أنتهي يوماً كان هادئاً علي البعض منهم، فأنسدلت خيوط الشمس الذهبية لتدلف علي جميعهم.
بالأسفل:
كان سعيد يضع يده حول كتف أدهم، ومن الناحية الأخرى أحمد، وخلفهم عمار يسير وهو يحمل كيساً به جميع الدواء الذي سيتناوله أدهم.
ركضت هنا من الأعلى وهي تقول بفرحة:
_ أدهم أنت جيت؟
نظر لها أدهم ليجيب بغيظ:
_ لا لسه ما جتش.
نظرت له بضيق، ثم التفتت بنظرها صوب عمار الذي ينظر لها بحب شديد. ابتلعت ريقها من حالة العاطفة التي أحاطت بها، ثم التفتت بنظرها صوب شقيقها الذي يرمقها بغضب، فتحدثت بهدوء وهي تتحاشى النظر لعمار:
_ سعيد أنا رايحة الجامعة.
نظر لها سعيد ثم تحدث بنبرة مرتفعة قليلاً:
_ أيوه هتروحي أنتِ ومين؟
نظرت له هنا لتجيبه باستغراب:
_ هروح لوحدي يا سعيد؟ من امتى وأنا بروح أنا وحدي، وبعدين هو في حاجة؟ أنا عملت إيه؟
نظر لها سعيد ليتحدث بغضب وهو يترك يد أدهم:
_ أنتِ إزاي تردي عليا كدا يا محترمة، وبعدين بقى انتِ بتعلي صوتك على أخوكي الكبير كدا، والله ما أنتِ خارجة وما فيش جامعة، يلا اطلعي على أوضتك.
نظرت له هنا بصدمة، ثم اتجهت للأعلى بدموع. بينما نظر له عمار بحدة وغضب، فتحدث أحمد بشك:
_ هي هنا عملت إيه دا كله يا سعيد؟ وبعدين ليه بتكلمها كدا قدامنا؟ مهما كان هي غلطانة لازم تعاتبها وأنتوا لوحدكم، مش قدامنا كلنا كدا.
نظر له أدهم ليتحدث بضيق:
_ وبعدين هي مش غلطانة، هي ما قالتش حاجة يعني.
تحدث سعيد بصوتٍ مرتفع:
_ إيه بقيت أنا غلطان كدا؟ وبعدين محدش له دعوة، هي أختي أنا، مش أختكم.
نظر له عمار ليتحدث بنبرة تحذيرية:
_ سعيد ألزم حدودك واعرف أنتَ بتقول إيه.
نظر لهم سعيد بغضب، ثم تركهم ورحل بعصبية شديدة.
بينما نظر أحمد في أثره ليتحدث بتعجب:
_ هو إيه اللي حصل لدا كله أصلاً؟ وبعدين مفيش حاجة مستدعية عصبية سعيد لدرجة دي. أنا حقيقي مش عارف حاجة.
نظر لهم عمار ليتحدث بغموض:
_ بس أنا عارف... يلا أسند أدهم معايا عشان نطلعوا.
هبط فؤاد في هذا الوقت ثم تحدث باستغراب:
_ هو في إيه؟ وليه هنا كانت طالعة بتعيط؟
أدهم بضيق:
_ هي وسعيد اتخانقوا، يلا سيبكم بقى من الحيوان دا وساعدوني أطلع أوضتي.
_ عااااوز أنا.
نظر له أحمد ليتحدث وهو يهوي على رقبته بصفعة:
_ اسكت بقى، هديت حيلنا من امبارح يا شيخ، الواحد ما شافش النوم بسببك.
_ إيه دا؟ في إيه؟ وإيه اللي حصل لأدهم؟
كلمات تحررت من فم عصام الذي هبط ليرى ابنه بهذه الحالة، فتحدث عمار بهدوء:
_ متقلقش يا عمي، دا أدهم كان خارج على طريق عمومي بس اتصاب إصابة بسيطة كدا، وأهو بقى زي القرد قدامك اهو.
نظر عصام لأحمد ليتحدث بحدة:
_ وأنتَ ليه ما كلمتنيش وقولتلي؟ إيه ماليش حق إني أعرف إن ابني تعبان وفي المستشفى؟
نظر أحمد لوالده ليتحدث باحترام:
_ أنا آسف يا بابا، بس محبتش أقلقك على الفاضي.
نظر عصام لابنه، ثم اتجه ليسند ابنه من الناحية الأخرى وهو يتحدث بقلق:
_ أنتَ كويس يا أدهم؟
رمق أدهم والده ببسمة هادئة، ثم تمسك بذراعه وهم يصعدون الدرج.
**************
في الأعلى:
تحدثت حبيبة بحنان:
_ خلاص يا هنون، هو أكيد ميقصدش أنه يتعصب عليكي، أنتِ عارفة أن سعيد طيب وميهونش عليه زعلك، بس تلاقي في حاجة كان مضايق منها.
نظرت لها هنا لتتحدث من بين بكائها:
_ بس مش يزعلني قدام الكل، أنا اتحرجت وكمان أنا ما عملتش حاجة لدا كله.
_ لا عملتي.
كان عمار من تحدث بهذه الجملة وهو ينظر لها بنظرات صقرية، فتحدث وهو يقترب منهم:
_ عملتي يا هنا، مع إننا واثقين فيكي، وفي تربيتك.
نظرت لهم هنا وهي تبتلع ريقها بصعوبة لتتحدث بتوتر:
_ أنا عملت إيه يا عمار يعني؟
عمار بصوت حاد:
_ ليه يا هنا تمشي مع البنت دي؟ واحنا كلنا حذرناكي منها، وأنتِ عارفة أنها شمال وسمعتها وحشة، ليه تمشي معاها؟
هنا:
_ حتى لو عملت كدا، يقولي براحة من غير ما يمنعني إني أروح الجامعة، أو يزعقلي بالطريقة دي يا عمار.
أشار عمار بيده لشقيقه أن تذهب، فنظرت لهم حبيبة بتوتر ثم رحلت. بينما اقترب عمار لهنا ونظراته تجوبها:
_ هنا يعني أنتِ مش شايفة نفسك غلطانة؟
نظرت أرضاً بارتباك، بينما تحدث هو:
_ ها... ردي عليا وبصيلي، مش شايفة إنك غلطانة؟ لو مش شايفة إنك غلطانة مش هتقدري تحطي عينك في الأرض وهتواجهيني.
نظرت له بخجل شديد، فهي تعلم أنه محق، ولكنها لا تعلم بماذا تقول له، فتحدثت بصوتٍ هامس:
_ عمار أنا آسفة، أوعدك إنها مش هتحصل تاني.
ابتسم لها عمار، ولاكن تمالك نفسه سريعاً من أن لا يحتضنها، فتحدث وهو يتجه للخارج بصوت حنون:
_ الأهم من الغلط نفسه يا هنا، أنك تعترفي إنك غلطانة، ساعتها الكل يقدر يغفرلك، لاكن العند والجدال أخرتهم وحشة.
تركها وكاد أن يخرج، ولاكن اتجه إليها مرة أخرى وهو يقول:
_ اتأسفي لسعيد عشان زعلان منك جداً.
هزت رأسها له وهي تتابع أثره بحب شديد، لن يقل له منذ طفولته، فها هو معشوق الروح يكشف لها غلطها رويداً وبحنان.
**************
رأته يصعد للسيارة بوجه متهجم وعصبية شديدة، فأتجهت إليه وصعدت معه بهدوء شديد دون أن تتحدث. نظر لها وهو يرفع حاجبه، فتحدثت هي بعدم فهم:
_ في إيه؟
سعيد:
_ أنتِ اللي راحة فين؟
نجار:
_ شيفاك متعصب، قولت أخرج معاك يمكن أعرف أهديك.
تحدث سعيد وهو يغلق باب السيارة:
_ ما أظنش.
نجار:
_ متظنش إيه؟
سعيد:
_ إنك هتعرفي تهديني.
نجار بغمزة:
_ سيبلي نفسك بس ومالكش دعوه.
_ أدينا هنشوف.
أغلق باب السيارة ثم انطلقوا إلى وجهتهم.
كان طوال الطريق شارد بحزن وغضب من نفسه لما فعل مع شقيقته، فهو لن يحب أن يغضب عليها أبداً، خاصة بعد وفاة والدته ووالده، وهو يعتبرها مدللته فقط، لا يحب أن يبكيها أبداً. التقط هاتفه ثم ضغط على رقم عمار الذي أجاب على الفور:
_ عمار، هنا كويسة؟
عمار بسخرية:
_ ولما أنتَ خايف عليها أوي كدا، بتزعلها ليه من الأساس؟
سعيد بضيق:
_ عمار حالياً أنا مش في مود يسمح ليا بمنقشاتك دي، خليها لما أرجع.
عمار:
_ طيب سلام.
علفكرة أنا كنت لسه عندها وهي كويسة.
أغلق معه الهاتف وهو يزفر بضيق، بينما تحدثت نجار وهي تضع يدها على سماعة السيارة:
_ بتحب الموسيقي الهادئة؟
سعيد:
_ لا.
نجار ببسمة:
_ وهو دا المطلوب.