تحميل رواية «على القلب سلطان» PDF
بقلم آية العربي
الفصل 6 — رواية على القلب سلطان الفصل السادس 6 - بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ " ". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس ؟ على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان...
رواية على القلب سلطان الفصل السادس 6 - بقلم آية العربي
بعد ساعة تجلس سيلين بحزن في بهو الشركة. يقف خلفها سلطان، وبجانبها يجلس نبيل ينظر لها بشماتة، ووليد ينظر لها بشفقة. أما الموظفون فجميعهم غادروا بناءً على تعليمات الأمن.
يجلسون ينتظرون مجيء الشرطة التي هي في طريقها إليهم للتحقق في الأمر. بينما انتقل محمد مع الإسعاف منذ قليل إلى إحدى المستشفيات لإسعافه على الفور. وأمام الشركة ينتشر الأمن لمراقبة الأجواء.
وصلت سيارة الشرطة ونزل منها المحقق وتبعه أحد العساكر. دلف من باب الشركة واتجه إلى سيلين حيث أردف بتحية:
_ حمد الله على سلامتك يا سيلين هانم. إيه اللي حصل بالضبط؟
رفعت سيلين نظرها إليه تردف بتوتر وارتباك:
_ اتعرضت لهجوم والحارس الشخصي بتاعي اتصاب بدالي. تقدر تشوف الكاميرات وتستعين بيها طبعًا. ولولا إن سلطان اتصرف وضرب نار على اللي بيضرب، أكيد كان قتلني.
رفع المحقق نظره للواقف خلفها يردف بتساؤل:
_ أنت سلطان؟
أردف سلطان بثبات وهو يضع كفيه على بعضهما:
_ اتفضل يا باشا.
أردف المحقق وهو ينهض:
_ يا ريت تيجي معايا نفحص الكاميرات.
أشار له سلطان بيده مردفاً:
_ اتفضل.
ذهب المحقق مع سلطان إلى غرفة المراقبة، بينما ظلت سيلين وسط عمها وابن عمها ولم تتفوه بحرف.
أردف نبيل بمكر:
_ يا ترى مين اللي قدر يعمل حاجة زي دي؟
أردف وليد يرد عليه:
_ أكيد حد من أعداء شركة الحلواني. أنت عارف يا عمي إن أعدائنا كتير في السوق. ولا إيه يا سيلين؟
كانت سيلين تنظر للبعيد ولم تعر حديثهم أي اهتمام، فالتزموا الصمت إلى أن عاد المحقق مع سلطان بعدما رأى الكاميرات وتم التحفظ عليها.
أردف المحقق وهو يقف أمام سيلين بتساؤل:
_ بتتهمي حد معين يا سيلين هانم؟
أردفت بتأكيد دون مراوغة:
_ أيوه. رضوان المالكي. هو كلمني الصبح عشان الصفقة اللي كانت بينا واتكلم بنبرة تهديد. وتقدروا تسمعوا المكالمة، موجودة في الـ Record's على موبايلي.
أومأ المحقق مردفاً بنصح:
_ تمام يا سيلين هانم. يا ريت تتواصلي مع شركة الحراسة تبعتلك حارس شخصي لحد ما الحارس بتاعك يتعافى.
أردفت بتأكيد:
_ سلطان موجود، هو اللي هيكون الحارس الشخصي بتاعي.
تصنّم جسد سلطان. انتابه شعور غريب. "ما بك؟ هذا ما كنت تريده. ها هي تثق بك. القول شيء والحقيقة شيء آخر. إنها تثق بي. كيف سأخون ثقتها الآن! ويل لك يا سلطان."
بينما نبيل سعد كثيرًا بهذا الخبر، ولكنه لم يظهر أي رد فعل. أما المحقق فاومأ مردفاً:
_ تمام، كويس جدًا. بس أكيد هتحتاجي حرس كمان للشركة. ويا ريت تبعتيلي التسجيل الصوتي على الواتساب الرقم ده.
قالها وهو يمد لها كارت يحمل أرقامه، فالتقتطه منه، تومئ له، فغادر بعدها. وقفت هي تنظر إلى سلطان مردفة بلغة آمرة:
_ يلا نمشي.
وقف ينظر لها بتردد. قلبه يؤنبه على ثقتها به. خطت خطوة واحدة ولكنها توقفت عندما لاحظت سكونه. نظرت له مستفهمة:
_ هو أنت مش عايز تكون الحارس الشخصي بتاعي؟
نظر لها بتردد، ثم نظر إلى نبيل الذي ينظر له نظرة يعلم تفاصيلها. تجاهل نظرته وأعاد نظره إليها مردفًا بقبول:
_ اتفضلي يا سيلين هانم.
أكملت سيرها وهو خلفها، بل تقدم منها يفتح لها باب السيارة. صعدت في الخلف وصعد هو في الأمام. غادر السائق، وها هو سلطان يؤدي وظيفته على أكمل وجه.
في محافظة سوهاج.
تجلس فاطمة في منزلها تتحدث عبر الهاتف مع شقيقتها سهيلة مردفة بتساؤل:
_ ها وبعدين؟
أردفت سهيلة بتأفف وضيق:
_ ولا جبلين يا فاطمة. اهو بحاول أعمل زي ما قولتي. صحيح محروس اتغير للأحسن، بس هما لأ.
تنهدت فاطمة مردفة بهدوء وتعقل:
_ معلش يا سهيلة. اتحملي. بما إن محروس اتغير معاكي يبقى خير. واحدة واحدة هما كمان يعاملوكي زين.
أومأت سهيلة مردفة:
_ ياريت يا فاطمة. ياريت. إني تعبت. إني هنا لوحدي ومافيش حد منيكو حواليا. ولما بستنجد بجدي أو بأمي، للأسف الاتنين بيكسروا خاطري. تعرفي يا فاطمة إني كنت ناوية أكلم سلطان أخوكي، بس خوفت يكسر خاطري هو كمان.
تعجبت فاطمة مردفة بتساؤل:
_ بجد يا سهيلة؟ ممكن تكلميه بجد؟ بس وقتها أمك مش هتسكت أصل. دي ممكن الحرب تقوم.
أردفت سهيلة بضجر:
_ يحصل اللي يحصل بقى يا فاطمة. ده أخونا وماشفناش منه حاجة وحشة. ولولا جدك بيعمل حساب وخاطر لأمك كان زمانه وسطنا هنا. بس فعلًا لو محروس زعلني تاني أنا هلجأ لسلطان وزي ما تيجي بقى.
تنهدت فاطمة تردف مؤيدة:
_ وأنا كمان يا سهيلة. نفسي أشوفه جوي. نفسي أحس بيه حوالينا. هو اتظلم واتحرم من عز العيلة. ياريت جدك يبعت يجيبه هو وأمه، بس أمك مجيّداه.
قاطع الحديث دخول محروس زوج سهيلة، فأردفت سهيلة عبر الهاتف:
_ طيب يا فاطمة هقفل معاكي عشان محروسي جه. يلا سلام.
أغلقت مع شقيقتها ووقفت تتطلع على زوجها مردفة بدلال:
_ حمد الله على السلامة يا غالي. أجهز لك الأكل؟
ابتسم محروس واقترب منها يلف ذراعيه حول خصرها يقربها منه مردفاً بحب:
_ لأ. شبعان. بس جوليلي. تساءل وهو يتطلع حوله: العيال فين؟
ضحكت سهيلة واردفت وهي تلف ذراعيها حول رقبته بدلال:
_ نايمين يا جلبي.
مال يقبل عنقها وهو يردف بصوت متحشرج راغب:
_ عز الطلب.
في طريق العودة لقصر الحلواني.
أردفت سيلين بلغة آمرة:
_ لو سمحت يا رأفت، عايزة أروح أطمن على محمد. وديني على المستشفى اللي هو فيها.
كان سلطان شارداً في أمرها. "ها هو يتقدم سريعًا في خطته. اليوم أحرز هدفًا تاريخيًا سيكسب به ثقتها. ولكن ماذا بعد يا سلطان؟ لما لست سعيدًا يا رجل؟ أولم يحدث ما تريده حتى تحصل على المال وتغادر بلا عودة!"
أردفت سيلين بتساؤل:
_ سلطان، متعرفش حاجة عنه؟
انتبه سلطان مردفاً بنبرة رجولية:
_ في العمليات. بس حالته مستقرة، متقلقيش عليه.
تنهدت بضيق مردفة بامتنان:
_ إزاي مقلقش؟ ده ضحى بنفسه عشاني.
أردف سلطان بجدية:
_ ده واجبنا وده شغلنا يا سيلين هانم. وبعدين إحنا بنكون مدربين كويس للتعامل مع الهجوم اللي زي ده. لكن أنتِ معندكيش أي فكرة، عشان كده لازم نتصرف. وإلا ملوش لازمة نبقى حراس أمن شخصي.
صمت قليلاً ثم أردفت متسائلة:
_ سلطان، هو أنا ليه حسيتك مش موافق على إنك تكون الحارس بتاعي؟ أنا عارفة إن أعدائي كتير وبعرض حياة اللي حواليا للخطر، بس فعلًا أنا محتاجة حد أثق فيه، مش ضامنة لو جبت حد جديد هيكون أهل ثقة ولا لأ. يعني أتمنى تكون راضي، وأنا في أقرب وقت هعفيك من الوظيفة دي.
صمت قليلاً ولكن ضميره لم يهدأ. يأنبه على ثقتها به. تنهد بضيق وأردف بصدق:
_ أنا معاكي لحد ما تلاقي الشخص المناسب يا سيلين هانم. وتأكدي إن حمايتك فرض عليا، وإن حياتك أهم من حياتي.
اطمأن قلبها من كلماته الصادقة. ابتسمت براحة وأكمل طريقهم إلى المستشفى حيث تطمئن على محمد.
وقفت السيارة بعد فترة قليلة أمام إحدى المستشفيات ونزل سلطان يطل بهيئته الجذابة بتلك البدلة التي تظهر عضلاته. أغلق زر جاكيته وفتح الباب الخلفي وعيونه تجول المكان من خلف النظارة التي تحجب رؤيتهم. أردف بعدما اطمأن:
_ انزلي يا سيلين هانم.
نزلت سيلين ونظرت له براحة لا تعلم مصدرها، ثم خطت باتجاه المشفى وهو يتبعها إلى أن دلفت. أوقفها جانبًا واتجه لمكتب الاستقبال يتساءل بثبات:
_ عايزين نعرف حالة المصاب محمد السيوفي. مصاب بطلق ناري وصل المستشفى من حوالي ساعة.
أردفت الممرضة وهي تتطلع إلى الأوراق:
_ ثواني حاضر.
وجدت الممرضة اسمه فاردفت وهي تبتسم وتنظر إلى سلطان بإعجاب واضح:
_ لسه في العمليات، بس اطمن حالته مستقرة.
أومأ لها بتجاهل ثم اتجه لسيلين التي تنتظره وأردف وهو يحك أنفه بسبابته:
_ لسه في العمليات، وزي ما قولتلك حالته مستقرة. أنا من رأيي تروحي والصبح لما يخرج ويفوق هجيبك ليه.
نظرت له فرأت التصميم في عينه فأومأت موافقة، وبالفعل عادت إلى السيارة وهو خلفها، ثم قاد السائق حيث القصر. وصلت السيارة بعد نصف ساعة إلى القصر. رأى سلطان شيئًا جديدًا على عينه. وبرغم إعجابه وانبهاره بما يراه، إلا أنه ثابت لم يتحرك منه عرق واحد.
وصلت السيارة أمام باب الفيلا الداخلي. كانت الفيلا معبأة برجال الحراسة والأسلحة. نزل سلطان ونزلت سيلين تردف وهي تتطلع عليه:
_ متشكرة على اللي عملته. أنا لولاك كان زماني ميتة.
خلع نظارته ونظر لها بقوة وعيون حادة مردفاً بنبرة حانية:
_ مكنتش هسمح بكده أبدًا.
نظر للقصر واردف وهو يعيد ارتداء نظارته:
_ اتفضلي أنتِ. لو احتجتي أي مساعدة اطلبيني وهتلاقيني عندك فورًا.
أومأت وخطت للأمام، ثم ما لبثت أن عادت ثانياً تسأله باهتمام:
_ سلطان، هو أنت بيتك بعيد عن هنا؟
أومأ لها يردف وهو ينظر للقصر:
_ يعني مسافة ساعة. ليه بتسألي؟
أردفت بقلق وهي تنظر حولها:
_ بصراحة يا سلطان أنا قلقانة. تفتكر ممكن يفكروا يجوا هنا؟
نظر لها مطولاً. "لما تسلمه مسئوليتها؟ عليها أن تحذر منه أولاً قبل غيره."
أردف بجمود وهو يستعد للمغادرة:
_ ميقدروش يدخلوا هنا. المكان كله حراسة. وزي ما قولتلك، لو حسيتي بأي شيء غريب كلميني.
قالها وغادر. ووقفت تنظر لأثره بندم. تأنب نفسها في اليوم مئة مرة، ولكنها مثل الغريق الذي يتعلق بقشة. لا تعلم سببًا لوثوقها به، ولكن ربما هي بحاجة لأحدهم. ربما لم تجد غيره. حسنًا، فليكن طريق المجهول هو طريقها.
أما هو فقرر العودة إلى منزله سيرًا على الأقدام، وكأنه بذلك يعاقب نفسه التي سولت له خداع تلك الفتاة. يعلم أنها ربما مخطئة. ربما استحلت حقًا ليس لها. ربما أشياء كثيرة لا يعلمها، ولكنها أمنته هو دون غيره، وهذا ما يؤلمه.
في تلك الأثناء رن هاتفه معلنًا عن اتصال من لمياء خطيبته. أجاب بضيق مردفاً:
_ أيوه يا لمياء.
أجابت غاضبة:
_ إيه يا سلطان؟ مش قولت هتيجي تتكلم مع أبويا؟
تنهد بضيق مردفاً:
_ معلش يا لمياء. اتأخرت في الشغل. أنا بقيت الحارس الشخصي لسيلين.
فرغ فم لمياء مردفة بسعادة:
_ بجد يا سلطان؟ أيوه بقى هو ده الشغل. برافو عليك يا أبو السلاطين.
أردف بندم:
_ بس أنا مضايق يا لمياء. حاسس إني بخالف ضميري. أنا كنت عمال أفكر إني أكلم نبيل وألغي الاتفاق ده.
انصدمت مردفة بحدة:
_ نعم! إزاي يعني يا سلطان! طب ووعدك ليا وكلامك مع أبويا؟ ليه يا سلطان كدة؟ ده أنا ما صدقت إن خلاص لقيت حل.
تنهدت تسترسل:
_ اسمع يا سلطان. أنت هتكمل في اللي أنت بتعمله وتخلص بسرعة ونتجوز وبعدين تبعد عن كل ده. يا إما بقى كل واحد فينا يروح لحال سبيله. سلام.
صباحًا في الحارة.
خرجت منيرة إلى السوق حيث تبتاع لوازم المنزل. تقف على عربة الخضروات تنتقي حبات الطماطم فوجدت إحداهن تأتي من خلفها مردفة بدلال:
_ ازيك يا خالتي منيرة. عاملة إيه؟
نظرت منيرة إلى مصدر الصوت فوجدتها لمياء فاردفت وهي تلوّي فمها متعجبة:
_ لمياء! ده كنت قربت أنسى شكلك. ازيك يا لمياء.
نظرت لها لمياء تقلب عيناها مردفة بملل:
_ كويسة يا خالة. لازم تنسي شكلي، ماهو انتي مبقتيش تسألي ولا تيجي عندنا زيارات زي الأول. كنت أول ما اتخطبت لسلطان دايمًا بتيجي، لكن دلوقتي خلاص.
أردفت منيرة وهي تنتقي الخضروات مجددًا ولمياء بجانبها تفعل مثلها:
_ معلش يا بنتي. صحتي على قد السوق والبيت. يا دوب بنزل السوق بالعافية. الخشونة تعباني ومبقتش أقدر أطلع سلالم. بس أنا دايمًا بسأل سلطان عليكي. أنا بس بحب أطمن عليكي.
تنهدت لمياء واردفت تستعطفها:
_ والنبي يا خالة ما عارفة أقولك إيه؟ يعني زي ما أنتِ شايفة الوضع. نفسي بقى ألم أنا وسلطان في بيت واحد وأرتاح من زن أبويا. نفسي سلطان يلحق نفسه كده قبل ما المهلة اللي أبويا إدهاله تخلص.
ضيقت منيرة عيناها مردفة باستفهام:
_ مهلة! أبوكي ادى لسلطان مهلة؟ وإد إيه يا لمياء المهلة دي؟
أردفت لمياء بخبث:
_ شهرين يا خالة. شهرين وسلطان يحدد معاد الفرح.
ألجمت الصدمة لسان منيرة ونظرت ببلاهة إلى لمياء التي استرسلت:
_ كلميه يا خالة. كلميه يتجدعن شوية في الشغلانة الجديدة دي.
أردفت منيرة بتساؤل:
_ هيتجدعن إزاي بس يا بنتي ده لسه بقاله يا دوب أسبوع. شهرين إزاي بس يا لمياء وهو ابني هيلحق؟
أردفت لمياء بخبث:
_ يتصرف يا خالة زي ما هو قال. أنا حاولت معاه يكلم أهله في الصعيد وياخد ورثه، بس هو رفض.
نظرت لها منيرة بحدة واردفت بتأكيد:
_ بلاش تفتحي السيرة دي تاني مع سلطان يا لمياء لو باقية عليه. أنا هتكلم مع ابني وأشوف ناوي على إيه. وهعمل كام جمعية ونتصرف. وقولي لابوكي يطمن. بس حكاية ورثه والصعيد متفتحيهاش تاني. يلا سلام عشان أصحّي سلطان لشغله.
غادرت منيرة بعدما ابتاعت الخضروات، بينما ابتسمت لمياء بخبث، فهي تعلم أن منيرة تستطيع التأثير على ابنها.
عادت منيرة إلى منزلها فوجدت سلطان يجلس شارداً يدخن، وهو غير معتاد على التدخين، ولكن يبدو أن حاله تحور مؤخرًا. تعجبت منيرة مردفة بتساؤل:
_ سلطان! أنت بتدخن! ليه يا ابني كده وكمان من غير أكل ولا شرب.
نظر لأمه ثم أطفأ تلك السيجارة حتى لا تتأذى والدته من رائحتها مردفاً بضيق:
_ معلش ياما. مخنوق شوية.
اتجهت تجلس جواره بعدما وضعت ما تحمله مردفة وهي تلتقط كف يده بين كفيها بحنان:
_ أنا عارفة إيه اللي خانقك كده.
نظر لها يضيق عيناه باستفهام فاسترسلت:
_ أنت مخنوق عشان اديت لحماك كلمة وإن خلال شهرين تحدد معاد الفرح. مش كده؟
تعجب مردفاً بتساؤل:
_ وإنتي عرفتي منين ياما؟
أردفت مبتسمة:
_ مش مهم عرفت منين يا سلطان. المهم إنك مش هتصغر قدام حماك. أنا هحاول من ناحية وأنت من ناحية وخلال الشهرين هنلاقي حل. وكلمتك اللي اديتهاله مش هتنزل والفرح هيتم في معاده إن شاء الله.
نظر لأمه بخزي ثم دنا يقبل يدها مردفاً بحب:
_ متقلقيش ياما. أنا هتصرف. أنا قدمت على سلفة من مرتبى الجديد وإن شاء الله تقضي. متشليش هم.
ثم أكمل وهو يقف:
_ يلا أنا هروح ألبس عشان ألحق.
اتجه إلى غرفته يستعد للذهاب إلى قصر الحلواني، وقد عزم أمره على قضاء مهمته بأسرع وقت ثم الابتعاد نهائيًا. أما عن ضميره فسيحاول إسكاته.
عند سيلين التي تململت من نومها تستيقظ. فتحت عيناها بثقل، فهي لم تنم ليلة أمس بسهولة بسبب خوفها. وبرغم اعتيادها على الخوف يوميًا، إلا أن جرعة الخوف كانت زائدة عليها ليلة أمس، فلم تنم إلا عندما رأت ضوء النهار يسطع من نافذة غرفتها.
وقفت بتكاسل واتجهت إلى المرحاض. أدّت روتينها وصلت فرضها، ثم أخرجت من خزانتها بدلة نسائية منمقة. ارتدتها وأسدلت شعرها الأسود اللامع على ظهرها. نظرت لهيئتها التي لم تزينها مستحضرات التجميل، هي لم تحتاج إليها. فوجهها يحمل من البراءة والراحة ما يميزها عن غيرها. وضعت القليل من أحمر الشفاه والقليل من العطر طيب الرائحة. ألقت نظرة أخيرة حزينة عليها، ثم قررت النزول.
بعد ربع ساعة انتهت من وجبة الفطور وخرجت من باب القصر. أول ما رأته عيناها هو... كان يقف مولّيها ظهره ينتظرها. يرتدي بدلة صُممت لجسده الرجولي جعلته هالة من الهيبة والوسامة. يضع خلف أذنه سماعة مخصصة لمهنته متصلة بجهاز لاسلكي متصل بينه وبين باقي الحرس.
كان ينظر إلى الحديقة بشرود ولم ينتبه لها، بينما هي وقفت تتطلع عليه بتعجب من نبضات قلبها التي تتسارع عند رؤيته. كانت ترتدي نظارة سوداء، فأردفت وهي تقف خلفه:
_ سلطان!
لف نظره إليها. ندم على فعلته تلك. فعندما ينظر لعيناها لا يرى سوى الثقة والبراءة. تمتلك نظرة طفولية، عندما يراها يظن أنه والدها. تمتلك ملامح يخبره ضميره أنها بريئة كليًا من ادعاءات عمها. ولكن الجزء السيء بداخله يجبره أن يكمل. الجزء الطامع يرغمه على البدء الآن.
نظر لها وقد زين ثغره ابتسامة رائعة مردفاً بصوت رخيم:
_ صباح الخير يا سيلين هانم. أنتِ تمام؟
ابتسمت هي الأخرى له وقد زادت سرعات نبضاتها مردفة بنعومة:
_ تمام.
أومأ لها يشير بيده كي تتحرك مردفاً:
_ اتفضلي.
تنهدت بعمق كي تهدأ قلبها المسكين، ثم خطت أمامه وركبت سيارتها، كذلك فعل هو وانطلقا.
في قسم الشرطة تم استدعاء رضوان المالكي للتحقيق معه فيما هو منسوب إليه.
أردف المحقق وهو يطالعه بنظرات مبهمة:
_ يعني أنت متعرفش حاجة عن الهجوم اللي حصل ده يا رضوان بيه؟ ده فيه شخص تقريبًا مات.
أردف رضوان وهو يجلس بثبات:
_ يا حضرة الضابط، عيلة الحلواني أعدائها كتير أوي، وبالذات سيلين الحلواني. دي معادية الكل حتى أهلها. إشمعنى أنا اللي تتهمني مش فاهم!
تناول المحقق هاتفه وشغّل التسجيل الصوتي الذي يحتوي على المكالمة التي بين رضوان وبين سيلين. فتوتر رضوان، ولكن المكالمة لا تحتوي على تهديد صريح منه، فاطمأن قليلًا.
أردف المحقق بعد الاستماع:
_ أقوالك إيه يا رضوان بيه في المكالمة دي؟ تقصد إيه بكلمة "إنها تفكر كويس ومتتسرعش"؟
ضحك رضوان مردفاً بخبث:
_ أقصد إنها تفكر كويس يا باشا ومتتسرعش فعلًا. هو ده كمان بقى تهديد؟ أقدر أروح يا باشا؟ ورايا شركة بتنهار ومحتاج ألحقها، مش فاضي أنا لحكايات سيلين الحلواني دي.
نظر له المحقق بشك ثم أردف بقلة حيلة حيث لا يوجد دليل ضده:
_ تقدر تمشي.
مرت الأيام سريعًا.
تغيرت معاملة سلطان مع سيلين، وهذا ما أراده هو ونبيل ولمياء. بدأت سيلين تعتاد على وجوده أكثر، تكثفت ثقتها به عن ذي قبل. حتى أنه بدأ يستغل زحام المرور أثناء طريقهم ويتكلم معها في شئون عامة عنه كوالدته وأصله الصعيدي والوظائف التي عمل بها، ولكن بالطبع لم يخبرها عن أمر خطيبته لمياء. كذلك كان يفعل رأفت السائق، ولكن يبدو أن الحديث الذي يثبت في رأس سيلين هو حديث سلطان فقط. أما هي فلم تخبره عنها شيئًا. ربما اعتادت أن لا تظهر ضعفها لأحدهم. ربما تريد رباطًا أكثر صلابة بينهما لكي تخبره بكل ما تحمله داخلها كالصخر. ربما قريبًا تتخذ خطوة تتمنى أن لا تندم عليها مستقبلًا. ولكنها تحتاجه بجانبها.
ها هي تصل إلى الشركة. ترجّل سلطان كعادته ونزلت هي أمامه، ولكن توقفت عندما نداها آدم ابن عمها مردفاً وهو يأتي من بعيد:
_ سيلين.
التفتت تنظر له، ثم كادت أن تغادر، فتقدم مسرعًا يعترض طريقها مردفاً بندم كاذب:
_ سيلين اسمعيني. أنا آسف على تصرفي اللي حصل في مكتبك. صدقيني أنا مش عارف عملت كده إزاي.
كانت تنظر له من خلف نظارتها بثبات، عكس اهتزازها الداخلي منه. أما هذا الذي يقف كالجدار في ظهرها، ينظر له بغضب وقوة. وقرر ترك الرد لها والتدخل إن لزم الأمر.
أردفت سيلين بثبات:
_ خلصت! تقدر تتفضل.
اغتاظ منها وأردف محاولًا الهدوء واستعطافها:
_ سيلين لو سمحتي. أوعدك إن اللي حصل مش هيتكرر أبدًا. بس سيبيني أطلع شغلي. أنا فعلًا ندمان على تصرفي معاكي.
نظرت له ثم قررت تجاهله ومرت من جانبه لتصعد، بينما هو غضب من فعلتها ومد يده يوقفها من ذراعها مردفاً بعنف:
_ أنا بكلمك على فكرة.
غلى الدم في عروق هذا الذي يقف يتابع بصمت، فقرر نزع يده من عليها مردفاً بخشونة وهو ينظر لعيناه:
_ من غير لمس.
نظر له آدم بصدمة ثم ضحك ساخرًا يردف بغضب وغرور:
_ مبقاش اللي انت تعلمني أعمل إيه ومعملش إيه؟
انزعج سلطان من تقليل شأنه واردف بصلابة وهو ينظر لعينه بقوة:
_ أيوه. مبقاش إلا أنا. والأحسن لك متقربلهاش خالص إلا لو هي عايزة.
نظر سلطان إلى سيلين التي تتابع بعيون خائفة يردف بلغة آمرة:
_ اطلعى على مكتبك يا سيلين هانم.
كادت أن تومئ، ولكن آدم فاجأ سلطان بلكمة قوية بجانب فمه، فصرخت سيلين، بينما اهتز سلطان قليلًا من مكانه. وبرغم تألمه، إلا أن ملامحه على ظلت حالها.
مسح نقطة الدماء التي تكونت بجانب فمه، ثم حاول تمالك نفسه وهو ينظر إلى آدم الذي يطالعه بغضب وغل واردف مجددًا:
_ سيلين هانم لو سمحت اطلعى.
أردف آدم بغضب:
_ سيلين مش هتطلع غير لما ترجعني شغلي.
أردفت سيلين بتوتر محاولة تهدئة ابن عمها حتى لا يفعل أمرًا مزعجًا:
_ آدم امشي دلوقتي وأوعدك هنتكلم، بس امشي.
نظر لها يتأكد، فأومأت له، فارادف بقبول:
_ ماشي يا سيلين. همشي وراجع تاني.
قالها وهو يغادر ويتطلع على سلطان الذي بدوره ينظر له نظرات نارية، ولكنه التزم الهدوء فقط أمامها. نظرت سيلين إلى فم سلطان المكدوم فأردفت وهي تقف أمامه:
_ سلطان... تعالى معايا ع المكتب.
نظر لها بصمت ثم صار خلفها صاعدًا إلى مكتبها كما قالت، تاركين خلفهم همهمات بعض الموظفين الذي يتصيدون أفعال مديرتهم الحديثة، ومن بينهما كانتا شمس وبدور بنات عمومها تنظران لبعضهما بخبث وتلمز.
صعدت سيلين ومرت على وداد مردفة:
_ صباح الخير يا وداد.
ردت وداد التحية، ولكنها تعجبت من مجيء سلطان إلى هنا، فتساءلت:
_ خير يا سيلين هانم، فيه حاجة؟
نظرت سيلين إلى سلطان واردفت إلى وداد:
_ ناوليني علبة الإسعافات الأولية يا وداد لو سمحتي.
تعجبت وداد، بينما أسرعت تفتح أحد الأدراج وقامت بإخراج صندوق الإسعافات وناولته لسيلين، التي بدورها وضعته على الطاولة وقامت بفتحه محاولة إيجاد المطهر والمناديل القطنية، بينما ضحك سلطان عليها مردفاً بتعجب:
_ سيلين هانم بتعملي إيه بس؟ هو أنا مضروب بالنار ولا إيه؟ مش مستاهلة كل ده!
نظرت له بغيظ مردفة بتساؤل:
_ ليه سكتله؟
نظر لها بعمق مردفاً بصدق:
_ أكيد مش ضعف. بس احترمت وجودك. وأكيد مش هتحبي إن الحارس بتاعك وابن عمك يتعاركوا قدام الموظفين.
صمت قليلاً ثم أردف بتوعد:
_ بس أنا مش بسيب حقي.
نظرت له بإعجاب وتساؤل في هذه الشخصية الغامضة، وقد وضعت الكحول على قطعة قطنية ومدت يدها تطهر تلك الكدمة ببطء، بينما التقطت العيون ببعضها، ولأول مرة ترى تلك النظرة في عينه. أحس سلطان كأنه يغوص في قاع المحيط. يحبس أنفاسه بصعوبة في حضورها وقربها هكذا منه.
يحدث حاله وهو يطالعها: (أبعد عينك عنها يا سلطان، وإلا وقعت أسيرًا لها. هيا يا سلطان قف وابتعد، وإلا لن تبتعد ثانيًا عن هذه التي حرامٌ عليك حبها. غادر سلطان، وإلا أصبح عناقها قيدًا لك. أوقف ما تفعله هذه ولا تستسلم لبرائتها. هيا قف على حالك. لمَ قدماك أصبحتا كالجبال مثبتة أرضًا! لمَ عيناك لم تتزحزح عن عينيها! لمَ تشعر وكأنه تم تخدير جسدك كاملًا لأفعالها).
أما هي فانتهت وابتعدت تنظر له. لا تدري لما فعلت هذا وهي لم تفعلها مع غيره. لما تهتم لأمره هكذا وتصبح أمامه على النصف الضعيف من شخصيتها! نظرت للقطنة في يدها ونظرت لعينه ولم تعِ على حالها إلا ووداد تردف بشك:
_ سيلين هانم؟
انتبهت على حالها، كذلك هو الذي قد تحرر أخيرًا ووقف يردف وهو يحك أنفه بسبابته ويستعد للمغادرة:
_ احم... عن إذنكم.
غادر هو وتطلعت هي على أثره تتنهد بعمق، بينما أردفت وداد بمكر:
_ هو فيه إيه بالظبط يا سيلين هانم؟
نظرت لها سيلين ثم ابتسمت مردفة:
_ هقولك يا وداد. أنا أصلًا محتاجة إني أتكلم قوي. بس مش هنا. خليها بليل. ينفع أجيلك؟
أومأت وداد بقبول وسعادة مردفة:
_ ينفع جدًا. هستناكي.
أومأت لها ثم دلفت مكتبها بعد ذلك لتتابع عملها برأس مشوشة.
بعدما اندمجت وبدأت تركز في العمل، فوجئت بوداد تقتحم مكتبها مردفة بصدمة:
_ سيلين هانم... فيه مشكلة كبيرة.