تحميل رواية «على القلب سلطان» PDF
بقلم آية العربي
الفصل 7 — رواية على القلب سلطان الفصل السابع 7 - بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ " ". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس ؟ على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان...
رواية على القلب سلطان الفصل السابع 7 - بقلم آية العربي
كانت سيلين تتابع عملها كعادتها، وفجأة طرقت وداد الباب واردفت بلهفة صادمة:
_ سيلين هانم، في مشكلة كبيرة.
توترت ملامح سيلين وتساءلت بقلق:
_ خير، في إيه يا وداد؟
أردفت وداد بملامح منكمشة:
_ المصنع اللي في شرم الشيخ حصل فيه حالة وفاة نتيجة إصابة عمل، والعمال كلهم عاملين إضراب ومصممين إنهم مش هيشتغلوا غير لما المدير العام يقابلهم ويتكلم معاهم.
تساءلت بحزن:
_ حالة وفاة نتيجة إصابة عمل، إزاي؟ طيب شوفي المطلوب إيه مني وأنا أعمله؟ ده المصنع اللي عمي مسؤول عنه والميزانية بتاعته هو المسؤول عنها يا وداد، يبقى ليه طالبين يقابلوا المدير العام؟
أردفت وداد وهي تهز كتفيها:
_ معرفش يا سيلين هانم، بس أكيد فيه عندهم مشكلة. يا ريت لو تقدري تسافري وتشوفيها بأسرع وقت.
شردت للحظة ثم أردفت بتأكيد:
_ أكيد عمي عمل عملة سودة.
ثم نظرت إلى وداد وتابعت:
_ احجزيلي تذكرتين حالاً على شرم يا ود.
ثم التقطت سماعة الهاتف وحادثت سلطان مردفة على عجل:
_ سلطان! اطلعلي لو سمحت.
أغلقت ونظرت للأمام بشرود تفكر فيما قد يكون أحدثه عمها من مشكلات. نظرت إلى وداد مردفة بلغة آمرة:
_ وداد، عمي ما يعرفش إني مسافرة، تمام؟
أومأت وداد مردفة بطاعة:
_ حاضر، عن إذنك هروح أحجز التذاكر.
غادرت وداد، وبعد دقيقة طرق الباب فسمحت للطارق. دلف سلطان ينظر لها بترقب. رفعت نظرها إليه وأردفت:
_ سلطان، إحنا هنسافر شرم حالاً.
تعجب، يميل برأسه قليلاً متسائلاً:
_ خير يا سيلين هانم؟
نظرت له ثم أردفت بتبرير:
_ حصل حالة وفاة في المصنع هناك والعمال عاملين إضراب وعايزيني.
أومأ لها بتفهم مردفاً بثبات:
_ تمام.
رن هاتف مكتبها الداخلي فأجابت:
_ أيوه يا وداد! تمام أوي.
أغلقت الخط ونظرت لسلطان مردفة وهي تلملم أشياءها:
_ قدامنا ساعتين، يا دوب أروح القصر أبدل هدومي.
غادرت معه سريعاً متجهين إلى القصر. وصلت السيارة ونزلت سيلين مردفة وهي تنظر إلى سلطان بعجلة:
_ سلطان، لو حابب تروح تغير بدلتك روح وتعالى.
هز رأسه مردفاً بثبات:
_ كده تمام يا سيلين هانم، متقلقيش.
أومأت له ودلفت إلى القصر ومنه إلى جناحها، حيث بدلت ثيابها سريعاً بأخرى مناسبة لهذه الرحلة. وقد وضعت لوازمها الشخصية في حقيبة يدها وغادرت بعد دقائق إلى الأسفل، حيث قابلت علية التي تساءلت بتعجب:
_ خير يا سيلين يا بنتي، حصل حاجة؟
وضعت سيلين كفيها على كتف علية واردفت مطمئنة:
_ متقلقيش يا دادا، كله تمام. بس لازم أسافر شرم حالاً، ومتقلقيش الحارس معايا، وهكلمك أطمنك، يلا سلام.
ابتعدت، بينما لحقتها علية مردفة بحنو:
_ تمام يا حبيبتي، تروحي وترجعي بالسلامة. طمنيني يا سيلين.
في تلك الأثناء، كان سلطان يهاتف والدته يبلغها بسفره المفاجئ كي تطمئن، وأخبر لمياء التي سعدت بسبب قربه من سيلين واقتراب تنفيذ ما هو مطلوب منه. خرجت سيلين حيث ينتظرها سلطان، وأردفت وهي تشير لعلية مودعة إياها، بينما ركبت السيارة وركب سلطان يردف بتساؤل:
_ نمشي؟
أومأت له واردفت محدثة رأفت:
_ رأفت، أنت هتوصلنا ع المطار وترجع.
أومأ لها السائق، وبالفعل غادروا حيث المطار.
في الشركة، كان نبيل متوتراً يريد معرفة أين ذهبت سيلين هكذا فجأة. لقد رآها وهي تغادر وخلفها سلطان. حاول الاتصال على سلطان وإرسال رسائل نصية له، ولكنه لم يرد عليه. تسحب بمكر متجهاً إلى مكتب وداد، ثم تحمحم مردفاً بخبث:
_ احم، هي سيلين لسة مجتش ولا إيه؟
نظرت له وداد مردفة بتحفظ وابتسامة رسمية:
_ لسة يا نبيل بيه، حضرتك محتاج منها حاجة؟
أردف ماكراً:
_ يعني كنت هتناقش معاها في موضوع خاص. طيب مقالتش هترجع إمتى؟
أردفت وداد بمراوغة:
_ للأسف مقالتش، ممكن حضرتك تكلمها وتسألها.
نظر لها بغضب ثم اندفع عائداً إلى مكتبه عندما علم أن الأمر لم يجدِ نفعاً.
وصلت السيارة إلى المطار ونزل منها سلطان وتبعته سيلين تمشي وهو جانبها متوجهين إلى الداخل سريعاً قبل إقلاع الطائرة. بعد دقائق من انتهاء الإجراءات، صعدت سيلين مع سلطان على متن الطائرة المتجهة إلى شرم الشيخ، مدينة السلام.
كانت سيلين تجلس في المقعد المجاور لسلطان. نظرت له واردفت بتوتر ممزوج بمرح:
_ تعرف إني بخاف من إقلاع الطيارة أوي، بلاش تتريق عليا، أوكي؟
ابتسم ينظر من النافذة مردفاً بثبات:
_ برغم إنها أول مرة ليا أركب طيارة، بس اطمني، مش هتريق.
نظرت له متسائلة بتعجب:
_ بجد يا سلطان! أول مرة تسافر؟
أومأ مردفاً وهو يتطلع من النافذة:
_ أيوه حقيقي، كان نفسي جداً، وأهو حققت واحد من أحلامي.
أردفت بترقب:
_ وإيه هي باقي أحلامك يا سلطان؟
لف نظره إليها يتمعن في ملامحها، ثم ضيق عيناه واردف غير واعٍ على حاله:
_ أنتِ.
ضربات عنيفة تضرب صدرها من هذا الجزء الملعون الذي يدعى القلب، وهي تتطلع له بتعجب وصدمة، حتى لسانها انعقد ولم تستطع التحدث بعدها. أخرجهما من هذا الموقف إقلاع الطائرة، فتشبثت سيلين في المقعد بقوة ورفعت رأسها إلى الأعلى تغمض عينيها بقوة، بينما هو ينظر إلى ملامحها وأفكاره تتزاحم، معنفة إياه من تصريحه المفاجئ لنفسه قبلها. كيف نطق شيئاً كهذا! بأي حق قالها! وهل تعلى العين عن الحاجب؟! أنسى من هو وماذا يفعل! أنسى أمر خطبته من هذه الفتاة التي تحبه! أنسى أمر تلك الخطة التي دائماً تأرقه في نومه!
حلقت الطائرة في الهواء، وارتخت أعصاب سيلين وجلست تنظر من النافذة، حيث لم يعد للكلام أهمية بعد كلمته تلك. تفكر وتفكر، ما معنى تلك "أنتِ" التي قالها؟ ما قصده! هل فهمت خطأ؟ هل كان سيكمل لولا إقلاع الطائرة! تفكر وتفكر إلى أن غلبها النوم، فأمالت برأسها على النافذة وأغلقت جفونها، غافية عن هذا الذي يتطلع إليها وقد سرت في عروقه مشاعر غريبة، تدفقت سريعاً كتدفق الدماء في الأوردة. لما هي بهذه البراءة؟ لما ينجرف إليها؟ لما كل السبل تصل إلى قلبها!
وصلت الطائرة في مطار شرم الشيخ، وبدأ الركاب في خلوها، بينما سلطان ينظر لتلك التي ما زالت غافية، حتى إنه يخشى إيقاظها. أمال قليلاً مردفاً بنبرة حنونة هادئة:
_ سيلين هانم!
تململت تفتح عينيها ببطء. أول ما رأته هو المطار من النافذة، فعلمت أنهما وصلا إلى وجهتهما. اعتدلت واردفت بخجل وهي تلتفت ناظرة لكل شيء حولها إلا عينه:
_ احم، أنا آسفة، نمت من غير ما أحس.
أردف بحنو حتى يزيل الحرج من على عاتقها:
_ ولا يهمك، أنا كمان نمت.
فكت حزامها ووقفت تستعد للنزول، وهو أمامها يأمن الطريق إلى أن نزلا من الطائرة وولجوا إلى المطار. انتهت الإجراءات وخرج سلطان وهي خلفه. أردف سلطان متسائلاً:
_ فيه عربية مستنياكي؟
أومأت له مردفة:
_ أيوه، أنا قولت لوداد تكلم نيفين المشرفة على العمال هنا وهي بعتتلنا عربية.
نظر سلطان ووجد أحدهم يشير لهما، فعلم أنه السائق عندما أردف مرحباً:
_ حمد الله ع السلامة يا سيلين هانم، شرم نورت.
ابتسمت سيلين وهي تستعد للركوب، وسلطان يأمنها حتى ركبت وغادروا على الفور إلى المصنع.
بعد قليل، توقفت السيارة أمام المصنع، وقد كان هناك مخيم وتجمع من العمال أمام بابه يجلسون ممتنعون عن العمل. عندما رأوا سيلين في السيارة، توقفوا جميعاً وحالة من الشغب استحوذت على الموقف، وقد بدأوا في التزاحم عند السيارة، بينما أردف سلطان بمهارة وثبات:
_ سيلين هانم، متنزليش من العربية غير لما أقولك.
نزل سلطان من السيارة بهيئته الرجولية البحتة، ووقف ينظر للعمال من خلف نظارته، يقرأ نظراتهم ويحفظ أعدادهم الهائلة، ثم أردف بصوت عالٍ:
_ يا شباب، نهدى ونقف وكل طلباتكوا سيلين هانم هتشوفها، هي جاية مخصوص عشان كده، يعني نراعي ده ونراعي إنها سيدة، تمام يا رجالة؟
أردف كبيرهم والذي يقف على رأسهم:
_ متقلقش يا باشا، سيلين هانم بنتنا واستاذ سمير الله يرحمه على راسنا، بس إحنا لينا حق عندها عشان كده طلبناها.
نظر له سلطان قليلاً ثم تحرك باتجاه الباب وفتحه مردفاً بهدوء:
_ انزلي يا سيلين هانم.
نزلت سيلين بحذر تتطلع عليهم بترقب. وقفت بجانب سلطان الذي يتابع بعيون ردارية. أردفت بصوت ناعم عالٍ نسبياً:
_ مساء الخير على أهلي، أولاً البقاء لله طبعاً في حالة الوفاة اللي حصلت هنا، وتأكدوا إن لو فيه علينا خطأ ولو بنسبة ١٪ فأنا مش هقصر في حق حد، وأنا جايه حالا من القاهرة عشان أشوف طلباتكم وأعرف ليه عاملين إضراب عن العمل.
تقدم كبيرهم قليلاً منها، بينما مد سلطان ذراعه أمامها دليل على توقفه، فتوقف الرجل مردفاً بتعقل:
_ يا سيلين هانم، إحنا كل اللي طالبينه إن حضرتك تشوفي بعينك الحالة اللي عليها المصنع. نبيل بيه حياتنا ما تهمهوش، السنة اللي فاتت جه هنا وقلنا له إن المكن محتاج تغيير وفيه ماكينات تانية محتاجة صيانة، بس هو قال إن الميزانية حالياً ما تسمحش بكده ومشي وسابنا، حتى لما طلبنا نزود مرتباتنا رفض. الوقتي الراجل اللي اتوفى ده بسبب سوء حالة المكن، ذنبه إيه؟ عياله ذنبهم إيه؟ ليه يتيموا ويتحرموا من سندهم! ولا عشان إحنا غلابة يا هانم وصوتنا مش مسموع يتعمل فينا كده؟
كانت سيلين تستمع لهم بصدمة. كيف يحدث هذا؟ كيف لعمها أن يكون بهذه الخسة والندالة. خلعت نظارتها وأردفت بتعجب ونبرة حزينة متسائلة:
_ إزاي كل ده بيحصل هنا؟ الميزانية الخاصة بالمكن والصيانة بتتحط كل سنة والماكينات أصلاً بابا الله يرحمه قبل ما يتوفى ماضي على ورقة تغييرها، وإزاي عمي يقول كده؟ أنا مش مصدقة.
أردف أحدهم بغضب من خلف ذلك الرجل:
_ يعني إيه يا هانم مش مصدقة؟ وإحنا هنكذب ليه؟ قدامك المصنع أهو تقدرى تشوفي بنفسك.
نظرت له مردفة بقوة:
_ أنا جايه عشان أشوف بنفسي.
نظرت إلى الرجل الآخر واردفت متنهدة بحزن:
_ اتفضلوا معايا وروني المصنع.
تجمع العمال وتداخلوا في بعضهم، بينما يقف سلطان أمام جسد سيلين يمنع أي احتكاك أحدهم بها دون قصد، بينما عقله يلعن ذلك العم الذي يبدو أن لحكايته سبيلاً آخر. خطى سلطان مردفاً بلغة آمرة:
_ سيلين هانم، خليكي ورايا.
تقدم هو حتى دلف من باب المصنع وهي تمشي خلفه ويسبقهم العمال. دلفت المصنع ونظرت حولها بتتمعن وسلطان يقف بجانبها يتابع أيضاً ما يحدث. أخذها العمال إلى الآلات والمعدات التي تآكلت من الصدأ ولم تعد صالحة للعمل، بينما هناك أخرى بحالة تالفة تماماً. كانت تتابع بحزن وضيق استحوذ على صدرها، فشعرت بالاختناق وهي تهز رأسها بذهول مردفة:
_ مش ممكن... مش ممكن... إزاي مصنع الحلواني يبقى كده؟ إزاي عمي يعمل حاجة زي كده؟
أردف الرجل الكبير بتعقل:
_ أنا كنت متأكد إن انتي معندكيش علم. سمير بيه الله يرحمه كان برضه بيثقك في أخوه، بس نبيل بيه كان دايماً مش قد الثقة دي.
نظرت إلى سلطان خلفها بذهول، كأنها تخبره (أرأيت يا سلطان! أترى ماذا فعل عمي!) بينما الآخر يقف متألماً ومتعجباً في آن واحد. عندما اقتربت من تلك الآلة المتسببة في موت العامل، أردف الرجل بحزن:
_ دي عصارة الفواكه يا سيلين هانم، شوفي وضعها بنفسك.
نظرت لها بذهول ولم تحتمل، فوضعت وجهها بين كفيها تهز رأسها بعنف وقد انتابتها حالة من الرعب. انفطر قلب سلطان على حالتها، ولولا تحفظها لكان أسندها بذراعيه، ولكنه أردف بقلق:
_ حد يجيب كرسي.
أزاحت يدها من على وجهها، وإذا بدموعها تغرق ملامحها مردفة بصوت مختنق:
_ لأ يا سلطان مش عايزة أعد. ذنبه إيه الراجل المسكين اللي اتوفى ده؟ كده ذنبه هيفضل متعلق في رقبتي أنا يا سلطان. ليه عمي يعمل كده وإزاي!
ثم أردفت بصوت عالٍ مهزوز كي يسمعه كل العمال الذين رأفوا على حالتها:
_ من الصبح الماكينات دي كلها هتتغير، والعامل اللي اتوفى أنا هروح بيته وأي تعويض هيطلبوه أنا هدفع.
ثم أردفت بقهر وقلب ممزق بصوت منخفض لم يسمعه سوى سلطان:
_ مع إن مفيش أي حاجة في الدنيا تعوضه، مستحيل.
أردف أحدهم بهدوء وترقب:
_ تمام يا سيلين هانم، بس يا ريت حضرتك تكوني موجودة لحد ما الآلات فعلاً تتغير وتشوفي ده بنفسك.
نظرت لسلطان كأنها تستأذنه، فأومأ لها برضا وحنو، فأردفت بقبول:
_ تمام، أنا هفضل معاكم لحد ما كل حاجة تتصلح، من بكرة الصبح إن شاء الله هنبدأ، وكل طلباتكم أنا هنفذها لكم.
فرح العمال كثيراً وأردفوا بشغب:
_ تسلمي يا سيلين هانم، بنت سمير بيه بصحيح.
نظرت لهم نظرة أخيرة وغادرت وسلطان خلفها بثبات حتى وصلت للخارج أمام السيارة. أوقفها يمد لها منديلاً مردفاً بمشاكسة حتى يزيح الحزن من عينيها:
_ بردو مش معاكي مناديل!
نظرت له بعيون لامعة واردفت وهي تتناول منه المنديل:
_ بس معايا سلطان.
آسرته تلك الكلمة، فلوى فمه مبتسماً يردف بصدق ونبرة حنونة يطمئنها:
_ متقلقيش، كله هيبقى تمام.
نظرت له واردفت بتساؤل وأمل وترقب:
_ صحيح يا سلطان؟ يعني مقلقش؟
أومأ لها، وقد ضاعت ابتسامته عندما تذكر خطة عمها وأنه بطلها الرئيسي الذي اشتراه عمها لتنفيذها عليها. تغيرت ملامحه أمام عينيها فتعجبت متسائلة:
_ فيه حاجة؟
أردف بتشتت وهو يفتح لها باب السيارة:
_ اتفضلي اركبي.
ركبت بتعجب وركب هو في الأمام واردف بتساؤل:
_ تحبي نروح أوتيل معين؟
أردفت بهدوء:
_ أيوه، أوتيل ****.
أومأ السائق وبالفعل غادروا حيث وجهتهم. وصلوا بعد مدة قليلة وقد غابت الشمس. نزل سلطان أولاً وتبعته هي. وقفت تتطلع على الفندق وتتذكر والدها ووالدتها. لمعت عيناها مجدداً بالدموع، وأردفت بهدوء:
_ سلطان، أنا مش حابة أطلع دلوقتي. خد بطاقتي واحجز لنا الغرف وأنا هستناك هنا، حابة أتمشى ع البحر شوية.
أردف بثبات رجولي:
_ مينفعش تقفي هنا لوحدك طبعاً، تعالي معايا نحجز الغرف ونرجع تاني.
أومأت له بطاعة واتجهوا للداخل حيث الاستقبال الذي لاقت فيه ترحيباً بهويتها وتم حجز غرفتين لها ولسلطان، ثم عادت معه إلى الخارج حيث الشاطئ. اتجهت إلى الرمال والمياه الباردة. خلعت نعليها ووقفت على الرمال والمياه تلفح قدماها. رفعت رأسها إلى السماء ونظرت إلى ذلك القمر وتلك النجوم المتلألأة. تلألأت الدموع في عينيها كغيوم ليلية. كان هو يتابعها بعيون متفحصة نادمة. نادم جداً على دخوله في تلك اللعبة. هل يتراجع؟ مؤكد لن يكمل، ولكن هل يتراجع ويتركها! يتركها وحيدة! هي تحتاج لأحدهم. لقد وثقت في الشخص الخطأ. تنهدت بضيق مردفة وهي تتطلع على السماء تخرجه من أفكاره:
_ شايف القمر يا سلطان... أنا زيه... حواليه نجوم كتيييييير أوي... بس برضه هيفضل وحيد.
جلست على الرمال وأشارت له أن يجلس. أطاعها وجلس بجانبها. صمت تام، ولكن الأفكار تتزاحم زحام مرور عابث. هناك شيئاً يجبره على حمايتها وقلب موازين الخطة لصالحها حتى تخرج منها بأقل الخسائر. أخرجته من أفكاره دموعها التي نزلت كالشلال. نعزه قلبه وأردف متسائلاً:
_ سيلين هانم! ليه بتبكي دلوقتي؟
أردفت بضعف لاول مرة يستشعره:
_ أنا وحيدة يا سلطان... أنا يتيمة بجد... حالي زي حال أطفال الشوارع... كل فلوسي وامبراطورية الحلواني مش معوضني عن لحظة في حضن بابا ولا ماما... أنا جوايا كتلة مُرة أوووي يا سلطان... عمي وأهلي كلهم عايزين موتي عشان الفلوس... أنا كرهت الفلوس والممتلكات وكل حاجة ملكي بسببهم... يا ريتني أقدر أتنازلهم عن كل ده وأبعد... بس اسم بابا وسمعته وتعبُه منعني... لازم أبين صلبة وأنا من جوايا أضعف ما يكون.
تنهدت بضيق تسترسل بضعف وانكسار:
_ تعرف إني كنت مخطوبة لآدم ابن عمي.
تعجب من تصريحها بصمت فأكملت:
_ كان بيمثل عليا الحب... وأنا صدقته... بس بعدها وصلتني صورته وهو في الكباريه مع واحدة زيه. اتوجعت جداً بس بعدها عرفت إن ربنا نجاني منه ومن اللي ناوي عليه... صحيح بابا كان عارف إنهم بيكرهوني بس كان دايماً شايف إنهم ممكن يتغيروا... كان دايماً يقول أهلي وإخواتي.
نظرت له وأكملت بدموع:
_ آخرة ده إيه يا سلطان... هفضل كده؟ أنا مشتتة أوي من جوايا ومش عارفة إيه الصح وإيه الغلط.
تنهدت باختناق وأكملت:
_ المفروض إني أعمل إيه مع عمي؟ أعاقبه إزاي على الجريمة اللي عملها؟ بسببه واحد خسر حياته وبيته اتدمر. بسببه فيه أولاد اتحرموا من أبوهم وده أبشع إحساس ممكن الإنسان يحسه.
كان قد وصل لقمة غضبه من نفسه ومن عمها. كان يريد ضمها بقوة وتهدئتها بين ضلوعه. حقاً يريد أن يفعلها، ولكنها تظل نجمة عالية وهو يتابعها من الأرض. بينهما ملايين السنين الضوئية. أردف بحنان وتعاطف كي يهون عليها:
_ أنا متأكد إنك هتعوضيهم. محدش منا عارف الخير فين. ربنا ما أعطاش علمه لحد ولا حكمته معروفة. سيدنا الخضر لما سيدنا موسى ركب معاه السفينة وخرقها وبعدين قتل الغلام وعدل السور المائل لأهل القرية. كل ده حصل وسيدنا موسى عليه السلام متعجب إزاي سيدنا الخضر المعروف بأهل العلم والحكمة يعمل كده! يخرب سفينة لمساكين ويقتل نفس بدون أي ذنب ويصلح جدار مائل من غير ما ياخد أجر! كان دايماً سيدنا الخضر يقوله إنه هيفسره له كل حاجة في وقتها وإنه ميسألش وده كان شرطه من البداية، إلا إن سيدنا موسى كان متعجب من اللي بيحصل. بس بعد كده سيدنا الخضر فسر إن خرق السفينة ده كان مصلحة لأهلها بسبب إن الملك الظالم كان بياخد كل سفينة صالحة غصب عن أهلها. وإن قتل الغلام ده لأنه كان غير موحد بالله وكان فاسد وأهله كانوا بيحبوه جداً عشان كده قتله خوف من إن أهله يتبعوه ويبعدوا عن ربنا بسبب حبهم ليه، وقال إن ربنا هيعوضهم بالأحسن. والجدار المايل ده كان لاتنين أيتام فعدله لأن كان فيه تحته كنز ليهم فحب يحفظه ليهم من السرقة أو الضياع.
تنهد ينظر لها بعمق مسترسلاً بصدق وحنان:
_ يعني اللي ممكن تشوفيه شر ممكن جداً عن ربنا يكون خير ليكي؟ واللي ممكن تشوفيه خير وكويس ممكن جداً يكون هو ده الشر بعينه. فهماني؟
نظرت له بعيون لامعة وأومأت بهدوء. ثم تطلعت للأمام حيث البحر هادئ. شردت تفكر للبعيد نسبياً، حيث مستحيل العودة بالزمن إلى الوراء. كفكفت دموعها وأردفت بصدق وجرأة واعتراف مستغلة تلك اللحظة التي ربما لن تعوض:
_ سلطان، أقولك حاجة.
تنبهت حواسه جيداً، حتى إن قلبه ضربه بعنف كأنه يعلم الآتي. نظر لها بخوف منتظراً حديثها فأسترسلت:
_ من وقت شوفتك أول مرة وأنا حاسة إنك غريب، فيك حاجة مش موجودة عند غيرك. يمكن تكون ظاهرياً قاسي وصلب بس دايماً بحس إنك حنين جداً وقادر تحمي اللي بيلجأ لك. شايفاك شهم وجدع ومستخبي ورا قناع الغموض. يمكن الشئ الوحيد اللي انت مفتقده عشان تكمل الدايرة دي هو الجانب المادي. يمكن وقتها قوتك تكون مضاعفة. أكيد الفلوس مش بتخلق الشهامة ولا الجدعنة بس أكيد هي مصدر مهم أوي لوجودهم. سلطان، أنا فعلاً اتولدت جوايا ثقة ليك. معرفش مصدرها إيه بس أكيد مش من فراغ. ثقة من أول يوم شفتك فيه. حسيت إن انت اللي ربنا بعتك ليا عشان تمحي دموعي. وبعدها القدر جمعنا ببعض تاني. أكيد كل ده مش من فراغ يا سلطان. أكيد فيه حكمة.
كان يستمع لها بذهول. لقد شرحته تفصيلياً. حتى هو نفسه لا يعلم أنه يحتوي على كل هذا. لف وجهه بعيداً عنها وقد تاه بين ضميره وقلبه. وقفت هي تتطلع عليه وفي لحظة خاطفة وبدون أي مقدمات ولا تفكير في المستقبل ولا الحاضر أردفت:
_ سلطان.
نظر لها بصمت مترقباً فأسترسلت:
_ هو إحنا ممكن نتجوز!