تحميل رواية «ابن الجن» PDF
بقلم عمر ناجي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اول مرة اشوف حالة بالشكل دا. بقالي عشر سنين دكتورة امراض نسا وولادة. دايما لما بتجيلي واحدة وتقولي انها بتحس نفسها معدتها مش مظبوطة وعندها وخم وكسل في جسمها، خصوصا لو سنها صغير زي ابتهال، باعملها اختبار حمل. وفي العادي اول ما بقولها مبروك انتي حامل، الفرحة بتنط من وشها. صحيح معظم الستات بيجوا وهما تقريبا عملوا اختبار من بتاع الصيدلية وكلامي بيبقى تاكيد مش أكتر. ابتهال كان رد فعلها غير كل الناس. هي أصلا غريبة ومش طبيعية. أنا جيت العيادة في معادي لقتها موجودة، هي وانتين كمان. وتوقعت انها تدخل التا...
رواية ابن الجن الفصل الأول 1 - بقلم عمر ناجي
اول مرة اشوف حالة بالشكل دا. بقالي عشر سنين دكتورة امراض نسا وولادة. دايما لما بتجيلي واحدة وتقولي انها بتحس نفسها معدتها مش مظبوطة وعندها وخم وكسل في جسمها، خصوصا لو سنها صغير زي ابتهال، باعملها اختبار حمل. وفي العادي اول ما بقولها مبروك انتي حامل، الفرحة بتنط من وشها. صحيح معظم الستات بيجوا وهما تقريبا عملوا اختبار من بتاع الصيدلية وكلامي بيبقى تاكيد مش أكتر.
ابتهال كان رد فعلها غير كل الناس. هي أصلا غريبة ومش طبيعية. أنا جيت العيادة في معادي لقتها موجودة، هي وانتين كمان. وتوقعت انها تدخل التانية ولا التالتة حتى، لكنها مدخلتش والعيادة اتزحمت. بصيت بصة على الكاميرا شوفتها قاعدة في ركن لوحدها. وشها عليه سواد وعنيها باين عليها حمرا من الدموع.
لما الممرضة دخلتلي بحالة، مقدرش امنع نفسي وأشاور لها عليها وأقولها:
"البنت اللي قاعدة هناك دي مدخلتش ليه؟ أنا شايفاها من بدري."
الممرضة قالتلي:
"دي يا دكتورة، قالتلي خليني آخر كشف، أنا موريش حاجة."
استغربت أكتر وانا شايفاها حاطة ايدها على بطنها وبتضغط عليها. شايفاها يعني في ألم. طب ليه مدخلتش؟ معرفش.
كملت كشوفات ومبقاش حد غيرها. أول ما دخلتلي قولتلها:
"اطلعي على الشزلونج هنا."
الناس عارفة عيادات النسا بتكون إزاي ووضع الست عليها إزاي. لقيتها متسمرة مكانها وبتقولي:
"لأ مش هطلع. أنا عايزاكي تعرفي أنا حامل ولا لأ."
قولتلها:
"بس كده، هناخد عينة دم ونشوف حالا."
ومسكت ايديها. كانت بتترعش وباردة، لكن عروقها ظاهرة. مخدناش وقت، أخدت العينة ودخلت جوه أشوف. لقيت فيه حمل بالتاكيد. خرجت وانا متوقعة ملامحها تتغير للاحسن. تبتسم، تضحك، تعمل أي حاجة غير اللي عملته ده.
لسه بقولها:
"مبروك يا ستي، حامل."
وهي جسمها كله بدأ يتهز، يتهز بعنف شديد. عينيها برقت بشكل غريب. حسيت وشها بيتغير. شفايفها اترفت لفوق كأنها في جلطة. رمت حجابها عن شعرها ونكشته يغطي وشها. وصرخت بصوت عالي، عالي جدا.
وفي لحظة جريت على الأدوات بتاعتي وبتمسك بايديها المقص وبترفعه عشان تخبط نفسها بيه في بطنها. الممرضة كتر خيرها لحقتها. مسكت ايديها، لكنها مالت براسها على كتفها وبدأت تعض فيها. والممرضة بتصرخ. مسبتهاش غير وسنانها فيها دم من كتفها. وفجأة اترمت على الأرض فاقدة الوعي.
بسرعة حاولت افوقها. وفي نفس الوقت عرّيت كتف الممرضة وبدأت أطهر لها مكان العضة اللي كأنها أكلت بيها حتة من لحمها. وبقيت محتاسة ومش عارفة ليه عملت كدا. وليه أنا بالذات تجيلي البلوة دي لحد عندي.
المهم الممرضة بقت قاعدة قدامي عرقانة وبهتانة ومش مصدقة وبترتجف. بتبص لجرحها وهي بتترعش فعلا. وفي نفس الوقت ابتهال مرمية على الأرض. طبطبت على كتف الممرضة التاني.
"معلش."
هزت راسها.
"هاشوفها، هي كمان لازم نفوقها."
هزت راسها تاني. قمت من معاها وروحت على ابتهال. بدأت أحاول افوق فيها وأقيس نبضها. نبضها كمان كان غريب أوي. دقات سريعة أوي ووشها عرقان جامد. حاولت أفتح عينيها. إيه ده، مفيهاش غير بياض. وفجأة جسمها كله اتخشب، لكنه اتحرك وحسيت بيه. ولسه باحط ايدي على قلبها مسكتها بايديها المتخشبّة. حسيت عضم ايدي هينكسر. بدأت أصرخ منها. ومرة واحدة جسمها ارتخى تاني.
ولقيتها بتفتح عينيها وبتقول:
"أنا فين؟"
قولتلها:
"متخافيش، انتي هنا في العيادة وأنا دكتورة اسراء."
بصتلي وهي مستغرباني وقالتلي:
"أنا إيه اللي جابني هنا؟"
معرفتش أقولها إيه.
"انتي كنتي هنا من بدري واستنيتي لما خلصنا ودخلتي عشان تتأكدي إنك حامل."
"حامل؟" قالتها من غير استغراب. "مانا عارفة إني حامل."
قولتلها:
"ضروري عملتي اختبار في البيت قبل ما تيجي؟"
قالتلي:
"لأ معملتش. بس هو قاللي إني حامل في ابنه."
"هو مين اللي قالك؟ جوزك؟"
"أومال مين اللي قالك بقى دكتور غيري؟" قولتها بهزار وكتخفيف للتوتر.
بصتلي وقالتلي:
"هو لما بيقول حاجة بتحصل. وهو قاللي انتي خلاص بقيتي حامل مني."
"هو مين ده؟"
"العفريت."
رواية ابن الجن الفصل الثاني 2 - بقلم عمر ناجي
بصتلي وقالتلي: "هو لما بيقول حاجة بتحصل، وهو قالي انتي خلاص بقيتي حامل مني".
"هو مين ده؟ العفريت؟"
أنا اتخضيت، قولتلها: "عفريت إيه؟"
والممرضة قالت: "ياساتر يارب".
بصيت لها وبصينا سوا لابتهال اللي دفنت وشها بين إيديها وبدأت تعيط بأنّين غريب. وبعدين رفعت وشها اللي كان مليان دموع وقالت لنا: "هحكيلكم كل حاجة بس بشرط".
قولتلها: "شرط؟"
قالت: "آه، وتقولوا موافقين عليه من غير ما تعرفوه قبل ما أحكي".
بصيت للممرضة تاني وهزتلي راسها. قولتلها: "طب ماهو ممكن منكونش نقدر نعمله".
قالت: "لا، مفيش غيركم يعرف يعمله".
بصينا تاني لبعض وقولتلها: "طيب، طالما حاجة نقدر نعملها، موافقين. احكي بقي إيه حكاية العفريت ده ومين هو؟"
تنهدت وقالت: "الحكاية دي من سنين كتير، كنت وقتها عندي ٨ سنين. عيلة صغيرة بضفيرتين بتجري على الجسر اللي بيفصل بين بلدنا وبين الترعة مع العيال الصغيرة، وبتلعب معاهم وبتستخبى منهم. مرة في كومة القش اللي حدانا، ومرة في غيط البرتقان اللي ورا بيتنا، ومرة كنت بنزل من الجسر لشط الترعة واستخبى بين الطوب الأبيض، دبش الترع اللي النسوان بتغسل عليه المواعين.
وفي يوم كنت بعمل اللي بعمله كل يوم لحد ما المغرب أذن والدنيا ضلمت وأنا مستخبية ومشعلّقة نفسي وسط الدبش ده، وعارفة إن العيال ما يعرفوش مكاني ولا عمرهم هيفكروا يجوا ناحيتي، خصوصاً إن الدنيا ليل. وأمي وأمهاتهم كانت تقولنا دايماً: "ماتروحوش هناك، لأن الجنية اللي ساكنة الترعة بتطلع من بعد المغرب وتتسبح في المية وتفرد شعرها زي الشبك، واللي بتلمحه ولا عينه تيجي عليها بتخطفه وتاخده لعندها في بطن الترعة ومبيظهرش تاني".
أنا كلام أمي ده كان في بالي ساعتها، وعشان كده فجأة حسيت بسقعة وإني إيدي اللي متعلقة بيها بترعش. ومع صوت الصراصير والضفادع حسيت بخوف شديد. بصيت ناحية المية بخوف، وفجأة رجلي اتزحلقت ومن خوفي نزلت بجسمي كله في مية الترعة. بقيت أخبط بإيديا الاتنين، لكن حسيت بحاجة غريبة، نفس دافي حوالين وشي في عز خضتي خلاني مسهّمة ومش دارية، وحسيت برجلي بتتسحب لجوه وجسمي كان بيتسحب معاها.
فجأة، بعد ما لقيت الشط بيبعد، حسيت بالمية بترفع بيه وبموج شديد عاتي بيغطي وشي وبيطرطشه. فوقت في اللحظة دي عشان أشوف حواليا رووس كلها سود محاوطاني، وحاسة بإيدي زي الحديد ماسكاني من كل حتة في جسمي. لكن الموج رفعني من بينهم، ولقيتني بتترمي على الشط. جريت جري على بيتنا وفزعت أمي لما فتحت الباب ولقتني قدامها غرقانة في المية وبنهج وبعيط.
خدتني في حضنها وقلعتني هدومي. بعد ما دخلنا الأوضة وهي بتقلعني، كان وشي للمرايا وضهرها لها. شفت جسمي وهو فيه علامات زرقا وعلامات سودا. أمي بصتلي وقالتلي: "شكلك اتجزعتي في دبش الترعة". مردتش عليها، كنت مشغولة باللي شايفاه في المرايا. صورتي بتبهت وبتتبخر وبيحل مكانها سواد، والسواد كأنه بني آدم بيبص على جسمي. فكرت عيني مدعبلة من المية، فركتها وفتحت.
صرخت مرة واحدة، لقيت صورتي في المرايا وحد محاوطني كله سواد مش دخان، لكن شعر بينه عينين وله قرون ستة وشفايفه غليظة وكلها شعر، بيقرب من رقبتي وبيفخ فيها.
لما صرخت، أمي اتنفضت وبصت على طول على المرايا اللي اختفى منها كل حاجة في لحظة. وخدتني للسرير ونامتني بعد ما غطتني كويس وقالتلي: "دلوقتي أبوكي توه جاي من الغيط البعيد، ولما يجي أبعته يجيب الشيخ برهان يرقيك ويشوف جرالك إيه. غمضي انتي لحد ما يجي".
أمي قامت تخرج من الأوضة وراحت تطفي النور، وأنا نزلت راسي جوه الغطا وغمضت. يمكن أنسى كل اللي حصل ده. ومعرفش إذا كنت نمت ولا كنت صاحية. كل اللي فاكرة إني حسيت بإيد بتلمس وشي وبتتحرك عليه، وصوت جاي في ودني بيقولي: "أنا نجيتك من جنيات الترعة، وعشان كده انتي بقيتي بتاعتي أنا".
في اللحظة دي فكرت وعرفت إني في حاجة وحشة معايا في الأوضة. إيه هي مش مهم. وجه في بالي إني ضروري أبويا ييجي ويروح يجيب الشيخ برهان ويرقيني ويصرفهم بعيد عني. أمي بتقول إنه واصل وبتاع ربنا، وإنه ياما حل حاجات من دي. كل ده جه في بالي وأنا مغمضة وحاسة لسه بالإيد بتلمس على شعري ووشي. وقتها الصوت رجع في ودني: "الشيخ برهان مش جاي".
لقيتني بأنطق وأقول: "ليه؟"
قالي: "عشان موته من شوية".
رواية ابن الجن الفصل الثالث 3 - بقلم عمر ناجي
الشيخ برهان مش جاى.
عارفه ليه.
لقتني بانطق وأقول ليه.
قال لي: "عشان موته من شوية".
اتخضيت من كلامه، بس عشان التعب اللي كنت فيه وحالتي، كنت بأقول في بالي إني بأخرف وبأسمع حد مش موجود. كنت عيلة بالنسبة للي بيحصل وهيحصل.
سمعت صوت أبويا وهو في الصالة وبيقول: "هاروح أجيب الشيخ برهان على طول". وفعلاً انفتح الباب وخرج.
استنيت على أمل يرجع بيه. وقعدت الوقت ده متلجلجة وملفوفة جوه الغطا لحد ما سمعت الباب بيفتح وصوت أبويا في الصالة وبيقول:
"لاحول ولا قوة إلا بالله. تصدقي بالله يا أم ابتهال؟ وصلت لبيت الشيخ برهان لقيت الناس ملمومين حوالين بيته وبيقولوا مات".
"مات؟" أمي قالت وخبطت على صدرها.
قال لها: "مات موته غريبة قوي. أصل لقيت الحاج مرزوق أبو محمد واقف وسط الناس وسألته: إيه اللي حصل وإمتى حصل؟"
اتنهد وقالي: "الشيخ برهان صلى بينا العشا، واتمشّينا أنا وهو لحد باب داره. أنا شفته كل حاجة، بس مقدرش أنطق".
كان بيقولها وعينيه كلها دموع. قولت له: "حصل إيه يا حاج؟ احكي لي، فضفض لأخوك".
قال لي: "لما الشيخ دخل الدار، أنا معرفش إيه اللي خلاني أقف شوية في الطل. الجو كان عال والهوا جميل. سندت بكتفي على شباكه وبصيت على عتبة بابه. استغربت إن الشيخ منوّرش المندرة زي ما بيعمل دايمًا، وقولت يمكن كسل ودخل ينام على طول، ما أنت عارف إنه وحداني من زمان. لكن وأنا ساند على الشباك، سمعت صوت حاجة بتقع وبتتكسر على الأرض. دا خلاني لفيت جسمي وبصيت من الشيش. كان فيه فتحة كبيرة أعرف أشوف منها، وشوفته".
"شوفت إيه؟"
"شوفت بيحط إيده على زرار اللمبة وزي ما تكون تقيلة. بيحاول يضغط بصباعه مش قادر. في الضلام، اتهيأ لي إن فيه ظل كبير كاسي عليه، وكان حد بيحوش في إيده. لقيته بيقول بصوت قوي:
"ابعد عني يا عدو ربنا".
وبيرمي بجسمه لورا كأنه بيتخلص من حاجة. سمعت ضحكة. ما سمعتش زيها أصلًا في حياتي. ضحكة من اللي بتخلع القلب، عالية وفيها رهبة. وسمعت صوت حد معاه بيقول له:
"أنا جاي لموتك ومش هامشي غير وأنت جثة".
الشيخ نزل على ركبته وقاله:
"عملت لك إيه؟ فهمني".
ضحك نفس الضحكة وقاله:
"معملتش، بس لو سبتك هتعمل".
الشيخ قاله: "أنت عارف إني ممكن أحرقك دلوقتي".
لقيت الصوت بيقول له:
"تبقى تموت بالحرق".
فجأة، سمعت وشوفت كل حاجة بتطير في الهوا وبتترمى على الأرض. كوبايات وصواني ووابور الجاز بيدلق لوحده. والشيخ بيحاول يقول أي حاجة، لكن صوته مش طالع، وبقه بدأ ينزل دم وسايل أبيض في نفس الوقت. والظل دا بيتحرك للبنزين اللي نزل على الأرض وبيكسيه. ومرة واحدة قامت الولعة. كانت رهيبة وعالية للسقف. بدأت أصرخ وأقول: "الحقوا! باناس الشيخ برهان بيولع جوه بيته". على ما الناس جت وأنا والرجالة حوالينا نكسر الباب الخشب، دخلنا. كان الشيخ جسمه كله محروق وكل حاجة على الأرض منتورة والسقف مليان هباب. في اللحظة دي، شوفت الظل بيتحرك من السقف وخارج من فتحة الشباك اللي كنت بأبص منها. معرفش ليه، حسيت كأنه بيتوعدني، وكأنه بيعرفني إنه كان شايفني".
"الله يرحمه"، قالتها أمي. وأبويا قال لها:
"البنت عاملة إيه دلوقتي؟"
"من وقت ما خرجت مدخلتش لها".
"طيب، أنا ها أقوم أشوفها".
كنت نايمة مكاني، لكن سامعة كل حرف كان بيقوله لأمي. وخوفت أوي وبدأت أتلفّت حواليه. شوفت الظل وهو بيكسي المرايا وبيطل بعينين حمر أوي منها. شديت الغطا على وشي. فجأة النور ولع، ولقيت إيد بتسحب الغطا من على وشي.
"ابتهال. عاملة إيه يا بنتي؟"
"أبويا، أنا خايفة أوي يا أبويا".
"متخافيش يا بنتي، أنا معاكي أهو".
وهو بيقول لي كده، نور الأوضة انطفى، وشوفت الظل بيتحرك في السقف، بيجري من قدام لورا. ومرة واحدة رجع النور. لقيتني في حضن أبويا. بنط ودموعي على خدي.
"مالك بس يا ابتهال؟ ما ياما النور بيقطع ويرجع يجي".
لقيتني بأقول بصوت مرعوش:
"هو الشيخ برهان مات بجد؟"
قال لي: "قضاء الله وقدره يا بنتي".
قعد جنبي شوية، معرفش أد إيه، لأنها نزلت في سريري. وبقي بيمشي إيده على راسي. ولقيتني بأغمض وأروح في النوم. ومصحيتش غير على صوت تكّة. النور فتحت، ملقتوش جنبي، ولقيت اللمبة بتضعف وتقيد وتطفى. وطفت مرة واحدة. وحسيت بالغطا بيتسحب من فوقي، وكان فيه إيد بتتحرك وبتتمشى على كل جسمي. وسمعت الصوت تاني.
"متخافيش يا ابتهال، أنا لا يمكن أذيكِ. أنا بأحبك".
أنا كنت صغيرة على أي كلام من ده، ٨ سنين. لقيته بيقول لي:
"من هنا ورايح أنا هاحميكي، وهاقولك على كل حاجة. ومش ها أظهر لك تاني وأخوفك كده".
ومرة واحدة النور نور. وحاولت أنام بعدها ونمت. وحلمت حلم غريب، بس كان حلو. كنت كأني بأجري في أرض كلها خضرة، كلها شجر كبير شكله غريب. وكنت جعانة أوي وماشية بين الشجر بأحاول أطول الثمر اللي فيه مش طايلة. فجأة لقيت شاب جميل واقف قدامي بيقول لي: "عايزة من دي؟" وبيشاور على الثمر العالي. هزيت راسي: "أيوة". لقيته حضني من وسطي وشالني لفوق. كنت طايرة معاه لفوق وحاسة بالهوا الساقع على وشي. وبقي عمال يطير بيّا في مساحات خضرا كتير. وشوفت جداول ميه رايقة ونضيفة. ورحنا على جنينة مليانة فاكهة، تفاح وموز وعنب. وخدني لشجرة عنب وأخدنا منها عنقين عنب. وبدأت آكل فيهم. كان طعمهم ما دُقتوش قبل كده. ومرة واحدة اختفى، ولقتني بأفتح عيني وأنا حاسة إن فيه حاجة في بوقي مبلعتهاش. خرجتها، لقيتها حبة عنب. مش عارفة. صحيت مبسوطة ومش خايفة. وبدأت حكاية معاه تاخد شكل تاني.
في النهار، رجعت ألعب مع العيال. وكان فيه ولد اسمه فتحي الأهم بيشاكسني. مرة حط رجله قدامي، وقعتني على وشي وكسرت سنتي. كنت غضبانه أوي وبأتمنى أعمل فيه أي حاجة. وأنا على الأرض، سمعت الصوت بيقول لي: "أنا هأربيه". وكان فتحي واقف مبسوط. فيه فجأة، كان حد خبطه من ورا على ظهره وسحله على الأرض. فتحي قام يعيط والدم مالي بوقه وسنانه كلها مخلوعة ومش عارف ينطق. من يومها، العيال سموه فتحي الأهم.
ومرة كنت خايفة من امتحان في المدرسة، ومكنتش مذاكرة ولا حافظة حاجة. وقعدت بعد الامتحان أعيط. عشان مرة واحدة نسمع صويت في المدرسة ونلاقي الأبلة اللي خدت ورقنا، وقعت من على سلم الرابع واتكسرت ونقلوها المستشفى. كنت عارفة إنه ورا ده كله، ومبسوطة بالحماية اللي بيوفرها ليا. دا غير الأحلام اللي بقت كلها حاجات تفرح. كنت بأحب أنام عشان أحلم بكل الأماكن اللي بيوديني فيها وكل الحاجات اللي باشوفها معاه. دا حتى أبويا مسلمش منه. أبويا كان دايمًا يراجع لي دروسي ويحفظني. ولما ما يلاقيشني حافظة، يضربني بالقلم أو بعصاية كبيرة مخصوصة لكده. لكن في مرة ضربني لحد ما عيط أوي. وفي نفس الليلة، سمعت أبويا في سريره بيتوجع ويقول: "آآآي". وسمعت أمي بتقول له: "مالك؟". صحي، إيديه مورمة وجسمه مزرق. أمي قالت له: "ضروري جسمك زعل من ضرب البنت". قال لها: "مش هضربها تاني". كنت فرحانة أوي أوي. وبأكبر من ابتدائي لإعدادي، ومن إعدادي لثانوي. جسمي أدور زي كل البنات. وبقيت أحب أقعد قدام المرايا بالساعات وأبص في عينيه أوي وأرسم الكحل فيها. وألبس لبس حلو على جسمي. حتى كنت أوقع بانام فيه. وكل ده وأحلامي زي ما هي. بس بقيت أنبسط كل يوم وأنا حاسة إن كان فيه حد حضني في الحلم، حد جميل مالوش زي. وكنت بأحس بنفسه قريب من نفسي، مطمني، مش خايفة منه. لحد ما في يوم، خلصت الثانوية وطلعت النتيجة. وجم الأهل والأحباب يباركوا لنا. وجم دار عمي الحاج مرزوق أبو محمد. محمد كان أكبر مني بخمس سنين، وكان مخلص جامعة من سنة، ومتوظف، وكمان ها يسافر. وكان بيعزني، يعني وأنا كمان مبكرهوش. المهم عم الحاج مرزوق استغل نجاحي وقال لأبويا: "عايزين نجوز ابتهال لمحمد. دول موعودين لبعض من زمان".
قال كده. وفجأة قامت حريقة في الجرن اللي ورا الدار. والكل جرى على هناك. دخلت أوضتي أجيب طرحتي وأجري وراهم. يدوب مسكتها، الباب اتقفل عليا. ولقيته كل حاجة في الأوضة بتطير وبتخبط في بعضها.
رواية ابن الجن الفصل الرابع 4 - بقلم عمر ناجي
قال كدا وفجأة قامت حريقة في الجرن اللي ورا الدار والكل جرى على هناك.
دخلت أوضتي أجيب طرحتي وأجري وراهم.
يدوب مسكتها الباب اتقفل عليا ولقيته كل حاجة في الأوضة بتطير وبتخبط في بعضها.
استخبيت ونزلت بجسمي جنب السرير وبدأت أصرخ: "الحقوني!"
بصيت على المرايا لقيتها بتتشقق، كلها خطوط مكسرة.
ومن بين الخطوط بينزل دم، دم كتير بينزل من المرايا على كل حاجة تحتها وبيوصل للأرض وماشي باتجاهي.
والدم اللي على المرايا بدأ يسود وأنا مبطلتش صريخ.
كنت مستغربة ليه محدش سامعني؟ أنا أوضتي على الشارع وشباكي مفتوح.
فكرت إني أقوم وأجري على الشباك، مجرد ما فكرت لقيت الشباك اترزع واتقفل.
والأوضة رغم إنها نهار بقت ضلمة جامد وحسيت بخيالات كتير بتتحرك على السقف وبتنزل منه باتجاه المرايا.
الخيالات بتحاوط المرايا كأنها بتشيلها.
المرايا بتتهز بعنف وأنا قلبي بينخلع.
وفجأة طلع منها دخان كثيف وسمعت صوت غريب أوي غير كل الأصوات اللي كنت بسمعها.
كان صوت ست بس غليظ ومخيف بيقول:
"طالما الإنسية مش عايزك يبقى لازم تيجي معانا لسجن الجحيم."
المرايا طقت واتكسرت في نفس الوقت اللي بقى فيه ريحة شياط محاوطة الأوضة كلها.
وفجأة الأوضة نورت والشباك اتفتح والباب كمان اترزع.
غمضت عيني وأنا باعيط وفتحت.
بصيت على المرايا لقيتها زي ما هي مافيهاش خدش، وبصيت على الأوضة لقيت كل حاجة في مكانها.
فجأة ظهرت أمي قدام الباب.
"ربنا جاب العواقب سليمة يابنتي. النار طفت لوحدها زي ما ولعت لوحدها."
بصت عليه لقيتني حاطة دماغي على السرير.
"مالك يابتهال يابنتي؟"
"مفيش يامي، دايخة شوية."
"طيب استريحي وقومي. الرجالة راجعين على الدار عشان يتفقوا على موضوع جوازك."
معرفش ريحت دماغي قد إيه، كل اللي فكراه إن أبويا ندهلي بصوت عالي من الصالة.
"يابتهال بت يابتهال!"
كان قاعد في الصالة وجنبه محمد وأبوه الحاج مرزوق اللي باحبه طول عمري من أيام ما كان بيحفظنا قرآن في حوش بيته.
وفاكرة كمان الجدة ونيسة أم الشيخ مرزوق اللي ناس كتير كانت بتحكي بكرامات لها وحكايات عن كونها ست صالحة، وهي كدا فعلاً.
كان وشها دايما مبتسم وعنيها فيها طيبة متتوصفش.
كل الأسباب دي خلتني لما أبويا سألني: "تتجوزي محمد؟" هزيت راسي بالموافقة.
وفعلاً تمت الخطوبة على خير واتفقنا الجواز يكون في أول صيف السنة الجاية لأن محمد هيسافر الخليج ومش هيرجع غير الصيف.
كنت مبسوطة وفرحانة وكنت باتكلم مع محمد كتير في التليفون وعلى النت كمان.
وكنت خلاص كل أحلامي اتبدلت بالجواز منه هو والعيشة هتكون إزاي معاه في بيتهم.
وعدت السنة وجه محمد وبدانا نجهز للفرح الكبير.
نزلت مع أبويا اشترى لي كل حاجة محتاجاها وكل حاجة البنات بتعوزها من شاور وخلافه.
وخرجت أنا ومحمد جبنا فستان الفرح ولبسني الشبكة في وسط بيتنا.
وكانت فرحة تطير النوم من عيني.
صحيح نسيت أقولك إني من بعد الليلة دي، أنا والمرايا غطيتها بجلبية قديمة عندي وكنت واخده قرار بيني وبين نفسي مبصش فيها تاني أبداً.
بس أنا الليلة دي ليلة فرحي ومعايا بنات كتير في الأوضة وكلهم بيقولولي: "اقلعي بقي والبس فستانك ياعروسة."
كنت مكسوفة زي أي بنت.
قمت خرجتهم كلهم حتى أختي الصغيرة وقلعت هدومي ولبست الفستان.
كنت عايزة أشوفني أول واحدة فيه عشان كدا لقيتني باشيل الجلابية من على المرايا وببص فيها.
وأنا قدامها مش عارفة إيه اللي حصل خلاني أحس بالأوضة كلها بتتهز وبتلف بيا.
حطيت إيدي على دماغي حسيت بالأوضة بتلف فعلاً بكل حاجة فيها، كانت بتلف ببطء وفجأة بقت تلف بسرعة شديدة.
بقيت عمالة أتخبط يمين وشمال في كل حاجة.
مرة أسند على السرير ومرة أسند على الحيطة.
وآخر مرة لقيتني باسند على إزاز المرايا وحسيت بإيد بتشدني من جواها.
مع الدوخة والدوار لقيتني بأمسك فيها وهي بتشدني لجوه المرايا.
أنا بدخل بجسمي جوه المرايا؟ إيه اللي بيحصلي؟
اللي بيحصل دا مش معقول.
أنا نفدت من المرايا، كل حاجة رست ومبقاش فيه دوران.
بس أنا فين هنا؟
أنا في ممر ضيق أوي زي كهف قديم حيطانه كلها رسومات عليها أشكال بقروون، أشكال مخيفة لهم عيون واسعة وحواجبهم مشروطة بالطول، شفايفهم غليظة وبوقهم كله أنياب.
ورايا حيطة سد وقدامي طريق منور بشعل كلها سودا.
بدأت أصرخ وأقول: "أنا فين؟ رجعوني أوضتي!"
لكن مفيش أي حد بيرد، مفيش غير صدى صوتي اللي بيرد عليا.
قررت أمشي في الممر ده وأول ما أخدت خطوتين الحيطة اللي ورايا اتحركت.
الخطوتين ولقيت على يميني وشمالي حياة سودا وملونة كلها واقفة نص واقفة على جسمها ولسانها خارج منها وبتتبص عليا.
معرفش اتشجعت إزاي أمشي لقدام تاني وهي معملتليش حاجة.
فضلت ماشية كتير لحد ما لقيت سلالم لتحت.
نزلت أربع سلالم لقيت كائن شكله مخيف جدا مربوط بسلاسل من نار.
وفي حواليه كائنات كتير شبهه لكن كلهم ماسكين حاجات من حديد وفيها رؤوس دبابيس حديد ونازلين فوقه ضرب.
وهو بيصرخ وبيقولي بكلمة واحدة منك تنقذيني، قوليلي إنك عايزاني أنا.
قالها وهو بيجرجر كل السلاسل وبيتحمل كل الضرب وبيقرّب مني.
كان وشه قدامي فظيع ومخيف.
كانت راسه فيها ست قرون كبار، حواجبه كلها شعر كثيف وجسمه متغطي بشعر أسود كبير شبه الغوريلا.
إيديه مليانة حوافر مدببة وعنيه واسعة أوي وتخوّف كانت حمرا دم.
لقيتني بأقوله: "لأ مش عايزك، مش عايزك."
كنت خايفة منه أوي وهو قريب كدا.
لقيتهم زودوا فيه الضرب وقالي:
"مش هسيبك، مسيري هرجعلك وآخدك من بين كل أهلك. أنا هرجعلك تاني. لا يمكن هسيبك."
فجأة نور كثيف جه في عيني وغمضت بسرعة.
استنيت شوية وفتحت تاني.
لقيتني واقعة بين المرايا والسرير وحواليه أمي وإخواتي وصحباتي.
ولما دققت أوي بصيت لقيت بينهم الحاجة ونيسة أم عم الحاج مرزوق.
اللي لقيتها بتبل وشي بالمية من إزازة كانت معاها وقالتلي:
"وقوميني."
قالتلي: "اقلعي فستانك والبس هدوم نضيفة واجهزي على ما أجيب ركوبة ونروح مشوار مش هنتأخر على الفرح. بس المشوار فيه نجاتك."
قولتلها: "مشوار إيه وفين؟"
"مشوار ضروري لحد بلد مش بعيد فيها شيخ من حبايبنا اسمه ياسين الأيوبي. ضروري يشوفك قبل الدخلة وينجيكي من اللي انتي فيه دا."
رواية ابن الجن الفصل الخامس 5 - بقلم عمر ناجي
قولتلها مشوار إيه وفين.
مشوار ضروري لحد بلد مش بعيدة، فيها شيخ من حبايبنا اسمه ياسين الأيوبي، ضروري يشوفك قبل الدخلة وينجيكي من اللي إنتي فيه ده.
غيرت هدومي زي ما طلبت وخرجت من باب البيت، لقيت عربية واقفة لنا. طلعت وطلعت الحاجة ونيسة ورايا، وجت أمي تطلع ولا حد من صحباتي وقرايبي. قالتلهم لأ، عايزها في المشوار ده لحالها، أنا وهي وبس.
ومشيت العربية بينا ودخلنا كفر الأيوبي، بلد صغيرة البيوت فيها ميعدوش الخمسمية بيت. ولقينا بيته اللي وقفت قدامه العربية بيت صغير من طين. رغم إن بيوت البلد كلها بالعمار المسلح، لكن البيت شكله له رهبة. وبينه وبين الجامع الوحيد في البلد شارع.
بصتلي الحاجة ونيسة وقالتلي: "متخافيش، الشيخ ياسين من أهل الله، إيه وعلامة وواصل فوق ما تتصوري. شايفة البيت ده؟ ياما اتحرق من الجن واللي بنوه بإيديهم جن من الجن العمار اللي بينه وبينهم نسب وود."
بصتلها باستغراب: "نسب بين بني آدم وجن؟"
قالتلي: "أومال الشيخ ياسين كان متجوز من جنية من أكبر قبائل الجن كلها؟ جنيات واسمهم بنات شقر. إحنا هنستنى هنا لما ييجي من صلاة العصر."
"لا، فهميني اتجوز منهم إزاي وإيه اللي حصل؟"
"دي حكاية يطول شرحها. اللي عايزة أقولهولك إن الشيخ ياسين ده زمان وهو شباب كان شيطان ماشي على الأرض، واخد شغل الأعمال والأسحار وعنده خدم من الجن ورثهم من جده الأيوبي الكبير اللي كان اسمه لوحده كفيل مينمش اللي يسمعه ليلة. لكن اتغير ياسين وبقى كيف ما هتشوفه، واصل وماشي في طريق ربنا. وبسبب توبته الجن حاربه كتير. قتلوا مراته وحرقوا بيته، لكن إيمانه متحددش ومرجعش لسكتهم."
رديت عليها وقولتلها: "سبحان الله، وإنتي تعرفيه من زمان يا حاجة؟"
"إلا أعرفه! أنا أصلاً من كفر الأيوبي وكنت صاحبة أمه اللي يرحمها، وكنت شاهدة على كل اللي حصل له."
خلصت كلامها، شوفت من بعيد شيخ كبير في السن لابس جلابية بيضا ودقنه منورة الشمس مخليها زي ما تكون بتلمع، وساند إيده على عصايته وحاطط إيده التانية في إيد شاب صغير شبه الخالق الناطق بدقن صغيرة.
بصتلي الحاجة ونيسة وقالتلي: "دا حمزة ابنه، نور عينه واللي طلع بيه من الدنيا. وماشي على سكة أبوه وبيقولوا هيكون أعلم منه كمان."
قربوا مننا، بص لنا الشيخ ياسين وقالها: "نورتي بلدك وبيتك يا خالة." وبص لابنه حمزة وقاله: "قرب، بوس إيد جدتك ونيسة يا واد، دي ريحة أحب الحبايب." الولد ميل وباس إيديها. والشيخ ياسين قرب منها وباسها من راسها، وطول. بصيت عليه كانت عنيه مرغرة بالدموع واتنهد وقال: "كل اللي من ريحتها فيه ريحتها."
"تعيش وتفتكر يا ولدي." اتنهد وبصلي وقالي: "إزيك يا بتهال؟"
عنيه فتحت على الآخر، عرف اسمي منين وعرفني منين؟
بص للحاجة ونيسة وقالها: "متأخرين أوي يا حاجة."
"واقعين في عرضك، البنية ممسوسة من جن عاشقها ومش رايد لها الجواز والهنا."
"عارفة وعارف حكايته. تعالوا جوه البيت."
"قرب يا حمزة، ولع لنا بخور في صحن الدار."
سبقنا حمزة ودخلنا لبيته، مش ممكن على الجمال والراحة! أنا نسيت جاية ليه وفيا إيه؟ صوت القرآن مالي المكان بصوت ولا أعذب من كده. رغم إن مفيش راديو ولا تلفزيون شغال.
ابتسم الشيخ ياسين وقالي: "عجبك الصوت ده يا بتهال؟"
قولتله: "حلو أوي أوي يا عم الشيخ، صوت مين من المقرئين ده؟"
قالى: "صوت صاحبي وحبيبي اسمه الشيخ خضر وبنقول عليه المخاوي."
بص لفوق وقال: "جزيتم الخير يا مخاوي. انصرف في الحال واعمل لي اللي قلت لك عليه بعد ما نخلص صلاة العصر وهاته لي هنا."
فجأة صوت القرآن سكت، بس هبة نسمة هوا لطيفة معبية ريحة ولا المسك. بص لنا وقال: "اللي عاشقها اسمه قمطير، ودا من الجن الطيار. ودا ابن سمطير ملك الجن الطيار الوحيد. لما شاف ابتهال قرب مية الترعة، وقع في عشقها وبقي ملازمها. والجن الطيار اللي معاه راح وقال لأبوه، وأبوه طلبه على الفور. لما جاله قاله: بتطارد ليه الإنسية؟ لا هي مننا ولا إنت منهم."
"قالوا: عشقته ووقعت في غرامها."
"قالوا: هاسيبك تعشقها وتلازمها، لكن يوم ما تكرهك وتقول لك لأ، مالكش عندي غير العذاب."
"يوم ما قفل الباب عليكِ، يوم حريق الجرن كان عايز يسمع أبوه إنك عايزاه وراضية بيه. لكن لما إنتي رفضتي، حاول يأذيكي، لكن مالحقش يعمل حاجة. الظلال اللي شفتيها في المرايات كانت ظلال أبوه. جه بنفسه خده ورماه في أتّون العذاب وحكم عليه بالعقاب طول ما هو عايش. وعشان كده النهاردة حاول يهرب، وأول ما هرب جالك وشدك لعندهم. ولكن إنتي برضه قلتي له لأ، فبوه أمر وزود عذابه. وأنا مضمنش لكي إنه ميظهرش تاني. دا ابن ملك من الجن وإمكانياته تفوق كل الجن العادي. لكن لما عرفت إنك في طريقك لهنا، اتشاور مع أخويا من الجن المخاوي وقالي على حل لمشكلتك هيكون فيه العون بإذن الله."
بلّمت وقولتله: "حل إيه؟"
فجأة حاجة نورت من قلب البخور. مد إيده فيه رغم إن الفحم مولع، وطلع إيده وفيها خاتم من عقيق. وقالي: "تلبسي الخاتم ده، متقلعوش طول عمرك. الخاتم ده فيه حارس من الجن عليه مهمته إنه يخفيكي عنه. مش هيشوفك ولا هيعرف يوصلك حتى لو اتحرر. لكن الشرط، إياكي تقلعيه من صباعك مهما حصل ومهما كان."
وادهولي ولبسته في إيدي. وودعناه هو وابنه اللي وصلنا للعربية، وقال للحاجة ونيسة تستناه. ودخل لأوضة جوه بيته ورجع واداها سبحة وقالها: "دي من عند النبي عليه الصلاة والسلام، متخليهاش تفارق إيدك يا أمي." وباس راسها تاني وطول ومشينا لبلدنا.
كان الفرح بدأ الناس فيه تيجي واتنصب الشادر. ودخلت لبست فستاني وخرجت قعدت جنب محمد في الكوشة وكتبنا الكتاب. وخلص الفرح وخدني محمد لبيتنا الجديد. وهناك عشت معاه تلت شهور من أجمل أيام عمري. كان حنين أوي ويتمنالي الرضا، بس وكان بيعاملنا بكل حب وود الدنيا. لحد ما خلص إجراءات سفره وسافر. وأنا رجعت على بيت أبويا. الحاجة ونيسة زارتني كام مرة، وكل مرة تحط إيدها على الخاتم وتقولي: "أوعاكي يا بتهال تقلعيه."
وطال غياب محمد وبقيت أحس بالوحدة. كنت عروسة جديدة وضروري أحلم بجوزي وأتمناه زي أي ست جوزها بعيد عنها. لكن في يوم دخلت أنام وأبويا وأمي قاعدين في الصالة وروحت في النوم. حلمت بالحاجة ونيسة واقفة بيني وبينها الترعة القديمة وبتقولي: "خطي الماية يا بتهال وتعالي ليا، أنجديني يا بنتي."
قولتلها: "مالك في إيه يا خالة؟"
قالتلي: "الكلب بيجري ورايا وحالف يعضني من إيدي." ورفعت إيديها ليا لقيت إيديها كلها متعاصة دم. نزلت بسرعة في الترعة ومشيت فيها لحد ما وصلت، بقيت قريبة منها. فجأة جسمها كله اتخشب واتكسر كإنه تمثال. وكل حتة فيه بقت عايمة على وش الماية زي إزاز المرايا. حتة فيها عين، وحتة فيها بؤه، وحتة فيها جزء من راسها. بقيت أحرك الماية بقوتي لحد ما طلعت على الشط وأنا بعيط وأقول: "فينك يا حاجة ونيسة؟" ولسه ببص حواليا بصيت على إيدي ملقتش فيها الخاتم. بقيت أصرخ وأقول: "الخاتم ضاع مني يا خالة ونيسة، الخاتم ضاع مني يا خالة ونيسة!" لقيت على وش الماية حبات السبحة اللي كانت خدتها من الشيخ ياسين ومتعاصة دم.
صحيت مفزوعة وأنا لسه بقول: "الخاتم وقع مني يا خالة ونيسة!" بصيت على إيدي ملقتش الخاتم.
قومت نفضت سريري ودورت في كل حتة عليه ملقتهوش. خرجت على أبويا وأمي اللي كانوا راحوا في النوم وصحيتهم. قولتلهم: "الخاتم اللي كان في إيدي فين؟"
أبويا برق لي وقالي: "حاجة من دهبك ضاعت؟"
قولتله: "لأ." قالي: "أومال عاملة غاغة ليه يابنت؟ روحي اتهمدي."
أمي قامت تدور معايا في كل حتة ملقنهوش. مجاليش نوم طول الليل. وقولت الصبح ضروري أروح للحاجة ونيسة وأقولها. لكن بعد ما الفجر أذن، نادى المنادي وقال إن الحاجة ونيسة ماتت بالليل. بقيت قاعدة على سريري مرعوبة. معقول يكون الخاتم ضاع والحاجة ماتت في نفس اليوم؟ من خوفي خوفت أحضر جنازتها وخوفت أروح للشيخ ياسين تاني، خصوصاً إن محصلش حاجة تخوفني غير إني بقيت أهرب من وحدتي بالنوم الكتير. ومع نومي بدأت أحلم بمحمد. في الأول كنت بكون مكسوفة معاه في أحلامي، فجأة بقيت هو جريء أوي وبقى يعاشرني كإني عايشة حقيقة. كنت أحلم بيه بيعاشرني وأقوم جسمي مكسر كإني كنت معاه بجد. وكنت مبسوطة أوي بأحلامي معاه، خصوصاً إنه مبقاش يكلمني فون لأننا كل ما نتكلم نتخانق. حبيته في الأحلام وعلى قد حبي له فيها، كرهته في الحقيقة. مبقتش أحب أرد عليه. لدرجة بقي يسأل عليا أمي أشاور لها مرة أقوله نايمة، مرة أقوله خرجت تجيب طلبات. لحد ما في يوم صحيت بعد حلم جميل معاه جسمي مكسر، لكن حاسة بنفسي مايعة وقايمة عليه وبطني بتتقطع. أخدت مسكن ونمت.
وفي الحلم شفته نايم جنبي وبيقولي: "وحشتيني يا بتهال."
قولتله: "وأنت كمان وحشتني، بس بطني كانت واجعاني أوي النهارده." أنا كنت اتعودت أقوله كل حاجة في يومي كإنه معايا. قال لي: "متخافيش، دا عشان إنتي حامل مني."
ضحكت وقولتله: "حامل منك إزاي؟ هو في حد بيحمل من حلم؟"
قال لي: "أنا مش حلم، أنا حقيقة." فجأة كان حاطط إيده على وشي وكنت مميلة براسي على صدره. لقيت إيده تقلت أوي. بصيت عليها لقيتها كلها شعر كثيف وصوابعه اتحولت مخالب. اتفزعت، رفعت وشي، شوفته هو نفس الجن قطمير اللي كان بيطاردني. بدأ يضحك بصوت عالي ويقول لي: "إنتي خلاص بقيتي بتاعتي وملكي. وكمان حامل في ابني اللي هيورث العرش. أنا اتعذبت بسببك كتير لحد ما أبويا ملك الجن الطيار مات ومكنش فيه وريث لعرشه غيري. خرجت من العذاب وقتلت الحاجة ونيسة اللي ساعدتك تختفي عني وظهرت لك على صورتها في الحلم. كان هدفي تنزلي الترعة وخدامي وقتها يقدروا على حارس الخاتم ويقتلوه ويقدروا يخلعوا الخاتم منك. ومكتفيتش بكده، أنا روحت بخدامي على بيت ياسين الأيوبي وهديته فوق دماغه ودماغ المخاوي صاحبه، وبقيت معاكي كل ليلة في هيئة محمد جوزك عشان أقدر أطولك وأكون معاكي مكانه."
صرخت وقولتله: "لأ، مستحيل يحصل دا كله."
قال لي: "لما تصحي روحي اتأكدي إنك حامل، وإنتي وقتها هتصدقي كل ده." مكدبتش خبر، أول ما صحيت لبست وجيت لك يا دكتورة عشان أتأكد وعشان أحكيلك، بس تنفذي شرطي اللي هقولك عليه.
قولتلها: "شرط إيه؟"
"تروحي بكرة لبيت الشيخ ياسين، يمكن تلاقيه أو تلاقي ابنه أو حد هناك يساعدني أخلص من دا كله. ولو لقيتيهم، تخدميني وتسقطي حملي، بس بعد ما تتأكدي إن في حد هناك يساعدني، لأنك لو سقطتيه دلوقتي مش بعيد يعرف وياذيكي وياذي أي حد عرف بالحكاية."
الممرضة قالت لها: "وليه إنتي متروحيش؟"
قالت: "عشان هو مش هيخليني أعرف أروح. هددني إنه هياخدني عندهم لحد ما أولد، وبعدها هيحكم عليا بالعذاب طول عمري."
قولتلها: "هروح بكرة، وإنتي يالا روحي ومتبينيش حاجة له. وقولي له إنك أخدتي ميعاد تاني بكرة عشان تتابعي الحمل وأكتب لك على حاجات تثبته."
فضلت طول الليل أفكر، أنا مالي ومال الحكاية دي؟ وإيه اللي دبسني في كل ده؟ ولقيتني بقول لنفسي: "مالك إزاي بس؟ دي حكت لك الجزء اللي ناقص عندك. وعرفتي دلوقتي ليه حمزة خطيبك بقاله فترة مبيجيش ولا يظهر. ياترى هي جاتلي صدفة ولا يكون حمزة اللي بعتها من غير ما هي تعرف؟"
تاني يوم الصبح ركبت عربيتي وروحت على بيت الشيخ ياسين الأيوبي، حمايا، واللي هي متعرفش إنه حمايا. لقيت البيت متهدم وواقع على بعضه، أكوام من تراب. ولقيت طفل صغير جاي عليا وبيقولي: "روحي المقابر دلوقتي." مشيت بعربيتي في اتجاه المقابر ونزلت من عربيتي ودخلتها. لقيت حاجة غريبة أوي، كل الأبواب مفتوحة. وقفت تايه مش عارفة أعمل إيه. سمعت صوت حمزة بيقول: "تعالى، أنا هنا من جوه مقبرة." ولقيته خارج منها ووراه خارج والده الشيخ ياسين الأيوبي، وحاملين هما الاتنين جثة وبيتنهدوا.
حمزة قال لي: "تعبنا أوي على ما لقينا قبر الحاجة ونيسة. الجن الطيار كل يوم ينقلها من تربة لتربة."
"الحاجة ونيسة ليه؟"
"عشان مفيش حل من غيرها لحكاية ابتهال."
حطوا الجثة في وسط المقابر ورسموا مربع حواليها. وسمعت الشيخ ياسين بيقول كلام مش مفهوم. فجأة جثة الحاجة ونيسة شهقت: "إيه ده؟ دي بتتحرك وتقوم تقعد؟" وطى الشيخ ياسين جنب ودنها وقالها: "ميعادنا الليلة في عيادة الدكتورة."
وشالوها دخلوها القبر. وقالولى: "عربيتك فين؟ خدينا معاكي للعيادة على ما تيجي ابتهال بالليل." مكنتش فاهمة حاجة. ركبوا معايا ووصلنا للعيادة. وقولتلهم: "مش فاهمة حاجة." قالوا الاتنين سوا: "الليلة ميعادنا معاه، ولا نخلص منه، لا يخلص علينا."
قعدنا لبليل لحد ما جت ابتهال. وأنا لغيت كل حجوزات الكشف ودخلتها على طول. اتفاجأت لما شافتهم وقالت لي: "كتر خيرك." الشيخ ياسين قال: "مفيش وقت، اطلعي على الشازلونج وعري بطنك." وفعلاً عملت كدا. لقيته بيقول: "قومي بالواجب يا حاجة ونيسة." فجأة لقيت مشرط اتشال من عدتي وبيتحرك في الهوا ورايح على بطن ابتهال. اللي شهقت وخافت. لقيته بيقول لي: "كتفي إيديها، وإنت يا حمزة كتف الإيد التانية." والمشرط يدوب لمس بطنها. فجأة الباب اترزع واتقفل علينا. والشيخ ياسين رسم خط حوالينا وقال: "محدش يخرج من الدايرة." وقال كمان: "جالك لحد عندك يا حاجة ونيسة." المشرط بيتحرك في الهوا وفي دم بيقع على الأرض. الدم ده أسود أوي وأول ما بيلمس الأرض بيطلع دخان كأنه نار وبيعمل حفر في البلاط. لقيت الشيخ ياسين بيقول لحد عند الباب: "أهلاً بالمخاوي." ولقيته بيقول له: "عفارم عليك." وبص في اتجاه المشرط وقال: "مش هتعرف تهرب مننا ولا حد هينجدك. المخاوي وكل الجن اللي تبعه حبسوا كل الجن الطيار واللي اتلعن منها. بيتقتل في الحال، وإنت هنا لوحدك في مواجهة قرين الحاجة ونيسة، ودا لا هينفع معاه قوتك ولا سحرك لأنه صاحب دم عندك، والقرين مبيسبش دم صاحبه."
فجأة لقيت ميه جايه من العدم وبتنزل على جسم مش شايفاها. بيطلع كله دخان وصوت صرخات والشبابيك بتتكسر. والشيخ ياسين ماسك عصايته وبيزوقه بيها وبيقول له: "موت يا عدو الله، خالفت كل الشروع وعشان كدا مصيرك دايما الهلاك." فجأة كل حاجة هديت والمشرط رجع مكانه. وقال الشيخ ياسين: "دلوقتي تقدر ترتاح جوه قبرها، رحمة الله عليها."
في كل اللي حاصل ده ابتهال كانت فقدت الوعي. وفتحت بصيت بين رجليها لقيت دم زفر أسود بينزل من بين رجليها. مسح الشيخ ياسين الخط وقال: "دلوقتي تقدري تخلصي على ابن الجن اللي في رحمها. على ما نروح إحنا البلد نعمل مهمة تانية."
نظفت الرحم من كل حاجة وسندت ابتهال للعربية. وقتها لما اتحركنا موبايلها ضرب. محمد. قالته: "أنا عايزاك تيجي تاخدني من هنا، أنا تعبت من غيرك." قالها: "أنا نازل بكرة وجاي آخدك تعيشي معايا." روحتها، ويدوب ساعة كنت بعربيتي داخلة كفر الأيوبي ولقيت الناس ملمومة قدام البيت في عز الليل. ولقيت حمزة ووالده واقفين بينهم. وببص على البيت لقيت الحجارة بتترص لوحدها فوق بعضها والبيت بيرجع يتبنى من أول وجديد من غير ما أي حد يقرب منه. والناس بتقول: "البيت ده اتهدم واتبنى يجي سبع مرات لحد دلوقتي." "بركاتك يا شيخ ياسين الأيوبي."
بصيت على حمايا لقيته بيبص على البنا وبيقول: "الله ينور يا مخاوي." وهو قال كدا وسمعت صوت، مسمعتش أعذب منه في القرآن طالع من جوه البيت.
تمت