تحميل رواية «احببت طفله ثائره» PDF
بقلم شيماء فرج
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
داخل مكتب من أهم مكاتب إدارة الأمن العام بمديرية أمن الاسكندريه، اختلطت أصوات مجموعة من الشباب والبنات بثورة عارمة ضد موقف أحد الظباط من تجمعهم ورفضهم لقرارات عميد كلية التجارة وتنظيم المظاهرات المعارضة له. ومن بين هذه الأصوات ارتفع صوت فتاة من ضمن المجموعة، ومن عباراتها ظهرت وكأنها قائدة المجموعة، ترفض تدخل الأمن فيما أسمته بمظاهرة سلمية. وفجأة أسكتهم صوت أجش قوي يعبر عن شدة وحزم صاحبه. وكيف لا يكون حازم وقوي وهو صوت الرائد (مؤيد رسلان) الذي اشتهر بجبروته وقوته وعلا صيته في الآونة الأخيرة بعد إ...
رواية احببت طفله ثائره الفصل الأول 1 - بقلم شيماء فرج
داخل مكتب من أهم مكاتب إدارة الأمن العام بمديرية أمن الاسكندريه، اختلطت أصوات مجموعة من الشباب والبنات بثورة عارمة ضد موقف أحد الظباط من تجمعهم ورفضهم لقرارات عميد كلية التجارة وتنظيم المظاهرات المعارضة له.
ومن بين هذه الأصوات ارتفع صوت فتاة من ضمن المجموعة، ومن عباراتها ظهرت وكأنها قائدة المجموعة، ترفض تدخل الأمن فيما أسمته بمظاهرة سلمية.
وفجأة أسكتهم صوت أجش قوي يعبر عن شدة وحزم صاحبه. وكيف لا يكون حازم وقوي وهو صوت الرائد (مؤيد رسلان) الذي اشتهر بجبروته وقوته وعلا صيته في الآونة الأخيرة بعد إحباطه لأخطر العمليات الإرهابية والقبض على منظميها.
مؤيد وهو يطرق بكفه الغليظ على سطح مكتبه:
"بااااااس أنت وهو وهي. إيه شوية طلبة فشلة عاوزين يمشوا الجامعة على مزاجهم، وفي الآخر تعتدوا على أمن الجامعة."
ذعر الجميع من نبرة صوته وحدته، وانزعجوا من مجموعة الاتهامات التي لم ولن يقوموا بها، فهم لم يعتدوا على أمن الجامعة نهائياً. ولكن تلك الجنية صغيرة الحجم، صاحبة الشعر الذهبى الطويل، والعيون الرمادية المائلة للأزرق، والشفاه الوردية، التي شقت صفوف مجموعة الطلبة الثوار وخرجت معترضة دون أدنى إحساس بالذعر والخوف من حدته ولا مظهره وهيبته وضخامة جسده، وصرخت بأعلى صوتها:
"نعم حضرتك بتقول إيه؟ اعتداء من مين وعلى مين؟ إحنا عملنا مظاهرة صامتة يا أفندم، ولولا تدخل الأمن والعميد وبلطجية العميد كان زمانها انتهت بعد التجمع بساعة، لكن هما اللي اعتدوا علينا لمجرد إننا رافضين قرارات ظالمة من سيادة العميد."
مؤيد:
"وإنتي مين بقى يا شاطرة؟ إنتي الزعيمة بتاعتهم؟"
شادن:
"أولاً: أنا اسمي شادن الجمال مش شاطرة.
ثانياً: أنا مش زعيمة ولا حد فينا زعيم، كلنا زي بعض، مجموعة طلبة مظلومين من نظام مستبد."
مؤيد بانفعال:
"إنتي مجنونة يابنتي مش عارفة بتتكلمي مع مين؟ إنتي كمان بتعترضي على النظام؟"
شادن:
"واضح إن حضرتك فهمتني غلط، أنا بعترض على نظام الجامعة والدكاترة اللي بيحددوا درجاتنا بنسبة مبيعات إصداراتهم من كتب ومراجع، مش بيحددوها بمجهودنا ولا ثقافتنا، نظام عقيم وإحنا رافضينه."
مؤيد:
"وإنتي بقى ياباربي هانم اللي هتغيري النظام؟ إنتي وزملاتك؟"
شادن معترضة:
"حضرتك أنا قولت اسمي شادن الجمال مش باربي."
مؤيد بابتسامة:
"بس أنا بقى من أول ما شفتك وأنا حاسس إني واقف قدامي عروسة الباربي."
كان تشبيه مؤيد لشادن بأنها شخصية الرسوم المتحركة الدمية "باربي" معشوقة البنات، تشبيه دقيق، مما جعل جميع زملائها ينظرون إليها وهم يحاولون كبت ضحكاتهم، فهم أيضاً يرونها هكذا ويعلمون جيداً أن هذا التشبيه يستفز أعصابها وأنها تغضب بشدة منه.
أما شادن، فبعد ما رأت كبت زملائها وصديقاتها لضحكاتهم، فما كان منها غير الغضب والانفعال عليه.
شادن:
"ممكن أفهم إنتوا بتضحكوا على إيه؟ على فكرة أنا عارفة، وأعتقد إحنا في موقف يستاهل إننا نركز وندافع عن نفسنا، مش تضحكوا عليا."
كانت شادن تكلمهم بصوت يكاد يكون مسموع، ولكنه وصل إلى مسامع مؤيد، واستشعر غضبها، ولكنه شرد بذهنه في هذه الفتاة، فكيف يكون مظهرها كالأطفال وبداخلها ثائرة شجاعة وقوية لا تهاب شيئاً.
فاق من شروده على أصوات مشاحنات بين المجموعة أمامه.
فصاح بهم:
مؤيد: "إيه؟ إنتوا نسيتوا إنتوا فين وإيه اللي هيتعمل فيكم؟"
حالة من الذعر أصابت الجميع، فهم لأول مرة يتواجدون بهذا المكان مثل المجرمين والإرهابيين معتادي الإجرام، وكل ما يعرفوه عن هذا المبنى أن الداخل به مفقود، كما تعودنا جميعاً أن نستمع، فهم ليسوا أصحاب نشاط سياسي حتى يتعرضوا لهذا الموقف.
مؤيد:
"إيه؟ سكتوا يعني؟ وإنتي يا قائدة المسيرة ماعندكيش حاجة تقوليها؟"
شادن:
"والله يا أفندم لو حضرتك هتصدقنا هنتكلم، لكن لو مش هتصدق تقدر تحولنا على النيابة وهي تبث في أمرنا."
مؤيد وقد تدفقت الدماء بعروقه مما أدى لبروزها:
"حلو أوي، ماتيجي تقعدي مكاني وتعلميني أعمل إيه وما أعملش إيه؟ بنت إنتي، أنا همشيهم كلهم وإنتي اللي هتشرفينا هنا."
شادن بقوة وشجاعته:
"أنا ماعملتش حاجة غلط، وقولت لحضرتك قبل كده اسمي شادن إيه؟ بنت دي."
مؤيد وهو يضغط على زر بمكتبه:
"أنا هخليكي تقولي أنا اسمي بنت، لا وايه؟ هنسيكي اسمك ده خالص اللي إنتي فرحانة بيه، وبعدين تعالي هنا، إيه الاسم الغريب ده؟ يعني إيه شادن؟"
وقفت تنظر له وتتأمله وكأنه خرجت له رأس أخرى، وبداخل عقلها تلعن هذا المجنون، كيف له أن يطلب معنى اسمها ويسخر منها في نفس الوقت، وماذا يقصد بأنه سينسيها اسمها.
قطع عليها لحظات الشرود والتأمل دخول أحد العساكر الذي تم استدعائه من قبل مؤيد وهو يؤدي التحية العسكرية.
مؤيد:
"خد الأنسة ع الحجز الانفرادي لحد ما نحولها النيابة."
الطلبة:
"يا أفندم هي ماتقصدش حاجة، ولو هنخرج نخرج كلنا أو نكون معاها ونتعرض كلنا ع النيابة."
مؤيد:
"لا يا شهم منك ليه، إنتوا هتخرجوا وهي لأ."
أحد الطلبة:
"لكن ده مش عدل، حضرتك هي عملت إيه يعني؟"
وأثناء هذه المجادلات كانت شادن ترتجف داخلياً، ولكنها لم تظهر خوفها مهما كلفها الأمر.
مؤيد بانفعال وحدة:
"كلمة واحدة من غير مناقشة، يلا خدها من هنا وأخلي سبيل الباقيين."
نفذ العسكري الأمر وبدأ بجذب شادن وإخراجها من الغرفة الخاصة بمؤيد، وإخبار زملائه بتكملة إجراءات إخلاء سبيل بقية الطلبة.
وصلت شادن إلى غرفة الحجز الانفرادي ووجدت مقعد من الخشب، جلست عليه وهي تضم جسدها بذراعيها، وبدأت دموعها تنساب على بشرتها الحليبيه.
سمحت لخوفها بالظهور، ولم تكن تعلم أن الغرفة المحتجزة بها مراقبة بالكاميرات، وأن من قام باحتجازها يتابع تحركاتها بمنتهى الدقة، وقلبه لم يطاوعه على فعل أكثر من ذلك بتلك البريئة التي خطفت قلبه من النظرة الأولى. أما عقله فكان يرفض عنادها وتحديها، وقرر تأديبها حتى لا تضع نفسها بهذا الموقف مرة أخرى. فبالرغم من إعجابه برأيهم ورفضهم للقرارات الظالمة، إلا أنه لم يعجب بتحديها له هو شخصياً.
كان على يقين تام أن لا تهمة لها وأنها ستخرج من سراي النيابة بمنتهى السهولة. ولكن، لم يكن يعلم أن قلبه سيتعلق بها، وأنه زج بها للمكان الخطأ، وأنه سيصبح له غريم ينازعه.
رواية احببت طفله ثائره الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء فرج
في صباح اليوم التالي وبعد مرور أطول الليالي على الجميع، سواء سيادة الرائد مؤيد الذي بقى ليلته بأكملها يراقب غرفة الاحتجاز خشية من أن يصيبها مكروه ويتسبب عناده في أذية تلك الجنية الرقيقة التي أثرت قلبه من طلتها الأولى.
أما شادن فباتت ليلتها تحارب مخاوفها وتجهز بذهنها دفاعاتها عن نفسها وقتما تعرض على وكيل النائب العام، ولكن كان كل ما يؤرقها حال أسرتها الهادئة بعد ما علموا بما حدث لها.
أما عن أسرة شادن، فبعد أن وصل إلى مسامعهم خبر احتجاز ابنتهم بمديرية الأمن من زملائها وقصوا عليهم ما حدث مع هذا الضابط المتعجرف من وجهة نظرهم.
قام والد شادن بمحاولات كثيرة لإنقاذ ابنته، فهو أيضاً طبيب مشهور ومعظم مرضاه من الطبقات الراقية وأصحاب النفوذ والسلطة بالمدينة.
ولكن جميع محاولاته كللت بالفشل، فكل من يعلم بمكان احتجازها يتهرب من المساعدة، ولم يكن أمامه غير أن يذهب بنفسه للسؤال عن ابنته وعلم أنها سترحل إلى النيابة في الصباح الباكر.
وبالفعل كان في انتظارها على باب المبنى أسرتها بأكملها، والدها الطبيب هشام الجمال ووالدتها السيدة الرقيقة شاهيناز سالم، والتي تشبه شادن إلى حد كبير.
وجاءت لحظة خروج شادن، والتي ظلت تتحرك بيد العسكري الممسكة بها حتى تلقت بنفسها في حضن والدتها ووالدها.
وبالفعل استطاعت الوصول لأحضانهم الدافئة التي منحتها الحنان والقوة لمجابهة ما هو آت.
شاهيناز: كده برده ياشوشو تعملي في نفسك كده.
هشام: حبيبتي ماتخافيش، أنا عرفت من زملاتك إللي حصل، انتي صح وربنا هينصرك والظابط إللي عمل فيكي كده منه لله.
شادن ببكاء وانهيار: مش عارفه أشمعنا أنا يابابى، ده خرج كل أصحابي.
شاهيناز باعتراض: بس زملاتك كمان قالوا إنك رديتي عليه وهاجمتيه بزيادة ياشوشو.
لم تستطع شادن الرد على والدتها من شدة جذب العسكري المكلف بمرافقتها إلى سراي النيابة لها للصعود لعربة الترحيلات.
وصلت شادن إلى سراي النيابة، ولن تكن تعلم أن تلك العيون التي باتت الليل بأكمله تحرسها وتراقبها وصلت في نفس الوقت معها إلى سراي النيابة لمعرفة ما سيحدث.
وبالرغم من أنه يعلم جيداً أنها سيتم إخلاء سبيلها بسبب ما كتبه في محضر التحريات عنها وعن الواقعة، إلا أنه أصر وتحامل على نفسه بعد مناوبة ليلتين كاملتين بالمديرية لتأدية مهام عمله ويطمئن على سلامة خروجها.
قام الجندي المقيم أمام غرفة السيد وكيل النائب العام: شادن هشام الجمال.
شادن: أيوة أنا.
الجندي: تعالي ادخلي، البيه وكيل النيابة عاوزك.
نظرت شادن إلى والدها ووالدتها اللذان لحقوا بها إلى سراي النيابة ومعهم المحامي الخاص بالعائلة.
تقدم المحامي من وكيل النيابة: طارق رشاد المحامي وحاضر مع المتهمة شادن الجمال.. مع تحفظي على توصيفها بالمتهمة.
رفع وكيل النيابة بصره عن الأوراق التي أمامه، وقبل أن يجيب عن حديث المحامي، وقعت عيناه على أميرة من أميرات ديزني، ولكنه وصفها بالأميرة الحزينة بعد ما رأى بعيونها الدموع الحبيسة.
وما كان منه غير أنه قام من كرسيه وقدم لها كوب الماء الموضوع على مكتبه.
وكيل النيابة: أتفضلي ياآنسة... معلش اسمك إيه.
شادن: اسمي شادن هشام الجمال.
وكيل النيابة: اتفضلي آنسة شادن وارتاحي.
نظر المحامي المخضرم من تحت عدسات نظارته وأيقن أن بالأمر إعجاب من السيد وكيل النيابة بالمتهمة، ولما لا وهو شاب مكتمل الرجولة، هادئ الملامح، جذاب لأقصى درجة، يحمل ملامح صارمة ولكن بها الكثير من النضج والاعتدال بالقرارات.
وقرر أن يتحدث حتى يستطيع الخروج بموكلته من سراي النيابة.
طارق: سيادة الوكيل، زي ما حضرتك قريت في المحضر إنهم كانوا مجموعة طلبة وأنهم وصلوا المديرية مع بعض، لكن هناك حصل تعنت واضطهاد لموكلتي.
وكيل النيابة: لا، واضح من المحضر فعلاً إنها كانت شدة وقرصة ودن، بس هي مافيش عليها أي تهمة وهتخرج معاك حالاً.
شادن بدهشة: هخرج.. طيب ليه الظابط عمل معايا كده.
وكيل النيابة: كانوا بيخوفوكي بس.
طارق: يعني نقدر نخرج حالاً يا أفندم.
وكيل النيابة: آه طبعاً، خلص حضرتك الإجراءات وتعالى استلمها.
ومد له ورقة إخلاء السبيل حتى يتمكن من إنهاء الإجراءات، وكان من المفترض أن تخرج شادن خارج غرفة التحقيق، ولكن أصر وكيل النيابة على تواجدها حتى إنهاء الإجراءات.
وفي الحقيقة هو كان يتحين الفرصة لكي يتحدث معها.
وكيل النيابة: آنسة شادن، حاولي بلاش تدخلي نفسك في مشاكل، شكلك مش وش بهدلة، ده غير إنك بنت ناس.
شادن: أنا وزملاتي كنا بنطلب حقنا بمنتهى الأدب والهدوء، لكن هما إللي اتعرضولنا.
وكيل النيابة: أنا عارف، بس أنا بقولك الأفضل ليكي.
شادن: شكراً لحضرتك ولذوقك.
وكيل النيابة: العفو، ده واجبي... أنتي في سنة أولى تجارة إنجليزي ياشادن.
شادن: أيوة.
وكيل النيابة: يعني لسه أول سنة، وبتعملي مظاهرات ودخلتي النيابة وقبلها المديرية، أومال في رابعة هتعملي إيه.
ابتسمت شادن لطافته ولم تجب.
ولكنه أكمل حديثه: يعني يا عيني على خطيبك ولا إللي مرتبطة بيه، هتعملي له مظاهرات كل شوية.
شادن بتلقائية: بس أنا مش مرتبطة ولا مخطوبة.
فرحة سرت بقلب السيد وكيل النيابة، وكأن المغزى من حديثه معرفة أن ما كان يربطها علاقة بآخر أم لا.
طرقات على باب المكتب تلاها دخول الجندي المكلف بالحراسة يبلغ بانتهاء المحامي من الإجراءات.
وفي سابقة أولى من نوعها، يقوم السيد وكيل النيابة ويخرج مع متهم ماثل أمامه لايصاله لباب الخروج.
وحين ألتقى بوالد شادن، مد يده لمصافحته.
وكيل النيابة: أهلاً بحضرتك دكتور هشام، أنا سليم الأعصر وكيل النيابة.
هشام: أهلاً وسهلاً يا أفندم، تشرفت بمعرفة سيادتك.
سليم: والدتي كانت بتتعالج عند حضرتك والحمد لله ربنا تم شفاها على إيديك.
هشام: ربنا يحفظهالك دايماً، وأنا في خدمتك في أي وقت.
سليم: شكراً يا دكتور، وإن شاء الله ليا زيارة قريب لحضرتك.
هشام: تشرفني.
تصافحا الاثنان، واختبأت شادن بحضن والدتها بعد أن لمحت بعينها الرائد مؤيد من تسبب في احتجازها وهو يراقب المشهد من بعيد.
ولم تكن تعلم أنه لم يطمئن لحديث سليم مع والدها، وأنه ندم أشد الندم أنه قام بعرضها على النيابة، وعلم أن من الآن بدأت تدق طبول الحرب بينه وبين غريمه السيد وكيل النائب العام على قلب تلك الجنية الصغيرة، عروسة الباربى كما يسميها، أو أميرة ديزني كما يسميها سليم الأعصر.
من سيفوز بقلبها، سجانها أم مطلق سراحها.
رواية احببت طفله ثائره الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء فرج
بعد خروج عائلة شادن من سراي النيابة ووصولهم إلى منزلهم بساعات، قام أحد الزائرين بدق جرس الباب. لم يتوقع أهل المنزل نهائيًا أن الطارق سيكون هذا الشخص.
قام والد شادن بفتح باب منزله لاستقبال الزائر.
هشام: أفندم. مين حضرتك؟
الزائر: رائد مؤيد رسلان، إدارة مكافحة الإرهاب.
فزع هشام، ولكنه استعاد رباطة جأشه وقاوم مخاوفه.
هشام بثقة: حضرتك أنا بنتي خرجت من سراي النيابة بدون توجيه تهمة لها.
مؤيد: أنا عارف يا دكتور، لكن الموضوع اللي أنا جاي علشانه مختلف. تسمح لي حضرتك في دقائق من وقتك؟
هشام مشيرًا له بالدخول: اتفضل حضرتك.
مؤيد وهو يتجه إلى داخل المنزل ويتبع إشارات هشام له بالمكان المسموح له بالجلوس به: شكرًا دكتور هشام، وأرجوك ما تقلقش من زيارتي المفاجئة.
هشام: لا أبدًا ما فيش قلق. تحب تشرب إيه؟
مؤيد محاولًا إزالة التوتر: اللي حضرتك هتشرب منه هشرب منه.
هشام: أنا هشرب قهوة. قهوتك إيه؟
مؤيد: قهوة مظبوط.
قام هشام من كرسيه متوجهًا إلى زوجته لطلب القهوة وطمأنتها بعد أن لمحها وهي تتابع الحوار من بدايته بعيون مترقبة.
شاهيناز: خير يا هشام؟ هو جاي ياخد البنت تاني ولا إيه؟
هشام: حبيبتي لا ماتقلقيش. واضح إنه هياخد كلمتين ويمشي. لكن لو عاوز ياخدها كان جاب معاه قوة وعساكر.
شاهيناز: كلم طارق المحامي. أنا خايفة يا هشام.
هشام: ماتخافيش يا ماما. ولو سمحتي جهزي لنا القهوة. قهوته مظبوط وقهوتي معاه.
شاهيناز بقلة حيلة: حاضر. روح أنت شوفه عاوز إيه.
عاد هشام إلى حيث يجلس مؤيد. وجلس الاثنان لحظات بدون أي حديث دائر بينهم، إلى أن قطع هذا الصمت مؤيد لسؤاله.
مؤيد: هي الآنسة شادن مش موجودة؟
هشام: هو حضرتك عاوزها في حاجة؟ أرجوك تفهمني سبب تشريفك.
شعر مؤيد بغبائه في طريقته لإدارة الحوار لأول مرة، وأنه بدلًا من أن يخفف من حدة التوتر زادها بسؤاله هذا.
هشام: طمني أرجوك.
مؤيد: والله يا دكتور أنا مش عارف أبدأ كلامي إزاي.
وإلى هنا كان قد نفذ صبر شاهيناز وقطعت جلستهم بغضب وخوف.
شاهيناز بصوت قلق مهتز وعيون يحتبس بها الدموع: خير يا أفندم؟ حضرتك مش عاوز تطمنا ليه؟ عاوزين إيه من بنتي؟ النيابة خرجتها. عاوزين إيه تاني منها؟
رد مؤيد بسرعة محاولًا تهدئتها وإزالة الرعب الذي تسبب به دون شعور: والله يا هانم أنا طالب منكم إيد الآنسة شادن. مش جاي آخدها ولا حاجة.
وكأن دلوًا من الثلج قد نزل فوق رؤوسهم جميعًا، بما فيهم مؤيد من رده هذا. ألقت شاهيناز بجسدها على أقرب مقعد وهي تحاول التنفس بصورة طبيعية وتعيد بعقلها ما سمعت وتحاول استيعابه. أما هشام فلم يختلف حاله عنها كثيرًا.
ومؤيد شعر لوهلة أنه أبله ولم يستطع صياغة الحديث ولا طريقة تناوله معهم، وتملكه خوف أن يقوموا برفضه.
ولكن بعد أن تملك هشام أعصابه، حاول بداية الحوار مرة أخرى لتفهم ما قاله مؤيد.
هشام: معلش يا ابني، واضح إن كلنا أعصابنا مشدودة ومش عارفين إحنا بنقول إيه. اقعد وواحدة واحدة فهمني. أنت تعرف بنتي منين وإيه علاقة اللي حصلها امبارح بطلبك انهاردة؟
مؤيد وقد فهم ما يرمي إليه هشام، فمهما يكن هو يتعامل مع أخطر الأشخاص والأجهزة، يستطيع فهم الكلام من مجرد التلميحات، وقرر الرد بهدوء حتى يبرئ ساحتهم.
مؤيد: أولًا يا دكتور ما فيش أي علاقة بين طلبي النهارده واللي حصل امبارح للآنسة شادن.
ثانيًا: بنت حضرتك أنا كنت أول مرة أشوفها امبارح وما حصليش الشرف من قبل كده.
ثالثًا: أنا عجبت بشجاعتها وجرأتها واقتنعت بوجهة نظرها، وده كان سبب خروجها من النيابة النهارده. لأن لو محامي حضرتك بلغك بنص المحضر اللي اتحولت بيه من الإدارة عندنا للنيابة، كنت عرفت إني قاصد ما تتأذيش. لكن لو كنت أكدت كلام العميد وأمن الجامعة، كان زمانها دلوقتي لسه في النيابة أو رجعت عندنا تاني.
هشام: حقيقي أنا مش عارف أقولك إيه. بس ليا سؤال.
مؤيد: اتفضل.
هشام: ليه زملاء بنتي أكدوا لنا إن الظابط اللي حقق معاها في المديرية هو سبب احتجازها الليلة دي؟
مؤيد مبتلعًا ريقه بصعوبة: بصراحة يا دكتور هما عندهم حق. أنا استفزيت من طريقة الآنسة شادن وجرأتها معايا في الحوار، وده خلاني اتعصبت وحجزتها. أنا آسف طبعًا، بس والله يشفع لي إني كنت طول الليل سهران علشان أحميها وأمنع عنها أي أذى.
هشام: تصدقني لو قولت لك أنا مش عارف المفروض أقوم آخد حق بنتي منك ولا أشكرك؟ لأن لولاك ولولا اقتناعك بموقفها، كان زمانك صدقت كلامهم وعملت محضرَك وبنتي وزملائها يتظلموا لمجرد إنهم قالوا رأيهم.
مؤيد: أنا عاذر حضرتك وهتحمل أي قرار، بس أرجوك حاول تقدر موقفي والضغط العصبي اللي بنكون فيه.
عادت شاهيناز بعد ما اطمأنت وقامت لعمل القهوة، وقد أتت وهي تحملها وقدمتها لكلايهما.
شاهيناز: هو حضرتك ليه جاي لوحدك من غير أهلك؟ آسفة على سؤالي، بس محتاجة أفهم.
مؤيد: لا، ده حق حضرتك. بس أنا حبيت أتعرف على حضراتكم وأعرف الرد المبدئي، وبعدها العائلات تتعرف.
شاهيناز، ومثلها مثل أي أم مصرية، أرادت التعرف عليه أكثر وبدأت بتوجيه الأسئلة.
شاهيناز: عندك كام سنة؟
مؤيد: ٢٨ سنة.
ثم أكمل بقية المعلومات التي ستنهي استجوابها لها.
مؤيد: اسمي مؤيد رسلان، والدي اللواء عبد السلام رسلان بالمعاش حاليًا، كان مساعد وزير الداخلية قبل خروجه على المعاش، ووالدتي سهام العشري مستشارة للشؤون القانونية بهيئة قضايا الدولة. عندي اتنين إخوات أصغر مني، بنوتة اسمها مكة رسلان طالبة في كلية فنون تطبيقية سنة أولى، واخ ولد في ثانوية عسكرية اسمه جاسر. عندي شقة في عمارات الظباط وجاهز للجواز في أي وقت، وأتمنى موافقة بنت حضرتك.
ابتسم هشام وشاهيناز على طريقة سرده لتفاصيل حياته والمعلومات الخاصة بها.
هشام: واضح إنك مستعجل أوي يا سيادة الرائد. ونسيت إن الموضوع كله يخص شادن لوحدها. وزي ما أنت شفت بنفسك أنا ربيتها إنها شخصية مستقلة وهي صاحبة القرار، ورأينا هيكون مساند لقرارها مهما كان.
مؤيد: أنا متفهم طبعًا لكلام حضرتك ومستني رأيها بفارغ الصبر. ثم أخرج من حافظة جيبه كارت مدون عليه تليفوناته الخاصة وقدمه لهشام، ثم قام بجسده مستأذنًا للانصراف.
هشام وهو يقوم بمصافحته: شرفتنا ونورتنا، وإن شاء الله هفاتحها في الموضوع وأبلغ حضرتك.
مؤيد: في انتظار تليفون حضرتك.
وقبل أن يتحرك خطوة من مكانه، كان هذا الصوت الثائر من بداية عهده معه أمس كفيلًا بإيقافه وإيقاف والديها متحجرين.
شادن بانفعال: أنت أكيد مش طبيعي. بتهزر صح؟ سمعني كده الأفيه اللي أنت تاعب نفسك وجاي تقوله. عاوز تتجوزني؟ هههههههه. لا بجد ضحكتني. أنت عارف أنت عملت فيا إيه امبارح؟ أنت حبستني في أوضة مرعبة لوحدي في مكان أول مرة أشوفه، وكل اللي أعرفه عنه إن قبلي كتير ماتوا فيه واتعرضوا للتعذيب على إيدك أو إيد غيرك. وانهاردة جاي تتجوزني؟ لا بجد ضحكتني. وحضرتك يا بابي، بعد ما عرفت إنه السبب لسه مكمل معاه؟ لا ومامي، نسيت حالتي ورعبي، وزي كل أم مصرية أصيلة ما صدقت عريس من جهة أمنية وبدأتِ تسأليه عن سنه وحاله.
كانت شادن تتحدث وهي تبكي تارة وتضحك أخرى.
ثم أكملت: تعرفوا إني واقفة من أول مامامي كانت خايفة لحد ما عرفت سبب تشريفك وهدت وبدأت تتكلم بمنتهى الـ...
مؤيد محاولًا الدفاع عن نفسه: آنسة شادن، والله العظيم أنا حميتك. لو كان حد غيري كان هينفذ شغله وبس.
شادن صارخة لإسكاـته: لا لا ماتقوليش الكلام ده! أنت اللي حبستني قاصد بدليل إنك مشيت زملائي.
مؤيد بعصبية: أنتِ اللي استفزيتيني وكنتِ عاملة مية راجل في بعض.
شادن: أيوة كده اعترف إنك قصدت تكسر نفسي عشان اتحديتك. ودلوقتي جاي تكمل عشان لو ما وافقتش تحبسني تاني؟
مؤيد: لا طبعًا.
ثم نظر لها نظرة تحدي وكأنه يقول لها: أنتِ لي. ثم وجه حديثه لوالده.
مؤيد: أنا هستأذن دلوقتي وهستنى تليفون حضرتك بعد ما تكون هديته.
هشام محاولًا رفع الحرج عنه: زي ما أنت شايف هي لسه نفسيتها تعبانة. سيبها تهدى شوية ونتكلم تاني.
خرج مؤيد مسرعًا، منهيًا للحوار بالوقت الحالي، ولكن لن ينهيه نهائيًا.
ماذا سيكون قرار شادن؟ وهل من جديد سيقلب الأوضاع؟
رواية احببت طفله ثائره الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء فرج
بعد خروج مؤيد من منزل الدكتور هشام، عادت شادن إلى غرفتها دون التحدث إلى والديها، مما أدهشهم وجعل والدتها تذهب خلفها لتحادثها.
شاهيناز وهي تطرق باب غرفة شادن:
شوشو افتحي حبيبتي، أتكلم معاكي. محدش هيفرض عليكي رأي، بس على الأقل نتناقش.
لم يروق الحديث لشادن، لذا قامت بفتح الباب وهي منفعلة:
اتفضلي يا ماما. اتفضلي اتناقشي وحاولي تقنعيني بالعريس.
شاهيناز:
شادن، أنتي عمرك ما كلمتينا بالطريقة دي، ولا أحرجتي ضيف في بيتنا بالشكل المهين ده.
شادن:
ده مش ضيف. ده آخر إنسان ممكن أوافق أدخله البيت أصلاً. حقيقي أنا مش عارفة جاب الجرأة دي منين. أكيد هما بيعلموهم البجاحة وفرض نفسهم على الناس.
شاهيناز:
شادن عيب كده. أنتي من امتى بتتكلمي عن أي حد بطريقة سيئة؟ لا لا يا شوشو، ماتعودتش منك على كده أبداً. مهما كان في خلاف في آرائكم، لازم تفهمي وجهة نظره.
ظلت شادن تحدق بوالدتها، فعن أي وجهة نظر تتحدث؟ لقد زج بها في غرفة احتجاز لليلة كاملة بدون وجه حق، لمجرد اختلاف وجهات نظرهم ولأنها تجرأت عليه من وجهة نظره. فكيف لها التفاهم مع تلك الشخصية؟
شاهيناز:
في إيه يا بنتي بتبصيلي كده؟
وجدت شادن أنه لا مفر من التحدث بهدوء وترك انفعالاتها حالياً، وحاولت السيطرة على أعصابها.
شادن:
مامي، أنا هتكلم بهدوء. تعالي كده نتفاهم واحدة واحدة.
شاهيناز:
أيوه كده، دي بنتي اللي أنا ربيتها.
شادن:
الإنسان ده يا مامي أنا عرفته امبارح بس، ومعرفتي بيه تمت في ظروف مش حلوة. وهو زود الظروف دي واستغل وظيفته ومنصبه في ذلي وإهانتي.
شاهيناز:
هو اعترف إنه أخطأ. وفهمنا كمان إنه لو كان عمل محضر بناءً على كلام العميد وأمن الجامعة، كان زمانك لسه في النيابة. وده نفس الكلام اللي قاله أستاذ طارق المحامي. وأرجع وأقولك، رب ضارة نافعة.
شادن:
مامي، هو حضرتك ليه مقتنعة بيه أوي كده؟
شاهيناز:
لا حبيبتي، أنا بتناقش معاكي. ولأجل ناخد القرار الصح، لازم أكون أنا واخدة جانب الدفاع عنه، لأنه مش موجود. ويمكن وقتها تقدري تبرري أخطاءه وتتقبلي الكلام معاه.
شادن:
مامي، أنا واخدة قراري ومش مقتنعة إني حتى أتكلم معاه.
شاهيناز:
خلاص حبيبتي، وأنا مش بجبرك على حاجة. بابي يكلمه ويعتذر له، وخلاص.
حركت شادن رأسها دليلاً على الموافقة، وتركتها والدتها لكي تستريح وتهدئ أعصابها.
خرجت شاهيناز بعد حديثها مع ابنتها متوجهة إلى زوجها حتى تبلغه برأي ابنتها. وقبل أن تبدأ حديثها، وجدته يتجهز حتى يذهب لعيادته.
شاهيناز:
هتخرج وتسيبها في الحالة دي؟
هشام:
ماتقلقيش عليها. بنتك قوية وهتعدي الأزمة بسرعة.
شاهيناز:
على فكرة، هي رافضة حتى الكلام معاه.
هشام:
حقها طبعاً. وأنا لولا إني قدرت وجوده في بيتي، كان تصرفي هيكون غير كده خالص. وما أكدبش عليكي، حسيت إنه محترم ومش بتاع لف ودوران، بدليل إنه كان مرتبك ومش عارف يكمل جملة.
شاهيناز:
وده اللي عجبني فيه. غير إنه دخل من الباب زي ما بيقولوا.
هشام:
عموماً، أنا مش هكلمه وهسيب لها فرصة تفكر. لكن أرجوكي يا شاهي، ماتفتحيش الموضوع معاها تاني. وأنا اللي هسألها وأعرف جوابها النهائي.
شاهيناز:
حاضر، اللي تشوفه. انت رايح العيادة؟
هشام:
أيوه. المرضى مالهمش ذنب، وأنا ليا يومين مش بروح.
شاهيناز:
ربنا معاك. ترجع بالسلامة.
وصل هشام لعيادته ومارس عمله، الحالة تلو الأخرى، إلى أن قاطعته سكرتيرته.
السكرتيرة:
دكتور هشام، في واحد عاوز يقابل حضرتك.
هشام:
واحد مين؟ زوج حالة عندنا؟
السكرتيرة:
لا يا أفندم، أنا سألته وبيقول موضوع شخصي.
شرد هشام قليلاً، وتوقع أن يكون هذا الشخص هو مؤيد. فعيادته خاصة بأمراض النساء والتوليد، ومرضاه دائماً من النساء، وقليلاً ما يصاحبهم أزواجهم. ولم يدور بمخيلته أن يكون هذا الشخص هو سليم الأعصر، إلى أن قاطعت شروده سكرتيرته وتلت عليه اسم الزائر.
هشام:
وما قولتيش من بدري هو مين؟ ليه سايباني كده يا منى محتار؟
منى:
آسفة يا أفندم. اتوترت لما قالي وكيل نيابة وعاوز حضرتك.
هشام:
لا ماتقلقيش. دخليه بسرعة واعتذري للسيدات على التأخير.
منى:
حاضر يا دكتور.
خرجت منى وأشارت لسليم بيدها للدخول، وهي تقول:
اتفضل أستاذ سليم. الدكتور في انتظار حضرتك.
قام هشام ورحب بسليم وصافحه.
سليم:
آسف على الزيارة بدون استئذان، لكن مش هاخد من وقت حضرتك كتير.
هشام:
لا أبداً براحتك. كفاية وقفتك مع بنتي.
سليم:
أنا هدخل في الموضوع على طول. أنا يشرفني إني أتقدم لحضرتك وأطلب إيد الآنسة شادن.
هشام بذهول:
حضرتك عاوز تتجوز بنتي؟
سليم:
هي مرتبطة أو حاجة؟
هشام:
لا أبداً، بس أعتقد إن الموضوع ده مكانه البيت.
سليم:
أنا حبيت أعرض الأمر على حضرتك وتشوف رأي الآنسة شادن. ولو في قبول نزوركم أنا وعيلتي.
هشام:
عموماً، الأمر كله يرجع لشادن. هابلعها وأعرف رأيها وأبلغ حضرتك.
لم يجد سليم ما يقوله غير أن يترك الكارت الشخصي المدون عليه رقم تليفونه ويستأذن للانصراف. قبله منه هشام وصافحه، وقام بمصاحبته إلى باب غرفة المكتب.
عاد هشام لممارسة عمله، ولم يذهل من طلب سليم أو مؤيد، فهو اعتاد أن يتقدم لخطبة ابنته الكثير والكثير من الشباب، ودائماً ما كانت ترفض.
أما بمكان آخر، ومنزل آخر، وهو منزل عائلة رسلان، نجد مؤيد بعد ما أتته مكالمة بدلت حاله. وظل يشعل السيجارة تلو الأخرى وهو يقرع الغرفة ذهاباً وإياباً، حتى اقتحمت خلوته والدته، السيدة الهادئة الحنونة، الصديقة الرائعة لأبنائها، بملامحها المريحة للأعصاب وصوتها الدافئ الملئ بالاحتواء. وبالرغم من أنها المستشارة سهام العشري التي يهابها أعتى الرجال بعملها، إلا أنها داخل منزلها هي جنة الله على الأرض لزوجها وأبنائها.
سهام:
حبيبي ماله عصبي كده ليه؟ وريحة أوضتك كلها دخان ليه يا قلب ماما؟
مؤيد:
معلش يا أمي، أنا آسف إن كان الدخان ضايقك.
سهام وهي تربت على كتفه:
لا يا قلبي ما ضايقنيش، لكن اللي مضايقني إنك بتقضي على صحتك كده. وعاوزة أعرف إيه السبب اللي ممكن يعصبك بالشكل ده؟ ولا هتخبى على سمسم حبيبتك وصاحبتك؟
مؤيد وهو يمسك بيدها ليجلسها أمامه:
ما أقدرش أخبي عليكي يا سمسمة. إنتي الوحيدة اللي بتقدري تخرجيني من مود لمود تاني خالص بحنيتك دي.
سهام:
طيب يلا فضفض واحكي لي إيه اللي شاغل بالك.
مؤيد:
أنا عجبت ببنت جداً وروحت قابلت أهلها وطلبت إيدها منهم.
حزنت سيهام من تسرع ابنها دون الرجوع إليها أو لوالده، ولكنها كبتت حزنها داخلها حتى تعرف منه ما حدث وتهدئ من حالته، ثم تعاتبه على تصرفهما.
مؤيد:
أنا عارف إن حضرتك زعلتي مني، بس أنا قولت أشوف رأيهم وبعدين أبلغكم. بصي يا أمي، أنا عارف إني اتسرعت، لكن كنت خايف حد يسبقني ويطلبها، لأني شكيت في شخص معين.
سهام:
حبيبي كملي الأول اللي حصل، وبعدين نتفاهم إن كنت اتسرعت من عدمه.
مؤيد:
أنا قابلت والدها ووالدتها وحسيت إنهم متقبلين الموضوع، لكن هي رافضاني وشايلة مني أوي.
سهام:
شايلة منك ليه؟ انت كنت تعرفها قبل كده؟
حكى لها مؤيد عن ما حدث بالأيام السابقة وسبب تعرفه على شادن وما قام به نحوها.
سهام:
أنا مش عاوزة ألومك، لكن فعلاً أنت اتسرعت جداً. أنت حتى ما ديتهاش فرصة تهدى وتنسى اللي انت عملته فيها. وبعدين حبيبي، لحد امتى هتسيب غضبك يتحكم فيك؟ ليه تحجزها وتأذي مشاعرها كده، وأنت شايف إنها رقيقة وعلى حق؟
مؤيد:
المشكلة يا أمي مش إنها رفضتني، لأن كنت هحاول معاها مرة واتنين. لكن دلوقتي المشكلة إن الشخص اللي كان سبب في تسرعي راح فعلاً قابل باباها وغالباً اتقدملها.
سهام:
مش هسألك عرفت منين، لأن واضح إنك مراقبهم.
نزل مؤيد بعينيه ناظراً للأرض خجلاً من فعلته بمراقبة أشخاص أبرياء لا إدانة عليهم، واستغلاله لمنصبه لمنافع شخصية.
سهام:
وأنت شايف إن غريمك ممكن يكسب موافقته؟
مؤيد بعصبية:
للأسف، هو ظهر لهم إنه المنقذ اللي خرجها من النيابة. والحقيقة إن لولا المحضر اللي أنا محولها بيه، ما كانش ممكن تخرج.
سهام:
ليه؟ هو مين اللي اتقدملها؟ وكيل النيابة؟
حرك مؤيد رأسه دليلاً على الموافقة.
سهام:
هو حد نعرفهم؟
مؤيد:
اسمه سليم الأعصر.
سهام:
أيوة، أنا أعرفه كويس. ده ابن المستشار كمال الأعصر، ووالدته سيدة مجتمع عندها أكتر من جمعية خيرية اسمها نادية سليمان. بقابل معاهم كتير في نادي القضاة. وأعرف إن عندهم ولد واحد هو سليم.
مؤيد:
أيوه هما يا أمي.
سهام:
ياااه، واضح إن البنت جميلة لدرجة إن تخليكم بدل ما تحققوا معاها تتسارعوا إنكم تتجوزوها.
مؤيد وهو يحرك أصابعه على هاتفه المحمول لتظهر صورة لشادن التقطها وهي داخل غرفة الاحتجاز من شاشة المراقبة، ثم يرفع الهاتف لتشاهد والدته الملاك الباكي، ويتقطع قلبها لحالها، وتلعن بداخلها غباء ولدها وسوء تصرفه.
سهام:
ما شاء الله، جميلة ورقيقة جداً. هانت عليك إزاي دي يا ابني تعمل فيها كده؟
مؤيد:
مش عارف والله يا ماما، بس هي عصبتني واتحدتني.
سهام:
عموماً يا حبيبي، سيبها على ربنا. وإن كان ليك نصيب فيها، هيجعلها ليكم.
مؤيد:
ونعم بالله يا أمي.
هدأ مؤيد قليلاً من حديث والدته، ولكن بداخله خوف كبير، فقد تعلق قلبه بها من النظرة الأولى، ولن يتركها لغيره مهما كلفه الأمر.
تركت سهام ولدها لينال قسطاً من الراحة، وذهبت لغرفتها وزوجها.
الزوج وهو يمثل بالبيت العقل الرزين الواعي، الأب الصارم تارة والحنون تارة أخرى، فهو رجل بالثاني والستون من عمره، ذو ملامح جذابة إلى الآن، وزاده الشعر الأبيض وسامة. تعشقه زوجته، وهو لها الأب والزوج والصديق.
عبد السلام:
خير يا حبيبتي؟ شكلك متضايقة كده ليه؟
سهام وهي تتنهد وتخرج آه من صدرها:
ابنك بيخسر دايماً بعصبيته وتسرعه.
عبد السلام:
حصل حاجة في شغله؟
فتحت سهام وقصت عليه ما حدث من مؤيد وما فعله مع شادن.
عبد السلام:
ده اتجنن! بيستغل مركزه ده. لو حد من رؤساءه عرف هيتأذى في شغله.
سهام:
مش دي المشكلة. المشكلة إنه هيتجنن على البنت وعاوز يخطبها.
عبد السلام:
وطبعاً مش موافقة بيه. وبصراحة، معاها حق وعندها كرامة.
سهام:
مش كده بس، دي كمان اتقدملها سليم الأعصر، وكيل النيابة اللي كان بيحقق معاها وأفرج عنها.
عبد السلام:
تعرفي إني فرحان في ابنك، لأن الموضوع ده هيخليه يحسب لتصرفاته ألف حساب بعد كده.
سهام:
أنا خايفة البنت توافق على سليم. أنت تعرفه يا عبده، اللي كانوا قاعدين معانا على نفس الطاولة يوم فرح ابن المستشار إيهاب مزروعة؟
عبد السلام:
أيوه. أيوه الشاب الطويل الوسيم ده.
سهام:
أيوه هو ده. وبجد الولد ما فيهوش غلطة. طول بعرض، ووسامة، وعيلة ومنصب محترم، غير هدوئه ورزانته.
عبد السلام مداعباً:
إيه يا سيادة المستشارة؟ انتي بتتغزلي في راجل غيري وأنا قاعد كده؟ هههههه.
سهام وهي تلقي برأسها على صدر زوجها وكأنها تلقي بهمومها ليحملها عنها:
أنا عيوني مش بتشوف راجل غيرك يا حبيبي، وده من سن ابني يا سيادة اللواء.
انتهت الليلة على الجميع، كل يفكر بما مر به.
وفي الصباح، وجدت شادن هاتفها المحمول يخرج النغمات معلناً عن وصول رسالة قصيرة. التقطته وقامت بفتح الرسائل لتجدها من رقم مجهول. ولكن ما أدهشها محتوى الرسالة: (ياريت تفكري كويس قبل ماتوافقي على السيد وكيل النيابة. واسف على إزعاجك، وأتمنى تديني فرصة تعرفيني بيها أكتر).
وضعت شادن الهاتف، وأخبرها إحساسها أن المرسل ما هو إلا سيادة الرائد. ولا تعلم لماذا ابتسمت على ما قرأته، ولكن قطع ابتسامتها تذكرها ما احتوته الرسالة عن وكيل النيابة.
خرجت من غرفتها تبحث عن والديها. لتجدهم بغرفة الطعام ينتظروها لتناول الفطور. ولكنها قررت ألا تخبرهم بالرسالة.
شادن:
صباح الخير.
هشام وشاهيناز:
صباح النور.
شاهيناز:
تعالي حبيبتي افطري. عملتلك الكريب اللي بتحبيه.
هشام:
عاملة إيه يا قلبي بابا؟ أعصابك ارتاحت؟
شادن:
الحمد لله يا بابي.
تناولوا وجبة الفطور، وطلب هشام من شادن وشاهيناز أن يتناولوا القهوة بغرفة المعيشة حتى يحدثهم بأمر مهم. توقعت شادن عما يتحدث والدها، أما شاهيناز فلم تكن تعلم، فهو لم يحكي لها عن مقابلته بسليم بعد ما عاد من عمله.
هشام:
شادن يا حبيبتي، فاكرة وكيل النيابة اللي كان بيحقق معاكي؟
شادن:
مش فاكرة أوي يا بابي، أنا وقتها حالتي كانت صعبة ونفسيتي تعبانة.
شاهيناز:
ليه يا هشام بتسأله؟
هشام:
زارني امبارح في العيادة وطلب مني إيد شادن.
شاهيناز:
غريبة، ويتقدم في العيادة ليه؟ ما جاش البيت؟
هشام:
لأنه عاوز يشوف الأول لو في قبول لطلبه، هيتقدم هو وعيلته.
شاهيناز بإعجاب:
واضح إنه بيفهم في الأصول والذوق.
شادن:
هههههه، واضح جداً. أفرج عني في يوم، وتاني يوم يتقدملي. والتاني حجزني في يوم، واليوم اللي بعده برضه يتقدملي.
شاهيناز:
حبيبتي، مش جديد عليكي. إحنا في أي مناسبة أو رحلة بيتقدملك تقريباً كل الشباب اللي بيكونوا موجودين في المكان.
هشام مداعباً لابنته:
بنوتي قمراية والكل عاوز يخطفها مني، وأنا لا يمكن أديها غير للي يصونها ويقدرها.
شاهيناز:
ربنا يخليك ليها لحد ما توصلها لبيت عريسها.
هشام:
ها حبيبتي، هتردي عليا امتى عشان أبلغه رأيك؟
شعرت شادن بداخلها برغبة في التحدي، وقررت أن تتحدى عناد سيادة الرائد وتلقنه درسًا.
شادن:
بابي، خليهم يجوا. أنا يوم ما شفته كان الموقف صعب، ما أقدرش أحدد إذا كان ينفع أوافق أو لأ. وحرام أرفض من غير ما أديله فرصة.
اندهشت شاهيناز من موقف ابنتها، وقلبها لم يطمئن، فهي بالأخير أم وتعلم جيدًا ردود أفعال ابنتها.
هشام:
لو لسه هتاخدي فرصة تتعرفوا على بعض، يبقى بلاش يجيب أهله. وممكن نطلب منه تتقابلوا في النادي وتتكلموا مع بعض في وجودنا.
شاهيناز:
بيتهيأ لي كده أفضل. ويا ريت حبيبتي تدي نفس الفرصة لمؤيد كمان وتاخدي قرارك براحتك.
شادن:
لا يا مامي، أنا آسفة. أنا رافضة مؤيد ده نهائي.
هشام:
خلاص حبيبتي، زي ما تحبي. أنا هبلغ سليم برأيك واتفق معاه على ميعاد.
استأذنت شادن من والديها بعد ما أنهوا النقاش وذهبت لجامعتها. وبعقلها تفكر في هذا المجنون الذي اقتحم حياتها، وتعلم جيدًا أنه كما علم بتقدم سليم لوالدها لطلب الزواج منها، مؤكد سيعلم بمقابلتهم. ثم تعود وتفكر لماذا يهمها أمره وعلمه من عدمه. صراع داخلي دائر بين قلبها وعقلها، ولكن على أي حال سينتهي الصراع، هل بالموافقة على سليم أم سيظل مستمرًا.
رواية احببت طفله ثائره الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء فرج
وصلت شادن إلى الجامعة وتقابلت مع زملائها الذين أقبلوا عليها بالترحاب والاطمئنان على حالها.
عَانَقَتْهَا صديقتها المقربة ماليكا وهي تبكي بشدة، مما أصاب شادن بعدوى البكاء. الجميع حولهم يحاول تهدئتهم.
ماليكا وهي تجذب شادن بعيدًا عن الجميع:
خلاص يا جماعة ما فيش حاجة، إحنا بخير.
شادن بابتسامة رقيقة:
عادي موكا، انتوا عارفينها خوافة زيادة عن اللزوم.
ابتعدت الصديقتان وجلسنا بمفردهما لتبادلا أطراف الحديث.
ماليكا:
طمنيني، عملوا فيكي إيه؟ كنت هموت عليكي.
شادن:
ولا حاجة، حجزوني واتعرضت على النيابة وخرجت منها براءة.
ماليكا:
هو أنا ليه حاسة إن فيكي حاجة ومخبياها عني؟
شادن:
يااااه، حاجات كتير.. بصي يا ستي.
ماليكا:
لا مادام حاجات كتير، تعالي بينا نجيب اتنين نسكافيه من الكافيتريا ونقعد تحكي لي.
ذهبت الاثنتان واشترتا النسكافيه وجلسنا في مكان بعيد عن الأنظار حتى لا يقطع عليهما حديثهما أحد.
زملاؤهم ولكن هيهات، هناك عيون كالصقر ترصد تحركاتهما خطوة بخطوة.
نعم، هي عيون مؤيد الذي ذهب خصيصًا من الصباح الباكر حتى يرى جنيته الصغيرة.
أما الفتاتان فكانتا في دنيا أخرى، وبدأت شادن تحكي لماليكا كل ما مر بها خلال اليومين السابقين بالتفاصيل الدقيقة.
ماليكا:
يعني الظابط الرخم اتقدملك ووكيل النيابة اتقدملك؟
شادن وهي تحرك رأسها ويدها بحركة مسرحية:
أجل يا صديقتي.
ماليكا:
هو بصراحة الظابط كان موقفه بشع وبهدلنا، بس عليه نظرة عيون ماقولكيش فظيعة.. احم احم، من الآخر أمور.
شادن وقد شعرت بالغيرة من حديث صديقتها عنه:
طيب أروح أقوله صاحبتي معجبة بيه؟
ماليكا ضاحكة:
لا مش لدرجة الإعجاب، بس على فكرة بقى أنتِ معجبة بيه.
شادن نافية:
أنا لا طبعًا، ده آخر حد ممكن أعجب بيه.
ماليكا:
طيب وإيه نظام وكيل النيابة؟ شكله إيه وسنه كام وابن مين؟
شادن وهي تضع يدها فوق فم صديقتها لاسكاتها:
اييييه، حيلك حيلك! أنا معرفش عنه أي حاجة لسه، أنا فاكرة شكله طبعًا هو أمور وجان كده يعني، لكن ماعرفش تفاصيل، عشان كده وافقت أقابلهم.
ماليكا وهي تصفق بيدها:
أيوة كده بقى، قولي خبر حلو وهيبقى لينا ضهر في النيابة.
شادن بشرود:
تفتكري.. ولا وقتها هيبقى مطلوب مني أحترم مركزه وأنسى آرائي وفكري؟
ماليكا:
يا شوشو يا حبيبتي، أنتِ عمرك ما هتتغيري، يمكن هو يسيب النيابة على إيدك.
شادن:
أنا بتكلم جد دلوقتي، أنا خايفة.
ماليكا وقد شعرت بقلق صديقتها وتسرعها في القبول:
شادن، أنتِ بتعاندي الظابط بعد رسالة التهديد، لكن أنتِ قلبك ميال ليه.
شادن:
لا طبعًا، أنتِ بتقولي إيه؟
ماليكا:
شوشو، أنا وأنتِ أصحاب من واحنا عمرنا ست سنين وما افترقناش يوم، يعني عارفة اللي بتفكري فيها أكتر منك كمان.
شادن:
أنا هقولك بصراحة، أنا وافقت أقابل سليم عشان أضايق مؤيد، لكن بعدها حسيت بخوف.
ماليكا:
طيب ليه ما تدّيش نفسك فرصة تقعدي مع مؤيد زي ما هتقعدي مع سليم وتشوفي مين الأصلح؟ وأنتِ عاقلة وبتفهمي الناس كويس.
شادن:
أنا حاسة إني في مشكلة، قلبي بيقول لي مؤيد وعقلي رافض عصبيته وعنجهيته، وعقلي بيقول لي سليم وقلبي رافض هدوءه ورزانته.. ما أنتِ عرفاني، أنا مجنونة وبحب الحياة وحاسة إن سليم ده هيطلع منضبط قدام.
ماليكا:
بصراحة الموضوع يحير.. عمومًا، قابلي سليم، يمكن يكون شكله في شغله حاجة وبره طبعه حاجة تانية، وبعدها ناخد القرار.
شادن بقلة حيلة:
تمام.. مش يلا بينا نشوف المحاضرة؟
وقبل أن تقف استعدادًا للذهاب، وجدت من يقترب منها. فتحلت بالشجاعة والقوة ظاهريًا، أما بداخلها فكان قلبها يطرق كطبول الحرب.
شادن:
هي حصلت تيجي ورايا الجامعة؟ ولا جاي تلبسني تهمة عشان رفضتك؟
حاولت ماليكا التدخل وتهدئة الأمر، فهي تعلم أن صديقتها عصبية وتخسر دائمًا بتسرعها. ولكن إشارة شادن لها بالانصراف وتركها معه بمفردها جعلها تصمت وتهم بالاستئذان.
مؤيد:
أنا عايز أتكلم معاكي، وما قدرتش أستنى لما والدك يرد عليا.
شادن:
ههههه، وأنت متخيل إن بابي كان هيرد عليك؟ ولو رد، عارف كان هيقولك إيه؟
مؤيد:
أكيد كان هيرد لأنه ذوق، لكن هيقولي إيه؟ فواضح جدًا إنه كان هيبلغني رفضك، وده اللي جابني ليكي النهاردة، لأن من حقي تسمعيني.
شادن بعناد:
مش عايزة أسمعك، أنت إيه مختل عقليًا؟ أنا مش قادرة أتخيل إن حد يحجز واحدة بريئة، وأنت يوم عايز تتجوزها.
مؤيد:
اتكلمي بأدب، إيه مختل دي؟ أنا لحد دلوقتي مقدر حالتك النفسية.
شادن بعصبية:
أنا محترمة غصب عنك، وإيه حالتي النفسية دي؟ شايفني مجنونة قدامكم؟
مؤيد:
إنتِ ليه مش عايزة تهدّي ونتكلم زي أي اتنين عاقلين؟
شادن:
يا الله، مش عايزة أتكلم معاك يا سيادة الرائد، أنا حرة.
مؤيد:
لا يا شادن، مش حرة. ومن اللحظة اللي شفتك فيها وربنا أنزل حبك في قلبي، وأنتِ على اسمي ومش حرة.
شادن وقد بدأ توترها من كلماته يزداد، وحتى تنهي الصراع الدائر بداخلها، تسرعت مرة أخرى في ردها:
صح، أنت عندك حق. أنا مش حرة، بس مش عشان اتكتبت على اسمك والبلا بلا بلا اللي بتقوله ده، لكن عشان في إنسان تاني طلب الجواز مني وأنا وافقت، وأنت اللي بشرتني بالخبر على فكرة.
كادت الصدمة أن تشل حركة مؤيد، ولكنه استعاد ثباته وهدوءه ونظر لعينيها بقوة، ولكنه ضعف حين رأى فيهما العناد وشعر بتذبذب مشاعرها، وأنها لم تفعل كل هذا إلا انتقامًا منه.
ولا تعلم تلك المتهورة أنه وقع أسيرًا لعيونها ومهووسًا بتمردها.
تركته شادن شارداً في أفكاره وذهبت حيث صديقتها. وحين اختفت عن أنظاره، تركت لدموعها العنان.
ضمتها صديقتها وحاولت التخفيف عنها.
أما مؤيد، فقد استقل سيارته وقادها بأقصى سرعة، لدرجة أنه كاد أن يتصادم أكثر من مرة، حتى وصل لمنزله.
رأته والدته من شباك غرفتها ووقفت في انتظاره عند الباب، منتظرة دخوله. وبمجرد أن طرقت قدميه المنزل.
سيهام:
خير يا حبيبي؟ مالك؟
مؤيد:
سلامتك يا أمي، ما فيش حاجة.
سيهام:
مؤيد، أنا شايفة إني سايق عربيتك وبتركنها، خاف على نفسك يا ابني وبلاش تهور.
مؤيد:
من فضلك يا حبيبتي سيبيني شوية.
سيهام:
مش قبل ما أفهم في إيه.
مؤيد بحزن:
وافقت على سليم الأعصر.
سيهام وهي تضع يدها فوق فمها:
وأنت عرفت منين؟ أنت لسه بتراقبهم؟
مؤيد:
لا يا أمي، أنا روحت أتكلم معاها في الجامعة.
سيهام:
خلاص يا حبيبي، انساها وربنا يكرمك بغيرها.
مؤيد:
أمي، من فضلك سيبيني لوحدي.
لم تجد سيهام ما تقوله في تلك الظروف، فهي تعلم جيدًا أن الحب ليس بأيدينا، وأنه حين نعشق لا نستطيع النسيان بسهولة. فالحب ليس بقرار نستطيع اتخاذه.
انسحبت سيهام وتركته لوحدته، ربما استطاع مداواة جرح قلبه.
وفي مكان آخر، وهو منزل عائلة المستشار الأعصر، اجتمع سليم مع والديه حتى يخبرهم بقراره بالزواج ويعرفهم الخطوة التي اتخذها لمعرفة رأي أهل العروس.
كمال والد سليم:
لكن أنت مش حاسس يا سليم إنها ما تنفعكش؟
سليم:
ليه كده يا بابا؟ حضرتك بتقول كده عشان ما شفتهاش.
كمال:
الشكل مش كل حاجة. أنت وكيل نيابة وكل حركة في حياتك محسوبة عليك، ولازم تتأكد إنها مش هتعرض نفسها لموقف زي ده تاني، وإلا وقتها هيكون إيه قرارك؟ وخطيبتك أو مراتك هي المتهمة حتى لو كان اتهامها باطل أو هي بريئة.
سليم:
أكيد هتكلم معاها وهفهمها إن اللي هي عرضت نفسها ليه غلط.
نادية والدة سليم:
باباك معاه حق يا حبيبي، لازم تتكلم معاها في الموضوع ده، ومش بعد كل اللي وصلتله وسمعتك الطيبة بين زملائك والناس هتكون هي سبب في ضياعها.
سليم:
لا يا أمي، إن شاء الله خير.
وأثناء انشغالهم بحديثهم ومحاولات سليم لإقناعهم بفتاة أحلامه، أتاه اتصال من هشام الجمال ليحادثه بما طلبته شادن. فأخذ الهاتف وذهب بعيدًا عن والديه حتى يستطيع التحدث.
سليم:
سلام عليكم.
هشام:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
سليم:
إزي حضرتك يا دكتور هشام؟ يارب الأخبار تكون خير.
هشام:
أنا بخير الحمد لله. وبالنسبة لشادن، أنا اتكلمت معاها، وهي بتقول إنها مش هتقدر تحكم وتاخد قرار غير بعد ما تقعدوا وتتكلموا مع بعض، وده هيتم في وجودنا طبعًا. فلوس تتفضل في النادي ونقابل، لأن زي ما أنت عارف هي وقت ما قابلتها كانت حالتها النفسية مش مستقرة.
سليم:
أكيد طبعًا، هي معاها حق، وأنا يشرفني مقابلتكم. واستأذنك يكون معايا والدتي تتعرفوا عليها.
هشام:
تنورنا الهانم طبعًا. وشوف أمتى المعاد اللي يناسبكم.
سليم:
النهاردة لو تحب حضرتك.
هشام:
لا معلش، خليها بكرة إن شاء الله، لأن النهاردة عندي عيادة.
سليم:
تمام، بكرة إن شاء الله الساعة 5 بالظبط نتقابل في نادي…
هشام:
إن شاء الله.. مع السلامة.
سليم:
مع السلامة في حفظ الله.
أغلقا الاثنان الاتصال وعاد سليم ليخبر والديه بالموعد، ولكنه استشف رفض والده لشادن، ولذلك فضل وجود والدته حتى يكونا جبهة ضد قرارات والده إذا قرر رفض الزيجة.
وعند شادن، بعد ما عادت من الجامعة، ظلت حبيسة غرفتها لساعات، فهي لأول مرة تشعر بالتيه وعدم الاتزان في اتخاذ القرار، بقلبها يشير بشيء وعقلها بضده.
وما أن عاد والدها ليلاً من العيادة الخاصة به، حتى طلب منها الجلوس بمفرده.
هشام:
حبيبتي، أنتِ عارفة إن بابي بيحبك قد إيه، وإني طول عمري عطيكي حريتك.
شادن:
وأنا يا بابي عمري ما استخدمت حريتي بشكل غلط.
هشام:
عارف حبيبتي.. من فضلك سيبيني أكمل.
شادن:
اتفضله.
هشام:
أنا عارف إنك متضايقة من مؤيد، وأنا بلغته برفضك النهاردة. وكمان بلغت سليم بموافقتك على مقابلته وطلب يجيب والدته معاه.
شادن:
ليه يا بابي؟ هو مش قولنا لسه دي مجرد مقابلة؟
هشام:
هو عارف كده حبيبتي، هو بس حابب إنها تتعرف علينا.
شادن:
ومؤيد كان رده إيه لما حضرتك بلغته بالرفض؟
هشام وقد انتبه لاهتمام ابنته بمؤيد:
عادي، قالي كل شيء نصيب.
شادن بحزن:
ببساطة كده؟
هشام:
أنتِ عايزة إيه.. أو عايزة مين؟
شادن بعد أن انتبهت لما قالت ولما قاله والدها:
هااا؟ لا مش عايزة حاجة، أنا استغربت بس إنه لما كان هنا كان بيتحداني أوي.
هشام:
حبيبتي، أنا وافقت إنك تقابلي سليم عشان تاخدي القرار الصح، ولو إني كنت أفضل تقابلي مؤيد كمان وبعدها تكوني رأي صح.
شادن:
لا يا حبيبي كفاية سليم.
هشام:
عمومًا براحتك.. يلا تصبحي على خير.
شادن:
وحضرتك من أهل الخير.
عادت شادن إلى غرفتها، ولكن لم يغمض لها جفن حتى الصباح، فهي عاتبت نفسها كثيرًا على عنادها، خصوصًا بعد ما رأت نظرة ألم واستشعرت صدق مشاعر مؤيد.
مر الليل بطوله على الجميع، منهم من بات ليله سعيدًا ولكن يؤرقه حديث والده، ومنهم من بات ليله حزين ويفكر كيف سيحظى بمعشوقته، ومنهم من باتت تلعن عنادها.
وفي اليوم التالي، استعدت عائلة الدكتور هشام لملاقاة سليم ووالدته.
ارتدت شادن فستانًا طويلاً من خامة الجبردين بدون أكمام أصفر اللون به وردات كبيرة بألوان زاهية، وجاكيت قصير من خامة الجينز بدون أكمام أيضًا. تناغم لون الفستان وبساطته مع جمالها الطبيعي ولون شعرها الذهبي.
تقابلت العائلتان ما عدا المستشار كمال الأعصر والد سليم. وتصافحا وتولى سليم مهمة تعريف والدته على عائلة الدكتور هشام، الذي تعرفت عليه وتعرف عليها بمجرد رؤية بعضهما، فهي من ضمن حالاته المهمة.
وعند رؤية السيدة نادية لشادن، علمت سر تمسك ابنها بتلك الجميلة صاحبة النظرة الملائكية.
جلس الجميع وتناولوا أطراف الحديث، حتى طلب سليم من هشام الانفراد بشادن، ثم قاما الاثنان وجلسا بالمنضدة المجاورة.
جلست شادن وهي تنظر بالأرض وتفرك كفيها من شدة الحرج.
استشعر سليم حرجها وقرر أن يكسر حاجز الصمت.
سليم:
شادن هشام الجمال.. تعرفي إن اسمك جميل زيك، وإن من أول ما قريته في المحضر وأنا اتشديت ليه.
شادن:
شكراً لذوقك.
سليم:
لا، وأول ما دخلتي قولت طيب هحقق معاها إزاي؟ دي أنا أخاف أقولها كلمة تعيط.
شادن:
هههههه، مش للدرجة دي.
سليم:
لا والله، كنت خايف عليكي جدًا. لكن أعتقد إن اللي حصل حرمك تثوري على أي حاجة مرة تانية.
شادن:
لا طبعًا، أنا ما خوفتش لأني كنت على حق.
سليم:
يعني أنتِ ممكن تعرضي نفسك مرة تانية للحجز والإهانة دي؟
شادن:
أكيد، مادام بدافع عن حق، ربنا معايا.
سليم وقد شعر أن كلام والده على حق، ولكنه لن يضيع فرصة الارتباط بها وليكن ما يكن، وبعد ذلك يستطيع منعها عن أي نشاط.
أما شادن، فبدأ القلق يدب في أوصالها من حديثه، ولكن عنادها أقوى بكثير.
سليم:
تعرفي ياشادن، أنا حاسك زي البسكوتة، خايف عليكي من الكسر.
شادن:
بس أنا مش كده، أنا قوية وليا شخصيتي. هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
سليم:
اتفضلي.
شادن:
هو أنت خرجتني ليه؟
سليم:
خرجتك لأن ما كانش عليكي أي اتهام، والمحضر اللي اتعمل في المديرية كان بيأكد إنكم عملتوا مظاهرة سلمية اعتراضًا على قرارات العميد.
شادن:
ولو المحضر كان بيديني كنت هتخرجني برضه؟
سليم:
قلت لك هخرجك.
شادن:
لو كنت هكذب عليكِ، وكمان لو قولت هحجزك، هكدب برضه، لأنني وقتها كنت هموت في صراع بين قلبي وضميري المهني.
وعند هذه النقطة، كادت شادن أن تحسم قرارها، فهي الآن تأكدت من منهم حبه لها أكبر من أي شيء، ومن آمن بفكرها وكان سببًا في تحريرها.
ولكن كالعادة، تسرع مؤيد يضيع منه الفرصة. فقبل أن تنطق وتعتذر لسليم على رفضها له، أتتها رسالة من هذا الرقم المجهول محتواها:
(أنا عارف إنك لسه بتكوني رأي وشايفك وحاسس بترددك، بلاش تضيعي كل حاجة، وزي ما قولتلك انتي على اسمي من وقت ما شوفتك).
وياليتها لم تقرأ الرسالة، فقد زاد عنادها وتحديها.
سليم:
إيه يا شادن؟ حاجة مهمة؟
شادن:
لا أبدًا، دي صاحبتي.
سليم:
ها، قررتي إيه؟ ولا محتاجة وقت تفكري وتبلغيني بقرارك؟
شادن بعناد:
لا، مش محتاجة وقت. تقدر تحدد معاد مع بابي وتتفضلوا في أي وقت.
هي بعنادها وهو بتهوره، ومازال التحدي بينهم مستمرًا. ولكن هل سيفوز بقلبها أم لا؟
رواية احببت طفله ثائره الفصل السادس 6 - بقلم شيماء فرج
بعد أن قررت شادن الاستمرار في عنادها وإكمال انتقامها من مؤيد، وأعطت لسليم حرية تحديد موعد مع والدها، عادا إلى حيث تجلس عائلاتهم وأبلغهم سليم بما اتفقا عليه.
سليم: "دكتور هشام، ياريت لو حضرتك تحدد يوم نزوركم أنا ووالدي ووالدتي علشان نقرأ الفاتحة ونتفق على ميعاد الخطوبة."
هشام: "البيت بيتكم يا ابني، وتقدروا تتفضلوا في الوقت اللي يناسبكم."
نادية (والدة سليم): "على الخيرة الله، يناسبكم يوم الخميس اللي هو بعد بكرة إن شاء الله."
هشام وشاهيناز: "تمام، هننتظركم إن شاء الله."
استأذن هشام الجمال وأسرته بعد قليل من الوقت وعادوا إلى منزلهم.
أما شادن، فمن بعد ما أتتها الرسالة النصية وأبلغت سليم قرارها، إلى أن عادت إلى منزلها وهي شاردة ولا تنطق حرفًا، مما أثار فضول ودهشة والداها وجعل القلق يدب بنفس والدتها ونقلته بدورها إلى زوجها.
هشام: "شاهي، لازم تتكلمي معاها. أنا فعلًا حاسسها مش مبسوطة."
شاهيناز: "بنتك عنيدة وصعب تقتنع بكلامي أو ترجع في قرارها. بالرغم من أن سليم إنسان مهذب ومحترم، وتقريبًا فيه كل مميزات العريس اللي ما يترفضش، لكن مش شايفاه مناسب لشادن. حاسة إنه راجل أوي."
هشام: "وده من وجهة نظرك عيب؟ ما هو لازم يكون راجل."
شاهيناز: "آسفة، غلطت في التعبير. أقصد يعني عنده وقار وهالة كده… يعني تحسه أكبر من سنه أوي."
هشام (وقد فهم مقصدها): "آها، فهمتك. أنتِ عاوزة تقولي إن شادن باين عليها سنها وإنها أصغر من سنها كمان. مرحة وشقية، عايشة الحياة بطبيعتها. لكن سليم مقيد بمنصبه والشكل العام اللي لازم يكون عليه وكيل النيابة."
شاهيناز (وكأنها وجدت ضالتها): "آيوة، بالظبط كده. هو ده قصدي. حاسة تفكيره ونضجه أكبر منها بكتير، ولو حصل بينهم نصيب هيكون في فجوة كبيرة في الفكر، خصوصًا لو شادن فضلت متمسكة بآرائها."
هشام: "لا يا شاهي، هي لازم تعرف من دلوقتي إن منصب سليم ومركزه الاجتماعي مسئول منها هي كمان، وإن أي غلطة ممكن تسيء له وتأثر على مستقبله الوظيفي."
شاهيناز: "وتفتكر بنتك هيهمها الكلام ده؟"
هشام: "أنا مش مرتاح لموافقتها دي. حاسس إنها مذبذبة."
شاهيناز: "ولا أنا مرتاحة. ربنا يستر."
وعند شادن، كانت تقرع الغرفة ذهابًا وإيابًا ولا تستطيع النوم. كيف وضعت نفسها بهذا الموقف؟ وإلى أين سيصل بها عنادها؟ لقد دق قلبها لمؤيد، وما تفعله الآن ما هو إلا ظلم واستغلال لسليم. منذ متى وهي تحولت لتلك الشخصية غير المستحبة لها؟ جميعها كانت تساؤلات تدور بعقلها. وبعد معاناة كبيرة، قررت الاستسلام للنوم، لعله يكون مهربها الوحيد الآن من حيرتها.
وبمكان آخر وعائلة أخرى، كان النقاش حاد لأقصى درجة بين المستشار كمال الأعصر وزوجته وولده سليم.
فالسيد كمال لم يشعر بالارتياح لهذه الزيجة، بالرغم من أنه لم يقابل مع شادن، ولكنه استطاع جمع بعض المعلومات عن طريق علاقته بعميد كلية التجارة. ولسوء حظ شادن، وربما يكون حسن حظها، هو ذاته العميد الذي اتهمها من قبل بالاعتداء عليه وعلى أمن الجامعة. ولأن سيادة المستشار يحكم بالأدلة، فاعتبر حديث صديقه أكبر دليل على إدانتها. وحين علم من مصادر أخرى أن الرائد المسؤول عن التحقيقات تقدم أيضًا لخطبتها، فتأكدت القرائن أمامه أنه ساعدها على الخروج من دائرة الاتهام عن طريق إعداد محضر لم تجد به النيابة ثغرة لإدانتها.
وبالطبع عرض كل هذه المعلومات أمام زوجته وولده، اللذان حاولا جاهدين الدفاع عن شادن.
نادية: "مش معقول اللي أنت بتقوله ده يا كمال. ما يمكن العميد متحامل عليها. وكمان لو الرائد ده اتقدملها، ليه ما وافقتش بيه ووافقت بسليم؟"
كمال: "أنا ماعرفش أسباب رفضها، كل اللي عرفته بلغتكم بيه. وأنا شخصيًا رافض البنت دي من غير ما أشوفها."
سليم: "بابا، حضرتك أول مرة تتدخل في قراراتي، وده مش أي قرار، دي حياتي واختيار قلبي."
كمال: "مظبوط، اختيار قلبك. أنت قلت المفيد. أنا أول مرة أتدخل لأنك لأول مرة تخذلني وتلغي عقلك اللي طول عمري بثق في قراراته."
نادية: "وأنا قلبي حاسس إنك ظالم البنت دي يا كمال. وأنت عمرك ما ظلمت حد. أنت ياما كانت بتقف معاك قضايا وترفض تحكم بالظلم وتأجل الحكم فيها لحد ما تتأكد."
سليم: "ودي مش أي قضية يا أمي، دي قضية عمري. يمكن أنا ماعرفش شادن غير من يومين، لكن بجد مش قادر أمنع قلبي يحبها. وأنا هثبت لحضرتك براءة شادن."
كمال: "أتمنى إنها تطلع زي ما أنت متوقع وما تكسرش قلبك. أنت ابني الوحيد وما أتمناش حاجة في الدنيا غير سعادتك."
نادية (وهي تربت على يده): "ربنا يخليك لينا وما يحرمناش منك يا كمال."
سليم: "بابا، بعد إذنك، بلاش تصغرني وترفض تحضر معانا المقابلة يوم الخميس."
كمال: "أنا مقدرش أصغرك، وهحضر، لكن بشرط: ما فيش خطوبة غير بعد ما تثبت براءتها قدامي."
لم يجد سليم ردًا غير الموافقة على كلام والده، وسيسعى جاهدًا لجمع المعلومات الدقيقة من داخل الجامعة لمعرفة ما حدث. ولكن بقى شيئًا شغل تفكيره، وهو هل بالفعل تقدم لها هذا الضابط؟ وهل يوجد له منافس على قلبها؟ أم هي وافقت على الارتباط به لمبادلتها له نفس الشعور؟
وبداخل مديرية أمن الإسكندرية، وبالأخص بمكتب الرائد مؤيد رسلان، جلس مؤيد يتابع إحدى القضايا الإرهابية المهمة التي تم تكليفه بها من قبل رؤسائه. ولكن ذهنه المشتت جعله لم يستطع متابعة عمله، وقرر الاتصال على من أذهبت عقله وأرهقت فؤاده. أمسك بهاتفه المحمول، وحين ظهر اسمها بين القوائم، ضغط على زر الاتصال بدون تردد ولا شعور بتأخر الوقت.
وعلى وسادة مجاورة للوسادة النائمة عليها شادن، وجدت هاتفها يهتز، مما أفاقها من نومها. وقامت بالرد دون النظر لهوية المتصل، وكانت قد استغرقت بنومها بعد عناء التفكير.
وبصوت ناعس هادئ يدل على رقة صاحبته: "ألو."
مؤيد: "أنتِ بتردي كده على كل التليفونات؟"
شادن (بدون إدراك): "آها. مين معايا؟"
مؤيد: "لا والله، آها. طيب، من دلوقتي ما ترديش على التليفون وأنتِ نايمة خالص. عاوز أسمع ردك. تخني صوتك مش ألو." وقلد صوتها مثلما ردت عليه.
وإلى هنا، استعادت شادن وعيها وانتفضت جالسة: "مين معايا؟"
مؤيد: "لا والله، كل ده مش عارفة؟"
شادن: "أنت إزاي تكلمني في الوقت ده، وإزاي أصلًا تكلمني؟ وإنت مالك أرد إزاي وما أردش إزاي؟"
مؤيد (مقاطعًا): "إيه؟ بس بس يا ماما، إيه كمية إزاي دي؟ صحيح، هو الوقت اتأخر أوي، لكن مقدرتش مكلمكيش. لكن أنا مالي تردي إزاي؟ لا بقى، ده مالي ومالي كمان. قلت لك قبل كده، أنتِ على اسمي من لحظة ما شفتك، وأنا مقبلش إن حد يسمع صوتك كده."
شادن (متعجبة من جرأته): "ياسلام، ده اللي هو إزاي برده؟ واضح إنك مغيب أو المعلومات ما وصلتكش المرة دي. أنا قراءة فتحتي يوم الخميس. ولو اتصلت بيا تاني، هكون مضطرة أقول لخطايبي يوقفك عند حدك."
مؤيد (بصدمة): "قراءة فتحتك؟ أنتِ وافقتي على سليم؟"
شادن (بعناد): "آيوة."
مؤيد: "ماشي يا شادن، براحتك. بس يكون في علمك، أنتِ بتاعتي أنا، وقراءة الفاتحة دي هتكون على روح خطيبك اللي بتهدديني بيه، إن شاء الله."
ابتسمت شادن من حديثه وأنها استطاعت إغاظته ومضايقته، وأيضًا استمتعت بغيرته. ثم انتبهت أنه أغلق الاتصال، وانتبهت أيضًا على سعادتها، ولامت نفسها عليها، فهي ستكون ملكًا لرجل آخر وليس من حقها التفكير بغيره. فكفاها أنها ظلمته بسبب عنادها، وعليها الآن الحفاظ على حقه في الانفراد بتفكيره.
مر اليومان السابقان لميعاد المقابلة دون أي أحداث، غير أن سليم بدأ يبحث عن دليل لبراءة شادن من اتهامات العميد لها. وعلم مؤيد ببحث سليم في الموضوع عن طريق أحد أصدقائه من الضباط المسؤولين عن تأمين الحرم الجامعي، وهو نفس الشخص الذي أخبره بحقيقة ما حدث وقت المظاهرة السلمية، وأكد له أن العميد هو من دبر لهم المكيدة. وكانت هذه المعلومة لمؤيد كالكنز، فبها سيستطيع زعزعة ثقة شادن بسليم.
وباليوم المحدد لزيارة عائلة الأعصر لعائلة هشام الجمال، استعدت عائلة الجمال على أكمل وجه لاستقبال الضيوف. كما استعدت شادن وارتدت طقمًا رقيقًا عبارة عن بنطلون أسود وبلوزة من اللون الأبيض بها بعض التطريزات البسيطة من اللون الأسود والأحمر على شكل وردات صغيرة، وتركت لشعرها الذهبي الطويل العنان. بدت كالبدر ليلة تمامه. ابتسمت والدتها وضمتها إلى صدرها وقت أن رأتها، ونطقت باسم الله ودعت لابنتها بالسعادة.
شادن: "حبيبتي يا مامي، ربنا يخليكي ليا."
شاهيناز: "ويحفظك يا قلب مامي."
وصل سليم بالموعد المحدد، واستقبلهم هشام الجمال وزوجته ورحبا بهم واصطحبوهم إلى غرفة الاستقبال.
هشام: "أهلاً وسهلاً، شرفتونا."
كمال (بوجه خالٍ من التعابير): "أهلاً بحضرتك، الشرف لينا."
نادية: "والله الشرف لينا يا دكتور، ده حضرتك والمدام من أفضل الناس."
بينما جلس سليم صامتًا يبحث بعينيه عن ملاكه الصغير، ويتمنى أن ينتهي اليوم بخير بعد ما لاحظ تعبيرات وجه والده وطريقة حديثه معهما.
استأذنت شاهيناز من الحضور للقدوم بصحبة ابنتها، وبعد لحظات عادت ومعها شادن بطلتها الملائكية الجميلة التي سحرت سليم منذ رآها، وأعجبت والدته برقيها وذوقها باختيار ثيابها وتنسيقها.
أما المستشار كمال الأعصر، فبالرغم من إعجابه بجمالها، إلا أن اعتقاده أنها مثيرة للشغب جعله أعمى عينه عن المظهر الخارجي لها.
تقدمت شادن ومدت يدها للمصافحة، وبدأت بوالدة سليم حيث أنها تعرفها مسبقًا، وهي بدورها قامت بدور التعريف بين شادن وكمال. ثم مدت يدها لسليم الذي شرد بجمال عينها.
جلست شادن بجوار والداها. ثم بدأ المستشار كمال الأعصر الحوار بطلب شادن للزواج من ابنه سليم.
كمال: "أظن يا دكتور هشام، حضرتك عارف إحنا هنا النهارده ليه."
ابتسم هشام وهز رأسه دليلاً على المعرفة.
كمال: "إحنا طالبين إيد بنتك شادن لابني سليم."
هشام: "حضرتكم ناس محترمة، وسليم نِعم الرجال، ويشرفني طبعًا نسبكم."
كمال: "على الخيرة الله. شوفوا طلباتكم إيه، ومعتقدش إننا هنختلف في حاجة زي دي."
هشام: "أكيد مش هنختلف."
كمال: "بس أنا ليا كلمتين أحب أوضح بيهم كل شيء من البداية."
وإلى هنا، ابتلع سليم لعابه بصعوبة وبرزت عنده تفاحة آدم، وتوترت والدته من حديث زوجها.
أما هشام وزوجته، فاهتما كثيرًا أن يعرفا مقصده. لم تهتم شادن لما يقول كمال، وكانت على أهبة الاستعداد أن تهشم المعبد فوق رؤوس الجميع.
هشام: "اتفضل ياسيادة المستشار، كلنا آذان صاغية."
كمال: "أنا عرفت إن بنتنا شادن كانت عاملة مظاهرة، وده كان سبب معرفة سليم بيها. وطبعًا زي ما حضراتكم عارفين، منصب سليم ابني حساس، وبعد ما إن شاء الله تكون شادن خطيبته أو مراته، مش هينفع تحط نفسها في وضع زي ده وتحطه هو كمان."
انزعج هشام وزوجته من حديث كمال، وربتت شاهيناز بيدها على يد ابنتها بإشارة منها حتى لا تندفع بالحديث والرد، فهي تعلم تسرع ابنتها وعصبيتها.
هشام: "والله ياسيادة المستشار، كلنا كنا زي شادن أيام الجامعة، بنرفض الظلم والاستبداد. ولا حضرتك زمان ما خرجتش مظاهرات ولا مسيرات؟"
كمال: "أنا لا، أطلاقًا. كنت مركز في دراستي وبخاف على سمعة والدي لأنه كان قاضي برده."
نادية (ملطفة للحوار): "يا جماعة، اللي شادن عملته ده حماسة شباب. وفعلاً يا دكتور، كلنا عملنا كده. هو كمال اللي كان منضبط بزيادة شوية."
سليم: "الحقيقة، كل حكايات جدي عن بابا كانت إنه جد جد، حتى جدي نفسه كان بيتضايق من كده."
كمال: "ده الصح، بس هنقول إيه، شباب اليومين دول متهورين زيادة عن اللزوم."
هشام: "بس تعرف ياسيادة المستشار، أنا فخور جدًا بموقف شادن. ولو حضرتك عرفت هي وأصحابها نظموا المظاهرة السلمية ليه، وبأكد على كلمة سلمية، حضرتك هتفتخر بيها."
كمال: "أنا عرفت إنها رافضة قرارات الدكاترة والمعيدين والعميدة."
هشام: "قراراتهم اللي هي إن تقدير الطلبة بيتحدد على شراء المجلدات والكتب بتاعتهم، مش على درجات الامتحان. بمعنى إن الدكتور أو المعيد ينشر كتاب لمادته، ويلصق بآخره استمارة لو الطالب ما اشترىش الكتاب وأرفقها بورقة الإجابة، حتى لو مجاوب الأسئلة كلها إجابة صحيحة، يشيل المادة. تفتكر ياسيادة المستشار ده العدل؟"
كمال: "لا طبعًا مش عدل. يعني مجهود الطالب طول السنة يروح عشان تمن كتاب ممكن ما يكونش معاه تمنه. برافو عليكي يا بنتي، أكيد ليك حق تفتخر بيها."
شعر هشام بالسعادة لأنه استطاع الأخذ بحق ابنته، كلام كمال عن آرائها. أما شادن، فلم يروق لها الحديث، ولن تتخلى عن آرائها سواء التي أثنى عليها سيادة المستشار أو غيرها، وستظل دائمًا وأبدًا الفتاة الثائرة على الظلم.
هدأ سليم ووالدته بعد ثناء والده على فعلة شادن وأصدقائها، ورجع الهدوء للحوار بعد أن احتدم من كمال، وتقبله هشام بالأدب والاحترام.
عاد الحديث عن الخطبة وتم الاتفاق وقراءة الفاتحة. باركت العائلتان لبعضهما وللعروسين.
سليم: "إحنا هنسيب ميعاد الخطوبة مفتوح عشان حجز القاعة."
هشام (وهو ينظر لزوجته وابنته): "أعتقد كده أحسن، وتكون كمان شادن ومامتها جهزوا نفسهم."
نادية: "إن شاء الله تلاقوا حجز قريب."
سليم: "بعد إذن حضرتك، أجي بكرة آخد شادن ونشوف القاعات."
هشام: "لو مناسب لشادن، ما فيش مانع."
شادن: "آيوة، ما فيش عندي محاضرات مهمة بكرة."
سليم: "خلاص، بكرة إن شاء الله همر عندك الساعة عشرة صباحًا نفطر مع بعض ونشوف القاعات."
هشام (بمداعبة): "ماشي يا سليم، ولو إن انت استأذنت تشوفوا القاعات مش على فطار."
سليم (بابتسامة هادئة): "معلش يا دكتور، عديهالي المرة دي."
ضحك الجميع، ولكن كل بداخله غير ما يظهره. فسليم لم يجعل ميعاد الخطبة غير محدد للسبب الذي قاله عن حجز القاعة، فسواء هو أو والده لديهم من العلاقات ما يجعلهم يوفروا الحجز بما حددوا وليس العكس، وإنما أراد تنفيذ رغبة والده بتقديم براءة شادن.
أما شادن، فوافقت على الخروج حتى تخبر سليم أنها لن ترجع عن قراراتها وآرائها ولن تغير من طريقة حياتها من أجل أي إنسان، وستترك له حرية الاختيار بعدها.
انتهت الزيارة، وتنهدت شاهيناز أنها مرت بسلام. ولم تعجب مطلقًا بطريقة المستشار كمال، وزاد شكها عن إتمام هذه الزيجة.
ماذا سيحدث غدًا؟ وهل سيتقبل سليم شادن على حالها ويكمل الزواج؟