تحميل رواية «عطر سارة» PDF
بقلم شيماء سعيد
الفصل 27 — رواية عطر سارة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _ أرجع لورا يا أبيه.. _ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا.. الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _ مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ و...
رواية عطر سارة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء سعيد
دلف محمود بخطوات تدل على اقتراب كارثة. قامت ضحى من محلها وقالت بابتسامة متوترة:
_ إزاي حضرتك يا محمود بيه؟ الشركه نورت والله. ثواني هدي المدام سارة خبر.
نظر إليها نظرة حادة فقالت بخوف:
_ والله يا فندم أنا ما ليش دعوه. مدام سارة هي اللي قالتلي لما محمود بيوصل ما يدخلش غير لما أنا أؤمر بكده.
_ حقًا؟! حسناً يا صغيرة.
أشار لضحى على مقعدها وقال بقوة:
_ اقعدي على الكرسي بتاعك وما حدش يدخل علينا حتى لو كان في ضرب نار جوه. مفهوم؟
أومأت إليه وألقت بجسدها على المقعد برعب. فتح باب المكتب بقوة ثم أغلقه فابتلعت ريقها بصعوبة وهمست:
_ إيه الحظ ده يا ربي؟ بقى أنا أفلت من تحت إيد علي أجي اشتغل عند محمود. صحيح هفضل طول عمري غبية.
بالداخل.
قابلته بابتسامة هاديدة. كانت تعلم قدومه خلفها وكانت تعلم طريقة دخوله بعد حديثه مع ضحى. وضعت ساقًا على الأخرى وسندت على ظهر المقعد لتجلس براحة أكثر ثم قالت:
_ أخبار أبلة عايدة إيه يا أبيه؟ بجد قلقت عليها جدا.
أومأ إليها بهدوء ما يسبق العاصفة. ثم عاد للباب وأغلقه بالمفتاح عدة مرات ووضع المفتاح بجيب بذلته. اقترب منها بخطوات بطيئة وخلع جكيته وألقى به على أحد المقاعد بعدها رفع أكمام قميصه إلى منتصف ذراعه وقال:
_ بتلعبي مش كدة؟
ببراءة نفت بحركة بسيطة من رأسها وقالت:
_ ألعب؟ وأنا مين عشان أقدر ألعب قدامك؟ كل الموضوع إني عرفت قيمتي بالظبط وزي أي ست أصيلة رضيت بنصيبي وبحاول ألم بيتي. ما هو الخراب وحش برضو يا ابيه.
_ والله دلوقتي بقيت أبيه؟ وقدام عايدة كنت بيبي.
أومأت إليه بخجل. أخرجه عن السيطرة وأكملت عليه بحديثها الناعم:
_ طبعاً لازم تبقى قدامها بيبي. ما ينفعش أسرار خلافاتنا تخرج لحد بره. بديك برستيجك قدام الناس كده أبقى غلطت يعني؟
_ يكفي دلال.
جذبها من فوق المقعد وصرخ بغضب:
_ إيه القرف اللي انتِ عملتيه النهارده؟
تخلت هي الأخرى عن برودها وقالت بنفس غضبه:
_ قرف إيه اللي أنا عملته النهارده؟ عشان عايدة هانم زعلت؟ ما أنا من يوم ما عرفتكم زعلانة. كل الموضوع إني جيت زرتها وفهمتها إني راضية بوجودها في حياتنا. غلطت في إيه أنا بقى؟ حاولت أطمنها وأفهمها إن هي مكانتها ما حدش يقدر يقرب منها في قلبك مين ما كان. أكدت لها على كلامك مش أكتر.
هي تتحدث بموضوع وهو عينه على موضوع آخر. يرن بعقله بسؤال واحد: هل رآها أحد غيره بهذا الثوب؟ هل مرت بجمالها هذا من أمام رجل غيره؟ بل رجال رآها رجال يا ابن علام. ضرب على المكتب بقوة ليدق قلبها بخوف لم تظهره وقال:
_ عايدة مين وزفت مين ما يولع. أنتِ مش شايفة نفسك لابسة إيه؟ لفة البلد كلها بقميص نوم ليه؟ جوزك مركب قرنين؟ ده أنا لحد دلوقتي ما شفتكيش بقميص نوم.
حركت كتفها بدلال وقالت:
_ ده فستان. أنت بس اللي موضة قديمة.
رفع حاجبه بمعني حقًا ثم جذبها من مقدمة ملابسها لتبقى بين يديه وقال بغيرة قاسية:
_ أنا لحم مراتي مش رخيص. ده أنتِ شيلة اسم كبير عيلة علام. بس طالما مش بتتكسفي تمشي بنص جسمك عريان أكيد مش هتتكسفي تقفي عريانة قدام جوزك.
قبل أن تأخذ أي رد فعل أو تفهم ما ينوي عليه كان شق فستانها نصفين لتبقى أمامه بملابسها الداخلية المصبوغة باللون الأحمر.
_ ماذا فعلت يا محمود؟ قالها لنفسه وهو يلعن غضبه. هذه الفتاة تقوده للجنون. رأى بعينيها قوة غريبة قبل أن تزيل عنها باقي الفستان وتعود لتجلس محلها واضعة ساقًا على الأخرى مردفة:
_ فداك 100 فستان. المهم انت دلوقتي مرتاح وحاسس إنك أعصابك أهدى ولا محتاج أقلعني الباقي؟
حدق بها بذهول وقال:
_ أنتِ بتقولي إيه؟
_ بقول إيه بس! أنا عارفة إن حضرتك متعصب جداً وما قدرتش طبعاً تطلع عصبيتك دي على عايدة التعبانة ولا معتز العيل اللي بيرضع. فقررت تطلعه على سارة الشريرة وأنا سبتك تطلع اللي انت عايزه. تؤمرني بحاجة تانية يا سيدي؟
يبدو إنها بالفعل اتجهت لشرب المخدرات. تقوده للجنون وليكون صادقًا، وصلت به إلى حافته. اقترب من هاتف المكتب وضغط على أحد الأرقام ليأتيه صوت ضحى بتوتر:
_ والله يا مدام سارة أنا حاولت ما أدخلهوش زي ما حضرتك طلبتي بس هو اللي صمم. حقك عليا.
_ اخرسي يا ضحى. معاكي ربع ساعة وتجيبي لي فستان مقفول على مقاس سارة.
_ أمرك يا باشا. بس الله يبارك لك فيها يا باشا. الفستان الأولاني أخدته أنا من ساعة ما شوفتها بيه الصبح وعيني بتطلع قلوب.
أغلق الهاتف وهو يسمع رأي امرأة بجمالها. إذن ما رأي الرجال؟ عاد بنظره لها وجدها زادت جمالاً وفتنة فصرخ:
_ الله ياخدني يا شيخة عشان ترتاحي.
رفع حاجبها بتعجب مردفة:
_ هو انت دايماً ظالمني كده؟ لما انت تموت أنا هحرق دم مين؟ حياتي مش هتبقى مسلية خالص. ربنا يديك طول العمر يا محمود.
بتعب جلس على أقرب مقعد. خافت عليه ومع ذلك ظلت بمكانها تتابعه من بعيد. ظل على هذا الحال لعدة ثوانٍ قبل أن يسألها بتعب:
_ مش بتثقي فيا ليه يا سارة؟
أهتزت من سؤاله ومن طريقته. حركت رأسها بتعب وقالت:
_ مين قال لك كده؟ ده أنا وثقت فيك بدل المرة ألف. وكل مرة كنت بتخذلني. رديت عايدة ليه يا محمود؟ مخبي إنك رديتها ليه؟ ليه كل ما تتحط في اختيار تختار أي حد إن شاء الله البواب وأنا لأ؟
سألها برجاء:
_ لو قولت لك ما ردتهاش هتصدقيني؟
_ لو كنت قولتها قدامها كنت هصدقك. لو كنت قولتها قدام معتز كنت هصدقك. انت دايماً قدام الناس بتبقى حاجة ومعايا بتبقى حاجة تانية. بتعيشني في أحلام وبعد ثواني بالظبط بتفرج عليك من بعيد معاهم. بعرف إن عبيطة وعايشة في مجرد وهم. لو انت فعلاً ما رديتهاش قولها قدام الكل. قولهم إن أنا دلوقتي مراتك وردتها.
نظر إليها بعجز. صبرت معه كثيراً والآن من حقها البسيط معرفة الكل بزواجه منها. التوقيت يسحبه لحافة الهاوية. سألها برجاء:
_ لو قولت لك أصبري عليا شوية كمان هتثقي فيا وتصبري يا سارة؟
بحديثه الناعم دائمًا يفوز بقلبها. والآن لا يكفي لهنا خضوع. ابتسمت بسخرية قائلة:
_ وده ليه؟ لحد ما عايدة تموت؟ خايف عليها؟
_ الأعمار بأيد ربنا. عايدة مريضة بقى لها أكتر من 17 سنة ولسة عايشة. لكن معتز مراهق وحزين محتاج شوية وقت. أكسب ابني وبعدين أفهمه الصح من الغلط. عايز أصلح لعب عايدة في دماغه. ولو قولت إنك مراتي هي هتستغل ده وهخسر معتز للأبد.
ببساطة شديد جعلته يشعر بالخوف. أومات إليه وقالت:
_ خد وقتك براحتك. بس يا ريت الفترة دي تبقى بعيد عني. بلاش تحسسني إني في السر لمزاجك. خليني بنت عمك وبس لحد ما تحس إنك قادر تقول للكل إني مراتك.
ربما أرادت أن تعجزه. ربما أرادت أن يرفض طلبها ويقربها منه أكثر حتى لو رغماً عنها. أوما إليها بهدوء. فدق باب المكتب. قام بفتحه. أخذ من ضحى الملابس ثم أغلق الباب. اقترب منها ووضع الكيس أمامها مردفاً:
_ البسي هدومك بدل ما تتعبي. ولو عايزة تبعدي عني في فترة وجعي لحد ما أحل مشاكلي ماشي يا سارة. هعمل اللي يريحك.
_____ شيماء سعيد ____
بفيلا سارة.
دلفت الخادمة لغرفة ألفت وجدتها تجلس على الفراش وتقرأ بكتاب الله فقالت بهدوء:
_ مدام ألفت. مدام حنان تحت محتاجة تقابل حضرتك.
بعد دقائق كانت تقف ألفت أمام حنان. حدقت بها بصمت لتقف الأخرى أمامها بأعين غارقة بالدموع ثم قالت بقهر:
_ وحشتيني أوي يا ماما.
بقلة حيلة وحزن فتحت ألفت ذراعيها لها. حنان مهما فعلت ستظل ابنتها التي تربت على يدها. ألقت نفسها بأحضان زوجة عمها وأم زوجها وبكت حتى شعرت بالتعب من كثرة البكاء. ساعدتها ألفت بالجلوس مردفة:
_ مالك يا حنان؟ إيه اللي عامل فيكي كده؟
_ محمود سابني لوحدي وإنتِ كمان مشيتي مع سارة. والله العظيم يا ماما أنا بحبها زي بنتي وخوفت عليها من خراب بيتها.
طبطبت ألفت على ظهر حنان وقالت بهدوء:
_ مش دايماً الخراب بيبقى وحش يا حنان. يمكن لو سمعتي كلامي زمان وطلبتي الطلاق من طاهر مكنش هيبقى ده حالك. ابني لما حس إنك دايماً موجودة مهما يعمل ساق فيها. جوزك بقى له أربع شهور وأكتر صايع من ست لست وانتِ عارفة كده كويس. لو كنتي بتحبي سارة فعلاً مكنتيش تتمني ليها حياة زي دي.
حركت رأسها بنفي وقالت:
_ عشان بحبها عايزاها تفضل مع محمود. محمود مش طاهر يا ماما. لو كان زي طاهر مكنش صبر على عايدة كل السنين اللي فاتت دي.
زفرت ألفت بضيق وقالت:
_ بقى زيه يا حنان. محمود مش شايف وجع سارة. شايف وجعه هو بس. لو فضلت معاه هتعيش عمرها كله تحت رجل معتز. طاهر ابني الله يسامحه عقد محمود ومحمود مش عايز معتز يحس نفس إحساسه. وفي المقابل سارة بس اللي هتطلع خسرانة.
فهمتها حنان وحزنت على ما وصل له ولدها. ربما لو كانت أخذت موقفًا بالماضي كانت قادرة على إنقاذ أولادها. محمود الذي يحمل الكثير وطارق التأهب ببحر اللامبالاة. ولكن سارة طوق نجاة محمود الوحيد. إذا ابتعدت تعلم أنه لم يتحمل. فقالت:
_ عندك حق. بس محمود كمان حفيدك ووجعه يهمك.
_ ده حتة مني يا حنان مش بس حفيدي. عشان كده الأحسن له يبدأ مع واحدة تانية مش واحدة ابنه كان عينه منها وهيفضل طول العمر يكرهها.
_ طيب ارجعي معايا البيت. من وقت دخول عايدة المستشفى وأنا خايفة لوحدي.
ابتسمت ألفت بحنان قائلة:
_ خليكي معايا أنا وسارة هنا. بس الأول تعالي نزور عايدة. مهما عملت هتفضل حفيدتي.
_ ماشي.
______ شيماء سعيد _______
بعد أكثر من ساعتين بشركة علي.
زفر محمود بضيق من صمت صديقه. طلب منه أن يأتي سريعًا وعندما أتى تحلى الآخر بالصمت. ضرب على كتف علي بقوة وقال بنفاذ صبر:
_ ما تنطق يا ابني في إيه؟ أنا ورايا مصايب الدنيا. هفضل قاعد كده كتير.
تنحنح علي بتوتر وقال:
_ مهو أنا ساكت عشان أنت عندك مصايب الدنيا ومش عايز أزود همك. وفي نفس الوقت الموضوع بوخ أوي ومش هقدر أسكت أكتر من كده.
حدق به محمود بقلق وقال:
_ قول فيه إيه يا علي؟ مش هيبقى أكتر من اللي أنا فيه.
أومأ إليه علي وقام من محله بخطوات مترددة. اقترب من باب غرفة الاجتماعات وفتحه ثم أشار إليها بالاقتراب. نفت بخوف فأخذ نفس عميق وجذبها إليه بصبر هامسًا:
_ أنا جنبك. متخافيش. واللي احنا بنعمله ده الصح.
تحركت معه ليأخذ من يدها حتى وصل بها أمام محمود. ظل لعدة لحظات يحدق بها بصمت يحاول استيعاب رؤية شقيقته أمامه بعد سنوات من الغياب. قام من محله بتوهان وقال وهو يمرر يده على وجهها:
_ أروى؟
قالها بحنين. قالها برجاء أن تكون بالفعل أروى. أومأت إليه بتوتر باشتقياق بخوف. فتح يديه لها بنداء يحمل الكثير من الحنين. ألقت نفسها على صدره وبكت بكل قوتها. بكت وهي أخيرًا تعيش شعور الأمان الذي افتقدته. أغلق يديه عليها وأغلق عينيه. وجودها معه الآن وشعوره بها كان شيئًا بعيدًا.
بعد فترة ابتعد عنها فقالت بقهر:
_ حقك عليا يا محمود. سيد طلع زبالة. أنت طلعت صح. مكنش عايز غير الفلوس. أنا اتكسرت بعيد عنك. بس كنت خايفة أجي أقولك اللي حصل ليا وأنت مش موجود.
ربما قسوته جعلتها تتقبل ما عاشته بعيدًا عنه. سقطت دمعة من عينيه وقال:
_ حقك عليا لو قسيت عليكي. بس والله العظيم أنا كنت خايف عليكي يا أروى. فضلت أدور عليكي لحد ما عرفت إنك اتجوزتي الكلب ده. لو كنت روحت لك وقتها كنت خرجت بروحك في إيدي.
تدخل علي بالحديث وقال بقلق على صديقه:
_ محمود بلاش انفعال. أنت ضغطك مش مظبوط.
_ علي؟
هنا فقط تذكره. ماذا تفعل شقيقته بشركة علي؟ رفع حاجبه بتعجب مردفًا:
_ أنت تعرف أروى منين؟
_ أروى تبقي السكرتيرة بتاعتي من فترة. ولما شوفت اسمها سألتها عنك قالت مجرد تشابه أسماء. بعد فترة لما عرفت إننا أصحاب قالت إنها أختك وبنكم مشكلة. فأنا طلبت منها تواجهك. الهروب مش حل. ووو.
بقوة قال محمود:
_ وإيه قوة العلاقة اللي بين سكرتيرة ومديرها عشان تحكي له مشاكل شخصية بالشكل ده؟
نظر إليها علي لعله يأخذ منها العون حتى يكمل كذبته. وبالفعل تدخلت قائلة:
_ علي طلب إيدي للجواز يا محمود. وكان لازم أقول له الحقيقة وقتها.
بعيون مثل الصقر ظل نظره على صديقه وقال:
_ الكلام ده بجد يا علي؟
_ أيوة. أروى طول فترة شغلها معايا وهي ست محترمة. مش هلاقي ست أحسن منها تشيل اسمي وتبقى أم أولادي.
نظر إليها محمود وقال:
_ فين الزفت اللي أنتِ متجوزاه؟
نظرت لعلي تلك المرة تطلب منه العون. فقال بسرعة:
_ اتطلقت منه من شهرين وشوية. قبل ما تيجي تشتغل في الشركة عندي.
يوجد بتلك الحكاية حلقة مفقودة. أوما لهما بهدوء ثم جذب أروى إليه مردفًا:
_ هاتي حاجتك ويلا بينا على بيتك تلمي هدومك وتيجي تعيشي عندي.
بلهفة تعلقت بيده مثل الطفلة الصغيرة وقالت برجاء:
_ أنت سامحتني يا محمود صح؟
_ في بيتنا نتكلم يا أروى.
_ بس أنا مينفعش أدخل قصر علام. أنت عارف بابا ووو.
صمتت بإشارة من يده وقال:
_ في بيتنا نتكلم يا أروى.
صمتت وقبل أن تخطو خطوة معه قال علي بلهفة:
_ محمود استنى. أنت موافق بجوازي منها صح؟
آه منك يا علي. لماذا سأله عن قبوله؟ فهو الآن غير قادر على المناقشة. نفي بهدوء وتحرك. فذهب علي خلفه مردفًا بذهول:
_ معنى كده إيه؟ أنت موافق يا محمود؟ قولي موافق يا علي عشان أرتاح.
_ لأ يا علي مش موافق. ولو أنت آخر راجل في الدنيا كلها مش هسلمك أختي بإيدي.
تركه بذهوله وأخذها وهي الأخرى بحالة من عدم الاستيعاب وذهب. ألقى علي بحسده على أقرب مقعد مردفًا:
_ ده رفضني!!!
_____ شيماء سعيد _____
بفيلا سارة.
عادت بعد انتهاء عملها. دلفت لغرفة المعيشة وجدت جدتها تجلس مع حنان ويبدو عليها الحزن. رفعت نظرتها إليها بقلق وقالت:
_ مالك يا تيتا؟ شكلك حزين كده ليه؟
_ عايدة تعبانة أوي يا سارة. لما روحت لقيت الدكاترة مانعين الزيارة.
لتكون صادقة ليس بداخلها ولو جزء صغير من الشفقة على عايدة. فقالت بهدوء:
_ مفيش داعي تقلقي. جوزها وابنها جنبها وهتبقى بخير.
بخجل نظرت إليها حنان قائلة:
_ مش هتسلمي عليا يا سارة؟
تحمل بداخلها القليل من الحزن منها ولكن تعلم أنها مثل أي أم لا ترى سوى ولدها. ابتسمت إليها بهدوء وقالت:
_ لأ إزاي يا طنط؟ البيت نور.
_ ينفع أقعد في بيتك يا سارة يومين؟ أصلي بصراحة بخاف أنام لوحدي.
ما هذا؟ كيف أن تكون بهذا الانكسار؟ بحنان طفلة صغيرة ضمتها سارة سريعًا مردفة بعتاب:
_ إيه اللي حضرتك بتقوليه ده؟ ده بيتك زي ما هو بيتي وأكتر كمان. إيه رأيك بقى إنك هتنامي جنبي كمان.
ضمتها حنان بمحبة. فدلت الخادمة وقالت:
_ محمود بيه بره. قالي استأذن من مدام سارة عشان يدخل.
تعجبت حنان وألفت. فأبتسمت سارة بسخرية مردفة:
_ قوليله يدخل. واعملي لي قهوة.
دلف بعد ثوانٍ ومعه أروى. صدم من وجود والدته ونظر لأروى الصامتة ثم زفر بضيق مردفًا:
_ بتعملي إيه هنا يا ماما؟
قالت ألفت:
_ هتعيش معانا هنا يا محمود.
هذا ما كان ينقصه. ألف مصيبة فوق رأسه ومطلوب منه حلهم. أشار لشقيقته ثم قال وعينيه على والدته:
_ أروى طاهر علام.
توقع صريخ والدته رفض ما قاله. إلا أنها ظلت صامتة فقالت ألفت بغضب:
_ أنت بتقول إيه بالظبط يا محمود ومين البنت دي؟
بهدوء ساعد أروى بالجلوس ثم قال:
_ الله يخليكي مش وقت صدمة. بلاش تحسسيني إن ابن ابنك طول الوقت كان قاعد على سجادة الصلاة. كلكم عارفين بيعمل إيه بالظبط. وكلامي واضح. أروى تبقي أختي ومكانها هنا في بيتي.
كانت سارة تتابع الحديث بصمت. وضعت يدها على بطنها وكأنها ترى القادم من بعيد. اقترب محمود من والدته وقال بحنان:
_ أنا متأكد إنك دلوقتي موجوعة. بس أروى ملهاش أي ذنب في اللي حصل غير إن هي كانت نتيجة غلط جوزك. وأنا مش هخليها تدفع التمن أكتر من كده.
أومات إليه حنان بتعب:
_ وأنا ما طلبتش منك تخليها تدفع التمن. ده بيتها وبيت أخوها. مش هقدر أقولها إني هبقى أمها. بس كمان مش هكون عدوتها. عن إذنكم هطلع أرتاح شوية.
خرجت من الغرفة فقالت أروى بتوتر:
_ محمود. أنا مكنتش عايزة أقلب حياتك بالشكل ده. أنا عندي بيت ممكن أرجع أعيش فيه عادي.
تنهد بتعب وقال:
_ قلت للخدامة تحضر لك أوضة. اطلعي ارتاحي يا أروى عشان لسه في بينا كلام كتير ما اتقالش.
نفذت طلبه فهي بأشد الحاجة للقليل من الراحة. فقالت ألفت:
_ إيه الحكاية يا محمود؟ البنت شكلها كبيرة وبعدين طاهر يعرف بيها ولا لا؟
انفجر محمود بغضب:
_ وهو من إمتى ابنك كان بيهتم بحد ولا فارق معاه إيه اللي بيحصل ولا إيه اللي ما بيحصلش؟ طول عمره أناني أهم حاجة عنده نفسه. أيوه عارف بيها ومن سنين ورفض حتى يكتبها باسمه. أنا كتبتها باسمه غصب عنه. لو عايزة تعاتبي حد أو تتكلمي مع حد يبقى ابنك مش أنا. لإن خلاص جبت آخري ومش قادر أتحمل أكتر من كده. انتوا فاكريني إيه؟ جبل؟ أنا بني آدم.
جذب سارة بغضب وصعد بها لغرفة نومها. أغلق الباب عليهما وقال:
_ ناويه تاخديني في حضنك وتخليني أنام ولا دي كمان ممنوع لحد ما الكل يعرف؟
لو بيدها لأخذته بأحضانها وحملت عنه وجع العالم. لكن بكل أسف هو من بنى هذا السور بينهما. حركت رأسها مردفة:
_ محمود أنت تعبان وأي كلمة أنا هقولها دلوقتي هتزود تعبك. لو محتاج ترتاح السرير أهو اتفضل نام عليه وارتاح. لكن أنا مش هكون المخدة اللي تنام عليها.
أومأ إليها بتعب ثم اقترب من خزانة الملابس وسحب منها أحد ملابسها ثم ألقى بجسده على الفراش ووضع منامتها على وجهه مردفًا:
_ اطلعي وأقفلي الباب وراكي.
خرجت من غرفتها وهي تضغط على شفتيها تحاول منع دموعها. دلفت للغرفة المجاورة ووقفت أمام المرآة ويدها تحاوط بطنها:
_ كل يوم بيعدي بيخليني أتأكد إنك ما ينفعش تيجي الدنيا. أنا وأنت مهما حاولنا هنفضل على هامش حياة محمود. وممكن في يوم من الأيام تبقى زي أخته كده مش معترف بيك أصلاً. اللي هعمله غلط والأكيد إنه حرام. بس ما فيش بإيدي حاجة تانية أقدر أعملها. أنا مش عايزة تطلع زيي. تفضل تعيش عمرك كله منبوذ. صدقني يا قلب ماما. أمك حتى مش قادرة تدافع عن نفسها. هدافع عنك أنت إزاي؟ سامحني يا حبيبي وادعي لربنا يسامحني.
رفعت هاتفها وقامت بإرسال رسالة للخادمة ثم أغلقت الهاتف وانهارت بالبكاء.
____ شيماء سعيد ______
صباح اليوم التالي.
في السادسة صباحًا.
صعدت سارة بأحد سيارات الأجرة ومعها الخادمة. حدقت بها بخوف مردفة:
_ أنتِ متأكدة إن الدكتورة دي كويسة يا حليمة؟
أومات حليمة وقالت:
_ والله الدكتورة حلوة أوي والحارة عندنا كلها بتشكر فيها. ما وافقتش تعمل العملية دي غير عشان خاطري بس. فكري تاني يا ست هانم. خطوة زي دي كبيرة ومحمود بيه.
أشارت إليها سارة بالصمت وقالت:
_ مش عايزة كلمة زيادة لحد ما نوصل.
نفذت حليمة طلبها. أما هي وضعت يدها على بطنها وبكت بهزيمة. بداخلها شعور قوي بالرفض. تتمنى لو تتركه يكبر بداخلها وتأخذه بعيدًا عن الجميع.
وقفت السيارة أمام عيادة الطبيبة فنزلت سارة بجسد مرتجف. فقالت حليمة:
_ ست سارة لو خايفة وحاسة إنك مش قادرة يلا نروح.
ضغطت سارة على كف حليمة وقالت:
_ هبقى كويسة. كده أحسن كتير.
على بعد عدة أمتار كان يقف أحد رجال محمود. تابعها وهي تصعد لهذا المبنى فأقترب من إحدى السيدات مردفًا:
_ الا قوليلي يا حاجة البيت ده بتاع مين؟
نظرت للمرأة إلى محل إشارته وقالت:
_ دي دكتورة نسا يا ابني. بس مش أي دكتورة. شغلها كله شمال. من تسقيط لعمليات تانية. كده استغفر الله العظيم.
أبتعد سريعًا وقال بالاتصال على محمود مرة والثانية والثالثة حتى وصل إليه صوت محمود النائم:
_ في إيه يا بني آدم؟ هو في حد يرن على حد الساعة 6:30 الصبح؟ عايز إيه؟
_ آسف يا باشا بس الموضوع ما ينفعش يتأجل. مدام سارة حالياً في شقة غريبة. سألت واحدة من الجيران قالتلي إن دي عيادة دكتورة نساء بتعمل عمليات مشبوهة زي الترقيع والإجهاض.
انتفض جسده من فوق الفراش وعقله يردد جملة واحدة " سارة تقطع آخر خيط بينه وبينها ". متى خرج من المنزل ومتى وصل لسيارته لا يعلم. صرخ برعب:
_ قولي العنوان بسرعة.
_ العنوان *****.
_ ادخل جوا وقف اللي بيحصل لحد ما أوصل لك.
أغلق الهاتف وقال بتوهان:
_ ليه يا سارة؟ ليه؟
بعد عشر دقائق وصل أسفل العقار. صعد وهو يأخذ أكثر من ثلاث سلالم معًا. دلف للداخل ليجدها نائمة بعدما المخدر. صرخت الخادمة برعب:
_ والله العظيم يا باشا ما حصل لها حاجة. هي بس نايمة والدكتورة ما قربتش منها ولا من ابنك.
_ ابني؟
_____ شيماء سعيد _____