تحميل رواية «على القلب سلطان» PDF
بقلم آية العربي
الفصل 8 — رواية على القلب سلطان الفصل الثامن 8 - بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ " ". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس ؟ على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان...
رواية على القلب سلطان الفصل الثامن 8 - بقلم آية العربي
القت كلمتها امامه فتصنم جسده بالكامل ينظر لها بزهول. ظل على حالته لا يستوعب ما تفوهت به، كذلك هي التي وعَت على حالها.
وقف مسرعاً يبتعد قليلاً يواليِها ظهره وعقله كالأسواق المفتوحة لا يميز شيئاً.
أما هي فوقفت تردف معتذرة بخجل وندم:
_ سلطان... أنا آسفة. أنا مش عارفة أنا قولت كده إزاي، بس أنا مشتتة فعلاً. كنت بدور على حل واتكلمت من غير ما أفكر.
لف جسده وعاد إليها ينظر لها بقوة واردف بصدق:
_ أوعى تقولي كده. انتي قيمتك أكبر من كده بكتير. انتي أكبر من إنك تطلبي من حد طلب زي ده. أنا عارف كويس الضغط اللي عليكي، بس أنا من الشرق وانتِ من الغرب. الفرق بينا كبير أوي يا سيلين هانم. الفرق هدفع تمنه من كرامتي ومن راحتي. صدقيني أنا فعلاً حابب أساعدك، حابب أحميكي ومستعد أعمل علشانك أي حاجة حتى لو فيها روحي مش هتأخر، بس فيه حاجز كبير أوي بينا، حاجز مهما حاولت مش هقدر أتخطاه. فهماني!
نظرت له بحزن وخزى ثم أومأت تهرباً من الموقف بأكمله، ثم التقطت حذاءها وفرت هاربة من أمامه. وهو لم يتركها بل أسرع خلفها إلى أن وصلا الفندق.
دلفت إلى الاستقبال وطلبت كارت القفل الخاص بغرفتها، وكذلك فعل هو وصعدا سوياً في المصعد وكلٌ منهما في أفكاره، لم يتفوه أحداهما بحرف إلى أن وصل المصعد وخرجا الاثنان يبحثان عن الغرف التي كانت متجاورة.
دلفت سيلين غرفتها وأغلقت سريعاً وارتمت تبكي على الفراش بتعب وتأنيب وخزى من نفسها. كيف سمحت لنفسها أن تطلب طلباً كهذا! هل تعرض نفسها على أحدهم! ماذا يظنها الآن؟ هل وصل بها الأمر إلى هنا!
أما هو فدخل غرفته وجلس بتعب يفكر في تلك التي شغلت قلبه وعقله مؤخراً. صراع داخلي يلازمه بين ما كان سيفعله وبين الفتاة التي تسمى خطيبته، وبين تلك التي تثق به.
يعترف أنه لم ينجذب لغيرها مثلما فعل معها. حتى خطيبته هي التي أحبته واختارته وليس هو. يعترف أن قلبه دق بعنف لها ولدموعها. يعترف لنفسه أنه أخطأ ويبدو أن خطأه سيكون سر عذابه. يعترف أنها تمتلك أجمل عيون رآها وأبرأ ملامح.
تنهد بقوة مردفاً باختناق كأنه يحدث شخصاً آخر:
_ وريني بقى هتخرجي منها إزاي يا سلطان؟
في شقة نبيل مساءً. يجلس بضيق بسبب عدم معرفته مكان تواجد سيلين. لقد ذهبت من الشركة على عجلة ولم تعد ثانية، وهذا إن دل فإنه يدل على شيء سيء قادم في طريقه إليه. وهذا المعتوه سلطان لا يجيب على اتصالاتي ولا حتى رسائلي.
رن هاتفه معلناً عن اتصال من أحدهم. ترقب الاسم وأجاب بحذر:
_ الو!
أردف الطرف الآخر بلهفة:
_ نبيل بيه... سيلين هانم هنا في شرم. أنا شفتها واقفة مع العمال قدام باب المصنع. بصراحة مكنتش متأكد أوي لأني كنت شايفها من بعيد، بس فضلت وراها لحد ما لقيتها داخلة فندق هي والحارس اللي معاها.
نظر نبيل للأمام بحقد ووعيد مردفاً بفحيح:
_ انت متأكد؟
أردف الآخر بثقة وتأكيد:
_ متأكد يا نبيل بيه.
أغلق الخط ووقف يفكر بوعيد مردفاً:
_ ماشي يا بن الـ****.
رن جرس الباب فاتجه ليفتح فوجد ابنه أدم يقف مائلاً مستنداً على الباب يتطلع له بتيه. نظر له نبيل باشمئزاز مردفاً:
_ انت سكران!
ضحك أدم ساخراً يردف وهو يدلف للداخل:
_ لأ فايق.
دلف أدم وجلس بإهمال على المقعد واتجه نبيل يجلس بجواره بعدما أغلق الباب يردف بشرود:
_ عرفت إن سيلين راحت شرم الشيخ. أكيد وصلها خبر بالعامل اللي مات. وابن الـ**** اللي اسمه سلطان مبيردش عليا.
ضحك أدم مردفاً بعتب:
_ قلت لك متضمنش واحد زي ده مسمعتنيش. اشرب بقى. أهو لف عليها أهو وهيكوش على كل حاجة لوحده.
نظر له بصدمة مردفاً:
_ ده أنا أرمي جثته لكلاب السكك ولا حد يعرفله طريق. جره... ده حتة عيل ميسواش مالوش لا أصل ولا فصل. هو فاكر إنه هيفلت من إيدي.
نظر أدم لوالده واردف بخبث:
_ توء... غلطان. كده هتخسر. خطتك معاه هتتعرف وسيلين هتأمن نفسها كويس وهيبقى توقيعها مستحيل. الأحسن إنك تبلغه إن خلاص أنت صرفت نظر عن الخطة دي وتديله قرشين وتمشيه. وتشوف رد فعله إيه. لو حوّر وقتها أنا هدخل. متقلقش.
نظر نبيل لابنه مردفاً بتساؤل:
_ هتتصرف إزاي؟
أردف أدم بخمول ونعاس وهو يتمدد على الأريكة:
_ متقلقش. عندي خطة ب. بس قولي أهم حاجة محدش يعرف عن الخطة اللي بينك وبين سلطان حاجة. مش كده!
أومأ نبيل مردفاً:
_ مفيش غيرك. لأ أختك ولا ولاد عمك يعرفوا. وأصلاً هما في دنيا تانية. واضح إن مبقاش يهمهم.
أردف أدم وهو يكاد يغلق عينه:
_ تمام. حلو أوي. تصبح على خير يا نبيل بيه.
غفى سريعاً بينما يتطلع نبيل عليه بتعجب ويفكر فيما يمكن أن يحدث.
في صعيد مصر تحديداً في محافظة سوهاج. استيقظ الجد توفيق فجراً على حلم راوده عن حفيده سلطان ابن المرحوم إبراهيم. فُتحت عينه ينظر إلى سقف الغرفة بشرود في أمر هذا السلطان الذي دائماً يراوده في أحلامه. أيمكن أن يكون أخطأ في حقه! أيمكن أن يكون عزيز قلبه إبراهيم حزين الآن لأجله! ماذا عليه أن يفعل؟
قام من على الفراش ليؤدي فريضة الفجر متمتماً وهو يتجه للوضوء:
_ استغفر الله العظيم وأتوب إليه.
توضأ وخرج من غرفته ينادي ابنه محمود مردفاً بنبرة صارمة:
_ محمود... محموووود... يالا نلحق الفجر حاضر.
نزل محمود بسرعة يرتدي جلبابه بعد أن توضأ ثم دنا من يده يقبلها مردفاً باحترام:
_ صباح الخير يا بوي.
أومأ توفيق برأسه مردفاً بثبات:
_ صباح الخير يا ولدي. يالا نلحق الفجر.
أومأ محمود وهو يتجه مع والده مردفاً:
_ يالا يا بوي اتفضل.
خرج الاثنان متجهين إلى المسجد القريب وأدوا صلاة الفجر جماعة ثم عادوا سوياً. وأثناء عودتهما أردف توفيق بتساؤل:
_ متعرفش حاجة عن ولد أخوك يا محمود؟
أردف محمود برتابة:
_ أكيد يا بوي. أنا عيني مبتغفلش عنه برضه. ده ابن الغالي. بس لو تحنن جلبك عليه يا بوي وتبعت تجيبه وسطنا إهنا هو وأمه. يساعدني في شغلنا ويشيل عني شوية ويكون عون لإخواته البنات.
ولأول مرة لم يغضب توفيق بل تنهد مردفاً:
_ يا ولدي إني جلتله قبل سابق ييجي ويعيش وسطنا ووسط إخواته، بس هو مرضيش يسيب أمه. وإني مش قادر أشوفها جدامي. ده اللي كانت السبب في موت ابني يا ولدي وهي السبب في بعده عن مرته وعياله.
أردف محمود بترقب:
_ ده اللي أنت سمعته يا بوي. بس محدش عارف الحقيقة فين. فكر يا بوي. أنا عارف إن روايح بنت عمي غالية عندك جوي. وأبوي الحاج قبل ما يموت موصيك عليها زين. بس برضه إني عارف أخوه الله يرحمه. وخابر إنه مش ظالم. هو كان بيحب أم سلطان وكان بيرتاح عندها يا بوي. ويا عالم الحقيقة فين.
أردف توفيق بصلابة:
_ الحقيقة إنه اتجوزها من غير علمي. وروايح اتظلمت يا ولدي. وأنت عارف زين إن حق الراجل الشرعي إنه يتجوز واحدة واتنين وتلاتة وأربعة بس يعدل بيناتهم يا ولدي. وإن معدلش يبقى يبقى هي واحدة بس. وأصلاً ربنا سبحانه وتعالى قال (ولن تعدلوا) يبقى ليه يعمل أكده ويجهر قلب بنت عمك؟
تنهد محمود مردفاً بإقناع:
_ ما يمكن مكنش مرتاح يا بوي معاها. أنت خابر زين إن روايح حمية ودايماً صوتها عالي. وده طبع الراجل ما بيحبوش واصل. وخصوصاً إننا صعيدة يا بوي ومنحبش صوت الحرمة يبقى عالي علينا. فكر زين يا بوي. فكر وشوف هتعمل إيه عشان أخوي يبقى مرتاح في قبره.
أومأ توفيق بصمت ودلفا البيت بعد أن قضيا الطريق في الحديث.
استيقظت سيلين وقد ارتدت قناع الصلابة مجدداً. حيث من يراها يظنها شخصاً آخر تماماً.
أجرت اتصالاتها اللازمة لشراء ما يلزم المصنع ونقل المعدات القديمة فوراً. وها هي تستعد للذهاب إلى منزل العامل المتوفي لإرضاء أهله.
كانت قد ابتاعت ملابس منمقة من خلال الإنترنت وذلك عن طريق البيدج الخاص بمحل ملابس معروف في شرم الشيخ اعتادت على الشراء منه عند مجيئها إلى هنا.
ها هو الباب يطرق يبدو أن طلبيتها قد وصلت. فتحت الباب وتناولت الأغراض بيدها وقد تم دفع المبلغ عن طريق حسابها البنكي.
ارتدت ما ابتاعته والذي عبارة عن دريس أحمر وأسدلت شعرها الحريري الأسود ثم تطلعت لنفسها في المرآة. ها هي الصورة التي تريد أن تظهر بها. أخفت عيونها بتلك النظارة ذات الإطار الذهبي وحملت الكيس الورقي الآخر وخرجت من غرفتها.
اتجهت تطرق الباب المجاور ففتح سلطان الذي لم يبدل ثيابه بل خلع جاكيته وظل بالقميص الأبيض وقد فُتح أزراره الأولى ليعطي له شعوراً بالراحة قليلاً.
نظر لها بعيون ناعسة وشعر مشعث. يبدو أنه استيقظ للتو. كانت تتطلع لملامحه الوسيمة من خلال نظارتها براحة فهي تخفي عيونها المشتاقة عنه.
أردف بتساؤل:
_ سيلين هانم! هي الساعة كام دلوقتي؟
أردفت بجمود وهي تناوله الكيس الورقي:
_ البس دي. بسرعة. هستناك تحت.
كادت أن تغادر فأوقفها مردفاً بلغة آمرة:
_ استنى. مينفعش تنزلي لوحدك. ياريت تدخلي أوضتك لحد ما أخلص. ثواني وهخرج.
نظرت له ثم أردفت بحدة وتصميم:
_ أنا هنا اللي أقول إيه ينفع وإيه مينفعش. ياريت كلامي يتنفذ. أنا مستنياك تحت.
خرج من غرفته واردف مشاكسًا بنبرة مهددة:
_ خلاص يبقى هنزل كده.
توقفت تقلب عينيها بضجر قليلاً رافعة رأسها للأعلى ثم التفتت تنظر له فوجدت التحدي في عينه فقررت العودة لغرفتها وانتظاره.
أما هي فضحك ودلف غرفته وفتح ما أتت به فوجد قميص أوف وايت وبنطال جينز أزرق وملابس قطنية داخلية وعطر رجالي. أعجب بذوقها وباهتمامها به ودلف المرحاض مغتسلاً سريعاً ثم بدل ثيابه ومشط شعره ووضع من العطر الذي أحضرته وخرج متجهاً إلى غرفتها ورفع يده ليطرق ففتحت الباب يبدو أنها شعرت به.
نظرت له فوقف على حافة الباب يردف وهو يتطلع لها يسألها عن ما يرتديه:
_ إيه رأيك؟
كان مظهره جذاباً جداً. أرضى عينيها المحبة ولكنها أردفت بجمود:
_ يالا اتأخرنا.
مرت من جانبه وهو خلفها يجز على أسنانه بغيظ منها ومن أسلوبها الذي هو يعلم أسبابه جيداً. وللحقيقة يفضل طريقتها هذه حتى يريح ضميره قليلاً.
نزلا للأسفل وخرجا فوجدا السيارة تنتظرهما أمام الفندق. فتح الباب لها فركبت ونظر لها وجدها تنظر للأمام بصلابة. بينما لو كانت النبضات مرئية لفضحت أمرها.
أغلق الباب وركب هو في الأمام وانطلق السائق حيث المصنع أولاً.
بعد قليل أردف سلطان محدثاً السائق:
_ اقف على جنب هنا يا أسطى.
توقف السائق وترقبت سيلين. فنزل سلطان وابتاع مشروب القهوة وبعض الفطائر له وللسائق ولسيلين.
عاد حاملاً إياهم ومد يده يناولها الطعام والقهوة مردفاً:
_ ياريت تفطري الأول. انتي مأكلتيش حاجة من امبارح.
أحبت اهتمامه وفعلته تلك برغم أنها تحاول التظاهر بالثبات بعد ما حدث أمس. ولكنها حقاً جائعة. تناولت منه مردفة ببعض التردد:
_ ميرسي.
سعد كثيراً ثم شرع هو في تناول ما أحضره كما فعلت هي. أما السائق فانتظر إلى أن يصل.
وصلت السيارة أمام باب المصنع. نزل سلطان أولاً ونزلت سيلين ثم دلفا إلى المصنع فوجدا الجميع على قدم وساق وقد تم تشميع الآلات القديمة حتى يتم استبدالها بأخرى.
كان العمال في حالة فرحة وامتنان لهذه المديرة التي نفذت طلباتهم وحافظت على أرواحهم.
ابتسمت سيلين برضا مردفة بصوت عالٍ:
_ صباح الخير.
رد العمال جميعاً وتحدث كبيرهم شاكراً:
_ شكراً يا سيلين هانم. أول مرة نطلب طلب ويتنفذ بسرعة كده. العمال هنا كانوا عايزين يجيبوا نبيل بيه بس أنا صممت إننا نطالب إن حضرتك اللي تيجي لأني متأكد إن الوضع مش هيرضيكي.
أردفت سيلين بامتنان:
_ أنا اللي بشكركم إنكم فعلاً جبتوني وعرفتونى إيه اللي بيحصل من ورايا. وبالمناسبة... رواتبكم هتزيد بنسبة 20%. وده اعتبروه شكر مني لتعبكم معانا طول السنين دي. وأي طلبات تحتاجوها ياريت تتواصلوا مع سكرتيرة مكتبي وهي هتبلغني.
شكرها الجميع بامتنان بينما هي أشارت لكبيرهم مردفة باحترام:
_ ممكن تيجي معايا توريني بيت العامل اللي اتوفى!
أومأ الرجل بسعادة مردفاً:
_ آه طبعاً يا هانم اتفضلي.
قالها وهو يشير أن تسبقه فخرجت وتبعها سلطان والرجل. تلقائياً اتجه الرجل يركب بجانب السائق فنظرا سلطان وسيلين إلى بعضهما بينما أردف سلطان وهو يهز كتفيه:
_ عندك حل تاني!
أبعدت نظرها عنه بصمت وركبت مكانها بينما لف سلطان للجهة الأخرى وركب مجاوراً لها ولكنه حاول جاهداً الابتعاد عنها مسافة مناسبة نظراً لتحفظها ولاحترامها الذي يراه ويستشعره دائماً.
أما هي وبرغم ادعائها القوة والصلابة إلا أنها التصقت بالباب كالقط المذعور وهذا حتى لا تحتك به نهائياً. وهذه هي سيلين. فبرغم عدم ارتدائها للحجاب إلا أنها تلتزم بقواعد الدين والأصول. حقاً تتمنى ارتداءه في أقرب وقت. فوالدها حرص على تعليمها الدين الإسلامي بالطريقة الصحيحة. كذلك فعلت والدتها ولكن يبدو أن قرار الحجاب تُرك لها.
توقفت السيارة بعد فترة أمام أحد البيوت التي يحيط سقفها أغطية خشبية. يبدو منزل قديم متهالك.
نظرت له سيلين بحزن وشفقة. نزل الرجل المسن مردفاً بصوت عالٍ:
_ هو ده البيت يا سيلين هانم.
نزلت سيلين تنظر للبيت بتعجب. نزل سلطان متفحصاً أيضاً. تذكر منزله وتذكر والدته التي مؤكد تشبه سيدة هذا المنزل. خطى الرجل وطرق باب المنزل ففتحت طفلة في الـ 7 من عمرها تبتسم ابتسامة ساحرة أسرت قلب سيلين. وبرغم شعرها الأصفر المشعث ووجهها الذابل وملابسها القديمة إلا أن ملامحها جميلة حقاً.
تساءلت الطفلة بترقب:
_ انتوا مين؟
اقتربت منها سيلين ودنت لمستواها مردفة بهدوء وحنو:
_ انتي اسمك إيه؟
أردفت الطفلة بدلال وخجل:
_ اسمي صفية.
ابتسمت سيلين تردف بحب:
_ اسمك جميل أوي يا صفية. ممكن تنادي لماما.
أسرعت الطفلة للداخل تنادي والدتها التي حضرت بعد قليل مردفة وقد عرفت الرجل المسن:
_ أهلاً يا عم حميد. خير؟
أردف الرجل بسعادة:
_ دي سيلين هانم يا ست أم عبده. مديرة المصنع. وهي جاية عشان تطمن عليكوا وتشوف طلباتكوا إيه؟
نظرت لها السيدة بغضب ثم أردفت بحدة وكبرياء وحزن تجلى في ملامحها:
_ ماليش طلبات. لو تقدر ترجع راجلي ماشي. غير كده أنا مش عايزة حاجة من حد.
أردفت سيلين بحزن وقلة حيلة محاولة تهدئتها:
_ اسمعيني يا ست أم عبده. أنا بجد أسفة جداً عن اللي حصل ده. وعارفة إنه شيء بشع. أنا زيكوا اتحرمت من بابا وماما. بس فعلاً أنا ماليش أي ذنب في موت زوجك. وهحاول على قد ما أقدر إني أتكفل بيكم شهرياً وأي طلب أنا تحت أمركم.
نظرت لها السيدة بترقب ثم أردف بهدوء نسبي:
_ روحي لحالك سبيلك يا ست. إحنا مبنقبلش العوض. عوضنا على الله.
حزنت سيلين كثيراً وحاولت التحدث ثانياً إلا أن فتى ذو 15 عاماً خرج من خلف والدته بغضب يحمل سكيناً مردفاً وهو يتقدم من سيلين:
_ أوعى يا ما. روحها قصاد روح أبويا.
إلا أن سلطان أسرع يحمله بذراع واحد مبعداً إياه بكل سهولة عن سيلين ومتحكماً في حركته ثم تناول منه تلك السكين تحت نظرات الرعب التي ظهرت على وجه سيلين وتلك السيدة تترقب حدوث ما يمكن أن يحدث لابنها.
كاد سلطان أن يعنفه فأردفت السيدة بدموع:
_ سيبوه يا باشا حقكم عليا. سامحيه يا هانم. هو بس حزين على موت أبوه.
نظرت سيلين إلى سلطان واردفت بأمر:
_ سيبوه يا سلطان.
تركه سلطان ولكن ظل متحفظاً عليه. اتجهت إليه سيلين وتحدثت بلين وهدوء وتفهم:
_ أنت اسمك إيه؟
نظر لها الفتى بغضب واردف:
_ عبده.
أومأت مسترسلة:
_ اسمع يا عبده. لما تقتلني هتروح السجن. وهتسيب مامتك وإخواتك لوحدهم يتبهدلوا خصوصاً بعد وفاة والدك. وهتبقى عذبت والدتك للمرة الثانية وحرقت قلبها عليك. لو كان الانتقام سهل كنت أنا أول واحدة انتقمت من اللي عذبوني وحرموني من أبويا وأمي. صدقني اللي حصل مع والدك ده قضاء وقدر. أنا مش هقدر أقولك هعوضك لأني عارفة كويس موت الأب بيعمل إيه في الابن. بيكسر ظهره نصين وهو عايش. بيحوجه للناس يا عبده. بس أنت لازم تقوى وتفكر بعقلك عشان خاطر مامتك وإخواتك. لازم تعوضهم وتكون راجل جدع وشهم يعتمد عليه. فاهمني؟
نظر لها مطولاً ثم أردف بجرأة:
_ يبقى أشتغل في المصنع مكان أبويا.
أردفت متسائلة بسعادة:
_ انت في سنة كام؟
أردف الفتى:
_ في تالتة إعدادي.
أومأت مستكملة:
_ تمام يبقى تكمل دراستك وتشتغل في الإجازة ومصاريف تعليمك أنت وإخواتك عليا. وفيه معاش شهري هيوصل لكم كل أول شهر.
هز رأسه معارضاً يردف بكبرياء:
_ إحنا مش محتاجين حاجة من حد.
أردفت مقنعة:
_ ده مش فضل مني ولا تعويض. ده واجب ودين عليا. ولو أنت عايز تحقق حلم باباك يبقى تسمع كلامي. تمام!
نظر الفتى لها ثم لف نظره لوالده التي تومئ له بدموع فاردف بثبات:
_ ماشي.
أومأت سيلين مبتعدة براحة بينما وقفت أمام السيدة تردف بهدوء:
_ أنا بجد مهما أقول مش هقدر أطيب خاطركم. بس إن شاء الله اللي جاي أحسن. أوعدكم إن طلباتكم كلها هتكون دين في رقبتي. وأنا هكلم مختصين عشان البيت بتاعكم لازمه تصليح. محتاجة أي حاجة تانية؟
ابتسمت السيدة بسعادة وقد رأت الطيبة والحنو في قلب هذه الفتاة مردفة:
_ شكراً يا هانم. شكراً.
ارتاح قلب سيلين وفتحت حقيبتها وأخرجت ظرف أبيض مغلق وناولته لها ثم شكرتها ونظرت للرجل الذي كان يتابع مردفة:
_ تعالي نوصلك يا عم حميد.
أومأ الرجل وركب معها بينما هي نظرت لسلطان وجدته شارداً بها فابتعدت نظرها سريعاً قبل أن يفضحها توترها وأسرعت تركب في الخلف. بينما هو لم يلاحظ حتى ذلك لقد كان شارداً فيها حقاً. إنها حلم كل رجل. وليس هذا فقط بل حلم جميل صعب المنال. إنها فتاة رائعة ذات قلبٍ صُنع من أثمن مجوهرات العالم. كيف لها أن تكون بكل هذا الحنين والطيبة والنعومة!
أردف لحاله بصوت داخلي:
_ سلطان! أنت حقاً أكثر الرجال حظاً. لقد أرادتك زوجاً لها. لم ترغب بك كغيرها من النساء اللاتي تعرفت عليهن. بل أرادتك شريك لحياتها الوحيدة. أرادتك حامياً ومأمّناً لها. احتاجتك كرجل حقيقي في حياتها!
فكر قليلاً سلطان. فكر في الأمر ثانياً. يمكن أن يكون لك حياة معها. يمكن أن يكون قدر لك الله أن تعشق فتاة مثلها. كنت تريد المال. فلماذا لم يعد يهمك مالها الآن؟ لماذا أصبحت لا تريد سوى قربها! هل ألقت عليك تعويذة أصابت قلبك يا رجل! ولكن ماذا عن... لمياء! ماذا عن تلك الخطة اللعينة... أنسيت أمرها يا خائن! ولكن... ولكن... ولكن ماذا؟ أولم تكن هذه نتيجة إقناعها لك بقبول الأمر! آه يا سلطان آه أنت في أمر صعب يا رجل.
لم يفق إلا عندما أردفت سيلين من خلال النافذة بصوت عالٍ:
_ سلطان يالا.
نظر لها ثم لف نظره إلى الفتى الذي بجاوره فمد يده وتناول كف الفتى وفتحها ووضع بداخلها السكين مردفاً بفحيح:
_ متعملش كده تاني.
غادر يركب في الخلف أيضاً وغادرت السيارة على الفور. أوصلا العم حميد واتجها سريعاً إلى المطار حيث رحلة العودة إلى القاهرة وكلٌ منهما يفكر في أمر الآخر.
كانت رحلة العودة صامتة تماماً. قضت سيلين نصفها في النوم كعادتها بينما سلطان قضى كاملة في تأملها والتفكير في عرضها الذي بالتأكيد سيغير حياته.
نزلت سيلين من السيارة وهو خلفها. أردفت وهي ترتدي نظارتها:
_ أنا هروح القصر. كده كده يوم العمل قرب يخلص في الشركة. وانت تقدر تروح تطمن على والدتك وترتاح.
أومأ مردفاً بثبات:
_ تمام.
غادرا في تلك السيارة التي كانت تنتظرهما وأوصل سلطان سيلين إلى القصر وعاد هو إلى منزله مع السائق التي صممت سيلين أن يوصله.
دخل سلطان منزله فوراً ينادي على أمه مردفاً:
_ أما... يا حاجة منيرة!
خرجت منيرة من إحدى الغرف تردف بفرحة:
_ سلطان! حمد الله على السلامة يا روحي.
اتجه يقبل يدها مردفاً بحب واشتياق:
_ الله يسلمك يا ست الناس. وحشتيني يا أما. قولي بقى طابخة إيه أنا واقع من الجوع.
أردفت بحنين وهي تسرع إلى المطبخ:
_ يا حبيبي. حالا. أنا كنت عارفة إنك هترجع جعان عشان كده عملتلك محشي.
شمر سلطان عن ساعديه مردفاً بحماس:
_ أيوه بقى يا ست الناس هو ده.
بعد قليل تناولا غداءهما سوياً وعقله شارداً في أمر سيلين. هل أكلت أم لم تأكل يا ترى! نظر لوالدته يريد إخبارها بكل ما حدث وبكل ما يحدث بداخله ولكنه يعلم رد فعلها فقرر الصمت.
عند سيلين التي صعدت إلى غرفتها بعدما أخبرت علية بمجيئها وابدلت ثيابها بأخرى مريحة تناسب النوم وجلست على الفراش تتصفح الإنترنت وتتابع الملفات التي أرسلتها لها وداد بعناية ودقة. بينما طرقات خفيفة على الباب تبعها دخول علية تحمل صنية صغيرة مردفة بحنو:
_ نمتي يا سيلين؟
رفعت سيلين رأسها تتطلعها بابتسامة وود:
_ لأ يا دادا تعالي.
اتجهت إلى الطاولة ووضعت عليها الصنية مردفة بحنو:
_ جبتلك الغدا. انتي أكيد جاية جعانة ومش هتقولي. أنا عارفاكي.
ابتسمت تردف:
_ فعلاً يا دادا. أنا فعلاً جعانة جداً. بس كان فيه شوية ملفات بقرأهم وهاجي آكل.
هزت علية رأسها معترضة بإصرار تردف:
_ لأ. اقفلي اللاب وتعالي الأول.
أطاعتها سيلين وبالفعل اتجهت تجلس أمام الطاولة تنظر بشهية إلى الأطباق وما تحتويه ثم شرعت في تناول الطعام. بينما غادرت علية وشردت هي تفكر في أمر هذا السلطان الذي احتل عقلها لامتلاكه قدر من الهيبة والثبات يميزه عن غيره.
في الصباح استعدت سيلين للذهاب للشركة ونزلت للأسفل بينما سلطان أتى مبكراً ينتظرها خارجاً بحماس.
خرجت بعدما تناولت وجبة الإفطار. نظرت له ثم لفت نظرها مردفة:
_ صباح الخير.
أردف بتوتر:
_ صباح النور. احم... هو إحنا ممكن نتكلم؟
نظرت له بتعجب واردفت بتساؤل:
_ نتكلم؟ خير؟
حك أنفه بسبابته واردف:
_ ينفع جوة؟
نظرت للداخل ثم له واردفت بقبول:
_ آه طبعاً اتفضل.
عادت للداخل وهو يتبعها إلى أن دخلت غرفة المكتب الخاصة بوالدها ودلف هو خلفها. وقفت في وسط المكتب تتطلع عليه بتعجب متسائلة بينما هو كان في حالة لا أول مرة تراه عليها.
ظل صامتاً ينظر للاتجاهات الأربعة فأردفت هي متسائلة:
_ سلطان! خير؟ اتكلم.
تحمحم واردف بتوتر وهو يحاول إخراج شيئاً ما من جيب جاكيته:
_ احم... أنا... أنا كنت.
أخرج علبة صغيرة منمقة واردف وهو يفتحها أمام وجهها بخوف ويظهر منها خاتم زواج ذهبي رقيق:
_ كان نفسي أجيبلك نجمة من السما. لأن مافيش أي حاجة تساوي قيمتك. وعارف إنه قليل أوي. بس لازم منه.
نظرت للذي في العلبة بتعجب وهي تضيق عينيها بينما ضربات قلبها تتسارع وتقرع كالطبول ولم تتفوه بل رفعت نظرها إليه متسائلة.
أردف هو بقليل من الجرأة:
_ تتجوزيني؟