تحميل رواية «ابو دراع» PDF
بقلم شهيرة عبد الحميد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
خبط عليا شاب معرفوش في وقت متأخر حوالي الساعة 2 بليل. كنت فكراه جار أو ابن صاحب البيت وجاي يسأل على الإيجار. أول ما فتحت قالي: "مساء الخير، معلش لو بزعج حضرتك في وقت متأخر." "مفيش حاجة ولا يهمك، خير." "أنا جاي أقولك إني معجب بحضرتك جدًا جدًا وأنك من أفضل الشخصيات اللي بتابعهم." استغربت حبتين، أصلي أنا مش شخصية مشهورة ولا حاجة، ومعنديش أي إنجازات غير إني وصلت لآخر جيم في لعبة ماريو. سألته: "مش فاهمة حضرتك.. تقصدني أنا!" "أيوة يا أستاذة سيرين، حضرتك حد موهوب جدًا. أنا فلما عرفت إنك سكنتي في عمارتن...
رواية ابو دراع الفصل الأول 1 - بقلم شهيرة عبد الحميد
خبط عليا شاب معرفوش في وقت متأخر حوالي الساعة 2 بليل.
كنت فكراه جار أو ابن صاحب البيت وجاي يسأل على الإيجار.
أول ما فتحت قالي:
"مساء الخير، معلش لو بزعج حضرتك في وقت متأخر."
"مفيش حاجة ولا يهمك، خير."
"أنا جاي أقولك إني معجب بحضرتك جدًا جدًا وأنك من أفضل الشخصيات اللي بتابعهم."
استغربت حبتين، أصلي أنا مش شخصية مشهورة ولا حاجة، ومعنديش أي إنجازات غير إني وصلت لآخر جيم في لعبة ماريو.
سألته:
"مش فاهمة حضرتك.. تقصدني أنا!"
"أيوة يا أستاذة سيرين، حضرتك حد موهوب جدًا. أنا فلما عرفت إنك سكنتي في عمارتنا مصدقتش نفسي."
"شيرين.. اسمي شيرين."
مد لي إيده بحماس وهو بيقولي:
"اعذريني أنا من فرحتي بس ارتبكت حبتين، أنا اتشرفت جدًا جدًا بوجود حضرتك."
مديت إيدي سلمت عليه وأنا بعامله معاملة المجنون خلاص:
"أشكرك يا أستاذ، بس والله أنا لا مشهورة ولا اسمي سيرين، على أي حال صدفة لذيذة."
وأنا بسلم عليه دراعه اتخلع في إيدي!
ورغم إني ماسكاه وهو منفصل عن جسمه، إلا إنه واقف باصصلي ومبتسم ولا كأن حصل حاجة!
رميت دراعه من إيدي وصرخت وأنا بقول:
"أعوذ بالله إيه ده! إيه ده؟ إزاي يعني؟ أنت عبيط يا جدع أنت؟"
كنت بقول أي كلام من خوفي في الموقف.
ولقيته بص على دراعه في الأرض واتخض هو كمان وقالي:
"معلش والله، لزقته كتير مفيش فايدة."
معرفش جبت ثبات منين وتركيز إني أقفل الباب بسرعة في وشه قبل ما يلاحقني ولا يهجم عليا، وقعدت ورا الباب فضلت أترعش ومش مستوعبة أي حاجة حرفيًا.
يعني إيه شخص يسلم عليا وينسى دراعه في إيدي؟
ومين سيرين دي!
وإزاي أنا جبت قلب أقف أتناقش مع شاب معرفوش الساعة اتنين بليل في عمارة أنا يادوبك لسه ساكنة فيها بطولي.
يومها فضلت صاحية من كتر الخوف، وطبقت ونزلت الشغل.
أنا كده كده نازلة القاهرة تدريب لمدة شهرين، ولقيت شقة بالعافية قريبة من مواصلاتي.
يعني فكرة إني أشوف شقة تاني ممكن تاخد شهرين بحث أصلًا.
قولت أنا لازم أحافظ على نفسي من المكان المريب ده، ومفتحش الباب لأي سبب مهما حصل.
حتى لو العمارة ملبوسة فأنا معنديش حل تاني.
لحد بعد خمس أيام، وأنا طالعة على السلم، شوفته!
رواية ابو دراع الفصل الثاني 2 - بقلم شهيرة عبد الحميد
قولت أنا لازم أحافظ على نفسي من المكان المريب ده، ومفتحش الباب لأي سبب مهما حصل.
حتى لو العمارة ملبوسة فأنا معنديش حل تاني.
لحد بعد خمس أيام، وأنا طالعة على السلم، شوفته!
هو نفس الشخص بنفس الملابس كمان مبدلهاش، كان واقف قصاد شقة، والشقة دي مفتوحة وفيها راجل خمسيني كده بيطلع الزبالة وبيحطها قصاد الباب.
عيني لمحتهم، وعملت نفسي مش شايفة، وكملت طلوع وأنا بقول جوايا "يارب ما حد يشوفني".
ويادوب كنت عديتهم بكام سلمة، ولقيت الراجل الكبير بيناديلي ويقولي:
"احمم.. أستاذة.. انتي الساكنة الجديدة؟"
وقفت لحظات استجمع فيها شجاعتي، لفيت ضهري وقولتله بتوتر:
"آه يا حاج، أي خدمة."
رد وقالي بابتسامة بشوشة:
"الله يحفظك يابنتي، أصل العمارة دي بيسكن فيها أشكال غجر، بس انتي باين عليكي بنت ناس ومتعلمة، ربنا يبارك لأهلك، لو أبوكي فوق قوليله يتعرف عليا أنا وحيد ونفسي ألاقي أي صاحب في العمارة الزفت دي."
اتعاطفت معاه على كلامه، فعلًا شكله بيدل إنه إنسان الوحدة أذته، لدرجة إنه بيدور على أي حد يكلمه حتى لو للحظات يكسر بيها صمت يومه.
كان نفسي أتكلم معاه أكتر، بس نظرات الشاب الواقف مربع أيده على صدره كأنه متضايق من وجودي وترني، وخلاني أختصر الكلام مع الحاج وقولتله:
"ربنا يأنس وحدتك يا حج، عن إذنك بقا عشان الجو متأخر وبيحصل حاجات مش طبيعية في الوقت ده."
وطلعت جريت على السلم.
دخلت شقتي.
وفضل جوايا سؤال: هو الشاب ده مين! وإزاي واقف مع الراجل كده عادي بدون ما يخاف منه ولا يعمل أي حركات نتنة ويخلع رجله.
محبتش أهتم بالموضوع زيادة.
وقلت أنا جاية هنا عشان أركز في دراستي وبس.
وأي حاجة هتثير فضولي لازم أبعد عنها وأرتاح.
الساعة اتنين بليل الباب خبط من تاني!
كده كده ما كنتش نمت، كنت قاعدة على سريري بخلص بحث ضروري.
أول ما سمعت صوت الباب كنت متأكدة إنه هو.
فضلت ثابتة مكاني وأنا بقول جوايا: "بعدين بقا في الجدع ده، مش هينفع يتنططلي في أنصاص الليالي كده، لو الجيران شافوه هتكون سمعة وحشة."
حطيت خماري عليا.
وخدت جردل ميه مليان، وخرجت.
أول ما فتحت قمت رمياه في وش اللي بيرن.
بس للأسف... طلع الراجل المسن هو اللي بيخبط.
أول ما شفته غرقان وبينفض الماية من عليه وهو غضبان وبيقولي:
"الله يجازيكي يابنتي، ليه كده، عملتلك إيه.. فين بابا أقوله على أفعالك الطايشة دي."
حاولت أعتذرله أكتر من مرة.
وقولتله أن في أطفال مزعجين بيرنوا الجرس ويهربوا.
ونزل عمو المسن بدون ما أعرف حتى هو كان جاي ليه.
وقفت شوية أتابعه وهو نازل وبعتذرله وأنا في قمة حرجي، ومش عارفة إزاي عملت كده بدون ما أشوف مين على الباب.
رجعت الشقة ولسه بقفل الباب، لقيت رجل حد منعتني إني أقفله!
كأن حد هيدخل ورايا.
كانت جزمة رجالي لونها بني.
فتحت الباب وبصيت لقيته المرادي بيضحك وعلى وشه ابتسامة سمجة وقالي:
"شفتي كنتي عايزة تجيبلي برد إزاي؟ بس ربنا ستر وجت في عم ممدوح وأنا لأ."
كان إنسان بارد أوي.
والطيش يتبرأ منه.
بصيتله باشمئزاز وقولتله:
"هو انت فاكر.."
لف ضهره ومشي قبل ما أتكلم.
بس... بس؟
بس ساب رجله مازالت واقفة قصادي عند الباب!
برئت بعيني، وكنت لسه هصرخ، لقيته رجع وقالي:
"معلش معلش، دايمًا بنساها."
أنا مش فاهمة الشخص ده بجد ولا عفريت.
أو يمكن ساحر وبيعمل حركاته عشان يطفشني!
رجعت مكاني ودماغي مش مهيئة لأي شيء غير إنه عيل مشعوذ أو ساحر، وله غرض من تخويفي ده كله.
قررت أعمل حركة ذكية، يمكن تخلصني منه.
تاني يوم في التدريب اتفقت مع واحدة صحبتي اسمها هدير إنها تيجي تقعد معايا يومين في السكن.
هي كمان قاعدة في سكن خارجي وكانت بتشكيلي من البنات اللي معاها في الغرفة.
وجود هدير هيحميني أكتر ويخليه يعرف إن ليا ناس ويبطل يتعرضلي.
رجعت العمارة أنا وهدير.
واحنا طالعين على السلم عمو المسن خرج على صوت رجلينا وقالي:
"معلش يابنتي لو اتعصبت عليكي امبارح غصب عني الماية كانت تلج."
وبعدين بص لهدير وقالي:
"العسل دي أختك؟"
رديت قولتله:
"آه أختي جاية تقعد معايا عشان عرفت إن في ناس بترخم عليا في العمارة وكده، أصلها محامية وتعرف تتصرف مع الأشكال دي."
كنت بعلي صوتي في الكلام يمكن الشاب يسمعني.
وبعدين طلعنا الشقة وفضلت منتظرة يحصل أي جديد.
بس مفيش فايدة... كأنه لما عرف إن أختي موجودة خاف يتعرضلي.
فات اليوم الأول، والتاني نفس الأمر.
مفيش حد بيخبط بليل ولا بيزعجني.
طلبت من هدير تقعد أسبوع كمان.
ونفس اليوم بيتكرر.
عمو ممدوح كل يوم يقف يرغي معانا على السلم.
ونطلع ننام ونعيد اليوم.
لحد ما في يوم حوالي الساعة أربعة الفجر كده، سمعت صوت حاجة بتكركب قصاد الباب.
كأن حد وقع، وبيكح بصوت عالي.
اتنفزعت من نومي، فكرته رجع.
قمت أبص من العين السحرية، لقيت عم ممدوح واقع في الطرقة قصاد الباب وبيحاول يسند نفسه.
فتحت الباب على طول وساعدته يصلب طوله.
كان شكله متبهدل أوي ومش طبيعي.
كأنه كان بيتخانق مع حد.
حالته كانت وحشة.
خفت أنزله شقته يجراله حاجة.
دخلته عندي، وصحيت هدير تقعد معانا.
شرب شوية عصير وبدأ يهدى.
سألته: "انت إيه وقعك قصاد الشقة كده يا عم ممدوح؟"
رد وقالي بصوت تعبان:
"حكم السن يابنتي، لا بقدر اطلع ولا أنزل."
هدير سألته بعفوية:
"طب انت إيه بيطلعك فوق أصلا، انت مش ساكن تحت؟"
سكت شوية وقالها بحزن:
"مش لاقي حاجة أعملها يابنتي، طول اليوم في الشقة لما بدأت أحس إنها تربة خانقاني، عايز أشم هوا ربنا، بطلع فوق السطوح أشم شوية هوا."
كنت زعلانة جدًا على وحدة الراجل ده.
طول عمري عندي كابوس من الوحدة.
بخاف العمر يجري بيا وألاقي نفسي بين حيطان بطولي.
مليش حد يفتكرني ولا يحن عليا.
ويمكن ده السبب اللي بيخليني طول الوقت أعمل علاقات من الهوا، حتى لو راكبة مواصلة بتعرف فيها على ناس جدد.
بعد شوية وقت نزل عم ممدوح من عندنا لما ارتاح وقدر يسند طوله.
وبعد ما مشي لقيت هدير بتقولي:
"أنا مش مرتاحة للراجل ده، قلبي كده مقبوض منه ومش سلكان."
بصيت لها وقولتلها:
"عم ممدوح؟؟ يابنتي ده راجل رجله والقبر انتي بتقولي إيه!"
لكنها فضلت مصممة على رأيها، وطلبت مني أقطع وياه كلام ومقولوش عن أي معلومة عني زيادة حرص بردو.
مرت الأيام.
وهدير رجعت السكن بتاعها بعد ما اطمنت عليا والشاب اختفى تمامًا.
كنت راجعة العمارة حزينة جدًا بدون وجود هدير معايا، وحاسة إني مخنوقة وهرجع من تاني لوحدي في السكن أكلم نفسي.
لقيت عم ممدوح فاتح باب شقته وحاطط كرسي برا قاعد عليه.
أول ما شافني فرح وحاول يهزر معايا لما شاف وشي حزين ومش على عادتي.
وعرف إن هدير مشيت واني زعلانة عليها.
اقترح عليا أقعد أشرب معاه كوباية.
فكرت شوية في الموضوع ولقيت إن ميجرالوش حاجة لو اتونسنا ببعض.
سبقني عم ممدوح على جوا وهو مبسوط بقبولي لعزمته وبيهلل:
"يا ألف نهار أبيض.. والله البيت هينور يابنتي."
بس قبل ما أدخل، لمحت الشاب خارج من باب أوضة في وش الباب ووقف يشاورلي بعلامة "لأ متدخليش".
أول ما شفت الشاب ده قلبي اتقبض، بس معرفتش أهرب ولا أمشي.
حسيت إني عايزة أعانده عشان أفهم هو عايز مني إيه!
وازاي قاعد في شقة عم ممدوح بدون ما أحس!
ناديّت على عم ممدوح وأنا بشاورله على الأوضة اللي واقف عندها وسألته:
"عم ممدوح هي دي أوضتك؟"
بص ناحية الأوضة وضحك وقالي:
"لا يابنتي، دي أوضة ابني الله يرحمه، كان مالي عليا البيت بشقاوته والمقالب اللي بيعملها فيا، بس ميغلاش على اللي خلقه."
تفتكروا الحكاية خلصت، والشاب ده ابن عم ممدوح فعلًا، ولا له قصة تانية!
رواية ابو دراع الفصل الثالث 3 - بقلم شهيرة عبد الحميد
ناديت على عم ممدوح وأنا بشاورله على الأوضة اللي واقف عندها الشاب وسألته:
"عم ممدوح هي دي أوضتك؟"
بص ناحية الأوضة وضحك وقالي:
"لا يابنتي، دي أوضة ابني الله يرحمه، كان مالي عليا البيت بشقاوته والمقالب اللي بيعملها فيا، بس ميغلاش على اللي اتخلق."
كلامه صدمني وخلاني واقفة زي لوح التلج.
مشاعري متضاربة.
إزاي مات وهو واقف قصادي بيضحك في وشي أهو!
معقول ده مجرد روح!
ومتمسك ببيت والده علشان يونس وحدته؟
حسيت إني مش قادرة أتحمل وجودي في الشقة، وطلعت جريت على فوق وأنا منهارة في العياط.
إحساس غريب أول مرة يجيلي.
مش فاهمة أنا حزينة ولا خايفة.
عم ممدوح فضل ينادي عليا كتير وأنا بهرب من شقته، بس مقدرتش أرد عليه.
تاني يوم روحت التدريب مكان شغلي، وقابلت هدير بعد نهاية اليوم حكيت لها كل اللي حصل.
هدير انفعلت وثارت عليا علشان دخلت بيت عم ممدوح!
حاولت أفهمها كتير إن نظرتها للراجل ده ظلم.
وإن دخولي عنده مفيهوش أي أذى، بل ثواب بحاول أقدمه فترة وجودي لراجل مسن ممكن يفارق الحياة في أي وقت.
لكنها متحملتش وجهة نظري، وقامت وقالت لي:
"طالما مبتسمعيش لحد غير نفسك، فإنتي خسارة فيكي النصيحة، واعملي اللي تعمليه، يِكش تباتي معاه."
وسابتني ومشيت!!
مش فاهمة سبب كرهها الغير مبرر لراجل طيب مقدملهاش لا خير ولا شر.
رجعت العمارة.
ودي تقريبًا المرة الأولى اللي ملاقيش عم ممدوح قاعد على الباب كما المعتاد.
لوهلة قولت من جوايا: أخيرًا مش موجود ومش هيوقفني ويقعد يرغي.
بس بعد ثواني لقيتني بسأل نفسي: هو ليه مش موجود!
يمكن يكون تعبان أو جراله حاجة؟
لقيت نفسي بتراجع وبنزل السلم، وخبطت عليه.
*تكتكتكتك تك تك...*
محدش بيرد!
رنيت الجرس وخبط الباب وبرضه محدش بيرد.
قلبي وقع في رجلي.
قولت أكيد جراله حاجة.
فضلت رايحة جاية في الدور بتاعه قلبي مقبوض.
ومش عارفة أتصرف.
عليه.
كنت زي المجنونة حرفيًا، بنادي عليه وبتمنى لو يطمني حتى بصوته إنه كويس.
معرفش اتهورت ليه.
وبدأت أزق في الباب بكتفي على أساس أكسره.
لحد ما سمعت صوت كحة عم ممدوح.
أيوه أنا عارفاها كويس.
بس الصوت ما كانش جاي من جوه الشقة.
كان نازل من على السلم.
أول ما شافني بزق وبحاول أكسر باب شقته، نزل غضبان ورفع عصايته في وشي وهو بيقول لي:
"بقا دي آخرتها، بتحاولي تسرقي شقتي علشان عرفتي إني لوحدي.. هي دي آخرتها برضه.. "
اتصدمت.
هو فهم إيه!!
قولت له بتوتر:
"عم ممدوح.. أنا.. أنا والله ما كنت بسرقك، ده أنا فكرتك حصلك حاجة جوه، كنت بحاول أنقذك مش أكتر."
قعد يبكي بطريقة قطعت قلبي.
وقالي:
"حتى لو سرقتيني يابنتي، هتلاقي إيه يعني تسرقيه.. أنا على قد حالي.. لو كان ابني موجود دلوقتي ما كنتيش إنتي ولا غيرك اتجرأ عليا.. لله الأمر."
دخل الشقة.
محبتش أسيبه في الحالة دي.
دخلت وراه وأنا بعتذر له.
قال لي إنه زعلان مني لما سيبته وجريت وهو بيعملي الشاي، وإني عشمته وقللت بأصلي ومعملتش اعتبار له لما ناداني.
كان معاه حق.
أنا فعلًا خوفي من الشاب خلاني أتصرف بشكل عشوائي.
ونسيت أعتذر عن ده كمان.
علشان أعوضه قولت له:
"طب إيه رأيك لو أدخل أنا بنفسي أعمل الشاي ونسهر نتكلم في حكاوي زمان."
رجعت له ابتسامته البشوشة من تاني، نورت وشه.
ودخلت المطبخ أحضر الشاي بعد ما وافق.
كان المطبخ منظم جدًا ونضيف.
على عكس ما توقعت إني هدخل ألاقي الدنيا مكركبة وفوق بعضها.
من الواضح أن عم ممدوح متخلاش عن نظافة بيته بعد فراق زوجته وابنه.
أو يمكن بيجيب حد يساعده بمقابل.
خلصت الشاي وخرجت.
ملقتش عم ممدوح!
ناديت عليه.
مش موجود.
خرج لي الشاب من الأوضة مرة تانية لما سمعني لوحدي، وقالي:
"إنتي برضه مصممة؟"
مش فاهمة هو عايز إيه مني.
وليه وجودي مضايقه.
سألته بخوف:
"مصممة على إيه!"
ضحك وقالي:
"تشربي شاي."
حطيت الصينية على الترابيزة، لأن إيدي كانت بتترعش وحاسة إني في خطر.
قولت له:
"لو وجودي مضايقك أنا ممكن أمشي، أنا بس بحاول أعوض باباك."
في اللحظة دي خرج عم ممدوح من الحمام وهو بيقول لي:
"خلصتي بالسرعة دي، باين عليكي ست بيت شاطرة."
حاولت أصطنع الابتسامة علشان ميلاحظش خوفي.
وقعدنا نتكلم شوية.
بس واحنا بنتكلم لقيت فجأة عم ممدوح بيمسك قلبه ومش قادر يتنفس، وبيشاور لي أجيب له العلاج من أوضته.
جريت على الأوضة.
لقيت شريط برشام موجود تحت المخدة.
خدت الشريط ولسه هطلع، لقيت اللي بيمسك رجلي من تحت السرير.
من الخضة مقدرتش أصرخ.
كان هو نفس الشاب.
فلتت نفسي منه.
وبطلت أخاف من وجوده.
شبه اعتدت.
عرفت إنه مجرد شاب طايش.
بيحب يهزر كتير ويعمل مقالب زي ما قال عم ممدوح بالظبط.
خرجت لعم ممدوح.
خد برشامة حطها تحت لسانه.
وبدأ يفوق ويهدأ.
رجعنا تاني كويسين.
وشربت الشاي بتاعي.
بس معرفش ليه بدأت أدوق.
ودماغي تتقل!!
كنت بغيب عن الوعي درجة درجة.
لحد ما الرؤية عندي راحت خالص.
ومدرتش بنفسي.
وبعد شوية حسيت نفسي مخنوقة.
والجو بارد.
وبعافر في الهوا.
فتحت عيني.
لقيت نفسي غرقانة في بحر!؟
انتفضت زي الغريق.
وفتحت عيني لقيت نفسي جوه بانيو كبير وفعلًا الماية كانت مغطية وشي وبغرق، مش مجرد شعور وهمي أو هلوسة.
كنت في حمام غريب.
أنا معرفش بتاع مين.
قمت اترعش وخرجت منه.
وأنا بتلفت حواليا ومش فاهمة حاجة.
خرجت من الحمام لقيت نفسي لسه في شقة عم ممدوح.
كان منظري وحش وهدومي مبلولة عليا.
الشقة كانت فاضية.
فتحت باب الشقة وطلعت لشقتي على طول.
كنت زي الفار المبلول اللي بيحاول يستخبى.
لما بدلت هدومي ونشفت نفسي وهديت في شقتي.
بدأت أدخل في نوبة عياط غريبة.
أنا فعلًا مش فاهمة حاجة.
أنا إزاي غبت عن الوعي؟
إزاي لقيت نفسي بغرق في بانيو والشقة فاضية.
ومع كل اللي بيجرالي ده، لساني بيتشل ومقدرش أصرخ.
باب الشقة عندي فجأة فضل يخبط بشدة.
ارتجفت أكتر.
كنت هقوم أفتح.
لكن اترددت.
قلبي مخطوف ومحتار.
اتكلفت بالبطانية لحد وشي وعملت نفسي مش سامعة الخبط وقررت أنام.
ما كنتش أعرف إن باب أوضتي هيتفتح عليا وهلاقيه قصادي!
دخل إزاي!!
كان نفس الشاب أو روح ابن عم ممدوح اللي معرفش اسمه حتى.
لقيته بيسحب من عليا الغطا واحدة واحدة.
وأنا كأني بعيش كابوس في الواقع جسمي بيتنفض ورافضة أصدق.
لحد ما سمعته بيقول لي:
"قومي يا شيرين.. متخافيش.. والله أنا ما بأذيكي.. بس أوعي تفتحي الباب المرادي، ولازم بكرة تمشي من هنا ضروري.. ممدوح مش هيسيبك."
كلامه شبه طمني.
فتحت عيني كان قاعد على طرف سريري.
اعتدلت وسألته بخوف:
"إنت مين.. وليه بتخوفني طول الوقت."
بص في الأرض وابتسامته على وشه وقالي:
"أنا حد شبهك أوي، في يوم من الأيام كنت ساكن في نفس الشقة دي زيك، وممدوح استغل جدعنتي وتعاطفي معاه، وخلاني مجرد روح مش قادرة تفارق العمارة ولا حد مصدق وجودها."
كلامه كان مليان ألغاز.
صوته كان مألوف مش مخيف.
خبط الباب كان مازال مستمر، فسألته:
"قصدك إن ممدوح دلوقتي بيحاول...!!"
هز راسه وقالي:
"للأسف.. هو حاول بالفعل بس إنتي غبية حبتين عشرة ومش راضية تقتنعي."
"قصدك البانيو!"
ضحك وقالي:
"لا ده أنا اللي حطيتك فيه بصراحة."
اتصدمت، وسألت بقلق:
"إزاي.. يعني إنت كمان عايز تقتلني."
نفى كلامي وقالي:
"أنا مر عليا أغبياء كتير بس في غبائك مشوفتش حقيقي.. أنا يابنتي مش نبهتك متشربيش الشاي، وخوفتك أكتر من مرة علشان تسيبي العمارة، أهو وقت ما بعتك تجيبي البرشام كان بيحطلك منوم في كوبايتك، ولما لقيتك فقدتي الوعي، طلع السطوح يجيب العدة بتاعته، أصل عمك ممدوح الغلبان سفاح هاوي وعلى قديمه، ولأني معرفتش أفوقك إزاي، رميتك في البانيو أهو لو غرقتي تبقى موتة ربنا، ولو صحيتي تفلتي بجلدك قبل ما ينزل الجزار من فوق."
الباب بطل خبط.
تقريبًا عم ممدوح فقد الأمل فيا.
خلصت كلامي مع الشاب وكان هيمشي بعد ما أطمن إني عرفت الحقيقة وهاخد بعضي بكرة ومش هرجع تاني العمارة.
بس كان عندي سؤال أخير مقدرتش مقولوش.
وسألته:
"إنت اسمك إيه ؟"
رد وقالي قبل ما يختفي:
"سليمان عز العزيز."
عز العزيز!!
ابن أكبر تاجر عندنا في المحلة.
واللي خد عزا ابنه بعد اختفاءه في القاهرة!!
أنا عرفت دلوقتي ليه سليمان حاول بكل الطرق ينقذني.
أنا بنت بلده اللي هقدر أبلغ أهله بحقيقة اختفاءه.
رواية ابو دراع الفصل الرابع 4 - بقلم شهيرة عبد الحميد
وقالي قبل ما يختفي "سليمان عز العزيز".
عز العزيز!!
ابن اكبر تاجر عندنا في المحلة والـ خد عزا ابنه بعد اختفاءه في القاهرة!!
أنا عرفت دلوقتي ليه سليمان حاول بكل الطرق ينقذني، أنا بنت بلده الـ هقدر ابلغ أهله بحقيقة اختفاءه.
جمعت كل أغراضي من الشقة وقررت أول ما يطلع الصبح عليا ههىرب واطلع على عيلة سليمان بسرعة.
بس الحظ محالفنيش
وانا نازلة بتسحب بشنطة السفر بتاعتي
بالتحديد في دور عم ممدوح
الشنطة شبكت في حاجة وعطلتني
وعلى اثر الصوت سمعني عم ممدوح وبدأ يفتح الباب
اول ما سمعت صوته قلبي كان بيتخلع من مكانه
والشنطة كأنها حالفة ما تتحرك معايا
قررت انفد بجلدي، وسبتها وجريت على السلم
بصرخ بعد ما شافني
شنطتي كان فيها كل الأبحاث والأوراق الـ جيت اخلصها
حتى البطاقة الشخصية وهدومي ومستلزماتي.
استعوضت ربنا فيهم قصاد أني انجى بروحي.
وسافرت المحلة...
اول ما وصلت كنت بجري في الشوارع زي الهربانة
كأن ممدوح لسه بيجري ورايا وسامعة صوته في وداني
شعور غريب رغم أني مش بالجبن ده كله
بس ممدوح شخص فعلًا يتخاف منه ومن ذكائه.
وصلت عند عطارة "عز العزيز"...
وده مش مجرد محل عطارة عادي
ده مكان مكون من تلات ادوار يشبه القصر الملكي
مشهور في بلدنا جدًا كأكبر تاجر عطارة وموزع معتمد بالمحلة كلها.
اول ما وصلت سألت على المعلم رشوان
وده الابن الوحيد والوريث لـ عائلة عز العزيز
وطبعاً يبقى أبو سليمان
لما سألت الصبي عنه، بص عليا من فوق لتحت وتقريبًا فهمني غلط وقالي "ريحي نفسك، انتي صغيرة ومش ذوق المعلم، شوفيلك حد تاني"
زعقت في وشه وقولتله "انت بتقول ايه يا حيوان أنت، أنا عايزة المعلم ضروري في موضوع مينفعش يخرج برا".
لما عليت صوتي
ألتفت لينا اكتر من حد شغال في المكان
وعلشان ميحصلش شوشرة
جالي راجل أربعيني كده وقالي "اتفضلي يا آنسة في غرفة المكتب وهنتفاهم".
دخلت وياه المكتب
ودخل ورانا صبي صغير
قاله يجيب لنا اتنين قهوة
لكن أنا كنت شايفة أن مفيش وقت للضيافات دي كلها، وقولتله بتوتر "يا استاذ أنا عايزة اقابل المعلم رشوان بأي شكل، والسر الـ عندي مقدرش أقوله ليك أو لغيرك".
حاول معايا بكل الطرق، واكدلي أني مش هقدر اقابل المعلم بدون تلميح حتى للموضوع الـ جاية علشانه، تقريبًا كان خايف اطلع متسولة وجاية اطلب قرشين منه.
لما طفح بيا الكيل، قولتله تلميح صغير
"أنا جاية بخصوص سر عن ابنه سليمان"
الراجل وقف مكانه بصدمة وقالي "أنتي شيرين ؟!"
وقتها الصدمة كانت ليه
قولتله "عرفت اسمي منين!"
قعد مكانه وقالي بحزن "سليمان.. سليمان كان بيحبك ودايمًا يذكرك، أنا كنت صاحبه المقرب على فكرة رغم فرق السن مابينا، وكل مرة كنتي بتيجي المكان هنا علشان تشتري أو تعدي من قصاده، كان بيقول عنك انك زي النسمة الحلوة الـ بتحلي يومه وبيتفائل بيكي.."
سكت شوية، اتنهد ودموعه بدأت تنزل وكمل "تعرفي إني كتير قولتله ياخد الخطوة ويتقدملك، بس.. بس هو كان خجول، اكمن في ايدك دبلة طول الوقت ومخطوبة".
بصيت لدبلة ماما الله يرحمها الـ في أيدي
وابتسمت بمرارة
معقول القدر جمعني بنفس المكان الـ مات فيه سليمان علشان اكتشف حبه ليا بعد ما فارق الدنيا!؟
بصيت لصاحبه ده وقولتله "سبحانك يارب، في حاجات كده مبنعرفش قيمتها إلا لما تضيع.. تعرف إني عمري ما شوفته وهو حي، ولا لمحته رغم أني جيت هنا كتير؟".
هز راسه وقالي "مهو كان بيقول عليكي محترمة علشان كده، لأن عينك مبتتلفتش بسهولة"
معرفش ليه قلبي وقتها كان بيدق بشدة
وحاسة بوجود روحه حوالي
بل بتمنى يظهر زي ما كنت بشوفه فجأة
طلبت منه يدخلني للمعلم رشوان علشان اقدر أفصح بالسر الـ قرب ينفجر جوايا ويخرج على هيئة صريخ من شدة الحزن.
خدني وطلعنا اخر دور
وسبقني الاول على مكتب المعلم
وبعد شوية خرج وشاورلي أدخل.
دخلت وشوفته لأول مرة
سبحان الله المعلم رشوان كأنه كان جايب نسخة منهم
يفرقش بينهم في الملامح غير شوية الشيب والتجاعيد
ملامحه كانت بهتانة وحزينة
وشكله مش زي ما توقعت بخيالي وقولت هلاقي راجل قوي البنية ولابس جلبية وعمة، أو بدلة كلاسيك.
كان لابس ملابس بسيطة اوي
الـ ميعرفوش هيفكره شخص فقير جدًا وعلى قد حاله
مات ابنه حنا ضهره
بدأت كلامي بتعزيته الأول
"البقاء لله في سليمان ابن حضرتك"
مردش عليا
كان بيبصلي كأنه بيقولي "قولي الـ عندك أنا معنديش طاقة ولا صحة لأي شيء ".
ماكنتش عايزة اجيب الموضوع خبط لزق
حاولت امهده، وقولتله "معلم رشوان أنا عارفة أن حضرتك متعرفنيش.. انا اسمي شيرين بنت عبد الغفور السمسار، كان عندي تدريب في القاهرة ونزلت شهر هناك في عمارة سكنية، بس يعني حصل هناك حاجات كدهـ"...
قبل ما اكمل كلامي
طلع المعلم فلوس من المكتب ورماها قصادي وهو ساكت
خزي مهو برضو اعتقد إني جاية اشكي أحوالي المالية
مزعلتش من الحركة بقدر اني مقدرة أنه اكيد بيمر بحالات كتير تلجأ له.
وكملت كلامي كأني مشوفتش الفلوس وقولتله "أنا شوفت سليمان في العمارة"
وقتها وش الراجل اتغير
كأن ردة فيه الروح والدم جري في عروقه
شفايفه بدأت تردد "ابني...! ابني...سليمان! عايش؟"
معرفتش اقوله ايه
أو يمكن هو مدانيش فرصة اكمل
وقام سجد في الأرض من الفرحة وقعد يبكي بانهيار
وبقا يحضني ويطبطب عليا وهو بيقولي "قولي.. قولي هو فين.. يلا .. يلا دلوقتي نروح .. طب هو مجاش ليه.. يا سعددد.. يا سعددد"
بدأ ينادي على صاحب سليمان من برا،
دخل سعد ونقله المعلم خبر وجود سليمان بفرحة
والدنيا فجأة اتحولت من حواليا
ازاي بعد كل ده هقدر أقوله ابنك ميت وعايزك تنقذ جسمه!
كنت خايفة الراجل يجراله حاجة من كم الفرحة
وخايفة اديله الخبر يحصله حاجة ويموت
اضطريت اكدب غصب عني
قولتله بقلق "يا معلم اسمعني.. سليمان موجود فعلًا، بس احنا لازم نلحقه، سليمان في أيد واحد سفاح محتجزه.. وهو الـ بعتني هنا ابلغكوا تنقذوه".
المعلم ردد بصدمة "سفاح.. سفاح ازاي! وعمل في ابني إيه، جمع يا سعد الرجالة بسرعة هنسافر القاهرة دلوقتي.. ابني موجود يا سعد".
فجأة سعد جمع كام راجل يشبهوا الجاردات
ولقيت نفسي راكبة عربية جنب سعد والمعلم رشوان
وبنتحرك للقاهرة
والرجالة كلها في عربيات ورانا
حاولت طول الطريق امهد الموضوع واقوله أن إبنه ميتبس لساني رافض ينطقها
طول الطريق رشوان بيتكلم أن قلبه كان حاسس برجوعه
وأنه خد عزاه تمويه لاعدائه مش اكتر علشان محدش يدور وراه ويلاقيه وينتقم منه.
سألت المعلم رشوان وسط الكلام "هو بقاله قد إيه مختفي يا معلم"
رد وقالي "تسع شهور، واسبوع، ويومين"
كان بيحسب غيابه باليوم!
كل ما المعلم كان بيوجهلي كلام إزاي عرفت أن سليمان موجود عند السفاح ده
كنت باخد الكلام في أي زاوية بعيد عن الإجابة
لأني مش قادرة أقوله أن روحه هي الـ انقذتني من شر ممدوح.
وصلنا العمارة
ورجعت المرادي للمكان الـ هربت منه لكن بقلب قوي
وعين جريئة
طلعت معاهم وصلتهم لحد باب الشقة
كسروا باب شقة عم ممدوح
كان عامل نفسه لسه صاحي من النوم ومريض ومش قادر يمشي
لدرجة أن الجاردات بصولي كأنهم بيقولولي "انتي متأكدة أن الراجل المسن ده سفاح!".
المعلم أمرهم يكتفوه في كرسي
وبعد شوية ضرب حلوين على الخفيف علشان ميموتش
قالوله يبلغهم بمكان سليمان
الراجل كانت عينه قوية
ومش هامه أي شيء كأنه كان منتظر نهايته في أي وقت
كنت مرعوبة يقول للمعلم أنه قتله
وفضل يضحك ويقوله "ياااااه سليمان.. انت لسه فاكر يا راجل يا طيب.. ده شاف الويل"
سعد متحملش الكلام على صاحبه
وضربه قلم ظبطله الزوايا وقاله "المرة الجاية مش هيكون قلم، هتبقى رصاصة في نافوخك".
حسيت أن ممدوح بان عليه الخوف في عينه لما شاف تهور سعد ونظرة الانتقام في عيونه
وشاورلهم بصباعه وقالهم "فوق.. فوق السطوح"...
طلعت أنا والمعلم رشوان وسعد وواحد من الجاردات فوق السطوح
ولا مرة خطر على بالي أن ممدوح لما كان بينزل من فوق وبيقول بشم هوا، أنه بيطلع يبص على الجثث بتاعته.
وصلنا السطوح لقينا عشة فيها باب خشبي كبير مقفول بقفل،
الجارد الـ معانا فضل يزق في الباب بكتفه مقدرش يفتحه
قام سعد مطلع سلاحه وكسر القفل
ودخلت انا وسعد أول اتنين
علشان نلاقي منظر ولا في الخيال!!....
رواية ابو دراع الفصل الخامس 5 - بقلم شهيرة عبد الحميد
وصلنا السطوح لقينا عشة فيها باب خشبي كبير مقفول بقفل.
الجارد اللي معانا فضل يزق في الباب بكتفه مقدرش يفتحه.
قام سعد مطلع سلاحه وكسر القفل.
ودخلت أنا وسعد أول اتنين.
علشان نلاقي منظر ولا في الخيال!
أوضة كلها خشب وخردة وكراكيب وزبالة كتير كأنها أوضة متتفتحش من سنين، وريحتها بشعة بشكل لا يوصف.
وعلى الشمال مربع من الخوص يشبه عشش محاوطة الطيور رغم أن مفيش أصوات لوجود أي طير هنا.
الاوضة ريحتها كانت تشبه القبور والنفس فيها يقبض القلب.
لوهلة افتكرنا أن السفاح ده بيضلنا ومفيش حاجة في الأوضة دي.
لحد ما سعد قرب من العشة الصغيرة وقالنا: "اقفوا هنا هبص على حاجة".
نزل سعد بنص جسمه يبص جوا العشة.
وفجأة لقيناه وقع على ضهره وبياخد أنفاسه بالعافية وهو بيتنفض كأنه اتكهرب!
جريت عليه أنا والمعلم رشوان والجارد نسنده ونشوف فيه إيه.
لقينا منظر مستحيل إنسان يتخيله.
جثتين... أيوا جثتين.
جثة متحللة على مرتبة قطن ومطبوعة فيها من شدة العفن.
وجثة سليمان مرمية جنبه.
لكن... لكن جثة سليمان سليمة.
لسه بملامحه وهدومه اللي ظهر لي بيها.
عرفته من الوهلة الأولى.
المعلم رشوان متحملش المنظر ووقع من طوله.
والجارد شاله على كتفه ونزل بيه.
لكن أنا وسعد فضلنا واقفين متسمرين مكاننا.
مش قادرين نقرب ولا قادرين نهرب.
سعد كان باصص لصاحب عمره وهو مقهور ومش قادر يقف على رجله.
وأنا عيني مبعدتش عنه لحظة.
أول مرة أتمعن في شخص كده.
أول مرة أشوف سليمان أبو دم خفيف وبيخوفني في منظر مستحيل يتمحي من ذاكرتي ما حييت.
جثة سليمان كانت غريبة.
نايم ومستسلم جنب الجثة المتحللة.
بس بينزف ولسه في دم بيخرج من رجله ودراعه.
"هو مش المفروض الميت مينزفش؟ خصوصًا لو مات من تسع شهور!"
ده كان السؤال اللي قولته بصوت مسموع لسعد.
وكأن سعد ماكنش شايف حاجة والحزن عمى عينه.
وفجأة بدأ يركز وقالي: "ده صحيح بينزف! سليمان حي؟"
جري عليه وحط راسه عند قلبه.
سمع فيه نبض ضعيف أوي.
شاله سعد على كتفه، ونزلنا نجري بيه على مستشفى.
يمكن يكون له عُمر جديد ونقدر نلحقه زي ما لحقني هو.
في المستشفى دخل سليمان عمليات.
والمعلم رشوان دخل العناية.
كانت لحظات قاسية وصعبة واحنا منتظرين خبر فراق حد فيهم.
لحد ما خرج الدكتور من غرفة عمليات سليمان وقالنا أن حالته بدأت تستقر.
وان الجرح اللي في إيده ورجله كان مفتوح أكتر من مرة كأن كان في شخص بيحاول يعجزه وفقد دم كتير وعلى أثره دخل في غيبوبة مش عارفين ممكن يفوق منها إمتى.
بس الحمد لله.
سليمان مازال حي يرزق.
استأذن سعد من الممرضة، ودخل بلغ المعلم رشوان أن ابنه لسه موجود وعلى أعتاب أنه يفوق من غيبوبته.
ومن الخبر ده تاني يوم المعلم كان واقف على باب أوضة ابنه منتظره بلهفة أب استرد أغلى ما يملك.
كان بيصلي في المستشفى بصوت بكاء وحمد بيخلينا كلنا نبكي معاه.
سعد كان متابع الجاردات أنهم يتحفظوا على عم ممدوح في مخزن خاص بيهم لحين عودتنا.
وأنا كمان رجعت بيتي بلغت بابا بكل شيء مريت بيه.
وانضم لينا في المستشفى من وقت للتاني يطمن على المعلم رشوان وسليمان.
بس واضح أن موضوع سليمان هيطول حبتين.
لأن فات أسبوع ومفيش جديد.
لسه زي ماهو في الغيبوبة ومش حاسس بشيء.
وفي يوم المعلم رشوان تعب شوية.
ضغط عليه سعد أنه يرجعه البيت يرتاح وأنا وهو نقعد ننتظر مع سليمان بداله.
كانت حوالي الساعة عشرة بليل.
بابا قالي خليكي في المستشفى معاهم ولما أخلص شغلي هاجي آخدك وأطمن عليه.
كان سرير سليمان في نص الغرفة وسط الأجهزة.
وأنا قاعدة على يمينه.
وسعد على شماله في مقاعد خاصة للمرافقين.
سألني سعد سؤال حيرني أنا شخصياً: "هو ليه سليمان ظهر لك إنتي بذات بروحه! يعني ليه مقدرش يجي لي أنا مثلًا ويعرفني".
الموضوع بالنسبالي كان فعلًا غريب، معرفش لأن روحه في العمارة مثلًا ولا لسبب تاني.
سكت شوية وقولتله: "يمكن لأنه بيحبني زي ما قولت!"
حسيت ملامح سعد اتغيرت للغضب شوية وقالي: "يعني بيكرهني أنا؟"
سمعنا صوت أنفاس تشبه الضحكة الصامتة وسطنا!
بصينا ناحية سليمان لقينا وشه مبتسم!
ده معناه أنه سمعنا؟ وسمع إني قولت بيحبني!
بدل ما أفرح بخبر رجوعه لقيت نفسي بقول: "ينهار أزرق، ده فاق".
وهنا بسمة سليمان كان ظاهرة أكتر.
وبدأ يفتح عيونه وهو بيبص لسعد وبيقوله: "دي هبلة يا عم بتتكلم معاها ليه".
محدش فينا كان مصدق أن سليمان أخيرًا استرد وعيه.
وبقا قادر يتكلم معانا ويهزر.
محسيتش بفرحة زي دي في قلبي قبل كده.
عمري ما حسيت بمعنى الفقد غير لما قابلته.
بلغنا المعلم رشوان الخبر.
ورجع على المستشفى هو وبابا والدنيا اتملت فرحة وبهجة من جديد.
سليمان كان عنده أسئلة كتير.
كأنه كان عايش في سجن ميعرفش حاجة عن العالم الخارجي.
لما عرف أن بقاله تسع شهور محبوس في أوضة السطوح ماكنش مصدق أنه مازال موجود واتكتب له عمر جديد.
لما قدر يستجمع نفسه أكتر.
قعدنا نسمع قصته.
علشان نعرف هو إزاي وقع في إيد ممدوح، وليه سابه عايش مخلصش عليه من أول يوم.
سليمان بدأ يحكي وقال:
"لما والدي بعتني القاهرة أخلص اتفاقية على بضاعة جديدة ناس رشحتها، كانوا هما اللي حجزوا لي السكن ده كاستضافة عندهم في القاهرة، بس ما كنتش أعرف إني هسكن مع سفاح مجنون بيتلذذ بعذاب اللي قصاده. أنا كنت برجع السكن عادي، واتصاحبت على ابن ممدوح، كان شاب محترم جدًا جدًا صادفته كام مرة وساعدني أعرفني حاجات في المنطقة، بس كان واضح أن بين الشاب ده وأبوه مشاكل كبيرة، لأني كنت بسمعهم كل يوم بليل بيزعقوا قصاد بعض. وفي مرة لقيت 'عصام' ده طالع لي وفي حالة غضب رهيبة، لما سألته حصل إيه قالي أن عم ممدوح مد إيده عليه، وأنه خلاص مش متحمل القرف اللي بشوفه في بيته من يوم ما اتولدت وعايز يمشي ويستقل بنفسه. لما لقيته شاب محترم كده مش راضي عن أخطاء والده قررت أساعده، وقولت له 'خليك معايا هنا في السكن ولما أسافر المحلة هاخدك معايا أشوف لك شغلانة كويسة تبدأ بيها'. بس ما كنتش أعرف أن أبوه بيتصنت علينا.
لما سمع أن ابنه بقا عنده الشخص اللي يعتمد ويتسند عليه، انتقم منه ومني.
رجعت من برا في يوم ملقتش عصام في الشقة، قولت يمكن نزل مشوار كده ولا كده بس مرجعش لآخر الليل.
جه في دماغي أنه اتصالح مع أبوه خلاص، ونزلت علشان أطمن عليه، لقيت عم ممدوح تعبان وفي حالة وحشة.
ساعدته وقعدت أتكلم معاه.
وشربنا الشاي سوا.
وده اللي خلاني أفقد الوعي فجأة.
وصحيت لقيت نفسي نايم في عشة جنب جثة عصام المقتول.
وأيدي ورجلي مش قادر أحركهم ولا أتحكم فيهم.
ودخل عليا عم ممدوح يومها قعد يضحك زي المجنون وقالي 'مش انت وعدته تسنده وتخلي بالك منه، خليك جنبه بقا على طول.. اهو تونسه وتخلي عينك عليه'.
كان إنسان مش طبيعي مينفعش يتقال عليه إنسان عمومًا.
عافرت كتير.
كنت بزحف على ضهري وأقعد أخبط على الباب يمكن حد يسمعني وينجدني.
بس شبه اعتدت الحياة لما يأست.
كنت كل ما بسترد صحتي بيجي ممدوح يكمل عليا من جديد علشان يضمن أنه هيفضل يتحكم فيا ويعذبني أكبر وقت ممكن.
دخلت في حالات إغماء كتير بسبب تحلل جثة عصام جنبي.
وكنت بقوم ألاقي ممدوح سايب لي أكل متعفن جنبي بالأيام.
كنت بغصب على نفسي وبأكل منه.
يمكن يجي الوقت اللي يحس بوجودي شخص.
لحد ما في مرة فوقت على وجع لا يحتمل.
لقيت ممدوح بيقطع في رجلي وقافل بوقي بقماشة علشان ميطلعليش صوت.
عافرت بكل قوتي معاه.
بس ما كانش فيا صحة ولا حيل أقامه.
غبت عن الوعي المرة دي مدة طويلة.
لدرجة إني افتكرت نفسي خلاص مت وأنها كانت آخر نظرة ليا في الدنيا.
ممدوح كان بيزود في التعذيب تقريبًا لما سكنت شيرين، علشان معملش أي صوت وتحس بوجودي، زي ما كان بيعمل مع أي وصول أي ساكن جديد."
انتهى سليمان من كلامه.
والكل مش قادر يستوعب قصته.
معقول في أب يعمل في ابنه كده!
وكل ده علشان خرج عن طوعه ورفض عيشته؟
المعلم رشوان خد سعد وقال لسليمان أنه هيروح يسلم ممدوح للحكومة بإيده بعد ما يشفي غليله فيه.
ومبقاش غيري أنا وبابا اللي نام من تعبه على الكرسي.
فضلت قاعدة ببص لسليمان وأنا مش مصدقة أنه قدر يعيش بعد كل العذاب اللي اتعرض له.
قربت من سريره شوية بعد ما خدت قرار أني لازم أسأله أهم سؤال لسه ملوش معنى: "اشمعنا ظهرت لي أنا!! وإزاي كنت بتخلع إيدك ورجلك، وهل كنت دريان وانت بتعمل ده ولا مش فاكر اللي حصل؟"
بس سليمان كان وراه لغز مش مفهوم بيخفيه ورا ابتسامته وقالي إجابة مختصرة بس عميقة: "عصام كان صاحب جدع".
رواية ابو دراع الفصل السادس 6 - بقلم شهيرة عبد الحميد
بعد خروج سليمان من المستشفى ومرور حوالي خمس شهور.
كنت في بيتنا.
معلش على الصدمة، طلعت في جوازات بتحصل فجأة فعلًا مبيكدبوش.
أنا ذات نفسي حسيت إني دخلت فجأة دوامة، وخرجت منها متجوزة وقاعدة في بيت مع واحد غريب كل تصرفاته مش مفهومة.
منكرش إني كنت مشدودة لسليمان من أول ما عرفت حبه ليا في الخفاء، بس خمس شهور ما كانوش كافيين إني أعرفه كويس ولا أدرس أسلوبه.
فجأة لقيت نفسي متجوزاه، وكل يوم بحضرله فطار.
وموضوع الفطار ده محتاجة أقف عنده حبتين.
لأنه كل يوم بيصمم أحضرله الفطار الضعف.
كأني بفطر اتنين مش واحد!
ولحد النهاردة مفهمتش السبب.
وكل ما أسأله طب أضاعفلك الكمية إيه لازمة الطبقين والمواعين دي كلها، يزعل وياخد الموضوع بنمط إني مش حابة خدمته وإنه مش هيطلب مني حاجة تاني.
لحد نوعًا ما بدأت أتأقلم.
قولت يمكن كان له أسلوب معيشة مختلف في بيت عائلته، ولازم أتأقلم عليها بدون اعتراض.
بعد شهر واحد بس من الجواز.
بدأ يحصل معايا حاجات غريبة.
لاحظت أن سليمان بيكلم نفسه وأنا نايمة!
كنت فاكرة في البداية إنه بيتكلم مع صاحبه في التليفون.
لحد ما صحيت مرة وهو مش واخد باله ولقيته قاعد بيضحك مع نفسه بدون حتى ما يكون بيتفرج على فيلم ولا ماسك تليفون!
تصرفاته بدأت تقلقني.
من هدرجة إني شكيت أن الحادثة أثرت على دماغه.
وتابعت الحالة المرضية بتاعته وتأكدت أنه سليم ومفيهوش أي حاجة.
وفي يوم كنا سهرانين سوا.
واليوم ده بالتحديد أنا كنت مصممة أسهر وياه لحد ما ينام هو قبلي.
يمكن موضوع إني بنام بدري ده هو السبب في إنه يقعد يكلم نفسه.
كنت حاسة سليمان قاعد متكدر، كأنه منتظر ميعاد نومي بأي شكل، بس عملت نفسي عبيطة وفضلت أجيب فيلم في التاني وأشرب في قهوة وقاعدة متربصاله.
لحد ما فجأة لقيت سليمان بدأ يتوتر.
ويتحرك في الصالة رايح جاي بدون سبب.
حسيت أن حالة الجنون بترجعله، بس قصادي.
وسألته: "مالك يا سليمان، عايز حاجة؟"
كان بيشاور بأيده في الهوا كأنه بيقول لحد يمشي، وبيحاول يخفي عليا.
ابتسم في وشي وقالي: "ها.. لا مفيش.. عادي، رجلي وجعتني من القعدة بس علشـ..".
مقدرش يكمل جملته، وزعق فجأة: "ما خلاص بقااااا".
اتصدمت من أفعاله!
إزاي شخص بيتحول في أقل من ثانية كده؟
اتخضيت، وبرقتله وأنا ساكتة تمامًا.
اتحرك وجه يقعد جنبي، وقالي: "أنا آسف.. مبزعقلكيش والله.. بس .. خشي نامي طيب، انتي كده سهرتي كتير".
رفضت أنام، وقولتله: "مش هدخل أنام وأسيبك لوحدك، أنا كل يوم بسمعك بتكلم نفسك يا سليمان، لو عندك مرض ولا حاجة صارحني أنا مراتك بردو ومن حقي أعرف انت عبيط ولا...".
مكملتش كلامي لما حسيت نفسي عكيت ولقيت ملامح وشه اتحولت لصدمة، وهو بيقولي: "عبيط! انتي بتهزري ولا بتتكلمي جد، انتي بجد فكراني مجنون".
مقدرتش أتحمل إني أداري عنه كتير، وحسيت أن كان جوايا كبت خرج فجأة وقولتله: "أيوا يا سليمان، انت إنسان غريب جدا بالنسبالي، من أول الجواز تصرفاتك مش مفهومة.. إحنا خطوبتنا كانت صغيرة جدًا ملحقتش أعرفك فيها، ودلوقتي بخاف منك وحاسة إنك مش طبيعي كده زينا، أصل مفيش حد طبيعي بيصمم يفطر في طبقين ونسيب طبق على جنب، ولا يقعد يسهر ويتكلم مع نفسه.. انت يا سليمان غريب أوي وأنا حاسة إني اتسرعت في جوازي منك.. دانت أسلوبك وانت عفريت كان أرحم مليون مرة، على الأقل كنت بتضحكني".
يمكن دي المرة الأولى اللي اتكلم فيها بقلبي فعلًا.
كنت متوقعة أن سليمان هيزعل مني، لكن لقيته باصص في الأرض وقالي: "معاكي حق.. يمكن تصرفاتي المفروض أوضحها ليكي أكتر من كده، بس أنا والله ما قاصد أخوفك مني.. أنا محطوط في اختبار حاسس إنه تقيل عليا لوحدي".
كلامه كان مليان ألغاز.
كأنه تايه ومش مترابط.
منتهى الأمر أنه لو صارحني هتقبل أي شيء وهقاسمه الوحش قبل الحلو.
لحد ما بدأت الحكاية وقالي وهو بيشاور جنبه كأن حد موجود أنا مش شايفاه: "عصام.. عصام موجود معانا من أول يوم، ويمكن ده سبب تصرفاتي الغلط".
"عصام! يعني إيه عصام موجود؟ هو مش رجعله حقه من أبوه واتدفن خلاص!"
"دي حقيقة، هو فعلاً ارتاح خلاص.. بس في ناس كتير مش مرتاحين، وكل ليلة بيحكيلي عن قصص وناس محتاجين مساعدتنا كأحياء.. منهم مثلًا منال مرات البواب اللي سايحة في دمها دلوقتي وعصام واقف يتطنطلي وراكي لحد ما أتلف أعصابي".
"مرات البواب! وانت عرفت منين يا سليمان؟"
"ما قولتلك، عصام هو اللي بيقولي كل شيء بيحصل حواليا".
معرفش ليه حسيت أن سليمان بيحور عليا.
وبيحاول يداري أفعاله في حاجات مرعبة علشان أسكت.
وعلشان أصدقه، قولتله: "طب طالما في قتيل في العمارة انت قاعد على قلبك مراوح كده ليه، ما تيجي ننزل نتأكد، مش يمكن عصام ده فستك وأي كلام".
في علبة عصير كانت موجودة على الترابيزة، فجأة اتحدفت في وشي!!
عصام تقريبًا عصبي جدًا ومبيحبش حد يجيب سيرته.
اتخضيت، بس اتأكدت من وجوده.
بس حتى لو في عفريت عايش معانا، ده مش دليل أن كل تصرفات سليمان عادية.
وصممت ننزل عند البواب علشان نشوف اللي بيحصل في شقته.
سليمان حاول كتير يمنعني، بس في النهاية وافق ونزلت أنا وهو في الأسانسير.
وصلنا الدور الأرضي ملقناش حاجة.
مفيش حكومة ولا ناس متجمعة ولا أي حاجة تدل أن في جريمة هنا!
بصيت لسليمان بشماتة وقولتله: "أهو طلع بياكل بعقلك حلاوة، لا في جثة ولا جريمة.. اطرد بقا الحيوان ده وخلينا نعيش عاديين".
سليمان كان واقف متنح.
كأنه مصدوم إن صاحبه بياكل بعقله حلاوة ويسرح بيه.
وراح خبط على شقة البواب.
فتح ابن الحارس ولد حوالي خمستاشر سنة كده وهو بيدعك في عينه ونايم على نفسه، وسأل سليمان: "أي خدمة.."
أنا كنت حاسة أن سليمان اتهور، وانقذت الموقف وقولت لابنها: "بقولك ماما موجودة! أصل كنت مبلغاها تعملي نسخة لشريحة الأسانسير وقالتلي أجي آخدها النهاردة".
الولد كان منزعج من وجودنا جدًا، وقالي: "طب لحظة أشوفها".
قفل في وشنا، وبعد دقايق رجع وقالنا: "هي نايمة دلوقتي مفيش حد صاحي، تعالوا الصبح".
الأجواء طبيعية.
ومفيش شيء يثير الشك.
شكرت الولد، ولسه هيقفل الباب قام سليمان زق الباب برجله كأنه بيتهجم على الناس!
اتخضيت من ردة فعله أنا والولد، ودخل وهو بيقوله بغضب أول مرة أشوف سليمان فيه: "فين أوضة أمك!"
الولد من الخوف مقدرش يقف قصاده، وشاورله على أوضة صغيرة جنب المطبخ.
دخل سليمان كأنه ظابط وعنده أمر تفتيش.
فتح نور الأوضة.
كان في ست نايمة في السرير ومتغطية.
كنت خايفة جدًا على سليمان يروح في داهية والناس تبلغ إننا بنتهجم عليهم، حاولت أسحبه من دراعه وأنا بقوله: "يلا يا سليمان مينفعش كده الست نايمة.. امشي بقا أنت مغيب ولا إيه".
ولا كأن سليمان سامعني.
سحب دراعه مني بالقوة.
وقرب من الست رفع الغطا من عليها.
وكانت الصدمة.
الست منال "مدبوحة".
رواية ابو دراع الفصل السابع 7 - بقلم شهيرة عبد الحميد
وكانت الصدمة.
الست منال "مدبوحة"..... المنظر كان بشع.
مقدرتش أتحمله وصرخت بعلو صوتي لدرجة أن سليمان كتم بوقي علشان ملمش الناس علينا.
لقيت عم شعبان البواب خارج من أوضة تانية تقريبًا كان نايم في أوضة عياله، ومن وراه بنته حوالي ١٤ سنة كده بتجري هي كمان وبيسألوا إيه الـ حصل!
عم شعبان أول ما شاف مراته مدبوحة اتجمد مكانه، وبنته جريت عليها وفضلت تصرخ وتقولها "قومي يا ماما.. مين عمل فيكي كده مين"...
كانت أجواء كلها صدمة.
والغريبة أن أبنها كان واقف مبرق بس كأنه بيمثل أو بيبرق من الخوف!!
سليمان اتصل بسرعة على سعد قاله يجيب عربية بسرعة ويجيله، وخلال دقايق سعد كان عندنا.
شال سليمان الست منال وطلعنا على المستشفى أول شيء.
سليمان كان بيتصرف بهدوء غريب ومانع أي حد يتكلم أو يقول حاجة.
مناسبتها في المستشفى ورجعنا، كان معانا عم شعبان البواب بس وعياله فضلوا في البيت "الولد والبنت".
سعد دخل معانا وهو مش فاهم الـ بيحصل.
وجمعنا سليمان في صالة عم شعبان البسيطة وقالهم "امكوا دلوقتي في المستشفى سلمت جثتها عشان يفحصوها، وهناك هيطلعوا تقرير بكل التفاصيل.. لو حد فيكوا له يد في قتلها يقول علشان نلحق نساعد بعضينا".
عم شعبان ضم عياله في حضنه، وقاله "انت بتقول ايه يا استاذ سليمان، عيالي روحهم في أمهم.. وأنا كمان عمري ما اتجرأت أزعلها.. إحنا نراجع الكاميرات ونشوف مين دخل عمل كده.. ثم أنا صحيت من النوم لقيتك لمؤخذة في أوضة مراتي أنت ومراتك، يعني احتمال كبير يكون ليك يد.. مهو أكيد مش بتنجم عشان تعرف أن في كارثة بتحصل في نص الليل".
لوهلة حسيت إننا بنتورط في كارثة وفعلاً معاه حق.
سليمان اتهجم على البيت بطريقة مش طبيعية ودي هتظهر في الكاميرات لو راجعناها.
حاولت أهدي من الموضوع وأنا ببص لسعد يتدخل وقولتله "سليمان ميقصدش يا عم شعبان.. بس إحنا عايزين حق مراتك".
سعد فهم نظرتي، وقاله "بص يا عم شعبان.. مراتك دلوقتي إحنا سلمناها وساعدناك في ده، وأظن مفيش قاتل هيروح بنفسه يساعد الضحية، وأظن أنت مش محتاج أكلمك عن عيلة عز العزيز".
"ولاد عم شعبان كانوا بيعيطوا في حضنه، بس سبحان الله كل ما بصيت للولد حسيت أنه مزيف وتصرفاته فيها جمود عن البنت. شبه متأكدة أن هو الولد القاتل، بس مفيش دليل واضح نقدر نقوله".
عم شعبان لما شاف عياله منهارين وخايفين، طلب منا نسيبهم لحد الصبح ما يطلع وبعدين نتجمع في المستشفى تاني يوم علشان نشوف الإجراءات هتمشي إزاي.
طلعت أنا وسليمان لشقتنا بعد ما استأذن سعد ومشيل لأن الوقت كان متأخر واتحرج يطلع معانا.
سليمان كان ساكت بشكل غريب.
كأنه عايش في عالم لوحده مش سامعني ومش حاسس بوجودي.
كنت خايفة عليه يتدبس في القضية دي لو فرغوا الكاميرات زي ما قال عم شعبان، وخطرت على بالي فكرة فجأة وقولتله "سليمان هو ليه عصام ميقولناش على القاتل والدليل ويريحنا من الحيرة دي، مش هو بردو الـ دبسنا فيها من البداية؟".
رد عليا من بين توهته وقالي "مينفعش.. عصام ميقدرش يقولنا أسرار عن الأحياء.. هو آخره يوصلنا بالـ بيحصل وبس".
فضلت قاعدة جنبه بحاول أشاركه التفكير لحد ما نمت غصب عني على كتفه من التعب.
صحيت بعدها بحوالي ساعتين، لقيت نفسي نايمة على الركنة ومتغطية وسليمان مش جنبي!
قمت أدور عليه، ملقتوش... ناديت في الشقة كلها مش موجود!
قلبي اتقبض وخوفت عليه.
اتصلت بسرعة على رقمه، رد بعد تلات مرات وقالي "انزلي بسرعة لعم شعبان دلوقتي هاتيه هو وعياله المستشفى، منال عايشة"....
ماكنتش مصدقة الخبر من فرحتي.
جريت على بيت البواب بسرعة وأنا بخبط عليهم زي المجنونة حرفيًا كأن واحدة من عيلتي هي الـ فاقت وربنا نجاها بعد ما فقدت الأمل.
فتحولي الباب واستقبلوا الخبر بفرحة.
إلا ابنها... كان مخضوض ومش مصدق وأول حاجة نطق بيها قال "مستحيل.. انتي بتكذبي صح؟".
أكدتلهم الخبر وقولتلهم "تعالوا معايا علشان تتأكدوا بنفسكوا".
اتحركنا كلنا على المستشفى.
هناك استقبلنا سليمان وسعد ودكتور مسؤول عن الحالة.
طمنونا أنها بخير وفي غرفة العناية متركبلها شوية أجهزة.
طلب عم شعبان من الدكتور أنها يدخل ويشوفها، والدكتور قاله ممكن كمان ساعة تقدر تعمل ده.
سليمان نان بيبص في ساعته كتير، وفجأة قال لسعد "طب كده مشواري هيفوتني يا سعد، هروح أنا وخليك مع الجماعة هنا لحد ما ترجعهم البيت".
قبل ما يتحرك جريت وراه وسألته "رايح فين؟".
ابتسم لي وقالي "متخافيش مش هتأخر، ساعة وراجع.. ومتفتحيش أي كلام في الحوار طول ما أنا مش موجود لا مع عم شعبان ولا عياله".
مشي سليمان، ومتبقاش غيري أنا وعم شعبان وسعد وعيال الست منال.
بعد حوالي نص ساعة ظهر من تاني الدكتور المسؤول عن الحالة ونادى على عم شعبان قاله "تقدر تتفضل دلوقتي".
كلنا جرينا علشان ندخل وياه، بس الدكتور منعنا وقال فرد فرد يدخل علشان ميحصلش دوشة ولا عياط.
دخل عم شعبان غاب شوية حوالي عشر دقائق وخرج.
وبعده كان المفروض ابنها يدخل، بس الغريب أنه رفض لما سعد قاله "خش يا رمضان اطمن على امك وقولها كلمتين حلوين هي سمعاك متقلقش".
رفضه كان عجيب! حد يرفض يطمن على أمه؟؟
كنت متأكدة أن الولد ده تسعين في المية هو السبب في قتل أمه، وعلشان سليمان مأكد عليا مفتحتش الموضوع، طلبت أدخل أنا بداله.
يعتبر دي المرة الأولى الـ أدخل فيها غرفة العناية.
حتى لما ماما ماتت رفضوا أدخل أشوفها.
بس كنت مطمنة إلى حد ما أنها عايشة وسمعاني وده شجعني شوية.
لما دخلت الأوضة كانت تقبض القلب رغم نضافتها.
الصمت والهدوء الـ حاصل يخليك عايز تهرب.
وفعلًا مقدرتش أتحمل، وقولت للست منال الـ مش باينة من كتر الأجهزة على وشها وجسمها "سلامتك يا حجة، أنا والله مفروض أقعد جنبك أقرالك قرآن ولا حاجة، بس أنا مرعوبة منك دلوقتي، فهجيلك تاني لما تفوقي بإذن الله...".
وخرجت أجري من الأوضة زي الـ بيجري وراها عفريت، بس أول ما طلعت برا عملت نفسي كويسة وخارجة مبتسمة وبطمن عيالها أنها زي الفل.
بنتها سارة شبطت أنها تدخل هي كمان تطمن عليها زينا، حاولت أقنعها أن أمها بخير وبلاش تشوفها في وقت زي ده علشان متتأثرش نفسيًا، بس سعد قالي خليها تشوف أمها وتطمن عليها بردو.
دخلت سارة وقعدنا كلنا برا منتظرينها.
حسينا أنها اتأخرت شوية عننا أو يمكن أنا الـ حسيت بكده لأني قلقانه عليها يجرالها حاجة لما تشوف أمها في حالة زي دي.
دقايق وكلنا سمعنا صريخ سارة من غرفة امها!!
جرينا كلنا مفزوعين على صوتها.
فتحنا الباب لقينا سليمان ماسك سارة مكتفها من دراعها!!
والبنت بتحاول تفلت منه.
شعبان وابنه أول ما شافوا المنظر ده جريوا على سارة علشان يلحقوها من أيده.
ومحدش فينا فاهم حاجة.
إيه جاب سليمان جوا الأوضة!!
حصل اشتباك بين عم شعبان وابنه وسليمان وسعد.
وأنا في النص بينهم زي التايهة ومش مستوعبة شئ.
لحد ما الدكتور قلع البالطو بتاعه وطلع سلاح من جيبه وهو بيقولهم "مش عايز صوت ودوشة إحنا في مستشفى وحوالينا مرضى...".
وبعدين بص لسليمان وسأله "حصل إيه؟ هي!".
هز سليمان راسه وقاله "هي.. سمعتها وشوفتها بعيني".
عم شعبان كان حاضن بنته وبيقولهم "هي مين.. وانتوا بتتكلموا عن ايه مش فاهم حاجة.. ده اتهجم على بنتي قصاد عينك يا بيه".
سليمان رد وقاله "بنتك الـ في حضنك دي يا شعبان هي الـ دبحىت مراتك.. وكل الـ حصل في الأوضة هنا متسجل صوت وصورة".
سارة فضلت تصرخ وتقوله "ده كذاب.. أنا مستحيل أعمل في ماما كده.. صدقني يا بابا أنا معملتش حاجة".
سليمان كان بيبصلها بنظرات غضب أول مرة أشوفها فيه، كأنه وحش عايز ينقض عليها وينتقم منها، قالها "لسه فيكي حيل تعافري يا شيخة، انتي إزاي شيطان متخفي في ملامح بريئة كده يابت، إزاي أصلًا طفلة زيك يجيلها قلب تعمل الـ عملتيه، دي أمك مهما حصل.. عارفة يعني إيه أمك..".
وبعدين بص لعم شعبان وقاله "بنتك دخلت الأوضة هنا مش علشان تزور امها يا شعبان، بنتك دخلت علشان تشيل الأجهزة عنها وتطمن أنها هتموت لما شكت أنها ممكن تخف وتعترف عليها.. وأنا اتداريت في الأوضة هنا علشان كنت شاكك فيك وفي إبنك، مجاش في دماغي أبدًا أن الخبث كله يطلع من دي".
كان بيشاور على سارة، الـ بدأ أبوها وأخوها يبصولها بشك.
هنا بدأت تخاف، وتقولهم "أنا.. أنا معملتش كده.. انتوا هتصدقوه!! على فكرة أنا كنت بظبط الأجهزة عليها، هو فهمني غلط".
سليمان قالها "طب وفهمتك غلط لما سمعتك بتقوليلها "سامحيني يا ماما انتي لازم تموتي علشان متضيعيش مستقبلي مع هشام ابن الجيران! " كل ده كان غلط يا سارة؟".
عم شعبان ماكنش مصدق، وكأنه أول ما سمع اسم هشام فهم كل حاجة، بص لسارة بحسرة وقالها "موتي امك يا سارة عشان منعتك من هشام؟؟ عشان خافت عليكي ومنعتك من الغلط.. ضحيتي بأمك يا سارة؟ طب إزاي.. إزاي أنتي ممكن تعملي كده".
أعصاب سارة بدأت تنهار وقناع الثبات اتشال من عليها.
وصرخت فيه وقالتله "أيوا مينفعش تعيش.. هي الـ حرمتني من هشام ومن راجل حبيته كان هيرحمني من فقركوا، لكن إزاييييي تسبني أفرح وأعيش أحسن منها؟ لازم تخليني أتجوز بواب زيها علشان أعيش طول عمري متهانة في خدمة البيوت... كان هيجرى إيه لو سابتني أحبه وأتجوزه، كسرتني قصاده وضربتني وطول الوقت شيفاني عيلة صغيرة مش من حقها يكونلها كرامة واختيار.. أنا ماكنتش عايزاها تعيش.. وأيوا فرحت لما شوفتها بتموت، بس أنا مدبحتهاش، والله ما دبحتها.. وهو عارف أني معملتش كده".
كانت بتبص لأخوها رمضان وهي بتتكلم.
كان واقف متوتر وبيعيط وهو بيبص لأمه.
شعبان مسك ابنه من رقبته لما حس أن له يد وقاله "أنت عملت كده في امك؟؟ انطق قولها لأ.. كدبها وهصدقك.. دانت سندنا الوحيد في الدنيا بعد ربنا".
الولد كان بيبكي ودموعه بتنزل بدون ما يتكلم.
كأنه مش قادر ينطق.
وتخلص من قبضة أبوه على رقبته وجري على رجل أمه قعد يبوسها ويقولها "بالله عليكي ارجعي وقومي.. سامحيني أنا مش هعرف أعيش.. دي كانت لحظة شيطان، كان محكوم عليا لو معملتش كده هيقتلوني.. غصب عني.. ابوس رجلك قومي وسامحيني بقا أنا بموت كل دقيقة"..
جريمة غريبة!
كل لحظة فيها بنكتشف مصيبة أكبر.
بنت وولد متسببين في قتل أمهم!!
شعبان كان زي المشلول.
وقع على الكرسي بيتفرج بعينه على انهيار عيلته وبيته.
مش قادر يصدق أنه عاش طول عمره بيربي في تعابين جوا بيته.
كانت الأجواء حوالينا موترة لابعد الحدود خصوصًا بعد ما سارة حاولت تهرب بس لحقها سعد ومسكها من شعرها وكتفها وفضلت قاعدة على الأرض تصرخ وتعيط.
سليمان راح للولد، وقاله "طب وانت كان ايه سببك يا رمضان في دبىح امك؟ منعتك بردو من حاجة بتحبها?".
فضل حاطط راسه في الأرض وقاله "وقعوني غصب عني.. وقعوني وقالولي لو مقتلتش حد من دمك وصورتهولنا فيديو هيفضحوني.. كنت زي الخادم ليهم مش قادر أعصي أوامرهم، قولها تسامحني بالله عليك.. أنا موافق أتعدم بس قولها تسامحني".
الدكتور أبو سلاح، والـ اتضح أنه ظابط وكان متخفي في هيئة طبيب، قال خبر فجعنا كلنا "أمك ماكنتش عايشة أصلا يا رمضان.. أمك ميتة من وقت ما وصلتوها المستشفى، وقررنا نبلغكم أنها عايشة علشان نشوف رد فعل كل فرد فيكوا.. قوم معايا انت واختك على القسم وهناك هنشوف القضاء فيه سماح ولا لأ".
كانت ليلة بشعة ومهلكة بكل تفاصيلها.
رجعنا البيت أنا وسليمان بعد الدفنة.
ولأول مرة أقولها لسليمان "لو بتحبني وباقي على وجودي في حياتك يا سليمان، ابعد عصام عنك ومتخلوش يدخلنا تاني في أي حوارات، إحنا مش قد الـ شوفناه في ليلة واحدة.. ولو هتستمر في حاجة زي دي صدقني أنا مش هقدر أكمل معاك، أنا محتاجة أعيش في هدوء مع جوزي مش في مشاكل وجرايم وجثث".
سليمان أتفهم كلامي وقالي "معاكي حق.. بس في حاجة أخيرة.. لو محصلتش هعيش طول عمري ندمان أني معرفتهاش"....
رواية ابو دراع الفصل الثامن 8 - بقلم شهيرة عبد الحميد
اسمي سليمان رشوان عز العزيز، الوريث الوحيد لعائلة "عز العزيز"، أكبر تجار العطارة في المحلة.
من فترة حصلت لي حادثة شديدة، راح فيها صديقي "عصام"، بس فضل ملازمني شبحه كأنه بيقولي "مش هسيبك يا صاحبي إلا ما أقدم لك أي خدمة زي ما قدمت لي وأنا موجود".
بعد الحادثة اتجوزت البنت اللي كنت بحلم بيها من زمان "شيرين"، أجدع بنت شفتها في حياتي واللي وقفت جنبي وقت أزمتي وكانت بمليون راجل.
حاولت كتير أخبي عنها إن "عصام" موجود معايا طول الوقت وإني بشوفه وبنقعد سوا كل ليلة لما بتنام، وده لأني خايف عليها أو صراحةً قلقت تفتكرني مجنون أو مخاوي.
في البداية كنت سعيد بوجود عصام معايا وحاسس إنه بقى أقرب لي من "سعد" صاحب صبايا.
بس مؤخرًا بدأت أحس إن حياتي مش هتمشي كويس بوجوده، خصوصًا إنه كان بيجيب لي أخبار القتلى والمنتحرين وأي حاجة فيها جريمة لسه طازة.
الموضوع كان حلو في الأول وحاسس نفسي أقدر أساعد ناس كتير وأجيب حقهم، بس مع أول حالة اتدخلت فيها كانت جريمة مرات بواب عمارتنا "عم شعبان"، واللي كنت على وشك أتورط أنا في قتلها، لحد ما ساعدني زميل من الداخلية وعملنا حكاية كده انتوا عارفينها وكشفنا المجرمين الحقيقيين.
من أول حالة حياتي اتحولت لجحيم، وبقى جوايا حزن وشك في كل الناس، وكمان مراتي "شيرين" شافت إن حياتنا بتتخرب واحدة واحدة لو مشينا في الطريق ده.
يمكن الطريق ده له ناسه، مش أنا، ومش زوجتي... طول عمري شخص مسالم، محتاج أعيش في سلام بين أهلي وناسي وحتى الجرنال مقراش منه غير صفحة الكورة وأبعد عن الحوادث والوفيات لأني بتأثر بسهولة.
في الليلة اللي رجعت فيها البيت وخلصت حوار "مرات البواب" كان عصام منتظرني في الشقة، وحس إنه ورطني وربما كان هيوديني في داهية، وقالي "صدقني يا سليمان، أنا بكشف لك الحقيقة علشان نفسي أساعدك مش أضلك، أنا مش هعرف أختفي من حياتك إلا ما أقدم لك معروف تفتكرني بيه".
وجود عصام معايا كان متوقف على إنه يكشف لي حقيقة من حياتي أكون ممنون لكشفها، بس ده محصلش مع حقيقة موت مرات شعبان!
واقترح عليا إنه يقدر يوريني حاجة من الماضي!! حاجة أنا عمري ما فكرت أبحث عنها أو أتكلم فيها لأن النقاش فيها كان مقفول بالنسبة لوالدي.
سيرة بتزعجه، ويمكن لما كبرت قدرت إنها شيء مزعج فعلًا.
شيرين دخلت أوضتها ونامت بعد يوم طويل متعب، وأنا فضلت قاعد مع عصام بفكر هل أقوله ولا بلاش!
أقوله إن والدي طول عمره ميحبش أجيب سيرة عمتي "سنية"، وإنها لما ماتت مأخدش عزائها وأعرف الحقيقة ولا أسيب كل شيء مقفول زي ما هو؟!
عصام قالي يومها جملة غريبة "أنا سامع اللي جواك يا صاحبي، عمتك متظلمتش، سنية اتظلمت.. وسيرتها مش هتفيد".
عرفت وقتها إنه بيسمع تفكيري لأول مرة، وقولت له بصدمة "انت كمان سامع اللي بيدور في عقلي!".
"مش طول الوقت، لما بحسك مش قادر تنطق بلسانك بس.. أنا أكتر حد فاهمك."
حسيت إن عصام هيفضل متعلق جنبي بعد ما خابت فكرة عمتي، وقولت له بإحباط "بس أنا كده يا صاحبي مبقاش عندي حاجة مستخبية عايز أعرفها... كل حاجة في حياتي عادية.. انت شكلك هتفضل عايش معايا أنا وشيرين وهنعمل لك أوضة ضيافة".
لقيت عصام ابتسم بشكل غامض، وشاور لي على أوضة شيرين وقالي "طب أدخل هناك كده، وشوف مين منتظرك!"
مين منتظرني؟؟ يعني مين هيكون منتظرني في غرفة مراتي!
فكرت لحظات، ولسه هسأله فجأة عصام اختفى!!
لأول مرة أشوف منه تصرفات الغموض والعفاريت دي؟ كأنه قرر يعمل شبح بجد عليا ويقلقني.
دخلت وأنا مش فاهم حاجة لغرفة شيرين، لقيتها نايمة وجنبها طفل تلات سنين دماغه مشقوقة نصين وكل عين بتتحرك في اتجاه وبيبص لي ويضحك وهو بيحضن شيرين!!
قلبي وقع في رجلي وما قدرتش أتحمل شيء شيطاني بيمس مراتي ويأذيه.
بس في نفس الوقت مقدرتش أقرب وأمنعه.
مسكت علبة كريم من السراحة وحدفتها عليه جت في دماغ شيرين اللي قامت تصرخ وهي مش فاهمة أنا بضربها ليه!
المشكلة إن الطفل ده اختفى في أقل من ثانية، وشيرين فضلت تبكي فكراني بأذيها واتجننت بصحيح.
معرفتش أقولها إني شوفت شبح جنبها علشان متسيبش البيت وتمشي.
اكتفيت بأني أعتذر وأقعد جنبها لحد ما تنام تاني.
وبالفعل نامت لأنها تعبانة ومش دريانة بالدنيا، وفضلت أنا أدور في الشقة على عصام يفهمني هو ليه خلاني أشوف الشيء ده ومفهمتش لأنه مش موجود.
قرر يمشي في أكتر وقت أنا محتاج فيه أفهم.
وتاني يوم صحيت شيرين بتقولي "تخيل إني حلمت بيك بتضربني بحاجة في دماغي وقعدت أعيط من الهلوسة والتعب؟".
حمدت ربنا إنها مستوعبتش الحقيقة، وعملت نفسي متفاجيء وأنا بقولها "يا شيخة معقول؟ ده أكيد كابوس من التعب.. على فكرة أنا كنت جنبك طول الليل مسبتكش لأني حسيتك تعبانة فعلًا".
حياتي كانت شبه الكابوس حرفيًا.
وجود عصام وتصرفه الأخير خلاني تايه والنوم مبيزوروش عيني، كأن الطفل ده هيخرج لي في أي وقت من أي مكان في الشقة.
يومين إجازة من الشغل، قاعد سرحان وبتخض من أقل صوت جنبي.
بس مقدرتش أسيب نفسي للاكتئاب، وقولت هنزل شغلي من تاني يوم وأبطل تفكير في أي شيء وزي ما تيجي تيجي.
نزلت شغلي في اليوم التالت، ومع أول ساعتين جالي اتصال من شيرين بتصرخ وبتقولي "سليمان.. ألحقني"....
رواية ابو دراع الفصل التاسع 9 - بقلم شهيرة عبد الحميد
نزلت شغلي في اليوم التالت.
ومع أول ساعتين جالي اتصال من شيرين بتصرخ وبتقولي:
"سليمان.. ألحقني"
أول حاجة جت في بالي صورة الطفل المشوه أبو دماغ مقسومة، أنه ظهر لها أو بيأذيها.
حسيت برعب مش طبيعي.
وأجريت من مكاني ومن جوايا بتمنى لو كنت بطير عشان متأخرش عن إنقاذها ثانية.
لو جرالها حاجة هكون السبب، أنا اللي دخلت نفسي في المشاكل دي كلها من بداية ما ساعدت عصام ودخلته حياتي.
وصلت البيت بعد كام دقيقة باخد أنفاسي فيهم بصعوبة ومش حاسس بروحي.
فتحت الباب ودخلت بنادي عليها:
"شيرين.. شيرين انتي فين؟ أنا جيت لك أهو"
مش لاقيها.
لكني سامع صوت عياطها وأنفاسها.
بتتشحتف وبتحاول تناديني ومش قادرة.
مشيت ورا الصوت، لحد ما دخلت البلكونة.
كانت قاعدة في الأرض منكمشة وعيونها حمرا ومخضوضة.
فضلت جنبها بحاول أهديها وأفهم منها حصلها إيه في غيابي.
وبعد شوية بدأت تهدى وقالت لي:
"سعد.. سعد كان هنا، أنا شوفته"
سعد صاحب عمري!
ماكنتش فاهم حاجة، وقولت لها بانفعال:
"وسع إيه جابه وأنا مش موجود؟"
هزت دماغها وهي بتمسح دموعها وقالت لي:
"لا لا مجاش.. أنا كنت في الحمام بحط الهدوم في الغسالة، وحسيت بصوت كركبة برا. بحسب قطة دخلت البيت بالغلط فطلعت أبص، لقيت سعد شايل شنطتين كبار في إيده الاتنين وماشي في الطرقة قصادي من غير ما يبص لي ولا كأنه موجود في بيتي ورايح يفتح آخر أوضة بتاعت الأطفال. ولما اتخضيت من وجوده وقولت له: 'انت بتعمل إيه هنا؟'، لف ضهره وبص لي وهو مبرق وفجأة اختفى خالص زي البخار."
معرفش شيرين بتهلوس وشافت حاجة من إرهاقها معايا امبارح، ولا كانت بتحلم ومش قادرة تفرق بين الواقع والأحلام!
كان عندها تفاصيل كتير بتثبت أنها فعلًا شافت سعد.
وصفت هدومه والخاتم اللي في صباعه وكل شيء.
وعشان أريحها وأخليها تبطل خوف، اتصلت بسعد قولت له يجي لي البيت ضروري، على الأقل لما التلات أطراف يتجمعوا هنقدر نحلل أحسن اللي بيحصل حوالينا.
بعد نص ساعة وصل سعد، وفهمته الموضوع.
أول ما شافتُه شيرين فضلت تعيط وتقول لي:
"لا ماكنش لابس كده.. كان لابس جلابية رمادي وجزمة سودا."
ولما ركزت فيه شوية صرخت فجأة كأنها اكتشفت حاجة جديدة وقالت:
"الخاتم.. الخاتم أهو في إيده يا سليمان."
سعد بص في إيده وقالي:
"ده خاتم أبويا الله يرحمه، مانت عارف يا سليمان.."
للحظة كده دماغي بدأت تستوعب حاجة اتمنيت لو تطلع غلط، وطلبت من سعد يطلع آخر صورة لأبوه على تليفونه.
وكانت الصدمة لما شيرين شافت الصورة وفضلت تترعش وتقول:
"أيوه.. هو ده.. هو ده اللي شوفته والله يا سليمان.. نسخة من سعد وبنفس الهدوم دي."
حطيت إيدي على دماغي ومبقتش فاهم شيء.
إيه دخل أبو سعد دلوقتي في حياتنا؟
وليه ظهر لشيرين؟
كل حاجة بعيدة عن بعضها وملهاش مفهوم ولا رابط بينهم.
كان الحل الوحيد أني آخد شيرين تقعد في بيت أهلها شوية لحد ما الأمور تتضح أكتر وأحفظها بعيد عن أي أذى صاب بيتنا.
رجعتها عند أهلها، ورجعت لوحدي البيت.
بس على حوالي الساعة عشرة لقيت سعد بيتصل بيا وبيقولي أنه جاي ومحتاج يتكلم معايا ضروري.
قولت أقوم أحضر أي لقمة نتعشى بيها سوا.
ودخلت المطبخ أنكش في التلاجة.
ماكنش في غير طبق لحمة لسه مستوتش.
تقريبًا شيرين كانت مطلعاها تفك قبل اللي حصل.
فخدتهم وعلقت عليهم يتسلقوا، وقعدت برا منتظر سعد يجي لي، ومن تعبي غفلت شوية ونمت.
صحيت على جرس الباب، كان سعد وصل.
وداخل على وشه علامات استفهام كتير.
كأنه متوتر.
أو مهموم.
عشان أفك الجو شوية بينا، قولتلُه:
"قبل أي كلام أنا جسمي مكسر وواقع من الجوع، قوم اطفي ع اللحمة وحطلنا ناكل."
قام سعد بهدوء.
دخل المطبخ.
وسمعت صوت غريب من سعد.
كأنه بيصرخ وهو مكتوم أو بيتعذب.
جريت لقيته واقف باصص في الحلة وعينه مبرقة وعمال يترعش ولسانه متلجم.
مبقتش فاهم حاجة.
مليون حاجة بتحصل ملهاش مفهوم.
بقيت بهز فيه وأضربه عشان يفوق من الصدمة ويكلمني، وهو على نفس حاله.
بصيت في الحلة كانت عادية ومفيهاش حاجة تخوف.
شديت سعد برا المطبخ بالعافية ورميت مية على وشه عشان ييفوق وقولت له:
"يابني انطق في إيه لكل ده؟"
كان بيقطع في الكلام، وقال:
"د د د د.... دي مش لحمة.. د د دي كانت نص دماغ عيل.. أنا أنا أنا شوفته.. كان نص وش وبيتحرك يا سليمان بيتحرك."
الطفل تاني!
طب وليه ظهر لسعد المرادي؟
ليه مصمم يخرب عليا كل حياتي؟
قمت أدور عليه في البيت كله بغضب وأنا بناديه يمكن يتجرأ ويظهر لي أنا كمان.
كنت بقوله:
"انت مين.. أظهر وقولي انت مين.. حياتي بتبوظ بسببك.. انت عصام وبتأذيني.. هي دي آخرة المعروف اللي قدمتهولك.. أظهروا وعرفوني انتوا مين بالظبط."
سعد كان بيشدني وبيقولي:
"اقعد.. اقعد عايزك.. أنا أعصابي خلاص مش هتتحمل أكتر من كده."
قعدت وحطيت إيدي على دماغي من كتر التعب.
خلاص أعصابي هلكت من الألغاز.
سعد طبطب على ضهري وقالي:
"أنا جيت لك هنا عشان أبلغك بحاجة قالهالي أبويا وهو في فراش الموت.. بس ماكنتش عارف امتى يجي وقتها.. بس طالما ظهر لمراتك يبقى أكيد ده وقت كشف كل حاجة."
انتبهت لكلامه، وبدأت أستمع له أكتر وأنا باصصله رغم أن حصلت حاجة عجيبة وقتها بس قررت مقطعش كلامه وأسيبه يكمل.
وقالي:
"أبويا وهو بيموت قالي أنه شايل حمل تقيل على قلبه ومش هيقدر يقوله لأجل أخوته مع الحج رشوان.. بس هيجي يوم واكيد السر ده يتعرف لما يكبر سليمان ويفتش في صندوق أبوه اللي تحت السرير.. ولو ده حصل، بلغ سليمان أن باقي اللغز موجود في بيته وفي بيتي القديم بتاع القاهرة."
سألت سعد بانتباه:
"بيتكم انتوا بتاع القاهرة؟ هو انتوا ليكوا بيت هناك؟"
رد سعد وقالي:
"آه.. بس من طفولتي معرفش حاجة عنه ولا سافرت أطل عليه حتى."
في الوقت اللي بيتكلم فيه سعد ده كله، أنا كنت شايف عصام واقف ورا الستارة وبيشاور لي أني مركزش معاه ولا أوضح وجوده.
وعشان كده عملت نفسي مش شايفه، وكملت مع سعد للآخر.
وبعد ما خلص عصام شاور لي على أوضة الأطفال عندي وقالي:
"هنا الخطوة التانية.. روح بيت أبوك وجيب الصندوق الأول."
خدت سعد، ونزلنا رحنا بيت أبويا.
والحمد لله كان في شغله ومش موجود.
دخلت مع سعد أوضة أبويا لأول مرة من وراه زي الحرامية.
وطلعت الصندوق اللي ورا مرة جالي فضول ناحيته.
لأني بعتبره خردة قديمة والحج محتفظ بيها كذكرى.
معرفش أني هلاقي جواها أسرار لأول مرة أعرفها.
الصندوق كان مقفول بقفل صغير، قدرت بحتة حديدة أكسره بسهولة.
وبدأنا نفتش أنا وسعد فيه.
كان الصندوق فيه أوراق وشهادات ميلاد قديمة.
وشوية صور.
من ضمن الأوراق لقيت شهادة ميلاد باسمي "سليمان رشوان عز العزيز"، بس الكارثة أنها كانت بتاريخ يسبقني بعشر سنين!
وصور لأمي وأبويا في عن شبابهم، مع طفل ملامحه مش طبيعية، كأنه حامل لمرض أو متلازمة معينة مخلياه طول الوقت تايه وغير منتبه كأنه لعبة صامتة مشوهة.
ولما ركزت شوية في صورته.
اكتشفت أن ده نفس الطفل المشوه اللي ظهر لي جنب شيرين وهي نايمة!
نفس الملامح والشكل والعُمر.
سعد بدأ يربط معايا الأحداث والخيوط وقالي:
"أكيد الطفل ده أول عيل لأبوك، ولما اتولد مشوه اتخلصوا منه عشان الفضيحة.. لأن لو العيل ده مات موتة طبيعية ماكنش أبوك خفاه عنك ولا دفن سيرته وياه! ولا كان ظهر لك دلوقتي عشان ترد له حقه."
مش فاهم حاجة.
حق إيه!
وهعمل إيه لو اكتشفت أن أبويا مجرم وقتال أخويا الوحيد!
طول عمري بخاف من المجهول.
ومحبش أجري وراه.
لأنه دايما بيظهر لنا أجزاء الشر كلها.
وباب مقفول لو اتفتح هتكون بداية للجحيم.
كنت تايه بين الصور والذكريات والحقايق اللي قررت تظهر كلها دلوقتي، لحد ما سمعت صوت أبويا ومعاه حد من صحابه في الصالون تحت!
أنا وسعد ارتبكنا لانتكشف، ورجعنا الصندوق مكانه بسرعة.
بس خلال ما بنخفي كل آثار وجودنا اتفتحت البلكونة بعنف كأن في عاصفة أو برق ضربها بقوة.
ودخلت علينا هوا شديد بقينا نستخبى في بعض أنا وسعد من شدته.
ومجرد ما هديت العاصفة دي، شوفنا الطفل الصغير ماشي قصادنا ورايح ناحية البلكونة!
كان ماسك كرسي بلاستيك صغير بيسحبه للبلكونة، ودخل وقف عليه وهو بيحاول يوصل للمطر ويلمسه بإيده ويلعب زي أي حد في سنه، بس خانه اتزانه وفجأة وقع قصاد عينينا!
كان المشهد قديم وغريب.
كأنه حاجة من الماضي بتتكرر قصادنا دلوقتي.
جرينا بصينا من البلكونة.
لقينا أبويا وأبو سعد الله يرحمه وأمي حوالين الطفل اللي دماغه اتقسمت نصين ومغرق الأرض دم.
وأبويا بيلوم أمي أنها سابته يطلع فوق عند الأوض لوحده، وعم حامد أبو سعد بيقوله:
"ده قضاء وقدر يا رشوان.. الواد ده كان هيعيش طول عمره بالعار.. لا هو ابنك ولا كان ينفع تسجله باسمك.. الله يسامحها أختك اللي عملت في نفسها كده وهربت مع عيل ضحك عليها وكانت النتيجة طفل ملوش أب.. انت عملت اللي عليك كل السنين اللي فاتوا، وربيته وكتبته على اسمك وطلعته في بيتك من غير ما حد يشم خبر عنه، وأهو راح للخلقة برضو من غير ما حد يعرف بوجوده.. استر الفضيحة وخلينا ندفنه بعيد عن هنا ونقفل الصفحة دي خالص.. أنا عندي بيتي في القاهرة مقفول، هعمله له كأنه تربة خاصة بيه ويتقفل الحوار كله."
يعني الطفل ده مطلعش أخويا!
وطلع مجرد غلطة من عمتي عشان كده أبويا محضرش عزاها ولا سامحها؟
وبرغم بشاعة المنظر وكل الأحداث حواليا.
إلا أني كنت بشكر ربنا أن أبويا مطلعش مجرم زي ما فكرت.
فضلت واقف أنا وسعد في البلكونة بنشوف باقي اللي حصل.
عم حامد جاب شنط وبدأ يحط فيها الطفل عشان يداريه ويسافر يدفنه زي ما قال.
بس بعد ما خلص معرفش إزاي ملاحظش أن في حتة من دماغ الطفل مفصولة منه ومحطوطة وسط الدم مش واضحة.
وبعد ما مشي عم حامد.
أبويا لاحظ الجزء الناقص من دماغ الطفل وخده في جلابيته ودخل البيت.
لسه بلف وشي عشان أنزل أشوف أبويا وداها فين، لقيت عصام في ضهري مبتسم وبيودعني وهو بيقول لي:
"أنا كده وريتك سر عن حياتك ومهمتي خلصت يا صاحبي.. متنساش تدعي لي وتفتكرني."
واختفى!
سعد لاحظ أني وقفت فجأة.
وسحبني من دراعي وهو بيقول لي:
"مش وقته يا سليمان اتحرك بسرعة لازم نعرف أبوك ودا فين الباقي من الواد.. ده سبب ظهوره."
وخرجنا بسرعة من الأوضة.
نزلنا الدور اللي تحت.
بس ملقيناش حاجة!
كل حاجة كانت مطرحها والبيت فاضي علينا زي ما جينا.
عرفت وقتها أن مهمة عصام انتهت.
وإني مش هقدر أشوف حاجة من الماضي تاني.
أنا وسعد فضلنا ساكتين لحظات.
وبعدين افتكرت حاجة مهمة وأنا بقول له:
"انت مش قولتلي أن أبوك بلغك أن باقي اللغز موجود في بيتي وفي بيتكم القديم؟"
"معنى كده أن بيتكم القديم فيه جثة الطفل، والباقي منه في بيتي أنا لما كان لسه طوب أحمر زمان.. أكيد حطوا الحتة دي عندي أنا عشان يخفوها."
سعد أكد على كلامي وقالي:
"مظبوط.. إحنا لازم نلاقي الجزء ده ونرده للطفل عشان يرتاح."
ورجعنا في سرعة البرق شقتي.
ودخلت آخر أوضة شيرين قالت عليها لما شافت عم حامد داخلها.
بدأنا نفتش على مكان ينفع نحفر فيه وميكونش من عوايد العمارة.
وعيني وقعت على مكان في الحيطة يشبه الرف أو المسند كده، من أول ما بدأت تشطيب وأنا مش عارف إيه لازمته بس خوفت أكسره يأثر على حاجة في الحيطان، وقررت أخليه رف بنحط عليه المصحف بتاعنا.
شيلت كل حاجة من عليه.
وبدأنا نكسره أنا وسعد بعزم ما فينا.
لحد ما وقع على الأرض.
وظهر من جواه طرف قماشة بيضا.
أتأكدنا وقتها أن ده الجزء المفقود.
وقولت لسعد ياخدنا القاهرة لبيتهم القديم عشان نرد الحق لصاحبه.
كنا طايرين بالعربية.
وطول الطريق قطعة الأسمنت بالقماشة محطوطة على رجلي.
وبقرأ له قرآن.
وسبحان الله.
من بعد ما كنت مرعوب منه.
بقيت مقهور على الظلم اللي اتعرضله وهو بريء مش داري بحاجة.
وصلنا بعد وقت كبير بسبب أن سعد حافظ العنوان بس توهنا حبتين، وكانت خيبتنا الأكبر لما لقينا البيت مهدود ومش متبقي منه غير سور في نص الشارع واتحول المكان لمقلب زبالة لأهالي المنطقة.
"انت متأكد يا سعد أن ده العنوان بتاع بيتكم؟"
_والله هو، كان مكتوب في بطاقة أبويا القديمة قبل ما ننقل للمحلة واهي جبتها معايا عشان أكدلك، مكتوب القاهرة_بير أم سلطان_١٧ شارع ال######
كان المفترض علينا إننا نرجع ونستعوض ربنا.
بس قبل ما تتحرك بالعربية شوفته!
شوفت سليمان الصغير.
كان واقف فوق الزبالة في نقطة معينة وبيشاور لي بإيده على الأرض كأنها بيقول لي: "أنا هنا.. متمشيش."
وقفت سعد، وقولت له أننا مضطرين نفضل في المكان لحد بليل لما الناس حركتهم تقل ونقدر نشيل الزبالة ونرجع للطفل الجزء بتاعه.
معارضنيش.
وفضلنا رايحين جايين في المنطقة لحد قرب الفجر.
لما الدنيا سكتت خالص.
قربت مع سعد وشاورت له على المكان.
بدأنا نحفر أنا وهو ونشيل أكوام الزبالة.
لحد ما وصلنا لحتة خشبة مستطيلة، رفعنا الغطا بتاعها ولقينا الأغرب من كل اللي فات.
شعر مجعد كثيف لست مدفونة في نفس المكان!
جلدها زي اللحم المتعفن في التلاجات، وعيونها حواليها زرقان شديد.. وشفايفها سودا ورفيعة.
فتحت عيونها وهي بتمد إيديها ناحيتنا وبتقول لنا:
"البير هنا كله مظاليم.. لو حطيت العضمة جنب أي جثة فينا هتظهر لك عشان تجيب حقها هي كمان.. أحسن لك تمشي وتقفل على سرنا كلنا."
حكايات بير أم سلطان كتير.
ومليانة مظاليم زي ما قالت خالتي الجثة.
لو عايزين تكملوا باقي حكايات الجثث دي، وليه اجتمعوا في بير أم سلطان بالتحديد!