تحميل رواية «العاصم» PDF
بقلم أم حورية
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد أرجاء الصعيد، وبأحد أراضيها الخضراء الواسعة، في بلدة من بلدان الصعيد وتحديداً قنا، ذات أرض خضراء واسعة تملأ شمسها المكان. توجد عائلة من أقوى وأهم العائلات الصعيدية وهي عائلة شوكت أحمد القناوي. يبلغ من العمر تسعين عاماً، ذو سلطة وهيبة قوية. برغم كبر سنه وعجزه، إلا أنه لا يزال الكبير كما يقال. لديه ابنان. الابن الأكبر، صابر القناوي، يبلغ عمره الستين عاماً. زوجته السيدة عفاف، تبلغ من العمر خمسين عاماً. لديه ثلاث أولاد: عاصم، سبعة وعشرون عاماً، بطل روايتنا. ريان، خمسة وعشرون عاماً. مجدي، ثلاث...
رواية العاصم الفصل الأول 1 - بقلم أم حورية
في أحد أرجاء الصعيد، وبأحد أراضيها الخضراء الواسعة، في بلدة من بلدان الصعيد وتحديداً قنا، ذات أرض خضراء واسعة تملأ شمسها المكان. توجد عائلة من أقوى وأهم العائلات الصعيدية وهي عائلة شوكت أحمد القناوي.
يبلغ من العمر تسعين عاماً، ذو سلطة وهيبة قوية. برغم كبر سنه وعجزه، إلا أنه لا يزال الكبير كما يقال. لديه ابنان.
الابن الأكبر، صابر القناوي، يبلغ عمره الستين عاماً. زوجته السيدة عفاف، تبلغ من العمر خمسين عاماً. لديه ثلاث أولاد: عاصم، سبعة وعشرون عاماً، بطل روايتنا. ريان، خمسة وعشرون عاماً. مجدي، ثلاثة وعشرون عاماً.
الابن الثاني وهو رشاد القناوي، الذي توفي إثر حادث عنيف هو وزوجته منذ عشر سنوات، تاركاً ابنته الجميلة الشابة نيهال وحيدة، وهي بطلة الرواية. وقام جدها بتربيتها والعناية بها، فأصبحت نيهال كل شيء في حياة الجد العجوز، فهي يتيمة الوالدين.
نيهال، بعمر خمسة وعشرين عاماً، ذات بشرة بيضاء، عيناها عسليتان لامعتان، أنفها صغير جداً، فمها أحمر، أصغر لها غمازات تجعل جمالها يزداد جمالاً، وحسنة صغيرة بجوار الفم على الجانب الأيمن. كانت متوسطة الحجم.
قصر ضخم واسع، مزين بأجمل ما يكون. أثاث فخم. به غرفة مكتب خاصة بالكبير. غرفة انتريه واسعة مطرزة بأجمل طراز. المطبخ. به غرفة نوم الطباخين. اثنان حمام، حمام للسيادة القصر والآخر للخدم. غرفة استراحة للضيوف. يوجد به الدور الأول على الجانب الأيسر، هذا خاص بصابر وزوجته وأولاده. الجانب الأيمن، هذا خاص بالجد وابنته نيهال.
كان الجد يجلس بغرفته يتفحص الجريدة كالعادة.
يطرق الباب: طق طق طق.
الجد بابتسامة: ادخلي يا حبيبة جدك.
تدخل نيهال بابتسامتها البشوشة، تحمل فنجان القهوة بين يديها.
قائلة بابتسامتها الرقيقة وتلك الغمازات الساحرة: مين قالك إني أنا بقي يا جدي؟
الجد بابتسامة: هو حد بيسأل عني غيرك يا بتي؟ كله مشغول في مصالحه.
تجلس نيهال على قدميها قائلة بحب: وليه عاد نبرة الحزن دي عاد؟ غصباً عنهم يا جدي اعذرهم. وبعدين أنا عملتلك فنجان القهوة المظبوط بتاع كل يوم.
الجد يمسك بالفنجان قائلاً بسعادة: أهي دي أحلى حاجة.
نيهال بحزن: بقي كده يا جدي؟ القهوة بتستناها أكتر مني؟ أنا كده أزعل.
الجد مقبلاً خد نيهال قائلاً: أنا ليا غيرك يا حبيبة جدك عاد؟
يقاطعهما طرق الباب مرة أخرى.
طق طق.
الجد: ادخل.
يدخل ابنه الأكبر وعم نيهال، بهيبته الشديدة وسلطته. يرتدي جلبابه الأسود والعباءة البني، وبيده العصا الذهبية.
عند رؤيته نيهال، يمتلئ وجهه بالغضب.
قائلاً: صباح الخير يا بوي.
الاب بحزم شديد: صباح النور يا ولدي.
تنهض نيهال قائلة بوقار: صباح الخير يا عمي.
العم بوجه غاضب وجواب متعصب: صباح الخير.
الجد: بتكلمي بت أخوك كده ليه يا صابر؟
صابر بغضب: يرضيك يا بوي الست بت ولدك تمشي العمال اللي في الأرض وتروح تجيب عمال غيرهم من غير حتى ما تشاور أصحاب الملك؟
الوالد بغضب: وهي كماني من أصحاب الملك يا صابر؟ ولا ليك رأي تاني؟
نيهال: تسمح لي أتكلم يا جدي؟
الجد بابتسامة: من حقك يا بتي تتكلمي. قولي اللي عايزاه.
نيهال: أنا يا عمي حصل إني طردت العمال اللي جابهم بس ده بعد ما روحت أطمن على الأرض ولقيتهم نايمين في الأرض بدون أي احترام. ولما قلت لهم إن الوقت ضاق بينا ولازم تخلصوا شغل في الأرض بأسرع وقت، ما اهتموش لكلامي واصل. وكان لازم أطردهم لأنهم مش حافظين الأمانة.
العم بوجه غاضب: وإنتي ليه بتروحي الأرض من الأساس؟ ليكي أي فيها؟ إحنا ما عندناش نسوان تخرج وتشتغل في الأرض.
ينهض الجد قائلاً بغضب: صابر! الأرض دي أرض نيهال وأبوها الله يرحمه. ومش عيب إن الإنسان يراعي مصالحه حتى لو بنيه. روح إنت شوف أرضك وحالك وشوف أولادك الرجالة اللي لحد دلوقتي ما يعرفوش أرض جدهم فين.
ينظر إليهما صابر بغضب شديد، مغادراً الغرفة بكل غضب.
نيهال: ليه كده بس يا جدي؟
الجد: اسكتي إنتي يا بتي، إنتي ما تعرفيش حاجة واصل. عمك صابر إني بس اللي حافظاه صم، عارف إيه بيدور في عجلة رشاد الله يرحمه هو اللي كان فاهمني صح ويحبني قوي. بس الجد حرمني منه وحرمك منه إنتي كمان يا بت الغالي.
نيهال بدموع أليمة: ربنا يرحمهم يا جدي.
الجد يقترب من نيهال، يربت على كتفها قائلاً بحنان: وإنتي يا بتي، ما ترديش على عمك واصل. ده أرضك وأملاكك، تقدري تعملي فيها اللي عايزاه. محدش ليه حاجة عندك. تقدري تنهي وتأمرى كيف ما إنتي عايزة.
نيهال تقبل يد جدها بحنان قائلة: ربنا يخليك ليا يا جدي. إني هروح أشوف عالأرض، عاوز مني حاجة أعملهالك؟
الجد بابتسامة: تسلميلي يا بت الغالي. ربنا يحفظك.
غرفة خاصة بأولاد صابر.
يدخل صابر الغرفة بوجه ملئ بالغضب والحقد والشر. يجد أحد أولاده نائماً على فراشه بنعاس شديد.
صابر بغضب: ريان قوم!
ريان ريان.
ولكن ريان مستسلم لنومه العميق.
الاب بغضب وهو يضربه على كتفه صارخاً: إنت يا جبلة!
ريان بنعاس: أبوي.
ثم ينهض معتدلاً في فراشه: خير يا بوي؟
صابر بغضب: إنت هتفضل لحد إمتى نايم إنت وأخوك النطع ده؟ قوموا بصوا على مصالحنا وأراضينا. شوفوا بت رشاد عاملة إيه ومسوية إيه. حتة بت مسوية الهوايل. وأنا معايا تلات رجالة نايمين كيف الحريم. يا خسارة.
ريان بتافف: في إيه بس يا با؟
تدخل والدتهم من الخلف، زوجة صابر، قائلة بهدوء: في إيه بس يا خوي؟ بتزعق ليه كده؟
صابر بغضب: أولادك نايمين وبت رشاد هتروح عالأرض؟
عفاف: وماله، مش ليها ملك وحقها؟
صابر بغضب: بقولك إيه؟ اسكتي خالص كده. أنا مش عايز الضغط يعلى عليا.
ثم ينظر إلى ريان قائلاً: وإنت فز قامت قيامتك.
الاب بغضب: لو عاصم كان موجود كان سوى الهوايل دلوقتي.
ينهض ريان من فراشه قائلاً بغضب: عاصم عاصم عاصم. كان هيعمل إيه يعني؟
عفاف بابتسامة: ربنا يرجعه بالسلامة. اتوحشته قوي.
الاب بغضب: اتكلم عن أخوك عدل يا واد.
يقاطعهما طرق الباب.
طق طق.
صابر: ادخل.
تدخل الخادمة بوجه محني، قائلة: سيدي عاصم بيه على التليفون وعايز يكلم جنابك.
صابر بابتسامة واسعة: ولدي عاصم.
تركض عفاف أيضاً مسرعة قائلة: ولدي.
ثم يغادر الغرفة بخطوات مسرعة.
ريان بغضب: عاصم تاني.
صابر يمسك بسماعة الهاتف قائلاً: عاصم ولدي، كيفك؟ راجع متى يا ولدي؟ خمس سنين يا ولدي. اتوحشتك.
ثم تحدثه والدته قائلة: ولدي. اتوحشتك قوي يا ولدي. كيفك يا ضناي؟ إحنا بخير جوي. المهم إنت يا ولدي كيفك؟ وجدك وخواتك عال العال.
من الخلف مجدي، شقيقهم الأصغر: أديني أكلمه يا ما.
الام بابتسامة: خد أخوك مجدي عايز يكلمك.
مجدي واضعاً السماعة على أذنيه قائلاً بابتسامة واسعة: أخوي، كيفك؟ اتوحشتك يا ولد أبوي. راجع متى؟ أومال قريب فرحتني قوي. ربنا يرجعك بالسلامة يا خوي.
ريان في أوضته: حاضر، هقوله إنك سألت عنيه.
بعد منتصف الليل وسكون القصر.
كانت نيهال تنام بغرفتها وعلى فراشها. كان وجهها ملئ بالعرق والخوف. تضرب برأسها يميناً ويساراً لترى كابوس كل يوم.
الكابوس.
كانت نيهال في الخامسة عشر من عمرها. والدها يقف أمامها بابتسامة واسعة قائلاً: هتعوزي حاجة من مصر يا بتي؟ أي شيء نفسك فيه شاوري عليه وأنا أجبهولك على طول، حتى لو كان لبن العصفور.
نيهال تقبل يد والدها قائلة: ربنا يخليك ليا يا بوي. ما تعوقش عليا.
الاب يضمها بحنان: لا إن شاء الله مش هعوق واصل يا بني. ادعيلي عشان إني حاسس إني مهمل روحي وقلبي.
أنهى من الخلف، تضمها والدتها قائلة: بتي، إحنا مش هنعوق عليكي، بس هنروح نقضي مصلحة ونيجي على طول.
نيهال: حتى إنتي يا ما مسافرة؟
الام بحزن: معلش يا بتي، أوامر جدك.
الجد من الخلف: بقولك إيه، بإرشاد يا ولدي. زي ما قلت لك، خلصوا العقود والأوراق وجهزوها بالشهر العقاري وارجعوا طوالي.
رشاد: حاضر يا بوي، بس خلي بالك مني نيهال.
الجد يضم نيهال قائلاً: هتوصيني على روحي عاد؟
وفجأة يسافر الاب لتنقلب به السيارة، هو وزوجته، ويموت الاب أثر حادث بشع، تاركاً ابنته وحيدة بين الذئاب.
تقوم نيهال فزعة من نومها، وجهها ملئ بالعرق.
"أبوي!"
يدخل جدها الحبيب فجأة، يشعل الضوء. يحتضن نيهال بحضنه قائلاً بحنان: مالك يا بتي؟ عاصخي ليه عاد؟ برضك كابوس بتاع كل يوم؟
نيهال بدموع: أيوه يا جدي.
يربت جدها على شعرها بحنان: متخافيش يا بتي واصل، أنا جنبك. سامحيني يا بتي إني السبب. مكنش لازم أقوله يسافروا. مكنتش عارف إن ده كله هيحصل.
نيهال: ربنا يخليك ليا يا جدي. ده قدر ومكتوب يا جدي.
صباح يوم جديد.
على طاولة الإفطار.
يجلس على رأس السفرة، الكبير. على الجانب الأيمن، صابر. بجواره ريان. بجواره مجدي. الجانب الآخر، نيهال وبجوارها عفاف.
الكل يتناول وجبة الإفطار.
نيهال ترى فنجان القهوة المفضل. قائلة: جدي، هتحتاج حاجة مني؟ أنا رايحة عالأرض.
العم: وليه تتعبي روحك يا بت أخوي؟ خليكي إنتي هنا وريان ومجدي يروحوا عالأرض.
عفاف: وماله بس يا أبو عاصم؟ خليها تشم هوا على الأقل.
صابر بغضب: اسكتي إنتي يا عفاف.
الجد: وماله لما تشوف مصالح جدها يا صابر. سيب نيهال على راحتها.
صابر بغضب: على كيفك يا بوي. قوم يا ريان روح مع بت عمك، متهملهاش لحالها.
ينهض ريان بابتسامة واسعة قائلاً: تحت أمرك يا بوي.
ثم تغادر نيهال القصر وخلفها ريان.
صابر: أبوي، أنا مش عاجبني جلعك للبنت دي. جلعتها جوي.
عفاف مقاطعة حوارهما: وفين الجلع ده يا صابر؟ دي بت من صباحية ربنا بتروح الأرض، ما بترجعش غير آخر النهار هلكانة يا عيني.
الجد: قوليلها يا عفاف. وماله لما أجملها؟ إنت نسيت إنها يتيمة واتحرمت من أبوها وأمها؟ وإنت إيه مزعلك عاد؟ ما إنت أولادك رجالة بشنبات ومجلعهم قوي. لكن هي بتروح عالأرض وتراعي المصالح، وجاية بشغل عشر رجالة في بعض. تبقى كده هي المجلعة ولا أولادك المجلعين؟
ثم ينهض الجد متحملاً على العصا، مغادراً الطاولة.
صابر بتافف بغضب شديد من رد فعل والده الصارم معه ودفاعه عن نيهال بهذا الشكل، قائلاً: وإنتي بتكلمي ليه؟ بتدافعي عنها كده ليه؟
عفاف: يوووه، مش هي دي الحقيقة عاد. إنت محمل على البت قوي ومش طايقها. البت يتيمة، عاملها كيف بتك.
ينهض صابر قائلاً بغضب: إني ما عنديش بنات.
الأرض.
كانت نيهال تسير بين الخضرة والزرع وهي تتفحص بعض الأعمال. كانت ترتدي قميص أزرق وبنطال جينز وكوتشي أبيض، وأيضاً كاب على الرأس أبيض.
ريان من الخلف: نيهال، إني كنت عايز أتكلم معاكي كلمتين.
نيهال بعدم اهتمام: اتفضل يا ريان.
ريان يقترب من نيهال محاولاً مسك يدها. ولكن نيهال تبتعد عنه قائلة بغضب: ريان، إنت اتجننت؟ كيف تتجرأ تمسك يدي؟
ريان: سامحيني بس إني جوايا نار من ناحيتك وإنتي مش حاسة بيها واصل.
و... تقاطعه نيهال قائلة بغضب: اتجننت عاد؟ إيه اللي بتقوله ده؟ إنت لولا إنك ابن عمي، إني كنت هتصرف معاك تصرف تاني. عن إذنك.
ثم تغادر المكان فوراً، بوجه ملئ بالغضب.
بعد انتهاء يوم شاق متعب.
القصر.
تعود نيهال من عملها اليومي الشاق وهي تلهث من شدة الإرهاق. تلقي بجسدها على المقعد محاولة تنفس بعض الهواء النقي.
ثم تحمل الكاب من على شعرها الناعم.
ثم تنهض فوراً، تتصدم بشخص عريض المنكبين، أبيض البشرة، عسلي الأعين، له لحية خفيفة جداً. يتميز بشعراته الطويلة الناعمة السوداء. يرتدي بدلة سوداء وتحتها قميص أبيض، بنطال جينز أزرق وكوتشي أبيض.
نيهال بخوف: إيه ده؟
عاصم: مش تحاسب يا أخ.
نيهال بغضب: أخ إيه؟ أخ دي يا فندي؟ شايفني ليا شنب ولا إيه؟
عاصم بابتسامة خفيفة: يا خربيتك. أوعى تكوني نيهال؟
نيهال بذهول: وإنت تعرفني منين عاد؟
عاصم بابتسامة واسعة: إنت نسيتني؟ أنا عاصم ابن عمك.
نيهال تبتعد عنه قائلة بنبرة حزن: عاصم.
رواية العاصم الفصل الثاني 2 - بقلم أم حورية
نيهال بذهول: وانت تعرفني منين عاد؟
عاصم بابتسامة واسعة: انت نسيتني؟ أنا عاصم ابن عمك.
نيهال تبتعد عنه قائلة بنبرة حزن: عاصم.
عاصم بابتسامة: آه عاصم.
ثم تتعالى ضحكته الساخرة قائلاً: إيه يابنتي اللي عملاه في نفسك ده؟
نيهال بغضب: وماله شكلي؟
عاصم محاولاً تماسك نفسه: أبداً. ناقصك شنب وتبقي شبهي.
نيهال وبكل غضب تجز على أسنانها وتغادر المكان على الفور متجهة نحو المصعد قبل أن يتملكها الغضب والعصبية.
عاصم: هي شكلها زعلت ولا إيه؟
تدخل نيهال غرفتها وتغلق الباب خلفها بكل قسوة. تجلس على الفراش بحزن شديد وتلقي بالكاب أرضاً من شدة الغضب. تنزل عبراتها على وجنتيها بحزن شديد متذكرة ماضيها المؤلم.
***
كانت نيهال بعمرها الثامن عشر. كانت جميلة، نقية، بريئة.
في ظلام الليل وسكونه، نيهال تجلس على المصعد الخارجي للقصر وكأنها تنتظر شخصاً ما.
فجأة يعود عاصم من الخارج لينصدم بـ نيهال تجلس وحيدة بالمصعد.
عاصم بذهول: نيهال! إيه مقعدك لحد دلوقتي؟
تنهض نيهال قائلة بتعلثم: أبداً أنا... أنا...
عاصم: في حاجة؟
تستدير نيهال قائلة بدهشة: لا، أنا هدخل أنام.
عاصم: استني.
تنظر إليه نيهال بتعلثم وخوف. وفجأة يقاطع حوارهما رنين الهاتف.
عاصم بابتسامة: ألووو حبيبتي. عاملة إيه ياقلبي؟
وفجأة تتغير ملامح نيهال لألم شديد وحزن.
عاصم: وحشتيني أوي.
(لم تسمع التليفون لسه، هنام)
ماشي ياقلبي، تصبحي على خير.
بعد انتهائه من المكالمة ينظر إلى نيهال قائلاً: إيه مالك يابنتي؟
نيهال: مين اللي بتكلمك دي؟
عاصم بابتسامة: هو ده الموضوع اللي كنت عايز أكلمك فيه. إنت عارفة إنك زي أختي بالظبط ومليش غيرك ممكن يفهمني. هنا دي جنا زميلتي في الكلية، بنحب بعض وكنت عايز أخطبها بس بابا ممكن يرفض لأنها من القاهرة وكده. كنت عايزك انتي تقنعيه.
وأنا معاكي.
وفجأة تقع عينا عاصم على عيني نيهال، يجدها دامعة بغزارة. الدموع تنزل على وجنتيها بقوة.
عاصم: نيهال بتعيطي ليه؟ أنا قولت حاجة زعلتك؟
ولكن تتركه نيهال متجهة داخل القصر بخطوات مسرعة.
عاصم بدهشة: هي مالها؟ في إيه بالظبط؟
***
تعود نيهال من ذكرياتها المؤلمة الدفينة. تجد جدها الحبيب يقف ينظر إليها بدقة.
تنهض نيهال بفزع: جدي! اتفضل ادخل. إيه موقفك كده؟
يدخل الجد ويجلس على الفراش ماسحاً عبراتها المؤلمة قائلاً: جيت عشانك يابتي.
نيهال تحاول إخفاء دموعها قائلة: عشاني أنا؟
الجد: إنتي فاكرني راجل كبير بالسن مش عارف حاجة واصل؟ لا، أنا فاهم كل حاجة يابت ولدي الغالي، وعارف دموعك دي سببها إيه.
تنهض نيهال بخوف.
ينهض الجد قائلاً: إنتي يابتي تستاهلي كل خير، وألف واحد يتمناك.
نيهال بخجل: أنت تقصد إيه ياجدي بحديثك ده؟
الجد بابتسامة صريحة: إني عارف من زمان قوي إنك بتحبي عاصم ولد عمك.
نيهال بنفي شديد: لا لا ياجدي الكلام ده مش صح.
الجد يربت على كتف نيهال قائلاً: لا صح يابت ولدي. ولو داريتي على الناس كلها، أنا لا. ده أنا جدك، الأمر بيكي بين يدي... وعارف كل اللي بتدور في دماغك كله. والحب مش عيب يابنيتي.
تلقي نيهال بنفسها بين أحضان جدها ببكاء شديد.
الجد بحنان: متعيطيش يابنيتي، دموعك غالية عليا قوي. وعاصم ده ولد أكابر ومتربي صح، بس مينفعكيش يابتي.
تنظر نيهال إلى جدها قائلة بجدية: عندك حق ياجدي. بس أنا خلاص بقيت كل تفكيري وعقلي في الشغل والأرض، ومبقاش قلبي خالي للحواديت دي واصل. إني اتعلمت ودخلت كلية ذراعة مخصوص عشان أكمل أبويا الله يرحمه سابه وهمله. ومش معنى إنه مجابش الولد إني هخيب ظنه. لا، أنا هعمل المستحيل عشان أرضك ياجدي تكون أحسن أرض في الصعيد كله.
الجد بابتسامة واسعة: ربنا يرضى عنيكي يابتي. يلا عاد، الكل مستني على العشا. تعال اجعد جنبي.
نيهال تهز رأسها بالموافقة مغادرين الغرفة.
***
يجلس الجميع على السفرة. الجانب الأيمن صابر وبجواره ابناه الاثنان، ريان ومجدي.
يجلس الجد على رأس السفرة وبجانبه نيهال. ينظر إليهما صابر بغضب شديد وحقد.
الجد: فين عاصم ياصابر؟ مش هييجي ياكل ويانا ولا إيه عاد؟
وبالفعل يأتي عاصم بضحكته الطفولية قائلاً: أنا جيت ياجدي العزيز.
الجد بابتسامة: نورت بيتك ياولدي. تعال اجعد ويانا.
عاصم بابتسامته: أنا هقعد جنب بنت عمي.
تنظر إليه نيهال بذهول.
ينظر إليها عاصم قائلاً: إيه عندك مانع؟
الجد بضحكة صاخبة: لا ياولدي، نيهال بنت عمك بتعزكم كلكم قوي.
عاصم: وأنا متأكد طبعاً.
صابر برد حازم: كان زمان ياأبوي. دلوقتي محدش بيعز حد واصل. كله بيجول يالا نفسي.
الجد بغضب: إلا نيهال بنت أخوك ياصابر. ممكن أنت صح، بس هي لأ.
عاصم: في إيه ياجماعة؟ صلوا على النبي كده.
تنهض نيهال والحزن يملئ عينيها قائلة: عن إذنك ياجدي.
الجد: رايحة فين يابتي؟ مش هتكملي وكلك؟
نيهال: لا، أنا تعبانة. هروح أنام.
ثم تقبل يد جدها وجبينه قائلة: تصبح على خير.
وعيناها معلقة على عاصم الذي لا يعطي لها أي اهتمام. تستدير مغادرة السفرة على الفور.
ينظر الجد إلى صابر قائلاً: عاجبك كده؟ مش هتبطل كلامك الأذى ده ياصابر؟ كل يوم تسد نفس بنت أخوك عن الأكل. أنا مش عارف إنت بتكرهها ليه.
صابر: أنا لا بكرهها ولا بحبها.
عاصم: متزعلش نفسك ياجدي. بابا ميقصدش.
صابر بغضب: لا أقصد.
ينهض الجد متكئاً على العصا قائلاً: أنا مهملك السفرة كلها وماشي.
ينهض عاصم محاولاً مسك يد جده ولكن الجد يغادر بغضب.
عاصم: في إيه بس يابابا؟
صابر: إنت مش فاهم حاجة واصل ياولدي. أنا عايزك يا عاصم تكون في ضهري، عايزك تكون سندي. محتاجلك قوي. إخواتك دول مش فاهمين حاجة واصل.
عاصم: أنا تحت أمرك يابابا طبعاً. بس أبوس إيدك روح لجدي وبوس إيده.
صابر: حاضر ياولدي.
***
تجلس نيهال بفراشها حزينة، صامتة. فهي تظهر قوتها أمام الجد العجوز، ولكنها أضعف شخص وأضعف قلب.
فجأة يطرق الباب. طق طق.
تحاول نيهال تتصنع القوة قائلة: ادخل ياجدي.
ولكن يحدث ما لم تتوقعه. فجأة يدخل عاصم بابتسامته الواسعة ومرحه قائلاً: ومش مسموح غير جدي بس اللي يدخل.
تنهض نيهال بذهول وخجل قائلة: عاصم.
يدخل عاصم قائلاً: آه ياستي، عاصم. ها، مالك بقى زعلانة؟
تستدير نيهال قائلة: زعلانة من إيه؟
عاصم يقف أمامها قائلاً: لزعلانة وشكله كمان من بابا. متزعليش منه، هو جائز عشان مصلحتك بس.
تنظر نيهال إلى عينيه الضاحكة بقوة، تسرح قليلاً في ملامحه الجميلة. وفجأة تفيق على الماضي المؤلم. تختفي تلك الابتسامة، متصنعة القوة قائلة: أنا مش زعلانة من حد. حتى لو زعلانة، إنت مالكش دخل. أنا ما طلبتش رأيك في أموري، وأنا أعرف كويس أصلح أي حاجة تعباني.
عاصم: إنتي بتتكلمي كده ليه؟ أنا جيت بس...
تقاطعه نيهال قائلة: مفيش داعي.
عاصم بغضب: واضح إنك اتغيرتي فعلاً وبقيتي شخص أناني وعصبي. أنا كنت فاكر إنك إنتي نيهال اللي سبتها تضحك وتهزر وبتعتبرني أخوها. بس شكلي كنت غلطان، ودي آخر مرة ههدي لك فيها.
ثم يغادر الغرفة على الفور والغضب يملأ وجهه.
تجلس نيهال على فراشها وتبدأ دموعها تأخذ مكاناً وتنزل على وجنتيها بغزارة.
***
صباح يوم جديد. تملأ الشمس بنورها المكان، ويبدأ المنبه يرن حتى يوقظ جميع من بالقصر.
الأرض... نيهال تمارس عملها بالأرض والإشراف على العمال. ترتدي قميصها الأحمر، بنطال جينز أزرق، كوتشي، كاب أحمر.
نيهال لأحد العمال: أيوا كده تماماً. هموا بقى يا جماعة. الشمس لحست دماغي.
فجأة يأتي عاصم وهو ينظر إلى الأرض بدقة.
نيهال بذهول: إيه جابه ده هنا؟
أحد العمال: عاصم بيه، حمد الله على السلامة. نورت الأرض والبلد كلها.
عاصم بابتسامة: منورة بيك ياراجل ياطيب. إيه الأخبار الشغل؟
العامل: عال العال يابيه. أجيب لحضرتك كرسي تقعد؟
عاصم: ماشي.
يغادر العامل مسرعاً قائلاً: هوا.
ثم ينظر إلى نيهال التي تحدق به بشدة، قم تتهرب عيناها من نظراته.
عاصم بتجاهل شديد: لها.
يرن هاتفه المحمول.
عاصم بابتسامة واسعة: ألوو حبيبتي، عاملة إيه؟
تنظر إليه نيهال بغضب شديد، محاولة إخفاء تلك الغيرة القاتلة.
عاصم: لسه مفتحتش بابا؟ معلش، هفاتها خلاص. ماشي ياقلبي.
من جهة أخرى، نيهال تحاول تظهر عدم اهتمامها. ولكن هل تستطيع؟
وفجأة يأتي شاب على خيل أبيض، وهو ربيع ابن العمدة.
ربيع على خيله الأبيض ينظر إلى نيهال بحدة قائلاً: صباح الأنوار.
نيهال بغضب: يا صباح الزفت فوق دماغك. إنت واقف في أرضي بتعمل إيه عاد؟
ربيع: وليه الغلط ده عاد؟ أنا بتكلم زين أهو.
نيهال بصراخ وغضب: ولسه الغلط جاي. واقف وراي وبكل قلة أدب بتصبح.
ينزل ربيع من على الخيل قائلاً: الله ما طولك ياروح.
وفجأة يسمع تلك الشجار عاصم قائلاً: حبيبتي، طب باي دلوقتي، هكلمك تاني.
وبعد انتهاء من محادثته يتجه مسرعاً إلى نيهال قائلاً: إيه في إيه؟
ربيع بابتسامة واسعة: عاصم جيت ميتة. حمد الله على سلامة.
عاصم يعانقه بابتسامته الواسعة قائلاً: ربيع! ياخربيتك وحشني. يالا.
تنظر إليهما نيهال والغضب يمزق حشاءها.
ربيع: ماتشوف يا عم بت عمك، دوب بجولها صباح الخير بهدلتني.
نيهال بغضب: وممكن أخليك أهنه كفته لحد الأرض. محدش يدخل أهنه. سمعت يابن العمده؟
عاصم بغضب: نيهال! الزمي حدودك واحترمي إني واقف وربيع صاحبي.
نيهال بغضب: صاحبك بره مش هنا.
عاصم بغضب: بقي كده؟ إحنا غلطانين أساساً إن سيبناكي تخرجي براحتك. ومن دلوقتي ورايح مفيش خروج من القصر. والأرض أنا هلاحظها.
نيهال بغضب: ومن بقى هينفذ الكلام ده؟ وإنت كمان إيه دخلك في الأرض يابتاع بلاد بره؟
عاصم يجذب يدها بالقوة قائلاً بغضب: امشي قدامي عالبيت. وأنا هعرفك بتاع بلاد بره ده هيعمل إيه.
نيهال بغضب: سيب إيدي. مش رايحة مكان.
ربيع محاولاً فك الاشتباك قائلاً: عاصم، اهدى.
عاصم بغضب: ربيع، اخرج انت من الموضوع.
ثم يجذب ذراعها بالقوة، مغادراً الأرض.
ربيع بذهول: هو إيه الحكاية عاد؟
نيهال بصراخ: بجولك سيب إيدي.
عاصم: امشي قدامي. يالا.
ياترى إيه هيحصل بين عاصم و نيهال؟
رواية العاصم الفصل الثالث 3 - بقلم أم حورية
وبعد شجار واشتباك عنيف بين عاصم ونهال عادوا إلى القصر وهو يجذب يد نهال بغضب.
عاصم بصراخ: ادخلي.
نهال تجز على أسنانها غضبًا قائلة: أنت اتجننت عاد؟ كيف تتجرأ تمسك يدي وتجرني؟ كيف البهيمة وراك؟ أنت نسيت نفسك ولا إيه؟
عاصم يرفع إصبعه بوجه نهال قائلاً بغضب: بقولك إيه، متنرفزنيش. أنتِ اللي اضطرتيني لكده. وأنتِ اللي نسيتي نفسك. إذا كنت سمحت لك تروحي الأرض، فده شيء عادي. لكن إزاي تحرجيني قدام ربيع ابن العمدة وترفعي صوتك عليا؟ لا مش موافق على الهمجية دي.
نهال بغضب: وأنا أسلوبي كده وطريقتي كده... إذا كان عاجبك ولا لأ.
فجأة تأتي عفاف، والدة عاصم، محاولة فك هذا الصراع قائلة: في إيه يا أولاد عاد؟
عاصم وبكل غضب يمسك ذراعها بقوة، حتى تقترب منه نهال لتتصادم الأعين بعضهما البعض. ينظر عاصم إلى عيني نهال بقوة، فياترى ماذا أصابه؟ سحر؟ أم غموض؟ أم عشق؟
أيضًا نهال تنظر إليه بحدة، تشعر بقشعريرة قوية تجاه هذا القرب العنيف من عاصم. دقات قلبها تتسارع. لم تتمالك أنفاسها.
يظل عاصم ينظر إليها بحدة حتى تفيق نهال من هذه الأحلام الوردية صارخًا: ابعد عني بقولك إيه، كنت اتجننت عاد؟
عاصم بغضب: أنتِ لسه شوفتي جنان؟ دانا هوريكي الجنان أشكال وألوان.
عفاف تضم نهال قائلة بحنان: نهال يا بنتي كفاية عشان خاطري.
نهال بغضب: وأنا مبخافش من حد واصل. ثم تنظر إلى زوجة عمها قائلة: حاضر متزعليش مني يا مرات عمي.
عاصم بسخرية: ومن إمتى يا بنتي الأدب ده؟
نهال بغضب: بقولك إيه، ألزم حدودك عاد.
وفجأة يوقف هذا الشجار صوت عمها ووالد عاصم قائلاً بغضب: بت رشاد.
تنظر إليه نهال بدهشة وصمت. وخوف أمامها أسد مسعور، عيناه لاهبتان حاقدتان، مشتعلتان قائلاً بغضب: كيف تتجرأي تعلي صوتك على ولد عمك؟ هملناكي على هواكي لحد ما بقيتي محدش مالي عينك يا بت رشاد.
نهال: أنا معملتش حاجة واصل يا عمي.
فجأة يقاطع حديثها صفعة قوية على خدها الأيمن. أخرست. تملأ الدموع وجهها بغزارة. تلقي نفسها بأحضان مرات العم الحنونة.
عفاف بغضب: ليه أكده يا صابر؟ هي معملتش حاجة واصل.
يقف أمامها عاصم بحزن شديد قائلاً لأبيه: لا يا بابا. ثم ينظر إلى عيني نهال الباكيتين قائلاً بحزن: ليه يا بابا كده؟ بيني وبين نهال إحنا نصلحها.
نهال تركض مسرعة باكية إلى غرفتها.
خلفها عفاف: استني يا بنتي.
العم بغضب: أنت بتقول إيه يا عاصم؟ بينك وبينها إيه عاد؟ أنت أغلى حاجة عندي وهي كان لازم تتربي من زمان وأنا هربيها.
عاصم: بس هي يا بابا معملتش حاجة لكده كله. الموضوع بسيط.
الأب بغضب: اسكت أنت مفهمش حاجة واصل.
عاصم ينظر نحو المصعد بصمت شديد.
غرفة الصالون.
يجلس صابر على المقعد قائلاً بابتسامة: براوة عليك يا حبيب أبوك. كان لازم البت دي تلزم حدودها. كنت خابر زين إنك أنت بس اللي تهدر عليها.
عاصم من جهة أخرى وجواب حزين: يا بابا أنا مكنش قصدي أهين نهال أبداً. نهال بنت عمي رشاد الله يرحمه وزي أختي بالظبط.
الأب: يا ولدي أنت مفهمش حاجة واصل. دي ميه من تحت القبة. بترسم وتخطط وتضحك على جدك المسكين عشان يكتب لها كل حاجة.
عاصم بذهول: معقولة؟
الأب: أيوه يا ولدي. علشان كده أنا محتاجك تقف في ظهري.
عاصم بتردد وخوف: بابا بصراحة... أنا كنت عايزك في موضوع.
الأب: موضوع إيه يا ولدي؟ قول.
عاصم: أنا مس هقدر أعيش هنا. أنا مش متعود على جو الصعيد ده. أنا هسافر القاهرة. هفتح شركة هناك. وكمان فيه واحدة أنا بحبها وهتجوزها وهنستقر هناك بقى.
ينصت إليه الأب بعدم استيعاب. لم يصدق ما يسمعه من فم ابنه الأكبر.
ينهض صابر قائلاً: إيه اللي بتقوله ده يا عاصم؟ بتيجي إني مستنيك تقوم تهملني وتمشي؟
ينهض عاصم قائلاً: يابا افهمني. أنا مش هقدر أعيش هنا. وكمان البنت اللي بحبها مش هتوافق تعيش هنا.
الأب بغضب: ما تتحرجي ولا تغور في داهية. اتلمت عليها منين دي؟ اللي تخليك تهمل أبوك وبيتك وأرضك عشانها؟
عاصم: أهدي يا بابا. أنا مس هسيبك. وقت ما هتحتاجني هتلاقيني.
الأب بنظرة حزن: يا خسارة يا عاصم. يا خسارة يا ولدي. خيبت ظني فيك.
عاصم: يابابا... بابا استنى. اسمعني.
ولكن بتجاهل شديد يغادر الأب من شدة الغضب الغرفة.
عاصم: أعمل إيه بس؟
بعد مرور يومان.
كانت نهال تباشر بعض الأعمال بالأرض ورعايتها. كانت ترتدي قميص أزرق وبنطال جينز وكاب أزرق.
نهال لأحد العمال: آه الشغل تمام يا رجالة. الغداء النهارده على حسابي. هيجيب لكم من القصر مخصوص.
العامل: يجعله عامر يا ست الكل.
بينما تقترب سيارة حمراء بداخلها فتاة قاهرية جميلة، ذات بشرة قمحية، شعيرات بنية ناعمة. كانت ترتدي تي شيرت عاري الأكتاف باللون الأحمر، بنطال جينز، كوتشي أحمر. تقترب السيارة من نهال.
نهال بغضب: بس وقف... وقف. وقفي. أنتِ إزاي تدخلي الأرض بالعربية كده؟ أنتِ فكراها طريق صحراوي؟
تخرج الفتاة رأسها من نافذة السيارة قائلة: أنت بتتكلم كده ليه يا بتاع إنت؟
نهال بغضب: بتاع إني بتاع؟ طب اخرجي عاد من الأرض دلوقتي بدل ما أخلي ليلتك طين.
الفتاة بغضب: ليلتي إيه؟ أنت مش عارف أنا مين؟ أنا ممكن أضيعك.
تخرج الفتاة من السيارة بوجه مليء بالشر صارخة: ها وريني هتعملي إيه؟
أحد العمال: يا ست نهال، إحنا خلصنا شغل.
الفتاة بابتسامة ساخرة: نهال؟ أنتِ بنت زينا؟
نهال: آه. عندك مانع؟
الفتاة بضحكة ساخرة: هههههه. كنت فاكرة إنك راجل. أنتِ مش شايفة منظرك عامل إزاي؟
نهال تجز على أسنانها غضبًا قائلة: طب اخفي من قدامي عشان هولع فيكي.
عاصم قادمًا من بعده وخلفه أخيه الأصغر مجدي. عاصم يسمع هذا الشجار العنيف قائلاً: إيه ده؟ جنا؟
متجهًا إليهما بخطوات مسرعة.
الفتاة تدخل في أحضانه بدون أي خجل قائلة: عاصم حبيبي.
عاصم بخجل: احم. جنا. أنتِ جيتي هنا إزاي؟ مش قولتلك متجيش.
جنا متصنعة الحزن: أنت وحشتني أوي. شفت يا حبيبي أنا اتبهدلت إزاي؟ البتاعة دي بهدلتني وشتمتني. يرضيك كده؟ مهما كان أنا ضيفة هنا.
مجدي بدهشة: مين دي يا عاصم؟ كيف تتحدث كده على بنت عمنا؟ دي مش بتاعها دي بنت عمنا وكيف أختي. أنتِ إزاي تقولي عليها بتاعة؟
جنا بغضب: وأنت مين كمان؟
عاصم: ده مجدي أخوي. ودي نهال بنت عمي.
جنا بسخرية: دي بنت عمك؟ قول ابن عمك. ماهي زي الراجل.
نهال بغضب: اسمعي لو اتكلمتي كلمة تاني. هدفنك هنا.
جنا تختبئ خلف عاصم قائلة بخوف: ياما. شفت يا عاصم.
عاصم بغضب: يا جماعة بس بقى. الناس بتتفرج علينا. تعالي يا جنا معايا.
جنا: أوك. يلا.
يجذبها عاصم من يدها. جنا بنظرات غضب إلى نهال قائلة: يلا يا حبيبي. المكان هنا مقرف أوي.
يظل بالمكان مجدي ونهال.
كيف بتقول يا قمر أن حبك هيزول؟
ده اللي دم بقى ميه. حبك موجود قدامي وحاليًا وفي أحلامي.
إن قولت منامشي تجيني في أفكاري.
إن قولت نسيتك... دي كذبة بصبر بيها قلبي وأحزاني.
جات غيري سكنت حضنك.
جات غيري مسكت إيدك.
جت غيري امتلكت قلبك.
وأنا مين يصبر قلبي وعنيا؟
مش عايزة أشوفك معاها وعنيك في عينيا.
ده كان إحساس نهال بقربه من جنا. شعرت بسكين حاد تمزق أحشاءها. حقًا أيها الحب إنك عذاب.
مجدي: متزعليش يا نهال.
نهال بحزن: هزعل ليه؟ كانت تحاول بكل الطرق إخفاء دموعها. إخفاء ضعفها أيضًا. إخفاء حبها الكبير لعاصم.
القصر.
يدخل عاصم وخلفه جنا.
الصالون.
يجلس الجد على المقعد يرتشف القهوة. بجواره صابر، يتحدثون ببعض أمور الأرض.
يقف عاصم أمامهم ويده بيد جنا. وأيضًا تدخل نهال وخلفها مجدي. بعد هذا الصراع العنيف بينهم. تظل بمكانها. صامتة. تنصت إليهما.
جنا: هاي.
صابر بدهشة: مين دي يا ولدي؟
عاصم بتعلثم وتردد وخوف معًا: دي... جنا خطيبتي.
مجرد وقوع هذه الكلمة بآذان نهال. وكان خنجرًا حاد طعن بقلبها الصغير. تفقد وعيها تمامًا ويغمى عليها.
رواية العاصم الفصل الرابع 4 - بقلم أم حورية
عاصم بتعلثم وتردد وخوف معا:
دي جنا خطيبتي.
مجرد وقوع تللك الكلمه بآذان نيهال، كان خنجرا حادا طعن بقلبها الصغير. تفقدت وعيها تماما ويغمي عليها.
ينهض الچد بخوف علي حفيدته صارخا:
نيهال بتي.
صابر:
واااه اي حوصلها؟
مجدي بخوف محاولا افاقتها:
نيهال جومي يابت عمي.
عاصم:
نيهال.
ثم يحملها بين أحضانه ذاهبا الي غرفتها. وخلفه الجميع بخوف شديد. تقف جنا بمكانها بغضب شديد.
غرفه نيهال.
يدخل عاصم حاملا نيهال ثم يضعها علي الفراش بهدوء شديد. حتى تلتقي الأعين.
الچد يجلس بجوارها متكئا علي العصا قائلا بخوف:
جومي يابتي اي چرالك يابتي.
عاصم:
متقلقش ياجدي هي اكيد مرهقه من الشغل. عن اذنك.
مستديرا خارج الغرفه.
الچد يربت علي شعرها بحنان وصوت خافت:
لا ياولدي كل الا حوصل ده بسببك.
تدخل فجاه عفاف زوجه صابر بخوف شديد:
مالها ياعمي اي چرالها؟
الچد:
وجعت يابتي من طولها.
عفاف بحزن:
ياضناي يابتي.
الچد بغضب:
شفتي الاچايبها ولدك وبيجول أنها خطيبته.
عفاف بذهول:
خطيبته مين دي؟ اني كنت عاچة الوكل فالمطبخ.
الچد:
روحي شوفي خطيبه ولدك الغالي. خيبت ظني فيك ياعاصم.
عفاف:
انت متزعلش روحك ياعمي. واني هشوف اي الحكايه.
تستدير عفاف مغادره الغرفه عالفور.
الصالون.
كان صابر وعاصم يتحاورون.
عاصم بغضب:
بس انا بحبها وهتجوزها يابابا.
صابر بغضب:
يعني عتجوزها من وراي من غير رضاي؟
عاصم:
يابابا العفو. مقدرش لازم موافقتك ورضاك.
يجلس صابر بالمقعد قائلا:
خيبه ظني فيك ياولدي كسرت ظهري.
عاصم مقبلا يدي والده قائلا:
يابابا ولا عيشت ولا كونت. بس انا بحبها وهنسافر نكمل حياتنا في مصر. هنا مش مكاني.
صابر بحزن:
عتسيبني؟ ريان اخوك سافر جال أنه چاله شغل في شركه. مجدي لساته صغير. وانت كماني هتفوتني؟
عاصم بحيره:
مش عارف اقول اي.
صابر بعد تفكير:
شوف ياولدي انا هوافق علي چوازك من البت دي بس بشرط.
عاصم بابتسامه واسعه:
شرط اي؟
صابر:
تعملو خطوبه أهنه وتجعدوا معانا أهنه.
عاصم بحزن:
هنا بس متوقعش أن هي هتوافق.
صابر:
واه وانت مش راچل ولا اي حرمه تمشي كلمتها عليك؟ كمين لو موافقتش يبقي هي معتحبكش.
عاصم يهز راسه بالموافقه قائلا:
حاضر يابابا.
صابر بابتسامه واسعه:
أكده انت ولدي صوح.
تدخل فجاه والدته عفاف قائلا بنبره مسرعه:
عاصم اي الا انا سمعته. الحدبث ده صوح؟
عاصم يهز رأسه قائلا:
اه ياماما. انا خطبت وهتجوز.
عفاف بحزن:
واه ياولدي ده يوم المني عندي. بس بنات مصر مهينفعوش أهنه. راجع نفسك ياولدي.
صابر:
همليه علي راحته ياأم عاصم. الابيشيل جربه مخرومه بتخر علي رأسه.
بينما يقاطع حوارهما رنين الهاتف.
صابر:
الو. كيفك ياريان ياولدي. أكده ياولدي تهمل ابوك وتمشي؟
عفاف بسعاده:
اديني احدته دجيجه واحده.
صابر:
خد امك معاك.
عفاف بابتسامه واسعه:
كيفك ياضناي؟ عتاكل وتشرب وزين؟ احنا زنين. نهال زينه خالص. عايز تحدتها؟ هي مرضانه شوي. متتخضش ياولدي. هي زينه. خلي بالك من روحك ومتطولش ياولدي. اتوحشتك. مع السلامه.
صابر بغضب:
عيسال عليها ليه؟
عفاف:
واه مش بت عمه وكيف أخته؟
صابر:
انا مش عايز ولادي يجربو جوي من بت رشاد.
عاصم:
ليه يابابا دي نيهال طيبه اوي. هي صحيح لسانها متبري منها بزياده. بس طيبه.
عفاف:
جوله ياولدي.
صابر بغضب:
مش عايز حد يقولي حاجه. انا معحبهاشي وخلاص أكده.
بعد مرور يوم كامل.
علي طاوله الغداء. تجلس العائله الكريمه. الچد علي رأس السفره كالعاده. الجانب الأيمن يجلس صابر بجواره عاصم وامجد. الجانب الآخر عفاف وبجوارها نيهال. الكل يتناول وجبه الغداء بصمت.
نهال. ذات وجه صامت حزين غائب ذابل.
وفجاه تاني جنا. كانت ترتدي فستان قصير جدا فوق الركبتين لونه ابيض. ذات اقداما قمحيه نحيفه. عينان واسعتان عسليان. أنفا متوسطه. فم كبير. شعيرات بنيه ناعمه.
جنا:
هاي.
ينظر إليها الجميع بذهول لما ترتديه. وفجاه تقبل عاصم من وجنتيه قائلا:
حبيبي.
عاصم بخجل:
اقعدي.
تجلس جنا بالمقعد المجاور متناوله وجبه الغداء. الكل ينظر إليها بذهول.
جنا:
في حاجه ياجماعه؟ كلوا.
تنظر إليها نيهال بغضب وغيره قاتله.
ينهض الچد منزعجا متكئا علي العصا قائلا:
الحمدالله.
عفاف مسرعه خلفه:
هجبلك الجهوه ياعمي.
ينهض صابر ايضا قائلا:
واني كماني ياعفاف بسرعه بفنجان الجهوه.
بينما ينظر إلي عاصم قائلا:
ابقي فهم خطيبتك ياعاصم مينفعش تبوسك علي خدك أكده وسط اهلك. وان أهنأ عيب الكلام ده. وكماني تلبس حاجه حشمه شوي. أهنه عوايدنا غير عوايدهم.
عاصم يهز راسه بالموافقه ولكنه بخجل شديد. ثم يغادر عالفور.
يظل بالسفره فقط عاصم وجنا، و نيهال علي الطرف الآخر.
جنا مقتربه من أذن عاصم تهمسه ببعض الكلمات المرحه مما يجعل عاصم يضحك بقوه:
هههههههه.
جنا عيناها بأعين نيهال. ضاحكه.
نيهال تدعي عدم الاهتمام والتركيز بالطعام.
عاصم بابتسامه واسعه:
ياخربيتك دمك عسل.
جنا:
بجد ياحبيبي؟ امتي بقي نتجوز وتبقي مع بعض؟ وولا بلاش في ناس قاعده.
عاصم:
قريب اوي ياحبيبتي. وخلاص هنعيش سوا هنا. بابا قرر كده.
تقع تللك الجمله علي أذان نيهال كصاعقه كبرى. فكيف لقلبها الأليم أن يتحمل كل هذا العذاب؟ أنه يقيم مع زوجته معهما، وتراه دائما مع شخصا آخر. فكيف لتلك القلب الطفولي أن يتحمل بصمت.
تمسك نيهال الكوب الزجاجي بقوه دون أن تشعر. تضغط عليه بكل قوتها. وفجاه. ينكسر الكوب بين يديها. تسيل الدماء بغزاره.
عاصم بأنفاس مسرعه:
نيهال.
ينهض مسرعا يمسك يدها قائلا:
دم. مش تحاسبي.
نيهال بذهول:
انا مش عارفه عملت كده اذاي.
عاصم يمسك يدها بخوف شديد:
تعال معاي. هنداوي الجرح.
وبالفعل يذهبان الي غرفه المكتب الخاصه. تجلس نيهال علي المقعد. مازالت يديها مليئه بالدماء.
يجلس عاصم أرضا أمامه حقيبه الاسعافات. تقف جنا غاضبه مشتعله لاهتمامه بنيهال. واضعا يديها علي خصرها.
عاصم محاولا تنظيف الجرح. ثم يضع المطهر علي الجرح بدقه.
نيهال عيناها معلقه بعاصم. بهم الكثير من الحب والعشق والشغف. محدقه به بقوه.
عاصم بعد ان انهي مهمته ينظر إلي نيهال. يشعر بالخجل عند رؤيتها محدقه به. تهرب عيناها من نظرات عيناه القاسيه.
عاصم بتردد:
خلاص. انا خلصت.
نيهال بخجل:
شكرا.
جنا بغضب:
مش يالا بقي.
ينهض عاصم قائلا:
اه ياحبيبتي.
مجرد قول تلك الكلمه تشعر نيهال بخنقه حاد يمزق قلبها. فهي اول من يستحق تللك الكلمه. فهي من أحببته بكل كيانها. هي عشق الطفوله. هي أحببته قبل الجميع.
يستدير عاصم مغادرا محتضنا حبيبته. تاركا طفلته ومعذبته جريحه أليمه حزينه. تظل نيهال وحيده تنظر إلي يدها المجروحه قائلا بنبره ألم:
الجرح مش هنا ابدا.
تنزل عبراتها علي وجنتيها بقوه.
جنا بغضب:
انا شيفاك مهتم اوي بالبتاعه دي.
عاصم بدهشه:
مين؟
جنا:
بنت عمك.
عاصم:
يتيمه ومالهاش حد. وبعدين دي اختي.
جنا:
بس كده.
عاصم:
اه بس.
جنا تقترب من عاصم قائلا:
عاصم انا بحبك اووي. وماليش غيرك.
عاصم بحب:
وانا بموت فيكي. عندك شك؟
جنا تقترب من شفتاه ملتقطه قبله قويه. حتى يستسلم إليها عاصم بكل كيانه.
تخرج نيهال من الغرفه. تجد أمامها تللك المنظر المحطم لكيانها وكبريائها. تنزل عبراتها بقوه. تركض الي غرفتها مسرعه. تغلق الباب خلفها بمنتهي القسوه. تجلس عالفراش باكيه تنظر إلي يدها المجروحه قائلا بغضب:
انا لازم انساك. حتى لو هخرج قلبي من بين صدري واقطعه بالسكينه. فين كرامتي كبريائي؟ انا لازم انساك.
تنهض بغضب. تنظر إلي يدها المجروحه. تضربها بالحائط بكل قسوه حتى تنزف الدماء. وتظل تضرب وتضرب وتضرب بالحائط. يمتلئ الحائط بالدماء. تجلس أرضا وتظل تبكي وتبكي وتبكي بكل حرقه. فهل يوجد من يستحق تللك الحب؟
القاهره.
في أحدي الشقق. يجلس ريان بالفراش. وبيده صوره فوتوغرافيه لنيهال. ينظر إليها بحدة قائلا:
اتوحشتك يابت عمي. اتوحشتك جوي. مع اني عارف انك عتحبي مين. ومين الاشاغل بالك. ملت ارضي والبلد كلها عشانك. عشاني مجدرش اشوف حبك لعاصم واني لا.
فلاش باك.
في قصر كبير واسع. ثلاث اطفال اشقياء. نيهال، عاصم، ريان.
ريان ينظر إلي نيهال قائلا:
نيهال ماتيجي تلعبي معاي.
نيهال:
لا.
عاصم:
تعال العبي معاي يانيهال.
نيهال بابتسامه واسعه:
يالا.
ينظر إليها ريان بغضب شديد.
باك.
ريان بحزن:
عارف انك عتحبي عاصم اخوي. بس اني كمان عحبك وهعمل المستحيل علشان تنسيه.
صباح يوم جديد.
نيهال تنزل من اعلي الدرج. ذاهبه تواصل عملها بالأرض. ومازالت يدها تنزف دما ووجعا. كانت ترتدي تيشرت ابيض وجيبه محتشمه سوداء طويله وحجابا علي رأسها. كانت رقيقه حقا. ولكن بمجرد رؤيته عاصم أمامها تتغير ملامحها الي غضب وكبرياء وثقه.
عاصم:
عاملة اي ايدك يانيهال؟
نيهال بعدم اهتمام:
زينه.
مستديره مغادره من أمامه. يوقفها صوت جنا قائله:
اي قلة الذوق دي؟ واحد فضل يداويلك جرحك امبارح بكل اهتمام. على الأقل تردي عليه مش تسبيه وتمشي.
تنظر إليها نيهال قائلا:
افتكر انك مالكيش دخل.
عاصم:
لا طبعاً ليها دخل. دي خطيبتي وكرامتها من كرامتي. وهي عندها حق.
تنظر إليه نيهال بذهول ثم تنظر إلي يدها. تحمل من يدها الشاش الأبيض تلقيه أرضا. تظل يدها جريحه أليمه.
نيهال بغضب:
افتكر كده أفضل.
عاصم بغضب:
انتي مجنونه؟ الجرح كده هيتلوث من الجو والقرف الافي الأرض.
نيهال بغضب:
مالكش صالح. انا أولي بجرحي وجرحي أولي بيا.
تستدير نيهال مغادره القصر.
جنا:
سيبك منها متخلفه.
عاصم يهز رأسه بغضب من تصرفها الغير لائق قائلا:
مش فاهم بتعمل كده ليه.
جنا بصوت خافت وابتسامه ساخره:
بس انا فاهمه.
رواية العاصم الفصل الخامس 5 - بقلم أم حورية
جنا، سيبك منها، متخلفة.
عاصم يهز رأسه بغضب من تصرفها غير اللائق قائلاً: مش فاهم بتعمل كده ليه.
جنا تمسك يده قائلة: مش هتخرجني انهارده.
عاصم بابتسامة واسعة: أكيد.
ثم يقبل يدها بحب.
***
الأرض...
نيهال تباشر بعض الأعمال في الأرض.
قائلة لأحد العمال: هموا شوية يا رجالة، عايزين المحصول يتلم بالكتير بكرة.
العمال بنبرة واحدة: حاضر يا ست الكل.
تجلس نيهال أرضاً تنظر إلى يدها المجروحة. فمن الواضح تلوثت، ونزفت القليل من الدماء.
نيهال بألم: آه.
تقع عيناها على عاصم على ظهر خيل أبيض، ضاحكاً سعيداً، راكداً بالخيل بأقصى سرعته. كان يرتدي تيشرت أبيض يبين جمال بنيانه وعضلاته، بنطال أسود. يطير شعره في الهواء، يزداد جمالاً وخفة وقوة وقسوة أيضاً.
تنهض نيهال تنظر إليه بحدة. سرعان ما تنتشر على شفتيها ابتسامة واسعة لمجرد رؤيته ضاحكاً. ولكن فور أن تختفي ابتسامتها عند رؤيته جنا تركب خلفه على الخيل، تحتضنه بقوة، تلقي رأسها على ظهره من الخلف، ذراعيها حول خصره.
تغمض نيهال عينيها لتجعلها الخيال تحلم به وبقربه.
تغمض عيناها، ترى أمامها عاصم على خيله الأبيض وهي من تشاركه أحلامه.
تركب خلفه واضعة ذراعيها حول خصره، تحتضنه بقوة، تلقي برأسها على ظهره.
تطاير شعيراتها المتحررة في الهواء، وهذا ما تتمناه نيهال قربه وحبه وعشقه.
فجأة يقف الخيل أمام نيهال. تفتح نيهال عينيها بذهول، فقد عادت للواقع مرة أخرى.
ورأت من تشاركه قلبه وحياته.
نيهال بعدم اهتمام، قائلة لأحد العمال: هموا يا رجالة، الشغل لازم يخلص انهارده، بلاش عطله.
عاصم ينزل من أعلى الخيل قائلاً: إيه أخبار الشغل؟
نيهال بعدم اهتمام: وانت إيه عرفك في الأرض وشغلها؟ خليك في اللي أنت فيه أحسن.
عاصم بغضب: ليه هي مش أرضي؟ ويهمني أعرف كل حاجة.
جنا بسخرية: شكلها عايزة تكوش على كل حاجة وتبقى الكل في الكل هنا، وأنت ولا حاجة.
عاصم بغضب: بتحلمي.
نيهال بغضب: بقولكم إيه، أنا مش فاضية لكلام الماسخ ده. إن كنت حابب تسأل على حاجة، اتفضل اسأل جدي ولا والدك.
عاصم يجز على أسنانه قائلاً: وأنا قلتلك قبل كده يا نيهال، الأرض دي متعتبهاش خالص، بس أنتِ مب تسمعيش.
نيهال تعقد ذراعيها حول صدرها قائلة بابتسامة ساخرة: وأنت مالكش كلام على جدي، بس هو صاحب الأمر. أنت أهنا ولا حاجة.
عاصم يمسك يدها بغضب شديد.
تقسو قبضته على يدها بقوة، قائلاً: نيهال، الزمي حدودك.
فجأة ينظر إلى عينيها بحدة.
فيهم البراءة والطيبة والطفولة، فلما تتمردين أيتها العنيدة؟
ينظر عاصم إلى عينيها القاسية بحدة.
وكان تياراً كهربائياً صعقه بقوة.
وفجأة تصدر نيهال نبرة أنين وألم.
آه...
عاصم ينظر إلى يده يجدها مليئة بالدماء. فمن الواضح ضغط على يدها المجروحة بقسوة حتى نزفت مرة أخرى دون الشعور.
عاصم بخوف وقلق يترك يدها.
نيهال تمسك يدها بألم قائلة: آهه. عاجبك كده؟
عاصم بتردد وحزن: أنا مقصدتش. وبعدين أنتِ السبب. قلتلك إيدك هتتلوث وفعلاً الجرح اتلوث.
نيهال بغضب تغادر من أمامه، عائدة إلى القصر.
جنا من الخلف: هي هتضحك عليك بشغل الطيبة دي. بنت مش سهلة، أنا بس اللي أعرف الأشكال دي.
عاصم تظل عيناه معلقة بنيهال حتى اختفت من أمامه، وعيناه شارده صامته سارحة.
***
صباح يوم جديد.
القصر...
غرفة المكتب الخاصة بالجد.
يجلس الجد العجوز على مقعد وأمامه مكتب خشبي فخم.
يطرق الباب طق طق.
الجد: ادخل.
يدخل عاصم بابتسامته المطلة قائلاً: طلبتني يا جدي؟
الجد بابتسامة واسعة: أيوه يا ولدي، تعال اجعد.
يدخل عاصم يجلس قائلاً: تحت أمرك يا جدي.
ينهض الجد متكئاً على العصا، جالساً على المقعد المقابل لعاصم.
الجد: خلاص يا ولدي، نويت تخطب البت إياها؟
عاصم بابتسامة واسعة: آه يا جدي.
الجد بارتباك وتردد: مبروك يا ولدي.
عاصم: الله يبارك فيك يا جدي. بس أنا حاسس حضرتك مش مبسوط.
الجد: سمعت إنك متعارك مع بت عمك، صح الكلام ده؟
عاصم: متأخذش في بالك يا جدي. نيهال بس لسانها طويل شوية وأنا هقطعلها.
الجد بنفي: أو إياك يا ولدي تقول كده على بت عمك. بت عمك مالهاش غيرك بعدي.
عاصم مقبلاً يد جده قائلاً بخوف: بعد الشر عنك يا جدي. وإن كان علشان كده، أنا مش هزعلها تاني.
الجد بابتسامة واسعة: تسلم يا ولدي.
ثم يضع يده على قلبه فجأة متألماً: آآه.
عاصم بخوف: جدي مالك؟
الجد متصنع الابتسامة بألم قائلاً: لا يا ولدي، أنا زين. بس أنا عايز أوصيك على بت عمك. خلي بالك منها.
عاصم بخوف: اطمن يا جدي، مهما كانت الخلافات اللي بينا، هي بنت عمي. المهم أنت متزعلش روحك.
الجد بابتسامة واسعة: ريحت قلبي يا ولدي.
***
القصر.
حفل خطوبة عاصم وجنا.
الساعة الثامنة مساءً.
يجلس الجميع بالصالون، الأهل والأحباب والعائلة وأهل البلدة.
يجلس عاصم بابتسامة واسعة، يرتدي بدلة سوداء وقميص أبيض وكرافتة سوداء. كان وسيماً وجميلاً حقاً.
جنا تجلس بجواره، كانت ترتدي فستان سواريه باللون الأزرق الداكن، حذاء أبيض ذو كعب عال. شعيراتها البنية كانت تقع على عينيها العسلية. الأغاني تملأ المكان والموسيقى.
غرفة نيهال.
تجلس نيهال على الفراش ببكاء وحزن شديد، صامتة دامعة، حزينة، يائسة.
فجأة تدخل عفاف، والدة عاصم، بحزن شديد.
نيهال تمسح عبراتها، قائلة: ادخلي يا مرات عمي.
تجلس عفاف أمامها وهي تنظر إلى عينيها بحدة، قائلة بنبرة حزن: ليه قاعدة وحدك يا بتي؟
نيهال: أبداً، ما أنتي عارفة إني ما أحبش الصوت العالي.
عفاف تربت على يدها قائلة بحنان: طب البسي وانزلي معايا.
نيهال: طب انزلي أنتِ عشان الضيوف، وأنا هلبس وأجي وراكي، بس أطمن على جدي الأول.
عفاف: طيب يا بتي، على كيفك.
الحفل.
عاصم وجنا يرقصان على أنغام الموسيقى.
الجميع ينظر إليهما بذهول، لأن عادات الصعيد ترفض تلك الحرية.
صابر يجلس على أحد المقاعد بكبرياء، وبجواره أمجد وتحدي أعيان البلدة.
من جهة أخرى، عفاف وهي تقدم بعض العصائر والمشروبات للضيوف.
تنزل من أعلى المصعد نيهال.
عيناها مليئة بالحزن والألم. تنظر إلى قربه الشديد من جنا وتعلقه بها.
تهامسهما سوياً، ضحكاتهما الصاخبة.
تشعر بخنقة حادة تمزق قلبها. لم تستطع التحمل، ولكن ماذا تفعل سوى الصبر؟
تركض ثانية إلى غرفتها بألم وحزن، مقررة الاطمئنان على الجد، فهو من شدة حزنه على نيهال لازم الفراش، حتى لا يرى حزنها ودموعها وآلامها وعذابها.
عودة إلى الحفل مرة أخرى.
ما زال عاصم وجنا يرقصان على أنغام الموسيقى بسعادة شديدة. وفجأة وبدون أي مقدمات.
تصدر صرخة مدوية ترن بكل أرجاء القصر.
صرخة وقعت على أذن الجميع، حتى صمت الجميع ونظر إلى أعلى الدرج.
وهي صرخة نيهال: آآآآآه، جدي.
رواية العاصم الفصل السادس 6 - بقلم أم حورية
وفجأة وبدون أي مقدمات تصدر صرخة مدوية ترن في أرجاء القصر. صمت الجميع ونظروا إلى أعلى الدرج.
كانت صرخة نيهال: "آآآآه جدي... فقد رحل القلب الطيب... رحل الجد الحنون... فكيف تتحمل نيهال تلك الصدمة العنيفة؟"
الجد بالنسبة لـ نيهال كان أبًا حنونًا وأمًا أيضًا، كان لها كل شيء: الظهر والسند، الحب والأمل. فقد رحل ورحل معه كل شيء جميل.
تمر الساعات والأيام، بعد مرور أربعين يومًا، ما زالت نيهال جالسة بفراشها حزينة، ترتدي جلبابًا أسود، وعيناها ذابلتان من شدة البكاء.
فجأة يطرق الباب: "طق طق".
نيهال بحزن: "ادخل".
تدخل عفاف حاملة طاولة طعام صغيرة، وتجلس بجوار نيهال قائلة: "مش كفاية يا بنتي عاد، تاكلي أكله هتموتي، حرام صحتك".
نيهال ببكاء: "ماليش نفس يا مرات عمي".
عفاف ببكاء: "يا بنتي كلنا زعلنا على عمي، مش انتي بس".
نيهال ببكاء: "محدش حبه قدي، ومحدش هيحس بفراقه قدي. حاسة إن قلبي بيموت بالبطيء. حاسة إني عريانة. حاسة إني هتبهدل من غيره".
عفاف تضمها قائلة: "أنا ضهرك وسندك، متخافيش يا بنتي".
وفجأة يدخل صابر بوجه غاضب: "عفاف اخرجي".
تنهض عفاف قائلة: "حاضر يا خوي".
نيهال تمسك يد عفاف بخوف شديد، وكأنها تريد أن تقول: لا تذهبي، فأنا خائفة.
عفاف بابتسامة حنونة: "متخافيش، دعمك".
تترك نيهال يدها، تخرج عفاف من الغرفة.
سرعان ما يغلق الباب صابر. تنهض نيهال من فراشها بخوف شديد. ينظر إليها العم بغضب قائلاً: "خايفة؟".
نيهال بخوف: "عايز إيه يا عمي؟".
العم بغضب: "من يوم ما جيتي القصر ده وأنا كارهك، ولا كان مسكنّي عنيكي حب أبويا ليكي الشديد. بس خلاص هو مات. وعدى أربعين يوم من وفاته، وأكده كفاية جوي. وإنتي يا بت رشاد مالكيش قعاد وسطنا".
نيهال بخوف: "وأنا عارفة إنك بتكرهني، بس معرفش ليه كل الكره ده. دانا بت أخوك، كيف بتك".
صابر بغضب: "مالوش لازمة الحديت ده. إنتي لازم تهملي القصر ده".
نيهال بحزن: "وتسيب لحمي يا عمي؟ إني مش عايزة أرض ولا ورث ولا حاجة واصل، أنا بس عايزة أعيش وسطكم، أدفي بيكم، إنتو أهلي وماليش غيركم".
العم بغضب: "بلاش تمثلي، أنا جولت اللي عندي".
نيهال بغضب: "وأنا مش هسيب قصر جدي وأبوي ولا أرضي".
فجأة تتحول عينا صابر لشعلتان من النار. وفجأة يقترب خطوة خطوة من نيهال. نيهال ترجع للخلف بخوف شديد.
العم بغضب: "هتقولي لي لأ؟".
فجأة يصفعها بمنتهى القسوة على وجنتيها. تقع نيهال دامعة، تنزف شفتاها دمًا. صارخًا: "آآآآه".
ثم يمسك شعرها بمنتهى القسوة.
نيهال: "آآآآه".
يصفعها العم للمرة الثانية قائلاً: "أنا هربيكي زين يا بت رشاد".
وفجأة يخرج، يأتي بالكرباك ووجهه ملئ بالغضب والحقد، مقرراً ضربها.
نيهال ترجع زاحفة للخلف، وقلبها ملئ بالخوف والرعب من عمها القاسي.
صابر يرفع يده ليضربها، ولكن يقف أمامه عاصم بغضب: "بابا بتعمل إيه؟".
صابر بغضب: "عاصم هملني واطلع بره".
عاصم بغضب: "مستحيل. إزاي تمد إيدك على نيهال؟ إنت نسيت إن جدي وصاني عليها وبنت عمي؟".
الأب بغضب: "بقولك اطلع يا عاصم".
عاصم يمسك الكرباك من يد والده قائلاً بعصبية: "إنت اللي هتخرج بره يا بابا. نيهال في حمايتي".
صابر بعيون مليئة بالشر قائلاً: "ماشي يا عاصم، بس إنت كده بتتحداني". مستديرًا مغادرًا الغرفة.
عاصم يلقي الكرباك أرضًا. ثم ينظر إلى نيهال، يجدها فاقدة الوعي تمامًا.
عاصم بخوف شديد: "نيهال".
ثم يحملها بين أحضانه، يضعها على الفراش بهدوء. ينظر إلى وجهها الحزين، عيناها الذابلتان، دموعها الغزيرة، الدماء التي تملأ شفتاها. يشعر بالحزن الشديد على حالها.
عاصم يخرج منديلًا يمسح شفتاها، محاولًا إفاقتها: "نيهال، نيهال". ولكن دون استجابة منها.
بعد مرور 30 دقيقة، نيهال نائمة على الفراش فاقدة الوعي. يتفحصها الطبيب. يقف عاصم بقلق شديد وبجواره والدته.
الطبيب: "الظاهر إنها مأكلتش ليها مدة. أنا هكتبلها على شوية فيتامينات".
عاصم: "حاضر يا دكتور".
الطبيب يغادر الغرفة قائلاً: "بعد إذنكم".
عاصم: "أنا هروح أبعت حد يجيب العلاج".
عفاف: "هو إيه اللي حصلها يا ولدي؟".
عاصم بغضب: "أبويا مد إيده عليها وكمان كان عايز يضربها بالكرباك".
عفاف بدهشة تضرب بيدها على صدرها قائلة: "يا نصيبي! اتجنن ده ولا إيه!".
تجلس عفاف بجوار نيهال، تربت على شعرها بحنان قائلة بشفقة: "يا ضناي يا بنتي. صح الواحد من غير أمه ما يسواش. بقى كده يا صابر هتموت البنت؟ أخس عليك".
ينظر عاصم إلى والدته وحنانها الشديد على نيهال، وكيف تحبها بهذا الشكل. يستدير عاصم مغادرًا الغرفة.
مجرد خروجه يجد أمجد شقيقه الأصغر يقف يبكي بغزارة على نيهال.
ولما صار لها، عاصم بحزن: "أمجد مالك؟".
أمجد ببكاء: "زعلان على نيهال أوي، هي طيبة أوي، هما الطيبين بيحصلهم كده يا عاصم؟".
عاصم بذهول وحزن معًا: "إنت لدرجة دي بتحب نيهال؟".
أمجد يهز رأسه بالموافقة، ماسحًا دموعه.
عاصم متصنع الابتسامة: "إن شاء الله هتبقى كويسة".
بعد مرور أيام عديدة.
قصر شوكت القناوي. الصالون.
كانت العائلة الكريمة تجلس بالصالون: صابر، عاصم وبجواره جنا، ريان، أمجد. وعلى رأسهم محامي العائلة.
الكل ينتظر فتح الوصية.
المحامي: "يفتح الوصية قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم، أتوكلنا على الله. السيد شوكت القناوي الله يرحمه كتب وصية بكل ممتلكاته وأطيانه. بس قبل ما أفتح الوصية لازم وجود آنسة نيهال".
ينهض العم قائلاً بغضب: "وإيه دخل زفت الطين بيناتنا؟".
المحامي: "هي طرف أساسي في الوصية. كمان هي حفيدة المرحوم وابن المرحوم رشاد الله يرحمه".
العم بغضب: "خلاص خلاص. قوم يا أمجد ناديها".
أمجد بابتسامة واسعة: "طوالي يا بوي".
بعد دقائق يعود أمجد وخلفه نيهال بحزن شديد. كانت ترتدي تي شيرت أسود وجيبة سوداء، ذات وجه ذابل حزين ياس.
تجلس نيهال على أقرب مقعد. تنظر إليها جنا بابتسامة ساخرة حاقدة.
المحامي: "كده أقدر أفتح الوصية. أقر أنا شوكت القناوي، كبير البلد، أنا أكتب كل ما لدي من أطيان وأموال وعقارات لأحفادي: عشر فدادين الأرض القبلية لولدي صابر. عشرون فدان في أرض الإسكندرية من حق حفيدتي نيهال. القصر باسم حفيدي عاصم وحفيدتي نيهال".
المحامي: "وده العقود".
ينهض صابر بغضب قائلاً: "إيه ده اللي إنت بتقوله ده؟ إنت مجنون؟ بقى أبويا كان معاه أرض مالك في الإسكندرية وكتبها باسم بت رشاد؟".
تنهض نيهال ببكاء شديد قائلة: "أنا مش عارفة جدي عمل كده ليه. إني مش عايزة حاجة".
العم بغضب: "إنتي تلاقي نفسك فضلت تظني عليه لحد ما كتبلك الأوراق دي. أو جدامك".
جنا بحقد: "آه وليه لا، دي مياه من تحت تبن".
ينهض المحامي قائلاً: "اصبروا يا جماعة. الوصية لسه مخلصتش. لازم شرط مهم يتنفذ، ولو الشرط ده متنفذش يبقى ده تنازل رسمي عن الورث".
عاصم بدهشة: "شرط؟".
صابر بذهول: "شرط إيه؟".
المحامي: "لازم عاصم يتجوز الآنسة جنا لمدة سنة".
عاصم بذهول تام: "أتجوز نيهال؟".
نيهال بصراخ: "مستحيل! ليه يا جدي عملت كده؟".
عفاف بابتسامة: "والله براوه عليك يا عمي. أحسن حاجة عملتها. الله يرحمك ويبشبش الطوبة اللي تحت راسك".
صابر بغضب: "أبويا كأنه اتجنن".
المحامي: "المرحوم كان في كامل قواه العقلية، ودي الوصية. شوفوا حضراتكم هتتقبلوا إيه. وده كارتي، عن إذنكم". ويغادر القصر على الفور.
صابر يقترب من نيهال قائلاً بغضب: "إنتي سبب ده كله".
جنا بغضب: "أنا مش هسمحلك تتجوزي عاصم. على جثتي".
نيهال ببكاء: "أنا ماليش ذنب. افهموا بقى".
تحتضنها عفاف قائلة: "متبكيش يا بنتي".
عاصم بغضب: "الكلام ده مستحيل يحصل. أنا بحب خطيبتي وهتجوزها". ثم يجذب يدها مغادرًا الغرفة على الفور.
نيهال وقد شعرت بخنجر حاد اخترق صدرها. ثم تغادر الغرفة أيضًا، وخلفها أمجد.
ريان يجز على أسنانه بقسوة، يضرب بيده على الحائط.
غرفة نيهال.
تدخل نيهال الغرفة ببكاء. تجلس على الفراش بحزن شديد. يدخل أمجد ويغلق الباب خلفها. يجلس بالقرب منها قائلاً: "هتبكي ليه دلوقتي؟".
نيهال ببكاء: "عايزني أعمل إيه؟ أضحك؟".
أمجد بابتسامة: "تضحكي وترقصي كمان. ده حلم حياتك".
نيهال بعدم فهم: "قصدك إيه؟".
أمجد: "قصدي إن إنتي من زمان بتحبي عاصم. وجات الفرصة اللي خلاص هتتجوزيه".
نيهال بحزن: "بس بعدم رضاه. هو بيحب خطيبته، وأنا مهما كان حبي ليه، بس مفرقش بينه وبين خطيبته".
أمجد: "بس سيبك منها. أنا بدعي ربنا ليل نهار يخليها. دعمه زي عصاية المقشة".
فجأة تضحك نيهال.
أمجد: "أيوه كده اضحكي. محدش واخد منها حاجة. كمان إنتي لو رفضتي تتجوزي عاصم، أملاكك هتضيع".
نيهال: "هعمل إيه طيب؟".
أمجد: "إنتي متعمليش. همليهم هما يعملوا".
غرفة عاصم.
يجلس عاصم على المقعد الهزاز، يرجع للخلف وإلى الأمام بعصبية شديدة. فجأة يطرق الباب: "طق طق".
عاصم: "ادخل".
تدخل جنا.
عاصم بغضب: "جنا، قولتلك يا بنتي عاداتنا هنا صعبة، وبلاش تجيني الأوضة".
جنا: "محدش شافني، متخافش".
وفجأة تجلس على قدميه وهو جالس على المقعد، قائلاً: "ها، قررت تعمل إيه؟".
عاصم: "ودي محتاجة كلام؟ هرفض طبعًا".
جنا تحتضنه قائلة بتردد: "لو رفضت الورث هيضيع".
عاصم بدهشة: "مش فاهم".
جنا: "قصدي فيها إيه لو اتجوزتها سنة واحدة، وخدنا الأراضي والفلوس، وابقى طلقها. اعتبر نفسك في سفر طويل. ها، قولت إيه؟".
رواية العاصم الفصل السابع 7 - بقلم أم حورية
عاصم بدهشة: مش فاهم.
جنا: قصدي فيها إيه لو اتجوزتها سنة واحدة وخدنا الأراضي والفلوس وابقى طلقها، اعتبر نفسك في سفر طويل. ها، قولت إيه؟
عاصم بذهول: يعني انتي موافقة؟
جنا تحتضنه قائلة: وفيها إيه يا حبيبي، كله علشان مستقبلنا سوا.
عاصم بتفكير طويل: أيوه بس...
جنا: مفيش بس، وافق. وبعد سنة واحدة هبقى عندنا أراضي وفلوس كتير. ها، وافق بقى.
عاصم: آه، بس مظنش نهال هتوافق.
جنا: تبقى غبية، بس أنا متأكدة إنها هتوافق. يلا بقي كلم المحامي يجي بكرة.
عاصم يهز رأسه بالموافقة.
غرفة نيهال
نهال واضعة يدها على وجنتيها بحزن شديد وألم.
يطرق الباب: طق طق.
نهال: ادخل.
يدخل أمجد بابتسامة واسعة.
نهال بنبرة حزن: في حاجة يا أمجد؟
أمجد: يا ساتر، إيه يا بنتي النكد اللي انتي فيه ده. المهم معايا مفاجأة هتعجبك جوي جوي.
نهال: إيه؟
أمجد: مين أكتر شخص وحشك وبعيد عنك؟
نهال بعد تنهيدة طويلة قائلة بنبرة حزن: عاصم.
أمجد: بتجولي إيه؟
نهال بجدية: انت قصدك على مين؟
أمجد: جاهز للمفاجأة.
نهال: مفاجأة إيه؟
أمجد بابتسامة واسعة: ادخل وبان الأمان.
تدخل فتاة جميلة، بال عشرينات من عمرها، ذات بشرة بيضاء، عيناها خضراء، محجبة، ترتدي جاكيت جينز وجيبة محتشمة سوداء.
تنهض نيهال بابتسامة واسعة: سارة.
تعانقها نيهال بقوة حتى البكاء.
سارة تضمها بشدة قائلة: حبيبتي وحشتيني أوي أوي.
نهال بدموع: انتي أكتر، بقيت أكده سنة كاملة متجيش، سافرتي ونسيتيني.
سارة: عمري ما أقدر أنساكي، دانتي مش بنت خالتي بس انتي أختي. بس انتي عارفة بقي إن المحاماة تعب.
أمجد بسخرية: شفتي، إيه رأيك في مفاجأتي؟
نهال: حلوة جوي.
سارة بحب: مقدرش مجيش فرح أختي وحبيبتي.
نهال بنبرة حزن: فرح؟
سارة: أه، ألف مبروك يا حبيبتي، فرحتلك أوي. وفرحت أكتر لما عرفت إن العريس عاصم، الحب القديم بتاع الطفولة. فاكرة؟ كانت أيام جميلة. فاكرة يا بت يا نيهال لما كنا بنلعب سوا وكنا بنرش المية على بعضينا، فاكرة لما ريان وقع عاصم في الترعة وكان هيغرق وانتِ انقذتيه. كان موقف فظيع. طب فاكرة لما وقعتي من فوق الشجرة وفضل يعيط عليكي زي ما تكوني أمه.
ولكن نيهال سارحة بذلك الماضي الجميل، فربما الماضي كان أجمل من هذه الأيام القاسية، ربما بالماضي كنتِ أقرب إلي من الآن.
تجلس نيهال بحزن شديد.
تجلس سارة بجوارها قائلة: مالك يا بنتي، ده منظر عروسة.
نهال: انتي فاهمة غلط يا سارة، أنا وعاصم متجوزين على الورق وبس.
سارة بذهول: ورق إزاي؟
نهال تدمع عيناها قائلة: هحكيلك، لأني محتاجة أتكلم وأخرج اللي جوايا لحد يفهميني بجد ويحس بيا.
سارة: فضفضي يا حبيبتي.
بعد مرور نصف ساعة.
عودة مرة أخرى لنهال وسارة.
سارة بغضب: يا نهار أبيض، بقي الحكاية كده.
ثم تنظر إلى نيهال مكملة حديثها صارخة: وانتِ إزاي توافقي على المهزلة دي؟
نهال: كنتِ عايزاني أعمل إيه؟ أرفض وأدي فرصة لعمي يحرمني من ورثي ويطردني؟ انتي متعرفيش معاملته معايا إزاي. ولا كنتِ عايزاني أقوله إني بحبه وهو في حياته حد تاني؟ هو أساسًا مش شايفني قدامه.
سارة بحزن: أنا مش عارفة أقولك إيه، بس عمك مالوش حاجة عندك في قانون في البلد. أنا محامية وأقدر أجيب حقك من أي حد. مكنتش متوقعة أبداً إن عاصم اتغير لدرجة دي وبقى مادي أوي كده.
ثم تعانق نيهال قائلة: متزعليش يا حبيبتي.
نهال بحزن: أنا خايفة جوي من الأيام الجاية يا سارة، متسبنيش، خليكي جنبي.
سارة بحزن: هفضل معاكي، متخافيش.
بعد مرور أسبوع كامل.
الصالون.
تجلس العائلة الكريمة، بكبرياء شديد، وعلى رأسهم محامي العائلة.
صابر يجلس واضعاً قدم فوق الأخرى بثقة شديدة.
أمجد، وجنا، وعاصم.
المأذون: ممكن تستعجلوا العروسة.
تنهض جنا قائلة: أنا هنده لها.
وبالفعل تتجه إلى غرفة نيهال.
الغرفة.
تقف نيهال أمام المرآة بيأس وحزن شديد.
تنظر إلى وجهها الذابل الحزين، عيناها الناعستان.
كانت ترتدي ملابسها السوداء.
من الخلف عفاف بحب: مش يلا بقي يا بتي.
نهال بحزن: عارفة يا مرات عمي، إن اليوم ده بيكون أسعد يوم في حياة أي بنت، لكن بالنسبالي أنا أسوأ يوم، لأني عارفة إن مبني على مصلحة، لفترة محددة، ويا أما هخسر كل حاجة، يا هبقى كل حاجة.
عفاف تربت على ظهرها قائلة بحزن: بإيدك تخليه يحبك وزي الخاتم في إصبعك وتملكيه، وتبعدي عنه البت المهزلة دي، ومتخليهوش يشوف غيرك قدامه.
وفجأة يقاطع حوارهما طرق الباب.
تدخل جنا قائلة بابتسامة حاقدة: إيه يا عروسة، اتأخرتي ليه؟ وده كله ملبستيش؟
نهال بغضب مكتوم: الله ما أطولك يا روح.
عفاف: اهدي يا بتي. عايزة إيه يا دنا؟
جنا: جيت أشوفها لو عايزة مساعدة، لأني عارفة إنها بيئة ومش بتعرف تعمل حاجة، فلاحة مجرد فلاحة.
تنظر إليها نيهال قائلة بغضب: انتِ تساعديني! لو انتِ آخر حد في الدنيا مطلبش المساعدة منك، واخرجي بره يالا. وبعدين الفلاحة اللي بتقولي عليها دي نضيفة من جوه ومتخرجة من كلية زراعة وبتشتغل.
يقاطع حوارهما دخول سارة.
تنظر سارة إلى جنا قائلة بغضب: إيه ده، ما الجو كئيب كده.
جنا بسخرية: انتِ بتقصديني أنا.
عفاف: بقولك إيه يا دنا يا بتي، نيهال فيها اللي مكفيها.
تقترب جنا بشدة من أذن نيهال قائلة بصوت خافت وابتسامة ساخرة: أنا هخرج يا نيهال، بس عايزة، متفرحيش كتير ومتتغريش، جوازك من عاصم لمدة محدودة، عاصم بتاعي أنا وحدي، جوازك منه مبني على موافقتي.
ثم تبتسم بسخرية قائلة.
بصي يا سارة بغضب: بره يالا بره.
جنا بابتسامة ساخرة: خارجة.
تشعر نيهال بخنقة حادة تخترق صدرها البريء.
عفاف: كانت بتقولك إيه؟
نهال: سيبك منها يا مرات عمي.
يدخل أمجد فجأة وبيده علبة ضخمة قائلاً: أنا جيت وجبت الفستان كمان.
عفاف تفتح العلبة قائلة: اتأخرت جوي يا ولدي.
أمجد ينظر إلى نظرات نيهال السارحة قائلاً: مالك يا نيهال.
سارة تفتح العلبة تخرج منه فستان جميل حقاً.
سارة: إيه، ملقتش غير اللون ده.
أمجد: وماله، ده حلو جوي.
سارة بمرح: حلو جوي؟ لونه مش جميل.
نهال بحزن: زين وخلاص يا سارة، كله تمثيل، كله تمثيل.
سارة بحزن: خلاص يا حبيبتي، متزعليش.
عفاف: يالا عاد، البسي يا بتي، ساعديها يا سارة يا بتي.
سارة: حاضر يا طنط.
الصالون.
الجميع بانتظار نيهال.
المأذون بغضب: يا جماعة، أنا اتأخرت جوي.
وفجأة يقاطع حديثهم قدوم نيهال من أعلى الدرج وبجوارها سارة.
كانت ترتدي فستان سواريه طويل باللون الأزرق اللامع، وله أكمام شفافة، ذات الأعين اللامعة العسلية، أنف صغيرة، فم باللون الوردي، كانت تعمل شعرها نظام كعكة كبيرة.
كانت جميلة حقاً وجذابة.
ينهض عاصم بذهول ودهشة من تلك الجمال الذي رآه لأول مرة.
لم تنزل عيناه عن نيهال.
نهال تحني رأسها خجلاً.
تنظر إليها جنا بغضب شديد، لم تتوقع أنها ستظهر بهذا الشكل الجميل.
ثم تنظر إلى عاصم قائلة بغضب: انت بتبص على إيه؟
عاصم بتردد: لا، أبداً.
أمجد بابتسامة واسعة: إيه القمر ده.
تجلس نيهال بابتسامة رقيقة بجوارها سارة.
المأذون: حضرتك العروس.
نهال تهز رأسها بالموافقة.
المأذون: ما شاء الله، ربنا يبارك لك فيها يا ابني.
صابر: يالا يا شيخ، خلصنا عاد.
المأذون: بسم الله، توكلنا على الله.
تنظر نيهال إلى عاصم بحدة، وهي سارحة بخيالها.
تري أمامها عاصم وهي تحتضنه وترقص معه على أنغام الموسيقى الهادئة.
تري شخصاً آخر يحبها بقوة.
تري زوجين حقيقيين ليس مزيفان.
ثم تدمع عيناها بدون قصد.
سارة تنظر إليها ماسحة دموعها قائلة بحزن: نيهال، بلاش عياط.
بعد عقد القران تملأ الزغاريط المكان.
عفاف: لولولولوي.
صابر بغضب: عفاف، بتزغرتي على إيه؟ اجعدي.
تجلس عفاف بخوف.
ينهض المحامي قائلاً: كده كل شيء بقى تمام، نفذنا الشرط اللي في الوصية، هتابع مع حضراتكم أول بأول لحد ما تنتهي السنة المحددة في الوصية، بعد إذنكم.
يغادر المحامي على الفور.
غرفة ريان.
يجلس ريان بغرفته، حزيناً لما صار معه.
حبه لنهال قوي، لم يتحمله.
كيف يتحمل زواجها من أخيه الأكبر؟
لم يكن في الحسبان أن الجد يضع شرطاً كهذا.
بينما يمتلئ القصر بالزغاريط بعد عقد قران عاصم ونهال.
تقع على أذني ريان كالصاعقة الكبرى.
واضعاً يده على أذنيه بغضب شديد.
متمنياً لو ابتلعته الأرض.
ثم ينهض ينظر حوله والشر يتطاير من عيناه.
يمسك بإحدى فازات الورد ويلقيها أرضاً بكل قسوة متحطمة، قائلاً بحقد وغضب: نهال بتاعتي أنا وبس.
رواية العاصم الفصل الثامن 8 - بقلم أم حورية
ثم ينهض ينظر حوله والشر يتطاير من عيناه.
يمسك بإحدى فازات الورد ويلقيها أرضا بكل قسوة متحطمة.
قائلاً بحقد وغضب: "نهال بتاعتي أنا وبس".
ثم تنشر على شفتيه ابتسامة واسعة قائلاً بهدوء: "بس وماله نتحملك يا عاصم سنة في حياتنا وبعد أكده أنا هتجوزها ومش هتجوزها وبس أكده وهاخد الفلوس كلها ونتمرغ في العز. هو أكده أكده عيحب خطيبته بتاعت مصر. بيجي أنا أزعل ليه؟ هي سنة واحدة بس. الله يرحمك يا جدي كنت واعر بس طيب جوي".
بعد منتصف الليل.
غرفة نوم عاصم.
كانت نهال تجلس على الفراش بصمت وهدوء وخوف وقلق وخجل وارتباك معاً.
تحني رأسها أرضاً.
عاصم يجلس على الطرف الآخر بخجل شديد.
يقوم ينظر إليها بطرف عينه قائلاً: "احم".
"مش هتغيري؟"
نهال بذهول قائلاً: "أغير ليه؟"
عاصم بارتباك: "قصدي يعني علشان ننام".
نهال بذهول أكثر: "ننام؟"
عاصم موضحاً ما يقصده قائلاً: "قصدي تنامي. يابنتي قصدي تنامي".
نهال بخجل: "آه أكده فهمت".
تنهض نهال متجهة إلى الحمام وفجأة تضغط قدمها على ذيل الفستان وكادت تقع أرضاً.
نهال بصراخ: "آه!"
وفجأة تجد من يعانقها، تجد من يحتضنها بقوة.
تلتقي الأعين بحب شديد.
ينظر عاصم إلى عيناها الساحرة بقوة، وكأنه يرى بهم كل جميل.
طفلة صغيرة عيناها تملاها البراءة.
ينساب شعرها بغزارة يقع على عيناها لتكون أجمل فأجمل.
"إنك رقيقة هادئة يا معشوقتي".
نهال تستسلم لنظراته القاتلة المليئة بالغموض، القاسية.
وبين كل هذا العشق والحب والأسي يقاطعهما طرق الباب.
طق طق.
نهال تعتدل واقفة بخجل شديد قائلة: "الباب".
عاصم لم يستطع أن ينزل عيناه عنها.
نهال بابتسامة رقيقة: "الباب بيخبط".
عاصم: "آه".
تتجه نهال إلى الباب تفتحه.
جنا بابتسامة ساخرة: "ممكن أشوف خطيبي؟"
نهال وكان خنجراً حاداً اخترق قلبها.
استعادت وعيها وقد نسيت أن زواجهما مجرد صفقة لمدة سنة.
تدخل نهال الغرفة على الفور دون أي استجابة.
عاصم لجنا بصوت خافت: "جنا في أي؟"
جنا بأنوثة تمسك بياقة قميص عاصم قائلة: "وحشتني الشوية دول ياحبيبي".
تنظر إليهما نهال بألم وحزن شديد.
عاصم: "طب نتكلم بعدين".
ثم ينظر إلى نهال بخجل شديد.
نهال تذهب إلى الحمام مسرعة.
جنا: "طب تعال نتكلم بره".
وبالفعل تجذب يده ويعادران، يغلق الباب خلفه.
تخرج نهال من التواليت.
يتألم قلبها بشدة عند رؤية عاصم غادر معها وتركها بهذه الليلة، تركها وحيدة.
تنزل دمعتها بغزارة.
"جنب القصر".
يجلس عاصم على المقعد وبجواره جنا.
عاصم: "في أي بقي؟"
جنا تعانقه قائلة: "يا حبيبي أنا بغير عليك أوي. مجرد مادخلت معاها الأوضة كنت هموت من الغيرة".
عاصم: "مش انتي طلبتي كده".
جنا: "أنا ياحبيبي علشان مستقبلنا. انت مهندس شاطر وكان نفسك تعمل شركة كبيرة وتكون أكبر شركة. وبالفلوس دي هتقدر تعمل اللي انت عايزه".
عاصم يهز رأسه بالموافقة قائلاً: "بس حاولي متظهريش قربنا لبعض. عدّي السنة دي على خير ممكن؟"
جنا تهز رأسها بالموافقة قائلة: "أوكي. بس كل ماشوفك مع البنت دي بتجنن".
عاصم بغضب: "وبعدين بقي؟ البنت دي مراتي دلوقتي وجوازنا كان برضاكي. يبقي تتحملي. والأحسن كمان لو تسافري".
جنا بغضب: "أسافر وأسيبكم مع بعض؟"
عاصم بغضب: "جنا هتجننيني. مش ده اختيارك؟ وجودك هنا ملوش داعي".
جنا بحزن: "حاضر ياحبيبي".
"بس أنا بحبك موت موت".
ثم تقترب منه بشدة حتى تلتقط قبلة قوية تبث مدى حبها إليه وعشقها.
يستسلم عاصم لقبلتها.
من جهة أخرى، نهال تروح ذهاباً وإياباً.
تنظر إلى الساعة على الحائط تجدها الواحدة صباحاً.
تنتظر عاصم بقلق شديد.
ثم تنظر من نافذة الغرفة، تقع عيناها على عاصم يقبل جنا بقوة.
تدمع عيناها.
وكان قلبها مات مئات المرات.
بالها من صدمة قوية عنيفة مزقت ذلك القلب البريء النقي.
ولكن ماذا تفعل سوى الصبر والصمت والبكاء.
الساعة السابعة صباحاً.
ظلت نهال طوال الليل تنتظر عودة عاصم.
وقد تغلب عليها النعاس حتى أغمضت عيناها وهي جالسة بفستان زفافها.
تفتح عيناها على صوت طرق الباب.
طق طق.
تفتح نهال عيناها بذهول ودهشة.
تجد نفسها مازالت بالفستان.
تنظر بكل أنحاء الغرفة فلم تجد عاصم.
علمت أنه لم يعد بعد.
تحزن بشدة.
تفتح الباب.
تجدها سارة وخلفها أمجد.
سارة بابتسامة واسعة: "صباحية مباركة ياعروسة. إيه ده انتي لسا بفستانك؟"
تتجاهل نهال حديثها مستديرة إلى الداخل بحزن شديد.
تجلس على الفراش.
سارة بدهشة تجلس بجوارها قائلة: "إيه ده؟ هو فين عاصم؟ ولسا قاعدة ليه بفستانك؟"
نهال بنبرة حزن: "بات بره الأوضة".
سرعان ما يتملك من سارة الغضب.
ثم تنظر إلى أمجد بوجه غاضب.
أمجد بمرح: "والله مالي ذنب خالص. مجولوتلوش بات بره".
سارة: "أمجد أخرج خمس دقائق".
أمجد يهز رأسه بالموافقة يغلق الباب خلفه.
سارة: "احكيلي بقي إيه حصل؟"
نهال بنبرة ياس: "هملني عشانها. خدته ليلة دخلتنا بكل بجاحة وخرجت. فضلت استناه لقيته بيبوسها".
سارة بغضب وحزن معاً: "اخس إنسان زبالة ندل واطي".
نهال بنفي: "لا لا ياسارة متشتمهوش".
سارة بحزن: "بتحبيه لدرجادي؟"
نهال بنبرة ألم: "كتيييييير قوي. عارفة ميهمنيش هو عيحبني ولا لا. ميهمنيش حتى يحس بيا. كل اللي اهمني إن أنا بحبه وقريب مني. شيفاه قدامي بسمع صوته في وداني. أنا مكنتش أتوقع أبداً إن أنا وهو نقعد في أوضة واحدة سوا".
تضمها سارة قائلة بحزن: "غبي مبيفهمش. أنا هخليه يدوب فيكي دوب".
نهال: "لا أنا مش عايزة غير سعادته مع اللي يحبها حتى لو على حساب فرحتي".
فجأة يدخل عاصم.
عند رؤية سارة قائلاً: "أنا آسف. دخلت بدون استئذان".
تنهض سارة تقف أمامه بوجه ممتلئ بالغضب قائلة: "بقي ينفع يا عاصم تسيب نهال في ليلة زي دي لوحديها؟"
نهال بخجل تجذب سارة من يدها قائلة بصوت خافت: "اسكتي إيه الاعتقوليه ده".
سارة: "آه مش هينفع اسكت. دجاجة تغيظ يعني إذا أقعدي وحدك".
عاصم بخجل: "أنا..."
سارة بصراخ: "انت إيه إيه بس؟"
نهال: "سارة ممكن تخرجي ونتكلم بعدين".
سارة: "بتطرديني؟ ماشي باي".
تغادر سارة تغلق الباب خلفها.
نيهال بخجل تستدير إلى التواليت.
يوقفها عاصم قائلاً: "نهال".
"انتي زعلتي لما بات بره؟"
تنظر إليه نهال بابتسامة.
سرعان ما تتذكر قبلته لجنا متصنعة القوة والثقة.
ترفع رأسها قائلة: "لا خالص".
ثم تدخل التواليت وتغلق الباب.
عاصم يرفع حاجبيه قائلاً بعدم تصديق: "جايز".
تنزل سارة من أعلى الدرج بغضب.
فجأة تجد أمامها جنا.
سارة بغضب: "ممكن أعرف انتي عايزة إيه من نهال بنت خالتي؟"
جنا بابتسامة ساخرة: "أنا مش عايزة. هي إلا معاها حاجة مهمة تخصني. معاها قلبي".
سارة بسخرية: "يا حرام. ولما هو مهم عندك لدرجة دي بتسبيه ليه؟"
جنا: "المصلحة".
سارة: "آه يعني علشان الفلوس؟"
جنا: "بالظبط كده".
سارة: "بس للأسف مفيش حد بياخد كل حاجة. لازم تخسري".
جنا بابتسامة لعوبة: "تؤ تؤ. مش أنا ياماما اللي أخسر. أنا بكسب بس. وأنا واثقة مليون المية إن عاصم بيموت في تراب رجليا".
ثم.
تستدير مغادرة المكان.
عودة مرة أخرى عاصم ونهال.
التواليت.
نهال بعدما خلعت فستان زفافها. نسيت أن كل ملابسها بغرفتها وهذه غرفة عاصم.
ما زال عاصم يجلس على الفراش ينظر إلى ساعة معصمه قائلاً بتأفف: "أوف، بقي بتعمل إيه ده كله جوه؟"
ثم ينهض، يخلع سترته، يلقيها على الفراش.
ثم يخلع قميصه الأبيض أيضاً.
كان يرتدي فقط الملابس الداخلية.
ثم يطرق باب التواليت. طق طق.
نهال بخوف: "أيوه."
عاصم: "مش يالا؟"
نهال بخوف شديد: "إيه يالا إيه؟"
عاصم بتردد: "اتأخرتي جوه وأنا عايز أدخل."
نهال بتردد وخوف: "بصراحة أنا..."
عاصم: "في حاجة؟"
نهال من خلف الباب: "محبتش هدومي من أوضتي."
عاصم: "آه."
"طب ثواني هساعدك."
ثم يفتح خزينته الخاصة. ينظر إلى ملابسه جميعاً.
تقع عيناه على بيجامته الحمراء.
يمسكها متوجهاً إلى التواليت قائلاً: "خدي."
نهال بخجل: "طب سيبها عندك واخرج، ومسمهاش خدي، اسمها اتفضلي."
عاصم بابتسامة رقيقة: "أوك."
بعد دقائق.
تخرج نهال من التواليت ترتدي البيجامة الحمراء. كانت جميلة حقاً.
ولكن البيجامة كانت واسعة وطويلة جداً.
كانت مرحة جداً.
ينهض عاصم، لتتعالى ضحكته الصاخبة. يضرب كفاً على كف. هههههههه.
نهال بغضب: "ياسلام بتضحك؟"
عاصم بضحك: "بصراحة شكلك فظيع أوي. عبيط وأهبل كده."
نهال تجز على أسنانها: "أكده أنا غلطانة اللي لبسته، عاد هقلعها."
تركض نحو التواليت مرة أخرى بغضب شديد.
وإذا بالحظ السيء.
تضع قدمها على الصابونة التي على الأرض.
تقع نهال أرضاً صارخة: "آآآآآه!"
عاصم بخوف: "نيهال!"
رواية العاصم الفصل التاسع 9 - بقلم أم حورية
تركدت نيهال في التواليت مرة أخرى بغضب شديد، وإذا بالحظ السيء الذي يطاردها دائمًا.
تضع قدمها على الصابونة التي تقع أرضًا.
تقع نيهال أرضًا صارخة،
آآآآه.
عاصم بخوف شديد:
أي اللي حصل؟
نيهال بصراخ:
آآآ مش قادرة، رجلي.
عاصم، عاري الصدر والمنكبين، يرتدي ملابسه الداخلية فقط وبنطال أسود، يحاول حملها بين أحضانه.
نيهال بصراخ:
انت هتعمل إيه؟
عاصم:
هشيلك.
نيهال:
بشكلك كده؟
عاصم يحملها بالقوة، يضعها على الفراش، ثم يجلس بالقرب من قدميها محاولًا رفع البنطال.
نيهال بصرخة:
انت هتعمل إيه؟ جننت عاد؟
عاصم:
يابنتي رجلك هتتورم، لازم أضغط لك عليها، ولا نشوف دكتور.
نيهال بصراخ كالأطفال:
لا، ابعد عني.
عاصم بغضب:
اخرسي بدل ما أضربك قلم أوجعك.
نيهال تصمت بخوف منه.
عاصم بالقوة يمسك قدمها، يرفع ساعديها.
نيهال واضعة يدها على عينيها.
وإذا بها تنظر إلى عاصم.
تقع شعيراته الحريرية اللامعة على عيناه العسليتان ليصبح أكثر جاذبية.
تنظر إليه بابتسامة واسعة ورقيقة.
لم تتمالك أنفاسها المسرعة.
عاصم يلمس قدمها بيديه الناعمتين، وهو يحرك أصابعه على قدمها، وكان قشعريرة قوية تلمس كل أرجاء جسدها.
وفجأة تصرخ نيهال.
آآآآه.
غرفة نوم صابر.
صابر يخلع العباءة تاركًا العصا من يده، قائلاً:
هو الحكيم كان هنا بيعمل إيه؟
عفاف على الفراش:
اسكت، مش نيهال وجعت ياعيني ورجلها اتلوت تحت منبه.
صابر:
ياريتها كانت انكسرت.
عفاف بحزن:
وااااه، بعد الشر. ليه كده يابو الولاد؟ أنا معرفش إيه أكرهها لكِ كده ليه، بس البنت غلبانة و...
يقاطعه صابر قائلاً:
عفاف، بزيادة أهلك ونامي.
تنهض عفاف قائلة:
لا ياخوي، أنا هروح أطمن على نيهال وعاصم.
تغادر عفاف الغرفة.
يجلس صابر على المقعد قائلاً بوجه غاضب:
أكرهها بس.
متذكرًا ماضيه المؤلم.
فلاش باك.
كان والد صابر يجلس على المقعد بكبرياء.
صابر:
أبوي، أبوي، أنا كنت عايز... أروح الأرض وياك.
الاب بغضب:
لأ، مع تروحش. أنا هاخد معايا بس رشاد، هو أشطر مني وهيفهم، مش بهيمة كيفك.
ينظر إليه صابر بوجه غاضب.
صابر، شاب بالثلاثين من عمره:
أبوي، أنا كنت عايز أتچوز.
الوالد بغضب:
بت مين؟
صابر:
غالية بت المعلم سلطان تاجر الفاكهة.
الولد:
آيو، ده راجل زين قوي، وبنته كمان مربّاية، بس متنفعكش.
صابر بغضب:
ليه يابوي؟
الاب:
هجوزها لرشاد.
صابر بغضب:
واه بس، إني اللي عايزها.
الوالد بغضب:
انت هتعلي صوتك عليا ياواد؟
صابر بصراخ:
إني مش واد، إني ولدك. انت بتفرق مابيني وبين رشاد ليه؟ ده ظلم.
يصفعه الوالد على وجنتيه بغضب.
صابر يضع يده على وجنتيه، عيناه ملئتان بالشر.
بااااك.
صابر:
وبعد ده كله، أحبها ليه؟ أبوها خد مني كل حاجة، حتى اللي عشقتها وكنت هتجوزها... اتجوزها هو.
عودة مرة أخرى إلى عاصم و نيهال.
نيهال تفتح عينيها، من الواضح تغلب عليها النعاس.
تنظر تجد قدمها مقيدة بالشاش الأبيض.
تلتفت حولها لم تجد عاصم.
وفجأة تجده ينام أرضًا، مغمض العينين.
كان جميلًا حقًا، مثل الملاك.
تنظر إليه نيهال بابتسامة رقيقة خيالية.
ولكن سرعان ما تتذكر قبلته لجنى، فتتغير ملامحها إلى حزن وغضب، متجاهلة إياه.
نيهال تحاول النهوض ولكن قدمها مازالت تؤلمها.
نيهال بنبرة ألم:
آآآه.
يطرق الباب طق طق.
نيهال تحاول أن تمشي على قدمها ولكنها تؤلمها كثيرًا.
تجلس على الفراش مرة أخرى.
يفتح عاصم عينيه على أنينها.
عاصم بخوف:
نهال، مالك؟
نيهال:
لا أبداً، كنت عايزة أقوم أفتح الباب بس رجلي وجعاني.
يجلس عاصم بجوارها قائلاً:
ما يتحرق الباب.
للمرة الثانية طق طق.
عاصم يفتح الباب.
عفاف:
أي يا ولدي، من الصبح بخبط؟
عاصم بتعب:
آسف يا ماما، كنت نايم.
تدخل الغرفة قائلة:
كيفك يا بتي، عاملة إيه؟
نيهال تحاول وضع قدمها على الفراش.
يساعدها عاصم قائلاً:
ثواني أساعدك.
تنظر إليه نيهال نظرة رقيقة مليئة بالحب والشكر.
عفاف بابتسامة واسعة:
ربنا يسعدكم يا ولدي.
عاصم بدهشة:
فدعوتها غريبة جدًا.
عفاف:
بتوجعك؟
نيهال:
شويه يا مرات عمي.
عاصم:
أستأذنك يا ماما، هدخل آخد دش.
عفاف:
اتفضل يا ولدي.
يدخل عاصم التواليت وعيناه معلقتان بنيهال.
يغلق الباب خلفه.
عفاف بصوت خافت:
قوليلي عاصم عامل إيه معاكي يا بتي؟
نيهال:
كويس يا مرات عمي.
عفاف:
هما كده، ومتسيبش من يدك تاني. خليه بحبك ويتعلق بيكي، وينسى البت المسهوكة دي، على رأي أمجد ولدي، عاملة زي عصاية المكنسة.
نيهال بضحكة عالية:
ههههه، بس أنا هعمل إيه يا مرات عمي؟ انتي عارفة إن جوازنا مبني على الوصية، ولمدة سنة واحدة.
عفاف بصوت خافت:
وانتي تقدري في السنة دي تعملي كتير قوي. اسمعي كلام مرات عمك تكسب.
يخرج عاصم من التواليت وهو يضع المنشفة حول رقبته قائلاً:
إيه بينكم أسرار ولا إيه؟
تنهض عفاف قائلة:
لا يا ولدي، أنا همشي عاد. شد حيلك مع مراتك.
عاصم بذهول:
إيه يا جماعة، حد قالكم بضربها بخرطوم محشي رمل؟ بتوصوني عليها كتير أوي.
عفاف:
يا ولدي، بهزر معاك. هبعتلكم الفطور مع الخدامة.
نيهال:
تسلمي يا مرات عمي. مرات عمي، ممكن تبعتيلي سارة؟
عفاف:
حاضر يا بتي.
تخرج عفاف وتغلق الباب خلفها.
يجلس عاصم بجوار نهال قائلاً:
سارة دي مش برتاح لها خالص. كلام دبش، معندهاش ذوق خالص.
نيهال بدهشة:
سارة؟ دي سارة دي طيبة أوي أوي، بس هي بتحبني زيادة وبتزعل عليا.
عاصم بدهشة:
مستغرب، بيحبوكي أوي كده ليه؟
نيهال بدهشة من سؤاله:
قصدك مين؟
عاصم:
جدي الله يرحمه... وماما بتحبك أوي. أمجد كان بيعيط عليكي وإنتي تعبانة. وسارة... وريان كمان... كلهم يعني.
تحني رأسها خجلًا بابتسامة رقيقة هادئة.
ينظر إليها عاصم بحدة قائلاً:
فيكي شي غامض بيشدني وفي نفس الوقت بيبعدني.
نيهال:
جرب تبعد عني.
عاصم بدهشة:
أبعد ليه؟
نيهال:
علشان تقدر تفسر إيه هو الشيء الغامض ده.
عاصم بذهول أكبر:
مش فاهم.
تقترب نيهال من عيناه بشدة، تنظر بداخلهم بحدة قائلة:
شايف إيه؟
عاصم لم يستطع تمالك أنفاسه، قائلاً بنبرة وحيرة:
مش عارف.
وفجأة تدخل سارة بدون أي مقدمات.
يبتعد عاصم قائلاً:
احم.
سارة بخجل شديد:
طب أنا همشي.
يقاطعها عاصم قائلاً:
لا، اتفضلي. أنا اللي خارج. عن إذنكم.
ويغادر.
سارة بخطوات مسرعة تجلس بجوار نيهال قائلة بابتسامة واسعة:
قوليلي، كنتوا بتعملوا إيه وبتقولوا إيه؟ هااا؟ قولي بقى.
نيهال بخجل:
مفيش حاجة، دي كانت عيني مطروفة وكان بيشوفها بس.
سارة ترفع حاجبيها قائلة:
بت، ارغي.
نيهال:
خلاص، هحكيلك.
صباح يوم جديد.
الأرض.
الأنفار يعملون بالأرض بشقاء وتعب وجدية.
نيهال تباشر بعض المهام بالأرض بتعب شديد، مازالت قدمها تؤلمها، تتحمل عليها بصعوبة.
كانت ترتدي تي شيرت أسود وجيبة محتشمة جينز، حجاب على الرأس أحمر، يبين إحدى خصلات شعرها الأسود اللامع، فريد من نوعه.
نيهال:
مش معقولة يا جماعة العطلة دي، المحصول لازم يتلم الأسبوع ده. التاجر جاي يحمله.
أحد الأنفر:
تحت أمرك يا ست الكل. انتي متشغليش بالك.
القصر.
عاصم ينزل من أعلى الدرج مسرعًا:
بت يا خوخة.
خوخة:
نعم يا سيدي.
عاصم:
فين ستك نيهال؟
خوخة:
راحت عالأرض يا سيدي.
عاصم بوجه غاضب:
الأرض تاني؟ طب روحي انتي.
تأتي والدته قائلة:
عاصم يا ولدي، أنا هروح أطمن على عمتي، مريضة. عايز حاجة؟
عاصم بغضب:
لا يا ماما، روحي.
الام تغادر قائلة:
طب مع السلامة يا ولدي.
عودة مرة أخرى إلى نيهال.
نيهال بنبرة ألم:
آآآآه.
ريان من الخلف، كان يرتدي جلباب أسود.
ريان:
كيفك يا بت عمي؟
نيهال:
الحمد لله.
ريان:
مالك؟ شكلك تعبانة.
نيهال:
لا، أنا زينة. هروح أرتاح وهبقى زينة.
ولكن للمرة الثانية تقع أرضًا، صارخة:
آآآه.
ريان بخوووف:
نيهال!
محاولًا أن يوقفها.
نيهال تضع يدها على قدمها صارخة:
آآآه.
أحد العمال:
سلامتك يا ست الكل. أجيب الحكيم؟
نيهال تهز رأسها بالنفي قائلة:
لا يا عم عويس، أنا زينة.
ولكن يمسك يدها ريان بخوف شديد قائلاً:
ياريتني كنت أنا.
نيهال بغضب:
ريان، انتبه لكلامك زين، أنا دلوقتي مرات أخوك.
ريان لم يستجب إلى كلامها، محاولًا أيضًا مساندتها بالرغم أنها ترفض قربه منها، قائلاً:
بس أنا اللي أحبك، مش أخويا. أنا بعشقك يانهال.
وبتلك الموقف يأتي عاصم.
عند رؤيته نيهال بين أحضان ريان، يمتلكه الغضب.
تبتعد نيهال صارخة:
إيه اللي هتعمله ده؟ أجننت؟
ريان بتردد:
إنـ...
يقاطعهما عاصم قائلاً بغضب:
مين سمحلك تخرجي ومن غير إذني؟
نيهال بثقة:
وأنا مش محتاجة إذن من حد. أنا لازم أرعى مصالحي.
عاصم بغضب:
بس انتي دلوقتي مراتي، وخلاص اسمك بقى جنب اسمي.
نيهال:
وأنا المفروض أعمل إيه يعني؟
يمسك يدها عاصم قائلاً بغضب:
المفروض تسمعي كلامي وتروحي معايا حالا.
تنفض نيهال يده قائلة بغضب:
إني آسفة، لسا قدامي شغل كتير.
ينظر إليهما ريان بابتسامة واسعة.
عاصم ينظر إلى ريان قائلاً:
من الظاهر إني قطعت عليكم خلوتكم.
نيهال بذهول وغضب:
إيه اللي بتقوله ده؟ خلوة إيه؟
عاصم يعقد ذراعيه حول صدره قائلاً:
تقدري تقوليلي، كنت في حضن أخويا بتعملي إيه؟
تنظر إليه نهال بحزن شديد.
تنزل دمعتها على وجنتيها بغزارة.
تغادر الأرض فورًا وهي تمشي بصعوبة على قدمها.
عاصم، تأتي عيناه على ريان وهو يبتسم.
ثم يغادر الأرض فورًا.
القصر.
غرفة نيهال.
تدخل نيهال غرفتها بغضب وحزن معًا.
يدخل عاصم خلفها.
عاصم بصراخ:
تقدري تقوليلي، إيه اللي بينك وبين ريان؟
تنهض نيهال بدموع:
انت أجننت عاد؟ ريان ده أخوك.
عاصم بغضب:
من النهارده مفيش مرواح للأرض.
نيهال بكبرياء وثقة:
مقدرش أهمل أرض جدي وأبوي، لازم أراعيها.
عاصم بغضب:
يعني بترفض؟
نيهال:
آه.
يمسك عاصم ذراعها، يلويها وراء ظهرها بكل قسوة.
نيهال بصراخ شديد:
آآآآه، سيب يدي.
عاصم بغضب:
مش قبل ما توافقي على كلامي.
نيهال بغضب وتحدي:
لا، لا، مستحيل. انت همجي متخلف.
عاصم بوجه ملئ بالغضب يلقيها على الفراش بقسوة.
نيهال ببكاء:
انت أجننت؟ آآآآه.
عاصم بغضب:
أنا من دلوقتي هربيكي، إذا كان محدش رباكي، أنا هربيكي، وهتسمعي كلامي يانيهال... وهشوف بقى هتخرجي إزاي تاني.
ثم يخرج عاصم ويغلق الباب بالمفتاح.
نيهال ببكاء شديد:
آآآآه.
تنهض نيهال بصعوبة، تضرب رأسها بالباب بقوة.
افتحوا، افتحوا، افتحوا.
متذكرة ماضيها المؤلم القاسي.
نظرة والدتها الحنون حين الوداع.
صوت والدها الطيب قائلاً: "هتحتاجي حاجة من مصر يا بنيتي؟"
موت جدها المفاجئ.
الوصية التي حطمت حياتها، وجعلتها فريسة في يد حبيبها القاسي.
فمن أنت بالنسبة إلي؟ القاضي أم الجلاد؟
وفجأة تفقد وعيها تمامًا ويغمى عليها.
تقع أرضًا.
رواية العاصم الفصل العاشر 10 - بقلم أم حورية
وفجأة تفقد وعيها تمامًا وتُغمى عليها. تقع أرضًا.
بعد مرور أربع ساعات متواصلة، يعود عاصم إلى الأرض مرة أخرى. يباشر بعض الأعمال.
أحد الأنْفار: منور أرضك يا عاصم بيه.
عاصم: شكرًا يا عم عويس. ها؟ لميتوا المحصول؟
عويس: أيوه يا سيادة البيه، وكنا منتظرين آنسة نهال تشوف المحصول.
عاصم بغضب: ليه، أنا مش مالي عينك ولا إيه؟ نهال مش راجعة تاني؟
عويس بخوف: العفو يا بيه. كنت عايز أسأل حضرتك على...
عاصم: تسأل على إيه؟
عويس: هي الست نهال مش بخير؟ من ساعة ما وقعت وأنا قلقان عليها.
عاصم بذهول: وقعت؟ وقعت فين؟
عويس: وقعت هنا وكانت تعبانة خالص. وحتى ريان بيه، أخو سيادتك، كان هنا وكان عايزها تسند عليه، لكن الحق يتقال هي قالت لأ.
عاصم بحزن شديد: أنت متأكد من الكلام ده؟
عويس: أيوه يا بيه، كله كان قدام عيني.
يغادر عاصم على الفور لتصحيح تلك الغلطة الكبيرة.
القصر.
غرفة نهال.
يخرج عاصم المفتاح من جيبه ويفتح الباب. وفجأة يجدها ملقاة على الأرض فاقدة الوعي.
عاصم بخوف وقلق: نهال! نهال!
وبدون أي مقدمات، يحملها بين أحضانه. يضعها على الفراش بهدوء.
تدخل سارة فجأة.
سارة بقلق وخوف: نهال! إيه حصلها؟
تجلس بجوارها بحب وخوف.
عاصم: من فضلك خليكي جنبها. هتصل بالدكتور.
سارة بخوف: أكيد. يا ريتني أنا...
بعد مرور ساعات.
نهال مثل ماهي، فاقدة الوعي، مغشي عليها. سارة بجوارها.
ينظر إليها عاصم بخوف شديد، يشعر بالندم والخجل وظنه السوء بها.
بينما يرن هاتفه المحمول. يجد المتصل جنا. يتجاهل رنينها ويغلق المكالمة.
عاصم بتردد: آنسة سارة، اتفضلي أنتِ، وأنا هفضل جنبها.
سارة: متأكد إنك هتفضل جنبها؟
عاصم: أيوه طبعًا.
تقبلها سارة من جبينها ثم تنهض قائلة: عاصم، خلي بالك منها. هي مالهاش حد غيرنا دلوقتي.
عاصم يهز رأسه بالموافقة. تغادر سارة الغرفة على الفور، تعلق الباب خلفها.
يجلس عاصم بجوارها، ينظر إلى عينيها النائمة بحزن وخجل وندم لتصرفه القاسي معها. يلعن نفسه مئات المرات.
وبدون أي شعور، يمسك يدها، يتحسس كل أناملها بهدوء.
نهال تبدأ بالهذيان. وتبدأ أعراض للسخونة تظهر عليها. تضرب برأسها يمينًا ويسارًا.
نهال: أمي! أبوي! سببتوني ليه؟ جدي! جدي! أنا محتاجاكم. متسبونيش. خدوني معاكم. آآآه.
عاصم: (ونزلت الدمعة من عينه) محاولًا تهدئتها. نهال اهدئي... اهدئي.
وبالفعل تصمت نهال دون وعي.
عاصم: (بنبرة مليئة بالأسى) نهال.
ينظر إليها عاصم بذهول. يضع يده على جبينها. يجد حرارتها مرتفعة جدًا. لم تتحمل يده ارتفاع حرارتها وسخونتها.
ينهض عاصم بخوف شديد. فماذا يفعل حتى تتوقف تلك الحرارة وتنزل؟
يأتي بوعاء به ماء بارد وقماشة مبللة. يجلس بجوارها. يضع القماشة على جبينها.
تأتي سارة بخطوات خافتة للاطمئنان على نهال. تفتح الباب ببطء. تجده عاصم يعمل لها كمادات. تبتسم سارة بشدة ثم تخرج دون أن أحد يشعر بها. اطمأنت أنها بأيدٍ أمينة حقًا.
يظل عاصم يعمل لها الكمادات حتى أصبحت الساعة الواحدة والنصف صباحًا. ولكن بدون فائدة، فما زالت حرارتها مرتفعة.
وبدأ عاصم الخوف يتمكن منه والألم. وقد شعر أن دقات قلبه تتسارع. أنفاسه تسرع.
ينهض فجأة. يحملها بين أحضانه. راكضًا إلى التواليت مسرعًا. يقف تحت الدش. يفتح المياه. تنزل عليهما المياه كالمطر. ويحتضنها أكثر وأكثر وأكثر. يستنشق هواءها.
وفجأة تعانقه نهال، واضعة ذراعيها حول رقبته.
عاصم بذهول أكثر من فعلتها هذه، ويستسلم لتلك الحضن الجميل، القلب الدافئ.
صباح يوم جديد.
غرفة النوم.
نهال تفتح عينيها بهدوء. لم تتذكر شيئًا بعد من ليلة البارحة. آخر شيء تذكرته... ضرب عاصم لها وحبسه داخل غرفتها بمنتهى القسوة.
تنظر، تجد من يعانقها، يحتضنها. ينام بجوارها.
سرعان ما تتحرك. يفتح عاصم عينيه قائلاً: حمد الله على السلامة.
تنهض نهال قائلة بغضب: أنت مجنون؟ إزاي تنام جنبي بدون أي احترام كده؟ وكمان ليك عين بعد اللي عملته فيا عشية؟
ينهض عاصم قائلاً: أنا آسف بس...
نهال بصراخ: صحيح أنا مراتك، بس ده على الورق. إنما حاجة تانية، متحطش في بالك. هي سنة وكل واحد هيروح لحاله وتطلقني.
عاصم بغضب: وأنا مستني السنة دي تخلص بفارغ الصبر. النهارده قبل بكرة علشان أتجوز بقي الإنسانة اللي بحبها ونخلص. وأنا آسف.
يغادر عاصم الغرفة على الفور، وعيناه هائجتان مشتعلتان.
تجلس نهال على الفراش بحزن شديد، دامعة العينين.
تدخل سارة فجأة قائلة: إيه يا بنتي اللي عملتيه ده؟
نهال ببكاء: عملت إيه ده؟ إنسان همجي.
تجلس سارة بجوارها قائلة: بالعكس، ده محتاج منك كلمة شكر.
نهال بدهشة: شكر على إيه؟
سارة: فضلت الليل كله سهران جنبك وأنتِ تعبانة. وفضل يعملك كمادات. وكان هيموت من الخوف عليكي. أنا شفت بعيني بصراحة. أنتِ غلطانة.
نهال بذهول: عاصم عمل ده كله علشاني؟ وأنا من غبائي بهدلته.
سارة: اتفضلي بقى روحي اعتذري له.
نهال: بس أنا خايفة يطردني و...
سارة بنفي: لا مش هيطردك. يلا بقى.
غرفة عاصم.
يجلس عاصم على المقعد الهزاز. يجز على أسنانه غضبًا وجنونًا.
يرن هاتفه المحمول.
عاصم: ألو؟ أيوا يا جنا.
جنا من جهة أخرى: من امبارح برن عليك مش بترد عليا، إيه الحكاية؟
عاصم: أبداً مشَاغل بس.
جنا: مفيش... وحشتيني ولا حاجة؟
عاصم: أكيد وحشتيني... جدًا.
بينما تأتي نهال. مجرد وضع يدها على المقبض، تفتح الباب. تسمع حديثه مع جنا. تنصت إليهما.
عاصم: طبعًا بحبك أوي. عندك شك؟ كلها كم شهر وهتخلص السنة ونرجع لبعض. أوك يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك.
نهال تغادر على الفور، وكان خنجرًا اخترق قلبها. تركض مسرعة إلى غرفتها وقلبها حزين. فبعد مكالمته مع جنا علمت أنه ينتظر طلاقهما بفارغ الصبر. وفراقهما من أجل المال.
تجلس على الفراش. تأتي عيناها على الوعاء والقماشة. تذكرت أنه سهر من أجلها وعمل لها الكمادات. متذكرة أيضًا حين حملها بين أحضانه ونزول المياه عليهما. خوفه الشديد عليها.
نهال بذهول: أنا... أنا كنت غبية قوي. بس هو كمان غلط في حقي.
صباح يوم جديد.
غرفة المكتب.
يجلس عاصم على المقعد أمام المكتب الخشبي يتفحص بعض الأوراق المهمة.
يرن الهاتف المحمول.
عاصم: ألووو.
أهلًا يا متر. الحمد لله بخير. آه، نسافر لحضرتك أنا ونهال. تحت أمرك. ما السلامة.
عاصم بحيرة ينظر إلى بعض الأوراق المهمة.
غرفة نهال.
تنظر نهال من النافذة بحزن شديد وصمت.
فجأة تجد من يضع يده على خصرها من الخلف. تستدير نهال بخوف. تجده ريان.
نهال ترجع للخلف بخوف: ريان! أنت دخلت هنا كيف؟
ريان بابتسامة لعوبة: دخلت من الباب.
نهال بغضب: وعايز إيه؟
ريان محاولًا التقرب منها قائلاً: أنت عارف عايز إيه.
نهال بغضب: أنت اتجننت عاد؟ زمان حاجة ودلوقتي حاجة. أنا مرات أخوك، وعيب اللي بتعمله ده، وإلا هتقوله ده.
ريان يقترب أكثر قائلاً: مرات أخوي على الورق. كلها كم شهر وتتطلقوا. عاصم بيحب خطيبته وهيتجوزها. وأنتِ كماني هتشوفي نصيبك مع غيره. ونصيبك ده معايا أنا. أنا بحبك جوي يا نهال ومستعد أعمل أي حاجة عشانك.
نهال بغضب: ريان اخرج بره.
ريان بابتسامة: حاضر يا بت عمي. بس حطي كلامي ده حلقة في ودانك. أنتِ ملكي أنا وبس.
ثم يغادر الغرفة تاركًا نهال حزينة.
ريان يغادر الغرفة وعاصم قادم. تقع عيناه على ريان يخرج من غرفة نهال بابتسامة واسعة. يبدأ الشك يتمكن منه. وقد شعر أن بينهما شيئًا ما.
يطرق الباب طق طق.
تستدير نهال تفتح الباب. فجأة تجده عاصم.
عاصم بجدية: يا ريت تجهزي نفسك علشان المحامي عايزنا نسافر النهارده.
يستدير مغادرًا. ولكن توقفه نهال. تمسك يده قائلة: عاصم.
ينظر إليها عاصم قائلاً: في إيه؟
نهال بتردد: أنا عايزة أعتذرلك على آخر مرة.
عاصم بجدية أكثر: أنا نسيت كل حاجة. وبعدين أنتِ مغلطتيش. إحنا فعلاً جوازنا على الورق. ولمدة محددة. وزي ما أنا ليا حياتي وحبيبتي، أنتِ كمان أظن ليكي حياتك. عن إذنك.
ويغادر الغرفة على الفور.
نهال بحيرة ودهشة: حياتي؟ هو يقصد إيه؟