تحميل رواية «على القلب سلطان» PDF
بقلم آية العربي
الفصل 9 — رواية على القلب سلطان الفصل التاسع 9 - بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ " ". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس ؟ على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان...
رواية على القلب سلطان الفصل التاسع 9 - بقلم آية العربي
وقفت تتطلع عليه ببلاهة لا تستوعب ما قاله، حتى تلك العلبة التي يمسكها بكفه لا تستوعبها.
هزت رأسها علها تفيق، واردفت بتساؤل:
_ انت بتتكلم بجد!
اردف بترقب بعدما زال توتره بعد اعترافه:
_ جداً... الا اذا انتي غيرتي رأيك.
هزت رأسها بنفي، واردفت بعيون لامعة وصوت متحشرج:
_ بس ده ما كانش رأيك يومها!
اردف مبتسماً بثقة:
_ أنا آسف إني اتأخرت عليكي أو رد فعلي كان عكس ما توقعتي. أنا كنت المفروض آخد الخطوة دي، أنا بس كنت خايف. لو كان الوضع مختلف وإنتي مكاني، كان ممكن يتقبله الناس. لكن أنا كرجل معنديش ممتلكات ولا مصانع ولا شركات، وإنتي كبنت عندك كل ده، يبقى تلقائي الناس هتقول إني طمعان فيكي. وأي حد هيشوفها كده... علشان كده كان صعب أوي إني أبادر وأطلب إيدك للجواز.
تنهد مردفاً بصدق واقتناع:
_ قلتيلي إنك بتثقي فيا، أنا هكون قد ثقتك فيا. هعمل أي حاجة عشانك، المهم تكوني بخير. هقف في وش أي حد يتعرضلك بأذى. مش هيهمني نفسي، كل أولوياتي هتكون أمي وإنتي. إنتوا أغلى اتنين في حياتي. بس أنا طالب منك طلب.
تسائلت بصوت هادئ ودموع وهي تناظره:
_ إيه هو؟
اردف متنهداً بضيق:
_ محدش في الشركة يعرف. مش حابب النظرة اللي هيشوفوني بيها. على الأقل نأجل الخبر شوية لحد ما أثبت حسن نيتي. وكمان أنا مش هعيش هنا. أنا هاجر شقة هتكون خاصة بيا أنا وإنتي. عارف إن كل ده تغيير صعب أوي عليكي، بس أنا هتنازل عن أي حاجة ليكي إلا كرامتي.
أومأت مردفة بتقبل وعيون لامعة:
_ مش هسمح لأي حد مين ما كان يجرح كرامتك يا سلطان. يكفي إنك تكون معايا في حياتي. تطمني بليل وأنام وأنا مرتاحة. تحمي ظهري اللي من وقت موت بابا وأنا حاسة إنه مكشوف. تحافظ عليا وعلى حياتي يا سلطان. صدقني أنا مش عايزة حاجة غير كده.
اقترب قليلاً يردف بتساؤل:
_ يعني موافقة! طب لو كده يبقى ممكن نكتب كتابنا إمتى؟
تعجبت من سرعته وشردت قليلاً تفكر، ثم اردفت بهدوء وسعادة وراحة أخيراً شعرت بها:
_ بما إن مافيش حد من الشركة هيعرف، يبقى نخليه خاص بينا ويكون موجود بس وداد وجوزها ودادا عليا، وطبعاً مامتك ورأفت السواق. أنا بثق فيه.
اردف متوتراً:
_ سيلين... خلي أمي بعد ما نكتب كتابنا هعرفك عليها. أمي مش هتفهم ارتباطنا. لو قولتلها قبلها هترفض، ووقتها هيكون صعب إني أعصي أمرها. خليني آخدك ونروح لها بعد كتب الكتاب.
نظرت له بترقب واردفت بخوف:
_ قصدك إنها معترضة عليا؟
اردف بتفهم:
_ لأ طبعاً. أمي لو عرفتك أنا متأكد إنك هتملكي قلبها. بس هي مش هتحب إني أكون زوج المدير العام بتاعي. افهمني لو سمحتي.
أومأت له بتفهم واردفت مقتنعة:
_ تمام يا سلطان. سلطان، أنا هتنازل عن فرحتي زي أي بنت ومش هعمل خطوبة ولا حفلة ولا كل ده، لأني مستهدفة من أقرب الناس ليا. محتاجة لوجود الإنسان اللي أطمن على حياتي معاه. والإنسان ده إنت. علشان كده أنا معنديش مانع لأي حاجة، المهم مامتك متزعلش مني بعد كده.
نظر لها بغموض. شرد قليلاً يفكر، ثم اردف بهدوء وصدق:
_ سيلين... صديقي، مش مهم اللي فات. كل اللي فات مالوش أي قيمة، تجاهليه تماماً. أنا من هنا ورايح أهم حاجة عندي إنتي. وسرعة ارتباطنا دي لأني عايز أحميكي ومش هقدر أعمل كده وأنا بعيد عنك. لو كنا في ظروف غير كده كنت عملتلك أحلى حفلة وجبتلك نجوم السما بين إيديكي. بس للأسف وضعنا حكم علينا بكده.
نظرت له بعيون لامعة واردفت بإعجاب:
_ وأنا مش عايزة حاجة غيرك.
نظر لها بحب ظاهر في عيونه وملامح لينة، ثم اردف متسائلاً بترقب:
_ طيب إيه رأيك لو كتبنا الكتاب بعد أسبوع؟ ونحتفل وسط حبايبك. وأنا هحاول أأجر الشقة وأخلصها في أسرع وقت.
توترت قليلاً وأومأت مردفة:
_ معنديش مانع.
بينما هو ابتسم واردف بحنو:
_ طب يلا؟
أومأت وخطت أمامه بروح جديدة، وكأن الهواء تغير من حولها وتتنفس راحة وسلاماً.
في الحارة، في منزل لمياء، يجلس والدها على طاولة الفطور مردفاً وهو يلوّي الطعام في فمه بتساؤل:
_ المحروس بتاعك عمل إيه؟ الشهر الأول خلص أهو ولا حس ولا خبر.
اردفت لمياء بضجر:
_ يوووه يابا... هو أنا ناقصة تقطيم؟ ما بكفاية هو كمان مبقاش يسأل فيا زي الأول.
اردف يضيق عينيه متسائلاً:
_ إزاي يا بت؟ لتكون شاف له شوفة تانية.
اردفت لمياء بغضب واستنكار:
_ نعم! شوفة تانية يعني إيه؟ لهو أنا أتحمل كل ده وأصبر وأقول هانت يا بت وتتجوزوا، وبعدها أقنعه يجيب ورثه من أهله ونتنغنغ بقى... لأ ده أنا فيها يا أخفيها بقى.
ضحك نعمان مردفاً بفخر:
_ جدعة يابت. أيوه كده. خليكي وراه لحد ما ياخد حقوقه كلها. دانا سمعت إن ليه شئ وشويات وفلوس ياما. وطبعاً خير بنتي هيعم على أهلها... ولا إيه؟
وضعت الخبز من يدها مردفة بغضب:
_ إيه ياااابا.
وصلت سيارة سيلين أمام الشركة.
اردفت سيلين لسلطان قبل أن تنزل:
_ سلطان... أكيد عمي عرف إننا كنا في شرم الشيخ. عيونه كتير أوي. المهم أنا هقول في الشركة إن حصل حالة وفاة بسبب آلة معينة وتم تغييرها وخلاص. غير كده مش هنتكلم يا سلطان، تمام!
أومأ موافقاً ونزل أولاً يفتح لها باب السيارة كعادته، ولكن هذه المرة نظرت له مبتسمة فبادلها بحب.
نزلت بعد ذلك ودلفا سوياً إلى الشركة تحت نظرات الجميع النمامة.
صعدا في المصعد سوياً، وأثناء ذلك اردف سلطان:
_ سيلين، أنا هوصلك وأرجع أقف تحت عشان محدش يتكلم. وقت ما تحتاجيني ابعتيلي رسالة. تمام!
أومأت له وخرجا من المصعد ومنه إلى مكتبها. أوصلها أمام أنظار وداد المتعجبة، ثم غمز لها في الخفاء وغادر هو عائداً للأسفل، ولكن قاطعه طريقه نبيل ينظر له بغل وغضب مردفاً بفحيح:
_ ورايا ع المكتب.
نظر له بلا مبالاة وتتبع خطواته حتى دلفا سوياً مكتب نبيل الخاص.
أغلق نبيل باب المكتب واردف معنّفاً:
_ انت مش بترد على اتصالاتي ليه يا بن آدم؟
وضع سلطان يديه في جيب بنطاله واردف وهو يحرك منكبيه بثبات:
_ أرد عليك إزاي يا نبيل باشا وسيلين هانم جنبي! أنا توقعت سعادتك تفهم.
ضيق نبيل عينيه يطالعه بتحقق، ثم اردف بترقب:
_ كنتوا فين؟
اردف سلطان وهو يطالعه بقوة:
_ بنت أخوك قررت فجأة نروح شرم. حصل حالة وفاة بسبب آلة هناك والعمال طلبوها.
اردف نبيل بتساؤل وترقب:
_ يعني سيرتي جت قدامك؟ ولا لأ!
اردف سلطان بتخابث:
_ وسيرتك تيجي ليه باشا، هو انت اللي قتلته!
نظر نبيل لسلطان بتوتر، فاسترسل سلطان وهو يخرج يداً واحدة ويشير بها إليه:
_ بالمناسبة يا باشا، مصلحتك قربت تخلص. جهز أنت الأوراق اللي انت عايزها تمضي عليها وأنا هخلصهالك.
نظر له نبيل بصدمة مردفاً بعدم تصديق:
_ معقول... بسهولة كده؟
ضحك سلطان مردفاً بمراوغة:
_ قلتلك يا باشا، انت يهمك النتيجة. وأنا بحب أنجز شغلي بسرعة. المهم يا باشا حضر أنت الأوراق وسيب الباقي عليا.
التفت ليغادر، ولكنه عاد ثانياً يردف وكأنه تذكر الآن:
_ آه، من حق يا باشا. أنا محتاج نص اتعابي. زي ما أنت عارف أنا داخل على جواز، وبحضر شقة وعفش. يعني يا ريت تحضر لي مليون جنيه نقدي في أقرب وقت. ويا ريت يكون بكرة، لأن فيه شقة رايح أتفرج عليها أنا وخطيبتي.
نظر له نبيل بترقب، ثم أومأ بقبول مردفاً بسعادة داخلية:
_ تمام. بكرة تيجي عندي البيت تاخد الفلوس.
أومأ سلطان بصمت، ثم غادر بعدها يبتسم بمكر ودهاء ويردف بفحيح وهو يخطو في الرواق الذي يؤدي إلى المصعد:
_ خلينا نسحب منك مليون قبل ما تتجنن.
دلف المصعد ونزل لأسفل. بينما في مكتب سيلين تجلس تتابع عملها، فدَلفت وداد بعدما استأذنت تحمل فنجان القهوة مردفة بهدوء:
_ القهوة يا سيلين هانم.
وضعتها أمامها، فأردفت سيلين بامتنان:
_ شكراً يا ود. طمنيني أخبارك إيه؟ وابنك عامل إيه؟
أومأت وداد مردفة بابتسامة هادئة:
_ بخير يا سيلين هانم. عملتي إيه في سفرتك؟ كله تمام؟
أومأت سيلين مردفة بحزن:
_ الحمد لله يا ود. قدرت أعالج المشكلة. عمي كان مبوظ الدنيا خالص يا وداد. لولا لحقت المصنع كان زمان الدنيا اتقلبت فعلاً. وللأسف مضطرة أسكت ومحاسبوش على عملته لأنه ممكن يأذيهم.
أومأت وداد مردفة بحنو:
_ بجد يا سيلين هانم، أفعال نبيل بيه وآدم بيه بقت تخوف وأنا قلقانة عليكي منهم.
نظرت لها سيلين بترقب، ثم اردفت بخجل:
_ أنا لقيت حل يا وداد.
ضيقت وداد عينيها مردفة بتساؤل:
_ حل إيه يا هانم؟
اردفت سيلين بترقب وصوت هادئ بطيء:
_ أنا وسلطان هنتجوز.
اتسعت عين وداد واردفت باستنكار:
_ آآآآه! تتجوزوا! إزاي؟
تعجبت سيلين واردفت بقناعة:
_ نتجوز زي الناس يا وداد، إيه اللي إزاي؟
تحمحمت وداد واردفت بتعجب:
_ أيوه بس إمتى؟ يعني يا سيلين هانم سلطان هو الحارس الشخصي بتاعك. مش شايفة إن الموضوع غريب شوية! لأ ده غريب أوي!
تنهد سيلين ثم اردفت بهدوء:
_ وداد... إحنا نكمل شغلنا دلوقتي. وبعد ما نخلص تيجي معايا القصر ونتكلم.
اردفت وداد بحيرة:
_ طيب بس آسر ومصطفى! طب ما تيجي عندي إنتي؟
اردفت سيلين بقبول:
_ تمام يا وداد. مع إن كده سلطان هيتأخر في الرجوع، بس أنا هكلمه. يلا نشوف اللي ورانا.
أومأت وداد تتطلع عليها بتعجب من حالتها. أتخشى عليه من العودة متأخراً، متى!
في صعيد مصر.
يجلس الحاج توفيق في غرفة المضيفة يرتشف من كوب الشاي الذي أحضرته له روايح، وها هي تجلس بجواره تترقب ذلك الحديث الذي أخبرها بأهميته.
اردف توفيق بترقب:
_ اسمعي يا روايح يا بتي... أنا كنت عايز أجيب سلطان يعيش ويانا إهنه. إني حاسس إن ابني زعلان مني وضميري واجعني أوي. هجيبه يعيش معانا ويكون سند لإخواته. جولتي إيه يا روايح؟
غلى الدم في عروقها واردفت بترقب:
_ وأمه؟
نظر لها توفيق بترقب ثم نظر أرضاً يردف بهدوء:
_ هتيجي معاه يا بتي، مهو ماهوش هيوافق ييجي من غيرها. وإنتي خابرة عاد إني حاولت قبل سابق مدخلهاش الصعيد أصل، بس هو مصمم تيجي معاه. وبصراحة إني مش غلطانة، هي أمه بردك.
امتلأت عيناها بالدموع واردفت وهي تلوّي طرحتها في يدها نادبة:
_ يا مرك يا رواااايح... عايز تجيب اللي قهرت جلبي تعيش معايا يا بوي! عايز تجيب اللي جَتلت ابنك وحرمت بناته منه تعيش وسطنا؟ دم ابنك رخيص جوي عندك أكده يا حاج توفيق!
ضرب توفيق بقبضة يده على اليد الخشبية للمقعد مردفاً بصرامة وقوة:
_ روايح اجفلي جاشمك عاد. دم ابني غالي جوي جوي. ولو هي اللي كانت السبب في موته يبقى هيتحاسب على يدي. وإني مش هعرف ده إلا لما تيجي وتعيش وسطنا إهنه. يبقى اعجلي يا روايح وفكري زين. أنا جادر أجيبه من الصبح وأحطك جدام الأمر الواقع، بس إني عامل حساب زعلك وشارى خاطرك. يبقى فكري زين وقرري.
نظرت له روايح بتوتر وقد جفت دموع التماسيح سريعاً عندما رأت تصميمه ووقفت تغادر مردفة:
_ عن إذنك يا بوي.
انتهى الدوام في شركة الحلواني واستعدت سيلين لتغادر كما أخبرت وداد أن تستعد أيضاً حتى تذهبا سوياً.
نزلت سيلين ومعها وداد إلى مخرج الشركة. رآها سلطان فاتجه إليها يأمنها إلى أن ركبت سيارتها ووداد التي ركبت بجانبها.
اردفت سيلين لسلطان وهو يغلق بابه:
_ سلطان... أنا هروح عند وداد شوية. ممكن توصلني وتروح؟ وأنا لما أخلص هكلمك أو ممكن أروح مع رأفت عادي، كدة كدة الحراسة التانية ورانا.
اردف سلطان بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
_ هستناكي.
نظرت وداد لسيلين تغمز بعينيها، بينما خجلت سيلين تلزها في قدمها مردفة بنعومة:
_ تمام.
غادرت السيارة إلى منزل وداد، وبعد قليل، ولكن أولاً ستمر على الروضة الخاصة بآسر ابن وداد كي تحضره.
بعد حوالي ربع ساعة توقفت السيارة أمام إحدى الروضات الخاصة، ونزلت وداد تحضر طفلها الذي عاد معها بحماس مردفاً عندما رأى السيارة:
_ عايز أركب جنب عمو.
قالها وهو يشير على سلطان، فأردفت وداد بحرج:
_ طب سلم على طنط سيلين الأول يا آسر. خليك شطور.
أطاعها الطفل ودلف السيارة يسلم على سيلين التي فرحت كثيراً وتناولت يده، ففاجأها بقبلة يطبعها على خدها مردفاً بطفولة:
_ ريحتك حلوة أوي.
ابتسمت له واردفت بحنو:
_ ميرسي يا آسر.
ابتعد يقفز من بين المقعدين الأماميين ويجلس بجانب سلطان مردفاً بحماس:
_ يلا يا عمو سوق.
أومأ رأفت، بينما لف الطفل رأسه ينظر إلى سلطان مردفاً ببراءة:
_ ازيك يا عمو. انت جوز طنط صح؟
ضيق سلطان عينيه يطالعه، ثم ابتسم بجاذبية مردفاً بقبول:
_ خلينا نقول صح. وانت آسر صح!
أومأ الطفل بسعادة، بينما ظل يتابع ما يحدث حوله بإعجاب.
نظرت وداد إلى سيلين مبتسمة، بينما سيلين ظلت صامتة بسعادة وراحة أخيراً حصلت عليها.
بعد قليل توقفت السيارة أمام منزل وداد. نزلت وداد ونزل رأفت يناولها آسر، بينما نزل سلطان يفتح باب السيارة حتى تنزل سيلين. ابتسمت له واردفت وهي تنزل من سيارتها بصوت لا يسمعه سواه:
_ ميرسي يا سلطاني.
نظر لعيناها بشرود، ثم ابتسم بحب وإعجاب للقبّه الجديد على مسامعه.
اردفت وهي تغادر للأعلى مع صديقتها:
_ مش هتأخر.
اردف بتيه وحنو:
_ براحتك.
غادرت للأعلى مع وداد، بينما هو ظل يتطلع لأثرها إلى أن غابت وأخذت قلبه معها. نعم، هي شقت ضلوعه وسحبت قلبه معها للأعلى. لا يعلم متى وكيف فعلت ذلك، ولكنه يقف ينتظر قلبه باستسلام تام لها.
بعد قليل في شقة وداد، تجلس سيلين بحرج، بينما وداد تعد وجبة طفلها مردفة باعتذار:
_ أنا آسفة جداً يا سيلين... بس ده معاد غداه وإلا هيفضل يبكي ويزن. ثواني وهجيلك.
أومأت سيلين مبتسمة تردف بحرج:
_ وداد، أنا اللي آسفة. واضح إني لخبطت الدنيا عندك. وجوزك أكيد جاي دلوقتي. أنا همشي.
قالتها وهي تقف تستعد للذهاب، فأردفت وداد تمنعها:
_ استني بس راحة فين! إنتي مش ماشية من هنا غير لما أعرف إيه اللي حصل بالظبط وإيه حكاية الجواز المفاجئ ده! وبعدين متقلقيش مصطفى عند مامته ومش جاي دلوقتي. يالا بقى احكي.
تنهدت سيلين بترقب، ثم اردفت بهدوء وخجل:
_ أنا يمكن حبيت سلطان يا وداد. وقبل ما تتعجبي، يمكن مش حب بس ارتحت معاه. يعني تلقائي بحس بالأمان لما بيكون جنبي، معرفش ليه!
ضيقت وداد عينيها ثم اردفت بتعجب:
_ أيوه يا سيلين، بس إنتي متعرفيش عنه حاجة! ده غير إن هو يعني من الطبقة المتوسطة أو أقل كمان من كده! يعني إنك تحبيه ده صعب شوية. ده غير إن المدة اللي تعرفوا بعض فيها قليلة جداً. يبقى ده كله حصل إمتى وإزاي؟
اردفت سيلين بتفهم:
_ بصي، كل اللي إنتي بتقوليه صح. أنا فاهماكي جداً. بس أنا مش عايزة أعيش قصة حب وعذاب، لأني جربت قبل كده ده مع آدم واتخدعت للأسف، أو كنت غبية ومعرفتهوش. وبردو مش عايزة أحب حد من المجتمع الراقي بتاعي ياخدني كاستثمار لصفقاته ويكون وقته كله للشغل وأنا آخر اهتماماته. ولا عايزة أعيش سنين لحد ما أكتشف إني بحب الإنسان ده أو بميزه. أنا عايزة حد أنام جنبه وأنا مطمنة. مش خايفة من بكرة ولا من لحظة غدر ممكن أحسها.
عايزة بيت صغير وراجل يحبني ويحتويني وأبعد عن كل ده. بسبب الفلوس والشركات والمصانع أنا اتحرمت من أهلي يا وداد وأنا في عز احتياجي ليهم. ولولا اسم بابا وتعبه، أنا كنت اتنازلت لعمي عن كل ده وريحت دماغي. لكن أنا فعلاً مبقتش محتاجة غير إني أعيش في هدوووء وبس.
تنهدت تسترسل:
_ وده أنا لقيته مع سلطان. مش مجرد حارس شخصي. لأ، هو بيتعامل بطريقة بتدخل جوة قلبي وبحس بيها. بيقدر يلفت نظري لأقل حاجة بيعملها. يعني أنا محمد كان حارس شخصي بس كان بيتعامل برسمية معايا. بيعاملني على إني شغل. لكن سلطان عيونه كلها خوف بجد. اهتمام. حنون جداً معايا. يمكن محدش يفهمني، بس أنا محتاجة تعويض عن أهلي يا وداد. محتاجة حد يحتويني ويعاملني بلين. والحد ده هو سلطان.
تساءلت وداد بترقب وخوف:
_ طيب هو مش ممكن يكون طمعان يعني في فلوسك؟
نظرت لها سيلين بتفكير، ثم اردفت:
_ قلة الأصل مش موجودة في عيونه يا وداد. أنا شفت نظراته كويس. ملقتش فيهم غدر ولا قلة أصل.
تنهدت وداد تردف بتساؤل:
_ طيب يا سيلين. أنا يهمني راحتك طبعاً. بس بردو فكري. بلاش تستعجلي.
نظرت لها سيلين بترقب ثم اردفت مبتسمة بهدوء:
_ إحنا اتفقنا إن كتب كتابنا هيكون الأسبوع الجاي. ولعلمك سلطان رفض إنه يعيش معايا في القصر. هيأجر شقة لينا. وأنا وافقت فوراً. أنا نفسي عايزة أبعد شوية عن كل ده. وكمان هو طلب إن مافيش حد في الشركة يعرف بجوازنا ولا حتى عمي. لأنه مش هيتحمل نظراتهم ليه. وأنا وافقت وقلتله إن إنتي وجوزك ودادا عليا ورأفت السواق بس اللي هتكونوا موجودين وقتها، لأني مش بثق في حد غيركم. أتمنى تقفي جنبي يا وداد وتدعميني. أنا بجد محتاجة ده.
نظرت لها وداد بحنو، ثم تنهدت وهي تلتقط كفها بين يديها مردفة بطمأنينة:
_ أنا معاكي يا سيلين. معاكي وهدعمك في أي حاجة مادام فيها راحتك.
ابتسمت سيلين بعيون لامعة، ثم بادلتها عناق أخوي، ثم وقفت تردف باستئذان:
_ همشي أنا بقى. يلا سلام.
أومأت وداد مردفة بقبول:
_ مش همسك فيكي للغدا، لأني عارفة إن طول ما سلطان واقف تحت مش هتكوني مرتاحة.
ضحكت سيلين مردفة بمرح:
_ بدأتي تفهميني.
أومأت لها وهي توصلها عند باب المنزل وغادرت سيلين إلى الأسفل حيث يقف سلطان ينتظرها أمام الباب الرئيسي، إلا أن نزلت واردفت مبتسمة:
_ نمشي؟
نظر لها ببريق ظهر فجأة في عينيه حين رآها واردف برتابة:
_ نمشي.
في اليوم التالي، انقضى النهار سريعاً بدون أحداث تذكر، عدا تقرب سيلين من سلطان الذي يزيد يوماً بعد يوم.
عادت سيلين إلى القصر وغادر سلطان ينوي الذهاب لنبيل حتى يأخذ المبلغ المطلوب.
وصل سلطان لمكان حراسته القديم والذي يحتوي على أبراج شاهقة لأفراد المجتمع المرفهين والطبقات العالية.
اتجه إلى البرج السكني الموجود فيه شقة نبيل. قابل صديق عمله بدر الذي تعجب واردف بتفاجؤ:
_ سلطان! إزيك يا صاحبي. بقى كده تمشي من غير ما تسلم عليا؟ وأعرف من نبيل بيه إنك اشتغلت في الشركة عنده.
ربت سلطان على كتفه واردف معتذراً:
_ معلش يا بدر، حقك عليا. إنت أخبارك إيه؟
اردف بدر مبتسماً برضا:
_ الحمد لله عال. المهم إنت طمني عليك. وعملت إيه مع خطيبتك؟
نظر له سلطان بشرود، ثم اردف بذكاء:
_ هانت. هتجوز قريب. هبقى أعزمك.
أومأ بدر مردفاً بفرحة:
_ ألف مبروك يا سلطان. فرحتلك يا أخي.
اردف سلطان وهو ينظر لأعلى المبنى:
_ تسلم يا صاحبي. نبيل بيه فوق. هو عارف إني جايله.
أومأ بدر مردفاً:
_ أيوه فوق، اطلع له.
غادر سلطان مستعملاً المصعد، ثم وصل إلى شقة نبيل وطرق الباب، ففتح له نبيل مبتسماً يردف:
_ أهلاً يا سلطان، اتفضل.
دلف سلطان وتوقف في نصف الصالة يردف بترقب:
_ جهزت الأوراق والفلوس يا نبيل بيه؟
أومأ نبيل واردف وهو يخرج حقيبة من إحدى الغرف:
_ الفلوس أهي يا سلطان. ودي الأوراق. أربع أوراق أهميتهم تساوي حياتك. فاهمني.
نظر له سلطان بغموض، ثم اردف بصلابة:
_ حياتي في إيد اللي خلقها يا نبيل باشا. بلاش تستعمل معايا التهديد، لأنك أكيد عارف إن الطريقة دي مش سكتي. الورق هيتمضي عليه في أقرب وقت.
تساءل نبيل بقلق:
_ أيوه يعني إمتى وإزاي؟!
اردف سلطان بثبات:
_ إمتى قريب. لكن إزاي دي بتاعتي أنا. عن إذنك.
غادر سلطان يبتسم بسخرية. أما نبيل فنظر لأثره بغضب واردف:
_ ماشي يا ****. تسلمني بس الورق ده وأخلص من سيلين، ووقتها هفعصك برجلي.
بدأ سلطان من خلال عمله السابق ومعرفته بأصدقاء حراسة للمباني المرفهة في البحث عن شقة مناسبة لوضع سيلين، وقد كان.
فقط وجد إحدى الشقق في مكان مرموق وبعيد نسبياً. كان يجهز كل شيء بسعادة. حماسه جعله ينتهي من تحضيرات المنزل في أسرع وقت. كان يخبر سيلين بما يحدث معه أولاً بأول ويجعلها تختار ما تريده عبر الهاتف، وهي دائماً كانت تختار ما يناسب وضعه.
أخبرت سيلين السيدة علية بزواجها، وبرغم تفاجئها وخوفها، إلا أن سيلين أقنعتها بسلطان وأخبرتها أنها ستبتعد فترة عن القصر وعليها الاعتناء به. كما أخبرت هي وسلطان رأفت السائق الذي سعد كثيراً وهنأهما برغم تعجبه.
اليوم هو موعد كتب كتاب سلطان وسيلين. ولكي لا يلاحظ أحد ذلك، انقضى يوم العمل كغيره تماماً من الأيام.
حتى أن سلطان أخبر والدته أن لا تنتظره ليلاً، وذلك بعدما أقنعها بذهابه في رحلة عمل.
بعد ذلك عادت سيلين إلى القصر وقد تم تجهيزه لكتب الكتاب. ذهب معها سلطان كعادته، ولكنه اليوم لن يعود إلى منزله مع والدته، بل سيعود هو وزوجته إلى الشقة التي استأجرها.
جاء المأذون والذي أحضره رأفت السائق وجلس على يمينه سلطان ينظر إلى نقطة ما في الأرض بشرود. بعد قليل ستكون هي على اسمه. يعلم أنه مستغل لاحتياجها له وقد أخفى عنها أموراً كثيرة، ولكنه سيخبرها بها واحدة تلو الأخرى بعد ذلك. سيصارحها بكل شيء. أما عن لمياء، فهي لم تكن المرأة المناسبة له. سينهي معها الخطبة، ولكن عليه أولاً أن يضمن بقاء سيلين بجانبه، لأنه لا يضمن رد فعل لمياء إن علمت بالأمر. يخشى على سيلين، لذلك سينتظر قليلاً. أمور عدة تشتت رأسه وتقلقه من القادم، ولكن الأهم من كل هذا، أنه سيكون مع من تستحق حبه واهتمامه وحمايته. سيكون مع من نبض قلبه لأجلها.
كان مصطفى زوج وداد يجلس يتحدث مع رأفت في أمور عامة، بينما وداد وعلية في الأعلى مع سيلين الذي كانت ترتدي فستاناً أبيض ناعماً وهادئاً جداً بدون أي إضافات تذكر. تجملت ببعض الحمرة والحكل العربي وأطلقت شعرها للعنان مع وضع شال رقيق عليه.
نزلت لأسفل معهم ودلفت للغرفة بقدم متوترة. شعر بها تأتي من وسط زحام أفكاره، فرفع نظره يطالعها بعيون عاشقة وقد لمعت ببريقها الخاص. كانت جميلة ككل يوم. كانت في عينه أجمل نساء الدنيا. وقف على حاله يتقدم منها، بينما ابتعدتا عنها وداد وعلية وأردف هو بحنو وإعجاب:
_ قمر.
ابتسمت بخجل واردفت:
_ ميرسي.
اتجه اثناهما يجلسان حول المأذون، وتم فتح دفتره وقد بدأ في تلك الزيجة التي ستغير حياتهما تماماً.
بعد دقائق معدودة انتهى المأذون مردفاً جملته الشهيرة:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
وقف سلطان ينظر لها كالحلم البعيد الذي تحقق. اقترب منها وتناول كفها يوقفها مردفاً بلين وحنو:
_ مبروك يا حبيبتي.
ابتسمت بخجل وتوتر واردفت:
_ ميرسي.
ابتسم عليها ورفع كفها يقبله بحنو وبطء، أثار قشعريرة أسفل معدتها، وهي التي لأول مرة تجرب هذا الإحساس. لم تسمح أبداً لأحدهم بهذا القرب، ولكنه... زوجها!
يتبع...