تحميل رواية «عروس من باريس» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
وقف كمال أمام زوجته نورا التي تنظر إليه بملامح مصدومة تحاول أن تستوعب ما تفوه به زوجها. ظلت صامتة لوقت طويل دون أن تتحدث، حتى أن كمال قلق عليها. فاقترب منها ومسكها من ذراعها وقال بجدية: "نورا.. حبيبتي، أنتِ كويسة؟" نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت بصوت شاحب: "ليه يا كمال؟ ليه مقولتش لي؟" أجابها بصدق: "أنا لسه عارف من ساعتين، وجيت قولتلك على طول." أبعدت ذراعها عنه بعنف وقالت بحقد: "ليه مقولتش لي على موضوع جوازك قبلي؟ ليه خدعتيني واتجوزتني وأنت مبتحبنيش؟" زفر أنفاسه وقال محاولاً احتوائها: "ليه بتقول...
رواية عروس من باريس الفصل الثالث 3 - بقلم سارة علي
وقف كمال أمام زوجته نورا التي تنظر إليه بملامح مصدومة تحاول أن تستوعب ما تفوه به زوجها.
ظلت صامتة لوقت طويل دون أن تتحدث، حتى أن كمال قلق عليها. فاقترب منها ومسكها من ذراعها وقال بجدية:
"نورا.. حبيبتي، أنتِ كويسة؟"
نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت بصوت شاحب:
"ليه يا كمال؟ ليه مقولتش لي؟"
أجابها بصدق:
"أنا لسه عارف من ساعتين، وجيت قولتلك على طول."
أبعدت ذراعها عنه بعنف وقالت بحقد:
"ليه مقولتش لي على موضوع جوازك قبلي؟ ليه خدعتيني واتجوزتني وأنت مبتحبنيش؟"
زفر أنفاسه وقال محاولاً احتوائها:
"ليه بتقولي كده يا نورا؟ أنتِ عارفة إني بحبك وأنتِ مراتي وحبيبتي وأم عيالي وكل حياتي. أنجيلا..."
صمت قليلاً محاولاً ابتلاع غصته وهو يردف:
"أنجيلا كانت ماضي، ماضي وانتهى. بس ليديا.. ليديا ملهاش ذنب في حاجة، دي بنتي، وأنا لازم أعترف بيها وأعوضها عن كل اللي فات."
سألته نورا بصوت جاد:
"اتكلم بصراحة، أنت عاوز إيه مني دلوقتي؟"
أجابها بجدية:
"ليديا لازم تعيش هنا.. معانا."
صرخت بغضب:
"مستحيل! أنت عايز تجيب بنت غريمتي في بيتي؟ أنت أكيد اتجننت."
صاح كمال بدوره:
"أولاً صوتك ده ميعلاش على صوتي. ثانياً دي بنتي، فاهمة يعني إيه بنتي؟ وغريمتك اللي بتتكلمي عليها دي ماتت، المفروض إننا ندعيلها بالرحمة."
صاحت بنفاذ صبر:
"أنا مليش علاقة في كل ده، بنتك أنت حر فيها، لكن تجيبهالي هنا.. لا والف لا. أنا مش هربي بنت حبيبتك عندي، أنت فاهم؟"
"يعني إيه؟ بتعانديني يا نورا؟"
صرخ بها بغضب لتهطل دموعها وهي تجيبه:
"أنا عمري معاندتك، طول عمري بطيعك في كل حاجة. بس لحد هنا وكفاية، أنا مش هقدر أتقبلها في حياتي."
"نورا..."
صرخ بها بحدة ليخرج سليم أخيه من غرفة المكتب. حيث قد جاء مع أخيه بعدما أخبره بحقيقة وجود ابن له وطلب منه أن يرافقه إلى منزله كي يخبر نورا بكل شيء ويقنعها ببقاء ليديا في منزله.
قال سليم وهو يقترب منهما محاولاً تهدئة الوضع:
"فيه إيه يا جماعة؟ ممكن تهدوا؟ صوتكوا عالي."
ردت نورا ببكاء:
"عايز يجيب بنته من حبيبته القديمة ويخليها تعيش معايا، والمفروض إني أتقبلها عادي وأستقبلها وأرحب بيها كمان."
نظر سليم إلى ملامح أخيه الواجمة وقال بجدية:
"نورا معاها حق يا كمال. مينفعش ليديا تعيش معاكم هنا."
وقبل أن يصرخ كمال به أكمل سليم بجدية:
"لازم تمر فترة على الأقل تكون نورا استوعبت بيها الخبر ووجود بنت ليك، وساعتها هي بنفسها هتطلب منك تجيبها البيت هنا."
ثم أردف:
"ليديا هتعيش في بيت جدها يا كمال.. بيت العيلة اللي هو بيتنا كلنا. هتفضل معانا لحد ما نورا تقرر إمتى تيجي تعيش في بيتك. أظن كده مرضية يا نورا."
تطلعت نورا إلى سليم بعينيها الحمراوين قبل أن تتجه مسرعة إلى غرفتها بالطابق العلوي. ليصيح سليم بأخيه:
"فيه إيه يا كمال؟ أنت لازم تقدر موقفها. عايزها تتقبل بنتك بالسرعة دي؟ اديها فترة تستوعب اللي حصل."
زفر كمال نفساً قوياً وقال بضيق:
"أنا اللي يهمني دلوقتي ليديا. أنا لازم أعوضها عن كل دقيقة عاشتها بعيد عني."
أومأ سليم برأسه وقال:
"وأنا معاك، كلنا لازم نعوضها. جيبها عندي في بيت العيلة وخليها معانا، وصدقني نورا لما تهدى وتستوعب كل حاجة هتوافق تعيش معاكم."
"يارب."
قالها كمال بترجٍ. بينما قال سليم بجدية:
"دلوقتي نروح نكلم أمك وفريال ونعرفهم بكل حاجة، وبعدها نجيب ليديا عندنا."
سأله كمال بسخرية:
"وأنت فاكر مراتك هتستقبل بنتي عادي؟"
رد سليم بهدوء:
"أيوه هتستقبلها وترحب بيها. فريال صحيح صعبة وشخصيتها قوية، بس الفكرة هنا مختلفة. فريال مش بتحب مراتك، وبالتالي وجود ليديا هيسعدها عشان فاكرة كده هتغيظ نورا. شغل ستات ملناش دعوة بيه."
ابتسم كمال ساخراً وقال:
"طب يلا بينا نروح نكلم مراتك وأمك قبل ما الدنيا تظلم."
أومأ سليم برأسه وتحرك أمامه ليتجه كلاهما إلى منزل العائلة.
***
"يعني أنت عندك بنت من أنجيلا الفرنسية يا كمال؟"
قالتها جميلة والدته بصدمة. ليومئ كمال برأسه وهو يقول بحسرة:
"أنجيلا اللي قلتولي إنها ماتت وخللتوني أعيش في حسرتها."
ابتلعت جميلة ريقها وقالت بوجع:
"أنا مليش دعوة، ده كان قرار أبوك. وثانياً ربنا عوضك بنورا، نورا اللي كانت أحسن زوجة ليك."
تدخلت فريال في الحوار قائلة بغيظ:
"متلومنيش يا مرات عمي، نورا مش ملاك للدرجة دي."
رماها سليم بنظرات محذرة. بينما رد كمال بجمود:
"نورا مفيش زيها يا فريال. أنا عشت معاها أكتر من ثلاثة وعشرين سنة عمري مشفتش منها حاجة وحشة."
كتمت فريال غيظها. بينما أكمل كمال بجدية وهو يسأل فريال:
"بس اللي عايزة أعرفه يا فريال.. بنتي مرحب بيها عندك لفترة صغيرة. واتمنى يكون ردك صريح ومن غير مجاملات."
وقبل أن ترد فريال قالت جميلة:
"ده مش بيت فريال، ده بيت العيلة، وبنتك مكانها هنا معانا."
تنحنحت فريال تقول محاولة إخفاء حرجها:
"كلام مرات عمي صح. ده مش بيتي، ده بيت العيلة، وبنتك تشرفنا بأي وقت، زيها زي ولادي."
ابتسم كمال بامتنان قبل أن يشير إلى والدته قائلاً:
"ماما مش هوصيكي، ليديا هتفضل أمانة عندك."
ربتت الأم على يده وقالت:
"متخافش، بنتك في عيني."
نهض كمال من مكانه وقال بجدية:
"أنا هروح أجيبها من الأوتيل."
ثم خرج بسرعة ليجلب ليديا من الفندق.
***
كانت نورا جالسة تبكي بصمت حينما دلف يوسف ابنها الأكبر إلى الفيلا ليتفاجأ بوضعها هذا.
اقترب منها وسألها بقلق:
"فيه إيه يا ماما؟ مالك؟ بتعيطي ليه؟"
كفكفت دموعها وقالت بحسرة:
"أبوك..."
"ماله؟"
سألها يوسف بقلق. لترد وهي تبتلع ريقها بتوجس:
"طلع عنده بنت غيركوا."
"بنت إيه؟"
قالها مراد بصدمة، والذي ولج لتوه إلى الفيلا عائداً من درسه الخصوصي. بينما انتفض يوسف من مكانه بعدم تصديق. لتجيبهم نورا بألم:
"بنت يا مراد. مش فاهم يعني إيه بنت؟"
سألها يوسف بغضب:
"يعني أبويا متجوز عليكي وكمان مخلف بنت؟"
قاطعته نورا بسرعة:
"لا، الكلام ده كان قبل ما يتجوزني. وهو طلق الست دي بردوا قبل جوازنا. كمان هو النهاردة عرف بموضوع بنته."
تطلع الأخوين إلى بعضيهما قبل أن يهتف مراد محاولاً الفهم أكثر:
"يعني البنت دي عندها كام سنة؟ وكانت فين كل السنين دي؟"
أجابته نورا:
"عندها حوالي خمسة وعشرين سنة. كانت عايشة في فرنسا مع والدتها ومكانتش تعرف إن أبوكم هو أبوها."
سألها يوسف بعدم فهم:
"طب ووالدتها عملت ليه كل ده؟"
قالت نورا وقد فقدت أعصابها:
"مش عارفة. أنا مش عايزة حد يجيب سيرة الست دي أو بنتها هنا، انتوا فاهمين؟"
ثم اندفعت مرتفعة إلى الطابق العلوي. ليظل الابنين لوحدهما حيث قال مراد بتهكم:
"دي صدمة العمر. بقى أنا عندي أخت عندها خمسة وعشرين سنة."
قال يوسف بدوره:
"هو ده كل اللي هامك؟ مش هامك المشكلة الكبيرة اللي هتحصل بين أمك وأبوك؟ ولا العيلة وكلامهم."
رد مراد بسخرية:
"العيلة.. العيلة اللي مش عاجبها العجب. يا عم فكك منهم. المهم إحنا دورنا إيه في ده؟"
قال يوسف بجدية:
"ولا أي حاجة. نستنى كام يوم الوضع يهدي ونشوف هنعمل إيه."
أومأ مراد برأسه وقال بجدية:
"أروح أنا بقى أناملي ساعتين عشان هخرج بالليل مع صحابي."
قال يوسف بضيق:
"يابني أنت معندكش دم؟ صحاب مين اللي تخرج معاهم وإحنا لسه مصدومين في حكاية الأخت اللي ظهرت فجأة دي؟"
رد مراد ببرود:
"أنت ليه محسسني إن فيه حد مات؟ طلع عندنا أخت، يا أهلاً وسهلاً. مدايقين إيه؟"
"تصدق صح. مفيش حاجة تخلينا ندايق. أساساً الحياة حلوة وسعيدة ومفيش حاجة تخلينا نزعل أصلاً."
قالها باستخفاف وهو يخرج مفاتيح سيارته ويخرج من الفيلا. بينما هز مراد رأسه بلا مبالاة وهو يصعد إلى غرفته في الطابق العلوي.
***
كانت ليديا تجلس بين جدتها ونور ابنة سليم. ترمق عمها وزوجته فريال بنظرات مستغربة، ثم تعود وتنظر إلى والدها بنظرات مرتبكة.
لقد اندهشت حينما وصلوا إلى قصر العائلة فلم تتخيل أنهم أغنياء إلى هذه الدرجة. القصر كان فخماً وكبيراً كقصور الملوك والأمراء.
استقبال جدتها لها كان رائعاً حيث احتضنتها بحنان بالغ ولمحت دموع جامدة في عينيها. أما زوجة عمها فكان استقبالها راقياً تماماً مثلها. ونور ابنة عمها رحبت بها بحرارة شديدة محاولة أن تطمئنها، خصوصاً أن الجمود والخجل كان واضحاً عليها.
انتبهت ليديا إلى حديث فريال التي قالت بإعجاب:
"ما شاء الله بنتك زي القمر يا كمال. أكيد شبه مامتها."
ابتسم كمال وهو يتأملها قبل أن يرد عليها:
"نسخة منها."
ردت فريال بخبث:
"للدرجة دي كنت بتحبها؟ أصل الرجل لما يحب الست أوي أولاده بيطلعوا نسخة منها."
رمقها سليم بنظرات محذرة. بينما ابتسم كمال مجاملة.
انتبهت جميلة إلى قلادة الصليب التي تحيط رقبة ليديا لتهتف بسرعة:
"إيه ده يا بنتي؟ إيه اللي أنتِ لابساه ده؟"
ردت ليديا بعفوية:
"ده اسمه الصليب."
قاطعها كمال بسرعة:
"ليديا بتلبس العقد ده عشان كانت هدية ليها من مامتها. هي متعلقة بيها عشان بتفكرها بيها."
قالت فريال بسرعة:
"بس كده حرام. مينفعش تبقى مسلمة وتلبس الصليب."
قالت ليديا بسرعة:
"لا، أنا مش مسلمة. أنا مسيحية."
تطلع الجميع إليها بصدمة. بينما ابتلع كمال ريقه بتوتر. لتهتف جميلة أخيراً:
"كلام إيه اللي بتقوله بنتك يا كمال؟ مسيحية إزاي؟ مسيحية إزاي وأنت مسلم؟"
رد كمال بهدوء:
"سيبي ليديا على راحتها يا أمي. هي لسه جديدة هنا وهتاخد وقت لحد ما تتعود على عاداتنا وتقاليدنا."
قالت فريال متدخلة في الحوار:
"بس طالما الأب مسلم يبقى البنت تبقى مسلمة. العالم كله ماشي كده."
قالت ليديا وقد فهمت الحوار نوعاً ما:
"الدين مش بالولادة، الدين اختيار. وأنا اخترت الدين المسيحي بعد ما قريت عنه وفهمته كويس وحبيته."
نظر كمال إليها بضيق ثم عاد ببصره إلى والدته وقال:
"يا أمي لازم نراعي إنها عاشت طول عمرها بعيد عننا في بلد أوروبي وكمان والدتها كانت مسيحية وربتها على الدين المسيحي. وإحنا طول عمرنا بنحترم كل الأديان. وأنا واثق إن ليديا لما هتعيش معانا وتتعرف على ديننا وتحبه هي بنفسها هتعلن إسلامها. وأنتي ممكن يا ست الكل هتعرفيها دينك أكتر وتقربيها منه."
قالت ليديا بدورها:
"أنا حابة بجد أتعرف على دينكم. لكن ده مش معناه إني أسيب ديني. عموماً أنا بحترم دينكم وبحترم كل الأديان السماوية."
نظر إليها بملامح متجهمة. بينما كانت نظرات ليديا واثقة، فهي لن تسمح لأي أحد بالمساس بها أو بدين والدتها الذي تربت عليه وأحبته بشدة. أحبته لدرجة أنها في وقت من الأوقات فكرت في أن تصبح راهبة تخدم الكنيسة وتتعبد طوال الوقت فيها.
ضمت جميلة شفتيها بضيق. بينما قالت نور محاولة إنهاء التوتر الذي سيطر على الأجواء:
"إيه رأيك يا ليديا تقومي معايا؟ تشوفي أوضتك؟ هتعجبك قوي."
ابتسمت ليديا وقالت:
"أوك."
ثم نهضت تتبع نور، حيث أخذتها الأخيرة إلى غرفتها.
***
بعد مرور عدة ساعات..
كانت ليديا تجلس بجانب جدتها تستمع إلى أحاديثها عن العائلة، تحاول أن تعرفها على أفرادها فرداً فرداً. بينما ليديا تستمع إليها وعلى شفتيها ابتسامة دون أن تفهم حرفاً واحداً، فقد اكتظت عليها الأحاديث.
دلف حسام إلى الداخل وألقى التحية ليتفاجأ بليديا أمامه. فسأل والدته بدهشة:
"مين دي يا ماما؟"
أجابته فريال بجدية:
"دي ليديا بنت عمك كمال."
قال حسام بسخرية:
"متبلاش هزار بقى. هو عمي كمال اتبنى بنت على آخر عمره؟"
رمقته فريال بنظرات محذرة وهي تجيبه:
"أنا مش بهزر يا حسام. حاسب على كلامك. أنا بقول الحقيقة. دي ليديا بنت كمال من مراته الأولى اللي اتجوزها في فرنسا وقت دراسته. ومتسألنيش أكتر عشان أنا تعبت وأنا بعيد نفس الكلام لمرات عمك جمال وعمتك."
اتسعت عينا حسام بعدم تصديق قبل أن يبتسم وهو يحيي ليديا بترحيب محاولاً إخفاء دهشته التي جعلته يبدو كالأبله للحظات.
جلس بجانب نور وهو يتأمل ليديا بعينيه. ثم سألها:
"هي جنسيتها إيه بالظبط؟ أصل الشكل واللهجة مش مصري خالص."
أجابته نور بصوت خافت:
"فرنسية.. وخد الكبيرة كمان.. مسيحية."
اتسعت عينا حسام للحظات قبل أن يبتسم بتهكم:
"يا ما شاء الله.. أهي كملت."
قالت نور بنفس الخفوت:
"بس البنت شكلها طيبة جداً ولطيفة. جدتك بقالها ساعتين بتشرحلها شجرة العيلة."
ابتسم حسام بتهكم وقال:
"قال يعني من جمال ولطافة العيلة."
رمقته نور بنظرات محذرة كي لا يسمعه أحد. بينما ابتسم هو ببرود. ليدلف مصطفى بعد دقائق ويلقي التحية بلا مبالاة. قبل أن تتسع عيناه وهو ينظر إلى ليديا. فيصفر عالياً وهو يقول بسرعة:
"مين المزة دي؟"
نهضت فريال من مكانه وضغطت على ذراعه بقوة قائلة بحدة:
"اخرس خالص وبطل حركاتك السخيفة دي. دي ليديا بنت عمك كمال."
جحظت عينا مصطفى الذي قال بلا وعي:
"عمي كمال عنده بنت مزة كده؟ لا أنتِ أكيد بتهزري؟ الانتاج ده لا يمكن يكون من عيلتنا. الانتاج ده أمريكاني.. أوروبي.. أسباني."
"أنا هروح أوضتي.. قبل ما أتجلط."
قالتها فريال وهي بالكاد تكتم غيظها. ليحلق مصطفى بليديا بعينين متسعتين وفاه مفتوح. حتى هتف به حسام:
"يابني كفاية كده.. شكلك عامل زي الأبلة."
اقترب مصطفى منه وقال لها:
"ممكن تقفي."
نظرت له ليديا باستغراب. ثم وقفت تحت أنظار الجميع المندهشة. ليسألها:
"الشعر ده طبيعي ولا مصبوغ؟"
"الله يخربيتك.. هتفضحنا."
قالها حسام بصوت عالٍ. بينما رمقته ليديا بنظرات مندهشة. ليكمل ببلاهة:
"طب العيون دي حقيقية ولا لينسز؟"
جذبه حسام من ذراعه وأجلسه بجانبه وهو يهتف به بصرامة:
"اتنيل واقعد بقى عشان فضحتنا."
ليقول مصطفى ببلاهة:
"البنت دي لا يمكن أفوتها. دي هي اللي هتحسن نسل العيلة."
قال حسام بسخرية:
"دي أكبر منك بسبع سنين أو أكتر."
رد بلا مبالاة:
"الحب عمره ما بيفرق معاه العمر."
ضربه حسام على رقبته ليصرخ مصطفى ألماً. بينما هتف حسام به:
"اتلم بقى واحترم نفسك. ولاحظ إنك بتتكلم عن بنت عمك، ها بنت عمك."
ابتسم مصطفى وقال موجهاً حديثه لليديا:
"يا أهلاً.. يا أهلاً ببنت الغالي. منورانا والله.. منورة مصر والوطن العربي كله."
ابتسمت ليديا وهي تجيبه:
"شكراً."
***
كانت عليا تسير حول نفسها عدة مرات وهي تحاول الاتصال بأدهم الذي يرفض اتصالاتها المتكررة.
هتفت أخيراً موجهة حديثها إلى والدتها وأختها صبا:
"برضه مش بيرد."
ردت صبا بملل:
"ارحميه بقى. ده الاتصال رقم ثلاثين. خفي شوية."
بينما قالت جيجي والدتها:
"يا بنتي أكيد عنده شغل. مانتي كلمتي نور ثلاث مرات لحد دلوقتي وقالتلك إنه لسه مرجعش البيت."
جلست عليا بجانب والدتها وقالت بضيق:
"مبيردش إيه؟ بيتجاهل مكالماتي إيه؟"
ثم أكملت بتذمر:
"مش كفاية المصيبة اللي حلت فوق دماغنا."
سألتها صبا بعدم فهم:
"مصيبة إيه يا عليا؟"
ردت عليا بنفاذ صبر:
"يوه يا صبا متركزي. بتكلم عن البنت الفرنسية.. بنت عمك اللي ظهرت من تحت الأرض دي."
"طب إيه اللي مدايقك منها؟"
سألتها صبا بدهشة. لترد عليا بغيظ:
"هو أنتِ مش معانا ولا إيه يا صبا؟! أنتِ مسمعتيش كلام طنط فريال؟ قالت هتعيش في بيت العيلة. يعني هتبقى في وش أدهم ليل ونهار."
قالت صبا بسخرية:
"أنتِ مش هتبطلي غيرتك التافهة دي. متخليكي واثقة في نفسك شوية."
ردت عليا بعصبية:
"لا يا صبا أنا واثقة في نفسي جداً. بس أنا لازم أحافظ على أدهم من الستات اللي حواليه."
ردت صبا بهدوء:
"لو واثقة إنه بيحبك بجد يبقى ملوش لزوم تخافي عليه لأنه المفروض مش هيشوف ست غيرك."
قالت عليا بتهكم:
"أنا واثقة فيه وواثقة في حبه. بس مش واثقة في الستات الكتير اللي حواليه واللي كلهم عينهم منه."
قالت جيجي داعمة إياها في حديثها:
"معاكي حق يا عليا. أنتِ نسيتي خطيبك ده يبقى مين وابن مين؟ العيون كلها عليه."
رمقتها صبا بدهشة وقالت:
"وإنتِ إن شاء الله هتفضلي مشغلة برج المراقبة بتاعك طول العمر."
ردت عليا بجدية:
"أنا كل اللي يهمني البنت الفرنسية دي. أنا لازم أبعدها عنه."
ثم أشارت لوالدتها قائلة:
"ماما ممكن نجيبها تعيش معانا؟ عالأقل نبعدها عن أدهم وتبقى تحت عينينا."
صاحت بها جيجي:
"أنتِ اتجننتي يا عليا؟ أجيبها هنا فين؟ مع إخوانك؟ افرضي حد منهم اتنيل وحبها.. أعمل إيه أنا ساعتها؟"
ردت عليا بحزن:
"يعني أسيبها تغري خطيبي وتاخده منه."
قالت صبا بعدم تصديق:
"تغري مين وتحب مين؟ دي واحدة عايشة طول عمرها في فرنسا.. يعني شافت شباب أحسن من أدهم وخالد وكريم بألف مرة. وتسعين بالمية هتلاقيها مرتبطة بشاب من هناك. أنتوا فاكرين إن واحدة زيها هتبص لشبابنا؟ يا جماعة أكيد تربيتها وطريقة تفكيرها وحياتها مختلفة تماماً عننا. ثانياً مش يمكن تكون بنت كويسة ومحترمة."
قاطعتها عليا بسخرية:
"محترمة؟! دي فرنسية.. عارفة يعني إيه فرنسية؟ يعني أجنبية وإنتِ عارفة الأجانب بيغيروا الرجالة زي الشرابات وعندهم كل شيء مباح."
رمقتها صبا بنظرات باردة قبل أن تنهض من مكانها وتتجه للطابق العلوي. فقالت جيجي:
"فكك من اختك. فاكرة الناس كلها طيبة. مش كفاية العرسان اللي بترفضهم."
ردت عليا:
"بنتك دي خايبة وعمرها ما هتشوف الخير بخيبتها دي."
قالت جيجي بجدية:
"سيبك من صبا وركزي مع خطيبك. أنتِ لازم تقدمي معاد الفرح وتخليه خلال الشهر الجاي."
"هعمل كده فعلاً."
قالتها عليا وهي تفكر في أمر تلك الفتاة الفرنسية وتحاول أن تتخيل شكلها قبل أن تقرر أن تذهب غداً في الصباح الباكر إلى منزل عمها للتعرف عليها.
***
دلف أدهم إلى منزله بعد يوم عمل طويل ومرهق ليجد أخويه حسام ومصطفى يجلسان مع نور.
نهض مصطفى من مكانه واقترب منه قائلاً:
"أنت فين يا عم؟ سايبنا لوحدنا.. فاتك كتير."
قال أدهم بضيق:
"بقولك إيه أنا تعبان جداً ومليش خلق لحركاتك التافهة."
قال مصطفى بجدية:
"حركات تافهة إيه؟ شكلك لسه مش عارف اللي حصل."
"حصل إيه؟"
سأله أدهم بعدم فهم. ليرد مصطفى بابتسامة واسعة:
"فوق يا خويا، فوق. فيه قنبلة موقوتة هتنفجر في وش العيلة كلها."
أشار أدهم لحسام ونور متسائلاً:
"بيقول إيه الواد ده؟"
رد مصطفى:
"أنت مش مصدقني.. طب اصعد فوق وشوفها بنفسك."
صاح أدهم بنفاذ صبر:
"متتكلموا.. أنا متنيل تعبان ومليش خلق للأخد والعطا."
رد حسام بهدوء:
"كمال عمك طلع مخلف بنت زمان أيام دراسته في فرنسا والبت زارته النهاردة وهو جابها هنا تعيش معانا.. ده مختصر الكلام."
"بتقول إيه؟ بنت إيه وفرنسا إيه؟"
قالها أدهم بدهشة. ليرد مصطفى:
"بنت صاروخ يا أدهم.. بنت ملهاش زي.. ملاك ماشي على الأرض."
جذبه أدهم من ذراعه بقوة وهتف به بنبرة حازمة:
"هتتلم ولا أتصرف معاك."
"يا عم إيدك تقيلة ابعد بقى.. بهزر مينفعش أهزر."
قالها مصطفى بضيق وهو يجلس في مكانه. بينما قالت نور بسرعة:
"عليا اتصلت ثلاث مرات لحد دلوقتي وبتسأل عنك."
زفر أدهم أنفاسه بضيق وقال:
"واضح إني مش هخلص النهاردة.. هي مبتزهقش أبداً. مش قادرة تستوعب إن عندي شغل."
قالت نور:
"طب معلش كلمها وطمنها عليك."
رد أدهم بتعب:
"لا هتكلم ولا أتنين.. أنا هخش أغير هدومي وأنام فوراً. أنا مش قادر أصلب طولي من كتر التعب. ومحدش يصحيني لا على العشا ولا غيره. تصبحوا على خير."
قالها وهو يصعد إلى الطابق العلوي تحت أنظار إخوانه المندهشة.
سار متجهاً إلى غرفتها لينصدم بفتاة ذات قوام ممشوق تولي ظهرها وهي تتحدث في الهاتف. بينما شعرها الأشقر الكثيف بأمواجه المتمردة يغطي ظهرها بالكامل.
تطلع أدهم إليها بدهشة وهو يراها تتحدث في الهاتف بلهجة فرنسية لم يفهم منها شيئاً، لكنه عرف على الفور أنها فرنسية حيث سمع هذه اللهجة مسبقاً حينما سافر إلى فرنسا عدة مرات.
جذبته لهجتها الرقيقة ونبرة صوتها الناعمة والتي لم يسمع مثلها من قبل، والتي زادتها الكلمات الفرنسية حلاوة.
ابتلع ريقه وهو يتمنى أن يرى وجه صاحبة هذا الصوت المميز والشعر الرائع والقوام الفرنسي الجذاب.
ظل واقفاً في مكانه كالصنم ينتظر منها أن تستدير ليرى شكلها.
أنهت ليديا مكالمتها أخيراً لتتوقف أنفاس أدهم وهو يراها تستدير نحوه. فأول شيء يراه هو عينيها الزرقاوين اللتين أسرتان عينيه بنظرة طويلة المدى جعلته يفقد جميع حواسه وينسى كل شيء حوله.
أبعد أخيراً عينيه عن عينيها محاولاً الفرار من أسرهما الفتاك. حيث أخذ يتأمل ملامح وجهها الناعمة بتأنٍ كمن يتأمل لوحة من الجنة.
كان قلبه ينبض بعنف لم يستوعبه. كان مأسوراً بملامح وجهها التي لم تكن فائقة الجمال، لكن كان بها شيء غريب يجذبه كالمغناطيس لدرجة جعلته يتمنى لو يكون رساماً ويرسم وجهها عدة مرات دون أن يمل.
استوعب أخيراً أفكاره وشروده بها ليتنحنح بحرج وهو يهتف:
"مساء الخير."
ابتسمت ليديا بخجل أطاح بقلبه الذي كان يخفق بجنون وأجابته بلكنتها الخاصة والتي زادتها جاذبية في نظره:
"مساء النور."
ثم حاولت أن تسأله عن اسمه ومن يكون، لكنها فضلت عدم التدخل بما لا يعنيها.
شعر هو بنظراتها الفضولية فقال معرفاً عن نفسه بثقة:
"أنا أدهم.. ابن عمك سليم."
مد يده نحوها لتمد يدها ببساطة. فيتحضن كفها الأبيض الصغير بكفه الأسمر الضخم ليشعر بدفء غريب يجتاحه بقوة.
ظلت ليديا تنظر إلى يده المحكمة على يدها باستغراب قبل أن ينتبه أدهم لنفسه ويحرر يدها. فتهتف ليديا:
"أهلاً بيك أد.."
ثم تلكأت في نطق اسمه وحاولت أن تنطقه عدة مرات دون فائدة. لينطق أدهم اسمه أمامها حوالي عشرات المرات دون أن يمل وهي تكرر بعده وتخطئ. حتى نطقت بعد المرة الحادية عشر:
"أدهم."
شعر أدهم أنه أصبح لاسمه وقع خاص لم يشعر به مسبقاً. بينما لم تنتبه ليديا كل هذا. بل كانت سعيدة بقدرتها على نطق اسمه بشكل صحيح:
"قلته صح كده؟"
أومأ أدهم برأسه وهو ينظر إلى عينيها وقال:
"صح فعلاً."
ثم سألها وقد تذكر لتوه أنه لم يسألها على اسمها:
"أنتِ اسمك إيه صحيح؟"
أجابته برقة:
"ليديا."
ابتسم وهو يلفظ اسمها باستمتاع:
"ليديا.. اسم جميل ومختلف زي صاحبته."
"أنا هنزل تحت عند نور والباقي."
قالتها وهي تتجه نحو السلم. ليراقبها أدهم حتى اختفت من أنظاره. ليدخل إلى غرفته وهو يتنهد بعمق قبل أن يغير ملابسه مسرعاً ويهبط إلى الطابق السفلي. ناسياً كل تعبه وإرهاقه ونومه المنتظر. فكل ما يهمه الآن أن يرى ليديا ويتعرف عليها أكثر.
رواية عروس من باريس الفصل الرابع 4 - بقلم سارة علي
هبط ادهم إلى الطابق السفلي ليجد نور في وجهه، والتي سألته بتعجب:
"انت مش قلت انك تعبان وهتنام؟!"
ابتسم وقال كاذبًا:
"كنت هنام بس معرفتش .. جعان جدا .. العشا جاهز ولا لسه؟"
"ثواني أقول للخدامة تحضره.."
قالتها نور وهي تتجه نحو المطبخ، بينما اتجه ادهم لصالة الجلوس ليجد ليديا تتحدث مع حسام ومصطفى ينظر إليها وابتسامة بلهاء على وجهه.
جلس ادهم بجانب مصطفى يستمع إلى حوار ليديا مع حسام، ثم انتبه إلى أخيه فقال له بضيق:
"شيل ابتسامتك الهبلة دي عشان شكلك مسخرة أوي."
التفت إليه مصطفى للحظات ثم عاد ببصره نحو ليديا وحسام وقال بجدية:
"إيه رأيك فالقنبلة الموقوتة دي؟!"
رمقه ادهم بنظرات حانقة وقال:
"مصطفى .. لسانك ده يتلم وأسلوبك يتغير."
ضيق مصطفى عينيه قائلاً بضيق:
"مالك بتكلمني زي ماما فريال؟"
رد ادهم بجمود:
"مصطفى.."
اختفت ابتسامة مصطفى الذي أومأ برأسه وقال بضجر:
"حاضر حاضر.."
انتبه حسام إلى حديثهما الخافت فسألهما:
"إيه مالكم ..؟! بتتكلموا بصوت واطي كده ليه؟!"
رد مصطفى بجدية:
"ادهم كالعادة بينبهني عالمذاكرة والثانوية."
ثم أكمل وهو يشير لليديا:
"اصل ثانوية عامة .. وهدخل الجامعة قريب."
ابتسمت ليديا وقالت:
"بجد .. حلو أوي."
ابتسم مصطفى بسعادة، بينما سألها ادهم باهتمام:
"انتي جيتي مصر امتى يا ليديا؟"
ردت ليديا بجدية:
"امبارح."
ابتسم ادهم وسألها عن قلادة الصليب:
"حلو الصليب اللي لابساه .. بس لابساه ليه وانتي مسلمة؟"
ردت ليديا بثقة:
"أنا مسيحية مش مسلمة."
فرغ ادهم فاهه وقال:
"ازاي ..؟! انتي مصرية مسلمة مينفعش تكوني مسيحية اصلا."
تغضن جبين ليديا بضيق شعر به ادهم، بينما لسانها قال:
"الدين مش بالولادة .. الدين بالاختيار."
نظر ادهم إلى حسام الذي ابتسم رغما عنه بمعنى أنها أحرجته، بينما أخفى ادهم غيظه وقال بهدوء:
"طبعًا .. الدين فعلاً بالاختيار .. بس يا ترى انتي كان قدامك فرصة تعرفي الدينين وتختاري بينهم ..؟! ولا انتي عشان مامتك كانت مسيحية فقررتي تبقي زيها؟"
همس له مصطفى بتهكم:
"لا برافو يا شيخ ادهم .. اللي يشوفك وانت بتتكلم بيقول انك مش بتفوت صلاة."
رمقه ادهم بنظرة آخرسته، بينما قالت ليديا بهدوء:
"لا مخترتش بينهم .. أنا اعتنقت المسيحية من وأنا طفلة .. بس لازم تعرفي إنوا محدش أجبرني .. أنا اعتنقته بكامل إرادتي ... وكمان متمسكة بيه جدًا .. أنا مش حابة أدخل معاك بنقاش ملوش فايدة .. لأنوا كل واحد شايف دينه هو الصحيح .. فالأفضل إننا نحترم ديانات بعض ومنتكلمش فالموضوع ده أصلاً."
كانت تتحدث بلكنتها المتقطعة الغير صحيحة. ازداد إعجاب ادهم بها، فالفتاة تبدو واعية ومثقفة وذات شخصية قوية وليست مجرد وجه جميل يجذب الأنظار. منحها ابتسامة خافتة بادلته إياها، لينقل حسام نظره بين الاثنين وهو يشعر بثمة شيء ما بينهما سوف يحدث من الأيام المقبلة، ليهمس بلا وعي:
"وقعتك سودة يا ادهم .. دي عليا تدبحك."
اقتربت فريال منهم وقالت:
"العشا جاهز .. يلا اتفضلوا لأوضة الطعام."
نهض الجميع متجهين لغرفة الطعام حيث وجدوا سليم مترأسًا المائدة ويتحدث مع والدته التي تجلس بجانبه. توقفا عن حديثهما حينما وجدوا الجميع يتقدم، لتقول فريال لليديا مشيرة إلى أحد الكراسي:
"اقعدي هنا حبيبتي."
جلست ليديا بخجل، ليسارع مصطفى ويجلس بجانبها تحت أنظار ادهم وحسام المتهكمة. نظرت ليديا إلى أصناف الطعام الكثيرة بدهشة واستغربت هذا الكم الهائل من الأطعمة. تذكرت نفسها في فرنسا، فهي لم تكن تتناول العشاء بل تكتفي بقطعة فاكهة، ليس لأنها لا تستطيع شراء العشاء ولكنها عودت نفسها على تناول ماهو قليل وصحي كي تحافظ على صحتها ورشاقة جسدها أيضًا.
نظرت ليديا إلى الطعام بتردد، وهي تعرف جيدًا أن معدتها لن تتحمل هذا الطعام الدسم، لكن عليها أن تتناول القليل منه منعا للإحراج. نظرت إليها نور والتي كانت تجلس على جانبها من الجهة الأخرى، فهتفت بها:
"شكلك محتارة ومش عارفة أصناف الاكل دي."
ابتسمت ليديا وأومأت برأسها، لتقول جميلة:
"دي أصناف كلها مصرية .. كليها يا حبيبتي وهتعجبك."
قالت ليديا:
"اكيد هتعجبني."
وضعت نور أمامها عدة ملاعق من أكثر من صنف، حتى أوقفتها ليديا باستحياء:
"كفاية ده كتير .. ميرسي يا نور."
ثم بدأت تتذوق لقيمات صغيرة من الطعام لتجده لذيذًا بالفعل. كانت تأكل ببطء شديد، بينما الجميع يتناول طعامه بصمت. كان الجو جديدًا على ليديا التي لم تحظ بجو عائلي كهذا من قبل. توقفت ليديا عن تناول الطعام عندما شعرت بالشبع، لتسألها فريال بتعجب:
"مش بتاكلي ليه يا ليديا؟"
ابتسمت ليديا وهي تجيب:
"شبعت."
قالت نور بتعجب:
"شبعتي ازاي ..؟! انتي مكلتيش ربع الطبق."
سألتها فريال بجدية:
"الاكل مش عاجبك .. تحبي أخليهم يبطخولك حاجة تانية."
نظر ادهم إليها بتركيز، بينما أجابت هي بخجل:
"بالعكس طعمه حلو أوي بس أنا مش متعودة أكل بالليل .. يعني بالعادة مش بتعشا."
قال سليم بجدية:
"لا يا حبيبتي لازم تعودي نفسك تتعشي كل يوم معانا."
أومأت ليديا برأسها وهي تبتسم بخفوت، بينما همس حسام لادهم الجالس بجانبه:
"ابعد عينيك عنها وركز فطبقك قبل محد ياخد باله .. انت مشلتش عينك من عليها طول العشا."
ارتبك ادهم وهو ينظر إلى حسام بتوتر، قبل أن يعاود النظر إلى طبقه ويتناول ما به بصمت.
***
في صباح اليوم التالي.
كانت نور تجلس لوحدها في القصر تلعب مع أولادها، بينما جميلة جدتها تقرأ القرآن في غرفتها وباقي العائلة خارج القصر. انتبهت لجرس الباب فنهضت لفتحه، لتتفاجئ بعليا والتي دلفت إلى الداخل وهي تقول:
"هاي نور."
ردت نور بتعجب:
"أهلاً عليا."
دخلت عليا إلى الداخل وأخذت تتفحص المكان بعينيها، لتسألها نور:
"بتدوري على حد يا عليا؟"
سألتها عليا كاذبة:
"امال فين ماما فريال؟"
قالت نور بتهكم:
"ماما.."
ثم أجابتها بجدية:
"راحت تزور خالتي .. وتيتة فأوضتها بتقرأ قرآن .. والباقي بره البيت مفيش غيري."
سألتها عليا بفضول:
"والبنت الفرنساوية فين؟"
ردت وقد تذكرت أمرها:
"اه ليديا .. لسه نايمة."
قالت عليا بقرف:
"ليديا .. اسمها مقرف."
رفعت نور حاجبها، بينما أكملت عليا:
"وكمان لسه نايمة .. هي فاكرة نفسها فأوتيل ولا إيه؟!"
"فيه إيه يا عليا مالك ..؟! داخلة عالبنت حامية كده ليه؟ تعبانة وجاية من سفر طويل فطبيعي تنام عشان ترتاح."
رمقتها عليا بنظرات متهكمة دون رد، لتجد ليديا تهبط درجات السلم بعد ثوانٍ. اتجهت نحوهم بخطوات خجولة، لترمقها عليا بنظرة مطولة مفصلة من رأسها حتى أخمص قدميها، وقد جذبها فستانها البسيط للغاية والذي يبدو أنه رخيصًا أيضًا. ابتسمت نور وقالت:
"صباح الخير يا ليديا .. كل ده نوم."
ابتسمت ليديا بحرج، وهي تتذكر الليلة الماضية حيث لم تستطع النوم بسبب ألم معدتها الذي استمر طويلًا ولم يختفي حتى الفجر بعد أن تقيأ جميع ما في جوفها. انتبهت إلى نور التي أردفت:
"أحضرلك الفطار؟"
فقالت ليديا بسرعة:
"لا ميرسي مش عايزة."
"مش تعرفيها عليا يا نور؟"
انتبهت نور أخيرًا إلى عليا فقالت معرفة عنها:
"عليا .. بنت عمك جمال."
ابتسمت ليديا وقالت بعفوية:
"أهلاً عليا."
رفعت عليا حاجبها وهي تنظر إلى نور التي تطلعت إليها بعدم فهم، لتكمل بتهكم:
"وخطيبة ادهم .. بس نور دائمًا بتنسى الموضوع ده."
ردت ليديا بنفس الابتسامة:
"أهلاً."
همست عليا لنور:
"هي فهمت إني خطيبته ولا بتبتسم كده وخلاص."
أجابتها نور بملل:
"اكيد فهمت."
حملت عليا حقيبتها وقالت:
"طب أروح أنا دلوقتي .. عشان اتأخرت."
قالت لها نور بنبرة ذات مغزى:
"ده انتي يادوب لسه واصلة.. عايزة تروحي .. ولا خلاص اللي جيتي عشانُه شفتيه؟"
لم تجبها، بل شمخت برأسها وهي تتجه خارج القصر تحت أنظار نور المتهكمة وليديا التي لم تفهم أي شيء من حديثهما.
***
كانت عليا تجلس أمام ادهم الذي يقرأ في أحد الملفات المهمة، وهي تتحدث في شتى المواضيع المختلفة، بينما الأخير لم ينتبه إليها أبدًا، حتى وجدها تقول فجأة:
"بس البنت الفرنساوية دي شكلها مش سهل خالص."
قال ادهم فجأة بعدما رفع عينيه من على الملف:
"مين ..؟! ليديا ..؟! ليه بتقولي كده؟"
رفعت عليا حاجبها وسألته:
"اشمعنا دلوقتي خدت بالك من كلامي .. منا قاعدة بقالي ساعة بتكلم وانت ولا هنا."
رد ادهم محاولًا تغيير الموضوع:
"مقلتليش .. انتي إيه اللي جابك؟"
أجابته بحب:
"وحشتني قلت أجي أشوفك .. وكمان زهقانة موت يا ادهم وانت مش بتخرجني خالص."
تنهد ادهم بضيق وقال:
"مشغولة يا عليا .. الشركة كلها فوق دماغي."
ثم أكمل وقد لمعت فكرة في رأسه:
"انتي مش بتفكري تشتغلي ليه؟ آهو عالأقل تشغلي وقتك."
قالت عليا بعدم تصديق:
"أنا اشتغل ..؟! من امتى بنات السيوفي بيشتغلوا يا ادهم؟! طول عمرنا بنقعد زي الهوانم والناس بيخدمونا .. شغل إيه اللي عايزني أشتغله؟ هو أنا محتاجة الشغل في إيه مثلا؟"
قاطعها بملل:
"خلاص خلاص .. كلمة واتقالت .. مش هتخليها حكاية .. أنا آسف يا آنسة عليا السيوفي."
قالت عليا بضيق:
"انت مش عاجبك كلامي."
رد ادهم ببرود:
"لا عاجبني وعاجبني أوي كمان."
"المهم .. مقلتليش إيه رأيك فالقنبلة الفرنساوية؟"
قاطعها ادهم بضيق:
"أولاً اسمها ليديا .. ثانياً انتي مركزة معاها ليه؟"
قالت عليا بجمود:
"وانا هركز ليه؟ ده أنا مش شايفاها أصلاً .. كل الفكرة إنوا بنت زي دي وجودها غلط فالعيلة."
سألها ادهم بتعجب:
"غلط ليه إن شاء الله؟"
قالت عليا بهدوء:
"عشان هي تربية خواجات .. وانت عارف الأجانب وطباعهم .. أحنا طول عمرنا عيلة محترمة ولينا اسمها ومركزنا .. مش هتجي بنت صايعة زيها تتحسب عليها."
صاح ادهم بها فجأة:
"متحاسبي على كلامك يا عليا .. دي بنت عمك .. ازاي تقولي عليها إنها صايعة؟"
ارتبكت عليا قليلاً قبل أن تقول بجدية:
"مش قصدي .. قصدي إنها أكيد زيها زي أي بنت أجنبية .. عايشة حياة مختلفة كلها علاقات وشرب وسهر."
ثم أكملت بخبث:
"مانت عارف يا ادهم .. الأجنبيات دول كل يوم تلاقيهم مع شاب جديد غير الشرب والسهر."
"لا طبعًا ليديا مختلفة."
قالها ادهم مبررًا، لتضحك عليا رغم غيظها وتقول بنفس الخبث:
"انت بتهزر يا ادهم؟ وحدة عندها خمسة وعشرين سنة .. مولودة وعايشة ففرنسا .. الله أعلم عرفت كام واحد قبل كده ونامت مع كم واحد قبل كده."
ثم أردفت بمكر:
"على فكرة ده مش ذنبها .. هي اتولدت فبلد نظامه كده .. مانت عارف النظام فاوروبا .. البنت اللي متنامش مع واحد بعد سن العشرين تبقى مش طبيعية."
اندلع الغضب داخل قلب ادهم، وقد بدأ يتخيل ليديا وهي علاقة مع عدد كثير من الشباب مثلها مثل أي فتاة أوروبية. شعر بالاختناق الشديد والرغبة في تحطيم رأي أحدهم. ملامحه تشنجت بالكامل، فأشار إلى عليا بجمود:
"أنا عندي اجتماع بره الشركة ولازم أخرج حالا."
ثم حمل مفاتيح سيارته واتجه خارج الشركة غير آبه بنداء عليا له. ركب سيارته وقادها عائدًا إلى المنزل. أوقف سيارته أمام باب القصر، ثم حمل هاتفه وأجرى الاتصال بأحد رجاله المقربين في الشركة.
"أيوة يا عامر .. ازيك ..؟! بقولك أنا هديك اسم بنت .. هي كانت عايشة ففرنسا وجت من يومين هنا فمصر .. عايزك تجيبلي تاريخ حياتها بالكامل من أول ما اتولدت .. وتعرفني نظامها إيه ..؟! يعني أخلاقها وكده ..."
أومأ ادهم برأسه وهو يستمع إلى كلام عامر الذي قال بجدية:
"انت تؤمر يا بيه .. بس ده هياخد وقت شوية .. عشان هي ففرنسا مش فمصر .. قولي اسمها إيه ..؟"
رد ادهم بجدية:
"ليديا كمال السيوفي .. بس هي متسجلة هناك باسم تاني هبقى أبعتهولك مع العنوان بتاعها .. هحاول أبعته الليلة .. تمام يا عامر."
ثم أغلق الهاتف، وكلام عليا يرن في عقله بضيق، وهي يتخيل ليديا في أوضاع مشبوهة كهذا فيشعر بإختناق أكبر.
***
دلف ادهم إلى القصر وهو لا يرى أمامه، ليتفاجئ بليديا تقف في الحديقة تنظر إلى إحدى ورودها. اختفى غضبه تمامًا وهو يراقبها بإهتمام، قبل أن يتقدم نحوها بخطوات هادئة ويقف خلفها محاولًا استنشاق رائحتها الهادئة التي أسرته من أول مرة. شعرت ليديا بوجود أحدهم خلفها بعد أن كانت شاردة تمامًا وهي تتأمل الوردة، لتلتفت فتشهق بفزع، ليبتسم ادهم وهو يقول:
"مالك خفتي كده ليه؟ شفتي عفريت."
ابتسمت ليديا بخجل، ثم سألته بعدم فهم:
"يعني إيه عفريت؟"
أجابها بجدية:
"مش مهم .. المهم انتي واقفة هنا ليه ومش قاعدة جوه مع نور وماما وتيتة؟"
أجابته ليديا:
"زهقت فقلت أتمشى فالجنينة شوية وأشم الهوا.. المكان حلو أوي والورد يجنن."
"بتحبي الورد انتي؟"
أومأت برأسها وهي تجيبه، بينما تلمس الوردة البيضاء برقة:
"جداً .. الورد ده أحلى حاجة فالدنيا."
نظر إليها قليلاً قبل أن يسألها فجأة بلا مقدمات:
"هو انتي مرتبطة؟"
رمقته بعدم فهم وقالت:
"مش فاهمة."
كرر سؤاله بوضوح أكبر:
"يعني مرتبطة بشاب؟"
ابتسمت ليديا وهي تجيبه:
"لا مش مرتبطة."
ابتسم ادهم وأكمل:
"ولا كنتي مرتبطة قبل كده؟"
هزت رأسها نفيًا وقالت:
"ولا قبل كده."
سألها ادهم محاولًا أن يسرق الكلام منها:
"غريبة يعني؟! بنت جميلة ورقيقة زيك .. عندها خمسة وعشرين سنة .. مرتبطتيش ليه؟"
ردت ليديا بعفويتها المعتادة:
"مكناش عندي وقت."
"مش فاهم."
قالها ادهم بإستغراب، لترد ليديا بصدق:
"وقتي كله كان فالشغل .. كنت بشتغل طول اليوم عشان أصرف على نفسي وأجيب علاج ماما .. فملقتش وقت للارتباط."
سألها ادهم بعدم تصديق:
"يعني عمرك ما ارتبطتي ولا حبيتي ولا عملتي أي حاجة من دول."
تطلعت ليديا إليه مستغربة أسئلته تلك، إلا أنها أجابت بصدق:
"لا أبداً."
تنهد ادهم بارتياح وقال بإبتسامة سعيدة:
"أنا كنت متأكدة إنك لا يمكن تكوني كده."
ثم انتبه إلى الوردة التي تنظر إليها ليديا فسألها:
"عاجباكي."
انحنت صوبها وشمتها وقالت:
"جميلة أوي وريحتها حلوة."
قطفها ادهم من مكانها، فتفاجئت ليديا به يضعها خلف أذنها بعدما أزاح خصلات قليلة من شعرها، ثم هتف وهو يتأملها مليًا:
"كده أحلى بكتير."
اخفضت ليديا عينيها بخجل، بينما ابتسم ادهم وهو يتابع خجلها، غافلاً عن تلك التي كانت تنظر إليهما من بعيد وصدمت مما رأته.
رواية عروس من باريس الفصل الخامس 5 - بقلم سارة علي
ابتعد أدهم عن ليديا بعدما منحها ابتسامة عاشقة. اتجه عائداً إلى الفيلا لينصدم بنور أمامه ترمقه بنظرات غاضبة.
فهم أدهم على الفور أنها رأت ما حدث منذ لحظات فسألها ببساطة:
"فيه إيه يا نور؟ بتبصيلي كده ليه وكأنك هتاكليني؟"
رمقته نور بنظرات متهكمة قبل أن تهتف بسخرية:
"فيه إنك بتلعب بالنار ومش حاسس."
رمقه بنظرات هادئة وقال:
"نار إيه بس يا نور؟"
رمقته نور بنظرات جامدة وقالت بفتور:
"هتكذب عليا يا أدهم؟ ده أنا نور أقرب واحدة ليك، وكاتمة أسرارك كلها."
ابتسم أدهم على حديثها وقال بهدوء:
"طالما عارفة كده بتتكلمي كده ليه؟"
أجابت بجدية:
"لأن اللي بتعمله ده غلط."
ثم أكملت بتحذير:
"ابعد عن ليديا يا أدهم، بلاش تدخلها في حوارات هي في غنى عنها. ليديا مش قد عليا والعيلة."
زفر أنفاسه بضيق على ذكر سيرة عليا وقال بقوة:
"ومين قالك إني ممكن أأذي ليديا أو أدخلها في حوارات من أي نوع؟"
ردت نور بجدية:
"اللي بتعمله ده هيخلي الكل يقف ضدها، وضدك إنت كمان. إنت خاطب وفرحك قريب، يبقى ملوش لازمة تستغل البنت لمجرد إعجاب أو نزوة وقتية."
تطلع أدهم إليها بصدمة من حديثها، فهي تظن أن ليديا مجرد نزوة. نظر إليها بتمعن وهو يسأل نفسه بدهشة: إذا لم تكن ليديا نزوة، فماذا تكون إليه؟ هو عرفها مساء البارحة، أي لم يمر يوم كامل حتى على معرفته بها، ولكن هناك شعور غريب بداخله نحوها، شعور داهمه بقوة منذ أول لحظة رآها فيها، وكأن هناك رابط عجيب تكون بينهما يجعله لا يستطيع أن يحيد عينيه عنها، وربما قلبه.
وجد نفسه يقول بلا وعي، مدافعاً عن مشاعره التي تثور باسمها:
"ليديا مش نزوة يا نور، ليديا حاجة تانية خالص. ليديا حلم جميل مش عايز أفوق منه، حلم نفسي أحققه."
جحظت عينا نور وهي تستمع إلى كلام أخيها المجنون. خافت بعدم تصديق وذهول كامل:
"إنت اتجننت يا أدهم؟ حلم إيه؟ إنت بتتكلم كأنك بتحبها. لا بتحبها إيه ده إنت بتعشقها."
ابتسم أدهم على حديث نور وكأنها أصابت الهدف فقال بجدية:
"تقريباً كده."
لطمت نور على صدرها وهي تقول:
"ينهاردة أسود. ده جنان، جنان ولازم تفوق منه. إنت خاطب عليا ولا نسيت؟"
شعر بالضيق والاختناق مرة أخرى فقال بسرعة:
"بلاش تفكريني أرجوك. أنا بحاول أنسى الموضوع ده."
ردت نور بحزم:
"أنا لازم أفكرك، وإنت لازم تفتكر ده على طول. عليا بنت عمك وخطيبتك وبعدين هتبقى مراتك وأم عيالك. بلاش تغلط يا أدهم، بلاش."
ثم أكملت بتحذير صادق:
"مجرد فكرة إنك تسيب عليا هتقلب العيلة كلها عليك. بلاش تغلط يا أدهم وتخسر مركزك وعيلتك، خصوصاً إنك أهم واحد في العيلة والكل بيسمع كلامك. وجوازك من عليا هيخليك فوق الكل وكلمتك ساعتها هتمشي على الكبير قبل الصغير، فخليك عاقل وابعد عن الشر وغنيله."
نظر إليها بصمت وهو يزن كلامها في عقله. يعرف أن زواجه من عليا هو الشيء المنطقي والصحيح. فعلياً هي من تناسبه وتليق به في نظر الجميع، وهو اختارها بنفسه دون أي ضغط. صحيح هي كانت تحاول طول الوقت أن تجذبه نحوها، لكنه في النهاية قرر أن يخطبها من تلقاء نفسه حينما شعر أنها أكثر واحدة تناسبه وتناسب مركزه الاجتماعي. فهو دائماً يفكر في مكانته ومظهره ومركزه الذي يسعى دائماً ليكون أعلى وأهم، واستطاع خلال سنوات قليلة أن يحظى بأهمية كبيرة ويصبح أهم فرد في العائلة، والكبير قبل الصغير يستشيرونه في معظم الأمور، وما عزز ذلك ارتباطه بعليا.
كلام نور صحيح، فإذا فسخ خطبته مع عليا سوف يفتح على نفسه جبهة كبيرة، خاصة من عمه والد عليا الذي سيحاربه بكل الطرق. وحتى والده لن يقبل بشيء كهذا. الجميع سيقف في وجهه ولا أحد سيرحمه.
زفر أنفاسه بضيق وهو يقلب الأمر داخله، بينما هتفت نور بجدية وقد شعرت بمدى حيرته:
"اكتم مشاعرك جواك واقتلها قبل ما تتطور، وخليك فاكر إنك لعليا وبس."
أومأ برأسه وسؤال واحد يتردد بداخله: هل يكتم مشاعره بالفعل، أو بالأحرى هل سوف يستطيع أن يفعل ذلك؟ كان يعلم أنه إذا استمر في التقرب من ليديا وسمح لنفسه بالانصياع لمشاعره، فسيخسر مكانته تدريجياً، وربما يخسر إدارة شركات العائلة ودعم أعمامه له. فهل هو قادر على التضحية بكل ما وصل إليه وتعب من أجله وسعى إليه لأجل مشاعر غريبة اجتاحته رغماً عنه؟
***
وقف يوسف أمام والدته ينظر لها بتردد. لترفع بصرها نحوه وتقول بجدية:
"عايز تشوفها؟"
ابتلع ريقه وهو يسألها بدهشة:
"عرفتي منين؟"
ابتسمت بهدوء وقالت:
"إنت ابني يا يوسف، ابني اللي بفهمه من نظرة واحدة."
ابتسم يوسف بحب ثم قال مبرراً:
"حابب أتعرف عليها، دي مهما كانت أختي."
تطلع إلى الألم الذي ظهر للحظات في عيني والدته قبل أن تخفيه بمهارة وهي تبتسم بحنو كالعادة:
"اعمل اللي يريحك يا يوسف، أنا عمري ما همنعك عنها، دي أختك."
جفل الاثنان من مراد الذي اقتحم المكان وقال بسعادة:
"بجد يا ماما؟ يعني مش هتزعلي مننا لو رحنا شوفناها؟"
هتفت نورا:
"سلام قول من رب رحيم. إنت خرجت إمتى وكنت فين؟"
ابتسم مراد وقال:
"كنت مستني يوسف ينطق الكلام اللي كان نفسي أقوله، بس قلت يوسف أولى ينطقه مهو الكبير بقى."
"طول عمرك واطي." قالها يوسف بحدة ليبتسم مراد وهو يشير إليه:
"طب إيه مش هنروح نتعرف على أختك الفرنساوية؟ أصلي متحمس أوي أشوفها."
نظر يوسف إلى والدته بتردد لتهتف به وهي تبتسم بهدوء:
"خد مراد وروحوا اتعرفوا عليها، بس متتأخروش على العشاء."
ابتسم يوسف بحب قبل أن يتجه نحو سيارته يتبعه مراد الذي كان في شدة حماسه لرؤية أخته.
وصلا إلى فيلا سليم ليهبط مراد مسرعاً يتبعه يوسف الذي أشار إليه بضيق:
"يابني أهدي بلاش فضايح، دي بنت فرنسية مش هتستوعب جنانك."
أومأ مراد برأسه على مضض ثم سار متبعاً أخيه. فتحت الخادمة لهما الباب لترحب بهما فدلفا إلى الداخل ليجدا نور تجلس مع أخويها حسام ومصطفى. رحب الثلاثة بهم ليجلسا بينهم بينما هتف حسام بجدية:
"كنت مستني زيارتكم دي على فكرة."
هتف مصطفى ببلاهة:
"أختكم دي طلعت مزة فظيعة."
رمقته نور بنظرات مؤنبة بينما ابتسم مراد بدوره ببلاهة وهو يهتف:
"بجد يلا."
ليكمل مصطفى غافلاً عن عيني يوسف الحادتين:
"أصلي أصلي."
جفل الاثنان على صراخ يوسف، فيوسف بطبعه ذو دم حامي وغيور للغاية:
"متتلم يلا منك له. وإنت يا أستاذ مصطفى ناسي إن اللي بتتكلم عليها دي تبقى أختي."
ابتلع مصطفى ريقه بتوتر وقال مبرراً حديثه:
"والله آسف يا يوسف، أنا بس لخبطت كالعادة. لكن الشهادة لله أنا معتبر ليديا زي لبنى ونور."
ابتسم يوسف بتهكم وقال:
"لا مهو واضح."
بينما نقل حسام نظراته الساخرة بينهما وهو يود أن يشكر يوسف على تصرفه الذي كان كفيلاً بتأديب أخيه الأرعن المتهور.
***
خرجت ليديا من غرفتها لتجد أدهم في وجهها. منحته ابتسامة عذبة وهي تهتف به بعفوية:
"مساء الخير."
ثم صمتت قليلاً تحاول أن تلفظ اسمه بشكل صحيح لكنها وجدت نفسها عاجزة عن ذلك. فهتف أدهم نيابة عنها:
"أدهم، أدهم يا ليديا. اشمعنى اسمي اللي مش عارفة تلفظيه صح."
ابتسمت وقالت بتلقائية:
"أصله صعب شوية."
قال نيابة عنها:
"لا قصدك كتير."
ابتسمت وهو يومئ برأسه ليشعر بنبضات قلبه ترتفع بعنف فحاول أن يقضي عليها وهو يهتف بنبرة جادة:
"مش يلا ننزل؟"
أومأت برأسها وهي تسير بجانبه ليهبطا درجات السلم فيتفاجئا بيوسف ومراد.
نهض كلا من يوسف ومراد لاستقبال ليديا، حيث تطلع الأول إلى أدهم الذي كان يسير بجانبها بضيق، بينما مراد كان يتطلع إليها مذهولاً من هذا الجمال الهادئ.
وقفت نور بدورها وقالت وهي تعرف ليديا عليهما:
"دول يوسف ومراد يا ليديا، أخواتك."
ظهر التوتر جلياً على ملامح ليديا وهي تبتسم وتقول بلكنتها المتقطعة:
"أهلاً بيكم، أنا مبسوطة إني اتعرفت عليكم."
ابتسم يوسف لها بحنو متجاهلاً وجود أدهم بجانبها وكأنه سد حامي لها ثم رد عليها:
"أنا مبسوط أكتر يا ليديا، أهلاً بيكي."
قال مراد بسرعة وهو يجذبها نحوه بعناق:
"خش في حضن أخوك يا فواز، يخربيت حلاوتك يا شيخة."
تطلع أدهم إليه بغيظ وشعور الغيرة سيطر عليه بقوة، بينما لكزه يوسف من ذراعه ليبتعد عنها بسرعة فيجد وجهها مليئاً بالإحراج التي حاولت إخفاءه بابتسامتها العذبة. ليكمل مراد:
"أنا مراد، أخوكي الصغير، في ثانوية عامة."
ثم أكمل وهو يشير ليوسف:
"وطبعاً ده يوسف الكبير، أكبر مني بخمس سنين."
رمقه يوسف بنظرات حادة وقال بتهكم:
"على أساس إنوا مش باين إن حضرتك الكبير وحضرتك الصغير."
كانت ليديا تحاول أن تستوعب حديثهم الغريب، بينما قال أدهم وقد شعر بحيرتها:
"اقعدي يا ليديا، اقعدوا يا شباب."
جلس الجميع في صالة الجلوس بينما أخذ يوسف يتحدث مع ليديا محاولاً التعرف عليها عن قرب، متغاضياً عن كلام مراد الأحمق والذي يحشر نفسه كل دقيقة في حديثهما.
جاء كمال بعد فترة ليرى ليديا فتفاجأ بوجود ابنيه معها. شعر بسعادة كبيرة تطغى عليه وهو يراها تتحدث معهما. اقترب منهم وحيا الجميع ثم جلس بجانب يوسف الذي أكمل حديثه اللبق مع أخته.
رن هاتف ليديا فوجدت اتصالاً من جاك صديقها في فرنسا فاستأذنت منهما واتجهت إلى الحديقة الخارجية لتجيب على اتصاله، بينما وجد يوسف فرصة في رحيلها ليخبر والده بما يريده:
"بابا ليديا لازم تعيش معانا، أو على الأقل تعيش الفترة دي بشقتنا لحد ما ماما تتقبل وجودها وتوافق إنها تعيش معانا."
نظر كمال إلى ابنه وقد فهم أنه متضايق من وجود أخته مع ثلاث شبان غرباء فقال بجدية:
"تمام يا يوسف، لو إنت شايف كده يبقى مفيش مشكلة، بس."
قاطعه أدهم الذي لم يستطع مسك لسانه:
"كلام إيه ده يا عمي؟ هو ينفع بنت شابة تعيش لوحدها؟ كمان ليديا هنا في بيت جدها معززة مكرمة، تسيب قصر جدها الكبير وتروح شقة لوحدها ليه."
أجاب يوسف نيابة عن والده:
"عشان الأصول بتقول كده، مينفعش بنت تعيش مع بيت فيه ثلاث شبان."
قاطعته فريال التي دلفت إلى المكان وقررت التدخل في الحوار:
"والثلاث شبان دول مش غرباء يا يوسف، دول إخواتها وهيخافوا عليها زيك بالظبط."
قال يوسف بإصرار:
"لا مش إخواتها، هما زي إخواتها وأنا مش هرتاح وهي هنا."
قال أدهم بتهكم:
"يعني هترتاح لما أختك تعيش لوحدها؟"
رد يوسف بهدوء:
"لا مش هتعيش لوحدها، أنا هعيش معاها لحد ما الأمور تتظبط ونعيش كلنا في بيتنا."
قال أدهم بنبرة قوية:
"وأنا مش موافق."
انتفض يوسف من مكانه وقد بدأت شكوكه حول وجود شيء بين ليديا وأدهم تسيطر عليه:
"وإنت مالك أصلاً؟ إنت ملكش حكم عليها، ليديا أختي، ولو فيه حد هيقرر اللي يخصها أنا مش إنت، ولا إنت صدقت إنك بقيت كبير العيلة بعد جدي."
رد أدهم الذي نهض من مكانه قائلاً بعصبية:
"أنا كبير العيلة غصباً عنك، وليديا مش هتخرج من هنا، ووريني إزاي هتجبرني على ده؟"
جاءت الجدة جميلة على صوت حفيديها العالي تتبعها ليديا التي أنهت مكالمتها بسرعة بعدما سمعت صوت صياح يأتي من الداخل، ففوجئت بأدهم ويوسف يقفان أمام بعضيهما وهما على وشك الفتك ببعضيهما.
نهض كمال قائلاً بإنفعال:
"لا إنت ولا هو، إنتوا الاتنين تخرسوا خالص، أنا أبوها والوحيد اللي ليه حق يقرر حاجة زي دي."
صرخت جميلة بدورها:
"كفاية، فهموني فيه إيه؟"
نظر أدهم إلى جدته وقال بغضب:
"فيه إن يوسف مش مراعي إني ابن عمه اللي أكبر منه بكام سنة ولازم يحترم كلمتي، فقرر إنه يقل أدبه عليا ويعارض كلامي لما قلتله إنه مينفعش ليديا تسيب بيت جدها وتعيش في شقة عمي كمال لوحدها."
قالت جميلة معاتبة يوسف:
"كلام إيه ده يا يوسف؟ يعني إيه ليديا تسيب بيت جدها وتعيش في شقة صغيرة؟ لا الكلام ده مينفعش."
قال يوسف مدافعاً عن نفسه:
"يا تيتة مينفعش ليديا تعيش في بيت فيه ثلاث شبان، كمان هي مش هتعيش لوحدها في الشقة أنا هعيش معاها."
قال كمال بجدية:
"يا أمي يوسف معاه حق."
قاطعته جميلة بصرامة:
"هي كلمة مفيش غيرها، ليديا هتفضل هنا معايا ومش هتخرج من هنا إلا على بيت جوزها."
ابتسم أدهم بانتصار قبل أن يتطلع إلى جدته بذهول وهو يردد:
"جوزها؟"
بينما قال مصطفى وهو يصفق بيديه:
"عفارم عليكي يا تيتة."
نظر يوسف إلى أدهم وجدته بضيق قبل أن ينسحب من المكان يتبعه مراد الذي أخذ يحاول تهدئته، بينما أخذ كمال ينظر إلى والدته بعتاب قبل أن يتجه نحو ليديا ويخرج من جيبه بطاقة ويعطيها لها قائلاً:
"دي بطاقة ائتمانية فيها مبلغ كبير، عايزة تخرجي وتشتري كل اللي نفسك فيه، أنا هلحق أخواتك دلوقتي وأجيلك بكرة، تمام؟"
أومأت برأسها باضطراب ثم عادت ونظرت إلى ملامح الجميع المندهشة مما حدث، فحملت نفسها واتجهت إلى غرفتها يتبعها أدهم الذي أخذ يفكر في كلام جدته والذي يشعر أن وراءه شيء ما لن يعجبه.
رواية عروس من باريس الفصل السادس 6 - بقلم سارة علي
كانت ليديا تسير في غرفتها وهي تحاول أن تجمع كلماتهم التي سمعتها في الأسفل والتي لم تفهم شيئًا منها سوى أن جدتها رفضت خروجها من هذا المنزل.
تنهدت بضيق وهي تتطلع إلى البطاقة الإئتمانية والتي لم تكن بحاجة لها.
هبطت إلى الأسفل وهي تشعر بالاختناق، فقررت السير قليلاً في الحديقة بعدما تعدت الساعة الثانية مساءً والجميع قد خلد إلى نومه.
خرجت إلى الحديقة وأخذت نفسًا عميقًا عدة مرات حينما فوجئت بأدهم يجلس على بعد مسافة عنها يدخن سيجارته وهو شارد تمامًا، لم ينتبه لمجيئها.
اقتربت منه وهتفت بتردد: "أنت لسه فايق؟"
تطلع أدهم إليها بذهول ونهض من مكانه ناظرًا إليها بدهشة: "أنتي لسه منمتيش؟"
هزت رأسها نفيًا وهي تقول: "مجا لي نوم."
ثم جلست على الأرجوحة التي كان يجلس عليها، ليجد نفسه يجلس بجانبها ويتأملها بصمت.
قطعته حينما سألته: "هو أنتوا ليه اتخانقوا؟"
تطلع إليها بصدمة وهو يسألها: "هو انتي مش عارفة إحنا ليه اتخانقنا؟"
هزت رأسها نفيًا وهي تجيبه بإحراج: "مفهمتش حاجة غير إن تيته رفضت إني أسيب هنا."
ابتسم وقال بهدوء: "إحنا كنا بنتخانق بسببك..."
قالت ليديا بدهشة: "بسببي أنا؟! ليه؟"
ابتسم أدهم على منظر ملامحها المندهشة وأجابها: "أخوكي ياستي.. عاوزك تسيبي هنا وتعيشي في شقة عمي عشان خايف عليكي."
سألته بعدم فهم: "خايف عليا من إيه؟"
أجابها بهدوء: "خايف عليكي مننا عشان إحنا ولاد عمك ومينفعش تكوني معانا في مكان واحد."
تطلعت إليه ليديا بعدم فهم، بينما همس أدهم بصوت لم يسمعه سواه: "غبي.. مش فاهم إني أكتر واحد هيحافظ عليكي ويحميكي من نفسي."
قال ليديا بعدم استيعاب: "أنا مش فاهمة حاجة."
رد بهدوء: "بلاش تفهمي أحسن."
عقدت حاجبيها وقالت بضيق: "بس أنا مش بحب أبقى مش فاهمة حاجة."
زفر أدهم أنفاسه وقال بجدية: "بصي يوسف معقد شوية.. شايف إنوا غلط تعيشي وتباتي معانا في بيت واحد وإحنا مجرد ولاد عم مش إخوة."
رفعت حاجبها وقالت بعفوية: "ده مش معقد.. ده متخلف."
ابتسم أدهم على عفويتها وقال: "فعلاً هو متخلف.. خايف عليكي مني.. تخيلي."
ردت بسرعة: "مينفعش طبعاً.. ملوش لزوم يخاف منك أو من غيرك.. أنا مش طفلة وأعرف أحمي نفسي كويس."
تطلع أدهم إليها بضيق عندما قالت أنه لا داعي لأن يخاف من غيره.
بينما رن هاتف ليديا ليظهر الضيق جليًا على ملامحها، بينما ظهر التعجب بوضوح على ملامح أدهم الذي استغرب من هذا الشخص الذي يتصل بها في وقت متأخر ويبدو أنها منزعجة من اتصاله.
وجدها تجيب على المتصل وتحدثه بلهجة فرنسية لم يفهم منها شيئًا سوى أن المتصل شاب ويدعى جاك.
شعر بغضب عارم من هذا الأحمق الذي سمح لنفسه أن يتصل بها في وقت متأخر كهذا.
وشعر بغضب أكبر من نفسه لأنه لم يحاول تعلم الفرنسية التي كانت سوف تساعده في فهم حديثها معه.
انتهت ليديا من مكالمتها ثم أخذت تكتب رسالة إلى أحد ما.
أغلقت هاتفها وأخذت تنظر إلى أدهم وهي تقول: "إحنا وصلنا لفين؟"
قال أدهم بعدما فشل في ضبط لسانه: "ليديا.. أنا آسف عاللي هقوله.. بس اللي عملتيه دلوقتي مش حلو."
تطلعت إليه بحيرة وقالت: "عملت إيه؟"
أجابها: "مينفعش تتكلمي فرنساوي وإنتي قاعدة معايا وأنا أبقى مش فاهم حاجة من كلامك."
سألته بإستغراب: "وأنت عاوز تفهم كلامي ليه؟"
أخذ أدهم يبرر لها سبب حديثه فقال كاذبًا: "أصل الصراحة عندنا عيب أوي إنك تكوني قاعدة مع حد أو أشخاص وتتكلمي بلهجة هما مش فاهمينها.. ده بيحسس الشخص المقابل بالإهانة.. فاهماني.. دي العادات عندنا في مصر."
قال ليديا بأسف: "سوري أدهم مكنتش أعرف إنه عيب."
ثم انتبهت إلى هاتفها الذي أخذ يرن بإسم كريستين، فتطلعت إليه بحيرة قبل أن تحسم أمرها وتتحدث معها بالإنجليزية: "أهلاً كريستين.. آسفة هل أيقظتك من النوم؟! كلا إنه جاك اتصل بي منذ عدة ساعات ثم عاد واتصل بي قبل قليل.. ماذا سيقول يعني؟! نفس كلامه المعتاد.. تحدثي معه كريستين وأخبريه أن تصرفاته هذه لا تليق بشخص ناضج وراشد مثله.. كما أخبريه أيضاً أنني لم أحدد بعد موعد عودتي إلى فرنسا.. حسنا تصبحين على خير."
أغلقت الهاتف لتتطلع إلى أدهم الذي نظر إليها بجمود قبل أن يسألها: "هو مين جاك ده يا ليديا؟"
أجابته بجدية: "صاحب المطعم اللي كنت بشتغل بيه."
أطلع إليها متعجبًا وقال: "مطعم..؟! إنتي كنتي بتشتغلي في مطعم..؟!"
أومأت برأسها ليكمل بسخرية: "وهو صاحب المطعم بيتصل بيكي في نص الليل كده عادي..؟!"
أجابته ليديا بصدق: "جاك صديقي بردوا مش مجرد صاحب المطعم."
رمقه بنظرات غير مقتنعة وقال: "صديق بس ولا حاجة تانية..؟!"
أجابته ليديا بصراحة التي لم تعتد على قول سواها: "لا هو كمان بيحبني وكان عايز يتجوزني."
بالكاد استطاع أدهم أن يكتم غضبه وقال: "وإنتي قلتيله إيه..؟!"
أجابته بهدوء: "رفضت.. مكانش الوقت مناسب للكلام ده."
قال أدهم بغيظ: "يعني حضرتك رفضتيه عشان الوقت مكانش مناسب مش عشان مش عاوزاه."
هزت كتفيها وهي تجيبه ببساطة: "مش عارفة.. أنا عمري ما اديت لنفسي فرصة أفكر جدياً في طلبه."
نهض من مكانه مسرعًا كي لا يرتكب جريمة بهذه الماثلة أمامه.
فسألته بعفوية: "أنت هتنام؟!"
"آه هروح أتخمد."
تطلعت إليه بعدم فهم، ليرمقها بنظرات مزددرئة وهو يتجه إلى داخل الفيلا.
في صباح اليوم التالي.
هبط أدهم على درجات السلم وهو يشعر بصداع شديد يفتك رأسه.
فأشار إلى الخادمة التي قابلها في طريقه قائلة: "حضريلي كوب قهوة سادة ويكون كبير وهاتي معاه حباية للصداع."
اتجه نحو الكنبة ليجلس عليها بإرهاق.
ليتتفاجئ بنور تخرج من غرفة جدتها تتبعها ليديا التي كانت ترتدي فستان قصير بعض الشيء ذو حمالات رفيعة.
تطلع أدهم إليه بإنزعاج، فبالرغم من بساطته ورخص ثمنه الواضح، إلا أنه يجعلها تظهر جذابة وجميلة للغاية.
ألقت نور التحية عليه وهي تسحب ليديا خلفها كي تخرجا من الفيلا.
لتتفاجئ بأدهم يسألهما: "على فين العزم إن شاء الله..؟!"
قاطعته نور: "أنا اللي المفروض أسأل.. أنت مرحتش الشركة ليه النهاردة والساعة عدت 11..؟!"
أجابها أدهم ببرود وهو يرمق ليديا بنظرات غير بريئة: "مليش نفس."
نظرت نور إليه متعجبة، فهذه المرة الأولى الذي لا يذهب فيها أدهم إلى عمله.
بينما أشارت إلى ليديا كي تتجه خلفها.
لتتفاجئ بأدهم يسألها بغلظة أكبر: "هو أنا سؤالي مبيتسمعش..؟! رايحين فين..؟!"
ردت نور بحيرة: "فيه إيه يا أدهم..؟! وأنت من امتى بتسأل رايحين فين وجايين منين..؟! ده جوزي إيهاب مش بيسألني السؤال..؟!"
رد أدهم بغضب: "والله أنا أخوكي مش جوزك.. وثانياً إنتي بتقاوحي ليه..؟! سألت سؤال.. ردي عليه.. رايحين فيه عالصبح كده..؟!"
أجابته نور بجدية: "رايحين المول عشان نشتري لليديا هدوم وحاجات محتاجاها."
"تمام هوصلكم أنا."
قالت نور بضيق: "أنا معايا عربيتي يا أدهم."
ليرد أدهم بنبرة قاطعة: "أنا هوصلكم يا نور وبلاش كلام كتير."
ثم أشار إلى ليديا: "فستانك ده يتغير حالاً.. إحنا مش طالعين رحلة."
تطلعت إليه ليديا بدهشة قبل أن تهتف بحدة: "لأ لحد فستاني وستوب... أنا مش هسمح ليك تتدخل بلبسي."
تقدم أدهم منها وهو ينوي تفريغ غضب البارحة منها فقال بنبرة عصبية: "أنا قلت تغيري يعني تغيريه.. ولا إنتي عايزة تلمي شباب المول وتخليهم يجروا وراكي."
لم تفهم ليديا كلماته فردت ببرود: "رغم إني مفهمتش حاجة من اللي قلته بس أنا مش هغير حاجة.. وياريت تلزم حدودك معايا.. أنت مش وصي عليا."
قال أدهم بضيق جلي: "هي بقت كده."
أومأت ليديا برأسها.
لتقول نور محاولة احتواء الموقف: "خلاص يا أدهم.. سيب البت في حالها.. هي حرة باللي تلبسه."
قال أدهم محاولة تهدئة أعصابه: "ليديا من فضلك غيري الفستان ده.. عريان أوي ومينفعش تلبسي هنا."
ردت ليديا بعناد: "بس أنا شفت كتير هنا لابسين زيه."
قال أدهم بصياح: "أنا مليش علاقة بحد غيرك.. لما أقول تغيريه يعني تغيريه."
قالت نور بسرعة: "كفاية يا أدهم.. إنت نسيت إنك ابن عمها مش أكتر.. ثانياً فعلاً كتير أوي بيلبسوا كده حتى إحنا أحياناً بنلبس كده.. مش فاهم عامل مشكلة عشان الفستان ده ليه..؟!"
ثم همست له بصوت منخفض: "هدي اللعب شوية... هتفضح نفسك يا أدهم وهتبقى مسخرة قدام العيلة."
زفر أدهم أنفاسه بضيق ثم قال بغضب مكتوم: "طب يلا عشان أوصلكم."
قالت نور بضيق: "تاني..؟!"
بينما جاءت الخادمة وهي تحمل كوب القهوة إلى جانب قدح من الماء وحبة دواء.
ليقول أدهم ساخرًا: "ما لسه بدري."
ثم أشار إليهما: "ثانية وحدة أشرب الدوا وشوية قهوة ونروح."
"طب طالما تعبان خليك إنت هنا وإحنا هنروح."
قالتها نور بجدية ليرمقها أدهم بنظرة آخرستها.
شرب أدهم حبة الدواء والقليل من القهوة قبل أن يسير أمامهما متجها نحو سيارته.
أوقف أدهم سيارته في كراج أحد أكبر المولات في القاهرة.
هبطت نور وليديا من السيارة لتتفاجئا بأدهم يهبط معهما.
فقالت نور بدهشة: "إنت هتيجي معانا..؟!"
رد أدهم ببساطة: "آه طبعاً."
"ده إنت معملتهاش وانت مراهق."
قالتها نور لنفسها قبل أن تنظر إلى ليديا وتهتف بها: "يلا يا ليديا أما نشوف آخرتها إيه."
ابتسمت ليديا ببلاهة.
بينما أخذ أدهم يسير وراءهما وعينيه لا تفارق ليديا ومن حوله وهو مستعد لإفتعال شجار مع أي شخص يرمقها بنظرة واحدة.
في أحد المحلات الراقية أخذت ليديا تقلب في الملابس بينما كانت نور تقلب في الجهة الأخرى.
حينما أخرجت ليديا تنورة رائعة التصميم أعجبتها للغاية وقررت أن تشتريها.
اقترب أدهم منها وهو يرى نظراتها المعجبة بالتنورة والتي كانت قصيرة للغاية فقال لها بجدية: "رجعيها وشوفي لك حاجة أطول."
رمقته بنظرات حادة فهو بدا لها مزعجًا للغاية، خصوصًا أنها من النوع الذي لا يقبل أن يتدخل أي أحد في شؤونها الخاصة.
فهي اعتادت على أن تكون لها شخصيتها الخاصة بها المختلفة عن الجميع والتي لا يمكن لأي أحد أن يتحكم بها.
لم تجبه ليديا بل حملت التنورة واتجهت نحو الموظفة لتدفع ثمنها.
ليقفز أدهم خلفها وهو يهتف بها بغضب مكتوم: "هي حصلت تسيبيني وتمشي..؟!"
سحب التنورة من يديها بعنف وقال: "هو أنا كلامي مبيتسمعش ولا إيه..؟! قلت مش هتشتريها يعني مش هتشتريها."
"هات الجيبة ومتدخلش نفسك باللي ملكش فيه."
قالتها بجدية ليرمقها بنظرات ساخرة ويقول: "مانتي طلعتي لسانك طويل أهو."
ردت بحنق: "محدش قالك إني خرسة.. ولو تعاملي معاك بشكل لطيف خلاك فاكر إنك ممكن تتحكم فيا تبقى غلطان."
رد بعصبية: "بت إنتي اتعدلي بدل ما أوريكي وشي التاني.. أنا مش ناقص.. كفاية اللي أنا فيه."
لم تبالِ بكلامه بل هتفت بقوة: "هات الجيبة."
رد بعناد: "أنا قلت لأ يعني لأ."
كادت أن تصيح به بصوت عالي لولا تدخل نور التي انتبهت لما يحدث وقالت بهدوء: "هات الجيبة يا أدهم وبلاش فضايح."
"قلت لأ يعني لأ." قالها بنبرة متحكمة.
لتنظر نور إلى ليديا التي احمر وجهها من شدة الغضب بتوتر.
فتهمس نور لادهم: "يابني هتفضحنا.. خليها تشتريها وأنا أوعدك مش هخليها تلبسها."
أخذت عيني أدهم تتطلعان إلى نور بتفكير قبل أن يبتسم بخبث وهو يمنح التنورة إلى ليديا ويقول بنبرة غير بريئة: "تمام يا ليديا.. اشتريها.. عشان تعرفي إن أنا مش ناوي أحرمك من حاجة."
تطلعت إليه ليديا بإستغراب لكنها أخذت التنورة وهمت بدفع حسابها.
لتجد أدهم يدفع الحساب نيابة عنها.
همت بالحديث لكنه قاطعها بجمود: "لحد هنا وكفاية.. مفيش ابن عم يقبل يخلي بنت عمه تدفع لنفسها وهو واقف كده عادي."
تطلعت إليه ليديا بعدم فهم.
بينما دفع أدهم الحساب وجذبها من يدها تحت أنظار نور المندهشة مما يحدث.
فأدهم يتصرف مع ليديا كما لو أنها خطيبته.. لا بل كأنه زوجها.
أخذت تتبعهما بقلة حيلة.
بينما ليديا تختار ملابسها والتي أغلبها كانت قصيرة وعارية الأكتاف.
لتتعجب نور من موافقة أدهم على ذلك بعدما كان يحترق بسبب رغبتها في شراء تلك التنورة.
انتهت ليديا من التسوق أخيراً.
ليعرض أدهم عليهما أن يعزمهما على الغداء بعدما قام بدفع ثمن جميع ما اشترته ليديا بالرغم من اعتراضها الشديد.
لكنه أصر على كلامه بأنه ابن عمها ومسؤول عن جميع مصاريفها.
رفضت كلا من نور وليديا عرض الغداء فهما كانتا تشعران بالتعب الشديد.
لتعود أدهم بهما إلى القصر.
مساءا.
كان أدهم يراقب ليديا التي كانت تجلس في الحديقة مع إخوانه حسام ونور ومصطفى تتحدث معهم بعفوية والابتسامة المشرفة تملأ وجهها.
سمع صوت على طرقات الباب.
فسمح للطارق بالدخول ليبتسم بخبث وهو يرى الخادمة تضع أمامه مجموعة كبيرة من الأكياس.
قبل أن تقول بجدية: "خدت كل الحاجات القصيرة والمليانة وبدلتهم باللبس اللي حضرتك اديتهولي."
قال أدهم: "برافو عليكي.. أوعي يكون حد شافك..؟!"
قالت الخادمة بثقة: "عيب يا أدهم بيه.. أنا مدخلتش الأوضة إلا بعد ما اتأكدت إنوا الشباب بره فالجنينة من فترة طويلة.. وسليم بيه وفريال هانم خرجوا بدري يتعشوا عند خالة حضرتك وجميلة هانم نايمة من بدري."
أخرج من جيبه بضعة وريقات مالية وأعطاها لها لتبتسم الخادمة بإنشراح وتخرج بعدما شكرته.
بينما أخذ أدهم يقلب بالاكياس وهو يبتسم بخبث ويردد: "عشان تعرفي تعاندي أدهم السيوفي يا ليديا هانم."
رواية عروس من باريس الفصل السابع 7 - بقلم سارة علي
دلفت ليديا إلى غرفتها بعد يوم طويل قضت أغلبه مع مصطفى ونور، ثم انضم إليهما مساءً حسام ليشاركهم جلستهم الممتعة. الوحيد الذي لم يظهر طوال اليوم هو أدهم، على عكس العادة، مما جعلها تستغرب ذلك. إلا أنها أثرت عدم السؤال كي لا يفهمها أحد بشكل خاطئ.
ألقت ليديا بجسدها على السرير وهي تشعر بالتعب. لم تقم حتى بتغيير ملابسها، فهي كانت ترتدي فستانًا صيفيًا مريحًا، فجذبت اللحاف لتغطي به جسدها وغطت في نوم عميق لم تستيقظ منه إلا صباح اليوم التالي.
فتحت ليديا عينيها الزرقاوين وهي تبتسم بانتعاش وشعور جميل أخبرها أن اليوم سيكون مميزًا، خاصة أنها اتفقت مع ريهام ابنة عماد المحامي على رؤيتها. فهي لم ترها منذ ذلك اللقاء الوحيد الذي جمعها بها في منزل عماد.
نهضت من مكانها وهي تدندن ببعض الأغاني الفرنسية. فتحت باب الخزانة لتخرج منها ثوبًا مناسبًا، فتفاجأت بملابس مختلفة عن تلك التي اشترتها. أعترتها الدهشة وهي تقلب في الملابس التي كانت جميعها عبارة عن فساتين طويلة تصل إلى الكاحل ذات أكمام طويلة أيضًا، إضافة إلى بناطيل واسعة عليها قمصان عريضة وتنورات طويلة أيضًا.
دب الجنون داخلها وهي ترى أن جميع ملابسها اختفت. لم تجد أي شيء منهم، حتى ملابسها القديمة التي جلبتها معها من فرنسا. أغلقت الخزانة بقوة وأخذت تفكر فيما حدث، حينما تذكرت أدهم ونظراته غير المريحة، ليدب الغضب داخلها.
وهي تفتح الخزانة مرة وتسحب قليلاً من تلك الملابس وتهبط إلى الطابق السفلي. ومن حسن حظها وجدت أدهم لوحده في صالة الجلوس، يجلس على إحدى الكنبات ويتناول عصيره بإستمتاع.
تقدمت ليديا نحوه وعلى ملامحها يرتسم الغضب. فنظر إليها أدهم وهو بالكاد يسيطر على ملامحه كي لا ينفضح أمره. وقفت أمامه ورمت الملابس على الطاولة بجانبه وقالت بغضب مكتوم:
"ممكن أفهم إيه ده؟!"
رسم قناع البراءة على وجهه وادعى عدم الفهم وهو يسألها:
"إيه ده؟ مش فاهم."
صاحت به:
"بلاش تعمل نفسك مش فاهم حاجة، أنت عارف كويس أنا بتكلم عن إيه."
نهض من مكانه واقترب منها قائلاً بجدية:
"فيه إيه يا ليديا؟ ممكن تهدي."
ثم أشار إلى الملابس الملقاة على الطاولة وسألها باستغراب مفتعل:
"وإيه الهدوم دي؟ بتاعة مين؟"
كادت أن تضربه في وجهه، لكنها بالكاد مسكت أعصابها وهي تهتف بغل:
"هدومي فين؟ وديتهم فين؟"
قال أدهم بضيق:
"نعم؟ وأنا أعرف منين؟ روحي دوري على هدومك في حتة تانية."
صرخت به بنفاذ صبر:
"بلاش تعمل نفسك بريء، أنا عارف إنك خدت هدومي وبدلتها بالحاجات دي. رجعلي هدومي قبل ما أقول لأنكل سليم عاللي عملته."
صرخ هو الآخر وقد استفزه تهديدها:
"انتِ بتهدديني؟ فاكراني هخاف من أبويا؟"
صاحت وقد بلغ غضبها ذروته:
"بصي، والرب هتخليني أتعصب وأنا لما بتعصب بعمل حاجات وحشة، بلاش تشوفيها."
دلف حسام على أصوات صياحهما ليهتف بسرعة وتعجب:
"مالكم يا جماعة؟ صوتكم واصل آخر الشارع."
تحدثت ليديا بلهجة عصبية:
"فيه إن البني آدم ده خرب كل حاجة، فاكر نفسه وصي عليا."
التفت حسام إلى أدهم الذي كان يجاهد لرسم قناع البرود واللامبالاة على وجهه وسأله:
"فيه إيه يا أدهم؟ عملت إيه؟"
رد أدهم ببساطة:
"والله أنا ما عملت حاجة، لقيتها متعصبة وجاية عليا وبتتهمني في حاجات أنا ما عملتهاش."
قالت ليديا بغضب:
"انت واحد كداب."
رد أدهم بهدوء:
"شكرًا يا مؤدبة يا محترمة."
ردت ليديا بعنف:
"أنا محترمة غصبًا عنك."
حاول حسام تهدئتها فقال:
"يا ليديا اهدي وفهميني فيه إيه؟"
أخذت ليديا تريه الفساتين التي وضعها أدهم لها في خزانتها وهي تقول:
"بص شوف."
نظر حسام إليها متعجبًا وقال:
"إيه ده؟ مش فاهم؟"
ردت ليديا بنفاذ صبر:
"تخيل إن دي بقت هدومي."
قال حسام بعدم تصديق:
"ما شاء الله، أنتِ قررتي تتحجبي؟ ألف مبروك، فرحت لك بجد."
كتم أدهم ضحكته بصعوبة، بينما أخذت ليديا تتحدث بكلمات فرنسية غير مفهومة قبل أن تهتف بنفاذ صبر:
"متبقاش غبي يا حسام، أخوك المتخلف ده خد هدومي وحط بدالها الهدوم الغريبة دي."
لم يتحمل أدهم كلامها، فهب بها منفعلًا:
"بت انتي، لحد هنا وكفاية، متخلف في عينك، روحي شوفي مين غير لك الهدوم وبلاش ترمي بلاوي عليا."
صرخت بحدة:
"انت متخلف ومعقد، ومفيش حد غيرك عمل كده عشان أنت من الأول مكنتش موافق أشتري لبس قصير."
نظر إليها أدهم بنظرات نارية قبل أن يهتف بجمود:
"ليديا، روحي من قدامي دلوقتي بدل ما أوريكي وشي التاني."
ردت ليديا باستهزاء:
"وشي التاني وشي التاني، متوريهولي وخلاص."
اعتصر أدهم قبضة يده بقوة وهو ينوي الفتك بها، ليقف حسام في وجهه ويهتف برجاء:
"خلاص يا أدهم، خليك أنت الكبير."
"ابعد عن وشي، سيبني أربيها." قالها أدهم وهو يحاول دفع حسام، بينما أكملت ليديا بتهكم:
"سيبه يا حسام، أنا عايزة أشوف هيربيني إزاي. هتربيني إزاي يا أدهم؟"
قال أدهم بسخرية:
"دلوقتي بقيتي تعرفي تقولي أدهم عدل."
ضربت ليديا الأرض بقدمها وهي تهتف بغيظ:
"انت كائن مستفز."
رد أدهم بعناد:
"وانتي هبلة."
لم تتحمل ليديا ما قاله، فهجمت عليه وهي تحاول ضربه، بينما أخذ حسام يتلقى الضرب نيابة عن أخيه.
"سيبني، خليني أضربه المتخلف ده."
جذبها أدهم من ذراعها دافعًا حسام بعيدًا عنه هاتفا بقوة:
"دي تاني مرة تقولي متخلف، والمرة دي مش هسكت لك."
ثم رفع يده بنية ضربها، لكنه تراجع وهو يراها ترميه بنظرات ثابتة وكأنها تتحداه أن يمد يده عليها، بينما حسام يهتف برجاء:
"أدهم عيب، دي بنت مينفعش تضربها."
ظل كف أدهم معلقًا بالهواء وعيناه تشتعلان من الغضب والغيظ، حينما وجد نفسه غير قادر على ضربها رغم تجاوزها حدودها معه. سمع أصواتًا تأتي من الخارج، فأخفض يده بسرعة، بينما جذب حسام ليديا بعيدًا عنه ليجدا سليم وفريال يلجان إلى الداخل يلقيان تحية الصباح عليهما.
نظر كلاهما من فريال وسليم إليهما بحيرة، فهم يبدون غير طبيعيين أبدًا. لتسألهم فريال:
"فيه حاجة؟ واقفين كده ليه؟"
أجاب حسام مبررًا:
"مفيش حاجة يا ماما، إحنا كنا بنتناقش في حاجات مختلفة."
ثم أكمل وهو يشير إلى ليديا:
"حتى ليديا كانت بتكلمنا عن شغلها في فرنسا وكده."
أومأت فريال برأسها بعدم اقتناع، بينما ابتسم سليم وهو سعيد بإندماج ليديا مع أولاده، فأشار إلى فريال قائلاً:
"اعملي لي قهوة يا فريال، أنا هخش المكتب أكمل كم حاجة."
أومأت فريال برأسها وهي تتجه إلى المطبخ، بينما قال حسام بخفوت:
"اهدوا بقى، والله عيب تتصرفوا كده، إنتوا مش عيال."
لمعت عينا ليديا بتحدي وهي تشير إلى أدهم قائلة:
"لو فاكر إنك كده انتصرت عليا تبقى غلطان، أوعدك إني هردها لك قريب."
ثم حملت الملابس واتجهت نحو غرفتها، ليسأل حسام أخاه بضيق:
"انت إزاي تعمل حاجة زي كده؟"
رمقه أدهم بنظرات جامدة وقال مصراً على موقفه:
"أنا ما عملتش حاجة."
نظر إليه حسام بعدم تصديق ليهتف أدهم:
"وحياتك يا حسام ما عملت حاجة."
"طب قول وحياة ليديا." قالها حسام وهو ينظر له بمكر، ليتطلع إليه أدهم بغيظ قبل أن يتجه إلى الطابق العلوي، ليتمتم حسام بضيق:
"وقعت يا أدهم، بس وقعة مهببة، كان الله في عونك يا أخي."
قال جملته الأخيرة في تهكم وهو يتجه بدوره إلى الطابق العلوي باقياً في غرفته.
***
أخذت ليديا تلف وتدور داخل غرفتها وهي تكاد تشتعل من شدة الغيظ. أفاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها لتجدها ريهام تتصل بها، ففهمت منها أنها وصلت إلى القصر.
نظرت إلى شكلها في المرآة وإلى فستانها الذي لم يكن سيئًا، فقررت أن تخرج به. هبطت إلى الطابق السفلي لتجد أدهم أمامها. تأففت بضيق وهي تتجه نحو الباب لتفتحه وتخرج، فتتفاجأ به يقف أمامها يسألها بهدوء:
"على فين؟"
رفعت حاجبها تسأله بغيظ:
"هو مفيش غيري في البيت ده؟"
نظر لها ببرود وقال:
"رايحة فين على الصبح كده؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
"وانت مالك؟"
رد بجمود:
"اتكلمي عدل أولاً، ثانيًا أنا ابن عمك ومن حقي أعرف رايحة فين، ما عندناش بنات تخرج لوحدها من غير إذن."
أخذت تفكر في كلامه قليلاً ثم قالت بمكر:
"يعني أنا لازم آخد إذن قبل ما أخرج."
رد بهدوء:
"بالظبط."
"ماشي." قالتها وهي تتركه وتتجه نحو مكتب. لينظر إلى أثرها بتعجب وهو يسأل نفسه عما ستفعله تلك المجنونة. خرجت بعد لحظات وهي تبتسم بشماتة قبل أن تقول:
"أنا استأذنت عمو سليم وقالي تقدري تخرجي."
ثم أكملت بتحدي:
"أظن كده عملت الأصول وأقدر أخرج عادي."
بالكاد كتم أدهم غيظه وهو يبتعد من أمامها كي تخرج. أخذ غضبه يزداد تلقائيًا وهو يفكر عن مكان خروجها، ليجد نفسه يخرج وراءها ويراقبها من بعيد. وجدها تقف أمام باب القصر ويبدو أنها في انتظار أحد ما.
ركب سيارته وانتظر منها أن تركب سيارة الشخص المنتظر ليلحق بها. وبالفعل، وقفت ريهام أمامها لتفتح ليديا السيارة وتركب بجانبها، فشغل أدهم سيارته لاحقًا بهما.
وجدهما أدهم يتجهان إلى أحد المطاعم القريبة. أوقف سيارته بعيدًا عنهما وهبط منا، تابعًا إياهما. جلس على طاولة بعيدة بعض الشيء عنهما، بينما أخذتا الفتاتان تتحدثان سوياً بحماس.
اقترب منه النادل يسأله عما يريد أن يطلب، فزفر أنفاسه وهو يقلب في قائمة الطعام بعدم اهتمام، قبل أن يطلب من النادل إحدى الأكلات التي رآها في القائمة.
ظل أدهم جالسًا يتابعهما من بعيد، وقد بدأ الملل يتسرب إليه. وبالرغم من ذلك، كان مصرًا على البقاء في مكانه ومراقبتهما. رن هاتفه أثناء ذلك فوجد عليا تتصل به. زفر أنفاسه بانزعاج ورفض مكالمتها، ليجدها ترسل إليه رسالة بعد ذلك تحتوي التالي:
"لو مردتش عليا دلوقتي هنهي كل حاجة بينا لآني مليت بجد."
زاد غضبه أضعافًا وهو يقرأ محتوى رسالتها والتهديد الواضح بها، فحمل هاتفه واتصل بها ليأتيه صوتها الرقيق:
"حبيبي وحشتني."
صاح بها بصوت قوي:
"بتهدديني يا هانم؟ فاكراني هخاف وأقولك بلاش تنهي كل حاجة؟"
قالت محاولة احتواء الموقف وقد أدركت حجم خطأها:
"سوري يا قلبي، أنا بس اتعصبت، مكانش قصدي."
قاطعه بحدة:
"انتي تخرسي خالص. من إمتى وأنا بتهدد يا عليا؟ واضح إنك اديتي لنفسك قيمة أكتر ما تستحقيها. عايزة تنهي كل حاجة انهيها، أنا أصلًا عايز ده أكتر منك."
قال كلماته الأخيرة ثم أغلق الهاتف في وجهها.
***
مساءً.. دلفت ليديا إلى القصر وهي تحمل مجموعة من الأكياس التي تحوي بعض الملابس التي اشترتها من أحد المولات. ألقت التحية على فريال التي كانت تجلس لوحدها في صالة الجلوس، لتتفاجأ بأدهم يدخل خلفها وهو يلقي عليهما التحية باقتضاب.
نظرت فريال إليهما بشك، بينما حملت ليديا نفسها وصعدت إلى الطابق العلوي، فهي مجهدة للغاية وترغب في النوم.
"كنت فين؟" قالتها فريال وهي تقف في وجه أدهم، ليجيب بهدوء وقد فهم شكوك والدته:
"كنت مع صاحبي، خرجنا اتغدينا بره واتكلمنا."
قالت فريال بجدية:
"بدل ما تخرج مع صاحبك اخرج مع خطيبتك."
تأفف أدهم وهو يقول:
"هي اشتكت لك؟"
قالت فريال بسرعة:
"أبدًا، أنا بس ملاحظة إن بقالك فترة بعيد عنها، فقلت أنبهك."
"ميرسي يا ماما، بس أنا مش محتاج تنبيه وعارف إزاي أتعامل مع عليا." قالها وهو ينوي التحرك بعيدًا عنها، لكنها أوقفته وهي تردف:
"طب أنت مش ملاحظ إن الخطوبة طولت؟ ولازم تحدد معاد الفرح بقى."
بالكاد كتم ضيقه وهو يقول بهدوء:
"أنا حاليًا مشغول، ومليش خلق للجواز."
قالت فريال بدهشة:
"يعني إيه ملكش خلق للجواز؟ طب وعليا اللي خاطبها من يجي سنة وضعها إيه؟"
رد أدهم بحيرة:
"مش عارف، بس أنا حاسس إني اتسرعت في موضوع خطوبتي لعليا."
صاحت فريال بعدم تصديق:
"اتسرعت يعني إيه؟ هو أنت عيل يعني؟ أنت عندك خمسة وثلاثين سنة تقريبًا، يعني المفروض تكون قد كلامك وقرارك اللي أخذته."
قال أدهم بضيق:
"أنا ما عملتش حاجة غلط، أنا لقيتها إنسانة مناسبة ليًا فخطبتها، أنا مش أول واحد ولا آخر واحد يكتشف إن الإنسانة اللي خطبها مش مناسبة ليه، مش هتتقلب الدنيا يعني لو فسخت الخطوبة."
قاطعته فريال بقوة:
"لا هتتقلب، لما اللي خطبتها تبقى بنت عمك يبقى هتتقلب، أنت عارف نظام عيلتنا إيه."
قال أدهم بملل:
"عيلتنا، عيلتنا، أنا بجد بقيت قرفان من العيلة دي."
جحظت عينا فريال وهي تستمع لكلام ابنها الذي لا يشبهه مطلقًا، فقالت بعدم تصديق:
"انت بتقول إيه يا أدهم؟ أنت اتجننت؟ من إمتى وأنت بتتكلم عن العيلة بالشكل ده؟ ده أنت أكتر واحد بتحترم العيلة وعاداتها، حتى الكل بيقول إنك شبه جدك من الناحية دي، ده أنت تقريبًا واخد كل طباعه وعشان كده اختاروك تدير شركات العيلة وبقى ليك اسمك وكلمتك هنا."
زفر أنفاسه وقال محاولاً احتواء الموقف:
"ماما أنا تعبان ومحتاج أنام، عن إذنك."
ثم اتجه مسرعًا إلى الطابق العلوي، تاركًا والدته تتابع أثره بقلق.
***
دلف أدهم إلى غرفته ليتفاجأ بحسام جالسًا فيها. ابتسم ساخرًا وهو يقول:
"هو أنت اتلخبطت في الأوض ولا إيه؟"
لم يهتم حسام لسخريته بل قال بجدية:
"أنا محتاجك يا أدهم، فيه موضوع مهم لازم تعرفه."
سأله أدهم بجدية:
"خير يا حسام، مالك؟"
رد حسام بهدوء:
"أنا بحب واحدة وعايز أتجوزها."
ابتسم أدهم وقال:
"طب ده كويس، مين هي؟ حد نعرفه؟"
قال حسام بقلق:
"لا."
سأله أدهم بشك:
"طب مالك بتقولها كده وانت خايف؟ هي إيه الحكاية بالضبط؟"
قال حسام بتردد:
"المشكلة إن البنت مختلفة عننا تمامًا، يعني مفيش أي شبه بينا وبينها."
"مش فاهم." قالها أدهم بعدم فهم محاولاً استيعاب كلام أخيه الذي قال ما في جعبته أخيرًا:
"هي بتشتغل مدرسة في مدرسة حكومية، عيلتها فقيرة جدًا وساكنين في حارة بعيدة عننا و..."
قاطعه أدهم بعدم تصديق:
"انت بتقول إيه؟ عايز تتجوز واحدة عايشة في حارة؟ أنت اتجننت؟"
نظر حسام إليه بضيق وقال:
"أنا كنت عارف إنك هتقول كده، أنا أصلًا كنت مستني إيه من واحد زيك، أنت زيك زي باقي العيلة كل همكم المظاهر وبس."
أوقفه أدهم وهو يقول بجدية:
"طب ممكن تهدى، أنا مش قصدي، أنا بس اتصدمت مش أكتر."
ثم أكمل بجدية:
"حسام أنا خايف عليك، محدش هيقبل بالبنت دي، أنت عارف وضع العيلة ومركزها."
صاح حسام بضيق:
"وأنا من إمتى بهتم للحاجات دي؟ أنا أصلًا نفسي أخرج من العيلة دي اليوم قبل بكرة، أنا عمري ما كنت مستريح معاهم، كل حاجة ماشية عندهم بالفلوس والمظاهر."
تطلع أدهم إليه بصدمة. هو كان يعرف أن حسام مختلفًا عنهم، فهو متواضع للغاية ولا يحب طريقة أبناء العائلة في التعامل مع الآخرين وتعنتهم وتفاخرهم بأصولهم ومراكزهم، لكنه لم يتوقع أن يكون نافراً منهم إلى هذا الحد.
قال أدهم بهدوء:
"يا حسام ده كلام ممكن يتقال ساعة عصبية بس تنفيذه صعب، أنت ممكن تخسر كل حاجة لو اتجوزت البت دي، ده احتمال يتبروا منك."
رد حسام بجدية:
"وأنا ميهمنيش كل ده، أنا بحبها وعايزها ومش عايز غيرها."
قال أدهم أخيرًا:
"طب اقعد وخلينا نتفاهم ونفكر في طريقة نحل بيها الموضوع ده من غير مشاكل، أو على الأقل من غير ما تخسر حاجة."
***
كانت ليديا جالسة في الحديقة تفكر في طريقة تنتقم بها من أدهم على ما فعله. أخذت تفكر جدياً في شيء ما ترد من خلاله لأدهم ما فعله بها. وجدت مصطفى يقترب منها ويجلس بجانبها هاتفا:
"القمر قاعد لوحده ليخ...؟"
أجابته ليديا وهي تبتسم رغماً عنها:
"مضايقة شوية."
سألها مصطفى بقلق:
"مضايقة ليه؟ فيه حد ضايقك هنا؟"
نظرت ليديا إليه قليلاً قبل أن تلمع بعينيها فكرة جعلتها تقفز من مكانها وهي تقول:
"مصطفى أنت بتحبني؟"
تنهد مصطفى وهو يقول:
"طبعًا بحبك."
عادت وسألته بغموض:
"مستعد تعمل أي حاجة عشاني؟"
نظر إليها مصطفى بعدم فهم لتكمل ليديا بجدية بعدما عادت وجلست بجانبه:
"يعني لو خيرتك بيني وبين أدهم، هتاخد صف مين؟"
تطلع إليها مصطفى قليلاً قبل أن يقول بابتسامة واسعة:
"صفك طبعًا."
ليجد ليديا تهتف بحماس:
"يبقى أنت هتساعدني في خططي."
تطلع مصطفى إليها بعدم فهم لتبدأ ليديا تشرح له ما تفكر به.
رواية عروس من باريس الفصل الثامن 8 - بقلم سارة علي
بعد مرور يومين ..
خرج كلا من سليم وأدهم وحسام إلى عملهم. تبعتهم فريال التي خرجت للتسوق. فلم يتبق سوى جميلة التي كانت في غرفتها كالعادة، ومصطفى وليديا، كلا منهما في غرفته.
خرج مصطفى من غرفته بعدما تأكد من خلو الفيلا من الجميع. اتجه ناحية غرفة ليديا وطرق الباب عليها لتفتحها بسرعة وتسأله:
"ها، كلهم خرجوا؟"
أومأ برأسه وقال:
"أيوه، آخر واحدة خرجت أمي. مفيش غير تيتة وهي أصلاً في أوضتها ومتقدرش تصعد فوق."
ابتسمت ليديا وقالت:
"تمام، أنا جهزت كل حاجة. كل اللي عليك توقف قدام السلم ومتخليش حد من الخدم يجي هنا."
أومأ برأسه قبل أن يقول بتوتر:
"بس يلا، متطوليش."
ثم اتجه إلى السلم ووقف أمامه يراقب الطابق السفلي. ليجد ليديا تخرج بعد لحظات وهي تحمل العديد من الأكياس. دلفت مسرعة إلى غرفة أدهم. أدهشتها مدى أناقة الغرفة ورقيها وترتيبها. إلا أنها أزاحت هذه الأفكار سريعًا، فهي يجب أن تنفذ المهمة بأسرع وقت ممكن.
فتحت خزانة ملابسه لتتفاجئ بالكثير من الملابس. زفرت أنفاسها وهي تفكر بأن هناك أكثر من مكان للملابس. منها ملابس الخروج، وأخرى ملابس المنزل. تمتمت بكلمات غاضبة وهي تفكر في الطريقة التي سوف تستطيع من خلالها حمل كل تلك الملابس. ثم أسرعت وبدأت تخرج الملابس وترميها على السرير. لم تترك شيئًا سوى ملابسه الداخلية. رمت جميع ملابسه، والتي كانت كثيرة للغاية، على سريره.
حملت الأكياس خاصتها وبدأت تخرج الملابس منها وتعلقها بسرعة داخل الخزانة.
أما في الخارج، كان مصطفى واقفًا في نفس مكانه يتطلع حوله بتوتر. حينما وجد رنا الخادمة تصعد درجات السلم. ما أن وصلت آخر درجة حتى وجده يقف في وجهها ويسألها:
"على فين؟"
أجابته بتعجب:
"هنظف أوضكم يا بيه."
"خليها وقت تاني." قالها بجدية استغربتها. إلا أنها ردت بهدوء:
"يا بيه، فريال هانم وصتني أنظف الأوض كلها ولازم أبتدي دلوقتي عشان ألحق أخلص قبل العصر."
زفر مصطفى أنفاسه بضيق وقال محاولًا كتم غيظه:
"يا رنا، افهمي. أنا بقولك مش عاوزك تنظفي دلوقتي."
ردت بضيق وشك:
"هو فيه حاجة يا مصطفى بيه؟ مالك واقف زي واحد عامل عملة وعاوز يخفيها؟"
رفع بصره نحو الأعلى بنفاذ صبر. ثم تذكر أمرًا ما فأخرج من جيبه بضعة وريقات مالية وقال:
"خدي دول وأجلي حكاية التنظيف دي."
تطلعت إليه رنا بدهشة قبل أن تسأله:
"دول كام يا بيه؟"
قال بجدية:
"٢٠٠ جنيه."
"لا قليل، خليهم ٥٠٠."
"نعم يا أختي." قالها مصطفى بصوت عالٍ قليلًا. لترد بخبث:
"خلاص يبقى أنظف بقى. ولو منعتني هقول لفريال هانم إنك مخلتنيش أنظف الأوض زي ما طلبت."
"واطية وطماعة." قالها مصطفى بضيق. ثم ابتلع مصطفى ريقه بخوف وهو يفكر في ردة فعل والدته. فقال بسرعة:
"طب خدي دول وهديكي الباقي بعدين، لأني مش معايا غير دول حاليًا. ويلا انزلي بسرعة ومتجيش هنا ومتخليش حد من الخدم يجي هنا. انتي فاهمة؟"
سألته رنا بفضول:
"هو انت بتعمل إيه هنا يا بيه؟"
صاح بها بغيظ:
"وانتي مالك؟! مش كفاية هتاخدي فلوس؟ خدي فلوسك واسكتي."
أومأت برأسها وهي تقول بضيق:
"طب خلاص، متصرخش."
ثم هبطت إلى الطابق السفلي. ليتمتم مصطفى ببعض الكلمات الغاضبة وهو يفكر أنه سيخسر الأموال بسبب أدهم وأفعاله الغبية. نظر إلى غرفة أدهم وهو يشعر بنفاذ الصبر. فليديا تأخرت. ليجدها تخرج بعد لحظات وهي تحمل العديد من ملابس أخيه.
"يلا بسرعة! إحنا كنا هنتفضح. تأخرتي أوي."
أجابته بجدية:
"الهدوم كتير وأخذت وقت لحد ما علقت الهدوم التانية."
"طب يلا بسرعة." قالها مصطفى بنفاذ صبر. لترد ليديا ببساطة:
"لسه فيه هدوم كتير لازم أجيبها."
"كمان؟" قالها مصطفى وهو يكاد يبكي. بينما هزت ليديا رأسها بعدم اكتراث واتجهت إلى غرفة نومها.
ثلاث مرات اتجهت ليديا من غرفة أدهم إلى غرفة نومها. فملابس أدهم كانت كثيرة للغاية. خرجت أخيرًا من غرفتها واتجهت نحو مصطفى قائلة:
"خلاص خلصت."
تنهد مصطفى براحة وقال:
"أنا خفت نتكشف."
ابتسمت ليديا بعذوبة وقالت:
"شكرًا يا مصطفى إنك ساعدتني. بجد أنت بطل."
اتسعت عيناه بعدم تصديق وهو يقول:
"قوليها تاني."
"هي إيه؟" سألته ليديا بحيرة. ليرد:
"قوليلي إني بطل."
قالت ليديا بعفوية:
"أنت بطل."
تنهد مصطفى بحرارة وقال:
"ياااه، أحلى كلمة سمعتها في حياتي."
ابتسمت ليديا بسعادة ثم جرته خلفها وأدخلته غرفتها قائلة بفخر:
"كل هدومه بقت هنا. مسبتش حاجة ليه."
تطلع مصطفى بدهشة إلى كمية الملابس الموضوعة على سريرها والتي كانت جميعها من أغلى الماركات.
"ما شاء الله.. ده فاتح محل."
بينما قالت ليديا بسعادة:
"نفسي أشوف شكله لما يشوف هدومه الجديدة."
تنحنح مصطفى وقال:
"ليديا.. أنا مش هوصيكي.. أنا مليش دعوة بحاجة."
ابتسمت ليديا وقالت بخفة:
"متقلقش.. أنت متعرفش حاجة أصلاً. أنا عملت كل ده لوحدي."
تنهد براحة ثم سألها بفضول:
"طب هنعمل إيه بالهدوم دي؟ هنخبيهم فين؟"
أجابته ببساطة:
"هخبيهم عندي في الحمام وأقفل الباب وخلاص."
أومأ مصطفى برأسه متفهمًا. بينما أخذت ليديا تحمل ملابس أدهم وتضعها في الحمام الملحق بغرفتها. ليسارع مصطفى في مساعدتها.
***
مساءً...
دلف أدهم إلى المنزل بعد يوم شاق قضاه في الشركة. كان يشعر بالاشتياق الشديد لها ويريد رؤيتها. وكم تمنى أن يجدها في صالة الجلوس، لكن آماله خابت عندما وجد المنزل فارغًا. اتجه نحو الطابق العلوي وهو يفكر بليديا واشتياقه الغريب لها. حقًا بات يشعر بالضيق من مشاعره التي تزداد يومًا بعد يوم نحوها. كم تمنى لو لم يشعر بكل هذا ويبقى كما هو مع عليا خطيبته التي اختارها بعقله وأرادها زوجة له وأمًا لأولاده.
كان يسير نحو غرفته حينما وجد حسام يخرج من غرفته ويشير له بسرعة:
"تعالى، عايز أكلمك."
دلف أدهم إلى غرفة حسام يتبعه الأخير. ليقول أدهم وهو يستدير نحو أخيه:
"فيه إيه؟ مالك؟"
سأله حسام بجدية:
"فكرت في حل لمشكلتي؟"
رد أدهم بصدق:
"لسه بفكر."
قال حسام بعصبية:
"أنا غلطان إني حاكيتلك. أكيد يعني مش هتفكر في حل ليا وانت أصلاً مش موافق على كل اللي عايز أعمله."
تطلع إليه أدهم بضيق وقال بهدوء جاهد كي يسيطر عليه:
"أنا مش هرد عليك ولا هتعصب لأني مستوعب اللي أنت بتمر بيه. بس لازم تعرف إني لو مكنتش عايز أساعدك كنت قلتها في وشك. أنا مش منافق عشان أخدعك وأقولك عكس اللي بعمله."
تطلع حسام إليه وقال بأسف:
"أنا آسف يا أدهم، بس أنا متوتر بجد." ثم أكمل بحيرة:
"وبصراحة مش مصدق إنك عايز تساعدني. لأني عارفك وعارف تفكيرك وإنك آخر واحد تحب إني أخطب واحدة فقيرة. طول عمرك بتفكر بالمستويات والطبقات والعيلة."
رد أدهم بهدوء:
"ومش متغيرتش. أنا لسه بفكر كده وشايف إنوا البنت دي متنفعكش. بس أنت قلت إنك مصر عليها، وبالتالي هتعمل اللي في دماغك وأنا مش هقدر أمنعك. يبقى أسيبك لوحدك وأخليك تخسر كل حاجة، ولا أقف جنبك وأساعدك. أنت أخويا يا حسام وأنا بفكر في الطريقة اللي أخليك فيها متخسرش كل حاجة. لكن لو جيت عليا أنا عمري ما هكون راضي عن جوازك ده."
ابتسم حسام بالرغم من ضيقه من رفض أدهم لحبيبته كونها دون المستوى. إلا أنه في الوقت نفسه أسعده صراحته ورغبته في الوقوف بجانبه.
تنهد أدهم وقال:
"حسام، أنا محتاج أسألك كم سؤال قبل ما أقولك اللي بفكر فيه."
"اسأل." قالها حسام بجدية. ليرد أدهم بتأني:
"بس بلاش تتعصب. أنا بس عايز أطمن الأول عشان أقولك على اللي في بالي."
زفر حسام أنفاسه بضيق وقال:
"اسأل يا أدهم."
قال أدهم بجدية:
"السؤال الأول.. أنت واثق إنوا البنت دي بتحبك؟ يعني مش ممكن طمعانة بيك؟"
ابتسم حسام وقال:
"أنا كنت متوقع السؤال ده. وهرد عليك وأريحك. نورهان أنا عرفتها من فترة طويلة. شفتها بالصدفة البحتة. حبيتها من أول نظرة بس اترددت أقولها ده لأنها محترمة جدًا ومش بتاعة الحركات دي."
تنهد وهو يكمل تحت أنظار أدهم المدهوشة. بنظرات أخيه وطريقة حديثه عن تلك الفتاة والتي جعلته متأكدًا أن حسام عاشق لها:
"عشان كده قررت أكلمها بصراحة وأقولها إني عايز أتوزجها. طبعًا بعد ما فضلت فترة أراقبها وعرفت عنها كل حاجة. استنيتها قدام مدرستها وطلبت أتكلم معاها. واتعمدت إني مروحش بعربيتي، فخليت تاكسي يوصلني. وفعلاً وافقت بعد ما استأذنت مامتها، لأنها مستحيل تخرج معايا من غير إذنها."
تعجب أدهم من مدى احترام تلك الفتاة وتربيتها. وأخذ يقارنها بفتيات عائلة وجميع الفتيات اللواتي يعرفهن. أفاق من أفكاره على صوت حسام وهو يكمل:
"قعدنا وقلتلها إني معجب بيها وعايز أتقدملها. قلتلها إني خريج كلية الهندسة، بس قلتلها إني بشتغل عامل في مصنع لأني مش لاقي شغل بشهادتي. وكمان قلتلها إني عايش في منطقة شعبية قريبة منهم مع أمي وأخواتي التلاتة."
ضحك أدهم وقال:
"يابن الإيه.. ده أنت لعبتها صح."
قال حسام بجدية:
"أنا كنت متأكد إنها مش طماعة ومش بتاعة فلوس. بس شيطاني وزني وخلاني أعمل كده. قلتلها إني عايز أتوزجها بس هتعيش مع أمي وأخواتي وإنوا مرتبى على قدي. لقيتها محرجة فسألتها بصراحة عن رأسها فقالتلي إنها محتاجة تفكر وتسأل والدتها. مقدرتش أمسك لساني فسألتها إنوا ممكن ترفضني بسبب حالتي المادية. فلقيتها بتقولي إنها ميهمنيش وضعي المادي لو لقيت أخلاقي كويسة وإني شاريها بجد. أما والدتها فهي مش عارفة ردة فعلها، بس طبعًا هي بتحترم رأي بنتها جدًا."
"والله أنت مصيبة." قالها أدهم بخبث. ليرد حسام بضيق:
"كفاية بقى.. ياريتني ما حكيتلك. المهم، لما لقيتها موافقة مبدئيًا ومفكرتش في وضعي المادي ولا حكاية إنها تعيش مع أمي وأخواتي، وكل اللي هاممها أخلاقي، عرفت إني اخترت صح. فصارحتها فورًا وقلتلها حقيقتي وإني مهندس وعيلتي كده. كان لازم أقولها فورًا عشان متقولش الكلام الكدب بتاعي لمامتها."
"عملت إيه؟"
رد حسام:
"اتعصبت جامد وقالتلي إنها مستحيل توافق، وإنوا أنا مغرور وفاكر كل الناس همها الفلوس والمظاهر."
"حقها." قالها أدهم بجدية. ليرد حسام بهدوء:
"عارف إنوا حقها. وأنا غلطت، بس زي ما قلتلك شيطاني وزني وندمت جدًا بعدها. فضلت خمس شهور أجري وراها أحاول أصلحها، وهي مش بتبص في وشي حتى. فضلت أترجاها عشان تنسى العملة السخيفة بتاعتي وتقبل تتجوزني."
"خمس شهور؟ لا كرامتك غالية أوي." قالها أدهم بتهكم. ليرد حسام بفتور:
"أولاً أنا بحبها. وثانيًا أنا غلطت في حقها وبصراحة أنا احترمتها جدًا إنها فضلت رافضاني، لأني حسيت إنوا كرامتها مهمة أوي عندها. غير إني ما صدقت لقيتها، فمكنتش مستعد أتنازل عنها بعد اللي حصل."
أومأ أدهم رأسه بتفهم. بينما قال حسام:
"المهم، في الآخر وافقت تديني فرصة عشان حست إني بحبها بجد ومتمسك بيها. وأنا صارحتها وقلتلها طبيعة عيلتي وإنهم مش هيوافقوا. بس اترجيتها إنها تثق فيا وتوافق عليا. بس هي رفضت جامد وقالت مستحيل أكون سبب في مشاكل بينك وبين عيلتك."
"طب أنت ليه قولتلها بالسرعة دي موضوع العيلة؟" سأله أدهم بتعجب. ليرد حسام ببديهية:
"مكنتش حابب أكذب عليها مرة تانية وكنت عايز أصارحها وأفهمها إني ممكن أخسر عيلتي وشغلي وكل حاجة. فضلت فترة رافضاني وقالتلي بلاش أخسر عيلتي عشانها، وإنوا ممكن يجي يوم وأندم. وأنا فضلت أقنع بيها وكلمت والدتها. والدتها رفضت زيها وقالت: أنا مش هجوز بنتي لواحد أهله رافضينه."
"وبعدين؟"
زفر حسام أنفاسه وقال:
"فضلت ست شهور أروح لهم أسبوعيًا وأحاول أقنعهم إني الشخص المناسب. كنت عارف إنوا نورهان رغماً عنها تعلقت بيا، وده كان مفرحني. والدتها كانت بتعاملني كويس بس مصرة على رفضها. المهم، بعد محاولات كتير وافقوا في الآخر."
قال أدهم بدهشة:
"انت عايز تقولي إنك كنت مستنيها تقريبًا من سنة."
أومأ حسام وقال:
"بحبها من سنة تقريبًا. يادوب وافقوا من كام يوم، عشان كده كلمتك بعد ما حسيت إني لازم أكلم حد. فالأول كنت ناوي أتوزجها وخلاص، بس بعدين جالي إحساس إنك ممكن تساعدني وكده. وفجأة لقيت نفسي بحكيلك عشان في النهاية أنت أخويا الكبير."
ابتسم وربت على كتفه:
"وأنا مش هخذلك وهساعدك كمان تتجوزها. بس فيه سؤال تاني."
"كمان؟" قالها حسام بضيق. ليرد أدهم بهدوء:
"يابني اصبر، منا لازم أطمن الأول قبل ما أقولك على اللي بيدور في بالي."
"اسأل." قالها حسام وهو بالكاد يكتم غيظه. ليرد أدهم بجدية:
"أنت مستعد فعلاً إنك تخسر عيلتك وشغلك والفلوس، وطبعًا هتتحرم من ميراثك. يعني هتبقى عايش على الحديدة. أنت متأكد إنك مستعد تتخلى عن كل ده؟"
أومأ حسام برأسه وقال بجدية:
"أنا مكنتش هصر على نورهان بالشكل ده ولا أصر إني أتوزجها إلا لو مكنتش متأكد من ده. لأني مستحيل أورطها معايا. وعلى فكرة، أنا حطيت قدامي أسوأ الاحتمالات. احتمالات أسوأ من اللي أنت بتقولها وفكرت كذا مرة عشان أتأكد إنوا مش هيجي يوم وأتراجع عن قراري، مع إن كنت محدد قراري من أول لحظة، بس قلت الاحتياط واجب."
تنهد أدهم وقال:
"كده أنا اطمنت. وهقولك اللي بفكر فيه."
"قول." قالها حسام بلهفة. ليرد أدهم بجدية:
"بص يا حسام.. أنا وأنت عارفين إنك لو اتجوزت البت دي هتخسر كل حاجة. أولهم شغلك باعتبار إنوا المكتب باسم بابا، وثانيًا العيلة اللي كلها هتقاطعك، غير إنوا مش هيبقى عندك مكان تعيش فيه. والأهم من ده كله إنوا أنا متأكد إنوا أبويا وأعمامي هيمنعوا أي شركة تشغلك عندها."
ابتسم حسام بألم وهو يدرك أن ما يقوله أدهم سوف يحصل بالضبط. ليكمل الأخير:
"أنت مفيش حاجة باسمك غير العربية ومبلغ محدد بالبنك، واللي أكيد مش هيكفيك ولا هتقدر تستعمله في حاجة مفيدة. وأنا مش مستعد أخليك تتجوز وتلاقي نفسك على الحديدة وأسيبك ضايع وتخسر كل حاجة."
"بمعنى..؟" قال أدهم بجدية.
"ركز معايا يا حسام.. اديني كام يوم هديلك مبلغ محترم وكبير يكفيك تشتري شقة في منطقة كويسة وكمان تفتح مكتب خاص بيك بدل المكتب اللي أبوه هيسحبه منك. وبالتالي لما تصارح العيلة بجوازك ويرفضوك هتخرج من البيت ده وتتجوز وأنت عندك شقة وعربية وفوق ده شغل. أينعم مش هتعيش في المستوى ده، بس على الأقل هتقدر تعيش مرتاح نوعًا ما."
سأله حسام بتعجب:
"وأنت هتجيب المبلغ ده كله منين؟"
أجابه أدهم بجدية:
"أنت ناسي إنوا كل الفلوس اللي بتيجي من المشاريع والصفقات بتبقى تحت أمري وأنا اللي بوزعها على أعمامي. أنا مسؤول عن الأمور المالية كلها."
"بس يا أدهم، كده مش هتعتبر سرقة؟" سأله حسام بشك. ليرد:
"أولاً هما اللي أجبرونا على ده. ثانيًا اعتبره حقك من ميراث جدك وأبوك واللي واثق إنهم هيحرموك منه، والمبلغ اللي هديهولك رغم إنه كبير بس ميجيش حاجة جنب حقك الشرعي من شركاتنا وأملاكنا."
"طب وأنت؟ دول هيقلبوا عليك وممكن يسحبوا إدارة الشركة منكِ. دول ممكن يعملولك حاجات كتير يا أدهم. مش هيسكتوا أبدًا ولا حد فيهم هيرحمك."
رد أدهم بجدية:
"أنا مضطر لكده. ثانيًا أكتر حاجة ممكن يعملوها ليا إنهم يقاطعوني فترة ويسحبوا مني إدارة الشركة، بس طبعًا مش هيتبروا مني ولا يحرموني من الميراث زيك."
"وأنت عادي عندك يسحبوا إدارة الشركة اللي بتديرها من أكتر من عشر سنين؟ أنت ناسي إنوا ده كان حلمك من وقت ما كنت في الجامعة، ده حتى اخترت تخصصك الجامعي بناءً على رغبتك في إنك تدير شركات العيلة."
"لا مش ناسي، بس أنا متأكد إنهم مش هيطولوا ويرجعوا ليا الإدارة. لأنوا كلهم عارفين إنوا محدش هيعرف يدير المجموعة زيي، ولا حد من أعمامك قدر يحقق ربع اللي أنا حققته. أنت ناسي السوق اللي بقى كله لينا من ساعة ما أنا مسكت الشغل وكل المنافسين بقوا تحتينا."
قالها أدهم بثقة. ليقول حسام بتردد:
"بس أنا مش مستعد أسيبك في وش المدفع. أنت مش مجبر لده."
قال أدهم بضيق:
"يا حسام استوعب كلامي. أنت لازم تكون ضامن مكان تعيش بيه وشغل يكفيك أنت ومراتك. مش هتتجوز وأنت فاضي كده. ثانيًا والأهم، أنت عارفني وعارف إنّي أقدر أقف في وشهم. صحيح هما أعمامي، بس متنساش إنوا من وقت طويل الكل بقى معتمد عليا والكلمة الأساسية بقت ليا. حتى إدارة الشركة مش هيجازفوا ويسحبوها لأنهم مش هيعرفوا يديروها صح وهيخسروا كتير، خصوصًا إنوا أنا ليا طريقة معينة في إدارة المجموعة محدش يعرفها غيري وغير موظفين غريبين تمامًا. حتى خالد وكريم مش عارفين حاجة عن طريقة شغلي. ولو موتوا روحهم مش هيعرفوا الطريقة اللي بدير بيها المجموعة ولا الاستراتيجية اللي استخدمتها وحققت المكاسب دي كلها ليهم وبقى دخلنا بالمليارات."
تطلع إليه حسام بدهشة. هو كان يعلم أن أخيه ذكي للغاية، بل مبهر أيضًا، لكنه لم يتصور أن يكون بهذا الكم من الذكاء الذي يجعله يتخذ طريقة خاصة أخفاها عن الجميع، حتى أولاد عمه، كي لا يستطيع أحد منهم أن ينافسه أو يشاركه بالإدارة، بالرغم من أن خالد وكريم يرغبان في ذلك. إلا أن الجميع يعرفون أنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى قدرات أدهم وذكائه، وبالتالي كان أدهم المفضل لدى جميع أعمامه، حتى عمه والد خالد وكريم.
أفاق حسام من شروده على صوت أدهم يقول:
"متفكرش بيا. أنا أعرف أضبط نفسي. واقف في وشهم. المهم، اديني كام يوم أجهز المبلغ، وأول ما أديك المبلغ تشتري شقة مناسبة وبعديها مكتب مساحته كويسة وتبتدي تدور على موظفين وأنا هساعدك. وبعد ما تشتري الشقة والمكتب تفاتح أبوك في الموضوع، واللي أكيد هيرفض. حاول معاه أكتر من مرة احتياط عشان ميقولش إنك ما صدقت، ولما تلاقيه مصر قوله إني هتجوزها وخلاص. وبعدها اتجوزها فورًا يا حسام. حسام نفذ اللي بقولهولك بالحرف الواحد."
أومأ حسام برأسه قبل أن يحتضن أدهم ويقول:
"أنا عمري ما هنسى جميلك ده. أنت بجد أحسن أخ يا أدهم."
ربت أدهم على كتفه وقال وهو يضحك:
"يابني أنت أخويا الصغير. صحيح الفرق بينا أربع سنين، بس مهما كان أنا أكبر منك ومسؤول عنك. بس خليك دائمًا فاكر إن الفلوس اللي هتاخدها دي حقك. أنا مش بديك حاجة من جيبي."
ابتسم حسام بامتنان. بينما خرج أدهم وهو يشعر براحة غريبة. فهو بالرغم من كونه يتمنى لحسام زيجة تليق به، إلا أنه سعيد للغاية بعدما ساعده في حل مشكلته. فهو أخيه الذي يحبه وسوف يقف في جانبه ويدعمه في جميع قراراته.
***
دلف أدهم إلى غرفته سعيدًا منشرحًا. ثم قرر أن يغير ملابسه بسرعة ويهبط إلى الأسفل ليرى ليديا التي يشتاق لها بجنون. فتح خزانة ملابسه وسحب أحد البيجامات ليتأملها بدهشة. فهي كانت بيجامة قديمة للغاية مستعملة، يقر أنها من زمن الستينات. وفوق هذا كله، بحجم يفوق حجمه بأضعاف. أخذ يقلب في البيجامات ليجدها كلها من نفس النوع والحجم والشكل المقرف.
اتجه نحو الباب الآخر وفتحها لينصدم مما رآه. ملابس الخروج خاصته مختفية، ويوجد محلها ملابس غريبة للغاية تشبه ملابس المهرجين بألوانها الفاقعة وتصميماتها المضحكة. وبالطبع كانت ذات حجم كبير يتسع لثلاثة رجال من نفس حجمه.
اتسعت عيناه بغضب وهو يحمل نفسه ويتجه خارج غرفته نحو الطابق السفلي بحثًا عن ليديا. ليجدها جالسة في صالة الجلوس تقلب في هاتفها.
"ليديا..." قالها بصوت غاضب. لتنهض ليديا من مكانها وهي تبتسم بسخافة.
"وكمان ليكي عين تضحكي؟" قالها بغضب كبير. لتومأ برأسها وترد وهي لا تستطيع كتم ابتسامتها:
"ده رد فعل طبيعي على اللي عملته. أظن ده حقي."
"يعني كده انتقمتي مني؟" قالها بغيظ. لتومأ برأسها وهي تجيبه:
"شور." ثم أكملت بمكر:
"بس إيه رأيك بالهدوم؟ عجبتك؟ أنا اخترت قطعة قطعة بنفسي. موديلات مفيش زيها في السوق."
جذبها من ذراعها بقوة وقال بحدة:
"فاكراني لعبة في إيدك يا ليديا؟ أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟ لولا إنك بنت أقسم بالله ما كنت هرحمك."
ردت بتحدي:
"أنت اللي بدأت.. يعني لازم تحاسب نفسك أنت."
كاد أن يرد عليها لولا سمع صوت جرس الباب يرن. فرمقها بنظرات حادة قبل أن يترك ذراعها ويتجه ليفتح الباب. فيجد عليا أمامه.
كاد أن يغلق الباب في وجهها. فهو لا يطيق رؤيتها خاصة بعدما حدث. لكنه استوعب أخيرًا ما كان يريد فعله وحمد ربه أنه تراجع عنه.
اقتربت عليا منه وضمته وهي تقول بسعادة:
"وحشتني، قلت أجي أشوفك." ثم أكملت بحزن وهي تبتعد قليلًا عنه:
"كده برضه يعني أكلمك يومين ومتردش عليا."
رد أدهم بجمود:
"ده العادي. أمال عايزاني أعمل إيه بعد كلامك السخيف اللي قلتيه؟"
قالت عليا بحرج:
"سوري حبيبي.. بجد مكنتش أقصد. أنا آسفة."
هز رأسه بعدم اكتراث. بينما اتجهت هي نحو ليديا ترمقها بنظرات مغتاظة قبل أن ترسم على شفتيها ابتسامة مصطنعة وهي تقول:
"إزيك يا ليديا؟"
ابتسمت ليديا وقالت:
"كويسة.. انتي إزيك؟"
ردت عليا:
"بخير."
تقدمت فريال نحو عليا ورحبت بها. بينما أدهم يطالعهم بلا مبالاة. قبل أن تلمع في عينيه فكرة ظن أنه من خلالها سوف يغيظ ليديا. اقترب أدهم من عليا واحتضنها من الخلف قائلًا بحب مصطنع:
"طبعًا إنتي هتتعشي معانا صح؟"
ابتسمت عليا بسعادة وقالت:
"تمام."
قالت فريال وهي ترمق ليديا بطرف عينيها:
"طب ما تاخدها وتتعشوا بره لوحدكم."
قال أدهم بسرعة ورفض متجاهلًا نظرات عليا المتلهفة لسماع موافقته على اقتراح فريال:
"لا خلينا معاكم.. أنا حابب نتعشى كلنا سوا."
ثم شدد من احتضان عليا وقال:
"متعرفيش إنتي واحشاني قد إيه. بجد آسف إني انشغلت عنك."
كان يتحدث بنبرة ناعمة جعلت عليا تطير من فرط سعادتها. فطوال حياته لم يتحدث أدهم معها بهذه الطريقة. بينما أدهم كان يراقب ليديا بطرف عينيه ليجدها أنها تتأمله بشكل عادي ولا يبدو عليها أنها تضايقت أو حتى تأثرت بما يحدث.
في تلك اللحظة وبذكائه تأكد أدهم أن ليديا لا تحمل أي شعور خاص تجاهه. فنظراتها وابتسامتها تؤكد ذلك. وهو ذكي بما فيه الكفاية لينتبه إلى أي اهتمام أو ضيق منها لو وجد. تملكه شعور فظيع من الإحباط مما وصل إليه وتمنى لو أنه لم يفعل ما فعل واقترب من عليا وتصرف معها هكذا. كان لديه أمل أن يشعر بضيق ليديا أو انزعاجها مما يفعله. أمل يجعله يشعر بأنها تبادله ولو جزءًا صغيرًا من مشاعره. لكن كل هذا تبخر وحل محله الألم والضياع وشعور فظيع وطاغٍ استولى على قلبه بأن الفتاة الوحيدة التي سرقت قلبه وسحرته وجعلته مدله بها لا تفكر به من الأساس.
رواية عروس من باريس الفصل التاسع 9 - بقلم سارة علي
ودع أدهم عليا وهو يلعن نفسه لأنه طلب منها البقاء على العشاء. فهو اضطر لأن يتحمل أفعالها السخيفة ومحاولاتها لجذب انتباهه بكل الطرق، مما جعله يشعر بالاختناق. وما زاد وغطى عليه هو عدم اهتمام ليديا بكل هذا، حيث كانت مندمجة بالضحك والحديث مع حسام ومصطفى.
كاد أن يلعن ليديا التي أوصلته بكل هذا وجعلته يعيش هذا الشعور المؤلم الذي لم يشعر به طوال سنوات عمره الخمسة وثلاثين. لكنه لم يستطع فعل ذلك، فهو يحبها لدرجة تجعله عاجزًا عن لعنها أو ضربها.
أخذ يسأل نفسه متى وكيف أحبها. هو لم يعرفها إلا منذ أيام قليلة، ولم يجمعه بها سوى أحاديث مختصرة. صحيح أنه قضى أغلب الأيام المنصرمة يراقبها بشغف دون أن تنتبه ويفكر بها طوال الوقت، حتى أنه كان ينتظر انتهاء عمله بسرعة كي يعود ويراها. عمله الذي كان يعشقه بجنون ولا يمل منه أبداً، أما الآن فبات يشعر بالاختناق منه والضيق كونه يبعده عن ليديا.
شعور الغضب سيطر عليه بسبب ما وصل إليه. لقد أصبحت ليديا كل شيء بالنسبة له. أخذ يلعن نفسه لأنه سمح لمشاعره أن تنساق ورائها وقلبه أن ينجذب إليها. هو الذي لم يهتم يوماً بالحب، حتى أن علاقاته النسائية كانت محدودة. يقع في فخ فتاة فرنسية تعرف عليها منذ أقل من شهر.
والأدهى أنه لا يحبها فقط، بل بات مجنوناً بها. يكفي غيرته عليها التي تجعله يرغب في إخفائها عن العالم بأكمله. يشعر أنه تخطى مرحلة الحب منذ زمن، بل ومرحلة العشق أيضاً، ووصل إلى أعلى مرحلة وهي الهيام.
تطلع إلى السماء بنجومها اللامعة وعاد يسأل نفسه: لماذا أحبها دوناً عن الجميع؟ وكيف أحبها بهذه السرعة؟ حتى وهو لا يعرف سوى أشياء بسيطة عنها. ابتسم بسخرية وهو يتأكد من كونه أحبها منذ أول لحظة رآها فيها، بل منذ أن تأمل شعرها وصوتها الرقيق. منذ أن خفق قلبه بعنف وهي تستدير نحوه بوجهها البريء الناعم.
في تلك اللحظة، كاد قلبه أن يتوقف وشعر بنبضة قوية للغاية تخترق حصونه وهو ينتظر منها أن تلتفت، وكأن حياته وموته مرتبطان بإلتفاتها نحوه. هو وقع في غرامها منذ ذلك الحين، ويوم على يوم كان يعشقها أكثر.
الآن فهم معنى الحب من النظرة الأولى الذي كان يسمع عنه في الأفلام، والتي كان لا يحب أن يتابعها أصلاً، إضافة إلى أحاديث البعض عن الحب من النظرة الأولى والذي كان يسخر منها. فهو مقتنع تماماً أنه من المستحيل أن تحب شخص من نظرة واحدة. كان يرى أن الحب، والذي لم يكن مكترثاً به من الأساس، يجب أن يأتي بعد معرفة طويلة وليس من أول مرة ترى بها الشخص. لكن للأسف، تبين أن جميع ما قاله كان خطأ، وأن جميع من سخر منهم عايش هو شيئاً مطابقاً لما عايشوه.
ابتسم بألم وهو يتذكر محاولاته الأيام السابقة لإقناع نفسه أنه لا يحب ليديا بحق، وأن ما يمر به مجرد نزوة وإعجاب بجمالها الأوروبي. بالرغم من كونه يدرك جيدا أنه لم يحب يوما الفتيات الشقراوات، وأنه دائما يفضل السمراوات أو على الأقل ذوات الشعر الغامق. أما الشقراوات فلم يكن يحبهن أبداً ولا يميل إليهن نهائياً.
تذكر زميلته الشقراء في الجامعة، والتي كان جميع الشباب يتمنون نظرة واحدة منها، بينما هي أغرمت به وباتت تحاول جذب انتباهه ليصدها بسرعة. ما زال يتذكر جمالها الخارق والذي لا يقارن بجمال ليديا، فتلك الفتاة أجمل من ليديا بمراحل. تذكر سخرية زملائه منه لأنه يرفضها، وسخريتهم التي ازدادت حينما أخبرهم ببساطة أنها جميلة، لكنه لا ينجذب إليها كونها شقراء وهو لا يحب الشقراوات اطلاقا.
ابتسم بسخرية وهو يتذكر أنه أصر على أن ليديا مجرد نزوة وأنه فقط معجب بجمالها، مع العلم أنه يدرك أن ليديا ليست خارقة الجمال، بل أنها عادية للغاية. فقط ما يميزها بياضها الناصع وشعرها الأشقر وعينيها الزرقاء. أما لو جئنا إلى الواقع، فهي متوسطة الجمال مقارنة بزميلته تلك، أو النساء اللاتي مررن بحياته، أو حتى نساء أوروبا الجميلات. حتى عليا خطيبته أجمل من ليديا بمراحل، فهي جميلة للغاية بشكل يجعل جميع الرجال ينجذبون إليها. أما ليديا، اندهش الجميع بها فقط كونها شقراء ذات ملامح أجنبية تختلف عن ملامح فتيات هذه البلاد، خاصة أن الشقار نادر للغاية في جميع البلاد العربية.
إذا، حبه لليديا لا علاقة له بشكلها. ابتسم بحزن، فهو قد تأكد من مشاعره بعد محاولات عديدة منه لإثبات عكس ذلك. وأخذ يقنع نفسه مرارا ويراجع مشاعره محاولا أن يثبت أنه لا يحبها، لكن في كل مرة كان يكتشف العكس. تنهد بحرارة وهو يتجه إلى الداخل، وحيرته تأكله وخوفه مما هو قادم يزداد.
***
دلف أدهم إلى المنزل بخطوات متثاقلة ليجد مصطفى جالسا لوحده في صالة الجلوس يلعب في هاتفه. ما إن شعر مصطفى به حتى تأمل ملامحه الواجمة بحيرة، قبل أن يسأله بعفوية:
"هو انت لسه ملقتش هدوم تلبسها بدل هدومك دي؟!"
لم يهتم أدهم بما قاله للحظات، لكن ما إن كرر كلماته داخل عقله حتى احتدت عيناه. انتبه مصطفى لما قاله أخيرا ولعن نفسه، فهو من كشف نفسه بنفسه.
اقترب أدهم من مصطفى الجالس على أحد الكراسي التي تتوسط صالة الجلوس وجذبه من بلوزته وهو يهتف بغضب:
"هو انت كنت عارف؟!"
قال مصطفى بتوتر وخوف:
"عارف إيه؟! أنا مش فاهم حاجة."
صاح أدهم بغضب مدمر:
"مصطفى.. انت بتضحك على مين؟! انت كشفت نفسك خلاص.. وطبعا تلاقيك انت اللي ساعدتها..؟!"
ابتلع مصطفى ريقه وقال بصوت متقطع:
"انت فاهم غلط..."
قبض أدهم بشكل أكبر على قماش بلوزته وقال بعصبية:
"بتبيع أخوك يلا.. وصلت بيك الوساخة لكده؟!"
قال مصطفى بنبرة مرتجلة:
"والله فاهم غلط."
"أقسم بالله العظيم ورحمة جدك وجدي لو ملقتش كل حاجة حالا وكدبت فحرف واحد لأعمل فيك عمايل وأخليك فرجة الي رايح والي جاي باللي هعمله."
تطلع مصطفى إليه بخوف، فهو يعلم أن أدهم حينما يغضب لا يرى أمامه. فقال:
"أنا كل اللي عملته إني راقبتلها الطريق وهي بتنفذ الخطة. هي اللي خططت لكل حاجة وجابت الهدوم الغريبة دي بعد ما ريهام خدتها لمكان بيبيعوا بيه هدوم مستعملة وكده. وكمان هي اللي دخلت أوضتك وخدت هدومك وبدلتها بالهدوم دي. أنا معملتش حاجة غير إني كنت براقب المكان عشان أضمن محدش يصعد فوق."
قبض أدهم على عنقه وهو يقول:
"بتبيع أخوك يا كلب.. بتبيعني أنا عشان بنت عمك الفرنساوية."
قال مصطفى بصوت متقطع:
"يا أدهم أبوس إيدك هموت."
حرر أدهم رقبته ثم عاد وجذبه من بلوزته وهو يقول بحدة:
"بعتني بكام ياض..؟! اديتك إيه عشان تبيعني بالسهولة دي..؟!"
قال مصطفى بصدق:
"اديتني إيه بس..؟! ده أنا اللي دفعت وخسرت فلوس بسبب الخطة بتاعتها."
"والمفروض إني أصدقك..؟!" قالها أدهم بتهكم.
ليقسم مصطفى له:
"والله العظيم ما خدتش حاجة.. ده أنا اللي دفعت للخدامة عشان متقولش لأمي."
قال أدهم بكره:
"كلب وواطي.. وانت إيه اللي يخليك تعمل كده..؟! تساعدها فحاجة تضرني وانت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه، لا وكمان تدفع فلوس عشانها."
تنحنح مصطفى بحرج وقال بأسف مصطنع:
"يعني بنت وطلبت مني أساعدها، ينفع أسيبها كده لوحدها.. يعني دلوقتي لو شفت بنت فالشارع وطلبت منك مساعدة.. رجولتك تسمحلك إنك تسيبها كده ومتساعدهاش..؟!"
قال أدهم وهو يحرر بلوزته:
"لا راجل فعلاً..."
تنهد مصطفى براحة، لكن سرعان ما وجد أدهم ينقض عليه مرة أخرى وهو يقول:
"تساعدها على حساب أخوك..؟! أخوك اللي تعرفه من 17 سنة.. أخوك ابن أمك وأبوك."
قال مصطفى:
"هو انت هتعرفني عليك دلوقتي..؟!" ثم أكمل بترجّي:
"أقسم بالله أنا اضطريت لده.. أنا مستحيل أأذيك.. بس هي صعبت عليا خصوصاً إنها بنت ووحيدة ومسكينة."
"يا نحنوح.." قالها أدهم بتهكم.
ليخفض مصطفى رأسه بحرج، ثم قال:
"والله يا أدهم أنا اضطريت.. انت تصدق إني أبيعك يعني."
قبض أدهم على ملابسه مرة أخرى وقال:
"ما بعتيني وخلاص عشان الأجنبية.. مطمرتش فيك العشرة يا واطي.. ولا الفلوس اللي كنت بتاخدها مين بعد ما تخلص مصروفك.."
"آسف يا أدهم... بجد آسف."
ابتعد عنه أدهم بنفور، ثم قال بنبرة متوعدة:
"وحياتك لأوريك اللي عمرك ما شفته.. بس استنى عليا وشوف هعمل إيه.. خليك فاكر إن الأيام الجاية هتبقى سودة على دماغك."
قال أدهم كلماته الأخيرة ثم اتجه إلى الطابق العلوي. ليتطلع مصطفى إلى أثره بخوف وهو يفكر بما سوف يفعله به ويلعن نفسه لأنه ساعد ليديا في مخططها.
أفاق من شروده على صوت رنا تقترب منه، ليسألها بضيق:
"خير..؟!"
"فين باقي الفلوس..؟!" سألته رنا بجدية.
ليقول مصطفى ببلاهة:
"فلوس إيه..؟!"
ردت رنا:
"الـ 300 جنيه اللي فضلوا من المبلغ الأصلي اللي اتفقنا عليه."
"امشي يا بنت من هنا.. مش كفاية الـ 200 جنيه،. حقيقي بنت طماعة."
"ماشي يا مصطفى بيه بس متزعلش مني لما أبلغ فريال هانم باللي حصل."
كادت أن تتحرك لولا أنه أوقفها بسرعة ممسكاً بذراعها مترجياً إياها:
"استري عليا الله يخليكي.. كفاية أدهم واللي ناوي يعمله.. أنا هلاقيها منين ولا منين."
ثم قال بتوسل:
"أوعدك هديهملك خلال يومين.. لأنوا حالياً أنا مفلس وآخر فلوس كانت معايا اديتهملك الصبح."
قالت رنا بنبرة عالية:
"أنا مليش دعوة أنا عايزة الباقي."
كمم فمها وهو يقول:
"اخرسي.. هتفضحينا... قلتلك هديكي الباقي.. استني عليا وأنا هحاول أدبر المبلغ بكرة وأديهولك."
شمخت بذقنه عالياً وقالت:
"ماشي.. أما نشوف."
ثم سارت عائدة إلى غرفتها، ليهتف مصطفى:
"واطية وحقيرة يا رنا."
ثم أكمل:
"أدي نتيجة غبائي وتهوري.. أنا كان مالي ومال ليديا... اديني هتمرمط بسببها.. اوف."
***
طرق أدهم باب غرفة ليديا ليسمع صوتها وهي تسمح له بالدخول. نهضت من فوق سريرها ما إن وجدته يتجه لتنظر إليه بترقب، بينما حاول هو أن يسيطر على مشاعره نحوها، فهو يجب أن يحاسبها على فعلتها.
"أظن سكت كتير.. وصبرت.. اديني هدومي من فضلك وكفاية لعب وتفاهة." قالها بصوت رخيم قوي.
لتقول ليديا:
"مش هحاسبك على كلمة تفاهة.. وأنا هديلك هدومك بس طبعاً بعد ما ترجعيلي هدومي."
قال أدهم:
"فعينك.. مفيش حاجة هترجعلك.. أنا مستحيل أخليكي تلبسي اللبس العريان بتاعك... وخدي بالك من هنا ورايح تاخدي بالك من لبسك وتلبسي حاجات طويلة ومستورة."
"وانت مالك فلبسي أصلاً..؟!" سألته بضيق.
ليرد ببساطة:
"أنا قلت اللي عندي.. ولو لقيتك لابسة حاجة مفتوحة أو قصيرة، ورحمة جدي اللي هو جدك واللي عمري محلفت برحمته كذب، لهتشوفي مني حاجات تخليكي تتمني الموت."
تطلعت إليه بنظرات هازئة أغاظته، لكنه تجاهلها وهو يقول:
"ودلوقتي قوليلي فين هدومي..؟!"
قالت ليديا بإصرار:
"مش هنشوف هدومك إلا بعد ما ترجعيلي هدومي."
تطلع إليها أدهم بصمت للحظات جعلتها تشعر بالسعادة، فهو بالتأكيد سوف يعيد لها ملابسها في سبيل أن يأخذ ملابسه. لكن سعادتها تبخرت بعد لحظات حينما وجدته يقول بلا مبالاة:
"تمام براحتك.. بلاش ترجعيهم."
"يعني إيه..؟! انت متنازل عن هدومك..؟!" سأله بعدم تصديق.
ليرد بهدوء:
"آه متنازل.. أساساً أنا من زمان كان نفسي أشتري هدوم جديدة بعد ما أرمي القديم كله."
"انت مجنون.." صاحت بها بعدم تصديق.
ليبتسم وهو يقول:
"وانتي هبلة لو فاكرة إنك هتجبريني أعمل حاجة مش عاوزاها.. متخلقتش لسه اللي تلوي دراع أدهم السيوفي."
كاد أن يخرج من الغرفة، لكنها أمسكته من ذراعه وهي تهتف به بتوسل:
"ارجوك رجعلي هدومي.. طب بلاش الهدوم اللي اشتريتها من هنا.. عاوزة هدومي اللي جبتها معايا من فرنسا.. أنا بحبهم جداً وغاليين عليا بجد وليا ذكريات حلوة معاهم."
رد أدهم بجمود محاولاً عدم التأثر بملامحها المتسولة:
"قلت مش هرجعهم... أنا خلاص اديتهم لناس فقرا محتاجين."
صاحت به:
"إيه..؟! انت تجننت..؟!"
تطلع إليها بلا مبالاة، ليجد الحزن يطغي على ملامحها، قبل أن تهتف بنبرة متألمة:
"أنا عمري مهسامحك.. الهدوم كانت غالية عليا وفيها ريحة ماما..."
"ليديا.." قالها بنبرة مشفقة.
لتقاطعه بصرامة:
"اخرج بره..."
كاد أن يتحدث، لكنها عادت وقاطعته بقوة:
"لو مخرجتش دلوقتي هصرخ بصوت عالي وألم الكل عليك."
زفر أنفاسه واتجه خارجاً من غرفتها، ونظراتها المتألمة تمزق فؤاده.
***
دلف أدهم إلى غرفة حسام بعدما طرق الباب وسمح له حسام بالدخول. تطلع حسام إلى ملامح أخيه الحزينة بتعجب، قبل أن يسأله بقلق:
"مالك يا أدهم..؟! شكلك مش كويس ليه..؟!"
رد أدهم بجدية:
"مليش.. عايز بيجامة منك."
"نعم..؟!" صرخ حسام بها بدهشة.
ليتطلع إليه أدهم بضيق، قبل أن يقول ببرود:
"بقولك عايز بيجامة..."
"بيجاماتك راحوا فين..؟!" سأله حسام وهو ما زال محتفظاً بدهشته.
ليرد أدهم:
"ملكش دعوة.. اديني بيجامة الله يخليك."
نهض حسام من مكانه وقال:
"لما تحكيلي الأول.. منا بحكيلك كل حاجة أهو."
رفع أدهم بصره إلى الأعلى بنفاذ صبر، ثم أخفضه، وأخذ يخبر حسام بجميع ما حدث. أخذ حسام يضحك بقوة، جعلت أدهم يتطلع إليه بغيظ، قبل أن يقول:
"انت بتضحك يا حسام..؟! فرحان بيا..؟!"
واخيراً توقف حسام عن ضحكاته، فقال:
"سوري مقدرتش أضحك.. بس أخوك طلع واطي أوي."
قالها وهو يعاود الضحك حينما يتذكر ما فعله مصطفى. ليردد أدهم بحقد:
"حقير وواطي.. بس استنى وشوف هعمل فيه إيه."
تطلع أدهم إلى حسام الذي كان يحاول أن يخفي ابتسامته، فقال بنفاذ صبر:
"مش هتديني بيجامة بقى."
أومأ حسام برأسه وهو ما زال مبتسماً، ثم اتجه نحو خزانة ملابسه وأخرج إحدى بيجاماته وأعطاها لأخيه، الذي تطلع إليها بدهشة، قبل أن يقول:
"إيه دي..؟!"
رد حسام:
"بيجامة."
قال أدهم بنفور:
"مستعملة.. انت عايزني ألبس حاجة انت لبستها قبل كده..؟!"
رد حسام بتعجب:
"هو أنا عندي جرب.. آه مستعملة.. فيها إيه..؟!"
قال أدهم:
"لا طبعاً.. أنا مستحيل ألبس حاجة مستعملة حتى لو كانت بتاعة أخويا.. اديني بيجامة جديدة..؟!"
"خد البيجامة واطلع بره بدل ما أغير رأيي وأخدها هي كمان." قالها حسام بغيظ من غرور أخيه.
ليتجه أدهم نحو الخزانة تحت أنظار حسام المندهشة. أخذ يقلب البيجامات ليجد حوالي أربع بيجامات جديدة غير مستعملة، انتقى أفضل واحدة منهم.
مسك حسام البيجامة وقال بسرعة:
"كله إلا دي.. دي غالية جداً."
رد أدهم بلا مبالاة:
"عارف.. بس أنا برتاح بالنوع ده من البيجامات."
"نعم ياخويا.. نعم يا حبيبي.. رجعها يلا وخدلك غيرها."
قال حسام بنبرة مستاءة:
"خد أي واحدة غيرها."
"انت ليه محسسني إنها بيجامة حياتك." رد حسام بتهكم.
"اسم الله عاللي مش بيلبس إلا بيجامات معينة وغالية جدا.. تواضع شوية والبس بيجامات عادية زي ما أغلب الناس بيلبسوها."
"أنا خارج." قالها أدهم بملل.
ليجذبه حسام من ذراعه ويقول:
"ورحمة ميتيني منا سايبك.. إلا البيجامة دي.. خد أي واحدة غيرها."
قال أدهم بضيق:
"تصدق إنك واطي زي أخوك الصغير.. بقى بعد كل اللي هعمله عشانك مستخسر فيا حتة بيجامة."
"غالية أوي يا أدهم." قالها حسام بنبرة مستاءة.
ليرد أدهم بمكر:
"أخوك ولا البيجامة."
زفر حسام أنفاسه بضيق، قبل أن يقول:
"أخويا."
احتضنه أدهم، ثم ابتعد وهو يقول:
"أروح ألبسها وأنام بقى عشان تعبت بجد.. تصبح على خير يا غالي."
ثم تحرك خارج الغرفة، تاركاً حسام يندب حظه، فهو من النوع الذي يكون حريصاً للغاية في صرف أمواله وما يشتريه. هو ليس بخيلاً أبداً، لكنه ليس مبذراً للدرجة التي تجعله يشتري ملابس منزلية بأسعار خيالية كما يفعل أدهم. بل أنه يشتري ملابس اعتيادية مثل التي يشتريها أغلب الناس، ما عدا هذه البيجامة التي اشتراها مرة في أثناء خروجه مع صديقه لإحدى المولات، حيث أعجبته وشعر بالحرج من عدم أخذها كي لا يظن صديقه أنه بخيل ويفهمه بشكل خاطئ، فإضطر لأخذها رغم أنها غالية للغاية وسعرها كلفه العديد من الدولارات.
***
في صباح اليوم التالي.
كان أدهم يجلس في مكتبه شارداً يفكر في ليديا وما سيفعله معها. انتفض من مكانه عندما وجد عمه كمال يدلف إليه، فرحب به مسرعاً، ثم عاد جالساً في مكانه، بينما عمه جلس على الكرسي المقابل له وقال:
"هو من إمتى لازم ابن العم يدفع حاجات بنت عمه."
تنحنح أدهم بحرج، وقد فهم أن ليديا أخبرت والدها بدفعه لجميع ما اشترته، بالرغم من أنه طلب منها مسبقاً ألا تخبره بذلك. ابتسم أدهم وقال:
"وفيها إيه يا عمي..؟! ليديا بنت عمي ومفيهاش حاجة لما أدفع ليها فلوس الحاجات اللي اشترتها."
رد كمال بجدية:
"لا طبعاً.. حتى لو كنت ابن عمها مينفعش تدفع ليها حاجة.. أظن أبوها بس اللي يصرف عليها، ولو مات ممكن ساعتها أخوها."
قال أدهم بسرعة:
"بعد الشر عليك يا عمي."
قال كمال بضيق:
"اللي عملته دايقني جداً.. حاسس إني مليش قيمة لدرجة إن ابن أخويا يصرف على بنتي."
قال أدهم بتأنٍ محاولاً تبرير فعلته:
"يا عمي أنا مش قصدي والله... مانت اديتها البطاقة وكان بيها فلوس كتير تكفيها وزيادة.. أنا بس حبيت يعني أرحب بيها على طريقتي."
رمقه كمال بنظرات هادئة، قبل أن يخرج من جيبه شيك وأعطاه لأدهم. لم يأخذ أدهم الشيك منه، بل قال بضيق:
"إيه ده يا عمي..؟!"
رد كمال بهدوء:
"ده شيك بالمبلغ اللي دفعته حسب كلام ليديا، ولو دفعت أكتر من ده قولي."
رد أدهم رافضاً الشيك رفضاً قاطعاً:
"أنا مستحيل آخد الشيك ده.. أنا مدفعتش هدوم ليديا عشان آخدها تاني."
نهض كمال من مكانه وقال بإصرار:
"هتاخد الشيك يعني هتاخده يا أدهم.. محدش هيصرف على بنتي طول ما أنا عايش، وحتى بعد ما أموت هسيبلها اللي يكفيها ويخليها متحتاجش حد، حتى إخوانها."
نهض أدهم من مكانه هو الآخر وقال بدوره:
"آسف يا عمي بس أنا مش هاخده.. أنا دفعت الهدوم وخلاص.. ب
رواية عروس من باريس الفصل العاشر 10 - بقلم سارة علي
دلف كمال مسرعًا إلى منزله، ثم صعد إلى الطابق العلوي حيث غرفته كي يتحدث مع نورا زوجته.
فتح باب غرفته ودلف إلى الداخل ليجد نورا تجلس على كنبتها تقرأ في إحدى الكتب التاريخية كما اعتادت أن تفعل في هذا الوقت من الصباح.
رفعت رأسها نحوه تنظر إليه بدهشة، فهو جاء في منتصف النهار على غير العادة والاختناق والضيق يسيطران على ملامح وجهه.
كان يتأملها بعينين حزينتين مشتاقتين فشعرت بالألم يعتصر قلبها.
تعترف أنها قست عليه كثيرًا الأيام الفائتة وعاقبته على ذنب لم يقترفه وماضٍ انتهى قبل دخولها حياته.
ولأول مرة تشعر بمدى سوئها وحقارة ما فعلته.
كيف طاوعها قلبها أن تفعل بزوجها الحبيب هكذا؟
زوجها الذي لم يحبها فقط بل صانها واحترمها وعاملها بالمعروف طوال سنوات زواجهما التي تعدت الأربعة وعشرين عامًا.
زوجها الذي لم يهتم يومًا للفوارق الطبقية بينهما ولم يشعرها أبدًا بالدونية، بل على العكس تمامًا، دائمًا ما كان سعيدًا بها، يفتخر بجمالها وأخلاقها ودفئها أمام الجميع.
يدللها ويلقي على مسامعها أعذب الكلمات التي ترضي أنوثتها.
لم يهتم يومًا لرأي باقي عائلته بها ولا بزوجات إخوانه اللذين يتطلعون إليها بدونِية كونها أقل منهن، بل كان يتعمد ألا يسمح لهن بأن يضايقنها بكلمة واحدة، مما جعل فريال وجيجي لا تجرؤان على مضايقتها بحرف واحد.
زوجها الذي ساندها ودعمها في حياتها التعليمية والمهنية حتى أكملت الماجستير والدكتوراه وأصبحت أستاذة جامعية، بل وتحمل مسؤولية أولاده طوال فترة دراستها.
كيف استطاعت أن تفعل هذا به؟!
كيف نست كل هذا وتعاملت معه بهذه القسوة بسبب غيرتها العمياء من امرأة لم تعد حية؟!
كمال كان يستحق معاملة أخرى منها.
كان يستحق احتواء وحنانًا لطالما منحته إياه.
كان يستحق منها أن تسانده وتقف بجانبه بعد صدمته بحقيقة وجود فتاة من صلبه حُرم منها بسبب طمع وجشع والده.
نهضت من مكانها وقد استوعبت أخيرًا ما فعلته غيرتها العمياء وحبها الشديد لكمال بها، بل واستوعبت مدى الضرر الذي سببته لزوجها حبيبها ولفتاة لا ذنب لها سوى أنها ولدت لرجل يمتلك عائلة لا تهتم سوى بالمظاهر الخداعة.
اقتربت منه ثم احتضنته بهدوء، بشكل جعله يتصنم للحظات محاولًا استيعاب ما فعلته، فحتى صباح اليوم كانت نورا تتجنبه تمامًا كمرض معدٍ، حتى أنها رفضت أن تنام بجانبه، مما جعله يتخذ الكنبة مكانًا لنومه كي لا يراهما ابناه لأول مرة في وضع كهذا، وهما اللذان وعيا دائمًا على مدى حب وتفاهم والديهما.
ابتسم أخيرًا حينما استوعب أن نورا عادت أخيرًا إلى طبيعتها وعادت تمنحه دفئها الذي افتقده الأيام السابقة.
أغمض عينيه وهو يتنهد بحرارة ويفكر أنه لا يتخيل حياته بدونها، فنورا كانت النور الذي أضاء حياته بعدما فقد رونزا، لتأتي هي بدفئها ورقتها وتسرق قلبه وتجعله يدرك أن الحب لا ينحصر بشخص واحد ولا ينتهي من أول حب فاشل، وأن القلب قادر أن يخفق من جديد بوجود شخص صادق نقي كنورا.
شعر بها تبتعد عنه أخيرًا، فود أن يطلب منها البقاء على وضعها، لكن ابتسامتها الدافئة الرقيقة أسرتْه كالعادة.
" آسفة..."
خرجت منها خجولة خافتة بينما عيناها انخفضتا أرضًا، لتجده يرفع ذقنها عاليًا ويقول بحب:
" لإمتى هفضل أقولك متوطيش راسك أبدًا وتفضلي رافعاه على طول."
أدمعت عيناها من فيض حب وحنان هذا الرجل الذي سامحها ببساطة على جفائها السابق، بل تشك أنه تضايق منها من الأساس.
" مكنش ينفع أعمل كده.. غيرتي عمتني وخلتني أأذيك وأأذي بنت ملهاش ذنب في أي حاجة."
شعر بالراحة تستوطن قلبه حينما ذكرت نورا ليديا بهذا الشكل، فقال وهو يحتضن وجهها بين كفيه:
" بعيدًا عن إني مبسوط بغيرتك دي وحبك ليا... بس أنا متفهم كل ده ومش بلومك.. أنا عارف إن كل ده كان غصب عنك وإنك عمرك ما تقدري تقسي على حد."
" يعني سامحتني...؟!"
قالتها بتردد، ليرد بخفوت:
" مزعلتش منك عشان أسامحك.. بالعكس أنا زعلت من نفسي عشان أذيت مشاعرك بس والله مكنتش أعرف."
قاطعته وهي تضع أناملها على شفتيه:
" متكملش.. أنا عارفة إنك عمرك ما فكرت تأذيني وعارفة إنك والبنت اللي هي بنتك ووالدتها ضحية لعمي الله يرحمه.. أنا مش زعلانة يا كمال وهرجع وأقولك اللي عملته كان بسبب حبي وغيرتي..."
ضمها إليه بقوة وهو يتنهد بحرارة ويحمد الله على زوجته التي منحه ربه إياها.
نورا الشيء الوحيد الجيد الذي حصل عليه من عائلته، لدرجة يشك أحيانًا أنها تحمل دماء عائلة السيوفي.
ابتعد عنها، بينما نظرت هي إلى عينيه وقالت وهي تجذبه بجانبها على الكنبة:
" احكيلي... مالك؟! شكلك بيقول إنك تعبان وفيه حاجة شغلاك."
ابتسم بهدوء، فنورا كالعادة تفهمه من نظرة عينه.
أطلق تنهيدة حارة ثم قال بجدية:
" مصيبة... مصيبة وحلت فوق دماغي ومكنتش حاطط ليها حساب."
ابتلعت نورا ريقها وظهر الخوف جليًا في عينيها وهي تسأله:
" حصل إيه يا كمال..؟!"
" انت قلقتني."
رد كمال شارحًا لها ما حدث قبل ساعة في مكتب ابن أخيه باختصار، حيث ذهابه إليه بعدما أخبرته ليديا بدفعه ثمن جميع مشترياتها.
" قالي عاوز يتجوزها.. اتجننت.. اتمنيت إنوا بيهزر مع إنّي عارف أدهم مش بتاع هزار.. لما شاف الصدمة على وشي اتكلم وياريته ما اتكلم.. قالي إنوا بيحبها.. حبها من أول نظرة وإنوا هيسيب عليا ويخطبها."
تطلعت نورا إليه بذهول وهي تحاول أن تستوعب ما قاله زوجها.
أدهم يترك عليا.. إنه أمر من سابع المستحيلات.
كما أن عليا نفسها لن تسمح له بذلك.
إضافة إلى صدمتها من قرار أدهم وحبه السريع لليديا والغير مفهوم، حتى لو كانت ليديا جميلة فعليًا فائقة الجمال، إضافة إلى كونها مدللة وراقية وخلابة لدرجة تجعل أي رجل يخر صريعًا أمام حسنها وبهائها، وكان واضحًا مدى اقتناع أدهم بها وسعادته بهذا الارتباط.
إذا لماذا غير أدهم رأسه بهذه السرعة؟!
هي تعرف أدهم جيدًا، فهو ليس من النوع العاطفي، كما أنه ليس من الممكن أن يتأثر بجمال تلك الفتاة.
فكرت نورا للحظة أن تكون تلك الفتاة هي من جذبته إليها بعدما أعجبها، لكنها عادت وأزالت هذه الفكرة من رأسها، فأدهم ليس بالرجل الذي يخضع لأي فتاة مهما بلغت درجة مكرها ودهائها.
كما أن من غير المعقول أن تفعل ليديا شيئًا كهذا ولم يمر على وجودها شهر واحد، والأهم من ذلك أن أدهم مرتبط، فلو كانت ليديا وصولية تريد أن تثبت وجودها في عائلة السيوفي، لكان بإمكانها فعل هذا مع حسام، فهو على الأقل غير مرتبط.
تطلعت نورا أخيرًا إلى كمال وقد تأكدت في داخلها من كون ليديا غير مسؤولة عن مشاعر أدهم، واحتمال واحد فقط هي أن تكون ليديا تبادله تلك المشاعر، فهذا شيء معقول كون أدهم شخص وسيم وجذاب للغاية.
" هي بتحبه..؟!"
جاء سؤالها صادمًا، ليهدر كمال بضيق:
" إيه الكلام ده يا نورا..؟! هو ده وقته..؟!"
ردت نورا بجدية:
" مشاعر ليديا مهمة بردوا."
قال بنفاد صبر:
" مشاعر ليديا مش مهمة لإنها مش هتغير حاجة من ده.. أدهم لا كان ولا هيكون ليها.. فيه مليون سبب يمنع ارتباطهم، والأهم من ده إني ما أظنش ليديا بتفكر فيه أصلًا، لإنوا كلام أدهم كان عن نفسه بس، ولو كانت مشاعره متبادلة أكيد كان هيقول ده."
أومأت نورا برأسها، فكمال محق، لو ليديا تبادل أدهم في مشاعره لقال أدهم ذلك بغرور وثقة.
قالت نورا بجدية:
" يبقى تبعد ليديا فورًا عن أدهم وتكلم أدهم تفهمه يبعد عنها.. بس كمال إنت ليه رافض أدهم بالشكل ده..؟! عشان خاطب عليا..؟!"
رد كمال بعقلانية:
" أولًا عشان خاطب، وكمان بنت أخويا.. عليا برنسيسة العيلة.. اللي مستحيل حد هيقبل إنوا أدهم يسيبها وكلهم ساعتها هيفتحوا النار عليه ومش هيرحموه، والأهم من ده كله إنوا محدش هيرحم بنتي، وساعتها هيعتبروها خطافة الرجال اللي غدرت ببنت عمها ولعبت على أدهم وكأنه عيل صغير.. ولعلمك حتى لو أدهم مكانش خاطب عليا ولا غيرها، ما كنتش هوافق، لإنوا محدش هيوافق على ارتباطها بأدهم بإعتبار إنوا أدهم كبير العيلة ويستحق واحدة شبهه مش ليديا اللي نصها فرنساوي وعاشت حياة بسيطة طول عمرها."
كانت نورا تدرك أن كمال معه كل الحق، فكون ليديا ابنة كمال لن يشفع لها ويجعل أحد يتقبلها، فهي بالنسبة لهم فتاة بسيطة عاشت حياة متواضعة لا ترقى لحياة عائلة السيوفي الأرستقراطية.
نظرت نورا لكمال وقالت بحزم:
" يبقى مستني إيه..؟! ابعد عن الشر وغنيله.. هات ليديا بسرعة وابعدها عن بيت العيلة."
قال كمال بفرحة:
" يعني موافقة إنها تعيش هنا..؟!"
ابتسمت نورا بهدوء وقالت:
" ده بيتك يا كمال يعني بيت أبوها وليها فيه زي ما أنا وولادي لينا بيه."
قال كمال بجدية:
" عارف كل ده يا نورا، بس بردوا موافقتك مهمة، أنا عاوزك دائمًا مرتاحة."
ربتت نورا على كتفه وقالت:
" قوم هاتها يا كمال.. وأنا هكون مرتاحة لما تعيش هنا جمبك."
طبع كمال قبلة على جبينها ثم نهض من مكانه متجهًا بسرعة إلى بيت العائلة ليجلب ليديا معه.
***
جلست ليديا بجانب كمال الذي أخذ يقود سيارته وهو يبتسم بسعادة.
لم تستوعب بعد ما حدث سوى أنه جاء وهو يسأل عنها، وكم ظهرت الراحة على وجهه بوضوح حينما علم أنه لا يوجد أحد سواها وهي ووالدته في المنزل، ليطلب منها أن تلملم أغراضها بسرعة حيث ستأتي معه إلى منزله.
فكرت أن ترفض للحظات، فهي تدرك أن زوجته رافضة لوجودها حتى لو أخفى الجميع عنها ذلك.
لكنها تراجعت عن رفضها وهي تفكر أن هذا سيجعلها بعيدة عن أدهم وتحكماته المملة، وإذا وجدت استقبالًا سيئًا من زوجة والدها كما تتوقع، ستمكث حينها في غرفتها ولا تتعامل معها، فهي بكل الأحوال ستترك هذه البلاد قريبًا وتعود إلى موطنها الأصلي فرنسا، فهي اشتاقت لحياتها القديمة هناك وتريد العودة بأسرع وقت، لذا ستنتظر أيامًا معدودة وتخبر والدها برغبتها تلك على وعد أن تزوره باستمرار.
عادت تتأمل والدها السعيد والمرتاح بشكل غريب، بينما كان كمال يفكر أن الجزء الأول مما يريده قد تم بنجاح، فهو استطاع إقناع والدته بضرورة عيش ليديا في منزله، فهو والدها وأحق بها، وهذه فرصة كي تتعرف على أخويها ونورا.
اقتنعت والدته أخيرًا بعد عدة محاولات، ليتنهد كمال براحة وهو يفكر أن ليديا أخيرًا ستبتعد عن محيط أدهم وتصبح معه وتحت أنظاره.
أوقف سيارته أمام باب الفيلا خاصته ليهبط من مكانه وتهبط ليديا بدورها من مكانها وهي تتأمل الفيلا بإعجاب.
كانت جميلة وراقية ذات تصميم هندسي جذاب.
شعرت بيد والدها تقبض على يدها وهو يجرها معه إلى الداخل، فدب التوتر لا إراديًا داخلها مما ينتظرها.
فتحت الخادمة الباب لتلج إلى الداخل فتجد يوسف ومراد ومعهما امرأة تبدو صغيرة نوعًا ما في الأربعينات من عمرها ذات ملامح جذابة وناعمة للغاية تطالعها بنظرات هادئة حانية استغربتها.
كان مراد أول المرحبين وهو يجذبها نحوه ويضمها قائلًا بمرح:
" وأخيرًا يا ليدي.. نورتي بيتك يا مزة."
تنحنحت ليديا بحرج وهي تبتعد عنه وتبتسم له بخجل، بينما ترددت بخفوت دون أن تفهم حرفًا واحدًا من كلام مراد:
" ميرسي."
تقدم يوسف نحوها مرحبًا بها، ضامًا إياها بأخوية خالصة قائلًا:
" نورتي بيتك يا ليديا."
ابتسمت ليديا بحب خاص وشعور الأمان بجانب هذا الشاب الذي يصغرها بحوالي عام يسيطر عليها.
اتجهت بأنظارها الحذرة نحو نورا التي تقدمت نحوها وهي تبتسم بحنو وتقول:
" ازيك يا ليديا... أنا نورا يا حبيبتي مامت يوسف ومراد... نورتي بيتك."
ابتسمت ليديا بحذر، رغم شعورها بطيبة المرأة، إلا أنها قررت ألا تنخدع بهذه الابتسامة، فربما هي تفعل هذا فقط أمام زوجها وابنيها.
" ميرسي."
قال كمال بتساؤل:
" جهزتوا أوضة ليديا..؟!"
ردت نورا بجدية:
" آه جهزت ليها الأوضة الكبيرة اللي جمب أوضة يوسف."
أشار كمال لليديا قائلًا:
" حبيبتي تحبي ترتاحي فوق قبل الغدا..؟!"
قالت ليديا:
" ياريت أنا محتاجة أنام فترة طويلة... وكمان مش عاوزة أكل لاني فطرت من حوالي ساعة."
قالت نورا بهدوء:
" روحي يا حبيبتي ارتاحي فوق... ولما تفوقي هتلاقي الأكل موجود."
ثم نادت على الخادمة، والتي جاءت على الفور تطلب من ليديا أن تتبعها كي توصلها إلى غرفتها، بينما جاء الحارس وهو يحمل حقيبة ليديا الصغيرة ويتبع بها الخادمة نحو غرفة ليديا.
***
دلف أدهم إلى مكتب حسام، والذي تفاجأ بوجود أخيه أمامه في مكتبه في هذا الوقت.
جلس أدهم على الكرسي الجانبي لمكتب أخيه دون أن يلقي السلام، ليطالعه حسام بتعجب، وقبل أن يتحدث وجد أدهم يقول:
" أنا قلت لعمي كمال إني بحب ليديا وعاوز أتوزجها."
جحظت عينا حسام وهو يستمع لما يقوله أخيه الكبير، ليقول أخيرًا بعد صمت استمر للحظات:
" إنت اتجننت ولا إيه..؟! أدهم إنت واعي للي عملته..؟!"
قال أدهم بهدوء غريب:
" مش عارف.. كل اللي عارفه ومتأكد منه إني بحبها.. بحبها جدًا."
" والعيلة..؟! وعليا..؟! والناس..؟! والشركات اللي هتضيع من إيدك..؟! وعيلتك اللي هيتبروا منك..؟! والورث اللي هيحرموك منه..؟!"
تطلع أدهم إليه بحيرة، ليقول حسام بجدية:
" الكلام ده إنت تنساه واحمد ربنا إن عمك كمال عاقل ومستحيل يقول الكلام ده قدام حد ويفضحك."
قال أدهم بخفوت:
" وحبي لليديا..؟! هنساه بردوا..؟!"
قال حسام بنبرة قاطعة:
" لازم تنساه.. مفيش حل تاني قدامك."
منحه أدهم ابتسامة متهكمة، فهم حسام مغزاها، ليهتف بجدية:
" متقارنش نفسك بيا.. أنا غير عنك.. لا طموحي شبه طموحك ولا تفكيري شبه تفكيرك، غير اختلاف الشخصيات الكبير ما بينا.. أنا ممكن أبعد عن العيلة.. ممكن أسيب القصر والخدم والعز.. أنا كفاية عليا أعيش حياة بسيطة مع البنت اللي بحبها وبرتاح معاها.. إنما إنت لأ.. مش هتقدر تتخلى عن كل حاجة حتى لو حبك لليديا كان حقيقي.. دي شخصيتك يا أدهم.. متخليش مشاعر الحب الأول تسيطر عليك لدرجة تخليك تتصرف بدون وعي وبعدين ترجع تندم."
نظر أدهم إليه بقلة حيلة، فيشعر حسام بالشفقة لأجل أخيه، وتمنى في تلك اللحظة لو كان أخيه مثله لا يهتم لأي شيء سوى راحة باله وسعادته، لكنه يعرف أدهم أكثر من أي شخص ومتأكد من كونه آخر من يخسر مكانته ومركزه في سبيل مشاعره تلك.
قال بجدية:
" خلينا نروح البيت.. أنا تعبت من الشغل وإنت بردوا محتاج ترتاح شوية."
نظر أدهم إليه بصمت وهو يشعر برغبة قوية بالنوم.. النوم فقط لا غير.
أومأ برأسه وهو ينهض من مكانه، ليحمل حسام مفاتيح سيارته وهاتفه ومحفظته معه ويتجه خلفه.
خرج الاثنان من مكتب حسام الهندسي واتجهوا إلى المنزل.
هبطا من سيارتهما ودلفا إلى الداخل ليجدا المنزل هادئًا ومصطفى يجلس على إحدى الكنبات ينظر أمامه بحزن.
اقترب حسام منه متطلعًا إلى ملامح أخيه الحزينة بحيرة قبل أن يهتف بجدية، بينما أدهم ينظر أمامه بلهفة منتظر نزول ليديا في أي لحظة، فرغبته في رؤيتها بتلك اللحظة تغلبت على كل شيء.
" مالك يا مصطفى..؟! قاعد زي الأرامل ليه..؟!"
" راحت."
قالها مصطفى بحزن، ليتطلع إليه حسام بحيرة وهو يسأله، بينما أدهم شارد بملكوته الخاص:
" مين اللي راحت..؟!"
رد مصطفى:
" المزة راحت.. الحتة الطرية راحت خلاص والجو هيرجع خنقة."
جذبه حسام من ياقة قميصه وقال بنفاد صبر:
" متتنيل يلا وتقول مين اللي راحت."
انتبه أدهم أخيرًا إلى حسام وشعر بنبضات قلبه ترتفع كليًا، ليجيب مصطفى:
" ليديا.. راحت مع عمو كمال وهتعيش هناك فبيته."
حرره حسام بصدمة، بينما اتسعت عينا أدهم بعدم تصديق قبل أن يهتف بغضب:
" يعني إيه راحت..؟! كده فجأة من غير ما حد يعرف.. فين بابا..؟!"
هم بالاتجاه نحو غرفة مكتب والده، ليجذبه حسام نحوه بصدمة ويجره خلفه نحو الطابق العلوي، فهذا الغبي سوف يفضح نفسه لا محالة وعليه تهدئته وإعادته إلى وعيه.
رواية عروس من باريس الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة علي
مساءً.
هبط أدهم من الطابق العلوي متجهاً إلى الباب الداخلي للقصر، فهو يرغب في الخروج من المنزل والتوجه إلى أي مكان في الخارج يستنشق القليل من الهواء، فشعور الاختناق يسيطر عليه.
وجد والدته تنادي عليه وهي تسأله بقلق:
"مالك يا أدهم؟ طول اليوم أنت فوق. فيك حاجة؟ أنت كويس يا حبيبي؟"
نظر أدهم إليها بنظرات تائهة وهو حائر فيما يقوله. هل يخبرها أنه يشعر بالاختناق الشديد منذ رحيلها؟ يشعر أن البيت يضيق عليه لدرجةٍ تجعله غير قادر على التنفس بمجرد رحيلها منه.
رد بهدوء:
"تعبان شوية. تعب من الشغل مش أكتر. متقلقيش."
ردت فريال بجدية:
"قلتلك مية مرة بلاش ترهق نفسك. أنت بتتعب بقالك سنين في الشركات وكأنك المستفيد الوحيد. أدهم متنساش إنك عريس ولازم تكون بكامل صحتك."
"عريس وكامل صحتي؟!"
قالها أدهم بدهشة، لترد فريال بخبث:
"آه يا حبيبي، فرحك كمان شهر وأسبوعين ولازم تستعد ليه."
قال أدهم بعدم تصديق:
"شهر وأسبوعين! مين قال كده؟"
ردت فريال بضيق:
"ده قراري النهائي وقرار والدك. الخطبة طولت زيادة عن اللزوم ولازم الفرح يتم في المعاد ده."
رد أدهم بعناد:
"وأنا مش عاوز الفرح يتم في المعاد ده، والأهم إنوا مش هيتم أصلًا."
جحظت عينا فريال وهي تهتف بعدم تصديق:
"يعني إيه مش هيتم؟!"
رد بهدوء:
"يعني أنا هفسخ خطوبتي من عليا."
"إيه؟!"
صرخت فريال بلا وعي، قبل أن تهتف بصوت عالٍ خرج سليم على إثره من مكتبه، وكذلك جميلة من غرفتها، وهبط حسام ومصطفى في نفس الوقت من الطابق العلوي، بينما الخدم يراقبون ما يحدث من بعيد.
"الحقني يا سليم، تعال شوف مصيبة ابنك."
زفر أدهم أنفاسه بضيق وهو يفكر بأن والدته لم تنتظر لحظة واحدة كي تفضحه.
قلب بصره بين الجميع بملل وهو يستمع لوالدته تخبر والده ما قاله، والذي قال بعصبية:
"يعني إيه الكلام ده؟ أنت اتجننت؟ خطوبة مين اللي تفسخها؟"
رد أدهم ببرود:
"خطوبتي من عليا."
لطمت جميلة على صدرها، بينما أخذ حسام يلعن أدهم في سره فهو استعجل فيما قاله.
رد سليم بقوة:
"ده مستحيل. أنت هتتجوز عليا في المعاد اللي حددته. إياك تفكر في الكلام ده تاني حتى مع نفسك."
هم سليم بالتوجه عائدًا نحو مكتبه، ليقف على صوت أدهم الحاد الصارم:
"أنا خدت قراري خلاص وهروح حالًا لعليا وأبلغها بفسخ خطوبتي."
عاد سليم متقدمًا نحوه، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبه من قميصه ويهتف بحدة:
"جرب تعملها وساعتها هقتلك بإيديا دول."
قفز حسام باعدًا أدهم عن أبيه، بينما صرخت فريال بخوف. ليجذب حسام خلفه ويدفعه بالقوة أمامه متجهًا به نحو غرفته.
دفع حسام أخاه إلى الداخل وهو يهتف بغضب:
"انت اتجننت؟! أنا قلتلك إيه الصبح؟ أنا مش حذرتك، ليه بتعمل كده؟"
رد أدهم بصوت غاضب عالٍ:
"أنا حر وعمري ما سمحت لحد يتحكم بيا ومش هسمح دلوقتي."
صاح حسام بنفس الغضب والعلو:
"انت ليه مش قادر تستوعب اللي هيحصل لو نفذت اللي فدماغك؟ أنت هتخسر كل حاجة. أنت واعي لده يا أدهم؟ فكر كويس قبل أي كلام يخرج منك. هو مش جنان خلاص."
التزم أدهم الصمت للحظات تحت أنظار حسام الغاضبة، ليهتف بخفوت:
"اتخنقت. مش قادر أكمل. تعبت وأنا بمثل إني كويس ومستريح. كل حاجة خنقاني. حتى الشغل اللي كان متعتي بقيت مش طايقه."
ثم أشار إلى خاتم خطبته الذي يطوق إصبعه:
"الخاتم ده خنقني. مبقتش طايقه."
ثم خلع ورماه على الأرض، ليتطلع إلى حسام بشفقة قبل أن يتنهد وهو يقول مفكرًا أن أخاه قد أصابته لعنة العشق التي تطيح بأقوى الرجال وأعتاهم:
"أنا معاك يا أدهم. بس بلاش تستعجل. راجع نفسك كويس وأكتر من مرة. إذا كنت أنا نفسي راجعت نفسي كويس أكتر من مرة لحد ما اتأكدت من قراري وإني مش هرجع عنه ولا هندم عليه."
التزم حسام الصمت للحظات متأملًا ملامح أخيه الجامدة، ليقول أخيرًا بعد تفكير وعيناه تلمعان بقوة:
"أدهم ليه متاخدش ريست؟ تهرب من هنا. تروح مكان بعيد لوحدك. تفكر كويس. تعيد حساباتك. تتأكد من مشاعرك أولًا ومن اللي أنت عايزه ثانيًا. تاخد قرارك بهدوء ومن غير أي ضغط. من غير تدخل. راجع نفسك مرة واتنين وعشرة. احسبها من جميع النواحي. ولما تاخد قرارك النهائي هتحس براحة كبيرة."
نظر أدهم إليه وهو يشعر بمدى صحة كلام أخيه الأصغر. هو بالفعل بحاجة لأن ينعزل عن الجميع ويعيد حساباته بنفسه. يدرس الأمور من جميع النواحي. يفكر في خسائره إذا ما أصر على قراره بترك عليا والارتباط بليديا.
قال أخيرًا بعد صمت استمر لدقائق:
"انت صح. أنا هسافر. هبعد وآخد ريست طويل. أسبوع أو عشر أيام على الأقل أو حتى أسبوعين. هسيب كل حاجة وأفكر بنفسي وباللي أنا عاوزه ومحتاج أعمله. أنا مش لازم أستعجل. وبنفس الوقت لازم أقرر مصيري بأقرب وقت قبل ما أتدبس في حاجة أنا مش عايزها."
تنهد حسام براحة وهو يربت على كتفه هاتفا:
"دلوقتي بقيت بتفكر صح."
قال أدهم بجدية:
"أنا هجهز شنطة هدومي وهسافر الفجر للشاليه بتاعي في الغردقة. هغلق تليفوني ومش هفتحه نهائي ولا هتواصل مع أي حد هناك. بكرة الصبح بلغهم بده وافهمهم إني محتاج أبعد من غير ما تقولهم على مكاني. طمنهم بس إني بخير وهرجع لما أحس نفسي قادر أرجع كويس من تاني. قولهم إني بلغتك ده برسالة الفجر وأنا هبعتلك رسالة فعلًا بنفس الوقت بكلام مختصر."
أومأ حسام برأسه وهو يحتضن أدهم قائلًا:
"خلي بالك من نفسك. كان نفسي أقولك طمني عليك كل يوم ولو برسالة بس أنا عارف إنه الأفضل ليك تنعزل تمامًا عننا. فكر كويس ومترجعش إلا وأنت واخد قرارك النهائي ومتأكد منه."
ابتسم أدهم وهو يربت على كتف أخيه ثم ودعه وخرج من غرفته عازمًا على تجهيز حقيبة سفره كي يخرج فجرًا دون علم الجميع، راجيًا أن تساعده هذه الرحلة في اتخاذ القرار الذي سيريحُه ويسعدُه حتى آخر العمر.
رواية عروس من باريس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة علي
جلست عليا أمام فريال وهي تنظر إليها بضيق خفي، بينما فريال تبتسم بتصنع وهي تلعن ابنها على فعلته المتهورة.
تحدثت عليا أخيرًا بصوت هادئ: "يعني أدهم يسافر كده من غير ما يقولي أو يودعني حتى؟ ينفع كده يا طنط؟"
قالت فريال بهدوء وتروٍّ: "معلش يا حبيبتي، كل حاجة حصلت فجأة. هو كان تعبان شوية ومحتاج يريح، فقرر يسافر كام يوم يجدد فيها نشاطه."
نظرت عليا إليها بشك وقالت: "كام يوم يجدد فيها نشاطه؟ وده إيه علاقته بإنّه يقفل فونه ومعرفش حد مكانه؟"
قالت فريال مبررة تصرفات ابنها غير المنطقية: "حابب يريح دماغه، عايز يكون لوحده. اعذريه يا عليا، أدهم تعب أوي الفترة اللي فاتت وبذل مجهود كبير في الشغل."
قالت عليا بعدم اقتناع: "طول عمره بيتعب في الشغل وعلى قلبه أحلى من العسل. إيه اللي اتغير دلوقتي؟"
صمتت فريال ولم تعرف بماذا ترد، بينما سألتها عليا بتوجس: "فيه حاجة أنا معرفهاش يا طنط؟"
تنهدت فريال وهي تبتسم وترد بجدية: "مفيش أي حاجة يا حبيبتي، اطمني."
ثم أضافت بلهجة مرحبة: "طبعًا النهاردة هتتغدي معانا."
قاطعتها عليا بجدية وهي تنهض من مكانها: "للأسف مش هقدر، وعدت صديقة ليا إني أتغدى معاها."
أومأت فريال برأسها متفهمة وقالت: "زي ما تحبي يا حبيبتي."
ابتسمت عليا بتصنع وهي تودع فريال وتتجه خارج القصر.
لتأتي بعد لحظات نور وطفليها، والتي استقبلتها فريال بترحيب رغم الضيق الواضح على محياها. فسألتها نور بقلق عما حدث، لتشرح لها فريال بإختصار تصرفات أدهم الأخيرة وسفره المفاجئ دون أن يخبر أحد عن مكان سفره أو موعد عودته حتى.
تطلعت نور إليها بصمت، بينما القلق ينهشها من الداخل. وقد تأكدت بحدسها أن أدهم وقع في الغرام المحظور. حاولت أن تطمئن والدتها وأن تخفي عنها ما تفكر به كي لا تلاحظ والدتها أو تشك بأي شيء وتقوم بإستجوابها، وهي بالتأكيد لن تفضح سر أخيها مهما حدث.
***
دَلفت ليديا إلى المنزل وهي تحمل عدة أكياس تحوي في داخلها العديد من الملابس التي اقتنتها بمساعدة ريهام، التي جاءتها منذ الصباح الباكر وذهبت معها كي تشتري الكثير من الملابس لها بدل تلك التي سرقها أدهم.
سارت ليديا إلى الأمام لتجد نور أمامها، فقالت بهدوء: "صباح الخير."
أجابتها نور وهي تبتسم: "صباح النور."
ثم سألتها: "إنتي كنتي بتعملي شوبينج؟"
أومأت ليديا برأسها وقالت بحرج: "أصل معنديش هدوم جديدة فحبيت أشتري حاجات مناسبة للجو هنا."
قالت نور بجدية: "خير ما عملتي، لازم تشتري هدوم كتيرة. صحيح هدوم هنا قد ما كانت جميلة مش هتبقى زي هدوم باريس، بس بردوا عندنا حاجات جميلة ومختلفة."
قالت ليديا بجدية: "بالعكس، الهدوم هنا حلوة أوي وعجبتني."
قالت نور: "هايل، روحي رتبي هدومك في الخزانة فوق وانزلي اشربي قهوة معايا، ولا إنتي بتحبي حاجة غير القهوة؟"
تنهنت ليديا بحرج وقالت: "لا بحب القهوة، هروح أرتب هدومي فوق وأنزل."
أومأت نور برأسها متفهمة، بينما ارتقَت ليديا درجات السلم متجهة إلى الطابق العلوي وهي تفكر في تصرفات نور وتحاول تحليلها بالشكل الصحيح.
بعد مدة قصيرة نزلت ليديا وهي ترتدي بنطال جينز طويل فوقه تي شيرت أخضر ذو أكمام قصيرة. وجدت صالة الجلوس فارغة فجلست عليها وهي تنتظر أن تأتي نور، والتي جاءت بالفعل بعد لحظات وهي تحمل صينية تحوي فنجانين من القهوة.
وضعت نور الصينية أمام ليديا على الطاولة ثم جلست على الكرسي المقابل لها وحملت فنجانها وأخذت ترتشف منه القليل، وفعلت ليديا المثل لتتفاجئ بروعة طعم تلك القهوة.
سألت ليديا نور وهي تتلذذ بطعم القهوة: "حضرتك اللي عملتي القهوة دي؟ ولا واحدة من الشغالات؟"
ابتسمت نور وقالت: "أنا اللي عملتها يا حبيبتي."
قالت ليديا بإعجاب حقيقي: "روعة بجد، أنا عمري ما دُقت قهوة بالطعم ده، حتى في بيت عمي القهوة مكانتش لذيذة كده."
قالت نور بجدية: "بالهنا والشفا. أنا عندي طريقة خاصة بعمل فيها القهوة عشان تبقى بالطعم ده. لو تحبي ممكن أعملهالك؟"
قالت ليديا بحماس: "ياريت، أحب طبعًا ولو إني أشك إنّي هعملها لذيذة أوي كده."
ابتسمت نور وهي تعاود ارتشاف القهوة من فنجانها، وفعلت ليديا المثل، وقد بدأ شعور الراحة يتسلل قليلًا داخلها نحو نور. فهي بدت لها هادئة ولطيفة في تعاملها، كما أن نظراتها حنونة ونبرتها رقيقة.
انتهت ليديا من فنجانها بتلذذ لتجد نور تقول بعد لحظات: "تحبي تشربي واحد تاني؟"
ابتسمت ليديا وهي تهز رأسها بحرج لتقول نور وهي تحمل الصينية بعدما وضعت الفناجين داخلها: "إيه رأيك تشربيها في المطبخ وأنا بجهز الغدا."
"أوك." قالتها ليديا بسلاسة وهي تتبع نور متجهة نحو المطبخ.
دَلفت ليديا إلى المطبخ تتبع نور التي قامت بوضع دلة القهوة على الطباخ ثم بدأت في تجهيز طعام الغداء. ما إن بدأت القهوة بالغليان حتى حملت الدلة وصبت لليديا منها في الفنجان وأعطته لها، بينما عادت هي تكمل عملها لتسألها ليديا بتعجب: "هو ليه إنتي اللي بتعملي الغدا مش الخدم؟"
التفتت نور إليها وهي تهتف بجدية: "عشان أنا بحب أطبخ الأكل بنفسي لعيلتي."
"اشمعنى؟" سألتها ليديا بإستغراب لترد نور ببسمة هادئة: "بحس بالراحة والمتعة، مبحبش فكرة حد غيري يعمل الأكل لكمال والولاد. ببقى مبسوطة وأنا بعملهم الأكل بإيدي."
تطلعت ليديا إليها بدهشة قبل أن تسألها بتردد: "هو إنتِ بتشتغلي؟"
ابتسمت نور وقد فهمت ما يدور في عقل تلك الفتاة وردت: "كنت بشتغل."
"كنتي بتشتغلي إيه؟" ردت نورا بجدية: "أستاذة جامعية في كلية الآداب قسم التاريخ."
قالت ليديا بإعجاب: "واو قسم جميل مع إنه صعب على ما أظن، لإنّي حسب ما سمعت إنّ تاريخ مصر كبير وضخم جدًا وفيه فترات زمنية كتير."
ابتسمت نورا وقالت بتأكيد: "فعلاً، التاريخ صعب ومحتاج دراسة كتيرة واجتهاد. أنا حتى بعد ما أخذت الماجستير والدكتوراه ودرست سنين في الجامعة لسه بقرأ وبدرس كتب تاريخية وبكتشف حاجات جديدة باستمرار."
ابتسمت ليديا وقالت: "ممكن تديني كتب عن تاريخ مصر؟ حابة أتعرف عليه."
قالت نورا بسرعة: "أكيد يا حبيبتي، أنا هختارلك كتب مناسبة ومهمة في نفس الوقت."
ابتسمت ليديا بسعادة وقالت: "ميرسي."
ثم أكملت تناول فنجان قهوتها وهي تتأمل نور ومهارتها العالية في الطبخ بإعجاب.
***
بعد مرور أسبوعين.
أسبوعين حدث فيها الآتي: أدهم ومكوثه في الشاليه الخاص به في الغردقة، حيث أخذ يفكر جدياً محاولاً حسم قراره النهائي والذي لا رجعة فيه. كان الموضوع أمامه خيارين لا ثالث لهما: عليا والحفاظ على مكانته وإدارته لشركات العائلة وجميع أعمالها، أو ليديا وخسارة كل شيءٍ بما فيها علاقته بوالديه.
كان يشعر بنفسه بين المطرقة والسندان. فإذا سأل قلبه عن القرار الصحيح يجيبه على الفور بلا تردد: ليديا، فهي من سكنته واحتلته كليًا. وإذا سأل العقل فأجاب ببساطة: عليا، فمعها سيحافظ على كل شيء بل وسيصل إلى جميع ما طمح إليه وحلم به وسعى إليه لسنوات عديدة، وهي قيادة عائلة السيوفي بأكملها والتحكم بجميع ممتلكاتها وأموالها.
اختياره ليديا سوف يضعه في خانة الـ "يك". فسوف يخسر كل شيء: طموحه وأحلامه، مكانته وقيمته لدى الجميع. سوف يصبح في نظر الجميع عاشقًا تافهًا سلم مقاليد قلبه لمن لا تستحق. والأسوأ من ذلك أن ليديا نفسها لا تشعر بأي شيء نحوه، وبالتالي من الممكن أن يخسر كل هذا ولا يكسب ليديا أيضًا.
ظل يفكر مرارًا وتكرارًا ويدرس الموضوع من جميع الجوانب. استمر على هذا الوضع لمدة أسبوعين كاملين حتى توصل أخيرًا مع نهاية الأسبوع الثاني إلى قراره النهائي، ليحزم أمتعته ويغادر المكان متجهًا إلى القاهرة.
أما ليديا، فهي اقتربت من نور كثيرًا وأصبحت بينهما علاقة ودودة. فليديا وجدت أن نور طيبة ولطيفة للغاية، تعاملها بود واحترام ولا تتدخل في حياتها. كانت العلاقة بينهما تتوطد تدريجيًا وبشكل جميل ومفاجئ لكلا من كمال وابنيه، بل ولليديا أيضًا. فبالرغم من معرفة كمال وأولاده مدى طيبة نور وحنانها الفائض، إلا أن تقبل ليديا لها بهذه السهولة فاجأهم، كون نور بالنسبة لها المرأة التي سرقت والدها من والدتها.
لم تتطرق كلتا من نورا وليديا إلى الماضي إطلاقًا ولم يحدث بينهما أي حديث، فكلتاهن كن يتحدثن بأشياء عامة بعيدة عن الماضي الخاص بهما، وقد كانت ليديا بالذات تتجنب ذكر والدتها أمام نور احترامًا لها، وحتى ماضيها في فرنسا قل ما تحدثت عنه. أما نورا، فكانت ترغب كثيرًا بالاعتذار من ليديا على عدم موافقتها أن تسكن هنا في منزل والدها في بادئ الأمر، لكن شعورها بالحرج منعها من ذلك.
علاقة ليديا بأخويها يوسف ومراد باتت أكثر من رائعة. مراد بمزاحه ومرحه الذي لا ينتهي دخل قلبها فورًا وبات صديقها الصدوق، أما يوسف، فبرزانته وقوة شخصيته التي تفوق سنه بمراحل نال إعجاب ليديا وأصبح قريبًا منها للغاية، وكأن بينهما رابط خفي يجمعهما، وهو أهم من أي رابط آخر، رابط الأخوة الدم.
عليا لم ترتح أو يهدأ لها بال طوال الأسبوعين الفائتين وهي تفكر في سبب سفر أدهم الغريب. تشعر، بل وتكاد تكون متأكدة، أن القادم سيكون غير جيد على الإطلاق. شعور الخوف والقلق ينهش روحها، وقد عقدت عزمها أخيرًا على تحديد موعد زفافها ما إن يعود أدهم من عزلته تلك.
***
أوقف أدهم سيارته أمام مدخل الشركة. هبط منها واتجه بسرعة إلى داخل الشركة متجاهلاً تحية الحراس المستغربين من عودته المفاجئة بعد غياب أسبوعين دون مبرر لهذا الغياب. كان أدهم قد اتجه مباشرة إلى الشركة دون أن يعود إلى المنزل لتغيير ملابسه ودون حتى أن يخبر أحد بأمر عودته.
اتجه نحو المصعد متجاهلاً نظرات الموظفين المتعجبة من عودة مديرهم الغائب لأسبوعين. دلف إلى المصعد متجهاً إلى الطابق الذي يحوي مكتبه ومكاتب أعضاء مجلس الإدارة. اتجه نحو مكتبه ما إن خرج من المصعد ليجد مكتب سكرتيرته فارغًا، فدلف إلى مكتبه ليتفاجأ بكريم ابن عمه يجلس مكانه وأمامه سكرتيرته مروة تستمع إلى أوامره.
تقدم أدهم نحو كريم بملامح غامضة، والذي قابله الأخير بملامح هازئة وهو يقول: "أهلاً باللي غايب بقاله أسبوعين."
أشار أدهم لمروة أن تخرج، ففهمت على الفور واتجهت خارج المكتب بحرج، ليقول أدهم بجمود: "ما كانوش أسبوعين يا كريم اللي يخلّوك تقعد مكاني."
ضحك كريم بقوة وقال: "أمال أقعد فين؟ إنت ناسي إنّي أنا النائب عنك وبالتالي فغيابك لازم أحُل محلك في كل حاجة."
رد أدهم ببرود: "إنت النائب آه، بس عندك مكتبك تقدر تباشر شغلك من خلاله." ثم أكمل بتهكم تحت أنظار كريم الحارقة: "ويا ترى يا سيادة النائب وصلت لفين في الشغل؟ قدرت تاخد قرار معين وتنفذه؟"
رد كريم بحقد: "مقدرتش طبعًا عشان حضرتك مانع أي حاجة تتنفذ من غير توقيعك. الشغل واقف بقاله أسبوعين بسبب غياب حضرتك. يعني هو عشان ترتاح وتستجم الشركة تولع."
ضرب أدهم على سطح مكتبه بقوة جعلت كريم يرتجف لا إراديًا، بينما قال أدهم بجمود وقسوة: "شركة مين اللي تولع يا ابن عمي؟ الشركة اللي بديرها بقالي 13 سنة مفيش سنة عدت إلا وأرباحنا بتبقى بالمليارات. الشركة اللي بقت من أكبر شركات بالعالم مش في مصر بس ولا في الشرق الأوسط. ثانيًا، إنت عارف كويس إنّه رغم غيابي أنا مظبط كل حاجة وسايب كل حاجة للوقت المناسب. مش أنا اللي هسمح بخسارة للشركة ولو بجنيه واحد."
ابتسم كريم بسخرية بالرغم من خوفه وقال: "ويا ترى يا سيادة المدير هتعمل إيه بصفقة العربيات اللي مفاضلش عليها غير أسبوعين وإنت لسه مدرستهاش حتى؟ وكمان الاتفاقيات والشحنات اللي المفروض توصل لأصحابها؟"
رد أدهم بثقة: "الاتفاقيات والشحنات وكل حاجة اتأجلت هتم في وقتها المحدد. أما الصفقة بتاعة العربيات فإطمن، هتكون من نصيبنا كالعادة."
تطلع إليه كريم بغيظ منه ومن ثقته، بينما قال أدهم بهدوء: "ودلوقتي يا ريت تتفضل من غير طرد؟ ولا قعدتك على مكتبي عجبتك؟"
منحه كريم نظرات حارقة قبل أن ينهض من مكانه ويتجه خارج مكتبه، ليجلس أدهم على مكتبه ويغمض عينيه للحظات محاولاً تنظيم أفكاره قبل أن يفتحها ويحمل هاتفه ويجري اتصالاً بمدير البنك الذي يتعامل معه.
"أهلاً مستر عزت، عامل إيه؟" قالها أدهم وهو يرد على تحية عزت المرحب به بحرارة، ليبتسم وهو يقول: "آه، كل حاجة تمام. إنت دائمًا محل ثقتي. أنا عايزك تجهزلي ثلاثة مليون جنيه. هاجي بكرة عندك حوالي الساعة عشرة وهفتح حساب سري وأحول عليهم المبلغ ده. أتمنى كل حاجة تكون جاهزة لأني عاوز أخلص كل حاجة بسرعة."
ابتسم أدهم براحة وهو يسمع عزت الذي يطمئنه بأن كل شيء سوف يتم كما أمر، ليودعه أدهم ويغلق الهاتف قبل أن يفتحه مرة أخرى ويجري اتصالاً بحسام يخبره الآتي: "إزيك يا حسام؟ مش وقت أسئلة دلوقتي. النهاردة تفتح موضوع جوازك مع بابا. وطبعًا مش محتاج أقولك متعملش حاجة غير إنّك تبلغه برغبتك بالجواز من نورهان وتحاول تقنعه فيها، بس من غير عناد وتحدي زي ما اتفقنا قبل كده. ومتعملش أي حاجة تانية غير لما أبلغك."
أغلق الهاتف بعدها وهو يعود برأسه إلى الخلف ويتنهد بصمت.
***
كانت ليديا تجلس في غرفتها تقرأ أحد الكتب التاريخية التي أعارتها إياه نورا، حينما وجدت هاتفها يرن. تطلعت إلى الهاتف بإستغراب من المتصل، والذي لم يكن سوى أدهم. تعجبت في داخلها، فهو لم يحدثها أو يتواصل معها منذ أسبوعين تحديدًا منذ تركها القصر وقدومها إلى هنا.
ضغطت على زر الإجابة وهمت بتحيته بالرغم من ضيقها منه وحقدها عليه بسبب فعلته، لكنها تفاجأت به يهتف بها ببرود: "انزلي لي فورًا، أنا قدام الفيلا. ويا ريت متقوليش لحد إنك نازلة تشوفيني. معايا حاجة تخصك خديها ورجعي."
ثم أغلق الهاتف في وجهها دون أن يستمع إلى ردها، لتنظر ليديا إلى الهاتف في يدها بدهشة وغيظ قبل أن تهتف بكره: "غبي ومتخلف."
أما أدهم، فكان يقف بجانب سيارته وهو ينتظر قدومها بفارغ الصبر. وجدها تخرج أخيرًا من الفيلا وهي تتهادى في مشيتها مرتدية بنطال من الجينز فوقه تي شيرت أسود اللون ذو أكمام قصيرة مع حذاء رياضي أسود اللون أيضًا. تعقد شعرها بشكل ذيل الحصان الطويل ووجهها خالي من مساحيق التجميل كالعادة.
لطالما كانت ليديا ذات طلة عادية بسيطة للغاية لا تثير دهشة أو إعجاب من حولها، عكس طِلات بنات عائلته وجميع العوائل من حوله، والتي تتميز برقيها وفخامتها التي تبهر الجميع في أبسط المناسبات. وبالرغم من هذا كله، كانت ليديا ببساطتها المبالغ فيها تلك تنال إعجابه الشديد دون أن يدرك سببًا واحدًا لهذا.
وقفت ليديا أمامه وهي تقول ببرود: "نعم؟"
فهم أدهم أنها انزعجت من أسلوبه الجاف معها، لكنه لم يهتم بذلك، بل اتجه نحو الباب الخلفي لسيارته وفتحها وأخرج منها كيس كبير وأعطاه لليديا، التي أخذت الكيس منه وتطلعت إليه بدهشة قبل أن تفتحه وتنظر إلى محتوياته.
تسمرت ليديا في مكانها للحظات محاولة استيعاب ما يوجد داخل الكيس، قبل أن تقفز بسعادة وهي تصرخ بمرح. لقد أعاد أدهم إليها ملابسها القديمة والتي جاءت بها من فرنسا.
تطلع أدهم إليها بدهشة غير مصدق لمدى فرحتها بهذه الملابس القديمة البالية والتي لن يشتريها أحد هنا بجنيه واحد. وجدها تتوقف عما تفعله وهي تحمل أحد الفساتين وتتأمله بعينين دامعتين، قبل أن تقربه من أنفها وتشم رائحته بشوق ظهر في عينيها. أعادت أخيرًا الفستان إلى الكيس ونظرت إلى أدهم لتمنحه ابتسامة سعيدة، لاول مرة يراها على وجهها، قبل أن تضع الكيس أرضًا وتتقدم نحوه وتحتضنه بشكل أثار دهشته وجعله يتجمد في مكانه غير مستوعبًا لكل هذا.
ابتعدت ليديا عنه أخيرًا بعينين سعيدتين وقالت بصدق: "شكرًا. بجد شكرًا. إنت جميل أوي يا أدهم. جميل بجد."
ابتلع أدهم ريقه محاولاً السيطرة على مشاعره التي فاضت بشدة بعدما احتضنته ليديا ورائحتها ما زالت عالقة بأنفه ودفء حضنها ما زال يسيطر على كل خلية به. تنهد أدهم أخيرًا وهو يقول: "للدرجة الهدوم دي مهمة عندك؟"
قالت ليديا بحب: "دول أهم حاجة عندي. دول بشوف فيهم الماضي بتاعي، وريحة ماما وحبها. كل قطعة منها بيها ذكريات كتير أنا عايشة بسببهم."
قال أدهم بأسف وقد أدرك مدى فداحة خطأه حينما سرق تلك الملابس: "أنا آسف بجد. مكنتش أعرف إنها مهمة أوي عندك."
قالت ليديا بسعادة: "بلاش تعتذر، المهم إنك رجعتهم."
سألها أدهم بجدية: "يعني مش زعلانة؟"
ضحكت ليديا وهي تجيبه ببساطة: "طالما رجعوا لي يبقى أكيد مش زعلانة خلاص."
تعجب أدهم من بساطتها ومرونتها، بل وروحها التي تسعدها أبسط الأشياء. ابتسم بهدوء وقال: "كده اطمنت. أروح أنا دلوقتي لإني اتأخرت عالبيت."
ابتسمت ليديا منه وقالت: "مع السلامة."
"مع السلامة." قالها أدهم بخفوت وهو يتجه نحو سيارته ويركبها، بينما اتجهت ليديا عائدة نحو الفيلا وهي تحتضن ذلك الكيس بيديها وكأنه كنزها الثمين الذي وجدته بعد عناء.
***
دلف أدهم إلى القصر ليستمع إلى أصوات صراخ آتية من الداخل، وقد فهم أن حسام قد فجر قنبلته أخيرًا في وجه والده، والذي قال ما إن رآه: "تعالى يا أدهم، تعالى شوف مصيبة أخوك الصغير. عايز يتجوز واحدة من العشوائيات. تخيل؟"
رد حسام بغضب مكتوم تحت أنظار والدته الباكية بسبب ابنه واختياره المجنون ومصطفى المتأسف: "يا بابا أنا مش صغير. وملوش لازمة تهددني بأدهم وكأنه هيضربني بالعصايا."
رد أدهم بدوره: "حسام معاه حق يا بابا. هو مش صغير عشان تهدده بيا."
قال سليم بدهشة: "يعني إيه؟ حضرتك موافق عالهبل ده؟"
رد أدهم ببساطة: "كل واحد حر باختياره."
صرخت فريال بلا وعي: "أدهم إنت بتقول إيه؟!"
ليكمل أدهم بجدية: "وكمان فعواقب اختياره."
تطلع إليه الجميع بحيرة ليقول أخيرًا: "أنا معرفش أي تفاصيل عن الموضوع ده، بس اللي فهمته إنّ البنت من العشوائيات ودي حاجة مستحيل يقبل بها حد منا. عاوز تتجوزها مفيش مانع. بس ساعتها اعرف إنك هتخسر العيلة كلها. ومش العيلة بس، لا كل حاجة. مكتب سعادتك اللي متباهي بيه هينسحب منك ويبقى تحت سيطرتنا. أرصدة البنوك هتتجمد. القصر هتخرج منه. أما العربية، فللأسف دي باسمك مش هقدر أسحبها منك. عاوز تتجوز بنت العشوائيات اتجوزها، بس إنسى كل العز اللي إنت فيه، بمعنى تاني، روح عيش معاها بالعشوائيات وخليها هي ساعتها تصرف عليك، دي لو رضيت بيك."
تطلع حسام إليه بكره قبل أن يتجه إلى غرفته دون أن يتفوه بحرف واحد، بينما أشار أدهم إلى والده ووالدته قائلًا: "اطمن يا بابا. كل حاجة هتبقى تمام. حسام مستحيل ينفذ كلامه ويتجوزها لأنه عارف عواقب ده. وعشان تتطمن دلوقتي هكلم البنك وأجمد أرصدته وملكية المكتب معاك وباسمك. يعني كل حاجة تحت السيطرة."
ابتسم سليم وهو يربت على كتف ولده: "طول عمرك قد المسؤولية يا أدهم. عمرك ما خيبت ظني بيك."
ابتسم أدهم بدوره وقال: "متقلقش يا بابا. طول ما أنا عايش كل حاجة هتفضل زي ما هي."
اتجه سليم نحو مكتبه وهو يتنهد براحة، بينما اقتربت فريال من أدهم واحتضنته بقوة وهي تحمد ربها على ابنها الذي منحه الله الحكمة والعقل الكافيين لتيسير جميع الأمور والحفاظ على روابط هذه الأسرة.
اتجهت فريال بعدها نحو غرفتها لتستريح قليلًا، بينما نظر أدهم إلى مصطفى الذي منحه نظرات كارهة حزينة: "عمري ما كنت أتخيل إنك بالأنانيّة دي. بتهدد أخوك الصغير. هي دي الأخوة يا أدهم بيه؟ بس برافو عليك، قدرت تنزل من نظري بسهولة بعد ما كنت عالي أوي."
ألقى مصطفى كلماته تلك في وجه أخيه واتجه نحو الأعلى تاركًا أدهم يتابعه بنظرات باردة.