تحميل رواية «أقدار بلا رحمة» PDF
بقلم ميار خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في احدى العمارات السكنية بالقاهرة .. صدع صوت صرخاتها و هي تقول له : - تتجوز عليا أنا .. ليه حرام عليك أنا ذنبي إيه نظر لها زوجها الواقف أمامها بعصبية و أردف : - ذنبك إنك جبتيلي بنت .. و انتِ اكتر حد عارف إني كان نفسي في ولد يشيل أسمي - دي حاجه بتاعت ربنا أنا مليش دخل - و عشان كده أنا قررت أتجوز تاني .. هي اللي هتجبلي الولد و لو مش عاجبك أخبطي راسك في الحيطه و أثناء كل هذا الشجار كانت تقف في إحدى الأركان تلك الفتاة الصغيرة ذات ال ٦ أعوام و يظهر منها نصف وجهها الباكي فقط و تستمع لحديثهم حتى قالت ا...
رواية أقدار بلا رحمة الفصل الأول 1 - بقلم ميار خالد
في احدى العمارات السكنية بالقاهرة ..صدع صوت صرخاتها و هي تقول له :- تتجوز عليا أنا .. ليه حرام عليك أنا ذنبي إيهنظر لها زوجها الواقف أمامها بعصبية و أردف :- ذنبك إنك جبتيلي بنت .. و انتِ اكتر حد عارف إني كان نفسي في ولد يشيل أسمي- دي حاجه بتاعت ربنا أنا مليش دخل- و عشان كده أنا قررت أتجوز تاني .. هي اللي هتجبلي الولد و لو مش عاجبك أخبطي راسك في الحيطهو أثناء كل هذا الشجار كانت تقف في إحدى الأركان تلك الفتاة الصغيرة ذات ال ٦ أعوام و يظهر منها نصف وجهها الباكي فقط و تستمع لحديثهم حتى قالت الأم- و أنا مش هرضى إني أكون زوجه تانيه- ورقة طلاقك هتكون عندك خلال أيام .. أنا مش هقدر استحمل أكتر من كده أنا كمان بني آدم و ليا قدرة تحمل .. انتِ طالقشَهقت الأم بفزع و طالعها هو بقسوة ثم ألتفت ليخرج من البيت بعصبية لتقع عينيه على طفلته و لكنه لم يهتم و خرج من البيت سريعا، سقطت الأم مكانها و بكت بقهره حتى اتجهت اليها الطفلة الصغيرة و ظلت تربّت على كتفها بحنان .و مرت بضع أيام على الأم و عصبيتها تزيد يوماً عن يوم على طفلتها حتى صرخت بها بإحدى المرات- انتِ السبب في كل اللي أنا فيه .. أمشي من وشي !!فزعت الطفلة من صرخات أمها عليها و ركضت إلى غرفتها ببكاء و ظلت بها قليلا حتى قالت :- ماما زعلانه مني .. أكيد أنا عملت حاجه لازم أروح أصالحهاو عزمت أمرها و خرجت من غرفتها و اتجهت إلى غرفة والدتها و لكنها قبل أن تدخلها توقفت حين سمعتها تتحدث عبر الهاتف و تقول :- والله ما عارفه أعمل إيه .. أنا كمان من حقي أتجوز و أكمل حياتي زي ما هو كمل بس مين هيرضى ياخد واحده معاها بنت .. لحد أمتي هفضل دافنه نفسي كده ما أنا كمان نفسي اعيش مش كفاية قبلت أتجوزه و هو أكبر مني كمان دلوقتي مش عاجبه و سابني و رمالي البنت .. أنا لسه صغيرة على الهم دهكانت الفتاه الصغيرة تسمعها بدموع حتى أدركت أنها سبب تعاسة والدتها و عقبتها في الحياة، و بعقل طفلة قررت أن تبتعد عن حياة والدتها حتى تكون سعيدة، على الأقل هذا ما كانت تظنه، اتجهت الى غرفتها مره اخرى و أخذت دميتها و نظرت إلى غرفتها مرة اخيرة ثم فتحت باب المنزل و نزلت الى الشارع لتضيع بين ثناياه
و لكن ما ذنب تلك الطفلة بكل تلك القسوة ..و إذا كانت الحياة معروفة بالقسوة و أن اقدارها بلا رحمة، فإن الله هو العدل الذي وسعت رحمته كل شيء ولا يوجد كائن على الارض إلا و هو تحت تدبير الله، أنه لا ينسى عباده ..في احدى ملاجئ الأيتام بالقاهرة ..في تمام الساعة الثالثة ظهراً ..كانت تجلس في إحدى الأركان بحزن و تنظر أمامها بلا هدف و كأنها لا ترى شيئا حتي شعرت باقتراب إحدى اخواتها بالدار منها- قاعده لوحدك ليه يا براء؟ تعالي العبي معاناردت الفتاة الصغيرة التي تسمي براء و التي أصبحت بعمر الثمانِ أعوام :- مش عايزه العب- ليه بس ده حتي عيد ميلادك النهاردةثم تحركت من مكانها و قالت بحماس :- زي النهاردة من سنتين انتِ وصلتي للملجأ ده .. صحيح هو فين يامن و كريم ؟نظرت لها براء بحزن و قالت :- محدش فيهم جه- متزعليش هما بيحبوكي جدا .. دول بيجوا الملجأ خصوصا عشانكنهضت براء من مكانها بغضب طفولي و أردفت :- لا مش بيحبوني دول نسوا أن النهاردة عيد ميلادي و محدش فيهم افتكرني .. أنا هروح أنام يا سلميثم ذهبت من أمامها و اتجهت إلى الداخل تاركا تلك الجنينه الممله بنظرها، أنها تكون بتلك الحالة في ذهنها عندما توجد بها بمفردها أو بمعني أصح عند غياب أصدقائها الوحيدين بذلك المكان .. يامن و كريم .ركضت سلمي خلفها سريعا حتى وقفت أمامها و قالت :- استني بس يا براء أنتِ رايحه فين!- أنا زعلانه دلوقتي يا سلمي خليني اروح الاوضه- لا مش هينفع تدخلي- ليه يعني ؟
نظرت لها براء ببعض الشك ثم دفعتها بخفه و ركضت داخل الدار لتجد المكان مزين بأكمله و كانت البهجة تعم المكان لتتسرب تلك الابتسامة العريضة إلى شفتيها سريعا، نظرت أمامها تحديدا لتجد تجمع كبير من البالونات و قبل أن تقترب خرج من بينهم جميع اخواتها بالدار على رأسهم أصدقائها المقربين يامن و كريم ذو العشرة أعوام ، شهقت براء بفرحه و هي تنظر إليهم فاتجهوا إليها الإثنان و قالوا في وقت واحد :- كل سنه و أنتِ طيبة يا براء- إيه ده! .. أنا كنت فكراكم نسيتونينظر لها يامن بابتسامة جميلة وقال :- معقول برضو ننساكي .. أنا آسف أننا اتأخرنا عليكي بس ماما صممت أننا نعمل كل حاجه لما نرجع من المدرسهو هنا أتجه الجميع إلى براء حتي يحتفلوا بها، و في تلك اللحظة لاحظت أيضا وجود بعض الكاميرات التي تلتقط لها صور و بعض الصحفيين أمامهم عاليا والدة يامن بتألقها المعتاد، نظرت لهم براء بتساؤل ثم قالت :- هما مين اللي مع مامتك دول يا يامن .. دول بيصورونيفكر يامن للحظات ثم قال بعقل طفولي :- مش عارف .. ممكن عشان ياخدوا لينا صور كتير و تفضل ذكرى و نشوفهم لما نكبر و نضحك زي ما بشوف الكبار بيعملوانظر له كريم و قال :- أيوه صح .. بابا و أصحابه بيعملوا كده لما بيشوفوا صورهم زمانهزت براء كتفيها بعدم اهتمام و أردفت :- يمكننعود إلى عاليا و الصحفيين .. كانت تقف بتكبر ترتسم تلك الابتسامة المصطنعة على وجهها حتي اتجه إليها إحدى الصحفيين و ركز الكاميرا عليها و سألها :- لفته حلوة منك أن سيدة أعمال من طبقة راقيه زيك تعمل عيد ميلاد لبنت صغيرة في ملجأضحكت عاليا بخفة و قالت بتصنع :- لازم طبعا نحس بالطبقة اللي أقل مننا و نفكر ازاي نفرحهم كمان .. و مش بس كده أنا معوده ابني كمان أنه يصاحبهم و يتعامل معاهم كويس .. أنا ضد العنصرية في المجتمع- ياريت كل الناس زيك- ميرسي متشكره جدا .. هنفضل نتكلم كتير ولا إيه خدوا لينا شوية صور كده و عايزاهم بكره يكونوا منورين في الجرايد بعنوانين حلوة- اكيد طبعاو بالفعل بدأوا في التقاط صور لهم حتي اتجهت مديرة الملجأ إلى عاليا التي كانت تقف بغرور وسط الأطفال حتي يلتقطون بعض الصور لها فانسحبت من بينهم، نظرت لها المديرة بضيق و قالت :- مكنش ليه لزوم كل ده يا عاليا هانم- ازاي يعني لا كان ليه لزوم .. انتِ كنتي عايزاني اطلع بشكل مش لطيف قدام الصحافه- لا مش قصدي .. بس إيه لازمتها الصحافه انتِ مفهمتنيش كل ده- حتي لو كنت قولت مكنتيش هتفهمي .. الحاجات دي مهمه عندي لازم كل حدث اعمله يكون متغطي بالكامل من الصحافهزفرت المديرة بضيق ثم قالت :- اللي تشوفيهأبتسمت لها عاليا بتكبر ثم قالت :- اه و مكنتش عايزاكي تقلقي أنا كلمت جوزي و هو هيتبرع بمبلغ كويس للدار هنا- كتر خيرك يا هانمابتسمت لها عاليا ثم ذهبت من أمامها، نعود إلى براء التي كانت تفتح هداياها بفرحه شديدة إلي أن وصلت إلى هدية يامن و قد ظهرت لمعة في عينيه، ينتظرها أن تفتحها بفارغ الصبر و قد ضم يديه بحماس طفولي، نظرت له براء بابتسامة جميلة ثم فتحتها بهدوء لتجد بها فستان وردي صغير يتناسب مع طولها و سلسال طويل مكتوب عليه اسمها .. براء- ايه رأيك .. حلوين؟نظرت له براء بفرحه كبيرة و قالت :- حلوين بس ! دول حلوين اوي انا بحب اللون ده جدا .. بس في حاجه غريبة- حاجه ايه- السلسلة دي طويلة على رقبتيابتسم يامن و قال :- ايوه أنا قصدت أجيبها كده و قولت لعمو يخليها طويلة- ليه بس- علشان تفضل في رقبتك لحد ما تكبري خالص و كل ما تشوفيها تفتكريني .. و عشان كل ما أشوفها في رقبتك أعرف إنك لسه فكراني- و أنا مش هفتكرك ليه؟قال كريم بمزاح :- اروح أنا أطفي الشمع طيبثم أمسك براء من يدها و سحبها خلفه و أردف :- يلا بقى يا براءذهبت براء مع اصدقائها إلى الكعكة الخاصة بعيد ميلادها و قبل أن تطفئ شمعها صرخ يامن بها :- استني .. أتمني أمنيه الاولنظرت له براء بابتسامه و أغلقت عيونها و تمنت بداخلها شيئا ما ثم فتحتهما و اطفئت الشمع ثم ذهب الاطفال حتى يلعبوا جميعا و انصرفت الصحافه فتنفست عاليا براحه و اتجهت إلى يامن و قالت :- يلا بقى ولا ايه- استني يا ماما شوية كمان بس ده عيد ميلاد براء- حبيبي يلا عشان ماما مشغوله اوي- طب أمشي و ماما كريم هتبقي ترجعنا- قولت لا .. يلاو هنا اتجهت إليها براء و قالت لها :- خليه شوية يا طنط بالله عليكينظرت لها عاليا بتكبر ثم قالت :- مش كفاية اللي عمله ليكي ولا ايه .. معلش بقى يبقي يجي وقت تاني هو كمان مشغول و عنده مدرسه و مذاكره كتير مش زيكنظرت لها براء بحزن و ترقرقت الدموع في عينيها بسبب كلمات عاليا القاسية، نظرت لها عاليا بابتسامة مصطنعة و في تلك اللحظة ظهر سؤال واحد في ذهنهالماذا يعاملني الناس بكل تلك القسوة؟و قال يامن :- ماما بلاش تكلمي براء كده هي بتزعلنظرت له عاليا بعصبية و قالت :- والله .. و انت ينفع تتكلم مع ماما كده عادي- انا اسف .. خليني شوية عشان خاطريصمتت عاليا للحظات و في تلك اللحظة صدع هاتفها رنينا فقالت ليامن :- هروح اعمل مكالمه و هرجعلك تاني .. اتفقناصرخ الاطفال بفرحة و عادوا الي مرحهم ولكن تلك المره كانت براء صامته لا تبدي اي رد فعل، ابتعدت عاليا عنهم قليلا حتي وقفت في إحدى الزوايا و ردت المتصل، أردفت :- بتتصل بيا ليه أنت مش عارف إني مشغوله دلوقتي!- وحشتيني طب- أنا مش قولت تبطل كلامك ده .. افرض جوزي رد عليك مره بالغلط انت عايز توقعني في مشكله- لا طبعا ميرضنيش .. بس انتِ كمان لازم تراعيني .. و لازم تقدري أن حبي ليكي أكبر منه يكفي إنطي اعرفك من قبل ما تتجوزيه اصلا .. ولا انتِ نسيتي انا سيبتك تتجوزيه ليه؟!زفرت عاليا بضيق و قالت :- لا منسيتش .. محسسني انك مش مستفاد من اللي حصل ده في حاجه- مهما كنت مستفاد مش زيك يا حبيبتي- طيب و المطلوب دلوقتي- اشوفك .. وحشتيني بقولك- طيب هحاول اظبط مواعيدي و اشوفك- لا والله .. مواعيدك! انتِ هتعملي نفسك مهمه عليا ولا ايه- مش قصدي بس بجد عندي حاجات كتير- النهاردة تكوني عندي .. تمام!- طيب هحاولعند يامن، اتجه الي براء عندما وجدها بتلك الحالة و قال :- مالك يا براء- هي طنط عاليا ليه بتعاملني كده- متزعليش منها هي مش قصدها .. مش كده يا كريم- أيوة دي طنط عاليا طيبه اويابتسمت براء و قالت :- خلاص انا نسيت كل حاجهنظر لها يامن و قال :- لا انا حاسس انك لسه زعلانه .. ايه يراضيكي طبنظرت براء الي الأزهار المعلقة علي إحدى الأشجار و قالت :- عايزه ورده من دولصرخ يامن بحماس و قال :- بس كدهثم ركض سريعا و حاول أن يتسلق تلك الشجره وسط تشجيع كل الاطفال و كاد أن يصل الي الورده و لكن في لحظة اختل توازنه و انزلقت قدمه من على الشجره ليسقط بقوة على الارض!!صرخت براء :- يامن!!عادت عاليا على صوت صرخات براء لتجد يامن على الارض و وجهه كله ملوث بالدماء التي تسيل من رأسه، نظرت له بفزع و ركضت نحوه سريعا لوحده غائب عن الوعي و في لحظات كانت سيارة الإسعاف أمام الملجأ، حملت عاليا ابنها و اقتربت منه براء بدموع لتصرخ بها عاليا بقسوة- أبني لو جراله حاجه بسببك أنا هدمرك انتي فاهمه!! أمشي من وشينظرت لها براء بدموع و قالت :- أنا بس عايزه اطمن عليهنظر لها كريم ببكاء و قال :- متخافيش يا براء انا هروح مع يامن و هبقي اطمنكخرجوا جميعا و وضعوا يامن في سيارة الإسعاف و انطلقوا به الي المستشفي و عالجوا الجرح الموجود برأسه وسط صرخاته الباكيه و مر اليوم و اخيرا وسط مشاعر كثيره منها الحزن و القهرة و السعاده ..و في اليوم التالي جهزت عاليا نفسها حتي تذهب الي حبيبها الخفي، حبيبها الذي تخلت عنه بمجرد أن وقع والد يامن في طريقها، كان علاء والد يامن رجل طيب نوعا ما يحب زوجته و أبنه و بشده، و لكن عيبه الوحيد كان ضعف شخصيته أمام زوجته، فبسبب حبه الشديد لها كان يخضع لها في كثير من المواقف حتي مسكت هي زمام الأمور، تزوجت عاليا والد يامن بحثا عن النفوذ و الثروة و بعد سنوات من زواجها عادت علاقتها بهذا الرجل مرة أخرى، و ظلت تلك المقابلات السريه مستمره لعدة سنوات حتي وصل يامن الي الصف الثالث الاعدادي و كانت علاقته مع براء و الملجأ مستمره، كان الوضع هادئ حتي جاء ذلك اليوم المشئوم ..خرجت عاليا من بيتها بعد أن أخبرت علاء زوجها أنها ذاهبه الي إحدى صديقاتها، و لكنه لم يصدق كلامها لذلك تابعها حتي وقفت بسيارتها أمام إحدى العمارات القديمه، ترجلت من سيارتها و دخلت الي البناية بسرعه و هي تتلفت حولها و هو خلفها حتي وصلت الي شقة حبيبها الخفي و كان علاء يشاهد كل هذا، فتح لها الباب و دخلت بسرعه قبل أن يراها احد، احترقت دماء علاء بشدة و تملكته العصبية ليذهب باتجاه الباب و يدفعه بقوه! و محاولة مع الأخرى استطاع من كسر الباب! دلف الي البيت بسرعه و بحث به كالمجنون ليجد عاليا بجانب هذا الرجل و تنظر له بصدمة!!
يا ترا ايه اللي هيحصل؟
رواية أقدار بلا رحمة الفصل الثاني 2 - بقلم ميار خالد
دلف إلى البيت بسرعة وبحث بجنون ليجد عاليا بجانب هذا الرجل وتنظره بصدمة.
قالت عاليا:
- علاء! بلاش تفهمني غلط، أنا هفهمك كل حاجة.
اتجه إليها علاء وقال بهدوء مرعب:
- اخرسي! مش عايز أسمع صوتك لحد ما نخرج من هنا.
صمتت عاليا بتوتر. نظر علاء إلى الرجل الذي يقف بجانبها وتحولت نظراته إلى العصبية ليعطيه لكمة قوية في وجهه. وقع على الأرض بقوة وانفجرت الدماء من أنفه. أمسك علاء زوجته من ذراعها وخرج بها من هذا المكان وسط دموعها. استقلوا السيارة بدون أن ينطق بكلمة واحدة.
بعد فترة مرت بصعوبة عليها، وصلوا إلى بيتهم. دلفوا إليه ووقفت هي أمامه بدموع. وبدون أي مقدمات صفعها على وجهها بقوة وأمسكها من ذراعها بعنف وصرخ بها:
- ليه! ليه عملتي كده؟ أنا قدمت لك كل حاجة، دي آخرتها بتخونيني يا عاليا!
- هو اللي ضحك عليا وكان بيبتزني عشان ياخد مني فلوس.
- اسكتي بقى كفاية كدب! انتِ متستاهليش كل اللي أنتِ فيه، أنا غلطان من البداية إني حبيتك ولا فكرت أتجوزك، ناس كتير حذرتني وقالت لي إنك مش بتحبيني، انتِ بتحبي فلوسي، زي ما اديتك كل حاجة، هاخد منك كل حاجة!
- لا صدقني.
- أصدقك؟
صمت علاء للحظات ثم قال:
- في خلال يومين ورقة طلاقك هتكون عندك، أنا مش هقدر أشوف وشك أكتر من كده.
قال تلك الجملة ثم خرج من البيت. مرت يومين كان مختفي فيهما تمامًا. وبدلاً من وصول أخبار الطلاق إليها، وصل إليها خبر وفاة علاء! حيث أنهم وجدوه متوفيًا في اليخت الخاص به بسبب أزمة قلبية حادة.
كان هذا الخبر صادمًا لكل من عاليا ويامن. أحست عاليا أنها السبب في موته، ولكنها أقنعت نفسها أن هذا قدره ونصيبه. وبعد وفاته انتقلت كل الأملاك إلى عاليا ويامن لأنهما عائلته الوحيدة ولم يكن له إخوة.
أما يامن فقد ابتعد في تلك الفترة عن كل الناس بما فيهم كريم ودخل في فترة اكتئاب لتعلقه الشديد بوالده. وكان الحل الوحيد لحالته تلك هو سفره ليكمل تعليمه في الخارج. في بداية الأمر رفض بشدة لأنه سوف يبتعد عن براء وكريم، ولكن بسبب إصرار والدته سافر في النهاية حتى يأخذ شهادة الثانوية بالخارج.
حاول هذا الرجل الرجوع إلى عاليا مرة أخرى، وخصوصًا بعد وفاة زوجها، ولكنها رفضت وبشدة. لقد زاد غرورها كثيرًا، وخصوصًا عندما أيقنت أن كل الخيوط توصل إليها في النهاية وأنها المالكة لكل تلك الثروة. أنانيتها أقنعتها أن تتخلى عن كل الناس وتكتفي بثروتها وابنها. وسافر يامن في النهاية.
بعد مرور ثلاثة أعوام، وخصوصًا في جنينة الملجأ، كان يامن يتحرك بتوتر.
قال له كريم:
- أنت متوتر كده ليه؟ أهدى شوية.
- أنت متخيل إني هشوف براء لأول مرة بعد ٣ سنين!
ضحك كريم وقال:
- دي أول ما عرفت إنك رجعت من السفر فرحت جدًا، أحمد ربنا إنك صممت تخش الجامعة هنا وإلا كان زمانك هتقضي الأربع سنين هناك كمان.
- هي اتأخرت كده ليه؟
ضحك عليه كريم. وفي تلك اللحظة انتبه يامن للقادمة نحوهم وكانت براء التي تغيرت كثيرًا عن آخر مرة رآها بها. حجابها الرقيق الذي زين وجهها الصافي وعيونها البندقيه ذات الرموش الكثيفة وملامح وجهها الرقيقة مع شفتيها الممتلئة ذات اللون الوردي الطبيعي. اتجهت إليهم بخطواتها الهادئة وأنفاسها المتسارعة بتوتر عندما وقع بصره عليها.
أردفت:
- حمد الله على سلامتك، عاش من شافك يا سيدي.
- فين براء؟
نظر له كريم بتعجب وقال:
- ما هي قدامك أهي يا ابني.
سرح يامن بها للحظات حتى قال بدون تركيز:
- شكلك اتغير جدًا، بقيتي جميلة جدًا يا براء!
ضربه كريم في كتفه بخفة. وهنا انتبه يامن إلى كلماته ولوجه براء الذي كساه اللون الأحمر من الخجل. حاول يامن أن يغير الموضوع فقال:
- النهاردة هنقضي اليوم كله مع بعض زي زمان ونتجمع مع كل أخواتنا في الدار، إيه رأيكم؟
نظرت له براء وقالت:
- بس النهاردة عندي شغل كتير في الدار.
- مليش دعوة بكل ده، أنا ظبطت كل حاجة خلاص.
صمت الاثنان وانتظروا رأي براء حتى ابتسمت هي ووافقت. وبدأ يامن وكريم بتجميع كل أطفال الدار ولعبوا سويا طوال اليوم وقد استمتعوا بكل لحظة فيه. وأثناء لعبهم لاحظ يامن تلك السلسلة المعلقة برقبة براء، فقال لها:
- معقول لسه محتفظة بالسلسلة دي!
نظرت له براء بخجل وقالت:
- علشان كل ما تشوفها تعرف إني لسه فاكراك.
ابتسم لها يامن ثم رجعوا إلى بقية الأطفال. ومن بعد هذا اليوم اقترب يامن من براء أكثر وقد تعلق بها كثيرًا وهي أيضًا، ولكنها فضلت أن تخبئ شعورها بداخلها. وبعد فترة طويلة كان يامن قد أكمل العشرين من عمره.
وفي إحدى المرات أثناء زيارته لها قالت له وهي غارقة في أفكارها:
- أنا خايفة.
- خايفة من إيه؟
- فاضل شهرين وأكمل الـ ١٨ سنة، وساعتها هخرج من الدار هنا.
انتبه لها يامن أكثر لينتفض من مكانه. لقد نسي تمامًا هذا الأمر! صمت بقلق. فنظرت له براء بابتسامة وقالت:
- أنا بقول لك عشان تخليني أطمن مش عشان تقلق أنت كمان.
نظر لها يامن للحظات حتى قال:
- براء أنا لازم أقول لك حاجة مهمة.
نظرت له براء بتساؤل وأردفت:
- حاجة إيه؟
- أنا...
وكاد أن يعترف لها ولكن أوقفه هاتفه الذي صدع رنينًا وكان كريم. نظر أمامه للحظات وشعر أنه بحاجة لترتيب أفكاره فقال:
- براء أنا لازم أمشي دلوقتي، هاجي أشوفك بكرة، خليكي فاكرة.
نظرت له براء بعدم فهم ولم يترك لها فرصة حتى ترد لأنه نهض سريعًا من مكانه وخرج من الملجأ. وظلت هي تطالعه بتعجب حتى نهضت من مكانها هي الأخرى وذهبت لتتابع عملها.
وفي طريقها للداخل قابلتها صديقتها سلمى وقد غمزت لها بإحدى عينيها. نظرت لها براء بعدم فهم وقالت:
- في إيه بتبصيلي كده ليه؟
- مش ملاحظة أن قربك من يامن زاد أوي الفترة دي.
- وإيه الجديد؟ إحنا صحاب من زمان جدًا.
- أيوه بس دلوقتي الوضع اتغير.
نظرت لها براء للحظات ثم قالت:
- اتغير إزاي يعني مش فاهمه؟
- يعني أنتوا مبقتوش صغيرين يا براء، العمر بيجري وهو دلوقتي بقى عنده عشرين سنة يعني لا أنتِ صغيرة ولا هو عيل، أعتقد فاهمين.
نظرت لها براء بثبات وقالت:
- اللي في دماغك ده مستحيل يحصل يا سلمى، اطمني أنا عارفة حدودي كويس وعارفة أنا فين وهو فين، مع معنى أننا صحاب ده هيخليني أتعشم بحاجة مستحيل تحصل.
ثم تركتها ورحلت سريعًا. وطالعتها سلمى للحظات حتى ذهبت هي الأخرى.
وقفت براء في إحدى الأركان وكأن قلبها يدق بصوت عالٍ. وبعد لحظات تحركت من مكانها لتصطدم بحنين إحدى أخواتها في الدار وكانت بعمر الخمسة عشر عامًا.
قالت عندما رأتها:
- براء.. كنت بدور عليكي، كنتي فين؟
- معلش يا حنين كنت مشغولة شوية.
طالعتها حنين بحزن وقالت:
- كل ما افتكر أنه فاضل شهرين وأمشي قلبي بيتقطع، عايزة أقضي كل لحظة معاكي، أوعي تنسيني يا براء.
- اخس عليكي يا حنين أنساكي إزاي بس، ده أنتِ أختي الصغيرة.
- بجد؟ يعني هتبقي تيجي تزوريني وأشوفك.
- أكيد طبعًا.
احتضنتها حنين بفرحة وذهبوا لينهوا عملهم في الدار.
وفي اليوم التالي كان يامن يقف في جنينة الملجأ في انتظار براء وبجانبه كريم. وكان يبدو على يامن التوتر الشديد.
فقال كريم:
- مكنش اعتراف ده يا سيدي.
نظر له يامن بتهكم وقال:
- خايف يا كريم، أنت عارف أن براء حساسة جدًا، خايف متتقبلش مشاعري دي وساعتها هكون خسرتها حتى كصديقة عمر.
نظر له كريم وظهرت ابتسامة صغيرة على جانب شفتيه وقال ليطمئنه:
- متقلقش، اتكل على الله وقولها اللي في قلبك، بس الأهم من كل ده، أنت قدرت تقنع طنط عاليا بمشاعرك دي؟ براء فاضلها شهرين وتخرج من الدار، هتقدر في الوقت ده تظبط كل حاجة؟
زفر يامن بضيق وقال:
- لسه مقولتلهاش على الموضوع، بس أنا مش صغير يا كريم، غير كده هي مش هتقولي لا لو عرفت إني بحبها، من صغري كانت بتعملي كل اللي أنا عايزه، معتقدش ترفض المرة دي.
كان يامن يقول تلك الكلمات ولكن بداخله كان يكمن قلق خفي من رد فعل والدته حين تعرف أنه قد وقع بحب تلك الفتاة البسيطة التي اقتحمت حياته منذ عدة سنوات. أنه يتذكر ذلك اليوم الذي وقعت عيناه عليها، تلك الفتاة الصغيرة ذات الشعر الغير مرتب ودموعها التي تغرق عيونها ونظرات الضياع والحزن التي قد خيمت في عينيها. كل هذا تجمع في طفلة بعمر الـ ٦ أعوام، لم تكن تعرف أي شيء سوى اسمها فقط، براء.
وفي تلك اللحظة دخلت عليهم براء وقالت حين رأتهم:
- عاملين إيه؟ كريم شكلك تعبان كده ليه؟
قال كريم:
- الكلية مطلعة عيني.
- ربنا يقويك، أنا كمان مشغولة جدًا في الدار، بدأت أعلم أخواتي الصغيرين الخياطة والكتابة.
وهنا لاحظت سكوت يامن لتنظر له بعيون لامعة. أردفت:
- ساكت ليه؟
- ها.. لا مفيش.
ثم نظر إلى كريم بنظرة ذات مغزى ليبتسم كريم ثم ابتعد عنهم قليلاً. أردف يامن:
- براء كنت عايز أسألك على حاجة ممكن تستغربي شوية بس عندي فضول أعرف، ويمكن دي أول مرة أسألك السؤال ده.
ابتسمت براء وقالت بمزاح وقد حاولت أن تلطف الأجواء قليلاً:
- أنت متوتر كده ليه؟ مش عوايدك يعني.
- أرجوكي اسمعيني دلوقتي بس.
- ماشي اسأل.
أخذ يامن نفسًا عميقًا ثم قال:
- أنتِ وصلتي للملجأ ده إزاي؟ أقصد يعني أنتِ مش فاكرة أي حاجة عن أهلك؟
وكانت كلماته تلك كفيلة حتى تزيل تلك الابتسامة عن وجهها وقد عادت نظرة الحزن إلى عيونها مرة أخرى. ولمعت عيونها ولكن بطريقة مختلفة هذه المرة.
- يهمك تعرف؟
- أكيد.
تنهدت براء بضيق ثم قالت:
- من يوم ما اتولدت وأنا علاقتي مش كويسة مع بابا، يمكن كنت صغيرة آه بس فاكرة كل حاجة بالتفاصيل، فاكرة الزعيق والخناق والضرب اللي كنت بشوفه بعيني بس عشان أنا بنت مش ولد زي ما بابا كان عايز.
صمتت للحظات ثم أكملت:
- وبعدها بابا وماماطلقوا وفجأة بقيت أنا مصدر التعاسة لماما وكل ما تشوفني تفتكر إني السبب في طلاقها، مش فاكرة إيه اللي حصل بعدها غير إني فتحت الباب ونزلت الشارع وبعدها حد لقاني ووصلني للملجأ هنا، بس هي دي حكايتي.
نظر لها يامن بأسف وقال:
- أنا آسف إني فكرتك بكل ده.
- كنت عايز تعرف ليا أهل ولا لا، أنا ليا أهل يا يامن بس للأسف مكنش ليا نصيب أعيش معاهم ولا أحس إني بنتهم بجد.
- أنا مكنش قصدي أجرحك بسؤالي، بس من حقي أعرف.
- من حقك ليه؟
تنهد يامن بحرارة ثم نظر لها وأمسك يدها وأردف بهدوء:
- أنا بحبك يا براء.
نظرت له براء بعيون متسعة من الصدمة ثم سحبت يدها عنه بسرعة وابتعادت عنه بخطوات وقالت:
- إيه اللي انت بتقوله ده!
- أنا بحبك، ومش حب صديق أو أخ لا، أنا بحبك يا براء وعايز أكمل حياتي معاكي.
- أنت مستوعب أنت بتقول إيه! وأنت متخيل إني حتى لو وافقت بالعلاقة دي المجتمع هيوافق؟ والدتك نفسها هتوافق؟
- المجتمع؟ وأنا مالي بكل ده، أنا بقولك إني بحبك أنا مليش دعوة بكل التعقيدات دي.
تنهدت براء بحزن وقالت:
- عارفه وفاهماك، بس صدقني كلامك ده هيفتح علينا باب صعب أوي يتقفل تاني.
اقترب يامن منها قليلاً ولكن ترك مسافة حتى لا تنزعج وقال بهدوء وهو ينظر إلى عيونها مباشرة:
- هرجع أقولك إني مليش دعوة بكل ده، أنا قولت كلمة واحدة ومستني ردك عليها.
نظرت له براء بتوتر وقد خانها قلبها ليخفق بشدة وقد احمرت وجنتيها بخجل وتسربت ابتسامة هادئة إلى شفتيها ثم تنهدت وأردفت:
- أنا مليش غيرك يا يامن، أنا بس خايفة، خايفة تتخلي عني في يوم زي ما أهلي عملوا، وأنا قلبي مبقاش حمل فراق تاني.
- هو أنا اتخليت عنك في يوم لحد دلوقتي؟
- لا.
- طيب ليه بتقولي كده؟
- خايفة يا يامن.
ابتسم يامن حتى يطمئنها قليلاً وقال:
- مش عايزك تخافي من حاجة، أنا معاك وعمري ما هسيبك، خليكي فاكرة ده.
ابتسمت براء بحب وأردفت:
- وأنا واثقة فيك.
هنا اتجه كريم إليهم وابتسامته المرحة على وجهه وقال:
- أيوه يا عم وأخيرًا، لو شوفتيه من شوية يا بنتي كان خايف ومتوتر وأنا ضحكت، لأني كنت عارف إنك هتوافقي.
- ليه يعني وانت عرفت منين؟
- يا حبايبي أنتوا الاتنين واقعين.
ضحك يامن على كلام كريم و خجلت براء قليلاً. وبعد أن انتهت ضحكاتهم تلك نظر يامن إلى براء بعيون تشع بالحب وقال:
- أنا هروح أبلغ ماما بقراري ده، وبإذن الله لما توافق قبل ما تتمي الـ ١٨ سنة وتخرجي من هنا هتكوني على اسمي، أنا عارف إنه فاضل كام شهر خلاص بس مش عايزك تقلقي.
نظرت له براء بعيون متسعة ترسل له نظرات بألف معنى وكأنها تريد أن تقول له إنني أثق بك، أرجوك لا تقتل قلبي وتخذله بك.
- أنا واثقة فيك، متتأخرش عليا.
ابتسم لها يامن ثم خرج من المكان مع كريم واتجه إلى منزله حتى يقول لوالدته.
رواية أقدار بلا رحمة الفصل الثالث 3 - بقلم ميار خالد
توقف كريم بسيارته أمام منزل يامن.
طالعه يامن بتوتر، وكالعادة كان كريم يشجعه بشدة وحاول أن يزيح هذا التوتر عنه، فقال له كريم:
- ليه القلق ده كله؟ أنت مش قلت إن طول ما أنت عايز الحاجة والدتك مش هترفض.
- عارف، بس فيه قلق جوايا.. حاسس إن الأمور مش هتمشي زي ما أنا عايز.
- متقلقش وخليك واثق في ربنا واتكل على الله. يلا.
أخذ يامن نفسًا عميقًا ثم ترجل من السيارة واتجه إلى بيته تاركًا كريم بداخلها. دلف إلى بيته وظل يبحث عن والدته للحظات حتى وجدها بغرفتها وكان حولها الكثير من الناس، ومن الواضح أنها تجهز نفسها لحدث ما.
- في إيه يا ماما؟ إيه كل الناس دي؟
- حبيبي أنت وصلت. أنت نسيت إن النهاردة عندي تكريم ولا إيه؟
ضرب يامن رأسه بخفة وقال:
- آسف جدًا نسيت.
- إيه اللي شاغل بالك للدرجادي خلاك تنسى؟
- ده اللي كنت عايز أكلمك فيه.
- أنت شايف ده الوقت المناسب؟ طيب ألغي أي كلام دلوقتي.
- لا مش هينفع ألغي الكلام يا ماما.. أنا عايز أكلمك على انفراد. يا إما هتكلم دلوقتي في وجود الناس برضه.
نظرت له عاليا بحدة ثم أمرت الجميع أن يخرجوا من الغرفة قليلًا. وبعد لحظات كانوا وحدهم في الغرفة، أردفت:
- عايز إيه يا يامن؟
نظرت له يامن للحظات وبدون أي مقدمات قال:
- أنا بحب براء وعايز أتزوجها.
نظرت له عاليا بعدم فهم وقالت:
- براء مين؟
نظر لها يامن وقال بتوتر:
- وهو أنا أعرف كام براء يا ماما؟
نظرت له عاليا للحظات ثم ضحكت ضحكة عالية وقالت:
- أنت شايف ده وقت هزار؟ طيب مش معقول يا يامن، أنت لسه مخك صغير كده؟
- أنا مش بهزر! أنا فعلاً بحب براء وعايز أكمل معاها.
نظرت له عاليا بحدة ثم انتفضت من مكانها بفزع وأردفت:
- ده إللي هو إزاي يعني؟ أبني أنا يحب تربية الملاجئ دي؟ أنت عايز تفضحني!
- أفضحك؟
- أيوه تفضحني. أنت إزاي سمحت لنفسك تحس بكده تجاه البنت دي أصلًا؟
- وفيها إيه؟ مش فاهم.
- فيها إنها من ملجأ يا يامن. فيها إنها مش من نفس مستوانا. تعرف إيه أنت عنها ولا عن عيلتها دي؟ دي ممكن يكون وراها مصيبة.
- وهو من أمتى الملجأ كان عار يا ماما؟ غير كده مش أنتِ طول عمرك مخلياني أعاملهم كويس وبتقولي إنك ضد العنصرية؟ إيه كلامك ده؟
- تعاملهم كويس آه عشان شكلي قدام الناس، لكن تروح تحب منهم لا. وكمان عايز تتجوزها؟ مستحيل أسمح إن ده يحصل.
- بس أنا بحبها. لو مش هتكون ليا مش هيبقى في غيرها في حياتي.
- أنت لسه صغير على الحاجات دي. وده مجرد إعجاب، بلاش تدي الموضوع أكبر من حجمه، بكرة تنساها لما تشوف الأحسن منها.
- مستحيل!
- أفهم من كده إيه يعني؟ هتقف في وشي عشانها؟
- أنا عمري ما أقف في وشك لأنك أمي. بس أرجوكي فكري فيا ولو للحظة. أنا بحبها ومش هقدر أشوف غيرها في حياتي.
نظرت له عاليا بتكبر وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
- وأنا قلت اللي عندي.
نظر له يامن بعناد وإصرار أكثر وقال:
- وأنا كمان قلت اللي عندي. ولو أنتِ مش موافقة بيها أنا هسيب البيت ده.
نظرت له عاليا بسخرية وضحكت باستهزاء وقالت:
- والله؟ ولما تسيب البيت ده هتروح فين أصلًا؟ لو أنت فاكر إنك ممكن تعمل حاجة غصب عني تبقى غلطان. من اليوم اللي أبوك فيه اتوفى أنا اللي بقيت ماسكة كل حاجة. ولو فاكر إنك هتقدر تبني حياتك بعيد عني تبقى غلطان.
نظر لها يامن بحدة وصرخ:
- أنتِ ليه بتعملي فيا كده!!
- أنا قلت اللي عندي. واتفضل على الأوضة بتاعتك يلا.
- وأنا مش موافق بالكلام ده! مينفعش تمنعيني أنا مش صغير.
- لا صغير! ولو البنت دي أقنعتك بالكلام اللي أنت بتقوله ده على أساس إني أقتنع تبقى غلطان. صحيح، هستنى إيه من واحدة زي دي؟
- بلاش تتكلمي عنها بالطريقة دي. هي متستاهلش كده منك.
- أنا مش عارفة إزاي عيلة زي دي تضحك عليك. لو فاكر أنها بتحبك بجد تبقى غلطان. كل اللي هي بتعمله ده عشان فلوسك ومركزك!
- يا ماما لا.. براء مش كده. أنتِ غلطانة.
نظرت له عاليا بحدة وقالت بنبرة تهديد:
- يامن.. بلاش تعصبني أكتر من كده بدل ما أستخدم معاك طريقة أنت مش هتحبها.
- أنا ميهمنيش كل ده. عن إذنك.
قال تلك الجملة ثم خرج من الغرفة بسرعة. زفرت عاليا بعصبية ثم أمسكت هاتفها واتصلت بالأمن حتى يمنعوه من الخروج. وبالفعل بمجرد أن نزل إلى الأسفل أمسكوا به قبل أن يصل لكريم الذي كان ينتظره في السيارة وحبسوه في غرفته. ظل كريم مكانه حتى أحس بتأخر صديقه فترجل من السيارة واتجه إلى البيت. وقبل أن يصعد اتجهت إليه عاليا وقالت بنبرة قاطعة:
- تروح تقول للبنت دي إنها أحسن لها تبعد عن حياة ابني. وإلا هيكون ليا تصرف تاني معاها. مفهوم؟
- هو يامن قالك؟
- أيوه قالي. وأعتقد قراري واضح.
- طيب هو فين؟
- في الأوضة بتاعته. هو اتضايق من كلامي جدًا بس مش عارف إن كل ده لمصلحته. ومش عايز يخرج منها.
- بس أنا لازم أشوفه.
- هو قالي إنه مش عايز يشوف حد.
- بس..
- مفيش بس. تروح تبلغها بالكلام ده بدل ما أنا اللي أبلغها بنفسي.
- حاضر.
قال تلك الكلمة ثم خرج من البيت بحزن شديد واتجه إلى الملجأ ولا يعلم ماذا يفعل. وبعد أن خرج من المكان رفعت عاليا هاتفها واتصلت بمديرة الملجأ. وبمجرد أن ردت عليها حتى صرخت بوجهها:
- أنتِ نايمة على ودنك ولا كان عاجبك اللي بيحصل؟
- نعم؟ أنا مش فاهمة حاجة.
- ابني أنا اللي أول مرة يتعصب عليا يكون بسبب البنت دي.
- ممكن تفهميني براحة إيه اللي حصل طيب؟
- براء.
- مالها براء دي؟ هادية وطيبة، عمرها ما عملت مشاكل.
- آه ما هي دي طريقتها في السيطرة على الناس. بس الكلام ده مش هيدخل دماغي. هي مش البنت دي كملت الـ 18 سنة خلاص؟ يعني المفروض تخرج من الملجأ.
- لسه كمان شهرين.
- البنت دي تخرج بكرة من الملجأ. أنتِ فاهمة؟
- إزاي بس؟ مينفعش.
- لو كلامي ما اتنفذش التبرعات اللي بتجيلك كل شهر انسيها. بكرة البنت دي تكون برا الملجأ. ويا ريت لو أخبارها تتقطع خالص.
صمتت المديرة للحظات ثم قالت بحزن:
- حرام عليكي دي يتيمة. بلاش تيجي عليها، هيبقى انتِ والدنيا.
زفرت عاليا بضيق وقالت:
- أنا كلامي واضح. البنت دي تطرد من الملجأ بكرة، وإلا أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه.
ثم أنهت المكالمة في وجهها. لتقول المديرة بقلة حيلة:
- حتى اليتيم مش بيرحموه. عملتي إيه يا براء في حياتك عشان تقابلي كل الحاجات دي؟ سامحيني يا بنتي بس مفيش قدامي حل تاني. يارب أنت كريم وعادل. وقفلها ولاد الحلال.
قالت المديرة تلك الجملة ثم خرجت من مكتبها واتجهت إلى غرفة الخياطة حيث تتواجد براء. ودلفت إليها لتجدها تصمم إحدى الفساتين. تنحنحت المديرة لتنتبه لها براء ونهضت من مكانها بسرعة احترامًا لها. فقالت لها المديرة:
- ارتاحي يا بنتي.
- كنت لسه جاية لحضرتك. أنا عملت شوية فساتين للبنات من القماش اللي كنتي جايباه بدل ما نشتري جديد. أنا حاولت أوفرلك شوية.
ابتسمت المديرة بحزن وقد ظهرت بعض الدموع في عيونها. أردفت براء:
- مالك بتعيطي ليه؟ في حاجة حصلت؟
- بعيط عشان هتوحشيني.
ابتسمت براء وقالت:
- لسه فاضل شهرين. معقول بتعيطي من دلوقتي؟
- جهزي هدومك يا براء عشان هتمشي بكرة.
- بكره!
- أيوه. العدد زاد أوي وأنا مش هستحمل شهرين في الزحمة دي.
- بس أنا لسه مش مستعدة. أنا قلت في خلال الشهرين دول كنت هحاول أظبط دنيتي. لكن بكرة صعب أوي.
- أنا مش باخد رأيك. أنا جاية أبلغك. ابدأي لمي حاجتك يلا.
نظرت لها براء برجاء وقد تكونت بعض الدموع في عيونها لتقول:
- اديني فرصة أسبوع طب.
- لا يا براء. بلاش تضيعي وقت.
قالت تلك الجملة ثم خرجت من الغرفة بحزن لتترك براء في حالة يرثى لها. وبعد لحظات وصل كريم إلى الملجأ. وعندما رأته براء اتجهت إليه سريعا وكانت الدموع تغرق عيونها ليفزع هو حين يراها بتلك الحالة. قال:
- في إيه؟
- المديرة جت بلغتني إني هسيب الملجأ بكرة.
- إزاي؟ مش لسه فاضل شهرين!!
- مش عارفة إيه اللي حصل.
شرد كريم قليلًا وقال:
- يبقى أكيد قالتلها حاجة!
نظرت له براء بعدم فهم وقالت:
- هي مين؟ وفين يامن؟ هو مجاش معاك؟
طالعها كريم بحزن وأردف:
- والدة يامن. للأسف هو قالها على حبه ليكي وهي رفضت وعملت مشاكل.
ابتسمت براء بقهرة وقد خانتها دموعها المعلقة بعيونها لتتساقط وقالت:
- كنت عارفة إن ده هيحصل وإنها مش هتوافق بيا. بس هو وعدني.
- أنا طلبت أشوفه بس هو مش عايز. حابس نفسه في الأوضة بتاعته ومش عايز يشوف حد.
قالت براء وكأنها لم تسمع كلماته تلك:
- هو وعدني إنه مش هيتخلي عني ومش هيسبني. أنا وثقت فيه وقولتله إني مليش غيره. معقول كل ده ملهوش قيمة عنده؟ حتى مش قادر يجي يبص في عيني؟ اختار إنه يهرب.
- بلاش تظلميه يا براء. متعرفيش إيه اللي جواه وهو حاسس بأيه.
- وأنا إيه؟ أنا مين يحس بيا ويحس بقلبي اللي اتكسر وكرامتي اللي اتداس عليها بس علشان من ملجأ؟ ذنبي إيه إن أهلي يتخلوا عني والشخص الوحيد اللي وثقت فيه وحبيته برضه يتخلي عني؟ أنا بريئة من كل الظلم ده.
صمتت للحظات ثم أكملت بدموع:
- أنا كنت عارفة إن ده هيحصل. بس كان عندي أمل إنه ميسبنيش.
- أنا مش عايزك تفقدي الأمل. أوعدك إني هجمعك بيه في يوم من الأيام. صدقيني.
- كفاية وعود بقى. أنا مش عايزة حاجة.
- مهما تقولي هفضل عند وعدي. وأنتوا الاتنين هتتجمعوا في يوم بسببي!
نظرت له براء بدموع ثم التفتت لتعود إلى الملجأ. ولكنها وقفت أمامها فمنعها من السير:
- هتخرجي بكرة الساعة كام؟
فكرت براء للحظات ثم قالت:
- الساعة 3 العصر.
- تمام. أنا هكون موجود قدام الملجأ هنا. أنا مش هسمح إنك تفضلي في الشارع لحد ما نلاقي حل تاني. هتعيشي مع الدادة بتاعتي في بيتها الفترة دي. هي عايشة لوحدها لحد ما تنتقلي لمكان تاني.
- ماشي يا كريم. شكراً على كل اللي بتعمله معايا.
- إحنا أخوات. بلاش الكلام ده.
نظرت له براء بابتسامة حزينة ثم دخلت إلى الملجأ وذهب كريم إلى بيته. كان يامن في غرفته يطالع الفراغ بعدم اهتمام. وقد وعد نفسه أنه إذا خرج من هذا البيت لن يعود له مرة أخرى. وقال بصوت مسموع:
- سامحيني يا براء. أنا مكنتش قد الوعد اللي وعدتهولك. أنا مكنتش قد ثقتك بيا. بس كل اللي عايزك تعرفيه إنك لو مكنتيش ليا محدش هيقدر ياخد مكانك. أنا شوفت نفسي زي عيون الناس عيل صغير. بس لما مقدرتش أحافظ عليكي. سامحيني.
في اليوم التالي..
الساعة الثالثة عصرًا.
ذهب كريم إلى الملجأ وانتظر براء حتى تخرج. ولكنها تأخرت كثيرًا حتى اتجهت إليه مديرة الملجأ.
- خير يا ابني؟
- مستني براء. مش المفروض كانت تخرج الساعة تلاته؟
- براء خرجت من الساعة 1.
- نعم! إزاي يعني دي قالتلي هتخرج الساعة 3.
- زي ما بقولك كده. هي خرجت الساعة 1.
- هتكون راحت فين دي؟ ملهاش حد!!
نظر حوله بعدم تركيز وقلق ثم نظر إلى السماء وقال:
- أنتِ فين يا براء..
رواية أقدار بلا رحمة الفصل الرابع 4 - بقلم ميار خالد
تململت في سريرها بإنزعاج بسبب ذلك الصوت الذي يعكر مزاجها كل صباح.
نهضت من مكانها وأنهت رنين هذا المنبه المزعج.
تنهدت بتعب ثم اتجهت إلى الحمام وغسلت وجهها ورتبت شعرها.
ثم خرجت واتجهت إلى المطبخ لتعد لها بعض القهوة.
جلست على إحدى المقاعد بالمطبخ لتحتسي قهوتها الساخنة وهي تقرأ إحدى الجرائد.
وبعد لحظات أحست بيد توضع على كتفها فابتسمت بهدوء والتفتت لها.
أردفت:
- ماما فاطمة.. صباح الخير.
- صباح النور يا حبيبتي.. صاحية بدري ليه؟ ده أنتِ نايمة متأخر.
- أعمل إيه؟ ما انتِ عارفة أن عندي شغل كتير.
- ربنا يقويكي يا حبيبتي.. هو فين بابا جمال؟ صحيت الصبح ملقتهوش جمبي.
- خرج يتمشى شوية.. انتِ عارفه أنه بيحب يخرج بدري كده يستمتع بأول النهار.
ضحكت المرأة المسنة بحب وقالت:
- طول الأربعين سنة اللي عيشتهم معاه وهو متعود يعمل كده.. بس ولا مرة قالي تعالي اتمشى معايا الصبح بدري.
- يمكن عشان مش عايز يزعجك في عز نومك.
- أقنعتيني يا ستي.
ضحكت براء ثم نهضت من مكانها وقالت:
- تحبي أحضرلك إيه على الفطار النهاردة؟
نظرت لها فاطمة بحب وقد تكونت بعض الدموع في عيونها.
لتلاحظها براء فاقتربت منها بسرعة ومسحت دموعها وقالت بقلق:
- مالك؟ في إيه؟ ليه الدموع دي؟
- دي دموع الفرحة يا بنتي.. مكنتش أعرف أن ربنا بيحبنا أوي كده علشان بعتك لينا.. من سبع سنين للنهارده وأنا بحمد ربنا كل ما أبص في وشك كل يوم الصبح.. بحس قد إيه ربنا عوضني بيكي عن كل حاجة في الدنيا.. أنا مكنش مكتوبلي إني أخلف بس برضو ربنا رزقني بإحساس الأمومة وكمان اداني زوج عظيم و..
قاطعتها براء لتقول:
- وأب عظيم كمان.. عمري ما هنسى اليوم اللي اتجمعت معاكم فيه.
- حبيبتي ربنا ما يحرمنا منك.. سيبيني بقى أنا اللي أحضر الفطار النهاردة.. ارتاحي.
ابتسمت لها براء وجلست على إحدى الكراسي في المطبخ وسرحت بذاكرتها قبل سبع سنوات لتعود إلى اليوم التي تركت فيه الملجأ.
قبل سبع سنوات..
خرجت براء من الملجأ بعد أن ودعت جميع أخواتها وسط دموعهم الغزيرة.
وقبل أن تخرج من باب الدار ركضت حنين نحوها لترتمي في أحضانها ببكاء وقالت:
- بالله عليكي ما تمشي.. خليكي معايا.
- غصب عني.. لو عليا مش عايزة أسيبك أبداً.. خلي بالك من نفسك ومهما حصل في الدنيا مصيرنا نتجمع تاني.. خليكي فاكرة ده.
نظرت لها حنين بدموع ثم ابتعدت عنها براء وخرجت إلى الشارع وظلت تجوله بعدم تركيز وقالت في نفسها:
- أنا آسفة إني كذبت عليكي يا كريم.. بس أنا قررت إني أبعد وأقلب صفحة يامن من حياتي لأني مش هستحمل وجع تاني.. يارب أنا عارفة إنك مش هتسيبني لوحدي أنا مليش غيرك.
ترقرق الدموع في عيونها مع آخر جملة لتتساقط على وجنتيها الشاحبة.
مسحت دموعها بسرعة حتى لا يلاحظها أحد ونظرت أمامها لتجد أنها قد وصلت إلى محطة القطار.
دلفت إلى المحطة وأخرجت كل ما تمتلكه من نقود من حقيبتها الصغيرة المصنوعة من الصوف والتي قد صنعتها بيدها.
وجدت أنها تمتلك بعض النقود فقط والتي تكفي لشراء تذكرة إلى مدينة الإسكندرية وبعض اللقيمات حتى تتناولها.
فكرت للحظات ثم عزمت أمرها واشترت التذكرة وصعدت إلى القطار مودعة تلك المدينة بذكرياتها المؤلمة.
وبعد ساعات قد حل المساء ووصل القطار إلى مدينتها الجديدة.
ترجلت منه وقالت بصوت خفيض:
- اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه المدينة وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها.
خرجت من المحطة لتسير بين شوارع المدينة بلا هدف، حتى تعبت وأحست ببعض الجوع.
فأخرجت ما تبقى من مالها واشترت بعض البسكويت عله يسكت معدتها الجائعة.
جلست على إحدى الأرصفة لتتناوله وقد شردت مرة أخرى كعادتها.
لتفيق هذه المرة على ذلك الشاب الذي يطالعها بجراءة.
انتفضت من مكانها ونهضت من مكانها وسارت بخطوات سريعة حتى شعرت به خلفها تماماً.
وقال هذا الشاب:
- استني بس.. أنتِ شكلك مش من هنا صح؟
نظرت له براء بخوف وقالت:
- ملكش دعوة.. امشي وسيبني في حالي.
- لا أمشي إيه.. معقول أمشي وأسيبك في الشارع في الوقت ده كده ميصحش.
تجرأ أكثر ليمسك يدها بقوة.
صرخت هي بصوت عالٍ:
- أنت قليل الأدب.. أبعد عني يا إما هصوت وألم عليك الناس.
حاول هذا الشاب أن يكتم فمها بيده ولكنها وضعت يده بين أسنانها.
ليصرخ هو بألم وركضت من مكانها سريعاً لتصطدم بفتاة في العشرينات من عمرها.
نظرت لها الفتاة بتعجب وقالت براء بسرعة:
- أرجوكي ساعديني.. في راجل بيرخم عليا.
- اهدي.. متخافيش.. فين الراجل ده؟
التفتت براء وقالت:
- هناك ا..
وتوقفت عن الكلام عندما وجدت أن هذا الشخص قد اختفى.
تنهدت بتعب وأمسكت رأسها.
ولاحظت الفتاة توترها هذا لتقول لها:
- انتِ إيه اللي ممشيكي لوحدك في الوقت ده.. طبيعي أي حد يشوفك يرخم عليكي.
- النصيب.. وأنا يعني لو كان ليا مكان كنت فضلت في الشارع كده.
- مش فاهمه.. انتِ إيه حكايتك؟
- ولا حاجة.. آسفة لو عطلتك معايا.. عن إذنك.
- استني.. مينفعش تمشي لوحدك.. قوليلي رايحة فين وأنا هوصلك.
نظرت لها براء للحظات ثم ترقرق الدموع في عيونها وصمتت.
ساد الصمت للحظات حتى قالت الفتاة:
- تعالي معايا.
نظرت لها براء بخوف وقالت:
- أجي معاكي فين؟ أنا معرفكيش.
- أكيد مش هخليكي تفضلي في الشارع كده.. أنتِ شكلك هربانة من أهلك ولا إيه؟
- لا والله أبداً.
- أومال إيه.. بتحبي حد يعني كنتي هتهربي معاه وهو خلى بيكي؟
تنهدت براء بقلة حيلة لتقول الفتاة:
- طيب مش وقت كلام.. باتي عندي الليلة دي والصبح يحلها ربنا.. أنا اسمي مي.
- وأنا براء.
ابتسمت لها مي ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى بيتها ودلفا إلى الداخل وسط توتر براء ورهبتها من المكان.
جلست مي على الأريكة وشاورت على إحدى الغرف وقالت:
- اقعدي في الأوضة دي وارتاحي.. شكلك تعبتي أوي النهاردة.
- أيوه أنا عايزة أنام بس.. شكراً جداً.
- العفو.
دلفت براء إلى الغرفة وجلست على السرير لترتاح قليلاً.
تنهدت بتعب وقد شعرت بقبضة قوية في قلبها من هذا المكان ولكن بالنسبة لها كان أفضل من الشارع بكثير.
استلقت على السرير بسرعة لتغفو في نوم عميق عله يخفف من الألم التي تشعر به في قلبها.
وفي اليوم التالي..
استيقظت براء وفتحت عيونها ببطء لتنتفض من مكانها حين تجد رجل يقف أمامها وينظر لها بقوة.
خرجت صرخة قوية منها ليقترب هذا الرجل منها ويكتم صوتها بسرعة.
وهنا دخلت مي إلى الغرفة وحدثت الرجل:
- إيه رأيك.. مش قولتلك حلوة؟ عجبتك ولا إيه؟
نظر الرجل إلى براء بتفحص ونظرة الإعجاب في عينيه وقال:
- عجبتني بس.. دي قمر.. جبتيها منين دي؟
ضحكت مي بخفة وقالت:
- دي وقعت في طريقي لوحدها.. معرفش إيه حكايتها.. هربانة ولا إيه؟ لقيتها ماشية لوحدها في الشارع في عز الليل.
ابتعدت براء عن هذا الرجل بسرعة وقد تكونت الدموع في عيونها وقالت:
- إيه اللي أنتِ بتعمليه ده.. ابعدوا عني.
ثم نظرت إلى مي وقالت:
- وسعي من قدامي خليني أمشي.
نظرت لها مي بسخرية وأردفت:
- هو دخول الحمام زي خروجه ولا إيه.. أنتِ دخلتي هنا بمزاجك آه بس مش هتخرجي بمزاجك.. لا اسكتي شوية مش عايزة صداع.
طالعتها براء بعصبية ثم هجمت عليها وقالت:
- أنتِ بني آدمة حقيرة وأنا غلطانة إني وثقت في واحدة زيك.
- أنتِ اتجننتي!!
قالت مي تلك الجملة ثم صفعت براء بشدة لتسقط على الأرض مغشياً عليها.
نظرت لها مي بتهكم ثم طالعت الرجل الواقف أمامها وقالت:
- قدامك أهي.. بس حسابي الأول وهاخد ضعف اللي اتفقنا عليه.
- وده ليه بقى؟
- هو كده.. لو مكنش عاجبك.
- ماشي يا قمر انتِ.. تؤمري.. بس أنا عايزها صاحية وفايقة.
- مليش دعوة.. أنت حر.. خدها دلوقتي لو عايز.
- أخده فين؟ أنتِ اتجننتي ومراتي! خليها عندك لحد ما أظبط الدنيا.
- ماشي.
ثم أخذت منه بعض النقود وخرج هو من المنزل.
وبعد ساعات استيقظت براء لتجد نفسها على الأرض.
نهضت من مكانها بسرعة ما أن تذكرت ما حدث معها قبل أن تفقد وعيها.
ترقرق الدموع في عيونها ولم تعرف ماذا تفعل للحظات.
حتى اتجهت إلى باب الغرفة وفتحته ببطء.
وعندما لم تجد أحد بالخارج أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة وركضت سريعاً نحو باب المنزل.
وقبل أن تفتحه أمسكها مي بسرعة وقالت:
- انتِ رايحة فين!
نظرت لها براء بدموع وقالت:
- الله يخليكي خليني أمشي.. حرام عليكي اللي عايزة تعمليه فيا.
- ده أنتِ تشكريني إني لقيتلك حد ياخدك من الشارع اللي قاعدة فيه ده.
صرخت بها براء:
- أنا أقعد في الشارع أحسن ما أكون واحدة مش محترمة زيك.
- أنتِ عارفة لولا إن الزبون عايزك سليمة كنت قتلتك هنا ولا حد يعرف بيكي حاجة! خشي قدامي.
دفعته براء بعيداً عنها وقالت:
- لا مش داخله.. أنا همشي من هنا.
وبدون أي مقدمات صفعتها مي بقوة على وجهها وحاولت سحبها للداخل.
ولكن براء قاومت بشدة وتشاجر الاثنان.
وفجأة التقطت براء إحدى الأشياء الصلبة بجوارها وضربت مي على رأسها بقوة ليختل توازنها.
صرخت براء بفزع حين وجدت الدماء تنفجر من رأسها وسقطت مي على الأرض فاقدة الوعي.
نظرت لها براء بفزع وخوف ثم خرجت من البيت سريعاً ونزلت إلى الشارع لتركض بفزع بعيداً عن المكان.
أخذت تركض بشدة حتى تعبت وجلست على أحد الأرصفة لتبكي بقهرة.
وحدثت نفسها بصوت عالٍ:
- أنا ليه بيحصل فيا كده.. يارب لو كل ده بسبب ذنب عملته وأنا مش عارفة اغفرلي.. يارب أنا خايفة ومليش غيرك أكلمه.. هو ليه كله بيتخلى عني.. أنا فيا حاجة وحشة طب.. يارب.
قالت تلك الجملة ثم انفجرت في البكاء وظلت تسير بعدم هدف حتى وصلت إلى مكان هادئ وجلست مكانها بتعب وغلبها النعاس لتنام مكانها.
وبعد ساعات استيقظت من نومها لتجد نفسها على نفس وضعها.
اعتدلت في جلستها وشعرت ببعض الجوع.
فبحثت عن بعض النقود في حقيبتها لتجد بعض الجنيهات.
ابتسمت بحزن ونهضت من مكانها واشترت لها بعض الطعام وجلست على الرصيف مرة أخرى لتتناوله.
وفجأة وبين كل هذا الهدوء صدع صوت صرخات عالية من البناية المجاورة لها.
كان يجلس في إحدى الأماكن المطلة على النيل مباشرة ويستمع إلى بعض الموسيقى الهادئة.
حتى شعر بمن يجلس بجواره.
ألتفت إليه ليجده صديق عمره.. كريم والذي قال له:
- كنت عارف إني هلاقيك هنا.
نظر له يامن وأبتسم ابتسامة صغيرة وقال:
- عاش من شافك.. مختفي ليه الفترة دي؟ قولتلك بعد الجواز والخلفة هتتغير مصدقتنيش.
ضحك كريم بخفة وقال:
- أعمل إيه.. غصب عني والله.. أنت عارف تعب نسمة وإني أنا اللي شايل كل حاجة وملك متعلقة بيا أوي.
ابتسم يامن وقال:
- أتصدق وحشتني أوي.. مجبتهاش معاك ليه؟
- عشان أركز معاك.. أنا مش عاجبني حالك.. هتفضل تعاقب نفسك لحد امتى؟
- لحد ما القدر يجمعني بيها تاني.
- طول السنين دي وإحنا بندور عليها ومفيش فايدة.. أفرض العمر جرى وأنت متجمعتش بيها برضو.
- عمري ما هسامح نفسي.. أنا كسرتها يا كريم.. هي وثقت فيا وأنا مكنتش قد ثقتها.. أنا ظلمتها.
- وأنت كمان اتظلمت يا يامن.. للأسف هي اختفت قبل ما تعرف إن كل اللي حصل ده مكنش بمزاجك وإنك كنت محبوس ومش قادر تطلع من أوضتك.. كفاية اللي بتعمله في نفسك ده والعقاب مش هيجيب نتيجة.. انتوا الاتنين اتظلمتوا.
زفر يامن بألم وحاول أن يغير الموضوع فقال:
- خلاص أقفل الموضوع ده.. أنت مال وشك.. حاسس إنك تعبان؟
- عندي دور برد مبهدلني يا عم.. ورغم كده جايلك وأنت على الكورنيش في الجو ده.
ثم أبتسم كريم بمزاح وقال:
- وبلاش تقفل الموضوع.. أنا شايف إنك لازم تتجوز يا يامن!
- أنت اتجننت يا كريم.. أنا مش ناقص.. الله يخليك.. أنت مينفعش تطلب مني كده لأنك عارف أنا عايز إيه.
- واللي يوصلك للي انت عايزه!
- يعني إيه؟
رواية أقدار بلا رحمة الفصل الخامس 5 - بقلم ميار خالد
وفجأة وبين كل هذا الهدوء صدع صوت صرخات عالية من البناية المجاورة لها. نهضت من مكانها بفزع واستعدت حتى تهرب من المكان، ولكن أوقفتها تلك الصرخات الباكية.
لم تمر ثوانٍ حتى وجدت رجلاً كبيراً في السن يهرول بتعب خارج البيت ويصرخ بأعلى صوته لطلب المساعدة، حتى سقط على الأرض بقوة. فركضت نحوه سريعاً.
أردفت: خير يا حاج، في إيه؟
نظر لها الرجل باستغاثة وقد أسكتته دموعه فلم يقدر على الكلام. نظرت براء إلى البيت لتجده مشتعلاً ناراً، فشُهقت بفزع.
بدأ الرجل في السعال بشدة وقال بصعوبة: مراتي محبوسة جوه.. أرجوكي الحقيها، خلي أي حد يلحقها، أنا مش بقدر أتنفس.
نظرت له براء بعيون متسعة وبدون أي تفكير ركضت إلى البيت سريعاً ودلفت إليه لتجد النيران مشتعلة به، ولكنها لم تكن منتشرة في البيت بأكمله، فحمدت ربها وتحركت بسرعة وتتبعت صوت صرخات زوجته حتى وصلت إلى غرفتها لتجدها مكومة في إحدى الأركان بخوف وصرخاتها لا تتوقف.
ذهبت إليها سريعاً وحاولت أن تطمئنها وشجعتها حتى تنهض معها. قالت: أنا معاكي، متخافيش، قومي معايا، لازم نخرج من هنا.
ظلت صرخاتها متواصلة حتى بدأت تنتبه إلى كلمات براء، فهدأت قليلاً ونجحت براء في انتشالها من تلك النيران وخرجت من البيت.
في تلك الأثناء كان جميع من في البناية قد انتبه إلى صرخاتها، وقد أتت المطافئ وأنقذت ما يمكن إنقاذه من المنزل. جلست براء مع السيدة وزوجها في إحدى الأركان أمام البيت.
كانت السيدة مستقرة في أحضان زوجها القلق عليها، حتى ابتعدت عنه قليلاً ونظرت للجالسة بجانبها. أردفت: أنا مش عارفة أقولك إيه.. ربنا بعتك لينا منين في الوقت ده، لولاكي مش عارفة كان جرالي إيه.
نظر لها جمال وقال: أنا آسف إني خليتك تعرضي حياتك للخطر كده.. لو كنت فضلت جوه، لا كنت هقدر ألحق فاطمة ولا ألحق نفسي.
نظرت له براء بحزن وقالت: مش فارقة كتير.
طالعتها فاطمة بتساؤل وقالت: إنتِ معانا هنا في العمارة؟
لا.. أنا كنت جنب العمارة ولما سمعت صوت الصريخ جيت أشوف في إيه.. والحمد لله إني جيت في الوقت المناسب.
بس إيه اللي ممشيكي في الشوارع بليل لوحدك كده يا بنتي؟ غلط عليكي.. هما فين أهلك؟
نظرت لها براء بعيون دامعة ثم قالت: أنا لازم أمشي دلوقتي.. حمد الله على سلامتك.
ونهضت من مكانها وجاءت لتمشي، ولكن فاطمة أمسكت يدها لتوقفها. نظرت براء إليها بتساؤل لتقول فاطمة: إنتِ إيه حكايتك؟
وكانت براء تنتظر تلك الجملة لتنفجر في البكاء، وقد ارتمت في أحضان فاطمة. صُدمت هي من رد فعلها، ولكنها قد نست كل شيء ومسحت على شعرها وتركتها حتى تنهي بكائها.
وبعد لحظات هدأت قليلاً وابعدت عنها فقالت: أحسن دلوقتي.
نظرت لها براء بعيون دامعة وقالت: أيوه.
مش هتجاوبي عليا برضو؟ إيه اللي ممشيكي في الوقت ده لوحدك وإيه الشنطة اللي معاكي دي؟ أنا بسألك من قلقي عليكي يا بنتي.
نظرت لها براء للحظات ثم تنهدت بتعب وقالت: أنا هحكيلك كل حاجة.
ثم قصت عليها كل ما مرت به منذ أن جاءت لتلك الدنيا، وكانت فاطمة وزوجها جمال متأثرين جداً بقصتها. وعندما انتهت كانت الدموع قد عرفت طريقها إلى عيون فاطمة فقالت: معقول كل ده مر عليكي؟ عيونك مليانة بحكايات لو اتقالت هتبكي الدنيا كلها.
الحمد لله.. أنا راضية بأي حاجة بتحصلي وعارفة إن ربنا بيحبني عشان كده بيبتليني.. وعارفة إنه هيعوضني خير بعد كل ده.
نظرت لها فاطمة وابتسمت بحنان ثم نظرت إلى جمال ليفهم هو نظراتها، ثم ابتسم وقال لبراء: يرضيكي نفضل قاعدين في الشارع كده؟ كان نفسنا نستقبلك في ظروف أحسن من كده بس نعمل إيه بقى.. يلا يا بنتي معانا، أكيد مش هنسيبك تفضلي في الشارع كده لوحدك.
نظرت لهم براء بتعجب وقالت: معقول هتخلوا بنت متعرفوهاش عندكم! حتى لو ساعدتكم مينفعش أحسبوا طلعت مش كويسة!
ابتسمت فاطمة بهدوء وقالت: مش عارفة يا بنتي.. بس أنا قلبي مرتاحلك وحاسة إنك مش هتأذينا.. مش كل الناس وحشة وقاسية كده، ما يمكن ربنا وقعنا في طريقك عشان نساعدك.
نظرت لها براء ودققت في ملامحها ليرتاح قلبها وشعرت بالأمان ولأول مرة منذ عدة أيام. طالعت جمال أيضاً ليبتسم هو لها بطيبة.
صمتت براء للحظات حتى قالت فاطمة: أنا عارفة إنك خايفة.. أقولك حاجة؟ وأنا كمان خايفة رأيي فيكي يبقى غلط.. بس قلبي عمره ما كان غلط وقلبي بيقولي إنك كويسة.. غير كده أنا مش هسمح إنك تفضلي في الشارع كده لوحدك بعد اللي قولتي ده.. من النهاردة مفيش قساوة من الدنيا تاني.
نظرت لها براء وقد ترقرق الدموع في عيونها وقالت: وأنا من كتر القساوة قلبي اتكسر مليون حتة.
ابتسمت فاطمة بحزن ثم أخذتها بين أحضانها وربّتت على كتفها.
نظر لهم جمال وقال: الوقت اتأخر يا فاطمة.. يلا نروح شقة أهلك نفضل فيها لحد ما نجدد اللي اتحرق في الشقة اللي فوق.. والمفتاح جبته اهو، الحمد لله إني عرفت أوصله.
يلا.. هي كده كده مش بعيدة.
ثم نهض الثلاثة واتجهوا إلى شقة أهل فاطمة والذي تبعد عن شقتهم بشارعين فقط، وهي ما تبقي لفاطمة من ميراث أهلها. وأخذها الحديث مع براء وقالت لها أنهم يمتلكون محل صغير للخياطة. وقد فرحت براء بشدة وقالت لها أنها تجيد الخياطة والتطريز وأنها كانت تصمم الملابس لأخواتها بالدار.
وظل الاثنان هكذا حتى وصلوا إلى البيت، فقال جمال بمزاح: هي لحقت تاخدك مني ولا إيه؟ لا كده هضايق.
ضحكت براء بخفة وكذلك فاطمة ثم قالت محدثة براء: إيه رأيك في الكلام ده؟
ابتسمت براء وقالت: عمري ما أعمل كده، ده حضرتك الخير والبركة.
ضحك جمال ثم قال: إيه حضرتك دي.. من النهاردة تقوليلي بابا جمال.
وأكملت فاطمة كلامه وقالت: وأنا ماما فاطمة.
نظرت لهم براء بابتسامة واسعة وقالت: حاضر.
نعود إلى الحاضر.. ترقرق الدموع في عيون براء عند تذكرت تلك الأيام وابتسمت ابتسامة هادئة صاحبتها تنهيدة.
وفي تلك اللحظة صدع جرس المنزل فقالت براء: أكيد ده بابا جمال.
ذهبت بحماس إلى الباب وفتحته لتجده جمال بالفعل الذي قد أتى ومعه الفطور.
صباح الخير يا ست البنات، صاحية بدري ليه كده؟
ضحكت براء وقالت: هقولك أنت كمان.. أنت نسيت إني عندي طلبية كبيرة لازم تخلص كمان أسبوع؟ يادوب أروح الأتيليه عشان ألحق أخلص اللي ورايا.
والله يا بنتي من غيرك كان زمان المحل ده اتقفل من زمان.. شطارتك كبرته لحد ما بقى أتيليه كبير وبقى ليكي اسم معروف في السوق كمان.. جيتي أنتِ وحلّيتي كل مشاكلنا ونورتي حياتنا.
ابتسمت براء بحب وقالت: أنا معملتش حاجة، ده واجب عليا.. مش أنتوا عيلتي برضو.
ابتسم جمال وقال: الله ينور عليكي يا بنتي.. يلا بقى عشان ناكل، أنتوا مش جعانين؟
أنت جبت فطار.. دي ماما فاطمة بتجهز الفطار.
لا خليها تيجي بلاش تتعب نفسها.. يلا.
ضحكت براء وجاءت فاطمة ثم جلسوا جميعاً حتى يتناولوا فطورهم.
***
يعني إيه؟
هعرفك كل حاجة في وقتها.. بس ممكن بكرة تعدي عليا في البيت.. ملك عايزة تشوفك يا ستي.
تنهد يامن بضيق وقال: مش عارف، عندي شغل في الشركة مش هقدر أسيبه، وأنت عارف إن أمي بتسأل كتير وأنا مش عايز أي أسئلة منها.
لسه علاقتك متوترة معاها برضو؟
أيوه.. للأسف هي أمي عشان كده لازم أعاملها بطريقة كويسة وده اللي بيحصل.. بس متطلبش مني أكتر من كده، بسببها أنا بعاني بقالي سبع سنين.. بسبب معتقدات المجتمع الغلط أنا خسرت أكتر حاجة حقيقية في حياتي.
نظر له كريم بحزن وظل يستمع إلى صديقه حتى قال يامن بانفعال: كان ذنبها إيه هي عشان تتعاقب على حاجة ملهاش دخل بيها.. كان ذنبها إيه أنها تترفض وتتعامل بالقسوة دي؟ هي متستاهلش كده.. حتى أنا كسرتها وخذلتها حتى لو كان غصب عني.. إحساس إني حتى مش عارفة هي كويسة ولا لا دلوقتي.. عايشة ولا..
توقف عند تلك الكلمة ليزفر بضيق مرة أخرى، وقد أحس كريم بمدى الألم الذي يشعر به صديقه ففضل الصمت. وبعد لحظات قال يامن: هحاول أجي بكرة حاضر.. أنا مقدرش أرفض طلب لملك.
ابتسم كريم وقال: ربنا يريح بالك يا صاحبي.
وبعد لحظات صدع هاتف كريم رنيناً برقم زوجته نسمة فنهض من مكانه ورد عليها لتقول بسرعة: ها، قلتله؟ قالك إيه؟ وافق يجي؟
أهدي إيه كل ده!
رد عليا بس.
ابتسم كريم وقال: أيوة يا ستي جاي بكرة بإذن الله.
ابتسمت نسمة وقالت: كويس أوي.. وأنا هكلمها عشان تيجي بكرة برضو.. وبكده يتقابلوا.. يارب بس تُلفت نظره، عايزة أفرح بيهم.
هتلفت نظره متقلقيش.
وأنت متأكد كده ليه؟
أنتِ قولتيلي اسمها إيه صاحبتك دي؟
اسمها براء.
ابتسم كريم وقال: بس يبقى هتلفت نظره.
يارب.
أنهى كريم معها المكالمة وعاد إلى يامن لينهض الآخر من مكانه، ودع صديقه ورجع إلى بيته ليجد والدته كعادتها تقرأ إحدى المجلات الخاصة بالأزياء والموضة. وقبل أن يتجه إلى غرفته انتبهت له وقالت: اتأخرت ليه؟ مش قولتلك أرجع بدري.
كان عندي مشوار مهم.
مشوار إيه؟
مشوار يخصني يا ماما.. أنا مش صغير عشان تعرفي كل تحركاتي كده، أنا عندي ٢٧ سنة!
طب كويس إنك عارف إنك مش صغير.. مش ناوي تتجوز بقى؟
أعتقد أنتِ عارفة رأيي في الموضوع ده من زمان.
ما تكبر بقى.. مكنش حب مراهقة وراح لحاله.
لا مكنش حب مراهقة! وبعد إذنك مش عايز أتكلم عن الموضوع ده تاني.. وياريت تشيلي فكرة الجواز من دماغك.
قال تلك الجملة ثم تركها تستشيط غضباً وذهب إلى غرفته ليغرق في دوامة الندم مرة أخرى.
في اليوم التالي..
استيقظت براء من نومها وارتدت ملابسها وحجابها وخرجت من الغرفة ثم ودعت فاطمة وجمال وذهبت إلى الأتيليه الخاص بها وبدأت براء عملها سريعاً حتى تنهي الطلبية قبل الموعد المحدد.
وفي تلك الأثناء دلف إليها صاحب المحل المجاور لها، وهو رجل في العقد الثالث من عمره، ملامحه هادئة ووسيم نوعاً ما، يمتلك ابتسامة جميلة تخطف كل القلوب.. إلا قلب براء الذي قد سُلب منها قبل سنين.
نظر لها خالد وقال: صباح الخير.
التفتت له براء وابتسمت بهدوء وقالت: صباح النور يا خالد.. أخبارك إيه النهاردة؟
بقيت بخير لما شفتك.
نظرت له براء بتوتر نوعاً ما بسبب كلماته تلك وقالت: خير.. كنت عايز حاجة؟
فرك خالد شعره بتوتر وقال: لا، أنا جيت عشان أطمن عليكي بس.. هو لازم أكون عايز حاجة يعني؟
فيك الخير.
شكلك مشغولة مش كده؟
أيوه بصراحة.
طيب هستأذن أنا.. لو احتاجتي حاجة أنا موجود جمبك تمام.
ابتسمت براء بتحفز وقالت: ربنا يخليك، شكرًا.
نظر لها خالد بابتسامة وألتفت ليخرج من المكان.
وفي تلك اللحظة دلف أحد الرجال إلى الأتيليه ليقف خالد مكانه وينظر له بتساؤل. تخطاه هذا الرجل وذهب ليقف أمام براء وقال: خلصتي الطلبية ولا لسه؟
نعم؟! لسه فاضل أسبوع.. أكيد لسه.
الطلبية دي الشركة طلبتها من فترة.. مكنتش أعرف إنك مش قد كلمتك كده يا أستاذة.
اتجاهت إليه براء ونظرت له بثبات وقالت: ياريت تتكلم معايا بنبرة أحسن من كده.. وعموماً أنا كلامي مش معاك، أنا كلامي مع رئيسك.
رئيسي هو اللي باعتني عشان أقولك الكلام ده.. وبيقولك إنه مش عايز يكمل الصفقة دي ومكتفي بتصاميمك اللي اتعملت خلاص.. ودي تم الحساب عليها في أول الصفقة.
نظرت له براء بدهشة وقالت: ده إزاي يعني؟ هو لعب عيال! أنتوا التزمتوا معايا بكلام مينفعش تغيروه.
ده شيء يرجع لرئيس الفرع.. أنا جيت أوصل الكلام مش أكتر.
وأنا لو كنت من الأول أعرف إني بتعامل مع شركة مش قد كلامها كده، مش كملت معاكم.. وبالنسبة للتصاميم أنا مش هقدمها.. ونص المبلغ اللي كان مدفوع هيكون عندكم خلال أيام.. اتفضل من هنا.
أنا عندي أوامر إني أرجع بالتصاميم.
واقترب منها قليلاً ليقف خالد أمامه وقال بنبرة حادة: أعتقد أنت سمعت كلامها.. اتفضل أمشي من غير شوشرة.
نظر له هذا الرجل للحظات ثم خرج من المكان. وهبطت براء على كرسي مكتبها بتعب.
صمت خالد للحظات حتى قال: هتعملي إيه دلوقتي؟
مش عارفة.. بس أنا لازم أروح الشركة وأشوف رئيس الفرع.
طيب وقت ما هتكوني رايحة قوليلي أروح معاكي.
نظرت له براء بتساؤل وقالت: شكراً يا خالد.. بس أنا شايفة إنه ملهوش لازوم.
لا إزاي يعني.. لازم يعرفوا إنك مش لوحدك وإن وراكي رجالة.
ربنا يخليك.. بس بجد ملهوش لازوم.
براء أنا مش باخد رأيك.. بعد إذنك أبقي قوليلي وأنتِ رايحة.
تنهدت براء بضيق وقالت: حاضر يا خالد.. وشكراً.
نظر لها خالد بعيون تشع بالحب وقال: العفو على إيه بس.. دي أقل حاجة أقدر أقدمهالك.
ابتسمت براء بتحفز وخرج هو من المكان وتنهدت هي بضيق. مرت ساعات طويلة حتى أنهت عملها وخرجت من المكان وأغلقت جيداً ثم تحركت حتى تذهب إلى بيتها. كانت شاردة نوعاً ما، ولكنها انتبهت حين شعرت أن شخصاً ما يتبعها!
*********************
وصل يامن أسفل عمارة كريم وترجل من سيارته واتجه إلى البيت. رن جرس المنزل وما أن فتح له صديقه الباب حتى ركضت ملك لترتمي بين أحضان يامن وكانت بعمر الثلاث سنوات.
حملها يامن بين يديه بابتسامة عريضة وقال: حبيبة عمو يامن.. وحشتيني أوي.
ابتسمت ملك بفرحة وظل الاثنان معاً يلعبون سوياً بوجود كريم حتى اتجهت إليهم نسمة بابتسامة جميلة وقالت ليامن: ده البيت نور والله.
ده بنورك طبعاً.. أخبارك إيه؟
أنا الحمد لله.. أنت عاش من شافك.
الدنيا بتلهي بقى.
ماشي يا سيد.
وفي تلك اللحظة صدع جرس المنزل لينظر يامن إلى كريم بدهشة وأردف: أنت مستني حد ولا إيه؟
قالت نسمة: متشغليش بالك.. دي واحدة صاحبتي جاية تزورني.. معلش بقى أصلها مسافرة بكرة ومكنش ينفع تسافر غير لما تشوفني.
براحتك أكيد ده بيتك.
ربنا يخليك.
ابتسمت نسمة بحماس ثم ذهبت لتفتح الباب لصديقتها، وبعد ثوانٍ فتحت لها الباب لتطل منه فتاة عشرينية لا تمتلك شيئاً من اسمها على الإطلاق، فكان منظرها جرئ نوعاً ما مع هذا المكياج الذي يعطيها سن أكبر قليلاً من سنها.
احتضنت نسمة صديقتها وقالت: نورتي يا براء.
لا براء إيه.. انتِ عارفة إني مش بحب الاسم ده.. قوليلي بيري زي ما متعودة.
حدثتها نسمة بصوت خفيض وقالت: من النهاردة لازم تحبيه.. يامن بيحب اسم براء.. وإيه لبسك ده؟ أنا مش قولتك النهاردة بالذات البسي كويس.
ما هو كويس أهو.
أعمل إيه فيكي.. مفيش فايدة.
خلاص بقى.. مش وقت الكلام ده.
تنهدت نسمة بضيق ثم دخل الاثنان واتجهوا إلى يامن وكريم الجالسين.
نظر يامن للفتاة الواقفة أمامه بتساؤل وهي تطالعه بابتسامة ساحرة. أعاد يامن نظره إلى ملك فابتسمت نسمة وقالت: دي صاحبتي.. اسمها براء.
نظر يامن أمامه فجأة وكان وقوع الاسم على أذنه كافياً حتى يستعيد كل ذكرياتهم التي حاول أن يدفنها في رأسه. اتجهت إليه براء أو بيري كما تحب أن ينادوها الناس ومدت يدها إليه.
نظر يامن إلى كريم بحدة ليبعد كريم نظره عنه، وبدون أي مقدمات نهض يامن من مكانه وقال: أنا لازم أمشي حالاً.
نظرت له نسمة وقالت: تمشي إزاي بس.. ده أنت لسه واصل.
معلش مرة تانية.. عن إذنكم.
ونهض من مكانه وخرج من البيت سريعاً وقد لحق به كريم، واستطاع الوصول إليه قبل أن ينطلق بسيارته.
ترجل يامن السيارة بعصبية كبيرة ليقول كريم: مشيت ليه؟
بتسألني مشيت ليه؟ أنت ليه بتتعامل معايا على إني عيل صغير.. أنت فاكر إني مش فاهم كل اللي أنت بتعمله ده! أنا كنت عارف إن النهاردة مش أنا لوحدي اللي معزوم.. بس مكنتش متخيل إنها هتوصل بيك لكده.. للدرجة دي استهزأت بمشاعري واللي بحس بيه.. فاكر إني ممكن أنجذب للبنت دي بس لمجرد إن اسمها براء.. أنت إزاي كده بجد!!
نظر له كريم بحزن وقال: والله ما كان قصدي كل ده.. أنا بس كنت عايز أساعدك.. أنا مش هاين عليا اللي بتعمله في نفسك ده!
أنا حر!! كله بيفكر بطريقة أنانية ومحدش بيفكر أنا عايز إيه.. أرجع لمراتك يا كريم ويا ريت تحترم رأيي بقى.
قال تلك الجملة ثم استقل سيارته وأنطلق بها إلى شقته الذي اشتراها بعيداً عن بيت والدته، وكان يلجأ لها حين تخنقه ذكرياته. تنهد كريم بضيق ثم عاد إلى بيته.
******************************
كانت شاردة نوعاً ما ولكنها انتبهت حين شعرت أن شخصاً ما يتبعها!
نظرت خلفها سريعاً فلم تجد أحد. استدارت مرة أخرى وسرعت من خطواتها قليلاً حتى شعرت بمن يضع يده على كتفها لتلتفت بخوف: أهدي.. ده أنا.. متخافيش.
نظرت براء للواقف أمامها بفزع: بابا جمال.. وقفت قلبي ليه كده.
ضحك جمال بخفة وقال: حقك عليا معلش.. أنا بس لقيت الوقت اتأخر شوية محبتش إنك تروحي لوحدك دلوقتي.. وبصراحة في موضوع كده عايز أكلمك فيه ومش عايز يكون قدام ماما.
نظرت له براء بابتسامة وسار الاثنان معاً، وبعد لحظات من الصمت قال جمال: أنا كنت عايز أكلمك بخصوص خالد.
نظرت له براء بتساؤل وقالت: ماله خالد؟
صمت جمال للحظات ثم تنهد وقال: خالد طلب أيدك مني من فترة يا بنتي.. بس أنا مرضيتش أقولك عشان حسيت إنك مش مستعدة دلوقتي.. بس هو عاد طلبه تاني الفترة دي ومصمم عليكي عشان كده لازم أقولك وأعرف رأيك.
نظرت له براء بعيون متسعة وتوقفت مكانها ليحركها هو وأردف: متقنعنيش إنك مكنتيش حاسة بإعجابه.
لا حاسة بس كنت بحاول أتجاهل الموضوع.
طيب إيه رأيك في كلامي؟
تنهدت براء بضيق وصمتت للحظات ثم قالت: أنا مش هقدر.. مش هقدر أبني عيلة جديدة غير لما أعالج الخدوش اللي موجودة في روحي.. أنا لو وافقت على خالد هكون بظلمه معايا وهو إنسان كويس ومحترم جداً مش عايزة يتأذى نفسياً بسببي.. أنا مش مستعدة للخطوة دي خالص.
أنتِ مش مستعدة.. ولا خايفة؟
توترت براء من كلماته تلك لتقول بانفعال: مش عارفة.. وحتى لو خايفة ده حقي.. على الأقل كان من حقي أخاف في الدنيا دي.. أنا كبرت لقيتني مجردة من كل الحقوق.. مكنش ليا الحق إني أزعل ولا أعيط.. لا أفرح ولا أي حاجة.. لحد ما ربنا وقعني في طريقكم وكل حاجة في حياتي اتغيرت.. بس أنا مش قادرة أنسى اللي حصلي.. مش قادرة أنسى كل القسوة اللي قابلتها.. أنت فاهمني يا بابا جمال.
فاهمك يا بنتي.. بس حاولي تدي نفسك فرصة تحبيه.. خالد كويس وشاريكي.
ابتسمت براء بقهراً وقالت: شاريني عشان أنا بنتك.. لكن لو عرف حقيقتي هيغير رأيه.. لو عرف إني تربية ملاجئ على رأي الناس مش هيفكر يبصلي حتى.. وأنا مش حمل كسرة تاني.. أنا مش هستحمل إني أتعاير تاني بسبب الموضوع ده.
فهمت قصدك يا بنتي.. وأنا عمري ما هجبرك على حاجة.. أنا هكلم خالد بكرة وأعرفه قرارك.. اتفقنا.
ابتسمت براء وتنهدت براحة. وقبل أن تتكلم سمعت صوت خلفها: براء مش بنتك!!
يا ترى مين اللي سمعهم؟
إيه اللي هيحصل؟
رواية أقدار بلا رحمة الفصل السادس 6 - بقلم ميار خالد
براء مش بنتك!
التفتت براء وكذلك جمال نحو مصدر الصوت ليجدوا خالد يقف خلفهم ويطالعهم بصدمة.
نظر له جمال بحدة وقال:
- أنت كنت واقف تسمع كلامنا ولا إيه يا خالد!
- أنا آسف، أنا مكنش قصدي أسمع كلامكم.. أنا شوفتكم ماشيين وقولت أسلم عليك قبل ما أمشي.
تنهدت براء بضيق وصمتت للحظات حتى قالت:
- كويس إنك سمعت يا خالد.. عشان تكون عارف كل حاجة.. أنا مش بنت بابا جمال الحقيقية.. هو تكفل بيا قبل سبع سنين.. لكن أنا اتربيت وكبرت في ملجأ.
ظل خالد يطالعها بصدمة وكأن كل أحلامه قد وقعت على رأسه في لحظة.
فقالت براء:
- أعتقد كده كل حاجة بقت واضحة قدامك.. عارفة إنك أكيد هتضايق بس ده النصيب.. وأنا هخلصك من الإحراج وأقولك إني مش موافقة على ارتباطنا.. أنت تستاهل واحدة أحسن مني.. ويا ريت محدش يعرف الموضوع ده عشان أنا مش ناقصة جرح أكتر من كده.. عن إذنك.
ثم تحركت من أمامه بسرعة ولحق بها جمال.
ظل خالد واقف مكانه وحاول أن يستوعب كلامها حتى تحرك هو الآخر وذهب إلى بيته.
دلف إليه ليجد والده ووالدته جالسين سوياً.
اتجهت إليه والدته عندما رأته:
- اتأخرت كده ليه النهاردة.. هروح أحضرلك شوية أكل.
- لا مش عايز.
- ليه في إيه.. وشك أصفر كده ليه؟
- ولا حاجة.. محتاج أنام شوية بس.
نظرت له والدته للحظات حتى قالت:
- في إيه يا خالد متقلقنيش عليك.
تنهد خالد وصمت لثواني ثم قال:
- ماما.. انتِ ربتيني أحسن تربية.. بس أنا عايز أسألك سؤال.
- قول يا حبيبي.
- إيه اللي يعيب أي بني آدم إذا كان بنت أو شاب.
نظرت له والدته بتساؤل وقالت:
- ليه السؤال ده؟
- جاوبيني بس.
- اللي يعيب أي بني آدم أخلاقه وطباعه يا خالد.. الأخلاق والتربية بس هي اللي تعيب أي بني آدم.. لا فلوسه ولا عيلته ولا مستواه ولا أي حاجة.
- حتى لو مكنش معروف أهله؟
- مش فاهمه يا خالد؟
- يعني لو حد اتربى في ملجأ.. ده يعيبه؟
نظرت له والدته بتعجب ودهشة وقالت:
- وهو من أمتى الملجأ ده كان عار ولا يعيب صاحبه.. ده إحنا المفروض نعاملهم أحسن معاملة يا ابني.. دول ربنا يعلم شافوا قسوة من الدنيا أد إيه.. بس ليه بتسأل؟
- لا ولا حاجة.
ابتسم لها خالد ثم صعد إلى غرفته وغرق في تفكيره.
في اليوم التالي..
استيقظت براء بتعب بعد أن استطاعت أن تنام بضع ساعات عندما تمكنت من إخماد عقلها قليلاً.
ذهبت إلى عملها بصمت دون أن تتحدث مع أي شخص.
وتعجبت فاطمة من حالتها تلك ولكنها لم تود أن تضغط عليها.
وصلت براء إلى الأتيليه الخاص بها وفتحته ورتبت عملها.
وبعد لحظات دلف إليها خالد! وأردف:
- صباح الخير.
نظرت له براء بتوتر وقالت:
- صباح النور.. خير يا خالد.
- امبارح أنا سيبتك تتكلمي بس أنتِ مسمعتيش ردي.
- عشان ردك معروف.
- لا يا براء.. من حقي أنك تسمعيني مش تفرضي رد من عندك.
تنهدت براء بضيق وقالت:
- طيب ممكن نأجل أي كلام دلوقتي لأني رايحة فرع الشركة.
- ماشي يا براء.. عندك حقك مش وقته الكلام ده.
- عن إذنك.
- أنا قولتلك إني هروح معاكي.. وأرجوكي بلاش ترفضي.
- ماشي يا خالد.
قالت تلك الجملة ثم خرج الاثنان من المكان واتجهوا إلى فرع الشركة!
استيقظ يامن من نومه وخرج من بيته واتجه إلى شركته هو وكريم والتي أقاموها قبل أعوام حتى وصلت لكل هذا النجاح، ومجالها إنتاج الأزياء.
وصل يامن إلى الشركة ليجد كريم في مكتبه فتخطاه ودلف إلى مكتبه.
وبعد لحظات دلفت إليه السكرتيرة الخاصة به وقالت:
- أستاذ يامن.. في مشاكل في فرع الشركة في إسكندرية وفي شكاوي كتير جاية عن المدير هناك.
- أستاذ كريم هو اللي مسؤول عن الأقاليم.. روحي بلغيه بكل الكلام ده وأنا شوية وهروحله.
- تمام حضرتك.
خرجت السكرتيرة من مكتب يامن وذهبت إلى مكتب كريم ودلفت إليه وأردفت:
- أستاذ كريم.. في شكاوي كتير جاية من فرع إسكندرية.
- شكاوي إيه؟
- بسبب مدير الفرع.. في شكاوي كتير عليه وأيمن هيتصل بحضرتك كمان شوية هيفهمك كل حاجة برضو.
- تمام.. اتفضلي على مكتبك دلوقتي.
- عن إذنك.
قالت تلك الجملة ثم خرجت من المكتب.
وبعد لحظات اتصل أيمن بكريم وهو إحدى الموظفين بالمكان وقد كلفه كريم أن يبلغه بكل الأخبار التي تحدث في الفرع.
رد عليه:
- الو.. خير يا أيمن.
- خير بإذن الله حضرتك.. بس في مشكلة هنا.
- مشكلة إيه؟
- في شكاوي كتير عن أستاذ مدحت.. شكاوي عن طريقة تعامله مع الموظفين حتى العملاء والمصممين.. وآخر مشكلة كانت مع أتيليه الحاج جمال!
- أيوه أسمع عنه.. حصل إيه؟
- الفرع اتعامل مع مصممة في الأتيليه ده إنها تصمم ليهم مجموعة جديدة للصيف وبالفعل ده حصل وهي أخدت نص المبلغ وبدأت تصمم اللي اطلب منها.. وقبل موعد استلام التصاميم بأسبوع أستاذ مدحت قرر إنه يلغي الصفقة وإنها تسلم التصاميم اللي اتصممت خلاص بنص التمن اللي هي أخدته.. واللي عرفته إنه بياخد التصاميم دي وينسبها لنفسه ودي مش أول مرة يعمل كده بس المرة دي ربنا كشفه قدامي.
- إيه اللي أنت بتقوله ده!! دي مصيبة!
وفي تلك اللحظة وصلت براء مع خالد إلى الشركة وطلبت أن تدخل إلى مكتب المدير.
وهنا قال أيمن لكريم:
- المصممة وصلت دلوقتي وطالبة إنها تشوف أستاذ مدحت!
- بلاش تخليها تقابله.. قابلها بطريقة كويسة وخليها تقعد في مكان هادي وأنا بنفسي هتكلم معاها!!
- تمام حضرتك.
ثم أنهى معه المكالمة واتجه أيمن إلى براء وقال:
- اتفضلي حضرتك في غرفة الانتظار وكل حاجة هتتحل بإذن الله.
- أتمنى أن كل حاجة تتحل فعلاً!
ثم تحركت هي وخالد وذهب الاثنان إلى غرفة الانتظار.
وبعد وقت قصير دلف أيمن إلى الغرفة وقال:
- أولاً أنا آسف جداً على تأخري وإني ضيعت من وقت حضراتكم.. أنا كلمت مدير الشركة في القاهرة وبلغته باللي حصل وهو بيعتذرلك جداً وطالب إنه يكلم حضرتك بنفسه عشان تحلوا المشكلة دي.
صمتت براء للحظات ثم قالت:
- تمام مفيش مشكلة.
ابتسم أيمن واتصل بكريم ثم أعطى الهاتف إلى براء.
أخذت الهاتف ونظرت له للحظات حتى رفعته على أذنها وسمعت صوت المدير وهو كريم!
- الو.
- أيوه مع حضرتك.
- أنا بعتذرلك جداً عن اللي حصل ده وأوعدك أن كل حاجة هتتحل.. دي مش أول شكوى تيجي عن مدير الفرع وأنا مش عايز حضرتك تاخدي موقف من الشركة بسبب موظف.
- أنا فعلاً أخدت موقف من الشركة واستغربت إزاي شركة كبيرة في السوق يكونوا الموظفين بتوعها كده.
- وأنا ما يرضينيش إننا نخسر مصممة متميزة زيك.. أنا بيوصلي كلام جميل جداً عن أتيليه الأستاذ جمال.
- متشكرة جداً من ذوقك.
- أنا مش عايزك تضايقي وآسف على اللي حصل وعموماً الصفقة لسه زي ما هي وخدى وقتك لحد ما تخلصيها وهتكون الصفقة بضعف التمن!
ابتسمت براء وقالت:
- كده كتير.. اعتذار حضرتك كان كافي جداً لكن بجد كده هيكون كتير جداً.
- ده حقك صدقيني.. حصل خير.
- حصل خير.. شكراً جداً لحضرتك واضح إنك إنسان محترم.
ابتسم كريم وجاء ليرد عليها ولكن يامن دلف إلى غرفته فجأة وقال بصوت مسموع وصل لبراء:
- في إيه.. السكرتيرة قالتلي إن في مشكلة في الفرع؟!
دق قلب براء بسرعة غريبة وتسارعت أنفاسها وتعجبت هي من نفسها.
على الجهة الأخرى نظر كريم إلى يامن وقال:
- المشكلة اتحلت خلاص.
ثم قال محدثاً براء:
- مش كده برضو يا آنسة ولا إيه.
شرُدت براء قليلاً حتى قالت:
- أيوه مفيش مشكلة.
وبعد تلك الجملة أنهى كريم المكالمة ونظر إلى يامن وحكى له عن المشكلة التي حدثت.
وبعدها تم طرد هذا المدير وتعيين شخصاً آخر مكانه أكثر أمانة منه.
خرجت براء من الشركة مع خالد وهي شاردة الذهن فلم تنتبه لخالد الذي يتحدث بجانبها حتى لاحظ هو شرودها هذا فحرك يده أمام عينيها فانتبهت له فقال هو:
- سرحتي في إيه؟
- لا ولا حاجة.. معلش أنا تعبتك معايا النهاردة.
- يا ستي اتعبيني كده كل يوم.
ابتسمت براء بتحفز وقالت:
- طيب أنا لازم أرجع الأتيليه دلوقتي.
- إيه رأيك نتغدى سوا النهاردة.. أعرف مطعم حلو جداً تعال..
قاطعته براء وقالت:
- خالد.. أعتقد بعد كلامي امبارح يعني..
صمتت براء بتوتر ليقول خالد بابتسامة:
- وأنا قولتلك إني لسه مقولتلكيش رأيي.. براء أنا بحبك وعايزك!
نظرت له براء بدهشة وعيون متسعة ليكمل هو:
- ومش فارق معايا أي حاجة عنك.. كل اللي فارق معايا براء اللي قدامي دلوقتي.. أنتِ مفكيش أي حاجة تخلي حد يرفضك بالعكس.. أرجوكي افهمي كلامي وبلاش تكسري قلبي.
نظرت له براء بتوتر ولم تعرف ماذا تقول.
فقال خالد:
- أنا مش عايز أضغط عليكِ.. وهسيبك تفكري براحتك بس أرجوكي فكري صح.
ابتسمت براء بتوتر وقالت:
- إن شاء الله.
- برضو مش موافقة على الغدا.
- معلش مرة تانية.. عن إذنك.
- عن إذنك إيه أحنا طريقنا واحد.. للشغل يعني.
ابتسمت براء بتحفز ثم سار الاثنان بصمت واتجهوا إلى عملهم.
وبعد مرور يومين كانت براء قد أنهت كل التصاميم واتصلت بأحد من الفرع حتى يأتي ويأخذ التصاميم.
وفي هذا اليوم أيضاً كان كريم قد سافر إلى الإسكندرية واتجه إلى الفرع حتى يتابع ما يحدث فيه.
وكانت زوجته وملك مع والدته و تركت نسمة ابنتها مع جدتها وذهبت بسيارتها إلى مركز صيانة الهواتف حتى تصلح هاتفها بعد أن رمته ابنتها في الماء.
كان كريم في الشركة حتى جاء له أيمن وقال:
- المصممة اتصلت بالشركة والتصميمات خلصت وحالياً أنا هروح أستلمها منها.
- لا خليك أنت أنا هروح.. تقديراً ليها برضو وعشان لو لسه زعلانة من اللي حصل كل حاجة تتحل.. أهم حاجة رضا الناس اللي بتشتغل معانا.
- اللي حضرتك تشوفه.
- تمام.. هات العنوان وأنا هروح لها دلوقتي!
أخذ كريم العنوان من أيمن وخرج من الفرع واتجه إلى أتيليه الحاج جمال.
وبعد لحظات وصل إليه وقبل أن يترجل من السيارة جاءه اتصال من شركته في القاهرة.
فظل مكانه للحظات وكان الأتيليه على خط البحر مباشرة.
أنهى المكالمة وجاء لينزل من السيارة ولكنه توقف مكانه عندما وجد فتاة تخرج من الأتيليه وكانت تتحدث عبر الهاتف.
وكانت تلك الفتاة براء!
نظر لها كريم بصدمة وعيون متسعة وأردف:
- براء!!
يا ترى إيه اللي هيحصل؟!
وإيه هيكون رد فعل كريم؟
رواية أقدار بلا رحمة الفصل السابع 7 - بقلم ميار خالد
ظل يطالعها للحظات حتى دخلت هي إلى الأتيليه الخاص بها وبدأت عملها.
نظر كريم أمامه بصدمة وقال:
"معقول تكون في بنت شبه براء للدرجة دي، ولا تكون هي براء فعلاً! أنا لازم أتأكد من الموضوع ده في أسرع وقت."
ظل في سيارته لساعات قصيرة حتى خرجت براء من الأتيليه وأغلقت ثم عادت إلى بيتها.
ترجل كريم من السيارة وعندما لاحظ وجود محل آخر بجانب الأتيليه اتجه إليه، وكان محل خالد.
تنحنح كريم قليلاً فانتبه له خالد.
فقال كريم:
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام."
"لو سمحت أنا كنت جاي أستفسر منك عن حاجة بس."
"أكيد اتفضل."
"هو مين صاحب الأتيليه اللي جنبك ده؟"
"ده أتيليه الحاج جمال."
"بس أنا شفت بنت اللي فيه النهاردة؟"
نظر له خالد بتساؤل وقال:
"بتسأل ليه معلش؟"
"أنا بس حبيت جداً التصميمات اللي في الأتيليه وبفكر أتعامل معاها الفترة اللي جاية عشان كده بسأل."
"اللي شوفتها في المحل دي بنت الحاج جمال وهي اللي ماسكة المكان كله، حتى التصميمات دي بتاعتها هي، موهوبة جداً ماشاء الله عليها."
"بنتُه؟!"
شرد كريم للحظات وقال في نفسه: "يبقى أكيد دي مش براء."
نظر له كريم بحزن وقال:
"تمام شكراً جداً."
والتفت ليسير، فقال خالد:
"عموماً فرصة سعيدة، ولو احتاجت أي حاجة أبقى بلغني أقول للأنسة براء."
توقف كريم عند تلك الجملة واستدار إليه سريعاً وكأنه كان ينتظر تلك الكلمة.
ليقول بصدمة:
"براء! هي بنته اسمها براء؟"
"أيوه، في مشكلة أو حاجة؟"
"لالا تمام.. شكراً."
والتفت ليخرج من المكان، ولكن توقف حين جاءه اتصال من هاتف نسمة زوجته فرد عليها:
"إيه يا حبيبتي؟"
"سلام عليكم.. حضرتك تعرف صاحبة الفون ده؟"
سرى القلق في أوصال كريم لينتبه أكثر ويقول:
"أيوه، مين معايا؟ ده موبايل مراتي."
"صاحبة الموبايل ده عملت حادثة وهي حالياً في المستشفى.. ياريت حضرتك تيجي في أسرع وقت عشان حالتها صعبة، أنا بكلم حضرتك من مستشفى الحياة."
نظر كريم أمامه بصدمة ووقع هاتفه على الأرض ثم رجع خطوة للوراء.
ليلتiقطه خالد وقال:
"يا أستاذ أنت كويس؟"
ابتعد كريم عنه وخرج من المكان سريعاً.
استقل سيارته وانطلق بها بسرعة متجهاً إلى القاهرة.
كان يسابق الرياح حتى يصل إليها بسرعة وكاد أن يصطدم بعدة شاحنات على الطريق بسبب سرعته تلك، ولكن لم يبالي فكل تفكيره كان في الوصول إلى المستشفى في وقت قصير.
وبعد ساعات وصل إلى المستشفى وترجل من سيارته بسرعة ثم اتجه إلى الداخل وسأل موظفة الاستقبال عن زوجته.
وقالت له إنها في غرفة العناية المركزة بعد أن خرجت من العمليات.
اتجه كريم إلى الغرفة ولكن الممرضة قد منعته من الدخول.
وهنا جاء الطبيب المسؤول عن حالتها وقال لكريم:
"حضرتك جوزها؟"
"أيوه.. طمني عليها أرجوك."
تنهد الطبيب بحزن وقال:
"أنا آسف جداً.. إحنا حاولنا على قد ما نقدر أننا ننقذها بس دلوقتي كل شيء في إيد ربنا.. هي دلوقتي موجودة في أوضة العناية وندعي إن النهار يطلع عليها."
"أنا مش فاهم أي حاجة من اللي بتقوله ده.. هي جرالها إيه؟"
"مراتك عملت حادثة صعبة جداً بالعربية وحصلها جروح داخلية كتير ونزفت دم كتير لحد ما وصلت للمستشفى.. غير إني عرفت إن عندها مشاكل في القلب وده من فترة."
"أيوه فعلاً نسمة عندها مشاكل في القلب وكانت بتتعالج منها."
"للأسف كل ده هيبقي كتير على جسمها إنها تستحمله.. شد حيلك وأدعي يطلع عليها الصبح.. أنا آسف جداً."
قال الطبيب تلك الجملة وتحرك من مكانه وترك كريم في حالة يرثى لها.
لم يعرف ماذا عليه أن يفعل سوى الاتصال بيامن.
استيقظ يامن من نومه على رنين هاتفه برقم كريم.
سرى القلق في أوصاله ورد عليه بسرعة ليسمع صوته الباكي:
"يامن تعالى حالاً."
انتفض يامن من مكانه وقال:
"في إيه مال صوتك؟"
"نسمة عملت حادثة صعبة وهي في المستشفى دلوقتي."
"مستشفي إيه؟"
"مستشفى الحياة."
"أنا جاي حالاً."
أنهى يامن معه المكالمة ونهض من مكانه سريعاً.
بدل ملابسه ثم خرج من غرفته ومن البيت بأكمله واتجه إلى المستشفى.
نهض كريم من مكانه وحاول أن يدخل إلى نسمة ولكن الممرضة منعته مرة أخرى.
وبعد عدة محاولات سمحت له بالدخول لها لمدة عشرة دقائق فقط.
عقم كريم نفسه ودلف إلى غرفتها برهبة وهو يتذكر جميع ذكرياتهم سوياً منذ أول مرة التقى بها حتى تلك اللحظة.
تذكر عندما وقع بصره عليها ولأول مرة عندما جاءت لعمل مقابلة عنده في الشركة ومنذ هذا اليوم وعد نفسه أن تكون من نصيبه.
وكان صدمته عندما رفضته! وكان السبب أنها تعاني من مشاكل في القلب ولكن لم يهتم لكل تلك التفاصيل وظل يلاحقها حتى وقعت في شباك حبه ووافقت على زواجها منه.
وبمعجزة أتت ابنته ملك الدنيا وسط تعب نسمة ولكن لم يتركها للحظات.
أيعقل أن يخونه القدر ويسلبها منه بطريقة أخرى!
اقترب منها حتى جلس أمامها وخانته دمعة نزلت على جانب عينيه وأمسك يدها وأردف:
"يوم كتب كتابنا انتِ وعدتيني أنك عمرك ما هتتخلي عني.. من يوم ما عرفتك و انتِ دايماً بتنفذي كل وعودك ليا.. بلاش المرة دي تخلفي بوعدك.. أنا وملك محتاجينك بلاش تمشي."
فتحت نسمة عيونها بتعب ونظرت إلى كريم وسقطت دمعة حارة من جانب عينيها.
ونظر إليها كريم بلهفة وقال:
"حبيبتي.. متخافيش انتِ هتقومي بالسلامة و تبقي زي الفل."
أشارت نسمة بيدها له أن يقترب منها وأقترب هو بسرعة لتقول:
"أنت كنت خايف تخسرني بسبب تعبي.. بس واضح إن الدنيا ليها رأي تاني.. عايزاك تعرف إن عيشت عمري كله في سنين جوازنا.. وأنا هكون أول واحدة مستنياك هناك لما تجيلي بعد عمر طويل.. ربنا كان رحيم معايا جداً أنه بعتلي زوج حنين زيك.. أنا هموت ومش خايفة على بنتي عشان عارفة إنها معاك.. بس ليا طلب عندك.. أنا مش عايزة بنتي تكبر من غير أم.. بلاش توقف حياتك عليا يا كريم حب تاني وأتجوز وأنا هكون مبسوطة بكده."
"بلاش الكلام ده.. انتِ هتقومي وتبقي كويسة وتربي ملك بنفسك."
ابتسمت نسمة لآخر مرة وقالت:
"أنا بحبك يا كريم."
وبعد تلك الجملة صدع صفير كل الأجهزة بجانب نسمة لتصعد روحها إلى خالقها.
دلفت الممرضة سريعاً إلى الغرفة ونادت على الطبيب ودفعت كريم إلى الخارج.
وفي تلك اللحظة وصل يامن إلى المستشفى واتجه إلى غرفة العناية ليجد كريم واقفاً أمامها ينظر أمامه بملامح جامدة وعيون متسعة من الصدمة وكان وجهه أصفر اللون.
ركض يامن إليه سريعاً وقال:
"في إيه.. نسمة حالتها إيه؟"
نظرت له كريم بصدمة وقال:
"نسمة ماتت."
شهق يامن بفزع وصمت للحظات حتى قال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. البقاء لله يا كريم أنا عارف إن الموضوع صعب عليك بس لازم تشد حيلك."
كان يامن يتحدث مع كريم ولكن لم يسمع منه كلمة واحدة.
وبدون أي مقدمات أغمض كريم عينيه ليسقط مغشياً عليه هو الآخر.
في المساء كانت براء جالسة في الشرفة حتى تأخر الوقت وقبل أن تنهض من مكانها اتجهت إليها فاطمة وجلست أمامها وأردفت:
"استني يا براء عايزة أتكلم معاكي شوية."
نظرت براء إلى فاطمة بتعجب وقالت:
"خير يا ماما؟"
"هو أنتِ مبقتيش مبسوطة معانا يا بنتي؟"
"لا طبعاً ليه بتقولي كده."
"مش عارفة حاسة إنك بقالك فترة متغيره معانا ومع نفسك.. طول علطول ساكتة وسرحانة ودي مش عوايدك.. أنا زعلتك في حاجة طب؟"
"لا والله مش كده.. حقك عليا لو قصرت في حقك."
"يا حبيبتي أنا مش بقولك كده عشان تتأسفي أنا قلقانة عليكِ."
تنهدت براء ونظرت إلى الفراغ للحظات ثم قالت:
"خالد طلب أيدي من بابا جمال."
"خالد صاحب المحل اللي جنبك مش كده؟"
"أيوه هو."
"وده اللي مضايقك.. ده بني آدم محترم جداً وأخلاق حتى والدته ماشاء الله عليها.. ده أنا أتمنى إن حد زيه يجيلك."
"العيب مش فيه يا ماما.. العيب فيا أنا."
"ليه يعني وأنتِ فيكي إيه يعيبك؟"
"إني من ملجأ؟"
"انتِ ليه مصممة تفكري نفسك كل شوية.. ليه بقيتي تفكري بعقل الناس اللي كسرك!"
توقفت براء عند تلك الجملة للحظات.
نعم إنها الآن تفكر بعقول الناس الذي جردتها من حقوقها كإنسانة.
كل تلك الردود التي طالما كرهت سماعها من الناس تقولها لنفسها كل يوم!
نظرت إلى فاطمة مرة أخرى وقالت:
"مش يمكن الناس طلعت صح وده اللي بدأت أستوعبه."
انفعلت فاطمة قليلاً لتقول:
"صح في إيه! صح إنهم يكسروا بنت عاملة زي الوردة المقفولة يادوب لسه بتفتح.. صح إنهم يحسسوها إنها منبوذة وملهاش مكان وسطهم.. صح إنهم يستغلوها ويدوسوا عليها عشان مصالحهم.. صح في إيه يا براء.. أنتِ جرالك إيه أنتِ عمرك ما كنتي بالسلبية دي!"
صمتت براء قليلاً واستمعت إلى كلامها وقد تمكنت فاطمة من إزالة كل هذا التفكير السلبي من رأسها.
تنهدت براء وقالت:
"على فكرة خالد عرف إني مش بنتكم الحقيقية."
"و ردُه كان إيه؟"
"مصمم عليا برضو.. وقالي إن كوني من ملجأ ده مش عيب فيا."
ابتسمت فاطمة بحنان وقالت:
"طب بذمتك هتلاقي أحسن من ده فين.. فكري صح يا بنتي وأوعي تفرطي فيه.. افتكري إن ده الوحيد اللي مقساش عليكي زي كل الناس."
قالت فاطمة تلك الجملة وجاءت لتنهض من مكانها و لكنها توقفت حين قالت براء:
"طيب ولو قلبي مع غيره؟"
نظرت لها فاطمة بتساؤل وقالت:
"معقول لسه بتحبيه.. بعد كل ده؟"
"قلبي مش عايز يدق لغيره.. كأنه متفق معاه يحافظ على دقاته ليه هو وبس.. نفس القلب اللي اتعلم القساوة والرفض مش عارف يطرد حبه من جواه."
"و أنتِ هتفضلي رابطة نفسك بوهم كده طول العمر أكيد هتلاقيه متجوز دلوقتي ومش بعيد يكون معاه عيلين تلاته.. تلاقيه هو فكر في حياته وعدى فيها وأنتِ لسه مكانك.. مفيش راجل بيوقف حياته على واحدة كل السنين دي!"
"عارفة بس مش قادرة أتحكم في قلبي.. صدقيني أنا تعبت."
"حبيبتي دوا قلبك بين ايديكِ.. شوية شوية حُبه هيخرج من قلبك لما يجي غيره أو على الأقل تدي فرصة لحد غيره.. لكن طول ما أنتِ مقفلة على قلبك كده هتفضلي حابسة قلبك بحبه.. فكري في كلامي يا براء وبلاش تضيعي راجل زي خالد من إيدك يا بنتي."
ثم نهضت من مكانها وتركت براء لتغرق في أفكارها.
ولكنها وسط هذا التفكير جاءت رسالة على هاتفها.
أمسكته وقرأت الرسالة بصوت مسموع:
"لو أنتِ فاكرة إن الجريمة اللي عملتيها قبل السبع سنين اتقفلت ومحدش عرف عنها حاجة تبقي غلطانة.. جه وقت الحساب يا براء!"
انتفضت من مكانها بخوف بعد أن قرأت الرسالة وتذكرت على الفور ما فعلته بتلك الفتاة التي تدعى مي عندما حاولت أن تهرب من البيت.
أيعقل أن تكون قد ماتت!
كانت تظن أنه مجرد جرح سطحي وأنه لم يقتلها.
حدثت نفسها: "أكيد ده حد بيهزر.. بلاش تشغلي بالك قومي نامي دلوقتي كفاية كده النهاردة."
ثم نهضت من مكانها.
كانت براء تكذب على نفسها بتلك الكلمات فهي كانت تشعر بخوف شديد داخل قلبها ولكنها لم تود أن تصدق تلك الرسالة وذهبت إلى غرفتها لتنام بصعوبة.
وفي اليوم التالي استيقظت بتعب وأخذت وقت في غرفتها حتى بدلت ملابسها وخرجت وذهبت إلى الأتيليه دون أن تتحدث مع أي شخص.
وبمجرد أن دلف إليها خالد كعادته كل يوم حتى يطمئن عليها قالت:
"أنا موافقة."
"مش فاهم.. موافقة على إيه؟"
"مش أنت طلبت أيدي من بابا.. وأنا موافقة!!"
رواية أقدار بلا رحمة الفصل الثامن 8 - بقلم ميار خالد
مش انت طلبت أيدي من بابا .. وأنا موافقة!!
نظر لها خالد بعيون متسعة و قال بصدمه:
- أنتِ بتتكلمي بجد ولا بتهزري!
- و هي الحاجات دي فيها هزار .. أنا موافقة يا خالد بس ليا شرط.
- أكيد طبعا قولي.
- انا هحاول اديك فرصة و أحبك .. بس لو حسيت للحظة إني بظلمك معايا هبعد عشان مش عايزه أكون مصدر أذى ليك.
- و أنا موافق.
نظر لها خالد بابتسامه واسعه و عيونه تشع بالحب و أردف:
- أنا هروح أبلغ اهلي بالقرار ده .. و بليل بأذن الله هكلم الحاج جمال.
أبتسمت براء بعدم تركيز وخرج خالد من المكان، سرحت للحظات و فكرت هل هذا هو القرار الصائب ام أنها قد تسرعت، تساءلت هل ستستطيع أن تخرج يامن من قلبها و أن تكمل حياتها مع غيره، و حتي تقنع نفسها قالت إنه لابد أن يكون قد تزوج و اكمل حياته، لذا عليها أن تكمل حياتها هي أيضا و يكفيها ندم على الماضي.
***
مر يومين كان فيهم كريم بحالة يرثى لها، لم يتركه يامن للحظات، كان يعلم أن السبب في تلك الحالة هي وفاة زوجته و لكنه كان يشعر أن هناك شيئا آخر مخفي!
كان يعلم أن الوقت غير مناسب و لكنه لم يستطيع منع فضوله فذهب إليه و كان في تلك الأثناء يلعب مع ابنته ملك حتي رأى يامن فنهض من أمامه واتجه إليه:
- افتكرتك مشيت من بدري .. أنا تعبتك معايا اليومين دول.
- كريم إحنا اخوات عيب متقولش كده .. مع بعض على الحلوة و المُره.
أبتسم كريم بحزن و صمت، نظر يامن الي وجهه المتعب و تلك الحلقات السوداء التي تكونت حول عينيه بألم و قال:
- انا حاسس بيك يا كريم .. عارف احساس الفقدان عامل أزاي .. نسمة راحت بس سابتلك حته منها حافظ عليها و عوضها عن كل حاجه.
نظر له كريم بحسرة و قهره و للحظات لم يفهم يامن قصده بتلك النظره، ابتسم كريم بحزن و قال:
- انا مش واجع قلبي غير بنتي .. انا كنت متقبل فكرة أن نسمه ممكن تسيبني في أي وقت بس هي سابتني بدري اوي .. في حاجات كتير ادفنت معاها منهم قلبي و حياتي.
- شد حيلك .. انا عارف ان الموضوع صعب بس لازم تقف علي رجلك من تاني وكلنا جمبك و هنساعدك.
- شكراً يا يامن .. أنا لو كان عندي أخ مكنش هيعمل كل اللي انت بتعمله معايا ده.
- أنا معنديش أغلى منك .. انا عارف انك موجوع عليها بس هي دلوقتي في مكان احسن بكتير.
ثم سرح يامن رغما عنه ليقول:
- على الأقل عارف هي فين .. لكن أنا مش عارف.
نظر له كريم و تذكر في تلك اللحظة براء و قال بسرعه:
- براء!
نظر له يامن فجأة و قال:
- مالها براء؟!
***
تسللت رائحة القهوة الساخنه إلى براء لتبتسم بهدوء، حملت كوبها و اتجهت به إلى الشرفة، جلست بها للحظات حتي جاءت فاطمة مهروله و قالت:
- أنتِ لسه مجهزتيش نفسك لحد دلوقتي! الناس كلها كام ساعة و يوصلوا.
- اديكي قولتيها لسه كام ساعه .. انا يادوب هقوم البس بس.
- يوه! مش هتعملي حاجات العرايس ولا إيه.
- حاجات العرايس؟! و دي تطلع ايه بقى.
- أيوة اعملي كام ماسك كده و حطي مكياج رقيق مع أن وشك مش محتاج بس برضو.
ظهرت علامات الدهشة علي وجه براء و قالت:
- عيوني بس كده .. بس انتِ كمان لازم تعملي حاجات ام العروسة.
- و دي تطلع ايه إن شاء الله.
- البسي سواريه بقي وحطي مكياج مع أن وشك مش محتاج.
نظرت لها فاطمة بصدمه و قالت بخجل:
- يوه! عيب على سني اللي بتقوليه ده .. ده أنا عندي ٦٠ سنه.
- مش باين عليكي على فكره اللي يشوفك يفتكرك أختي.
ضحكت فاطمة و قال:
- لا يا شيخه .. طب قومي يلا جهزي نفسك.
- اخلص كباية القهوة دي و هقوم.
- يارب صبرني .. اديني نص هدوئها ده يارب.
أبتسمت براء وعادت الي قهوتها، وكان الحل لكل مشاكلها هي قهوتها بدون ال ه الأولى.
و بعد لحظات نهضت من مكانها و ذهبت لتحضر نفسها و بعد ساعة وصل خالد مع والده و والدته و أحد أقارب أبيه و كان رجل ذو مركز، جلس الضيوف مع جمال و كانت فاطمه مع براء في المطبخ و حضرت لها صينية العصير، حملتها براء بثبات و كان بعيونها انطفاء غريب و كأنها ليست عروس، خرجت بخطوات بطيئة و اقتربت منهم و رفعت عيونها لتنظر للجالس أمامها بصدمه! و كان يطالعها هو بمكر و خبث، اتسعت عيونها بشدة و سقطت صينيه العصير من يدها لتتكسر الاكواب علي الارض و شهق كل الحاضرين و سقطت بعدها براء مغشيا عليها لينجرح جسدها بالزجاج المكسور على الارض و صرخت فاطمه:
- بنتي!!
***
- مالها براء؟!
صمت كريم للحظات ليقول يامن بقلق:
- ما تتكلم يا كريم في أيه .. أنت عرفت مكانها!
- لا.
- طيب إيه اللي جاب أسمها على لسانك دلوقتي.
- كنت برد على كلامك لما قولت لكن انا مش عارف مكانها .. جت في دماغي.
نظر له يامن بحزن و اختفي هذا الأمل كما ظهر مرة أخرى، و قد تألم كريم عندما رأى تلك النظرة في عيون صديقه، تنهد يامن بضيق وشعر بنغزة في قلبه فجأه لتتغير ملامحه فورا، نظر له كريم بقلق و قال:
- يامن .. أنت كويس في أيه؟
- أنا كويس بس .. قلبي اتقبض فجأه.
- عشان جبت سيرتها مش كده.
- لا .. حاسس أن في حاجه هتحصل مش مرتاح.
- أهدى طيب .. أنت تعبت معايا اليومين دول روح أرتاح.
نظر له يامن للحظات حتي أومأ برأسه و تحرك من مكانه بشرود داخله احساس بعدم الراحة و تتسارع دقات قلبه بطريقة غريبة و يشعر بقلق خفي لا يعرف مصدره، قال بصوت مسموع:
- في ايه .. أنا إيه اللي بيحصلي!
***
نعود إلى براء ..
تم طلب الإسعاف بسرعه و بعد لحظات وصلت لتحمل براء بحذر بسبب كمية الزجاج التي دخلت جسدها و لم تتوقف فاطمه عن البكاء و كان خالد في قمة قلقه عليها ولا يعرف سبب ما حدث لها هذا، و بعد فتره قصيرة وصلت براء الي المستشفي و تم استقبالها سريعا و بعد ساعات تم تضميد كل جروحها و كانت مستلقيه في غرفة عادية و حولها فاطمه و جمال و خالد و والدته و والده و هذا الرجل الآخر الذي و ما أن رأته براء حتى فقدت وعيها، و بعد لحظات بدأت براء في استعادة وعيها و فتحت عيونها ببطئ و كان أول نظرة منها تقع علي هذا الرجل، و في لحظة عادت بذكرياتها قبل سبع سنوات و تذكرت أن هذا هو الرجل نفسه الذي كان في بيت مي الذي كانت سوف تبيعها له، من أول نظرة عرفها هذا الرجل و تذكرها جيدا لذلك أبتسم بمكر، انتفضت براء من مكانها و اتجهت اليها فاطمه لتقول براء بدموع:
- خلي كله يخرج .. مش عايزه غيرك جمبي.
اقترب منها خالد بقلق و قال:
- حصلك إيه طيب طمنيني عليكي.
- خالد بعد أذنك سيبني دلوقت.
اقترب هذا الرجل الماكر من براء و قال:
- بس أنا حاسس اني شوفتك قبل كده!
صرخت براء:
- قولت اطلعوا و سيبوني!!
خرج الجميع من الغرفة و بقت فاطمه بجانب براء بقلق و انتظرتها حتي تتكلم، تنهدت براء بتعب لتقول فاطمه:
- يا بنتي بلاش تقلقيني عليكي .. جرالك إيه ما أنتِ كنتِ كويسة.
- في مصيبه!
- مصيبة ايه!
- مين الراجل اللي مع خالد ده.
- ده أبوه.
- لا في واحد تاني.
- أيوه ده واحد من قرايب أبوه .. انا شايفه أن ملهاش لازمه مجيته بس مش مشكله ضيف و نكرمه برضو.
- فاكرة اللي حصلي من سبع سنين .. و البنت اللي أسمها مي اللي كانت عايزه تبيعني لراجل غريب لما لقيتني في الشارع لوحدي.
- أيوة طبعا فاكره .. بس ده علاقته إيه مش فاهمه.
- ده الراجل اللي كانت هتبيعني ليه!! ده الراجل يا ماما.
انتفضت فاطمه من مكانها بفزع و قالت:
- قريب خالد! أنتِ متأكده.
- أيوة متأكدة.
- يادي المصيبه .. طب و هو خالد يعرف الموضوع اللي حصل ده اصلا.
- لا طبعا.
- و أنتِ هتعملي ايه دلوقتي .. أكيد هتلغي الجوازة .. ده لو أهله عرفوا هتبقي فضيحه.
صمتت براء لفترة و قد عرفت فاطمه أنها تفكر بشيء ما فقالت:
- أنتِ بتفكري في ايه.
- هقولك كل حاجه .. بس لما نروح.
- باتي هنا النهاردة عشان نتأكد من صحتك.
- لا عايزه اروح .. ناديهم.
- اللي يريحك يا بنتي.
***
في الخارج كان يقف هذا الرجل في إحدى الزوايا بهدوء حتي اتجه اليه والد خالد و كان هذا الرجل هو إبن عمه و كان في العقد الخامس من عمره، قال والد خالد:
- أنا تعبتك معايا النهاردة يا ماجد .. لو عايز تروح اتفضل أنا مكنتش أعرف أنان كل ده هيحصل.
- مش مشكله النصيب .. بس اشمعنا البنت دي اللي إبنك مصمم عليها.
- بيحبها يا سيدي .. و هي شكلها غلبانه يعني و اهلها ناس محترمين.
- محترمين!؟
قال تلك الجملة ثم ضحك بشده لينظر له والد خالد بتعجب ثم قال:
- مالك في أيه.
- لا مفيش .. بس بلاش تثق في حد كده .. دور ورا البت دي يمكن تلاقي حاجه.
- أيه اللي بتقوله ده يا ماجد .. بقولك أهلها ناس محترمين.
سرح ماجد للحظات ليقول في نفسه:
- البت دي جبانه لدرجه انها مش ممكن تقول هي شافتني فين قبل كده .. بس أنا مش جبان زيها و مش هخلي خالد ياخدها .. يا عالم دي وراها إيه تاني!
و جاء ليرد عليه و لكن خروج فاطمه من الغرفة قاطعهم، أتجه إليها الجميع بقلق لتقول:
- براء عايزه تخرج و تروح البيت .. خالد.
- نعم؟
- براء عايزه تشوفكم قبل ما تتحرك .. اتفضلو.
وادخل الجميع الي الغرفة مرة أخرى ليجدوا براء قد جلست مكانها على السرير بشكل ثابت أكثر، أبتسمت لهم بصعوبه و قالت:
- أنا آسفه جداً على اللي حصل النهاردة .. مكنتش أعرف إني هتعب كده.
قالت والدة خالد:
- لا متقوليش كده .. المهم أنك بخير و بس.
- طيب عشان كده أنا عايزه اعزمكم بكره عندنا والكلام اللي متقالش النهاردة يتقال بكره.
أبتسم والد خالد و قال:
- قومي بالسلامه و متشليش هم حاجه.
قال جمال بابتسامة:
- الله يخليك يا حاج .. بس بجد هنستناك بكره.
صمتت للحظات ثم قالت محدثا ماجد:
- و الدعوة دي لحضرتك أنت كمان يا أستاذ ...
- ماجد.
- أستاذ ماجد .. هستني حضرتك بكره!
نظرت لها فاطمه بتساؤل و لم تعرف ما يدور برأسها و لكن لم يكن أمامها إختيار غير أنها تنتظر إلى الغد.
***
مهلاً لحظة، ما الذي جاء بي إلى هنا، ألم أكن في بيتي مستلقي على سريري، أين أنا!؟
كانت تلك الكلمات التي قالها يامن عندما وجد نفسه في إحدى الشارع ليلا، نظر حوله بتعجب حتي وجد فتاه تسير بجانبه و لكنها لا تنظر إليه، تسير بهدوء وبتعب ولا تلتفت حولها، و كانت يديها الاثنتان ملفوفين بضماد، أتجه إليها يامن وقال:
- يا آنسه بعد اذنك .. أحنا فين هنا.
وقفت الفتاة مكانها ولكنها لم تلتفت إليه وقالت:
- معقول مش عارف إحنا فين .. بص حواليك كويس.
- أنا مش شايف غير بيوت مكسره و يافتات كتير غلط مش فاهم منها حاجه .. ده خراب!
أبتسمت الفتاه وقالت:
- فكرت يا ترا إيه اللي خرب البيوت دي ولا إيه اللي كسر كل حاجه.
- ده إيه علاقته بكلامنا؟
- أنا هقولك .. لولا اليافتات اللي قدامك دي كان الناس هتفضل محتفطة بالصح اللي هيفضل بيتهم بيه قايم .. لكن اليافتات الغلط والكلام اللي فيها عمل سوء تفاهم بين الناس و اتقسموا ما بين الصح و الغلط لحد ما كل بيت بقى فيه طرفين واحد صح و التاني غلط وقامت حرب خلصت بالدمار ده .. و زي ما أنت شايف مين اللي انتصر في الآخر.
- أنا مش فاهم حاجه! أنتِ مين طيب وأيه اللي حاصل في ايدك ده.
- ما تشوف بنفسك!
- مش فاهم أشوف ايه؟
مدت تلك الفتاة يدها الي يامن وقالت:
- فك الضماد اللي موجود على أيدي وشوف جرحي.
أمسك يامن يد الفتاه بحذر وفك الضماد لينصدم مما يراه! كان جرحها عبارة عن وشم على جسدها ينزف بالدماء و كان الوشم بأسم ملجأ، و في تلك اللحظة ظهرت براء في رأسه لينظر إلى تلك الفتاه سريعاً ويقول:
- ايه ده!
- ده كلام الناس اللي زي السكاكين .. في كل حتة مني جرح زي ده بأسم مختلف زي ما كان الناس بتسميني .. فك ضماد أيدي التاني!
أمسك يامن يدها الأخرى و فك ضمادها بسرعه ليجد الوشم تلك المره بأسمه هو! و كان ينزف بالدماء أيضاً، نظر يامن الي تلك الفتاة و صمت لتدير هي وجهها إليه و كانت تلك الفتاة هي براء، كان وجهها شاحب و ملامحها متعبه وقالت له:
- أنت جرحي يا يامن أنا اتعايرت بسبب الملجأ وده كان في كفه .. لكن كسرك ليا كان في كفه تانيه .. أنا بنزف كل يوم بسبب حبي وكرهي ليك .. في نفس اللحظة اللي بقول فيها أنا بكرهك بلاقي قلبي بيدق عشانك برضو .. في أصعب لحظات حياتي كنت بنادي عليك تكون جمبي وأنت مسمعتني.
نظر لها يامن وقد تكونت بعض الدموع في عينيه وقال:
- صدقيني كان غصب عني أنا طول السنين دي مش عارف أعيش بسبب الجرح اللي سببتهولك .. أنا آسف أرجوكي ارجعيلي وأنا هعوضك عن كل اللي فات.
أبتسمت براء بحزن و أدارت وجهها مرة أخرى حتى تنظر أمامها وسارت في طريقها، نادى يامن عليها:
- براء .. أرجوكي بلاش تكوني قاسيه كده قولتلك أنه كان غصب عني.
ألتفتت براء إليه وقالت:
- عندك حق أنا بقيت قاسيه .. البركة فيك.
ظل يامن ينظر إليها و كذلك هي حتى أتت سيارة و صدمت ببراء بقوة ليصرخ يامن:
- براااء!
رواية أقدار بلا رحمة الفصل التاسع 9 - بقلم ميار خالد
صرخ يامن وانتفض من مكانه ليفيق من نومه بفزع. كان يعرق بشدة وكأنه كان في سباق للجري. نظر حوله بعدم تركيز وكأنه يبحث عنها بجانبه، وكان يتنفس بسرعة.
تدخل عاليا والدته على صوته.
"في إيه! سمعتك بتصرخ أنت كويس؟"
نظر لها يامن بعدم تركيز وقال بسرعة:
"اه كويس.. بعد إذنك اطلعي وسيبيني."
"لا طبعًا لازم أطمن عليك."
ارتفعت نبرة صوت يامن قليلاً ليقول بحده:
"قلت بعد إذنك اطلعي وسيبيني!!"
نظرت له عاليا للحظات ثم خرجت من الغرفة وتركته. ظهرت بعض الدموع في عينيه ووضع وجهه بين كفيه وقال بدموع:
"أنا عارف إني جرحتك.. واستاهل العقاب وأكبر عقاب ليا اللي أنا فيه دلوقتي.. أنا قلبي مش مطمن حاسس إنه فيكي حاجة يا براء حاسس إنك في مشكلة وأنا حتى مش عارف أوصلك."
زفر بضيق ولاحظ أن نور الشمس قد اخترق نوافذ غرفته ورن المنبه، فنهض من مكانه واستعد ليومه.
ليلة أمس خرجت براء من المستشفى ورجعت إلى بيتها بصمت ورفضت أن تقول لفاطمة ما يدور برأسها. وقد طلبت من فاطمة أن توعدها أن مهما فعلت ستظل تدعمها، وقد وعدتها فاطمة بذلك ولكن قلقها قد زاد.
في اليوم التالي أتت الممرضة التي تعمل بإحدى المستشفيات القريبة من بيت براء حتى تغير الضمادات التي تحمي جروح براء بسبب وقوعها على الزجاج. وبعد أن رحلت الممرضة جهزت براء نفسها حتى تخرج من البيت، وقد منعتها فاطمة.
"انتِ رايحة فين؟"
"مشوار صغير وراجعة."
"الناس على وصول يا براء."
"عارفة ومش هتأخر متقلقيش."
ثم تخطتها وخرجت من المنزل. وبعد ساعات وصل خالد وأهله وكذلك ماجد. رحب بهم جمال وكذلك فاطمة وجلسوا سويا وأخذهم الحديث حتى وصلت براء إلى المنزل ودخلت عليهم.
نظرت لها والدة خالد بتساؤل وقالت:
"ايه ده هو انتِ كنتِ برا.. أنا بحسبك بتجهزي نفسك."
"لا يا طنط.. كان عندي مشوار مهم كان لازم أعمله."
"طب ليه تتعبي نفسك.. لما تخفي خالص أبقي شوفي اللي وراكي."
"كان نفسي بس مينفعش.. أنا آسفة لو اتأخرت عليكم."
"لا يا حبيبتي مفيش حاجة حمدالله على السلامة."
ابتسمت براء وجاءت لتجلس على إحدى المقاعد، ولكن والدة خالد قالت:
"لا تعالي اقعدي جمبي كده.. أنا امبارح مشوفتكيش كويس."
ابتسمت براء وذهبت لتجلس بجانب والدته وتحدثوا سويا. وكان ماجد يختلس النظر عليها وكذلك هي. كانت تنظر له بابتسامة خفية ونظرات غير مفهومة تعجب هو منها.
وبعد لحظات دق باب المنزل بقوة ليفزعوا جميعًا وقال خالد:
"خير يا عمي.. انتم مستنين حد؟ وحتى لو بيخبط كده ليه؟"
"لا يا ابني!"
نهضت براء من مكانها وذهبت لتفتح الباب، وبمجرد أن فتحته انتشر العساكر في جميع أنحاء المنزل. نهض ماجد من مكانه بفزع وقال:
"بوليس!!"
خرج يامن من بيته واتجه إلى شركته. جلس في مكتبه للحظات ثم نهض واتجه إلى مكتب كريم لتمنعه السكرتيرة الخاصة بمكتب كريم. نظر لها يامن بتساؤل وقال:
"هو إيه اللي ممنوع أنتِ اتجننتي!"
"أنا آسفة جدًا والله بس دي أوامر مستر كريم."
"وأنا ميهمنيش الكلام ده.. وسعي من قدامي!"
تحركت السكرتيرة من أمامه بتوتر ودخل هو إلى المكتب ليجد كريم جالس على مكتبه وأمامه المحامي الخاص به والذي يدعى ياسر. نظر له يامن بتعجب:
"أنت قولت للسكرتيره إني مدخلش! هو في إيه؟"
نهض كريم من مكانه بسرعة واتجه إليه:
"مفيش حاجة يا يامن.. أنا كنت بناقش ياسر في حاجة مهمة ومكنتش عايز حد يزعجنا."
"وهو أنا من امتى كنت مصدر إزعاج ليك."
"مش قصدي يا يامن خلاص متكبرهاش.. أنت كنت عايز حاجة؟"
"لا.. كنت جاي أطمن عليك بس مش مشكلة شكلك مش فاضي دلوقتي."
"هخلص مع ياسر وهعدي عليك."
"تمام يا كريم."
قال تلك الجملة ثم خرج من المكتب وبداخله إحساس غريب أن كريم يخفي عنه شيئًا ما. كريم صديقه الوحيد والذي بمثابة أخيه، أنه لا يخفي عنه شيئًا إذا ما الأمر تلك المرة حتى يخفيه عنه هكذا! ولكنه وعد نفسه أن يعرف هذا السر قريبًا!
وبعد أن خرج يامن من الغرفة نظر ياسر إلى كريم وقال له:
"أنت ليه مش عايز تقوله الحقيقة.. لو عرف لوحده هتبقى صدمة ليه."
"مش دلوقتي."
"اومال أمتي."
"لما أرتب أفكاري يا ياسر.. مقدرش أقوله فجأة وأنا مش مرتب إيه اللي هيحصل بعد كده."
"أنت متخيل رد فعله لما يعرف هيكون إيه أصلًا.. أنا اتصدمت لما عرفت اللي في دماغك."
تنهد كريم بضيق وقال:
"ياسر أنا مش هوصيك.. أوعى يامن يعرف حاجة عن التقارير دي.. هتبقى مشكلة كبيرة."
"متقلقش.. ربنا يستر."
"بوليس!"
نظر جميعهم إلى العساكر بقلق ونهضوا من مكانهم. وفي تلك اللحظة دخل أحد الضباط وجال بنظره في المكان حتى وقع بصره على ماجد فقال:
"أمسكوه!"
هجم عليه العساكر ليصرخ هو:
"أبعدوا عني أنا معملتش حاجة."
اتجه الضابط إلى براء وقال:
"شكرًا جدًا يا آنسة براء على تعاونك معانا."
اتجه إليهم جمال وقال:
"خير حضرتك هو في إيه؟!"
نظر له الضابط وقال:
"اللي قدامك ده واللي بيصرخ أنه معملش حاجة عليه قضيتين اغتصاب! ده غير تجارة البنات اللي هو ماشي فيها.. وبعد ما بيعمل المصيبة بيختفي ومحدش بيعرف يوصله.. لكن المرة دي حظه وحش أوي."
نظر إلى براء وأكمل:
"أنا أعرف آنسة براء من فترة كبيرة وكذلك مراتي.. وبفضلها عرفت إنك هنا وأكيد مش هضيع الفرصة دي! جه الوقت عشان تتعاقب فيه على كل أفعالك."
نظر والد خالد والذي يدعى عبد العزيز إلى ماجد بصدمة كبيرة وقال:
"أنت يطلع منك كل ده! معقول توصل للاغتصاب! أنت إيه يا أخي."
"الكلام ده كدب أنا راجل ليا مركزي وأكيد البنت دي بتتبلي عليا.. أنا عارف البنت دي من زمان وفاكر أول مرة شوفتها فيها قبل سبع سنين بس أنا مرضيتش أفضحها عشانك يا خالد قولت يمكن اتغيرت وتابت لربنا!"
كانت براء تنظر له بثبات ولم تحركها كلماته تلك. على عكس خالد الذي نظر إليه بدهشة وقال:
"نعم؟! قصدك إيه؟"
"قصدي هفهمهولك كويس يا خالد.. البنت دي مش كويسة ومش محترمة. أنا أول مرة شوفتها كانت في بيت مشبوه وأنا كنت عايز أساعدها وأخرجها من المكان ده عشان صعبت عليا بس هي كان عاجبها الوضع وكانت عايزة تبيع نفسها ليا! لولا أنا رفضت وخرجت من المكان."
نظر له خالد بصدمة ثم نظر إلى براء وقال:
"الكلام ده صح؟!"
نظرت له براء بعدم اهتمام ثم اتجهت إلى ماجد وقالت بصوت مسموع للجميع:
"كنت متأكدة إني لو دورت وراك بس هوصل لمصايب.. وده اللي حصل فعلاً.. متنكر ورا المركز الاجتماعي اللي أنت فيه وماشي تسرق في حقوق الناس وأولهم البنات عشان ترضي النقص اللي فيك.. إحنا فعلاً اتقابلنا قبل سبع سنين.. بس وقتها أنا مكنتش أعرف إن البيت ده مش كويس ولما عرفت وشوفت الحقيقة البشعة اللي كنت هقع فيها بسببك هربت من المكان وساعتها ربنا وقعني في طريق ماما فاطمة وبابا جمال عشان يساعدوني."
وهنا نهضت والدة خالد من مكانها والتي تدعى كريمة وقالت:
"يعني إيه وقعك في طريقهم؟! هو أنتِ مش بنتهم الحقيقية؟!"
نظرت لها براء بثبات وكأنها قد اعتادت على قول هذا الكلام:
"لا مش بنتهم.. أنا متربية في ملجأ."
شهقت كريمة بفزع وبعد لحظات أخذ العساكر ماجد إلى قسم الشرطة حتى ينال عقابه. سوف يعاقب عن كل ذنب فعله في حق روح بريئة لم يكن ذنبها سوى أنها فتاة وقعت تحت يد رجل مريض. سوف يرد الله حق كل قلب تشقق من كثرة البكاء من هذا الرجل. هذا هو عدل الله.
ظلت براء واقفة مكانها حتى أخذ خالد أهله وخرجوا من البيت وقد أوصلهم جمال إلى باب البيت. كانت براء تنظر أمامها بدون هدف. تلك العيون البندقية ذات اللون العسلي الفاتح التي كساها القهر والحزن. ترقرق الدموع في عيونها رغماً عنها وسقطت مكانها على الأرض، فأخذتها فاطمة في أحضانها سريعًا.
"أنا ليه بيحصل معايا كده.. ليه مش بفرح؟ فيا حاجة غلط عن بقية الناس طب ليه قدري مش رحيم معايا كده!"
"استغفري ربك يا بنتي بلاش الكلام ده.. صدقيني ربنا هيجبر بخاطرك هي مسألة وقت بس. عارفة الاختبار والحياة كل شوية بتبقى أصعب.. بس بعد كل ده في خير كتير جايلك والله قلبي حاسس."
ابتسمت براء بحزن ثم نهضت من مكانها وقالت:
"أنا هروح الأتيليه."
"ريحي النهاردة طب أنتِ لسه تعبانة."
"محتاجة أروح الشغل النهاردة.. أرجوكي خليني على راحتي."
تنهدت فاطمة بضيق وقالت:
"ماشي يا بنتي."
ابتسمت براء بفتور ثم خرجت من البيت واتجهت إلى الأتيليه الخاص بها. وعندما وصلت لاحظت أن محل خالد كان مغلقًا. دخلت إلى المكان بهدوء وبدأت عملها. وبعد لحظات دلف إليها بعض الزبائن وكان براء ترد عليهم بعدم تركيز وفتور.
وبعد فترة كان المكان قد هدأ قليلاً وأحست هي ببعض التعب ففضلت أن تعود إلى بيتها مرة أخرى وكان العشاء قد اقترب. قررت أن تسير إلى البيت تلك المرة رغم طول المسافة إلا أنها كانت بحاجة إلى المشي. ظلت تسير بين شوارع المدينة بدون هدف حتى وصلت إلى إحدى الشوارع الهادئة نوعًا ما. كان الجو باردًا لذلك أخرجت شال كبير من حقيبتها. وقبل أن تلتف به لاحظت وجود فتاة على إحدى الأرصفة ترتجف من البرد وتحمل ابنها بين يديها ووجهها مدفون في رقبة ابنها الصغير.
رق قلب براء بسبب هذا المشهد وظهرت بعض الدموع في عينيها لتتجه إليها بسرعة وبدون أي تفكير. فردت شالها ووضعته على تلك الفتاة ليغطيها بالكامل هي وابنها وقالت:
"تيار الهواء في الشارع ده صعب.. اقعدي في شارع دافي شوية."
قالت براء تلك الجملة وجاءت لتتحرك من مكانها ولكنها توقفت عندما أمسكت تلك الفتاة بيدها! التفتت براء لترفع الفتاة وجهها إليها. نظرت لها براء بصدمة كبيرة واتسعت عيونها بشدة وكذلك تلك الفتاة! مرت لحظات وهم على تلك الحالة كانت الصدمة كبيرة بالنسبة للاثنان، لتقول براء من بين صدمتها تلك:
"حنين!!"
يا ترى إيه اللي في دماغ كريم؟ مين حنين؟
رواية أقدار بلا رحمة الفصل العاشر 10 - بقلم ميار خالد
حنين!!
نظرت لها الفتاة للحظات حتى اتسعت عيونها وقالت:
- براء!! دي انتِ
ثم نهضت من مكانها بسرعة واحتضنتها، وكأنها مثل الغريق الذي وجد قشة صغيرة أمامه. نظرت لها براء بصدمة، وفي لحظة تذكرت كل أيامهم في الملجأ سوياً، ضحكاتهم ودموعهم. ولكن ما الذي حدث لها حتى تصل إلى تلك الحالة؟
أردفت براء:
- إيه اللي جابك هنا؟ ومين اللي على إيدك ده؟ وشكلك مبهدل كده ليه؟
تكونت بعض الدموع في عيون حنين لتقول بقهرة:
- الدنيا هي اللي وصلتني لهنا.. ده ابني.
- ابنك! يعني متجوزة؟ إيه اللي مقعدك هنا في عز البرد ده؟
تنهدت حنين بتعب لتقول:
- مش وقت كلام.. قومي معايا يلا.
نظرت لها حنين بتساؤل:
- هنروح فين؟
- بيتي.. أكيد مش هسيبك في الشارع كده.. قومي يلا ولما تهدي تفهميني كل حاجة.
ابتسمت حنين وجاءت لتنهض من مكانها، ولكنها تأوهت بألم. شهقت براء بفزع وقالت:
- في إيه مالك؟
- لا متقلقيش.. أنا بس من كتر السقعة عضمي بيوجعني لما أجي أتحرك كده.
نظرت لها براء بحزن، ثم ساعدتها وحملت ابنها عنها، ورجعت بها إلى البيت.
قلقت فاطمة على براء وأحست أنها قد تأخرت قليلاً. أخذت هاتفها حتى تتصل بها، ولكن في تلك اللحظة وصلت براء إلى البيت ورنت جرس المنزل، فذهبت فاطمة بسرعة حتى تفتح لها.
أردفت:
- اتأخرتي ليه يا بنتي قلقتيني عل..
وتوقفت فجأة عندما وجدت براء بصحبة فتاة أخرى. ابتسمت بتحفز وقالت:
- معلش يا بنتي ماخدتش بالي.. اتفضلوا.
دخلت حنين برهبة إلى المنزل ومعها براء، وأخيراً جلسوا سوياً. وفي تلك الفترة نام ابن حنين بين أحضانها.
ذهبت براء إلى المطبخ حتى تخبر فاطمة أن تعد لهم بعض الطعام، ولكنها قبل أن تخرج من المطبخ أمسكتها وقالت:
- مين دي يا براء؟ أنتِ دخلتي و مفهمتنيش حاجة.
- دي واحدة من اخواتي في الدار يا ماما.. مش عارفة أيه اللي وصلها لهنا بس حالتها متبهدلة أوي مكنتش أقدر اخليها في الشارع أكيد.
- أنتِ واثقة فيها يعني؟
- أيوه متقلقيش.. أنا بس بستأذنك أنها تبات هنا النهاردة لحد ما أعرف إيه حكايتها.
- أكيد يا بنتي.. مادام واثقة فيها خلاص، غير كده الوقت اتأخر يادوب ترتاحوا.
ابتسمت براء وخرجت إلى حنين لتجدها تنظر إلى البيت بتساؤل، فجلست أمامها وقالت:
- أنا مش مصدقة أنك قاعدة قدامي دلوقتي! أنا عايزه أعرف كل حاجة، إيه اللي حصل فيكي و إيه اللي وصلك لهنا؟
تنهدت حنين بضيق وقالت:
- بعد ما مشيتي من الملجأ وأنا الدنيا بهدلتني يا براء.. بعد ما مشيتي فضلت اعيط أربع أيام، مكنتش مستوعبة إني ممكن مشوفكيش تاني خلاص وكنت قلقانة عليكِ وعمالة أفكر إيه اللي حصل فيكي.
- أنا كنت عارفة أننا هنتقابل لاني واثقة في ربنا.. بس مكنتش أتمنى اني اقابلك و أنتِ بالحالة دي.. أنتِ اتجوزتي أمتى و فين جوزك و أزاي سايبك تفضلي في الشارع كده!
ترقرقت الدموع في عيون حنين وانفجرت في البكاء، وكأنها كانت تنتظر تلك الجملة حتى تبكي. زاد قلق براء عليها وتساءلت ماذا حدث لها حتى تصل إلى تلك الحالة. وبعد لحظات هدأت قليلاً وبدأت في الكلام.
أردفت:
- بعد ما مشيتي بـ 3 سنين، كنت كملت الـ 18 سنة ولازم أخرج من الملجأ. في الوقت ده في راجل كان بيجي يزور الملجأ كتير و كان مرتاح مادياً.. وقبل ما أخرج بيوم، قالولي اني عاجبه الراجل ده وأنه عايز يتجوزني على سنة الله ورسوله.. طبعاً أنا فرحت جداً، خصوصاً أنه كان مش كبير أوي في السن و مكنش متجوز.. كانت فرصة كويسة ليا بما إني مش عارفة هقابل إيه، وافقت علطول و أنا كنت عارفاه كشكل قبل كده فقولت مش مشكلة هتعود عليه.
أول شهرين عدت كل حاجة على خير، لحد ما بدأت أكتشف فيه حاجات كتير وحشة، بس قولت مش مشكلة و عديت كل حاجة عشان مكنتش عايزة بيتي يتخرب، خصوصاً اني مليش حد غيره.. أنا كان نفسي أخلف جداً بس كل شهر مكنتش بطلع حامل.. تعبت ونفسيتي تعبت، واستغربت أن معاملته اتحسنت معايا شوية بس قولت مش مشكلة.. وانصدمت لما عرفت بالصدفة أنه كان بيحطلي برشام منع الحمل في الأكل عشان مش عايز يخلف مني.. بيقولي أنا مش عارفلك نسب أصلاً.. قولتله طب ليه اتجوزتني مادام ما أنت بتستعر مني كده.
نظرت لها براء بتأثر وقالت:
- وقالك إيه؟!
صمتت حنين بخجل وحزنت على قدرها. قالت بحزن:
- اتجوزني عشان كان عايز يبيعني بعدها.
شهقت براء بصدمة وقالت:
- إيه! يعني إيه؟ وضحي.
- كان ناوي بعد ما يتجوزني بسنة ولا اتنين أنه يسافر بيا لأي دولة عربية و بعدين يبيعني.. و طبعاً أنا مليش أهل محدش هيسأل عليا.
- ينهار أبيض! ده بني آدم حقير!
صمتت حنين بقهرة. فقالت براء:
- وهربتي منه أزاي و خلفتي ابنك ده منين؟
- بعد سنتين طلعت حامل و خبيت عنه الموضوع.. لحد ما حجم بطني فضحني.. ضربني كتير وقتها والحمدلله أن ابني محصلهوش حاجة.. وبسبب حملي كل اللي كان في دماغه اتدمر.. ولما مبقتش مفيدة بالنسباله رماني في الشارع بمجرد ما ولدت.. ورجعت أنا وابني وفي الشارع تاني.
- ووصلتي إسكندرية أزاي؟
- كان في واحدة بنت حلال بتشغلني معاها ببيع مناديل أو أي حاجة.. في يوم قالتلي أنها نازلة إسكندرية، بيقولوا الشغل هنا كويس، قالتلي تعالي معايا جيت.. هي كده كده مش فارقة.. بس بعد ما جيت معاها ملقتش مكان أفضل فيه.. ملقتش غير الرصيف اللي قدامي.. أنا اتبهدلت أوي يا براء.. من يوم ما مشيتي أنا مشوفتش يوم حلو.. الحمد لله على كل شيء.
نظرت لها براء بدموع وقالت:
- كل ده موجود في قلبك يا حنين.. وأنا اللي كنت فاكرة أن الدنيا جت عليا.
ابتسمت حنين بحزن. نهضت براء من مكانها بدون أي مقدمات واحتضنتها وقالت:
- متخافيش من حاجة أختك هنا.. أنا مش هسيبك ترجعي للبهدلة دي تاني خلاص.. والأيام الحلوة هترجع تاني، أنا مش هسيبك يا حنين.. أنا عيلتك كلها، مش عايزة أخاف و محدش هيقدر يجي عليكِ تاني.
بكت حنين كالأطفال، لم تكن حنين ذات الاثنين وعشرين سنة، بل تلك الفتاة التي بعمر الخامسة عشر. وبعد لحظات ابتعدت عنها وقالت:
- بس أنتِ اختفيتي فين بمجرد ما خرجتي يا براء؟ ناس كتير كانت بتيجي تسأل عليكِ كل يوم.. كنتِ محبوبة من الكل.
- ناس زي مين؟!
صمتت حنين للحظات ثم ابتسمت وقالت:
- زي يامن..
تغيرت ملامح براء وقالت:
- مش عايزة الموضوع ده يتفتح يا حنين.. الشخص ده كان صفحة في حياتي واتقفلت خلاص.
- ليه يا براء؟
- خلاص بقى يا حنين.. غيري الموضوع.
- عموماً أنا من ساعة ما مشيت من الملجأ وأنا معرفش إيه اللي بيحصل هناك.. بس أنتِ لازم تحكيلي إيه اللي حصلك في السنين دي.
وفي تلك اللحظة دلفت فاطمة وبيدها الطعام، وضعته أمامهم ونهضت براء حتى تساعدها وقالت:
- تسلم ايدك يا ماما.. روحي ارتاحي دلوقتي أنتِ تعبتي النهاردة.
- ماشي يا حبيبتي.. بس لو احتاجتوا حاجة أنا صاحية.
ثم نظرت إلى حنين وقالت:
- حبيبتي البيت بيتك ها مش عايزة تتكسفي مننا.
- ربنا يباركلك شكراً.
ابتسمت فاطمة وذهبت إلى غرفتها. نهضت براء من مكانها وكانت ستذهب إلى إحدى الغرف لترتبها حتى تنام بها حنين، ولكنها أمسكتها من يدها لتوقفها. أردفت:
- استني.. أنتِ رايحة فين؟ أنتِ مقولتليش إيه اللي حصلك بعد ما مشيتي من الدار.
ابتسمت براء وقالت:
- معقول هنخلص كل الكلام النهاردة ولا إيه.. أنا عايزاكي تنامي وترتاحي وبكرة نتكلم.. يلا.
نهضت حنين ومعها براء واتجهت إلى إحدى الغرف حتى تقيم فيها. نظرت حنين حولها برهبة ثم جلست على السرير بتوتر. فقالت لها براء:
- أنا في الأوضة اللي جنبك لو احتاجتي أي حاجة تعاليلي.
- أنا مش مصدقة اللي بيحصل معايا.. من كام ساعة بس مكنتش عارفة هعمل إيه وهفضل أبَات في الشارع لحد امتى.. لو حد جالي قبل كام ساعة وقالي اني النهاردة هنام في بيت وأنا مش سقعانة مكنتش هصدق.. أنتِ ظهرتي منين يا براء!
ابتسمت براء وجلست بجانبها ثم قالت:
- محدش عارف تدبير ربنا هيوصلنا لفين.. ربنا ليه حكمته في كل حاجة بتحصل معانا.. أنا عايزاكي تهدي وتنامي دلوقتي عشان ابنك محتاجك.. يلا تصبحي على خير.
ثم خرجت من الغرفة وتركت حنين بمفردها. ترقرقت الدموع في عيون حنين وتركت ابنها على السرير وسجدت على الأرض وظلت تبكي بانهيار، وكأنها كانت تنتظر تلك الفرصة حتى تخرج كل ما بقلبها. سمعتها براء وهي تبكي ولكنها تركتها. لم تكن الدنيا راحمة حتى مع هذا الملاك الصغير.
في اليوم التالي، استيقظت براء باكراً بنشاط على غير عادتها كل يوم وذهبت إلى حنين بسرعة ومعها بعض الملابس من خزانتها لتجدها تطعم ابنها. وعندما رأتها كانت سوف تنهض من مكانها ولكن براء منعتها وجلست بجانبها. أردفت:
- لا ارتاحي.. أنا جيت اطمن عليكِ بس.. اتفضلي.
ثم مدت يدها بالملابس لتمسكها حنين بتساؤل:
- إيه دول؟
- قومي خدي دش وغيري هدومك كده عشان هنخرج.
جرى الخوف في أوصال حنين لتقول:
- هتمشوني! أنا عملت حاجة طيب والله ما قربت من حاجة طول الليل.
نظرت لها براء بصدمة وقالت:
- إيه اللي أنتِ بتقوليه ده! لا طبعاً.
أحست براء بمدى رهبة حنين فجلست بجانبها وقالت:
- حنين حبيبتي.. أنا عارفة أنك شوفتي كتير بس خلاص والله.. أنا من النهاردة معاكي وكل حاجة هتبقى كويسة.. وعد مني اعيشك أحلى سنين عمرك، مفيش زعل ولا عياط ولا قهر تاني.. هفضل معاكي لحد ما تبني نفسك واحدة واحدة.. بس بلاش تخافي أرجوكي، احساسك ده بيقتلني.
ابتسمت حنين بدموع وقالت:
- أنا آسفة يا براء بس غصب عني.. شوفي كل كلامك ده و برضه خايفة، أنا مبقتش بعرف أحس بالأمان.
- أنا هعلمك يا ستي.. أنا كمان كنت زيك، كنت فاكرة أن كلها فترة وماما فاطمة وبابا جمال يتخلوا عني.. بس اديني معاهم بقالي سبع سنين أهون.
نظرت لها حنين بتساؤل. فقالت براء:
- عارفة انك مستغربة مين دول؟ دي حكاية طويلة أوي نبقى نحكيها في الطريق، قومي يلا عشان اعرفك على بابا جمال، أنتِ مشوفتيهوش امبارح.
ابتسمت حنين ونهضت من مكانها وحضنت براء، قالت:
- شكراً أوي يا براء.. أنتِ اللي ليا في الدنيا، أرجوكي اوعي تتخلي عني أنتِ كمان.
- خليكي واثقة فيا.
تنهدت حنين براحة ثم ذهبت لتبدل ملابسها المتسخة من الشارع.
عند يامن..
في الصباح الباكر، استيقظ يامن بقلق وسرح في أفكاره. كان بُعد كريم عنه يزيد لحظة عن لحظة وكأنه ليس صديق عمره. ظل هذا الإحساس بداخله حتى هذا اليوم وقرر أن يواجه صديقه بما يشعر به، فليس من عادته أن يخبئ عنه شيئاً لفترة طويلة. جهز نفسه واتصل به ليرد عليه كريم:
- الو.
- عايز أشوفك ضروري.
- وأنا كمان.. كنت لسه هكلمك.
- كويس.
- نتقابل في المكان بتاعنا اللي على الكورنيش.. كمان ساعة.
- اشمعنا كمان ساعة؟
- هروح أطمن على ملك قبل ما أجلك عشان كنت عند ياسر.
صمت يامن للحظات وزاد تساؤله عن سبب قرب كريم من ياسر تلك الفترة. أردف:
- تمام يا كريم.. هستناك.
ابتسم كريم ثم خرج من المكان واتجه إلى بيته ليجد والدته مع ابنته تلاعبها. ذهب إليهم وحمل هو ابنته واتجه بها إلى غرفتها وظل يلعب معها لوقت طويل حتى أحست هي ببعض النعاس، فحملها بين يديه ووضعها في سريرها وقبلها من جبينها. ابتسمت الفتاة الصغيرة ببراءة ثم غطت في نوم عميق. خرج كريم من غرفتها ومن البيت بأكمله واتجه إلى المكان الذي سوف يقابل فيه يامن. وبعد ساعات وصل إليه ليجده جالس بهدوء. جلس بجانبه وساد الصمت للحظات حتى قال كريم:
- عارف أنك زعلان مني.
- كويس أنك حاسس أنك قصرت في حقي.
- أنا عارف.. بس غصب عني يا يامن.
التفت له يامن بعصبية وقال:
- غصب عنك إزاي يا كريم! أنت فجأة بعدت عني ولا بقيت تتكلم معايا حتى، كل كلامك بقى مع ياسر.. أنت مش شايف أن ده غريب شوية.
- إحنا بينا شغل عشان كده كلامنا الفترة دي زاد.
- ميخصنيش السبب يا كريم، أنا ليا بيك أنت.. أنت اتغيرت فجأة، أنا عملتلك حاجة طب؟
- لا أكيد.
- طب ليه بتعمل كده.. أنا مبقتش فاهم حاجة، وشغل إيه اللي مع ياسر وأنا معرفهوش؟
- تبع الشركة.
- الشركة اللي هي أصلاً بتاعتنا! كريم هو أنت مخبي عني حاجة؟
- هخبي عليك إيه يا يامن.
- طب أومال فيه إيه.. حاسس إنك عارف حاجة ومش عايز تقولي.
- الموضوع مش كده.. أنا آسف حقك عليا بس بجد أنا مكنش قصدي تزعل مني، ولو أنت مش غالي عليا مكنتش جيت لحد هنا.. خلاص بقى.
صمت يامن للحظات فقال كريم بمزاج:
- طيب تعالى نروح نتغدى في المطعم اللي أنت بتحبه.
- مليش نفس.
- قوم بقى متبقاش رخم.. أنا اللي عازمك متقلقش.
- لا والله.. متشكر يا سيد.
نظر له كريم للحظات فابتسم يامن رغماً عنه وصافح صديق عمره ونهض الاثنان من مكانهما بعد أن تم صلحهما. استقلا السيارة وانطلق بها كريم نحو أحد المطاعم. وفي تلك الأثناء صدع هاتف كريم رنيناً وكان في جيبه، فحاول أن يخرجه من جيبه ويرد عليه فقال يامن:
- حاسب يا كريم مش وقت مكالمات دلوقتي.
- ممكن تكون مكالمة مهمة استنى.
وأبعد نظره عن الطريق لحظة حتى يخرج هاتفه. وفجأة ظهرت شاحنة كبيرة في الطريق وأحدثت ضجة عالية فصرخ يامن:
- حاااسب!!!