شخصياً.
ضحكت سارة وقالت بحسم:
_ يبقى أنا موافقة نخليه واقع.