تحميل رواية «عشقت طالبتي» PDF
بقلم منار حسين
الفصل 24 — رواية عشقت طالبتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منار حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ما هو مافيش الكلام ده، هدخل يعني هدخل. الدكتور بعند: مافيش دخول، واللي عندك اعمليه، ويلا عشان عايز أبدأ المحاضرة. يلا هش من هنا. هي: نعم، هي وصلت لكده؟ أنا أصلاً مش هاحضر محاضرة لدكتور أهبل زيك. وسابته ومشيت. الدكتور بصدمة: يا بنت المجنونة! أنا أهبل؟ وأكمل بغضب: طب وربنا ما أنا سيبك يا حيوانة، انتي حاجة. هم في الكافتيريا. هي: بقا أنا زينة يتقالي هش ليه؟ شيفني قطة بروح خالتو؟ ماشي يا دكتور الكلب، انت ماشي. خلصت المحاضرة. صاحبة زينة نور: مالك يا زينة؟ إيه اللي حصل؟ (معلومة: نور في قسم غير زينة، بس...
رواية عشقت طالبتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منار حسين
هَلَعَ قَلبُها وَهِيَ تَسمَعُ حَديثَهُ الشَّامِتَ بِنَبرَةٍ جَافَّةٍ:
"فَكرَتِ إنَّكِ هَرَبْتِ مِنِّي لَمَّا رَجَعْتِ مِنَ المَوتِ؟ أَنَا جَاثمٌ هَنَا عَلَى جَلبِكِ وَسَاكِنٌ عَقْلَكِ، أَنَا بَينَكِ وَبَينَ رُوحِكِ، هَتْفَضَلِي مُتَعَذبَّةٍ لَحَدَّ مَا نِتْلاقِي تَانِي... وَالوَقتِ مِشْ بَعِيدْ يَا ثُريَا."
اِهتَزَّ جَسَدُها وَهِيَ تَشعُرُ بِيَدِهِ فَوقَ مَوضِعِ قَلبِها، لَكِنَّ لأَوَّلِ مَرَّةٍ تَمْتَلِكُ الشَّجَاعَةَ رَغْمَ رَجْفَةِ قَلبِها، تَحَدَّتْهُ بِشَرَرٍ وَاستِبيَاعٍ:
"أَنَا مِشْ خَايْفَةٍ مِنَّكِ يَا غَيْثُ، مِشْ هَتْقْدِرْ تُؤذِينِي تَانِي، ثُريَا الضَّعِيفَةِ إنتَ جَتَلْتَهَا جُّوايا."
ضَحِكَاتٌ شِرِّيرَةٌ وَغَلِيظَةٌ يُطلِقُها وَهُوَ يَقتَرِبُ مِنها، عَيناهُ تَختَرِقُ جِلدَ جَسَدِها، تَلمَعُ عَيناهُ مِثلَ الثَّعلَبِ المُتَرَبِّصِ بِدَجَاجَةٍ. فَجْأَةً، قَبَضَ بِيَدَيهِ حَولَ عُنُقِها يَضغَطُ بِقُوَّةٍ. تَشعُرُ بِاختِنَاقٍ مِن قَبضَةِ يَدِهِ حَولَ عُنُقِها، وَيَدَاهُ تَشْتَدُّ قَبضَتُها، تَشعُرُ بِانسِحَابِ الهَوَاءِ مِن صَدرِها، تَكَادُ تَلْفُظُ أَنفَاسَهَا وَهِيَ تَنظُرُ إِلَى عَيْنَيهِ، لَا تَطلُبُ استِغَاثَةً. كَذَلِكَ يَدَاهَا كَأَنَّهُنَّ تَصَنَّمَنَ وَلَمْ تَستَطِعْ رَفعَهُنَّ، قَدْ تَستَطِيعُ إِزَاحَةَ يَدَيهِ عَن عُنُقِهَا، لَكِنَّهُ يَستَلِذُّ وَهُوَ يَرَاهَا هَكَذَا تَلْفِظُ أَنفَاسَهَا بِانقِطَاعٍ.
لَكِنْ فَجْأَةً، صَدَحَ صَوتٌ آمِرٌ يَقتَرِبُ بِهُرْوَلَةٍ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ غَيْثٍ، وَبِقَبضَةِ يَدَيهِ وَضَعَ يَدَيهِ حَولَ عُنُقِ غَيْثٍ يَقْبِضُ عَلَيهِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ مِن قُوَّتِهِ، يَقُولُ بِغَضَبٍ عَارِمٍ:
"قَبلَ رُوحِ ثُريَا مَا تُفَارِقُ جِسْمَهَا، هَتْكُونِ سَابِقَهَا لِجَهَنَّمِ يَا غَيْثُ."
بِنَظْرَةِ غُلُولٍ وَبَسْمَةِ استِهْزَاءٍ، تَهَكَّمَ بِاستِفْزَازٍ:
"سَراجٌ وَادٌ عَمِّي."
لَمْ يَهْتَمَّ سَراجٌ بِلَهْجَتِهِ السَّاخِرَةِ المُستَفِزَّةِ وَهُوَ يَشعُرُ بِانقِطَاعِ أَنفَاسِهِ. كَذَلِكَ ضَعُفَتْ يَدَاهُ حَولَ عُنُقِ ثُريَا، حَتَّى أَنَّهَا تَخَلَّصَتْ مِن يَدَيهِ وَعَادَتْ لِلخَلْفِ تَسْعَلُ بِشِدَّةٍ. بَينَمَا غَيْثٌ وَضَعَ يَدَيهِ عَلَى يَدَيْ سَراجٍ يُحَاوِلُ تَخْلِيصَ نَفسِهِ. كَادَتْ يَدَا سَراجٍ تُزهِقُ رُوحَهُ وَيَلْفِظُ النَّفَسَ الأَخِيرَ. لَمْ يَستَطِعْ إِزَاحَةَ قَبضَةِ سَراجٍ، لَكِنَّ سَراجًا نَظَرَ نَحْوَ ثُريَا الَّتِي تَشْهَقُ، فَكَّ قَبضَةَ يَدَيهِ مِن حَولِ عُنُقِ غَيْثٍ وَدَفَعَهُ بِقُوَّةٍ بَعِيدًا، وَتَوَجَّهَ نَاحِيَةَ ثُريَا بِلَهْفَةٍ.
نَظَرَتْ لَهُ لَوَّهَةً كَأَنَّهَا تَستَغِيثُ بِهِ، وَهِيَ تَنظُرُ إِلَى غَيْثٍ الَّذِي كَادَ يَسقُطُ أَرضًا مِن قُوَّةِ دَفْعِ سَراجٍ لَهُ. لَكِنْ فَجْأَةً، اِختَفَى وَظَلَّ مَكَانُهُ ضَبَابٌ كَثِيفٌ يُشْبِهُ هَالَةَ الدُّخَانِ. ذُهِلَ عَقْلُ ثُريَا وَهِيَ تَنظُرُ نَحْوَ سَراجٍ الَّذِي يَقتَرِبُ مِنهُ ذَاكَ الضَّبَابُ. فَجْأَةً، خَرَجَ مِنهُ عَيْنَا غَيْثٍ الدُّخَانِيَّةُ وَيَدَاهُ تَكَادُ تَقْتَرِبُ تَقْبِضُ عَلَى عُنُقِهِ، وَهِيَ تُحَاوِلُ تَحْذِيرَهُ، لَكِنَّ صَوتَهَا يَخرُجُ بِلَا صَدَى.
لَكِنَّ تِلْكَ العَينَينِ تَحْدِقَانِ بِهَا وَتَقْتَرِبَانِ مِنْهَا، عَيْنَينِ مُخِيفَتَينِ تُشِعَّانِ دُخَانًا، وَبِدَاخِلِهِمَا يَنْصَهِرُ فَيَضَانٌ هَادِرٌ بَلْ غَادِرٌ.
فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَجْأَةً حِينَ وَصَلَ إِلَى أُذُنَيْهَا رَنِينُ هَاتِفِهَا. هَلِعَتْ وَاعْتَدَلَتْ جَالِسَةً لَحَظَاتٍ غَائِبَةً عَنِ الوُجُودِ، تَنظُرُ حَولَهَا كَأَنَّ عَقْلَهَا يَستَكشِفُ المَكَانَ حَولَهَا. لَمْ يُفَسِّرْ عَقْلُهَا المَكَانَ لِلحَظَاتٍ. شَعَرَتْ كَأَنَّهَا بِالشَّقَّةِ الَّتِي تَزَوَّجَتْ غَيْثًا بِهَا. رَائِحَةُ عِطْرِهِ تُسَيْطِرُ عَلَى حَاسَّةِ الشَّمِّ لَدَيْهَا. تَشعُرُ بِغَثَيَانٍ مِنْهَا، جَسَدُهَا كَأَنَّهُ اِلْتَصَقَ بِالأَرِيكَةِ الَّتِي تَجلِسُ عَلَيْهَا. لَحَظَاتٌ طَوِيلَةٌ تَسْحَبُ مِن دَاخِلِهَا الدِّمَاءَ، تَجِفُّ أَوْرِدَتُهَا وَحَلْقُهَا مِثلَ الأَرضِ الَّتِي جَفَّتْ وَأَصبَحَتْ قَاحِلَةً. لَحَظَاتٌ كَفِيلَةٌ بِنَزْعِ رُوحِهَا بِقَسْوَةٍ.
فَاقَتْ مِن ذَاكَ التَّوَّهَانِ العَقْلِيِّ عَلَى عَودَةِ رَنِينِ الهَاتِفِ. اِنْفَزَعَتْ مَرَّةً أُخرَى وَعَادَتْ تَستَوعِبُ بَعْضَ مَا حَدَثَ، نَفَضَتْ بِصُعُوبَةٍ ذَاكَ الشُّعُورَ، اِزْدَرَدَتْ رِيقَهَا الجَافَّ، جَذَبَتِ الهَاتِفَ مِن فَوقِ تِلْكَ المِنضَدَةِ. نَهَضَتْ تَشعُرُ بِانسِحَابِ خَلايَا جَسَدِهَا كَأَنَّهَا هُلامٌ، لَا تَعْلَمُ كَيفَ تَسِيرُ إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَى المَطبَخِ. قَامَتْ بِملْءِ كُوبِ مَاءٍ وَتَجَرَّعَتْ مِنْهُ كَمِّيَّةً كَبِيرَةً حَتَّى شَعَرَتْ بِبَعْضِ الإِرتِوَاءَ. جَلَسَتْ عَلَى أَحَدِ المَقَاعِدِ بِالمَطبَخِ تَلْتَقِطُ أَنفَاسَهَا بِهُدُوءٍ رُوَيْدًا رُوَيْدًا.
اِنْتَبَهَتْ عَلَى رَنِينِ الهَاتِفِ. حَاوَلَتْ بَثَّ الشَّجَاعَةِ بِنَفسِهَا وَقَامَتْ بِالرَّدِّ لِتَسمَعَ حَديثَ سَعْدِيَّةَ بِاستِهْجَانٍ:
"إيه كُلُّ الرَّنِّ دَه وَمِشْ سَامْعَةٍ صَوتَ الموبايل."
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ عَاوَدَتِ الحَدِيثَ بِخَبَاثَةٍ وَإِيحَاءٍ مَرْحٍ:
"هُوَّ سَراجٌ رِجعْ يَتَغَدَّى فِى الدَّارِ وَقَالْ يَتَغَدَّى فِى الشَّقَّةِ، وَلَا لَاهِ؟ إنتِ لِسَّاكِ فِى فَتْرَةِ نَقَاهَةٍ."
فَهِمَتْ ثُريَا حَديثَ سَعْدِيَّةَ وَتَفَوَّهَتْ بِحُنْقٍ:
"لَاهِ سَراجٌ مِشْ هِنَا فِى قَنَا كُلِّيَّاتُهُ. سَمِعْتُ إِنَّهُ رَاحَ مَعَ خَطِيبَتِهِ السَّابِقَةِ الأَقْصَرِ، أَكِيدْ عِشَانْ يُفَسِّحَهَا."
زَفَرَتْ سَعْدِيَّةُ نَفْسَهَا بِلَوْمٍ قَائِلَةً:
"مَا عَشَانْ إنتِ خَايْبَةٌ يَا بِنْتَ أُخْتِي الهَبْلَةُ، مِشْ عَارْفَةٍ تَحُوطِي عَلَى جُوزِكِ، وَعَايْزَةٍ بَسْ تَبَهْدَلِي نَفْسِكِ فِى الغِيطِ وَالمَحْكَمَةِ... أَنَا لَو مَكَانِكِ كُنْتُ اِسْتَغْلَيْتُ إِنِّي عَيَّانَةٍ وَاِتْسَهَوْكْتُ عَلَى الرَّاجِلِ قَعِّدَتُهُ جَنْبِي، مِشْ أِضْرَبُهَا طَنَاش."
تَهَكَّمَتْ ثُريَا بِنَزَقٍ:
"اِتْسَهَوْكُ عَلِيهِ، ضَحَّكْتِينِي يَا خَالَتِي. سِيبِكِ مِن سَراجٍ قُولِيلِي مُتَّصْلَةٍ عَلَيَّ دِلوكِ لِيه."
زَفَرَتْ سَعْدِيَّةُ بِاستِهْزَاءٍ:
"خَلِّيكِ خَايْبَةٌ زَيِّ أُمِّكِ. كُنْتُ مُتَّصِلَةٌ أَقُولَكِ فِيهِ سِتٌّ جَارَتِي بِنْتُهَا أَهْلُ جُوزِهَا طَرَدُوهَا هِيَ وَجُوزِهَا مِنَ الدَّارِ، وَمِشْ عَارْفَةٍ تَعْمِلْ إِيهِ. مِشْ هَيَقْدِرْ يُؤَجِّرْ لَهَا شَقَّةٍ، يَدُوبْ رِزْقُهُ مِكَفِّي مَعِيشَةُ هُوَ وَهِيَ وَوِلادُهُمْ. جُوزُهَا سَأَلَ إِنْ مُمْكِنْ لَو اِشْتَكَى فِى المَحْكَمَةِ يَاخُدْ مِنْهُمُ الشَّقَّةَ تَانِي، بَسْ مِشْ حَمْلٌ مَصَارِيفُ مَحْكَمَةٍ."
فَكَّرَتْ ثُريَا قَائِلَةً:
"وَمُسَطِّشْ نَاسٍ يَحَاوْلُوا مَعَ أَبُوهُ لِيهِ، يُمْكِنْ يَرْضَى يِرْجَعُهُ بِالتَّرَاضِي."
تَهَكَّمَتْ سَعْدِيَّةُ:
"تَرَاضِي إِيهِ، دَه هَيَجَوِّزُوا أَخُوهُ فِى الشَّقَّةِ."
تَهَكَّمَتْ ثُريَا:
"عَشَانْ يِجَوِّزُوا وَاحِدْ يَطْرُدُوا التَّانِي بِمَرَتُهُ وَعِيَالُهُ. عَلَى العَمُومِ، الشَّقَّةُ مِن حَقِّ الزَّوْجَةِ الحَاضِنَةِ هِيَ وَأَوْلادُهَا، وَسَهْلٌ تَأْخُدْ مِن حَمَاهَا الشَّقَّةَ لَو اِشْتَكَتْ بِمَسْكَنِ حَضَانَةٍ لِوِلادِهَا. بَسْ لِلأَسَفِ فِيهِ ثُغْرَةٌ فِى القَانُونِ دَه، وَهِيَ إِنْ مُمْكِنْ وَالِدُ جُوزِهَا يُقَدِّمْ إِنَّهُ كَانَ سَاكِنْ مَعَاهُمْ فِى الشَّقَّةِ. القَانُونُ هَيَحْكُمُ لَهُ بِأُوضَةٍ، بَسْ عَلَى الأَقَلِّ هَتْلاقِي مَسْكَنٌ لَهَا وَلِوِلادِهَا وَجُوزِهَا اللِّي وَاضِحٍ مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِهِ مِنَ النَّاحِيَتَينِ، نَاحِيَةَ مَرَتُهُ وَأَبُوهُ اللِّي مَعَنْدُشُ مَرْوَةٌ. خَلِّيهَا تَفُوتْ عَلَيَّ بَعْدَ المَغْرِبِ فِى المَكْتَبِ."
تَنَهَّدَتْ سَعْدِيَّةُ قَائِلَةً:
"بَلَاشْ تَأْخُدِي مِنْهَا أَتْعَابٌ يَا ثُريَا، جُوزُهَا عَلَى قَدْ حَالُهُ. كِفَايَةٍ مَصَارِيفُ القَضِيَّةِ اللِّي هَيَرْفَعَهَا عَلَى أَبُوهُ الجَاحِدِ."
اِبْتَسَمَتْ ثُريَا قَائِلَةً:
"هُوَ أَنَا فَاتِحَةٌ المَكْتَبُ دَه سَبِيلٌ لِجِيرَانِكِ وَأَصْحَابِكِ؟ مَافِيشْ مَرَّةٌ يِجِي لِي مِنْ وَرَاكِ قَضِيَّةٌ كِدَه مُتْرِيشَةٌ."
ضَحِكَتْ سَعْدِيَّةُ قَائِلَةً:
"الحَقُّ عَلَيَّ بِشُغْلِكِ."
تَبَسَّمَتْ ثُريَا قَائِلَةً:
"صَحِّ، كَثْرُ خَيْرِكِ... بَسْ خَفِّي عَلَيَّ شَوِيَّةٌ، نَفْسِي فِى زَبُونٌ وَلَا اتْنِينْ يِدْفَعُوا فُلُوسٌ، مِشْ كُلُّهُ لَاقِفٌ كِدَه. سِيبِكِ مِن جِيرَانِكِ وَأَصْحَابِكِ الفُقَرَاءَ دُولَ. صَاحِبِي نَاسٌ أَغْنِيَاءَ زَيِّ خَالِي وَمَرَتُهُ كِدَه."
تَنَهَّدَتْ سَعْدِيَّةُ بِآسَفٍ:
"خَالُكِ دَه مِشْ هَيَدْخُلُ الجَنَّةِ بِسَبَبِ إِنَّهُ وَاكِلٌ حَقَّ الوَلَايَا. بَسْ رَبُّكِ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ. عَرَفْتِ إِنَّ المَكُوسَ اِبْنُهُ دَخَلَ فِى مَشْرُوعِ تَرْبِيَةِ فَرَأَخْ، وَالفِرَّةُ صَابَتْهُ كَمْ مَرَّةٌ وَرَا بَعْضٍ كَسَّرَتُهُ فِى مَبْلَغٍ مُحْتَرَمٍ وَمَاضِي عَلَى نَفْسِهِ شِيكَاتٌ، وَهِيَبِيعُ مِنَ الأَرضِ عِشَانْ يُسَدِّدُ لَهُ دُيُونَهُ. يَلَّا يَا بَتِّ رَبَّنَا يُغْنِينَا بِالحَلَالِ وَيَعْفْنَا عَنِ الحَرَامِ."
أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ مَعَ سَعْدِيَّةَ، وَوَضَعَتْهُ عَلَى طَاوِلَةِ المَطبَخِ أَمَامَهَا، وَجَلَسَتْ تَرْتَشِفُ بَعْضَ قَطَرَاتِ المَاءِ. عَادَ لَهَا جُزْءٌ مِن ذَاكَ الحُلْمِ، وَتَمَرْكَزَ عَقْلُهَا عَلَى نَظْرَةِ عَيْنِ غَيْثٍ لَهَا، تِلْكَ العَينَينِ الثَّعْلَبِيَّةِ. فَجْأَةً، تَذَكَّرَتْ شَيْئًا قَدْ تَنسَاهُ عَقْلُهَا. يَوْمَ أَن أُصِيبَتْ بِالرَّصَاصِ بِذَاكَ العُرْسِ، رَأَتْ تِلْكَ العَينَينِ تُحَدِّقُ، ثُمَّ شَعَرَتْ بِاختِرَاقِ الرَّصَاصِ لِجَسَدِهَا.
فِى لَحْظَةِ وُصُولِ سَراجٍ لِمَكَانِهَا، تَلَاقَتْ عَيْنَاهَا مَعَ عَيْنَيهِ. مَهْمَا غَابَتْ مَلَامِحُهُ عَن عَقْلِهَا، لَكِنَّ عَيْنَيهِ مَحْفُورَتَانِ بِعَقْلِهَا. أَكْثَرُ عَيْنَينِ كَرِهَتْ نَظَرَاتِهِمَا لَهَا. هَلِعَ قَلبُهَا لِلَحْظَةٍ، اِنْكَمَشَ جَسَدُهَا وَشَعَرَتْ بِبُرُودَةٍ، بِتِلْقَائِيَّةٍ رَبَّعَتْ يَدَيْهَا حَولَ صَدْرِهَا تَسْتَمِدُّ دِفْئًا. لَكِنْ فَاقَتْ عَلَى صَوتِ تَكْسِيرٍ. اِنْتَبَهَتْ لَهُ، كَانَ كُوبُ المَاءِ الَّذِي سَقَطَ بَعْدَ أَنِ اصْطَدَمَ بِيَدِهَا وَوَقَعَ مِن فَوقِ الطَّاوِلَةِ. نَفَضَتْ ذَاكَ الإِحْسَاسَ بِالضَّعْفِ وَنَهَرَتْ عَقْلَهَا:
"وَاضِحٌ إِنَّ المُسَكِّنَاتِ اللَّتِي كُنْتِ تَأْخُذِينَهَا يَا ثُريَا أَثَّرَتْ عَلَى عَقْلِكِ. هُوَ فِيهِ مِيتٌ يُصْحَى تَانِي."
❈-❈-❈
عَلَى الطَّرِيقِ
نَظَرَ سَراجٌ نَحْوَ تَالِينِ الَّتِي أَخْفَضَتْ جَسَدَهَا بِأَسْفَلِ السَّيَّارَةِ وَهِيَ تُؤَنُّ بِسَبَبِ اختِرَاقِ بَعْضِ الرَّصَاصِ لِجَسَدِهَا، قَائِلًا بِعَصَبِيَّةٍ:
"قُلْتُ لَكِ مَمْنُوعٌ تِطْلَعِي مِنَ الدَّوَاسَةِ."
اِمْتَثَلَتْ تَالِينُ تُؤَنُّ بِأَلَمٍ، بَينَمَا فِكْرُ سَراجٍ سَرِيعًا. لَابُدَّ مِنَ اللُّجُوءِ إِلَى خُطَّةٍ بَدِيلَةٍ. بِالفِعْلِ، سَرِيعًا أَوقَفَ تَشْغِيلَ السَّيَّارَةِ لِلتَّوَقُّفِ فَجْأَةٍ، تَنْتَفِضُ لَحَظَاتٍ. يَتَلَاعَبُ بِالوقتِ. لَابُدَّ أَنَّ وُقُوفَ سَيَّارَتِهِ بِهَذَا الوَقْتِ سَيُرْبِكُ السَّيَّارَةَ الأُخرَى بِسَبَبِ سُرْعَةِ سَيْرِهَا. اِكْتَسَبَ دَقَائِقَ مِن بُرْجَلَةِ هَؤُلَاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ سَيْرِ سَيَّارَةِ سَراجٍ، فَابْتَعَدَ عَنْ مَرْمَى رَصَاصِهِمْ بِمَسَافَةٍ. اضْطَرُّوا لِوَقْفِ الإِطْلَاقِ لِلَحَظَاتٍ وَهُم يَعُودُونَ بِالسَّيَّارَةِ لِلخَلْفِ لِلإِقْتِرَابِ مِن سَيَّارَةِ سَراجٍ مَرَّةً أُخْرَى.
كَانَ سَراجٌ فِى تِلْكَ اللَّحَظَاتِ تَرَجَّلَ مِنَ السَّيَّارَةِ وَاتَّخَذَ مِن بَابِ السَّيَّارَةِ دِرْعًا لَهُ. وَلَحْظَةً وَأُخْرَى، كَانَ قَبلَ أَنْ تَقْتَرِبَ السَّيَّارَةُ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى، قَامَ بِالتَّصْوِيبِ عَلَى أَضْعَفِ شَيْءٍ بِالسَّيَّارَةِ وَالوَحِيدِ القَادِرِ عَلَى رَدْعِ تَقَدُّمِ السَّيَّارَةِ. رَكَّزَ بِالتَّصْوِيبِ نَحْوَ إِطَارَاتِ السَّيَّارَةِ الخَلْفِيَّةِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الرَّصَاصَ حَتَّى سَمِعَ دَوِيَّ صَوْتِ انْفِجَارِ الإِطَارَاتِ. تَوَقَّفَ عَنِ الإِطْلَاقِ وَهُوَ يَرَى تِلْكَ السَّيَّارَةَ وَهِيَ تَتَأَرْجَحُ عَلَى الطَّرِيقِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدَ السَّائِقُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَسِيرُ بِتَمْوُجَاتٍ غَيْرِ مَحْسُوبَةٍ، مِمَّا سَبَّبَ لِلْمُجْرِمِينَ بِلَحَظَاتٍ اِرْتِبَاكٍ وَهُمْ يَتَأَرْجَحُونَ وَيَتَخَبَّطُونَ.
تَوَقَّفَ إِطْلَاقُ الرَّصَاصِ، مَعَ وُصُولِ فِرْقَةِ دَعْمٍ مِنَ الشُّرْطَةِ تَقْتَرِبُ مِنْ سَيَّارَةِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ بَدَأُوا يَقْفِزُونَ مِنَ السَّيَّارَةِ فِى مُحَاوَلَةِ هَرَبٍ مِنَ الشُّرْطَةِ. كَأَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ أَنَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ سَرِيعٍ، وَبِوَقْتِ انْشِغَالِ الطَّرِيقِ مِنْهُمْ، مَنِ انْدَهَسَ تَحْتَ أَطْيَارَاتِ سَيَّارَاتٍ أُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ اِسْتَطَاعَ تَفَادِيَ الدَّهْسِ، لَكِنْ لِسُرْعَةِ السَّيَّارَةِ وَتَأَرْجُحِهَا، كَانَتْ إِصَابَاتُهُ بَالِغَةً. كَذَلِكَ سَائِقُ السَّيَّارَةِ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَفَزَ لِيَصْطَدِمَ جَسَدُهُ بِدُشْمَةٍ حَجَرِيَّةٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ. لِتَنْتَهِيَ مُحَاوَلَةُ اغْتِيَالٍ فَاشِلَةٍ.
❈-❈-❈
بَعْدَ قَلِيلٍ بِأَحَدِ المَشَافِي
فَتَحَ ذَاكَ الوَسِيطُ بَابَ إِحْدَى الغُرَفِ، يَتَنَهَّدُ بِرَاحَةٍ قَائِلًا:
"حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ يَا أَفَنْدِمُ."
اِبْتَسَمَ سَراجٌ لَهُ قَائِلًا:
"أَخِيرًا وَصَلْتَ يَا سِيَادَةَ المُقَدَّمِ. وَصَلْتَ مُتَأَخِّرًا."
تَبَسَّمَ لَهُ قَائِلًا:
"طَمِّنِّي عَلَى إِصَابَةِ سِيَادَتِكَ."
نَظَرَ سَراجٌ إِلَى عَضُدِ يَدِهِ اليُسْرَى قَائِلًا:
"إِصَابَةٌ خَفِيفَةٌ. رَصَاصَةٌ فِى عَضُدِ يَدِي الشِّمَالِ، وَالرَّصَاصَةُ لَمْ تَخْتَرِقِ العَظْمَ، يُعْتَبَرُ جُرْحًا سَطْحِيًّا."
اِبْتَسَمَ الوَسِيطُ قَائِلًا:
"طَبْعًا النَّسْرُ الأَشْوَلُ يَقْدِرُ يَصْطَادُ التَّعَابِينَ مَهْمَا كَانَ سُمُّهُمْ قَوِيًّا... بَسْ نَفْسِي أَعْرِفُ سَبَبَ مُحَاوَلَةِ اغْتِيَالِ سِيَادَتِكَ، رَغْمَ إِنَّهُ مَعْرُوفٌ إِنَّ سِيَادَتَكَ سِبْتَ الخِدْمَةَ فِى الجَيْشِ، إِيهِ الهَدَفُ مِنَ العَمَلِيَّةِ الإِرْهَابِيَّةِ دِي فِى الوَقْتِ دَه بِالذَّاتِ؟"
اِبْتَسَمَ سَراجٌ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنْ فَوقِ تِلْكَ الأَرِيكَةِ قَائِلًا:
"إِنتَ قُلْتَهَا، الوَقْتَ دَه بِالذَّاتِ... مَعْرُوفٌ غَرَضُهُمْ إِيهِ."
لَمْ يَفْهَمِ الوَسِيطُ وَتَسَاءَلَ:
"مِشْ فَاهِمْ يَا أَفَنْدِمُ."
وَضَعَ سَراجٌ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى كَتِفِ الوَسِيطِ قَائِلًا:
"التَّمْوِيهُ."
فَهِمَ الوَسِيطُ قَائِلًا:
"قَصْدُكَ..."
قَاطَعَهُ سَراجٌ بِتَأْكِيدٍ:
"أَيُّهُ، تَمْوِيهٌ. بَسْ أَوْعَى تَكُونْ غَافِلٌ عَنْ تَتَبُّعِ عَمَلِيَّةِ نَقْلِ الآثَارِ."
نَفَى الوَسِيطُ ذَلِكَ قَائِلًا:
"لَا يَا أَفَنْدِمُ، اِطْمَئِنَّ. الوَضْعُ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ، وَعَرَفْتُ فَيْنَ اِتْشُونَتِ الآثَارُ، وَزَيِّ مَا حَضْرَتُكَ أَمَرْتَ، أَسْهَلْتُ لَهُمُ الطَّرِيقَ. طَبْعًا مَاقَبَضْنَاشُ عَلَيْهِمْ عِشَانْ نَعْرِفْ نُوصَلْ لِلرَّأْسِ الكَبِيرَةِ اللِّي بَتْدِيرُ عَمَلِيَّاتِ سَرِقَةِ الآثَارِ، وَتِجَارَةِ المَخَدِّرَاتِ هَنَا. حَتَّى الرَّاجِلُ بِتَاعُنَا نَفْسُهُ لِغَايَةِ اللَّيْلَةِ مَايَعْرِفْ مِينْ الكَبِيرُ، بَيَأْخُدُ الأَوَامِرَ مِن وَاحِدٍ مِن رِجَالَتِهِ، رَغْمَ إِنِّي مُتَأَكِّدٌ إِنَّ الشَّخْصَ دَه مِشْ هُوَ زَعِيمُهُمْ، دَه الرَّاجِلُ التَّانِي، الإِيدُ اللِّي بِتَنْفِذُ وَتِدِّي الأَوَامِرَ لِبَقِيَّةِ الرِّجَالِ."
أَوْمَأَ لَهُ سَراجٌ قَائِلًا:
"عَشَانْ كِدَه لَازِمْ نُرَاوِغْ وَنَظْهَرُ إِنَّ عَمَلِيَّةَ التَّهْرِيبِ تَمَّتْ بِنَجَاحٍ، كَمَانْ عِشَانْ حِمَايَةَ الرَّاجِلِ بِتَاعُنَا اللِّي عِنْدَهُمْ."
أَوْمَأَ لَهُ مُتَفَهِّمًا.
تَنَهَّدَ سَراجٌ قَائِلًا:
"دِلْوَقْتِي مِشْ لَازِمُ الإِعْلَامُ يَعْرِفُ حَاجَةٌ عَنِ الحَادِثَةِ اللِّي حَصَلَتْ."
تَنَهَّدَ الوَسِيطُ بِآسَفٍ:
"لِلأَسَفِ يَا أَفَنْدِمُ، إِنتَ عَارِفُ الإِعْلَامُ، بَسْ يِشِمُّ خَبْرٌ وَيَبْقَى صِرَاعُ السَّبْقِ بَيْنَ القَنَوَاتِ الفَضَائِيَّةِ وَالمَوَاقِعِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ. بَسْ طَبْعًا طَلَعَ تَصْرِيحٌ مِنَ الدَّاخِلِيَّةِ بِأَنَّ الحَادِثَ كَانَ بَسِيطٌ وَتَقْرِيبًا مَافِيشْ خَسَائِرَ فِى أَرْوَاحِ الأَبْرِيَاءِ، وَإِنَّهُ تَمَّ التَّعَامُلُ مَعَ العَمَلِيَّةِ بِشَكْلٍ سَرِيعٍ. وَطَبْعًا يَا أَفَنْدِمُ، دَه بِسَبَبِ ذَكَاءِ سِيَادَتِكَ. فِعْلًا، تَقْرِيبًا مَافِيشْ أَرْوَاحٌ بَشَرِيَّةٌ اِتْأَذَّتْ غَيْرَ المُجْرِمِينَ. تَقْرِيبًا تَلْفِيزٌ فِى بَعْضِ العَرَبِيَّاتِ وَإِصَابَاتٍ خَفِيفَةٍ. وَاضِحٌ إِنَّهُمْ كَانُوا مُرَكِّزِينَ مَعَ حَضْرَتِكَ، مَايَعْرِفُوشُ إِنَّهُمْ بِيَتْعَامَلُوا مَعَ 'النَّسْرِ الأَشْوَلِ'."
اِبْتَسَمَ سَراجٌ قَائِلًا:
"تَمَامٌ... مُتَأَكِّدٌ إِنَّهُ هَيَبْقَى فِيهِ تَبَعِيَّاتٌ لِلِّي حَصَلَ دَه، سَوَاءٌ فِى القِيَادَةِ العَامَّةِ لِلجَيْشِ، وَكَذَلِكَ لِلْمُجْرِمِينَ اللِّي فَكَّرُوا إِنَّ خَلَاصْ كِدَه وَصَلُوا لِهَدَفِهِمْ بِنَقْلِ بِضَاعَتِهِمْ بِسُهُولَةٍ. أَنَا لَازِمْ أَرْجَعْ أَسْيُوطَ اللَّيْلَةَ، طَالَمَا الإِعْلَامُ ذَاعَ الخَبَرَ أَكِيدْ هَيَبْقَى فِيهِ قَلَقٌ..."
قَبلَ أَنْ يُكْمِلَ حَدِيثَهُ، كَانَ هَاتِفُهُ يَصْدَحُ، أَخْرَجَهُ مِنْ جَيْبِهِ وَنَظَرَ لَهُ ثُمَّ لِلْوَسِيطِ وَتَنَهَّدَ قَائِلًا:
"زَيِّ مَا تَوَقَّعْتُ، الخَبَرَ وَصَلَ لِسِيَادَةِ اللِّوَاءِ وَالِدِ تَالِينِ. هَأْرُدُ عَلِيهِ أَطَمِّنُهُ."
حَدَّثَهُ سَراجٌ بِهُدُوءٍ وَأَخْبَرَهُ بِإِصَابَةِ تَالِينِ بِطَلْقَةٍ فِى أَحَدِ كَتِفَيْهَا، وَبِأَنَّ الآصَابَةَ لَيْسَتْ خَطِيرَةً.
أَغْلَقَ سَراجٌ الهَاتِفَ وَنَظَرَ لِلوَسِيطِ قَائِلًا:
"أَرُوحُ أَطَمِّنُ عَلَى تَالِينِ. عَرَفْتُ إِنَّ إِصَابَتَهَا هِيَ كَمَانْ مِشْ خَطِيرَةٌ، وَبَابَاهَا سِيَادَةُ اللِّوَاءِ بِيَقُولُ هَيَجِي عَلَى طَيَّارَةٍ خَاصَّةٍ، مِشْ هَيَأْخُدْ وَقْتٌ لِحَدِّ مَا يَوْصَلْ لَهُنَا. لَازِمْ قَبلَ المَسَا أَكُونْ فِى أَسْيُوطَ."
❈-❈-❈
بِـ دَارِ العَوَامِرِي
كَأَنَّ مَا حَدَثَ لَهَا وَفِقْدَانُهَا لِأَهَمِّ مَا تَمْتَلِكُهُ المَرْأَةُ وَهُوَ "رَحِمُهَا" كَأَنَّهُ جَعَلَهَا تَفْقِدُ الرَّحْمَةَ بِقَلْبِهَا. هِيَ أَوَّلُ مَنْ رَأَتْ عَلَى الهَاتِفِ خَبَرَ تَعَرُّضِ سَيَّارَةِ سَراجٍ لِحَادِثٍ إِرْهَابِيٍّ. شُعُورٌ بِدَاخِلِهَا كَأَنَّهُ شَخْصٌ لَا تَعْرِفُهُ، تَبَسَّمَتْ وَلَمَعَتْ عَيْنَاهَا تَقُولُ بِهَمْسٍ مَسْمُوعٍ:
"وَاضِحٌ إِنَّهَا فِعْلًا قَدَمُ النَّحْسِ عَلَى الرَّاجِلِ اللِّي بَتْتَجَوِّزُهُ يَمُوتُ."
سَمِعَتْ ذَلِكَ كُلٌّ مِن وَلَاءٌ وَوَالِدَتُهَا الجَالِسَتَانِ مَعَهَا. تَسَاءَلَتْ وَلَاءٌ بِفُضُولٍ:
"تِقْصِدِي مِينْ بِحَدِيثِكِ دَه."
رَفَعَتْ عَيْنَاهَا وَنَظَرَتْ لِفُضُولِهِنَّ وَأَجَابَتْهُنَّ بِنَبْرَةِ شَمَاتَةٍ:
"هُوَ فِيهِ غَيْرُهَا 'ثُريَا'، شُوفُوا فِى خَبَرٌ عَلَى الموبايلِ وَبَيَقُولُ إِنْ فِيهِ عَمَلِيَّةٌ إِرْهَابِيَّةٌ، وَكَانَ مَقْصُودٌ بِهَا ظَابِطٌ سَابِقٌ فِى الجَيْشِ، وَقَالُوا اِسْمُ سَراجٍ العَوَامِرِي."
اِنْتَفَضَتْ وَلَاءٌ وَنَهَضَتْ وَاقِفَةً تَقُولُ بِاِسْتِفْسَارٍ:
"وَسَراجٌ جَرَالُهُ إِيهِ؟"
أَجَابَتْهَا إِينَاسٌ بِبُرُودٍ:
"مَا أَعْرِفُشُ، إِنتِ خَابْرَةٌ الحُكُومَةُ مِشْ بَتْقُولُ الحَقِيقَةَ، وَالأَخْبَارُ أَوْقَاتٌ بَتْهُوِّلُ المَوْضُوعَ."
نَظَرَتْ وَلَاءٌ لِبُرُودِهَا وَقَالَتْ:
"هَأطْلَعُ أُغَيِّرُ هَدُومِي وَأُرُوحُ دَارَ عُمْرَانَ بِالتَّأْكِيدِ، زَمَانُ عِنْدِيهِ خَبَرٌ عَنْ سَراجٍ."
تَهَكَّمَتْ إِينَاسٌ وَظَلَّتْ جَالِسَةً هِيَ وَوَالِدَتُهَا الَّتِي لَا تَقِلُّ عَنْهَا شَمَاتَةً قَائِلَةً:
"ذَنْبُ غَيْثٍ هَيَخْلَصْ مِنْ سَراجٍ... مِشْ إِتْجَوِّزَ أَرْمَلَةُ وَلَدِي. أَنَا دَعِيتُ عَلِيهِ مَايِشُوفْشِ الهَنَا مَعَاهَا... زَيِّ وَلَدِي."
لَمَعَتْ عَيْنَا إِينَاسٌ بِنَظْرَةٍ شَامِتَةٍ وَبَسْمَةِ تَشَفِّي.
❈-❈-❈
بِـ المَدِينَةِ
أَسْفَلَ تِلْكَ البِنَايَةِ الَّذِي يَقْطُنُ بِهَا وَالِدُ قِسْمَتٍ، تَرَجَّلَ إِسْمَاعِيلُ وَذَهَبَ لِلنَّاحِيَةِ الأُخْرَى يُسَاعِدُ رَحِيمَةَ عَلَى النُّزُولِ مِنَ السَّيَّارَةِ. تَبَسَّمَتْ لَهُ بِحَنَانٍ وَهِيَ تُعْطِيهِ يَدَهَا. رَفَعَ نَظَرَهُ لِأَعْلَى، تَبَسَّمَ حِينَ وَجَدَ قِسْمَتَ تَقِفُ فِى شُرْفَةِ شُقَّتِهِمْ. أَشَارَ لَهَا، تَبَسَّمَتْ لَهُ، وَهِيَ تَضَعُ يَدَهَا فَوقَ قَلبِهَا. لَاحَظَتْهُمْ رَحِيمَةُ وَتَبَسَّمَتْ قَائِلَةً:
"اِطْمَئِنَّ يَا وَادُ، اِنْ شَاءَ اللهُ هَتْبَقِي مِنْ نَصِيبِكَ، وَهِيَ اللِّي هَتْرَبِطْ لَكَ عَقْلَكَ السَّارِحَ."
آمَنَ عَلَى قَوْلِهَا قَائِلًا:
"يَسْمَعُ مِنْكِ يَا خَالَتِي. أَنَا مُعْتَمِدٌ عَلَيْكَِ مَعَ الرَّاجِلِ الدِّيكْتَاتُورِ دَه، بِيَقُولُ عَلَيَّا بَرْجَوَازِي."
لَمْ تَفْهَمْ رَحِيمَةُ كَذَلِكَ، لَمْ تَعْرِفْ نُطْقَ الكَلِمَةِ وَسَأَلَتْهُ:
"بَرْ... بَرْ... بَرْجَوَاجِي يَعْنِي إِيهِ يَا إِسْمَاعِيلُ؟"
أَجَابَهَا:
"دِي شِتِيمَةٌ يَا خَالَتِي، مَاعَرِفْشُ مَعْنَاهَا. نِبْقَى نَسْأَلُ آدَمَ عَلَيْهَا، هُوَ المُثَقَّفُ اللِّي فِينَا."
أَوْمَأَتْ لَهُ قَائِلَةً:
"تَمَامٌ. لَمَّا نَخْلَصُ هَنَا، تَأْخُدْنِي دَارَ العَوَامِرِي. الوَادُ سَراجٌ قَلْبِي اِتْخَاطْفَ مِنْ نَاحِيَتِهِ مِنْ الصُّبْحِ."
تَهَكَّمَ لَهَا قَائِلًا:
"مَا تَقْلَقِيشُ يَا خَالَتِي عَلِيهِ، دَه نِسْرٌ بِيَصْطَادُ تَعَابِينَ. خَلِّينَا مَعَ الرَّاجِلِ الدِّيكْتَاتُورِ، يَا رَبِّ بَسْ أَتْجَوِّزُ قِسْمَتَ، هَكْرُبْهُ فِى رَأْسِهِ بِأَعْلَى فُولْتٍ، يُمْكِنْ عَقْلُهُ يُوزَنْ."
بَعْدَ قَلِيلٍ، فَتَحَتْ قِسْمَتُ بَابَ الشُّقَّةِ وَرَحَّبَتْ بِـ رَحِيمَةَ الَّتِي تَبَسَّمَتْ لَهَا قَائِلَةً:
"إِنتِ قِسْمَتٌ؟"
أَجَابَتْهَا بِهَمْسٍ:
"أَيُّهُ يَا طَنَّطُ. حَضْرَتُكِ نَوَّرْتِ. إِسْمَاعِيلُ حَكَالِي عَنْكِ وَقَالَ إِنَّكِ الوَحِيدَةُ اللِّي هَتْقْدَرِي تُقْنِعِي بَابَا يَقْبَلُ بِجَوَازِنَا."
تَبَسَّمَتْ لَهَا رَحِيمَةُ بِحَنَانٍ قَائِلَةً:
"حُلْوَةٌ كَلِمَةُ طَنَّطُ مِنكِ. وَإِنتِ كَمَانْ حُلْوَةٌ. يُحِقُّ لِلْوَادُ إِسْمَاعِيلُ يَتَمَسَّكُ بِيكِ. اِطْمَئِنِّي، أَنَا بِحَمْدِ اللهِ رَبَّنَا بَيُلَينُ القَاسِيَةَ فِى إِيدِيَّ."
تَبَسَّمَتْ قِسْمَتُ بِاطْمِئْنَانٍ. بَينَمَا أَتَى وَالِدُ قِسْمَتٍ سَائِلًا:
"مِينِ اللِّي كَانَ بَيُرَنُّ جَرَسَ الشُّقَّةِ يَا قِسْمَتُ؟"
اِنْزَاحَتْ قِسْمَتُ مِن أَمَامِ رَحِيمَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْدَاخِلِ قَائِلَةً بِمَوَدَّةٍ:
"أَنَا رَحِيمَةُ، فِى أَمَانَةٍ عِنْدَكَ بَتَاعَتِي وَجَايَةٌ أَخُدُهَا."
نَظَرَ لَهَا بِاِسْتِغْرَابٍ قَائِلًا:
"أَمَانَةٌ إِيهِ يَا حَجَّةٌ."
تَبَسَّمَتْ لَهُ قَائِلَةً:
"يَسْمَعُهَا مِنكَ وَنَحِجُّ سَوَا إِنْ شَاءَ اللهُ. مِشْ تَقُولُ لِي اِتْفَضَّلِي أَوَّلُ وَتَضَايِفْنِي بِكُوبَايَةِ مَاءٍ."
شَعَرَ مَعَهَا بِالرَّاحَةِ وَالسَّكِينَةِ فَقَالَ بِوُدٍّ:
"آَمِينٌ. اِتْفَضَّلِي يَا حَجَّةٌ... هَاتِي عَصِيرٌ يَا قِسْمَتُ فِى الصَّالُونِ."
شَعَرَتْ قِسْمَتُ بِرَاحَةٍ مِن اِسْتِقْبَالِ وَالِدِهَا لِـ رَحِيمَةَ. بَعْدَ قَلِيلٍ، جَلَسَتْ رَحِيمَةُ تَنظُرُ لِوَالِدَةِ قِسْمَتٍ الَّتِي جَاءَتْ بِفُضُولٍ تَتَعَرَّفُ عَلَى تِلْكَ السَّيِّدَةِ الَّتِي أَخْبَرَتْهَا عَنْهَا قِسْمَتُ. لَاحَظَتْ هُدُوءًا فِى الحَدِيثِ بَينَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَكُونُ هَكَذَا مَعَ شَخْصٍ غَرِيبٍ يَتَعَامَلُ مَعَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. لَكِنَّ رَجَّحَتْ ذَلِكَ رُبَّمَا لِبَشَاشَةِ وَرُقِيِّ حَدِيثِ تِلْكَ السَّيِّدَةِ.
نَظَرَتْ رَحِيمَةُ نَحْوَ قِسْمَتٍ الَّتِي أَعْطَتْهَا كُوبَ العَصِيرِ، وَتَبَسَّمَتْ لِوَالِدِهَا قَائِلَةً:
"بُصِّ بَقِي، أَنَا الزَّمَنُ عَلَّمَنِي أَدْخُلُ البُيُوتَ مِن أَبْوَابِهَا. إِنتَ عِنْدَكَ أَمَانَةٌ وَأَنَا جَايَةٌ اَلْيَوْمَ عِشَانْ أَخُدُهَا لِصَاحِبِ نَصِيبِهَا."
نَظَرَ لَهَا بِفُضُولٍ سَائِلًا:
"إِيهِ الأَمَانَةُ دِي يَا حَجَّةٌ."
نَظَرَتْ نَحْوَ قِسْمَتٍ وَتَبَسَّمَتْ:
"قِسْمَتُ هِيَ الأَمَانَةُ. أَنَا جَايَةٌ أَخْطُبُهَا لِابْنِ أُخْتِي، اللِّي فِى مَقَامِ اِبْنِي الصَّغِيرِ. وَعَارِفَةٌ إِنَّكَ مِشْ هَتِكْسُفْنِي وَهَتْوَافِقُ... دَه دُكْتُورٌ وَقُدَّامُهُ المُسْتَقْبَلُ."
شَعَرَ بِإِحرَاجٍ وَتَحَنَّحَ قَائِلًا:
"مِشْ لَازِمْ أَشُوفُهُ أَوَّلُ وَأَسْأَلُ عَنْهُ وَأَعْرِفُ أَخْلَاقُهُ."
اِبْتَسَمَتْ رَحِيمَةُ:
"إِنتَ شُفْتُهُ قَبلَ كِدَه، وَقِسْمَتُ تَشْهَدُ عَلَى أَخْلَاقُهُ. هُوَ صَحِيحٌ هَوَائِيٌّ، لَكِنْ وَقْتَ الجِدِّ رَجُلٌ وَيِسِدُّ، تَرْبِيَتِي."
زَادَ الحَرَجُ لَدَى وَالِدِ قِسْمَتٍ وَتَبَسَّمَ قَائِلًا:
"مَايِمْنَعْشِ بَارْضُهُ أَشُوفُهُ تَانِي."
اِبْتَسَمَتْ رَحِيمَةُ وَغَمَزَتْ لِقِسْمَتٍ الَّتِي شَعَرَتْ بِالخَجَلِ وَنَهَضَتْ خَرَجَتْ مِنَ الغُرْفَةِ قَائِلَةً:
"حَقُّكَ... عَشْرُ دَقَائِقَ وَهَتْلَاقِيهِ هِنَا."
بِالفِعْلِ، قَبلَ مُرُورِ عَشْرِ دَقَائِقَ، صَدَحَ رَنِينُ بَابِ الشُّقَّةِ. فَتَحَتْ قِسْمَتُ البَابَ وَتَبَسَّمَتْ لِإِسْمَاعِيلَ الَّذِي سَأَلَ بِتَرَقُّبٍ:
"هَاهَ؟ بَابَاكَ مِزَاجُهُ هَادِي؟ أَنَا جِبْتُ لَهُ بُسْبُوسَةٌ تُغَيِّرُ، عِشَانْ مَايَقُولْشِ عَلَيَّا بَرْجَوَازِي."
ضَحِكَتْ قِسْمَتُ قَائِلَةً:
"أَيُّهُ، طَنَّطُ رَحِيمَةُ مَعَاهُ فِى الصَّالُونِ، وَشَكْلُهَا أَقْنَعَتُهُ."
اِبْتَسَمَ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ يَدْخُلُ إِلَى غُرْفَةِ الضُّيُوفِ. تَبَسَّمَتْ رَحِيمَةُ وَقَالَتْ بِفَخْرٍ:
"تَعَالَى يَا إِسْمَاعِيلُ، سَلِّمْ عَلَى أَبُو قِسْمَتٍ."
نَظَرَ وَالِدُ قِسْمَتٍ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ هَادِئًا، اِنْتَفَضَ وَاقِفًا يَقُولُ:
"مُسْتَحِيلٌ أُجَوِّزُ بِنْتِي لِسَلِيلِ البَرْجَوَازِي."
نَظَرَ إِسْمَاعِيلُ نَحْوَ رَحِيمَةَ الَّتِي نَهَضَتْ وَاقِفَةً تَسْأَلُ:
"هُوَ إِيهِ البَرْ... بَرْجَوَاجِي دَه يَا أَخُويَا؟ وَبَعْدِينَ إِنتَ هَتْرْجَعْ فِى حَدِيثُكَ مَعَايَ؟ مِشْ مِنْ شَوَيْةٍ كُنْتَ بَتْقُولُ أَنَا أُجَهِّزُهَا وَأَجِيبُهُالَكَ لِحَدِّ عِنْدَكَ. هَاهُوَ إِسْمَاعِيلُ دَه اِبْنِي كِدَه، هَتِكْسُفْنِي قُدَّامُهُ."
تَرَدَّدَ وَالِدُ قِسْمَتٍ بِحَرَجٍ وَهَدَأَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِاعْتِرَاضٍ:
"يَا حَجَّةٌ..."
قَاطَعَتْهُ رَحِيمَةُ بِنَظْرَةِ عِتَابٍ قَائِلَةً:
"هَتْقُولُ إِيهِ؟ خَلِّينَا نَفْرَحُ بِالعِيَالِ، وَأَنَا أَضْمَنْ لَكَ إِنَّ إِسْمَاعِيلُ هَيُصُونُ بِنْتَكَ فِى عَيْنِيهِ."
تَرَدَّدَ وَالِدُ قِسْمَتٍ، لَكِنْ بِحَنْكَةِ رَحِيمَةَ أَقْنَعَتْهُ، فَقَالَ بِانْدِفَاعٍ:
"تَمَامٌ، أَنَا مُوَافِقٌ، بَسْ الجَوَازُ يَكُونُ خِلَالَ شَهْرَيْنِ بِالكَثِيرِ، وَالعَفْشُ وَالشَّبْكَةُ وَتَجْهِيزَاتُ الشَّقَّةِ كَمَانْ عَلِيهِ."
كَادَ إِسْمَاعِيلُ أَنْ يَعْتَرِضَ، لَكِنَّ رَحِيمَةَ قَاطَعَتْهُ وَقَالَتْ:
"أَنَا كُنْتُ هَأقُولُ كِدَه. أَنَا عَايْزَةٌ أَفْرَحُ بِالعِيَالِ."
نَظَرَ لَهَا إِسْمَاعِيلُ وَصَمَتَ.
دَقَائِقَ كَانَ وَالِدُ قِسْمَتٍ يَتَحَدَّثُ وَهُوَ يَتَشَرَّطُ، وَكُلَّمَا حَاوَلَ إِسْمَاعِيلُ أَنْ يَعْتَرِضَ، كَانَتْ رَحِيمَةُ تَنْظُرُ لَهُ فَيَصْمُتُ.
بَعْدَ وَقْتٍ مِنَ المُفَاوَضَاتِ، نَهَضَتْ رَحِيمَةُ بِبَسْمَةٍ قَائِلَةً:
"إِكْدَه تَمَامٌ جَوِّي جَوِّي... إِحْنَا شَارِينُ قِسْمَتَ."
تَهَكَّمَ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ مَا زَالَ مُتَمَسِّكًا بِعُبْوَةِ البُسْبُوسَةِ، حَتَّى ذَهَبَ إِلَى خَلْفِ بَابِ المَنْزِلِ. مَدَّتْ قِسْمَتُ يَدَهَا تَقُولُ:
"مِشْ إِنتَ جَايِبُ البُسْبُوسَةَ دِي لِبَابَا؟ هَاتِهَا."
تَمَسَّكَ بِالعُبْوَةِ قَائِلًا:
"أَبَدًا، أَنَا هَحْتَفِظُ بِالبُسْبُوسَةَ دِي أَكِلُّهَا فِى السَّكَّةِ، أَبْلَعُ بِهَا اللِّي شُفْتُهُ وَسَمِعْتُهُ مِن أَبُوكِ. أَبُوكِ دَه بَيَقُولُ عَلَيَّا سَلِيلُ بَرْجَوَازِي، وَهُوَ اِسْتِغْلَالِيٌّ."
نَظَرَتْ لَهُ قِسْمَتُ بِاحْتِقَارٍ. فَنَظَرَ نَحْوَ رَحِيمَةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِن غُرْفَةِ الضُّيُوفِ، وَمَا زَالَ وَالِدُ قِسْمَتٍ وَوَالِدَتُهَا يَتَحَدَّثَانِ مَعَهَا، يَتَمَسَّكَانِ أَنْ تَجْلِسَ مَعَهُمَا بَعْضَ الوَقْتِ. لَكِنْ حِينَ رَأَى إِسْمَاعِيلُ يَقِفُ مَعَ قِسْمَتٍ، شَعَرَ بِالغَضَبِ وَقَالَ:
"نَسِيتُ يَا حَجَّةٌ أَقُولُ لَكِ إِنَّكِ عَارِفَةٌ إِنِّي رَبَّنَا رَزَقَنِي بِثَلَاثِ بَنَاتٍ وَأَخَافُ عَلَيْهِمْ..."
قَاطَعَتْهُ رَحِيمَةُ:
"إِسْمَاعِيلُ هَيَبْقَى أَخُوهُمْ الكَبِيرُ، وَإِحْنَا نَكْتُبُ الكِتَابَ مَعَ الخُطُوبَةِ."
تَهَكَّمَ إِسْمَاعِيلُ بِنَزَقٍ هَامِسًا لِنَفْسِهِ:
"أَخُوهُمْ يَا خَالَتِي، هَتْسَوِّي سُمْعَتِي مِنْ دِلْوَقْتِي مَعَ رَجُلٍ اِسْتِغْلَالِيٌّ. بَسْ أَكْتُبُ كِتَابِي عَلَى قِسْمَتَ لَأَخَلِّيكَ تَمْسِكْ سِلْكِ الكَهْرَبَا عُرْيَانَ وَأُظَبِّطُ لَكَ فِيزُوزَ مَخَكَّ يَا رَاجِلُ يَا اِسْتِغْلَالِيٌّ."
❈-❈-❈
مَسَاءً بِـ دَارِ العَوَامِرِي
كَانَ الجَمِيعُ يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ سَراجٍ بَعْدَمَا اِتَّصَلُوا عَلَيْهِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ بِخَيْرٍ. لَكِنْ مَا زَالَ القَلَقُ يُسَاوِرُ عِمْرَانَ، كَذَلِكَ ثُريَا وَإِنْ كَانَتْ تُظْهِرُ عَكْسَ ذَلِكَ بِهُدُوئِهَا. بِمُجَرَّدِ أَن دَخَلَ سَراجٌ إِلَى المَنْدَرَةِ، نَهَضَتْ وَلَاءٌ بِرِيَاءٍ وَقَامَتْ بِاِحْتِضَانِ سَراجٍ تُمَثِّلُ الحَنَانَ، لَكِنَّهُ لَابُدَّ أَنْ تَبُخَّ سُمَّهَا وَقَالَتْ بِقَصْدٍ وَهِيَ تَنْظُرُ نَحْوَ ثُريَا:
"زَيِّ مَا يَكُونُ دَخَلَ عَلَيَّ وَافِدٌ جَدِيدٌ نَحْسٌ لِلدَّارِ."
لَمْ تُبَالِ ثُريَا وَنَهَضَتْ رَحِيمَةُ وَاقْتَرَبَتْ مِنْ سَراجٍ وَجَذَبَتْهُ مِن وَلَاءٍ، اِحْتَضَنَتْهُ قَائِلَةً:
"رَبَّنَا نَجَّاكَ يَا وَلَدِي. مَافِيشْ حَاجَةٌ اِسْمُهَا نَحْسٌ، دَه قَدَرٌ، وَرَبَّنَا قَدَّرَ وَلَطَفَ عِشَانْ مِشْ رَايِدٌ يُوجِعُ قَلْبَ مُحِبِّينِكَ."
تَبَسَّمَ سَراجٌ وَهُوَ يَحْتَضِنُهَا بِقُبُولٍ، عَكْسَ مَا فَعَلَ مَعَ وَلَاءٍ الَّتِي اِشْتَعَلَ قَلْبُهَا حِقْدًا، وَهِيَ تَرَى سَراجٌ عَيْنَاهُ تُفَارِقُ ثُريَا الَّتِي كَانَتْ آخِرَ مَنْ تَحَدَّثَتْ بِاخْتِصَارٍ:
"حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِكَ."
أَوْمَأَ لَهَا مُبْتَسِمًا، رُبَّمَا كَانَ يُرِيدُ مِنْهَا هِيَ عِنَاقٌ وَقُبْلَةٌ.
بَعْدَ وَقْتٍ، نَهَضَتْ رَحِيمَةُ قَائِلَةً:
"كَفَايَةٌ اِكْدَه، قُومْ يَا سَراجُ. اِطْلَعْ شَقَّتَكَ مَعَ مَرْتَكَ، كِفَايَةٌ اِكْدَه، إِنتَ لَازِمٌ تِرْتَاحُ."
وَافَقَ سَراجٌ وَنَهَضَ، بَينَمَا ثُريَا كَانَتْ جَالِسَةً تَتَحَدَّثُ هِيَ وَإِيمَانُ وَحَنَانُ، لَمْ تَنْبَهْ إِلَّا حِينَ وَجَّهَتْ رَحِيمَةُ نَظَرَهَا لَهَا قَائِلَةً:
"قُومِي يَا ثُريَا، اِطْلَعِي مَعَ جُوزِكِ، أَكِيدْ زَمَانُهُ تَعْبَانٌ، وَالستُّ هِيَّ رَاحَةُ جُوزِهَا."
أَصَابَتْ خَالَتُهُ حِينَ قَالَتْ ذَلِكَ حَقًّا، حُضْنٌ مِن ثُريَا الآنَ هُوَ رَاحَتُهُ.
اِمْتَثَلَتْ ثُريَا وَذَهَبَتْ مَعَ سَراجٍ، بَينَمَا جَلَسَتْ رَحِيمَةُ بَينَ إِيمَانَ وَحَنَانَ، وَتَبَسَّمَتْ لَهُنَّ قَائِلَةً:
"قُولُولِي يَا زِينَةَ الحُلْوِينِ، كُنْتُوا بِتَتْحَدَّثُوا فِى إِيهِ."
نَظَرَتْ لَهَا وَلَاءٌ بِغَضَبٍ وَانْتَفَضَتْ مِنْ قُبُولِهِنَّ لَهَا، وَنَهَضَتْ قَائِلَةً:
"الحَمْدُ لِلَّهِ اطْمَأَنَنْتُ عَلَى سَراجٌ أَنَّهُ بِخَيْرٍ. هَأرُوحُ دَارِي، الحَمْدُ لِلَّهِ إِنَّ لِيَّ دَارٌ مِشْ عَالَةٌ عَلَى حَدٍّ."
سَمِعَتْهَا رَحِيمَةُ وَلَمْ تُبَالِ بِحَدِيثِهَا وَهِيَ تَنْدَمِجُ فِى الحَدِيثِ بِأُلْفَةٍ مَعَهُنَّ. تَعْلَمُ أَنَّهَا قَصَدَتْ ذَلِكَ الحَدِيثَ المَاسِخَ، لَكِنْ لَنْ تُعْطِيَهَا فُرْصَةً بِالرَّدِّ عَلَى تَفَاهَتِهَا. غَادَرَتْ وَلَاءٌ تَلْعَنُ وَتَسُبُّ الجَمِيعَ.
❈-❈-❈
بِشُقَّةِ سَراجٍ
اِنْشَغَلَتْ ثُريَا بِالحَدِيثِ عَبْرَ الهَاتِفِ مَعَ وَالِدَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تُطْمَئِنُّ عَلَى سَراجٍ. كَانَ سَراجٌ بِذَاكَ الوَقْتِ دَخَلَ إِلَى غُرْفَةِ النَّوْمِ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهَا بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَعْطَاهَا الهَاتِفَ لِتُكْمِلَ حَدِيثَهَا مَعَ وَالِدَتِهَا. زَفَرَتْ نَفْسَهَا وَهِيَ تَتَّجِهُ إِلَى غُرْفَةِ النَّوْمِ. وَجَدَتْ سَراجٌ كَانَ قَدْ خَلَعَ قَمِيصَهُ وَأَصْبَحَ نِصْفَ عَارٍ. رَأَتْهُ يُجَعِّدُ مَلَامِح