تحميل رواية «أبلة كشر» PDF
بقلم ميرنا ناصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
انت يا أستاذ… انت يا بيّه… افتح الباب. والله لأبلّغ البوليس. إيه قلة الذوق دي؟! انتِ مين أصلًا، وبتخبطي على الباب كده ليه؟ قلة ذوق؟! دي أنا؟! ده انت راجل بجح. يا نهارك أسود ومنيل… وكمان شيشة ودخان، وتلاقيك حاطط نوع من المخدرات. ششّش… انتِ عايزة تفضحينا في العمارة؟ وطي صوتك. أوطي؟!ده أنا هاعلي وهعلي. من الصبح خبط ودوشة قلت معلش… جار جديد وبينقل والجيران لبعضها. صوتك عالي؟ برضه قلت معلش، عُمال وناس كتير طبيعي يحصل دوشة. إنما بالليل؟ أغاني، وريحة دخان خانقة… والبيه طلع صاحب مزاج. انتِ لولا إنك ست…...
رواية أبلة كشر الفصل الأول 1 - بقلم ميرنا ناصر
انت يا أستاذ… انت يا بيّه… افتح الباب.
والله لأبلّغ البوليس.
إيه قلة الذوق دي؟!
انتِ مين أصلًا، وبتخبطي على الباب كده ليه؟
قلة ذوق؟! دي أنا؟!
ده انت راجل بجح.
يا نهارك أسود ومنيل… وكمان شيشة ودخان، وتلاقيك حاطط نوع من المخدرات.
ششّش…
انتِ عايزة تفضحينا في العمارة؟ وطي صوتك.
أوطي؟!ده أنا هاعلي وهعلي.
من الصبح خبط ودوشة قلت معلش… جار جديد وبينقل والجيران لبعضها.
صوتك عالي؟ برضه قلت معلش، عُمال وناس كتير طبيعي يحصل دوشة.
إنما بالليل؟
أغاني، وريحة دخان خانقة… والبيه طلع صاحب مزاج.
انتِ لولا إنك ست… أنا كنت.....
كنت إيه؟!
بتقطع ليه؟ بتبلع الكلام ليه، آه ما هو البيه مسطول.
يا نهارك أسود… وكمان معاك أطفال!
إيه ده؟!
أبوهم انت ؟!ولا خاطفهم؟!
لا لا… أنا مش هسكت.
عم سباعي… عم سباعي!
عم سباعي وصل وهو بينهج، وبلهجته الصعيدي المميزة:
خير يا ست ماريا… إيه اللي مولّع الدنيا كده؟
أنا ساكنة هنا بقالي كام سنة يا عم سباعي؟
ابتسم ابتسامة فيها حنين:
حسبة كده… ييجي حوالي تلاتين سنة، من يوم ما اتولدتي هنا.
ونص العمارة دي مكتوب باسم مين؟
قالها وهو مخنوق:
باسمك يا ست ماريا.
أومال مين البِيه المسطول ده؟
احترمي نفسك يا ست… أنا من الصبح ساكت لك.
احترم نفسي؟!ده انت مش بس قليل الذوق… ده قليل الأدب.
عم سباعي حاول يدخل بينا، واقف زي جندي أعزل بين دولتين نوو يتين، رافع إيده وكأنه بيحاول يوقف حرب مالهاش آخر:
بس… كفاية.
يا ست ماريا، عمك هاشم هو اللي سكّنه، وهو برضه نص العمارة باسمه.
عمي هاشم؟
طبعًا… بيتصرف وكأنها ملكه لوحده.
أي حد من هب ودب يسكن في أي حتة.
ما هو صاحب أملاك بقى، مش فاضي يقعد مع المستأجر يعرف هو مين ولا جاي منين.
الراجل ده يلم عزاله ويمشي فورًا.
بصي يا مدام…
مدام في عينك.
انسة، الدكتورة ماريا كامل.
ضحك ضحكة فيها تحدّي وقلة احترام:
حصلنا الرعب العظيم.
أنا مش مستأجر… أنا مالك.
والشقة دي اشتريتها برقم انتِ عمرك ما سمعتيه حتى في خيالك.
وطالما البيع تم في حدود حصة المالك التاني، اللي هو عمك، يبقى قانوني ومن غير إذنك.
وطلوع مش طالع.
أما الأغاني؟ هاعلي وهعلي.
والدخان؟ في مدخنة جوه.
واللي مش عاجبه… يشرب من البحر.
وقفل الباب في وشّنا.
دخلت شقتي وأنا بغلي.
عمي… زوّدها قوي.
مش كفاية نهش الورث، كمان عايز ينهش في لحم بنت أخوه اللي لا ليها أب ولا أم.
أشكال إيه دي اللي يسكنها؟
مخدرات، وأغاني، وليل مسروق من الهدوء.
وكمان قدامي… قُصادي عين في عين.
وتلاقيه فعلًا خاطف الأطفال دول شكلهم ولاد ناس.
نمت بالعافية، حاطة مليون مخدة على راسي علشان الأغاني.
اتأخرت في النوم… قوي.
صحيت على ريحة خانقة.
خانقة أوي.
بصّيت على الساعة … عشرة.
الدخان مالي الجو، بس دي مش شيشة.
دي ريحة حريق.
فتحت باب الشقة…
الدخان طالع من عنده.
وسمعت صويت أطفال:
الحقونا… الحقونا!
قلبي وقع في رجلي.
خبطت، صرخت، حاولت أكسر الباب… مفيش فايدة مش عارفة اكسره.
الجيران اتلمّوا، عم سباعي، أم عبده مراته … ولا حد عارف يعمل حاجة.
فكرة واحدة نطّت في دماغي فجأة.
غبية.
مجنونة.
بس وحيدة.
أنط من البلكونة لبلكونته.
الدور الخامس.
غلطة واحدة… مفيش رجوع.
سمعت أم عبده بتصرخ:
يا بنتي بلاش!... بلاش ياست ماريا المطافي هتيجي دلوقت.
ما سمعتهاش.
ولا حسّيت بنفسي غير وأنا في البلكونة التانية.
الدخان كان تقيل… خانق.
دخلت بالعافية.
يا ولاد… حد سامعني؟
لقيتهم.
الولد الصغير مغمى عليه.
والبنت عند الباب، بتصرخ بهستيريا.
طلّعتهم واحد واحد.
سلّمتهم من بلكونة للبلكونة بتاعتي، بمساعدة ام عبده.
وبعدين رجعت كسّرت الكالون، والجيران دخلوا.
عفش الصالة… شبه اتحرق كله.
رجعت شقتي للاطفال بسرعة وسبتهم هما يطفوها والحمدلله قدروا يطفوها.
ربع ساعة بحاول افوق الطفل.
الولد ما فاقش.
لبست بسرعة، شيلت البنت، ونزلنا المستشفى.
ومعانا عم سباعي وهو بيكلم البيه:
إلحق يا أستاذ مالك… كارثة.
مستشفى الحياة. فورًا.
خرج الدكتور… وشه متقلّب، صوته تقيل.
انتِ والدة الطفل؟
لا…آه…آه هو والدي... أقصد… أنا والدته.
سكت ثانية وخد نفس، ثانية طويلة… تقيلة.
للأسف الطفل…
رواية أبلة كشر الفصل الثاني 2 - بقلم ميرنا ناصر
تعرّض الطفل لاختناق شديد بالدخان.
ودخل في غيبوبة تنفسية.
الكلمة وقعت عليّ كأنها حجر.
"غيبوبة؟ يعني لا سامع، ولا حاسس… يعني معلّق بين النفس والعدم؟"
سألت الدكتور، وصوتي بالكاد مسموع:
"وضعه إيه؟"
"وضعه حرج. حطيناه على أكسجين عالي التركيز. فيه التهاب حاد بالرئة نتيجة استنشاق الدخان. أول يومين… هما الميزان."
"هيعيش، صح؟ أكيد هيعيش… هو ما عملش حاجة تستاهل ده."
الدكتور ما قالش نعم. وما قالش لا.
"إحنا بنقوم بواجبنا الطبي كاملًا، لكن النتيجة… دي بتاعت ربنا."
البنت كانت واقفة جنبي، ساكتة. عينها في عيني، كأنها بتسلّمني السؤال بدل الإجابة.
"هو هيصحى يلعب معايا تاني يا طنط؟ ولا… هيسافر زي ماما؟"
السؤال طلع منها هادي، وهدوؤه كان أخطر من العياط.
"إن شاء الله هيصحى. وهتلعبوا سوا كتير. ربنا يحفظكم لبعض."
سكتُّ ثانية وبصّيت لها:
"هي ماما سافرت فين؟"
رفعت عينها. كانت مليانة دموع. وما نطقتش.
عم سباعي واقف بعيد، السبحة في إيده بتلف، وشفايفه بتذكر ربنا بصوت واطي.
أم عبده قاعدة على الكرسي، وشها مسحوب، كأنها شايفة اللي جاي قبل ما ييجي.
أما مالك وصل متأخر. وشّه متكسّر بين غضب وندم.
صوت واحد فاق فجأة على كارثة.
"حرقتِلي بيتي! عايزة تموّتِلي ابني؟ إنتِ عايزة مني إيه؟ أنا عملت لك إيه؟ حسبي الله ونعم الوكيل… هدمر حياتك، وهوديكي في ستين داهية!"
بصّيت له بهدوء بارد:
"حرقت بيتك؟ إنت فاقد وعيك؟ أنا اللي ولّعت؟ ولا مزاجك هو اللي ولّع البيت؟"
اندفع عليّ، مسكني من إيدي، وهزّني بعنف:
"هقتلك يا ماريا… أقسم بالله هقتلك!"
عم سباعي دخل بينا، زقّه بعيد كأنه بيبعد شر.
البنت صرخت، عيّطت بهستيريا.
حضنتها وضمّيتها ليّ بحب شديد.
"متخافيش يا حبيبتي… اهدي. ده هزار. بنمثل، زي المسرحيات اللي بتعملوها في المدرسة."
بصّتلي. ما اقتنعتش. بس سكتت.
بعد شوية، نامت على رجلي.
نَفَسها هادي… كأنها هربت من الحقيقة بالنوم.
عدّى نص ساعة. وتوقعت عم سباهي حكى له كل شيء. ورجع:
"أنا آسف يا دكتورة ماريا، بس..."
قاطعته:
"إنت لا تصلح أن تكون أب. عارفة إن التوقيت قاسي، وإن الكلام ده مينفعش يُقال هنا. وابنك بين الحياة والموت… لكن والدي _الله يرحمه_ كان بيقول جملة بحبها جدًا: 'الحقيقة لا تنتظر وقتًا مناسبًا، فهي لا تأتي لتُريحنا، بل لتُوقِف الضرر'."
قربت خطوة:
"بنتك قالت إنهم لعبوا بالفحم، والكبريت، وبقايا سهرتك. سيبتهم وحدهم!!"
قفلت عليهم بالمفتاح. ونزلت.
إزاي؟ إزاي تفكّر؟ إزاي تسيب أطفال في أدوات خطيرة وسكاكين وغاز وفحم مولّع وكبريت؟ مولّع من إمبارح إزاي إلا لو كنت مغيّب، أو شربت الصبح كمان؟
لو ملحقتهمش؟ ولو النار مسكت في شقتي؟ في العمارة؟ في المطعم اللي تحت؟ كنا بقينا قدّام مجزرة.
سكتُّ لحظة:
"إنت مش بس مهمل… إنت خطر.. وقبل ما تكون خطر عليا، خطر على عيالك."
عم سباعي بصّلي بنظرة تحذير، نظرة الاب لبنته، ونده لأول مرة اسمي من دون ألقاب:
"ماريا… كفاية. مش وقته."
مالك بصّ لبنته، الدموع في عينيه، وصوته اتكسر:
"أنا مغيّب. والمغيّب ما ينفعش يكون أب... ماشي.. برافو عليكي شكرًا."
"وسابنا وجري لأخر الممر الخاص بالعناية."
عدّت ساعات. باب العناية اتحرّك. قومت وشيلت البنت.
طلعت بيها بجري بيها. خرج ممرض. مش دكتور. ما قالش حاجة. قفل الباب ومشي.
رجعت مكاني. الساعة واقفة. نفس الرقم. الزمن معلّق.
افتكرت سور البلكونة. لو رجلي زحلقت، لو إيدي خانتني.. لو فكّرت لحظة زيادة… مش عارفة… أنقذته؟ ولا بس قدّمتُه للقدر قبل معاده؟
باب العناية اتحرّك تاني. نفسي وقف. الدكتور خرج. وقفت. وأبوه بيقرب.
الدكتور قال بصوت مهني هادي:
"الحمد لله. فيه تحسّن أولي. الولد استجاب للأكسجين، والتنفّس بقى أحسن نسبيًا. لسه الطريق طويل… لكننا تخطّينا المرحلة الأخطر."
الكلمة نزلت علينا أخف من الأولى. الكلام ما فرّحنيش. بس شال حاجة تقيلة من قلبي.
فضلنا واقفين. ولا حد عارف يعمل إيه بعد كلمة نسبيًا.
مالك قعد على الكرسي، حاطط راسه بين إيديه. مش بيعيّط… بس واضح إنه استسلم.
البنت كانت نايمة على رجلي. نَفَسها هادي. كأنها استنفدت كل خوفها ونامت.
عم سباعي قرب:
= يلا بينا يا ست ماريا.. الحمد لله اطمنا على الواد.
_ لا ياعم سباعي، أنا هفضل هنا.
= وه، هتباتي هنا؟
— آه.
"قلت الكلمة من غير تفكير."
= ميصحش، مش واجب عليكِ.. انتِ عملتي الواجب وأكتر.
"قالها بهدوء."
— عارفة. بس مش همشي... مش هعرف ياعم سباعي... صورة الواد مش بتفارق عيني... مش هعرف أروح سيبني على راحتي.
رجعت قعدت قدّام باب العناية. الباب مقفول. ثابت. كأنه بيحرس اللي جوه.
الدخان لسه في دماغي. مش في أنفي. في الذاكرة.
افتكرت اللحظة اللي نطّيت فيها. مش شايفة اللي عملته بطولة. هو قرار لحظي. يا يطلع صح… يا يخلص كل حاجة.
مالك قرّب خطوتين، وقف على مسافة محسوبة.
صوته هادي، رسمي:
"دكتور ماريا… اتفضلي روحي. غيري هدومك.. وارتاحي، حضرتك عملتي اللي عليكي بزيادة."
_ بس أنا عايزة أكون هنا.. أنا هفضل هنا مع البنت.
بصّيت له، وبعدين بصّيت على نفسي. كنت لابسة بيجامة بيت، اللي نطيبت بيها إنها لبس مش مراب ريحة الدخان اللي فيه قوية. نضارة النظر على وشي، مش مخبية حاجة، بس الدنيا من وراها مش ثابتة. شعري ملموم في كعكة مش مظبوطة. والشال… الشال الصوف التقيل اللي لفّيته عليّا، شغل إيد أمي من زمان، مداريني من فوق لتحت، كإنه روب، وكإنه آخر حاجة أعرف أمسك فيها.
قلت له بهدوء، من غير انفعال:
_ لا يا أستاذ مالك.
رفع حواجبه:
— حضرتك تعبانة.
شدّيت الشال أكتر:
— أنا كويسة.
لفّيت ناحية أم عبده، من غير ما أسيب مكاني.
طلّعت المفتاح من جيب البيجامة ومدّيته لها:
— يا أم عبده، لو سمحتي.
قامت بسرعة:
— نعم يا دكتورة؟
— خدي المفتاح. الصبح بدري تطلعي الشقة. تجيبيلي لبس نضيف… أي حاجة غير اللي أنا لابساه دلوقتي. وتجيبي الموبايل بتاعي من على الكومودينو. ولو البطارية فاضية، اشحنيه.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— حاضر.
كمّلت:
— وتجيبي أي لانش بوكس. تحضري فيه ساندوتشات للبنت علشان أول ما تفوق.
مالك كان واقف سامع، من غير تعليق.
قال بعدها بنفس النبرة الرسمية:
"دكتور ماريا، وجودك صدقيني مش ضروري دلوقتي."
رفعت عيني له:
"وجودي ضروري ليّ. ومش همشي."
ما حاولش يناقش. هزّ راسه، ورجع خطوتين ورا.
رجعت قعدت. البنت نايمة على رجلي. إيدي على شعرها، حركة آلية. وعيني على باب العناية.
الساعة واقفة. مش بتعدّي وقت… بتعدّي نفس... معرفش ليه بعمل كده... كأني صدقت إني أمهم بجد. صدقت الكدبة، اللي كدبتها على الدكتور.
فجأة… الممر اتحرّك. اتنين دخلوا قدّام بعض. لبس رسمي. كارنيهات النيابة واضحة. وراهم عمّي هاشم.... ومعرفش ايه اللي جابه.
وقفوا قدّامنا مباشرة. واحد منهم قال بصوت هادي جامد:
"دكتورة ماريا؟"
قومت.
"إحنا من النيابة العامة. فيه بلاغ رسمي مقدَّم ضد حضرتِك."
مالك لفّ ناحيتي بسرعة:
"بلاغ إيه؟"
الراجل فتح الملف:
"هاشم السادات، عم حضرتِك، مبلّغ إنك قصدتي إشعال الحريق بدافع الانتقام."
الكلمة وقعت تقيلة. الممر سكت... حسيت من الصدمة، إني بلعت لساني.
"وذكر إن في شهود شافوكي قبل الحريق بدقايق طالعة من الشقة."
مالك اتجمّد. بصّ لي… وبعدين للنيابة ثم صرخ:
"إيه الكلام ده؟"
النيابة كمّلت:
"مطلوب حضرتِك للتحقيق فورًا."
ميلت شلت البنت من على رجلي، ومدّيتها لمالك.
أول ما حسّت إن حضني بيبعد… صرخت:
"لااا ... متسيبينيش! طنط... طنط لاء"
تشبّثت فيّ بكل قوتها. شدّت الشال. ضوافرها غرست في دراعي... هي اللي دخلت في النار! طنط مش شريرة.
الممر كله وقف. مالك كان واقف ماسك البنت… وعينه عليّ. صدمة صافية. ولا كلمة.
وكيل النيابة قال بهدوء بارد:
"ده هيتثبت في التحقيق."
مدّ إيده:
"اتفضلي معانا يا دكتورة."
بصّيت لمالك. للبنت. لباب العناية المقفول.
وفي اللحظة دي تحوّلت من اللي أنقذت… للي مطلوب منها تبرّر ليه كانت هناك.
رواية أبلة كشر الفصل الثالث 3 - بقلم ميرنا ناصر
ماخدتش وقت أفكر.
ولا حتى أسأل.
إيدي كانت بتترعش، مش خوف… حاجة أقرب للإهانة.
مشيت وراهم في الممر، وخطواتي بتسيب صدى تقيل، كأن المستشفى كلها سامعة.
مالك كان واقف مكانه.
البنت في حضنه، وشها مدفون في صدره، لسه بتعيّط… صوتها بيطلع متقطع كأن حد بيكتم روحها بإيده.
"طنط ماريا… استني."
صوتها كان بيدق في دماغي زي مطرقة.
وقفت فجأة.
لفّيت للنيابة: "دقيقة واحدة يافندم، طلب إنسان."
الوكيل وقف، بصلي بنظرة رسمية، بس فيها ملل الناس اللي شافت كتير.
"اتفضلي."
قربت من مالك.
نزلت لمستوى البنت.
إيدي كانت بتوجعني من شدّة تمسّكها فيّ.
مسكت وشها بإيديا الاتنين، بصّيت في عينيها كويس، عيني طفل… مكسورة قبل أوانها.
"بصّيلي يا حبيبتي."
بصّت. دموعها كانت مغرقة رموشها.
"أنا مش همشي… أنا هرجع… فاهمة؟"
هزّت راسها لا.
"لأ… إنتي كدّابة… زي ماما."
الكلمة دخلت في صدري وسابت جرح مفتوح.
بلعت ريقي. وابتسمت… ابتسامة مكسورة.
"المرة دي مش كدب. وعد."
قربت منها أكتر، همست في ودنها: "أنا معتمدة عليكي، خدي بالك من أخوكِ. وخلي بالك من بابا. وأوعي… أوعي تصدّقي إن طنط ماريا شريرة."
شدّت فيّ أكتر. وبعدين فجأة… تركتني.
كأنها تعبت من المقاومة.
قمت.
بصّيت لمالك.
مالك ماكانش بيبصلي بطريقة مش مفهومة.
كان بيبصلي كراجل اتفتح قدامه باب ومش عارف يقفله.
كسر صمته وقال: "أنا… أنا مش مصدّق."
قلت بهدوء: "ولا أنا."
***
عدّت ساعات كتير أوي.
كان الفجر نوره شق ضلمة السما.
عم سباعي جنبي وأنا طالعة شقتي خلاص.
الصوت اللي قطع اللحظة كان صوت لهفة وجري.
ست أم عبده كانت مستنياني في الشقة.
"يا دكتورة ماريااا!"
رفعت عيني.
أم عبده جاية عليّا بسرعة، طرحتها مايلة، وشها مخطوف من الخضة.
عم سباعي، دخل ورايا، واقف ثابت بس القلق باين في عينيه.
أم عبده بصت له وبصيت لي وقالت: "إنتي كويسة يا بنتي؟ حد قربلك؟ ودّوكي فين؟"
قربت أم عبده، مسكت وشي بإيديها، كأنها بتطمن إني قدامها مش حلم.
"قوليلي يا بنتي… إنتي بخير؟"
هزّيت راسي.
"الحمد لله."
سكتُّ لحظة، وبعدين الكلام نزل تقيل، ضحكة ضحكة وجع: "عمي… عمي اللي منه لله بلغ عني."
أم عبده شهقت: "يا ساتر يا رب!"
عم سباعي نزل راسه، سبحته بتلف ببطء.
"قال إني أنا اللي ولّعت. أنا! لولا إن أستاذ مالك رنّ على عم سباعي، وربنا سترها، وعم سباعي كتر خيره كلم الجيران وشهدوا وقالوا الحقيقة… وفرغوا الكاميرات بسرعة والمحامي بتاع بابا الله يرحمه، كان زماني بايتة في القسم."
أم عبده ضربت كف بكف: "حسبي الله ونِعم الوكيل!"
كررتها وراها، صوتي مبحوح: "حسبي الله ونِعم الوكيل."
سكتُّ ثانية وبعدين قلت: "كنت مرعوبة. القسم… الريحة ونظرات المجرمين بجد."
بلعت ريقي: "عمري ما خفت من بشر قدّ الخوف اللي حسّيته هناك."
أم عبده شدّت على إيدي: "ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي."
عم سباعي قال بصوت هادي تقيل: "يا ست ماريا… ما ينفعش تباتي لوحدك الليلة."
لفّ على مراته: "يا أم عبده، تباتي معاها."
أم عبده هزّت راسها فورًا: "طبعًا."
هزّيت راسي لا.
"لا يا عم سباعي."
بصّولي باستغراب.
"ليه بس يا بنتي؟"
ابتسمت ابتسامة تعبانة: "أنا تعبتكم معايا خالص. شلتوني فوق طاقتكم. وقفتوا جنبي وأنا مش من لحمكم ولا دمكم."
صوتي اتهز: "إنتوا أقرب ليا من اللي من لحمي ودمّي. ومش عارفة أشكركم إزاي."
أم عبده دموعها نزلت: "متقوليش كده."
هزّيت راسي بهدوء: "سيبوني دلوقتي. أنا محتاجة أبقى لوحدي شوية."
عم سباعي بصّلي بنظرة راجل فاهم إن القرار ده مش عناد… ده وجع.
"إحنا تحت يا بنتي. أي حاجة… إحنا موجودين."
"عارفة، يديم وجودكم ياعم سباعي."
مشيوا.
الباب اتقفل وراهم.
وساعتها… رجلي خانتني.
قعدت على الأرض. ضهري في الحيطة.
الشال وقع من على كتفي.
العياط كان واحش عنيا، صرخت زي طفل تاه في مولد، بيدور على ابوه وأمه بس فقد الأمل.
عياط تقيل يطلّع الروح ويكتمها.
دفنت وشي بين إيديا وهمست: "حسبي الله ونِعم الوكيل…"
"حسبي الله ونِعم الوكيل…"
وانهرت.
نمت في مكاني لحد ما الصبح صبح عليّ.
لما فتحت عيني ما حسّتش بحاجة واضحة، غير إن جسمي سبق عقلي وقام.
دخلت أخدت شاور، وطلعت لبست لبس مهندم، حاجة تنفع للمستشفى وتعدّي وسط الناس من غير أسئلة.
دخلت المطبخ، حضّرت ساندويتشات للبنت: جبنة، حلاوة، ومربّى.
وأنا بلفّ العيش افتكرت إني لسه مش عارفة اسمها، ولا حتى جه في بالي أسأل امبارح.
نزلت من البيت ومشيت شوية، وانا بفكر هعمل إيه بعد كده.
لقيت نفسي قدّام محل لعب أطفال.
دخلت، بصّيت على الرفوف، وقفت شوية قدّام العرايس.
اخترت واحدة حجمها مناسب وملامحها هادية، شيلتها ودفعت من غير تفكير كتير.
رجعت المستشفى.
نفس الممر، نفس الإضاءة، بس إحساسي مختلف.
كنت راجعة وأنا عارفة إني مش جاية أعمل حاجة كبيرة، ولا أنقذ حد، أنا بس جاية أكمل اللي بدأته.
شدّيت نفسي ومشيت ناحية العناية.
دخلت المستشفى ومشيت في الممر لحد ما شفتهم.
مالك كان واقف جنب الحيطة، باين عليه ما نامش.
البنت كانت قاعدة على الكرسي، رجليها مدلدلة، وعينيها رايحة جاية كأنها مستنية حاجة ومش عارفة إيه هي.
أول ما شافتني قامت مرة واحدة.
سابته وجريت عليّ.
"طنط ماريا!"
حضنتها من غير ما أفكر.
حضن صغير، بس ماسك في الرقبة كأنه بيعتذر عن امبارح.
"وحشتِك؟" قلتها، وهي لسه لازقة فيّ.
"شوية." ردّت، وأنا بمسّد على شعرها.
"شوفتي إزاي وفيت بوعدي ليكِ."
طلّعت الساندويتشات من الشنطة.
فتحتها قدامها.
"جعانة؟"
هزّت راسها بسرعة.
قعدت جنبها وادّيتها واحدة.
مسكتها بإيدين الاتنين، وابتدت تاكل على مهَل.
طلّعت كيس العروسة.
حطيته على رجلي، وبعدين زقيته ناحيتها.
"دي ليكي."
بصّت للكيس. وبعدين ليّ.
فتحتُه واحدة واحدة، كأنها خايفة تطلّع حاجة وتختفي.
أول ما شافت العروسة ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، هادية، من النوع اللي بيطلع من جوه.
حضنتها.
وبصّت لي: "اسمها إيه؟"
"اللي إنتي عايزاه."
فكّرت ثانية. وبعدين قالت: "هسميها ماريا."
ضحكت من غير صوت.
مالك كان واقف بعيد، سامع، وبيضحك.
قربت منها شوية.
"طب إنتي اسمك إيه؟ تصدقي أنا لحد الآن معرفش… مع إننا بقينا أصحاب."
بصّت لي بثبات، كأن السؤال سهل: "أيلن… وأخويا اسمه آدم… أنا خمس سنات (سنوات)، وهو تلات سنات."
ضحكت على كلمة سنوات ونطقها.
"تشرفت يا أيلن خمس سنات، عقبال كل السنات يارب."
ابتسمت، وكملت أكلها، والعروسة على حجرها.
وكأن العالم بيبتسم ومليان سلام.
مالك قرّب خطوة، وقف جمبي.
صوته واطي، فيه تعب أكتر من اللوم.
"ليه تعبتي وجيتي؟"
بصّيت له لحظة، وبعدين على أيلن، شدّت العروسة فحضنها.
"علشان وعدت أيلن إني هاجي. و… علشان أشكرك على اللي عملته."
هزّ راسه بهدوء.
"اللي يستحق الشكر إنتِ يا دكتورة."
سكتنا ثانية.
الدنيا حوالينا ماشية، بس اللحظة واقفة.
باب العناية اتحرّك. الدكتور خرج.
"الحمد لله، الولد فاق، وهننقله العناية العادية شوية."
مالك وقف. نَفَسه طلع تقيل بيحمد ربنا بلهفة.
أيلن بصّت لي بسرعة: "هو صحي بجد؟"
"آه." قلت لها.
ابتسمت. مسكت العروسة من إيدها ورفعتها شوية.
"هوريهاله."
الدكتور كمّل: "لسه محتاج متابعة، بس عدّينا الخطر."
مالك بصّ لي، وفي عينيه حاجة اتغيّرت.
مالك لفّ ناحية الدكتور، صوته كان هادي بس باين عليه القلق.
"ينفع ناخده في البيت؟"
الدكتور خد نفس قصير قبل ما يرد، كأنه بيوازن الكلام.
"مش دلوقتي. لازم يفضل تحت الملاحظة يومين كمان على الأقل. الرئة لسه محتاجة متابعة، واحتمال أي تعب بسيط وارد."
مالك هزّ راسه.
"تمام."
الدكتور كمّل وهو بيقفل الملف: "لو عدّوا من غير مضاعفات، ساعتها نقرر خروجه."
مالك قال بهدوء: "شكرًا."
الدكتور مشي وإحنا فضلنا واقفين.
أيلن قربت منّي: "يعني مش هنروح؟"
وطّيت لها.
"هنروح…"
هزّت راسها، وضمّت العروسة على صدرها.
كان باين على مالك إن جسمه سبق عقله بخطوة. واقف، بس مش حاضر.
قربت منه وقلت له بهدوء: "روح ارتاح شوية."
لفّ ناحيتي.
"لا، أنا كويس."
بصّيت في عينيه.
"لأ، إنت مش كويس. روح نام ساعتين بس. وأنا هقعد هنا… وهخلي بالي من أيلن."
بصّ عليها، وبعدين رجع بصّ لي.
التردد كان واضح، بس التعب كان أوضح.
بعد إلحاح طويل وافق. ومشي.
قعدت أنا وأيلن.
كانت ماسكة العروسة، وتبصلي كل شوية كأنها بتتأكد إني لسه موجودة.
رجع بعد ساعتين فعلًا.
وشه أهدى وقال وهو بيقرب: "نمت… نمت زي ما قولتي."
هزّيت راسي.
"باين."
الوقت كان اتأخر.
وقلت له بعد تردد: "خلّي أيلن تيجي تبات معايا الليلة."
لفّ ناحيتي بسرعة.
"إزاي؟"
"المكان هنا مش مناسب لطفل. وأنا هخلي بالي منها. وهحميها وأحميها… وبكره الصبح أجيبها وارجعها هنا."
سكت. كان واضح إن القرار تقيل عليه.
"دي مسئوليتي." قالها وهو باصص لأيلن.
ضحكت وقلت: "وأنا مش بسرقها منك. دي ليلة واحدة."
فضل ساكت شوية وبعدين قال: "تمام."
خرجت بأيلن.
في البيت، نامت بسرعة، كأن جسمها استسلم أول ما حسّ بالأمان.
أنا كمان نمت من غير ما أحس.
الصبح، صحيت بدري. حميتها وسرحتلها شعرها وفطرتها.
وللحظة اتمنيت يكون لي بنت شبها.
مسكت إيدها ونزلنا.
وصلنا المستشفى.
سلّمتها لمالك. واستأذنت لأني عندي تسليميات للشغل، والأيام جاية كتير واحكيلكم طبيعة شغلي.
***
مالك بغضب شديد: "ده إيه؟"
"…"
"بأسألك… يا أيلن. الدفتر ده بتاع مين؟"
"…"
"بصّيلي وأنا بكلمك."
"بتاع طنط ماريا."
"وإنتي أخدتيه ليه؟"
"ماخدتوش…"
"أمال إيه ده؟"
"كان في شنطتها."
"وإنتي فتشتي في شنطتها؟"
"لأ… أنا… أنا كنت عايزة أفضل معاها."
"ده مش سبب إنك تاخدي حاجة مش بتاعتك."
"أنا هرجعه…"
"إنتي فاهمة يعني إيه اللي عملتيه؟"
"أنا مش حرامية…"
"طب تفسري إزاي الدفتر ده في إيدك؟"
"طنط ماريا الصبح كانت مبتسمة وبتحكي مع نفسها وبتكتب وحسيتها مبسوطة… فقولت دا اكيد كتاب حكايات بتضحك فأخدته."
"سرقة يا أيلن… بتسرقي؟!"