تحميل رواية «عطر سارة» PDF
بقلم شيماء سعيد
الفصل 22 — رواية عطر سارة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _ أرجع لورا يا أبيه.. _ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا.. الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _ مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ و...
رواية عطر سارة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء سعيد
بغرفة الكشف..
ظلت يدها تضم يده والطبيب يقوم بالكشف عليه. عينيها تراقب ما يحدث بمشاعر بدأت تفهمها، عضت على شفتيها المرتجفة وهي تبكي، خائفة من فقدانه. رأته يقع أمامها ويقع معه جبروته وصورته القاسية المرسومة بداخلها. وجدت نفسها تنزل إلى كفه تضع عليه عدة قبلات.
عاد إليها مشاعر اليتم، للحظة ضمته لصدرها وتخيلت حياتها بدونه لتري ضياع، خوف، وجع، فقدان للأمان. ما هذه المشاعر وكيف تعيشها مع محمود؟
انتهى الطبيب ليفتح الباب لعلي المنتظر بالخارج وقال بهدوء:
_ اللي بيحصل ده غلط يا علي بيه، أنا حذرت حضرتك المرة اللي فاتت وقولت لك إن أي ضغط هيدخلنا في مشاكل إحنا مش عايزين نوصل لها. محمود بيه بالشكل ده بينتحر.
قالت بنبرة خائفة:
_ هو كويس مش كده؟
نفى الطبيب وقال:
_ لأ مش كويس يا فندم، الضغط بيترفع بشكل فظيع وده ممكن يسبب في أي وقت لا قدر الله جلطة دماغية. أنا قولت الكلام ده لعلي بيه المرة اللي فاتت وطلعنا علاج الضغط وقولنا هنمشي عليه، لكن بالشكل اللي بيحصل ده مش هنعرف كل مرة نسيطر على الموقف، خصوصًا إن ما بين المرتين أيام.
أرتجف جسدها وحركت رأسها برفض لتلك الفكرة. نظرت لعلي برجاء وقالت:
_ ضغط وهو عنده الضغط، قولي أي حاجة الله يخليك.
أغمض علي عينيه لعدة لحظات ثم قال بتعب:
_ هي دي الحقيقة يا مدام سارة. محمود اغمى عليه يوم ما طلقتك ولما جبته هنا اكتشفنا إن عنده الضغط. أنا ما أعرفش إيه اللي وصله للحالة دي تاني، لكن اللي متأكد منه إن أنتِ السبب. من البداية كنت واقف في صفك لأني متأكد إنك مظلومة، لكن لو صاحبي هيفضل بالشكل ده يبقى أحسن لك تختفي من حياته طالما وجودك بيوجعه.
بخطوات سريعة عادت لتجلس على أرضية الغرفة بجواره تأخذ يده على صدرها. أرتفعت شهقاتها بخوف وهمست إليه:
_ محمود فتح عينك، أنا خايفة.
تحدث الطبيب بجدية:
_ هو حاليًا هيفضل نايم لحد الصبح وده أحسن له. أتمنى اللي حصل ده ما يتكررش تاني. هخرج دلوقتي وكل ساعة هرجع أشوفه.
خرج فنظر إليها علي وشعر بالشفقة عليها. فتاة صغيرة وحيدة متعلقة بيد طوق نجاها الوحيد. مسح على خصلاته بقلة حيلة من تلك العلاقة السامة للطرفين. أقترب منها لتضع رأسها على كف محمود كأنها تحتمي به. فأخذ نفس عميق ثم أخرجه مردفاً:
_ ما تخافيش، أنتِ أمانة محمود يعني لو روحك قصاد روحي هختارك عشان لما يرجع يلاقيكي. اللي بيحصل ده غلط يا سارة، أنا عارف إنك صغيرة وشوفتي في الدنيا حاجات وحشة كتير مخلياكي مشوشة ومش عارفة أنتِ عايزة إيه بالظبط. ناس كتير في حياتك كانوا قريبين منك غدروا بيكي عشان كده إنتِ مستنية الغدر من أي حد ومش قادرة تحسي بالأمان.
صمت لثواني ليري تأثير حديثه عليها. وجدها تحدق به بضياع تنتظر منه أي كلمة يصف بها ما هي عليه. فأكمل بقوة:
_ كل ده أنا ممكن أتقبله، بس ده ما يمنعش إنك ذكية وواعية. كنتي عارفة بتعملي إيه كويس لما قربتي من محمود. قربتي من راجل متجوز وقبلتي تتجوزيه في السر رغم وجود مراته وابنه وشكله الاجتماعي قدام الناس. محمود لو كان أعلن جوازه منك قدام الناس في سنك ده تبقى فضيحة. كنتي هتسمعي كل نفسك فيه من السوشيال ميديا. طلقك عشان ترتاحي وتحسي إنك حرة وتقدري تختاري صح. دلوقتي هو نايم لا حول له ولا قوة والقرار في إيدك إنتِ. يا يصحى من النوم يلاقيكي قدامه يا تمشي قبل ما يصحى. حالة محمود مش ناقصة أي كلمة زيادة منك.
أنهى حديثه وتركها معه بمفردها. تركها تنظر إليه بضياع، تتمنى لو تقدر على أخذ أي قرار يريح قلبها. نعم هو محق، هي من دلفت بقدميها للنار وبكل صراحة تعترف أنها من اختارتها واقتربت منها. الآن فقط تشعر بعدم قدرتها على الخروج من بين أسوار قلب محمود علام.
أبتلعت ريقها ورفعت وجهها تتأمل ملامحه الشاحبة ويسير أمام عينيها شريط يذكرها بكل لحظة مرة بينهما لتقول بتعب:
_ طيب أعمل إيه دلوقتي؟ ما أنت اللي طلقتني تاني؟ أرجع لك تاني في السر وأحس قد إيه في كل لحظة بتمر بينا إني رخيصة ولا أبعد عنك؟ بس أنا مش قادرة أبعد عنك، لما وقعت في إيدي حسيت إني يتيمة يا محمود. فتح عينك وقرر وأنا هقبل بأي حاجة أنت تختارها. أنت مش هتظلمني صح؟ هتختار لي الصح؟ قول صح، مش أنت بتحبني يا محمود واللي بيحب حد مش بياذيه. خلاص أنا مش هعمل حاجة من هنا ورايح وهعمل كل اللي انت تقول عليه.
أومأت لنفسها بتلك الكلمات ثم رفعت جسدها لتضع رأسها على صدره وتهرب معه بالنوم مثلما هو قرر الهروب ستفعل مثله، لعلها ترتاح.
بصباح يوم جديد.
_ إيه الجنان اللي بيحصل ده يا سارة؟ من إمتى واحدة بتبات مع طليقها؟
قالتها ألفت بغضب عبر الهاتف. فنظرت سارة لمحمود النائم وخرجت من الغرفة حتى لا تزعجه ثم قالت:
_ ممكن تهدي شوية يا تيتا، محمود كان تعبان وأنا بنت عمه معقولة هسيبه بالشكل ده وأمشي؟ دي حتى مش أصول.
_ وهو من الأصول إنك تباتي بره بيتك حتى من غير ما تستأذني؟ وبعدين لما هو تعبان ما جبتيهوش هنا ليه؟ ما هو حفيدي وأنا أولى بيه.
عضت على شفتيها بخجل وقالت:
_ حضرتك فاهمة غلط يا تيتا، إحنا في المستشفى مش في البيت.
انتفضت ألفت من محلها برعب على حفيدها الغالي وقالت:
_ مستشفى؟ مستشفى إيه؟ اديني العنوان بسرعة.
أعطتها العنوان واغلقت الهاتف. دلفت للغرفة وقالت بغيظ:
_ ما تصحى بقى أنت كمان، وإلا لازم توجع قلبي وأنت صاحي وأنت نايم.
_ محدش في الدنيا دي كلها قدر يوجع قلبي غيرك.
قالها بنبرة ثقيلة وهو ما زال يغلق عينه. اقتربت منه بلهفة وجلست على الفراش أمامه مردفة:
_ محمود فتح عينك وريح قلبي بقى.
نفذ طلبها بصدر رحب وفتح عينيه. ما هذا الجمال يا الله؟ تشعر وكأنها ملكت العالم مع رؤيتها لضوء عينيه الرجولية. لذة غريبة دلفت لقلبه وهو يرى لهفتها عليه. متعة ما بعدها متعة وهي تضم يده بين يديها بكامل إرادتها. همس بتعب:
_ بتعملي إيه هنا؟
_ والمفروض أكون فين؟
تنهد بتعب وقال:
_ تبقي مكان ما انتِ عايزة بعيد عني، بعيد عن الشرير اللي بتكرهيه وبسببه بقيتي بتكرهي نفسك.
خرجت من بين شفتيها شهقة باكية ورفضت بحركة سريعة من رأسها مردفة:
_ لأ يا محمود، أنا كدابة.
رفع حاجبه بسخرية وقال:
_ والله.
أومات عدة مرات ببراءة طفلة صغيرة وقالت:
_ امممم، كدابة وقليلة الذوق ومش بفهم ومعنديش عقل.
بذهول سألها:
_ كل ده؟
_ مين عاقلة يحبها واحدة زيك وتقوله بكرهك؟ يا أما عبيطة أو مش وش نعمة. تفتكر أنا مين فيهم يا حودة؟
إين حودة؟ فقط يحدق بها وكأنها حلم بعيد المنال. شعر للحظة أنه ما زال نائم وما يسمعه عبارة عن حلم جميل يهرب به من واقعه معها.
ضحك بسخرية وقال:
_ الاتنين يا سارة؟ لما شوفتيني واقع في الأرض حسيتي بالشفقة عليا فقولتي تعملي الفيلم الهندي الجديد ده.
نفت بحركة سريعة وقالت:
_ تؤ، الموضوع بالنسبة ليا مش شفقة. لو جيت للحقيقة المفروض كنت أشمت فيك بعد كل اللي حصل بينا، بس حصل العكس. حسيت إني يتيمة يا محمود، وأنا بكره الإحساس ده أوي.
دائماً كانت تسأله سؤال واضح وصريح، ماذا يريد منها؟ ورغم بساطة السؤال إلا أنه كان عاجز عن الإجابة. وها هو يسألها نفس السؤال ويتمنى سماع إجابة تريحه:
_ انتِ عايزة مني إيه بالظبط يا سارة؟
_ عايزة أحبك يا محمود. تعرف تخليني أحبك وأحس إن بكرة كله بتاعنا من غير ما أخاف؟ حسسني إني مهمة عندك واني مش على الهامش. خليني واثقة في نفسي وواثقة إن لو جه يوم واتحطيت في اختيار هكون أول اختياراتك مش بره حياتك. عايزة أحبك وبس.
هو الآخر يريد هذا الحب، يريد تلك الحياة الناعمة بين يديها. أعتدل بجلسته وقام بجذبها ليبقي بينه وبينها أنفاسهم فقط. أغلقت عينيها تستمتع برائحته، تستمتع بقربه ودفيء أنفاسه. دقيقة كاملة مرت به وهو يشعر بالنعيم وبعدها قال بقوة:
_ مش هردك ليا تاني يا سارة.
صدمت من رده عليها وأبتعدت عنه قائلة بحزن:
_ يعني إيه؟ يعني كده خلاص؟
قربها منه من جديد ومرر ظهر أصابعه على بشرتها الناعمة هامساً بنبرة خشنة:
_ لأ مش خلاص. أنتِ عايزة تحبيني؟ يبقي لازم أخليكي تحبيني قبل ما أرجعك. دي فرصتنا الأخيرة.
ابتسمت إليه بنعومة وقالت:
_ امممم، ويا ترى بقى محمود باشا علام هيعمل إيه عشان أحبه؟
أخذ خصلة من شعرها وقربها من أنفه ثم سحب نفس عميق منها وقال:
_ كل اللي بعمله مش بيعجب سارة هانم. ممكن مثلاً تتعطفي عليا وتقوليلي إيه اللي بيعجبك وأنا أعمله لك.
حدقت به بذهول. هل بالفعل يسألها؟ جزت على أسنانها بغيظ ثم سحبت خصلتها من بين أصابعه مردفة بغضب:
_ أنت بتهزر يا محمود؟ عايزني أقول لك تعمل إيه عشان تخليني أحبك؟ لا والله، أمال محمود باشا راح محمود باشا جه وعامل فيها الواد اللي ما فيش منه اتنين، وفي الآخر ما عندكش بـ 2 جنيه رومانسية.
ضحك من أعماقه قلبه. طوال حياته يعلم أن الله يخلق أشخاص ليكونوا مصدر للجراح وأشخاص أخرى عليهم الدواء، ولكنه لاول مرة يرى شخصية واحدة قادرة على فعل الأثنين. نسي ما عاشه معها أمس، أو ليكون صادق قرر النسيان والاستمتاع بحلاوة قربها. حرك عينيه بالمكان مفكراً ثم قال بجدية:
_ والله أنا عندي أفكار كتير جداً رومانسية بالنسبة ليا، لكن ما أعرفش بالنسبة لك هتبقى عاملة إزاي. تسيبيني أتصرف بدماغي ولا عندك حاجة معينة في دماغك؟
أومات إليه بحماس شديد قائلة:
_ اتصرف بدماغك وأنا عليا أتفرج وبس.
أومأ إليها ثم قام من فوق الفراش ودار حول الفراش حتى وصل محل جلوسها وجذبها لتقف أمامه مردفاً:
_ عايز أخطفك، ينفع؟
نفت بحركة من رأسها وقالت بقوة:
_ لأ، عمرك شفت حد بيخطف بنت عمه؟ ماينفعش طبعاً.
_ ينفع بس أنتِ اللي وش فقر يا بت، وافقي ومش هتندمي.
حركت كتفها بدلال أذاب قلبه. أذاب قلبه. همست بنعومة:
_ اتجوزي الأول وأنا هبقى من إيدك دي لإيدك دي، لكن من غير جواز مستحيل. بنات الناس مش لعبة يا باشا.
غمز إليها بوقاحة وبلحظة جنونية كان سيأخذ منها قبلة حتى لو رغماً عنها. كفى عليه هذا القدر من العذاب من حقه قبلة صغيرة تصبره على ما مضى وعلى ما هو آت. سقطت أحلام أرضاً مع دخول ألفت.
أتت إليه تسابق الرياح، محمود حفيدها الأول. منذ أول لحظة له بالدنيا كان مصدر سعادتها ومع كل يوم يكبر به كان أمانها، ظهرها الذي لم ينحني أبداً. رأته أمامها يقف مبتسم لتقدر على التنفس أخيراً. سقطت دموعها والقت بنفسها داخل أحضانه مردفة:
_ بتعمل إيه هنا يا محمود؟ المكان ده مش ليك يا سندي، بتوجع قلبي عليك ليه وأنت عارف إني ماليش غيرك؟
أغلق ذراعيه حولها لتزيد من ضمه وبكائها فوضع عدة قبلات معتذرة على رأسها مردفاً بحنان:
_ اهدي يا ست الكل واعرفي إن ما فيش حاجة في الدنيا دي كلها تستحق دموعك.
_ أنت تستحقها يا محمود وتستحق كل حاجة حلوة في الدنيا. أنا كنت قاسية عليك الأيام اللي فاتت، حقك عليا بس ده من زعلي منك وخوفي على سارة. كنت شايفاك دايماً ما بتغلطش، فلما غلطت غلطت غلطة كبيرة أوي، بس خلاص كل حاجة تتصلح وأنا مسامحاك.
مرر يده على ظهرها بحنان وقال:
_ أنا مش زعلان منك يا تيتا، بالعكس فرحت إنك وقفتي جنب سارة. هي ما لهاش حد إلا إحنا وخصوصًا أنتِ. وبعدين أنا زي الفل، مش عايزك تقلقي.
ابتعدت عنه قليلاً وقالت بحزن:
_ ولما انت زي الفل بتعمل إيه هنا؟
هنا انتبهت لما رأته بأول دخولها الغرفة. تقريباً كانت سارة بين أحضان. لفت وجهها سريعاً وقالت بغضب لسارة:
_ هي العيانين اللي من دول بيقعدوا يفعصوا في بعض يا بنت؟
حركت سارة رأسها بخوف مردفة:
_ لأ والله يا تيتا مش أنا ده هو، حضرتك عارفاني مش بقدر أقوله لأ، دايماً بيفرض سيطرته عليا وبيعمل كل حاجة عايزها غصب عني.
اتسعت عينه بذهول وقال:
_ أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ لسه فيكي حيل تكذبي؟
أبتلعت ريقها بتوتر من نظراته ثم قالت برجاء واضح بنبرة صوتها:
_ يا أخي حرام عليك وكفاية ظلم فيا بقى، لحد إمتى تعمل العملة وتقول إن أنا اللي غرغرت بيك؟ خد بالك إحنا في أيام مفترجة وأنا ممكن أدعي عليك عادي.
بسخرية قال:
_ هيحصل فيا إيه أكتر من اللي بيحصل ليا بسببك. بس أقول لك على حاجة، أنا مستعد أصلح غلطتي.
نظرت إليه ألفت وقالت بغيظ:
_ كفاية هزار أنت وهي لحد كده. إحنا ما كنا قفلنا الموضوع ده يا محمود؟ بتقرب منها تاني ليه؟ سارة صغيرة ومش عارفة مشاعرها واللي انت بتعمله ده بيضغط عليها.
بدأ يفقد أعصابه وقال بغضب:
_ هو إيه؟ كل ما أكلم بني آدم يقولي سارة صغيرة. حد قال لكم إن هي بترضع؟ دي عدت سن الرشد يعني عارفة هي بتعمل إيه كويس. ده أنا اللي مش فاهم حاجة جنبها، دي حرباية.
شهقت بقوة، لا فائدة بالفعل، لا فائدة بمحمود علام. صرخت به بغضب:
_ بتقول إيه؟ أنت بتقول إيه؟
_ أقول اللي أقوله بقى. أنا جبت آخري. بقول لك إيه يا بنت؟ أنتِ اللي هيفكر يقرب منك ولا هياخدك مني هطلع بروحه مين ما كان هو مين. أظن الكلام وصل لك يا ألفت.
أشارت ألفت لنفسها بذهول مردفة:
_ أنت بتهددني يا محمود؟
_ آه وبهدد أي بني آدم يفكر يعدي من جنبها. هو إيه؟ كلكم باصين ليا فيها ليه؟
بالمساء بفيلا سارة.
جلست بجوار جدتها قائلة ببراءة:
_ ما خلاص بقى يا تيتا، أنا مش بحبك تكوني زعلانة مني، وحضرتك شوفتي بنفسك قد إيه هو كان تعبان.
نظرت إليها ألفت بغضب ثم قالت بسخرية:
_ لأ يا شيخة، بيتحرش بيكي وتقوليلي كان تعبان؟ أمال وهو بصحته بيعمل إيه وأنا مش موجودة؟
_ مش بيعمل حاجة صدقيني يا تيتا، بس بقى يعني أنتِ هتزعلي مني والدنيا كلها تزعل مني، هو ما فيش حد بيحبني خالص.
تنهدت ألفت بتعب ثم جذبت كف سارة وقالت بخوف:
_ أنا فاهمة كويس اللي بيحصل يا سارة وعارفة إنك عايزة ترجعي لمحمود، بس ده أنا مش هسمح إن هو يحصل. لا أنتِ ولا محمود تنفعوا تعيشوا مع بعض. يا بنتي فرق السن بينكم كبير، ده غير معتز شايفك بطريقة مش صح. لو فضلتِ موجودة مع محمود علاقته بمعتز هتدمر وأنتِ كمان مع الوقت هتبقي مش مبسوطة وعايزة حد من سنك. الأحسن لك تبعدي من دلوقتي بدل ما محمود يتعلق بيكي أكتر من كده ويتعب. أنتِ هتقدري تبدأي من جديد لكن هو مش هيقدر.
محقة ألفت بحديثها. بينها وبين محمود ألف سور واليوم لم تفعل حساب لهم. كل ما كان يهمها قربه دون التفكير في العواقب. تنهدت بضيق وقالت:
_ كل الحاجات دي مع الوقت ممكن تتحل. معتز هيعرف إن هو مش بيحبني ولا حاجة وأنا هفضل عايشة بعيد عنه. صدقيني اللي حسيته النهارده وهو تعبان أكد لي إني مستحيل أبقى عايزة أبعد عنه في يوم. أنا مش صغيرة يا تيتا لدرجة إني ما بقاش عارفة مشاعري.
صمتت ألفت ودق باب المنزل، فقامت سارة لفتح الباب. اتسعت عينيها وهي تراه يقف أمامها بكامل وسامته ومعه باقة من الورود الحمراء. لفت وجهها لتجد ألفت تحدق بها، فنظرت إليه مردفة بخوف:
_ محمود، أنت إيه اللي جابك هنا وأنت لسه تعبان؟
_ جاي أطلب إيدك.
_ هااا.
_ ها إيه يا حياتي؟ بقولك جاي أطلب إيدك. وسعي يلا عشان أدخل.
سعيدة، لا تنكر وهذا ظاهر على معالم وجهها بوضوح، ولكنها خائفة وهذا أيضاً ظاهر على وجهها. عضت على شفتيها بتوتر وقالت:
_ تيتا قالت لك في المستشفى تبعد عني وكمان دلوقتي قالت لي كده. امشي دلوقتي أحسن ما يحصل مشاكل وأنت تعبان.
كل ما قالته لا يهمه بشيء. قلبه وعقله لم يصل إليهما إلا جملة واحدة "أنت تعبان". تقلق عليه؟ آه والله تقلق عليه. رسمت على شفتيه ابتسامة واسعة وقال:
_ خايفة عليا أتعب؟
نظرت للأرض بخجل فرفع وجهها بوضع أحد أصابعه على ذقنها وقال:
_ خايفة عليا يا سارة؟
_ هتصدقني لو قولتلك ماليش في الدنيا غيرك أخاف عليه؟
نعم، سيصدقها بكل صدر رحب. أومأ إليها وقال:
_ هصدقك.
ابتسمت بدلال وقالت:
_ يبقي بلاش توجع قلبي عليك تاني.
_ سلامة قلبك يا روح قلبي.
انتفض جسدها على صوت ألفت:
_ مين اللي على الباب يا سارة؟
أبتلعت ريقها بتوتر فالقي لها قبلة بالهواء وقال:
_ اطلعي البسي فستان يليق بمناسبة زي دي وتعالي.
_ بس تيتا.
_ ما تخافيش أنا موجود.
شعرت بالأمان وذهبت فدلف خلفها وقال بهدوء:
_ هو إيه اللي مين على الباب يا ألفت؟ حد يعرف مكانكم ولا هيعبركم غيري؟
_ وأنت بقي جاي تعمل إيه؟ لحقنا نوحشك في الكام ساعة دول.
نفي بحركة سريعة من رأسه وقال بكل احترام وهو يجلس على أحد المقاعد ووضع باقة الورد على الطاولة أمامه:
_ جاي أطلب حفيدة حضرتك مدام سارة، وإلا أقولك خليها آنسة. إلا موضوع مدام ده بيزعلها وأنا ما يهونش عليا زعلها.
دلف معتز لغرفة والدته قائلاً بحزن:
_ لسه برضه حزينة يا ماما؟ صدقيني هو ما يستحقش الحزن ده. لو كان بيحبك ما كانش ضحى بيكي بالسهولة دي عشان حتة عيلة صغيرة. ده حتى ما طلعش بيحب ابنه وفضلها علينا كلنا.
ابتسمت عايدة بسعادة وقالت:
_ ما تقولش كده على بابا يا معتز. محمود البنت دي كانت مسيطرة عليه، مظلوم يا حبيبي سنين بعيد عن الستات وبنت حلوة لحمها رخيص عرضت نفسها عليه ففرح له يومين، لكن دلوقتي طلقها ورجع لمراته وقريب قوي هيرجع البيت. بس أنا عايزك تفضل زعلان منه يا معتز عشان يعمل حساب لزعلك بعد كده ويعرف من اللي عمله حاجة كبيرة مش قليلة يتسامح عليها، فاهم يا حبيبي.
جلس معتز بجوارها وقال بلهفة:
_ هو بابا رجعك يا ماما؟
أومات إليه بإبتسامة سعيدة وقالت:
_ اتصل بيا من شوية وقالي إنه رجعني وكان غلطان لما طلقني، بس مش هيقدر يرجع البيت اليومين دول، مش قادر يبص في وشك يا معتز.
نظر معتز أمامه بحزن شديد وقال:
_ أنا بحبه أوي يا ماما، كان طول عمره بالنسبة ليا كل حاجة، بس كسرني. حسسني إني ولا حاجة بالنسبة له. مشكلتي الأكبر إن جوايا مشاعر ليها مش فاهمها. عايز أدمر حياتها زي ما هي دمرت حياتي وأخدت أبويا وقلبي مني.
حركت كفها على ظهره وهي تعلم ما يشعر به. كلما تحدث معها يحرقها ضميرها، لكنها لا تفعل شيء من أجلها فقط، وهو الآخر سيربح. قالت بقوة:
_ أكتر حاجة هدمرها إن محمود يرميها بره حياته. كلبة بتدور على الفلوس ولما الفلوس تروح منها هتموت مقهورة زي ما قهرتني وقهرتك ولعبت بيك.
والدته محقة، هي تستحق كل شيء بشع بالحياة. كيف كان يراها بريئة؟ لا يعلم، ربما كانت مرايا الحب عمياء مثلما يقول الجميع. تنهد بتعب وقال:
_ بابا وحشني.
_ أوعى تروح له يا معتز. لو صالحك هيرجع لها ووقتها والله هموت فيها.
_ خلاص يا ماما مش رايح. أهدي.
بفيلا سارة.
نزلت تركض على الدرج وهي تسمع ارتفاع صوته وصوت ألفت. أقتربت لتقف بالمنتصف مردفة بخوف:
_ هو في إيه بس يا جماعة؟ اهدوا مش كده؟
جذبها لتقف خلفه وقال ألفت بعينين يتطاير منهما الغضب:
_ الحاجة بتقول معندهاش بنات للجواز، فاكرة إني جايه آخد رأيها؟ أنا اللي جاي هنا بس عشان أفرحك وأعيشك حلاوة البدايات، غير كده ما حدش له حاجة عندي.
ردت عليه ألفت بنفس الغضب:
_ وأنا هرجع تاني وأقول لك يا محمود، ما عنديش بنات للجواز. بنت ابني مش لعبة عشان تلعب بيها كل شوية. روح شوف لك واحدة من سنك تنفعك.
رفع حاجبه بسخرية وسحب سارة ليضعها تحت ذراعه وقال بجبروت:
_ بنت ابنك مفيش راجل قرب ولا هيقرب منها غيري. بتاعتي، مكتوب على كل حتة فيها محمود علام. فأهدي على نفسك كده وعدي يومك يا ألفت، وخليني أفرح كلنا مع بعض بدل ما آخدها وأفرح لوحدي.
جذبت سارة منه بقوة وقالت بنفس الجبروت:
_ الكلام ده تهدد بيه الهبلة اللي واقفة جنبي دي، لكن أنا ألفت علام يا محمود، ولا عشرة زيك يقدروا يعملوا حاجة غصب عني.
جن جنونه وبلحظة كان يخطفها من بين يد جدته ويحملها على ظهره قائلاً بوقاحة قبل أن يغادر بها من المكان:
_ ماشي، يبقى أنتِ اللي اخترتي. واعملي حسابك مش هنرجع غير وهي في بطنها عيل يقولي يابا الحاج.