تحميل رواية «عفريت مراتي» PDF
بقلم نداء علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
بعض الزهور تعتاد العين رؤيتها فتغدو كغيرها ولا ندرك جمالها الهادئ واختلافها المحبب إلا بعدما تقطف فتشعر العين بغربة وكأن الكون صار قاحلا ونبحث عما افتقدناه فلا نجده. داخل بيته المتواضع الذي لم يبق له من والده ذكرى سواه؛ بيت يحتاج إلى ترميم كي ينعم ببريقه السابق. "يا أمي يعني انتي مش عارفه اللي فيها؛ أنا راجل أجري ويوم شغال وعشرة مفيش أروح اخطب واحدة بنت ناس وأبهدلها معايا!" الأم بتردد: "يا بني ما إحنا هنشوف واحدة على قدنا وتكون عايزة تعيش." حامد بترقب: "وهي مين دي؟" الأم: "مالها فاطمة بنت عمك سي...
رواية عفريت مراتي الفصل الأول 1 - بقلم نداء علي
بعض الزهور تعتاد العين رؤيتها فتغدو كغيرها ولا ندرك جمالها الهادئ واختلافها المحبب إلا بعدما تقطف فتشعر العين بغربة وكأن الكون صار قاحلا ونبحث عما افتقدناه فلا نجده.
داخل بيته المتواضع الذي لم يبق له من والده ذكرى سواه؛ بيت يحتاج إلى ترميم كي ينعم ببريقه السابق.
"يا أمي يعني انتي مش عارفه اللي فيها؛ أنا راجل أجري ويوم شغال وعشرة مفيش أروح اخطب واحدة بنت ناس وأبهدلها معايا!"
الأم بتردد: "يا بني ما إحنا هنشوف واحدة على قدنا وتكون عايزة تعيش."
حامد بترقب: "وهي مين دي؟"
الأم: "مالها فاطمة بنت عمك سيد؛ بت طيبة وبتحبك ومتربية على حجري من يوم ما أمها الله يرحمها ما ماتت."
حامد: "وهبلة وفستها عايمة ومتنفعش تفتح علبة سردين تقومي تجوزهالي وعاوزاها تفتح بيت؛ دي بوقها مبيتقفلش ورغايه ولتاته."
فاطمة وقد استمعت إلى ما يقول دون قصد منها فقد أتت لتجلس بصحبة ثناء إلى أن يعود حامد من عمله؛ اقتربت بمرح قائلة: "وفيها إيه يعني لازم واحد منا يبقى مفرفش وحبوب طالما التاني نكدي وبيضحك في المناسبات.. ولا أبقى بومة ووش فقر يعني؟!"
حامد بغضب: "شايفة قلة الأدب؛ هي دي عروسة الغبرة اللي بتقوليلي عليها يا أمي."
فاطمة بغرور: "وحشة ولا وحشة ده أنا كل شباب الحارة بيتمنوني لولا بس العشرة ومرات خالي السكر دي."
حامد: "الله الغني إحنا مش عاوزين نوقف حالك يا سكر؛ روحي الله يسهلك وشقتك أنا هدهنالك بنفسي."
فاطمة بغرور مصطنع: "طبعًا يا أسطى ماهي هتبقى شقتك برضو مش انت العريس يا عسل ولا إيه؟!"
حامد بصلها بتعجب ومشى بيضرب كف بكف وهي عيونها دمعت وقالت لوالدته: "شايفة ابنك يا مرات خال؛ خلاص أنا كده عملت اللي عليا وجيت على كرامتي ورخصت نفسي أكتر من مرة وهو سايق فيها."
ثناء: "يا بت ظروفه صعبة ومش عاوز يبهدلك."
فاطمة: "لأ ابنك بيكرهني ومش طايقلي كلمة.. عمومًا قوليله يرتاح أبويا موافق على رضا ابن الحج رزق وكنت جاية استنجد بيكم بس مفيش نصيب."
غادرت هي الأخرى وتنهدت ثناء بحزن فهي لا تريد أخرى زوجة لابنها ولكن يبدو أن القدر له كلمة مغايرة.
---
جلس حامد بصحبة صديقه بواحدة من المقاهي الشعبية القريبة من منزله؛ أمامهما طاولة خشبية موضوع فوقها بعض الشاي وصندوق الدومينو.
ألقى حامد حجر النرد بغضب قائلاً: "كام مرة فهمتها إني مش ناوي أتجوز؛ مقدرتي متسمحش يا عم وهي زي الشبطة مصممة تعلق نفسها بحبال دايبة."
سمير بتعجب: "أمرك غريب يا جدع دي حتة قشطة؛ يمين تلاته لو ما كنت بحب مراتي لكنت اتقدمت لفاطمة وأنا مغمض."
حامد بغضب: "ما تتلم يا جدع؛ هي ناقصاك انت كمان."
سمير بتعقل: "يا مغفل البت متتسابش؛ وأبوها راجل غلبان ومعندوش غيرها وظروفهم محصلة ظروفنا يعني هيرضوا بقليلهم."
حامد: "يا عم يعني مش كفاية الفقر اللي أنا فيه أروح أفقرها معايا بزيادة.. ليه البهدلة دي."
سمير: "وجايز تبقى وش السعد والدنيا تحلو على إيديها؛ وبعدين على حد علمي انت مفيش في بالك واحدة بعينها يبقى تتوكل على الله وتسمع كلام أمك وتلحق البت قبل ما تطير من إيدك."
حامد: "يا سمير الحالة ضنك خالص؛ عالأقل عاوزالها شبكة ولا هخطبها على النوتة."
سمير: "يا ابني هنتصرف؛ وعمك ما تروحله يمكن يخلي عنده دم ويساعد بأي حاجة."
حامد برفض: "أروح لمين يا ابني ده مش بعيد يبيع الشبكة لو في نصيب عشان ياكل ويشرب حاجة ساقعة."
سمير: "يا ساتر يا رب ده راجل جلده؛ يلا سيبك منه إحنا نروح لعمك سيد ونشوف رأيه وبعدها ندور على الشبكة واللازم نعمله."
حامد بهدوء: "بكرة؛ نروحله النهار له عينين."
---
اشتد الجدال الدائر بين كرم وزوجته فضيلة كالمعتاد لترفع السكين بوجهه قائلة: "عارف يا راجل انت لو مفتحتش باب التلاجة هعمل فيك إيه."
كرم برفض قاطع: "متقدريش تعملي حاجة يا فضيلة؛ وحطي في بالك إني فاهمك كويس وعارف عمايلك السودة دي."
فضيلة: "عمايل إيه يا راجل يا ناقص؛ يا بخيل يا جلده انت."
كرم: "بخيل ليه؛ انتي اللي مبذرة وإيدك مخرومة."
فضيلة بغضب: "يالهووووي؛ مبذرة ده انت مجوعنا يا ظالم ولولا أبويا وإخواتي كنت مت من زمان أنا وعيالي."
كرم ببلاهة: "وايه المشكلة إن أهلك يساعدوكي الناس لبعضها برده."
فضيلة بجنون: "هتفتح التلاجة ولا أفتح كرشك يا راجل انت!"
كرم بإصرار: "لأ؛ كله إلا التلاجة؛ اعقلي يا فضيلة واخذي الشيطان."
فضيلة وقد فاض بها الكيل: "يمين بالله العظيم ما قعدالك فيها وهاخد عيالي وأروح لأبويا يطلقني منك وأبقى خلي الفلوس تنفعك."
كرم لم يجبها بل اكتفى بالصمت فهو محال أن يتنازل عن عشقه من أجل أحد؛ عشقه الأول والأخير جمع الأموال.
---
أصاب حامد شيء من التوتر بعدما ألقت والدته على مسامعه ما قالته فاطمة وتعجب من موافقتها على الارتباط بغيره فقد كان تمسكها به غير قابل للشك.
تساءل بسخرية قائلاً: "وياترى بقى الست هتتخطب لواحد وهي بتحبني؛ ولا كانت بتمثل وهدفها توقعني وخلاص؟"
ثناء: "بلا خيبة يا مكوس هتوقعك على إيه يا مكوس؛ انت حيلتك حاجة يا وله؟"
حامد: "جرى إيه يا أم حامد؛ مش هي اللي كانت هتموت عليا؟!"
ثناء: "عشان بتحبك يا مغفل؛ وأهي هتطير من إيدك ويابخته وهناه اللي هتتجوزه."
حامد: "أموت وأعرف بتحبيها ليه كده! انتي أم مين فينا بالظبط يا نبع الحنان؟"
ثناء: "يا وله بنات اليومين دول يندب في عينهم رصاصة والبت دي على نياتها متعرفش لولع ولا بتاعت حوارات.. صدقني."
حامد بجدية: "خلاص يا أمي أنا مقدرش على زعلك؛ بكرة نروح نتقدم واللي ربنا رايده هيكون."
ثناء: "لأ؛ لو هتتقدمالها جبر خواطر يبقى بلاش لا تظلمها ولا تظلم نفسك."
حامد مبتسماً: "ما خلاص بقى يا أمي؛ فاطمة حلوة وألف مين يتمناها؛ الحكاية وما فيها إن العين بصيرة والأيد قصيرة."
ثناء: "أنا عاملة حسابي متشغلش بالك."
حامد: "انتي بتحوشي من ورايا يا ثناء؟!"
وكزته بحب قائلة: "القرش الأبيض بينفع لليوم الأسود وانت يوم ما تتجوز هيبقى يوم الهنا والمنى يا وله بس انت قول يارب."
---
لم تتوقف فاطمة عن البكاء إلى أن صاح والدها بوجهها قائلاً: "يا بومة بتعيطي ليه من ساعة ما جيتي؛ مين مزعلك يا بت؟"
فاطمة بتلقائية: "حامد هو اللي مزعلني."
قهقه والدها بحب قائلاً: "حامد؛ تصدقي يا بت يا فطومة الواد حامد ده أرجل واحد في الشارع بس هي الدنيا كده دايما بتيجي على الغلبان؛ زعلك بقى في إيه وأنا أشدلك ودانه."
عضت شفتيها في خجل ولم تدر ما تقول فهي ورغم بساطتها في الحديث ومشاكستها الدائمة لحامد إلا أنها شديدة الخجل مع الجميع.
انتظر والدها أن تقص عليه ما تريد لكنها باغتته بقولها: "أنا موافقة على العريس اللي قولتلي عليه."
والدها بهدوء: "وإيه اللي جد من امبارح للنهاردة؟!"
فاطمة وقد عاودت البكاء: "مفيش حاجة؛ بس انت قولتلي إن العريس كويس وأنا موافقة وخلاص."
جلس والدها إلى جوارها وضمها إلى صدره مقبلاً رأسها بحنو قائلاً: "ماشي يا ست البنات؛ بكرة الصبح هبقى أبلغه إنك موافقة."
أجابته بفزع قائلة: "لأااا؛ بلاش بكرة قوله بعد بكرة."
والدها ضاحكاً: "مش هقوله خالص يا فاطمة؛ قومي نامي يا بنتي وفوضي أمرك لله؛ تبات نار تصبح رماد."
تحركت بخضوع إلى غرفتها؛ مدت يدها تعبث بأغراضها الموضوعة بداخل الخزانة إلى أن أمسكت إحدى الصور المخبأة بين طيات الملابس.
تطلعت إلى صورته بغضب قائلة: "بقى كده يا حامد؛ بتجرحني وتكسر قلبي ومش عاوز تتجوزني؛ بكرة تندم وقت لا ينفع الندم يا ابن ثناء."
ازداد نحيبها لكن سرعان ما توقفت عن البكاء عندما تطلعت إلى شاشة هاتفها تعلن عن اتصال من ثناء؛ ترددت في الإجابة لكنها لم تستطع تجاهلها فهي ومهما حدث في مقام والدتها.
ثناء بسعادة: "أوعي تكوني نمتي يا بت؟"
فاطمة بحزن: "لأ صاحية؛ كنت قاعدة مع أبويا."
ثناء بمكر: "انتي معيطة يا بت؟"
فاطمة: "هعيط ليه؟"
لحظات وبدأت في البكاء من جديد ليرق قلب ثناء حباً وحزناً عليها فتباغتها بقولها: "قولي لأبوكي يا بت إننا جيينلكم بكرة المغرب؛ قوليله خالتي أم حامد بتقولك هنشرب الشاي وبعد منه الشربات بإذن الله."
فاطمة بغباء: "شربات مين! وليه؟!"
ثناء: "عوض علينا عوض الصابرين يا رب؛ هيكون شربات أبوكي يا بت؛ هنيجي بكرة نطلب إيدك لحامد ابني ولا ملكيش مزاج؟"
قامت فاطمة بإنهاء الاتصال بوجه ثناء التي تطلعت إلى الهاتف بصدمة قائلة: "الواد حامد شكله عنده حق والبت دي فيوزها ضارب."
ابتسمت ثناء بحب قائلة: "بس زي العسل وبكرة تعقل ربنا يسعدك يا ابني ويوسع رزقك ويهديكي يا فاطمة وتبقي من حظه ونصيبه."
---
في مساء اليوم التالي تزينت فاطمة ولا تكاد تصدق أن حلم حياتها في الطريق إليها؛ حامد قادم من أجل خطبتها.
مدت كف يدها إلى صديقتها الجالسة إلى جوارها قائلة: "اقرصيني يا بت يا سهى؛ هو اللي بيحصل ده حقيقة بجد؛ مش مصدقة.. يعني أنا مش بحلم!!"
قامت سهى بقرصها لتصرخ فاطمة بفزع قائلة: "آه يا معفنة؛ بتقرصي بجد يا بت!"
ابتسمت سهى قائلة بغيظ: "ما هو انتي زهقتيني من الصبح؛ شكلك اتهبلتي من الفرحة."
فاطمة بسعادة: "اصل أنا بحب حامد أوي يا بت يا سهى؛ ما انتي عارفة."
سهى: "عارفة يا مكوسة بس متدلقيش عليه أوي كده يا بت.. الراجل لو مخدش على دماغه متعرفيش تمشيه.. اسمعي كلامي."
فاطمة: "لأ طبعًا؛ حامد غير كل الرجالة."
سهى بتعجب: "ليه ياختي إن شاء الله… هما بيزحفوا وهو بيطير؛ جتك نيلة في خيبتك وانتي قلبك هفأ وخفيف كده."
فاطمة: "هشششش؛ اخرسي الباب بيخبط."
سهى: "اوعي يا بت خليني أفتح لهم الباب."
فاطمة: "لأ استني الأول شوفي شكلي حلو ولا إيه؟"
سهى بحب: "يا بت انتي زي القمر من غير حاجة أموت وأعرف مدهولة على عينك كده ليه؟!"
تركتها سهى وتوجهت لفتح الباب الفاصل بين فاطمة وحلمها الذي لم يراودها سواه.
جلس الحاج سيد بمواجهة ضيوفه وعلى يمينه جلست فاطمة وثناء.
تحدث سمير بمرح قائلاً: "جرى إيه يا حامد؛ ما تتكلم يا ابني بدل ما الحاج سيد يطردنا."
ابتسم سيد قائلاً: "لأ سامح الله يا ابني ده بيتكم؛ وحامد زي ابني تمام."
ثناء: "ده العشم برده يا حج وعشان كده جاينلك وطمعانين متكسفناش."
سيد: "برقبتي يا ست أم حامد؛ انتي صاحبة الغالية الله يرحمها وكنتوا أكتر من الأخوات."
ثناء: "الله يرحمها يا خويا ويطول عمرك؛ إحنا طالبين إيد فاطمة لحامد."
تطلعت فاطمة إلى وجه والدها وبادلها هو النظرات وكأنه يستأذنها في الموافقة؛ لاح بوجهها سعادة لم يعهدها من قبل فأجابهم دون تردد قائلاً: "وأنا مش هلاقي أحسن من حامد عريس لبنتي."
رواية عفريت مراتي الفصل الثاني 2 - بقلم نداء علي
ابتسمت ثناء بمودة واشتياق إلى فضيلة، سلفتها وصديقة طفولتها. احتضنتها فضيلة بحب ولهفة قائلة:
"بت يا ثناء، انتي هنا بجد؟ وحشاني يا أم حامد، يا عشرة العمر."
ثناء:
"يعني كنتي سألتي عني يا أختي لما أنا وحشاكي أوي كده؟ ده انتي وجوزك بقالكم أكتر من سنة محدش شافكم."
فضيلة بحزن:
"ما انتي عارفة كرم وطبعه المهبب يا ثناء، والله أنا تعبت منه وحطيت صوابعي العشرة في الشق منه."
ثناء:
"عمل إيه تاني الموكوس ده؟ أنا رحت الدار قالي إنك غضبانة عند أبوكي، سألته عن السبب مقليش."
فضيلة بيأس:
"وهيقولك إيه؟ هيقولك إنه اتجنن رسمي. الراجل كل يوم عقله بيخف وبخله بيزيد. آخر المتمة جايب قفل ورزة وقافل التلاجة ويقولي أصل العيال مبذرين وبياكلوا استخسار. لما جاب آخري منه."
ثناء:
"أقولك إيه بس يا فضيلة، البخل ده مرض، اللهم احفظنا. والواحد لو متحكمش في نفسه بيزيد."
فضيلة:
"والله لولا البنات كبرت لكنت اتطلقت منه من زمان، بس أبويا قالي عيشي يابنتي واللي انتي عاوزاه هنجبهولك."
ثناء:
"وماله يا ختي، معلش عليكي الاستحمال وربنا قادر يهديه. اسكتي بقى وسيبك من كرم، هقولك خبر يفرحك."
فضيلة بترقب:
"ياريت، قوليلي حاجة تهون عليا."
ثناء:
"الواد حامد خطوبته يوم الجمعة الجاية."
فضيلة بسعادة:
"اللهم صل وسلم عليك يانبي، ألف بركة. هيخطب مين ياترى؟"
ثناء:
"بنت الحاج سيد جارنا، فاطمة لو فاكراها."
فضيلة:
"أيوه أكيد، دي مفيش مرة جينا نزوركم إلا ولقيناها عندك."
ثناء:
"طيبة ومتربية قدام عيني وعلي قد حالنا."
فضيلة:
"وحامد بقي بيحبها ولا إيه؟"
ثناء:
"حامد ابني ده بعيد عنك طوبة، لا بيحب ولا بيلاغي. بس أنا متفائلة بفاطمة، بت نغشة ولونه كده إن شاء الله هتخليه يحبها."
فضيلة:
"ربنا يسعده يا ثناء ويفرحك بولاده. كل شيء نصيب، لو مكانش مسعد الله يرحمه خدكم وسافر القاهرة كان زمانا مع بعض وحامد اتربى وسط أهله وناسه."
ثناء:
"الله يرحمه، طول عمره كان غاوي سفر. وبعدين القاهرة من الفيوم مبعدتش أوي، انتوا بس اللي بتكسلوا."
فضيلة بسخرية:
"كرم بعيد عنك ممكن يطب ساكت لو بنزين العربية خلص في المشوار، وبيكون نفسه يجي يشوفكم بس بيخاف."
ثناء:
"والنبي يا أختي كرم ومسعد الاتنين ما أسخم من زفتى إلا ميت غمر، واحد كان مسرف بزيادة وضيع كل فلوسه والتاني ماسك بزيادة، لو بإيده هيحاسبكم عالهوا اللي بتتنفسوه."
تحركت فضيلة بخفة تجاه دولاب الملابس ومدت يدها تبحث عن شيء ما.
عادت مرة أخرى وجلست جوار ثناء. مدت يدها إليها بابتسامة قائلة:
"خدي يا أم حامد، دي نقطة حامد."
ثناء برفض:
"ليه كده يا فضيلة تزعليني منك؟ هو أنا جاية أعزمكم عشان فلوس؟"
فضيلة:
"وبعدين في عقلك الصغير ده، هو في فرق بين حامد وولادي يا ثناء؟ اخص عليكي. وبعدين أنا لو ضامنة عمه مكنش هيهمني، بس أنا عارفاه كويس. مدي إيدك يا ثناء دي حاجة بسيطة وفي الليلة الكبيرة هديله نقطته في إيده إن شاء الله."
ثناء:
"لأ، ولو مصممة تنقطيه يبقى لما تيجي يوم الجمعة."
فضيلة:
"خدي الفلوس عشان لو في حاجة ناقصة ويوم الفرحة يحلها الحلال."
ترددت ثناء في القبول فهي عزيزة النفس إلى حد بعيد، ولكن إصرار فضيلة جعلها تتقبل الهدية وبداخلها سعادة كبيرة، فالمبلغ الذي أعطتها إياه ليس بالقليل.
ابتسمت بداخلها قائلة:
"شكلك وش الخير يابت يا فاطمة وربنا هيفرجها علينا."
***
اتخذت فاطمة وضع الاستعداد وكأنها على وشك الدخول في حرب ضروس. تطلعت إليها صديقتها بتوتر وخوف قائلة:
"بصي يا فاطمة، وإنتي بتحطي الفراخ في الزيت حطيها بالراحة علشان متتلسعيش."
أومأت إليها فاطمة بثقة قائلة:
"اطمني، قولتلك. أنا لازم أتعلم الطبيخ بسرعة عشان أثبت لحامد إني مش خايبة زي ما بيقول."
سها بترقب:
"ربنا يستر."
أمسكت فاطمة الدجاجة المطهوة وقامت بإلقائها بقوة داخل المقلاة لتندلع ألسنة النيران. صاحت سها برعب قائلة:
"الله يخرب بيتك هتموتي محروقة! اهربي يابت يا فاطمة."
أتى والدها مسرعاً يبحث عنها بخوف ليجدها تختبئ خلف صديقتها. تساءل بتعجب قائلاً:
"بتصوتي ليه يابت؟"
سها:
"بنتك حرقت المطبخ ياعم سيد."
اقترب الرجل بهدوء يتمتم بحذر:
"الله يكون في عونك يا حامد يابني، أنا عارف إن البت دي تكفير ذنوب."
توجه بحذر إلى داخل المطبخ بينما كانت فاطمة ترتعد خوفاً وسها توبخها على فعلتها.
قام الحاج سيد بإغلاق أنبوبة الغاز وقام بإخماد النيران بسهولة ويسر.
عاد باتجاه ابنته وابتسم إليها بحب قائلاً بطيبة:
"يابنتي بالراحة على نفسك، هتتعلمي كل حاجة. وبعد كده متحمريش الفراخ في الزيت، ابقى حطيها تتحمر في الفرن."
سها:
"هاتها لها ميكروويف ياعم سيد."
سيد:
"هجيب لها اللي هي عاوزاه يابنتي، المهم ربنا يهديها ومتولعش في الشقة وفينا."
ابتسمت فاطمة بحرج قائلة:
"حقك عليا يا بابا، أنا بس خفت من الزيت. وبعدين مش انت السبب؟ انت كنت بتخاف تخليني أعمل أي حاجة والنتيجة أهو طلعت عبيطة ومش هعرف أطبخ وحامد هيطفش."
سيد ضاحكاً:
"متخافيش هتتعلمي واحدة واحدة، كل البنات بقت بتتعلم في أزواجهم اليومين دول وحامد طيب وابن حلال."
***
أراد كرم مصالحة زوجته والذهاب إليها كي ترجع إليه من جديد، فهي محبوبته وأم أبنائه. لقد كانت حياته سهلة بسيطة. تزوج بمن أحب وتزوج شقيقه بمن أحبها. كان كرم ومسعد تؤاماً غير متماثل بالشكل وبالصفات، ولكنهما كانا مقربين من بعضهما إلى حد بعيد.
كانت فضيلة وثناء صديقتين، ووقع الأخوان في هواهما وتزوجا دون صعوبات تذكر.
تأخر كرم وفضيلة في الإنجاب، بينما رزق مسعد وثناء بطفلهما الأول والوحيد حامد. واستمر الحال إلى أن قرر مسعد ترك بلدته والعيش بالقاهرة، فقد كان عاشقاً للمغامرة والترحال.
غاص كرم وسط الكثير من ذكريات الماضي إلى أن انقطعت الكهرباء فجأة.
أحس كرم بشيء من الرهبة، فهو يخشى الظلام. بحث عن مصدر بديل للضوء فلم يجد. تحدث إلى نفسه قائلاً:
"صحيح البت فضيلة قالتلي إن الكشاف اتحرق، ومفيش هنا شمع. أنور بيه! يلا ميجرى حاجة أهو توفير للكهربا اللي شغالة ليل ونهار، وفضيلة وعيالها سايبين العداد يفر عمال على بطال."
اتكأ على ظهره بعض الوقت مستخدماً الكشاف الخاص بهاتفه إلى أن نفذ الشحن وعم الظلام الدامس.
استمع كرم إلى صوت حركة خفيفة من حوله. تلفت كرم بفزع ينادي بقوة:
"مين اللي هنا؟"
لم يجبه أحد وزاد فزعه. هرول بخوف يتكفأ إلى أن اصطدم بالباب الخارجي لبيته. أسرع إلى الخروج قائلاً:
"الله حي! الحقوني يا جدعان.. الحقوني حراااامي!"
أسرع الجيران إلى إغاثته دون تردد. وبعدما ساعده جيرانه على القبض على ذاك اللص، اكتشفوا أنه لم يكن سوى هر ضخم يبحث عن بعض الطعام.
تبادل الجميع المزاح فيما بينهم، ولكن كرم كان في حالة يرثى لها. ودون تفكير أسرع لاستعادة زوجته، فقد أوشك على الموت خوفاً منذ لحظات، ويجب عليه التضحية، وإن اضطر إلى إعطائها مفتاح الثلاجة كي ينال رضاها فلن يتراجع.
***
انتهت فاطمة من اختيار بعض المصوغات الرقيقة والتي حرصت على أن تكون بسيطة كي لا تكلف حامد مالاً يطيق.
ابتسمت ثناء برضا إليها قائلة:
"اختاري يابت حاجة تقيلة، الفلوس موجودة."
فاطمة بخجل:
"أنا اخترت خلاص يا ثناء، وكفاية عليا حامد."
همست إليها ثناء قائلة:
"يابت اتقلي شوية، هو ده اللي اتفقنا عليه يا مايلة!"
فاطمة:
"حاضر، هتقل بس بعد الخطوبة، خليني أفرح دلوقتي شوية."
ثناء بحب:
"تفرحي وتتهني يارب."
زغرطت بكامل طاقتها وكأنها كانت تنتظر تلك الفرحة منذ سنوات. ونظر إليها حامد بحب قائلاً:
"ربنا يباركلي فيكي يامه."
وجه بصره إلى فاطمة قائلاً:
"مبروك يا فاطمة."
لم تصدق فاطمة حالها، هل يتحدث إليها أم تتوهم؟ ظلت صامتة، فتساءل بجدية:
"إنتي ساكتة ليه؟ في حاجة مزعلاك؟"
تحدثت بتلقائية تميزها:
"لأ، أنا فرحانة أوي وحاسة إني بحلم."
ابتسم هو الآخر وتنهد بخفوت، يتمنى أن يبادلها مشاعرها الواضحة للعيان، رغم تخوفه من براءتها المفرطة.
***
اصطحب حامد فاطمة من صالون التجميل (الكوافير) وسط فرحة عارمة من الجميع. وأصوات الزغاريد تتعالى من النسوة المحيطين بهما. توجها إلى بيت الحاج سيد فقد أعد المكان لاستقبال ابنته وخطيبها. وبدأت أصوات الأغاني الشعبية الشائعة في إحياء الحفل البسيط.
أعدت ثناء طعاماً شهياً من كافة الأنواع وساعدتها جيرانها من الأصدقاء القدامى. ومن يستحق المساعدة مثلها، فهي كما الوردة العطرة بين الجميع، محبة ومعطاءة للكبير والصغير.
انتهت إحداهن من رص أطباق الطعام فوق المائدة قائلة:
"كده خلصنا يا أم حامد، الحمد لله الأكل كفى وفاض."
ثناء بحب:
"الحمد لله، عقبال ولادكم يا حبايب."
تسااءلت إحداهن قائلة:
"وأكل العريس والعروسة يام حامد؟"
ثناء:
"العريس والعروسة بيتعشوا أكلهم، كنت ركناه على جنب."
تسااءلت إحداهن بفضول قائلة:
"مش مفروض إن العروسة هي اللي بتطبخ وتأكل المعازيم؟"
أجابتها ثناء قائلة:
"مفيش فرق يا أم أحمد، وبعدين فاطمة أمها الله يرحمها وملهاش غير أبوها، يعني نسيب الراجل يجيب طباخ ويغرم نفسه واحنا موجودين."
أجابها الجميع قائلين:
"لأ يا أم حامد، طول عمرك صاحبة واجب، عقبال ما تفرحي بولادهم."
***
كانت فاطمة فاتنة للغاية إلى الحد الذي جعل حامد لا يحيد النظر عنها. تعلقت عيناه بها رغماً عنه، بينما كانت هي تائهة بين الحشود تجذبها سعادتها نحو عالم جديد لم تقتحمه من قبل.
قامت بوضع قطع الدجاج واللحم بكثرة أمام حامد الذي هتف مازحاً:
"إيه يا طماطم، حد قالك عني مفجوع.. ولا إيه؟"
نظرت إليه بخجل قائلة:
"ها، انت بتكلمني أنا؟"
حامد ضاحكاً:
"هو إحنا معانا حد تاني يابنتي... إنتي لسه بتحلمي ولا إيه؟"
فاطمة:
"لأ مفيش غيرنا، وأبويا قاعد قصادنا أهو في الصالة."
حامد هامساً:
"تعرفي إنك حلوة أوي، زي القمر."
نظرت إليه وفؤادها ينبض بجنون. لحظات وفقدت وعيها من فرط سعادتها. ليهب حامد واقفاً يتطلع إليها بخوف قوي قائلاً:
"منك لله يا سمير، قولتلي أدلعها وأقولها كلام حلو، أهي متحملتش وشكلها ماتت من الصدمة. أنا كان مالي بس دلوقتي أبوها هيتهمني فيها ويفكر إني عملت فيها حاجة."
اقترب منها بلهفة يخشى أن يراها والدها بتلك الهيئة فيترجم عقله ما حدث بصورة خاطئة، ربما يخيل إليه أنه قد مسها بسوء أو حاول التقرب منها.
أصابه التوتر الشديد خاصة عندما أمسك كفها الناعم بين كفيه الخشنة، أصابته مشاعر متباينة، فهو لم يقترب هكذا من قبل ولم يمسها هي أو غيرها.
همس إليها بقلق قائلاً:
"فاطمة، إنتي كويسة؟ قومي الله يكرمك، حصلك إيه بس؟"
بدأ بنثر قطرات من كوب الماء الذي أمامه فوق وجهها إلى أن رمشت بأهدابها عدة مرات، فتنفس الصعداء وأخذ في تكرار المحاولة إلى أن انتبهت ونظرت إليه قائلة:
"هو حصل إيه؟ أنا فين؟"
اعتدلت في جلستها قائلة بحزن:
"أنا آسفة والله، شكلي نكدت عليك."
تعاطف هو معها فحاول التخفيف عنها مازحاً:
"ياستي فداكي، أنا بس خوفت عليكي وخوفت أبوكي يضربني، هيقول عملت إيه في بنتي."
عضت شفتيها خجلاً وتوردت وجنتاها بشدة، وتعلقت نظراتها به وكأنها منه وإليه فقط.
رواية عفريت مراتي الفصل الثالث 3 - بقلم نداء علي
من أراد الخالق به خيراً وهبه حكمة تؤهله للرضا والتسامح؛ تجعله مدركا لمغزى الحياة ونهايتها؛ قبر نوضع به ولا يبق بصحبتنا سوى أعمال لا يعلمها إلا الله؛ دنيا لا تستحق الغيرة والحقد والنفاق بل كل ما تستحقه بسمة تفاؤل وتغافل عن الصغائر كي نحيا بسلام.
ابتسمت ثناء بخفوت بعدما قص عليها حامد ما حدث قائلاً:
"يامه البت دي مهبوشة؛ بقولها شكلك حلو اغمى عليها ووقعت قلبي من الخوف."
ثناء:
"ياواد والله لو لفيت الدنيا ما تلاقي في طيبة قلبها انت بس اللي بتتلكك."
حامد بتعجب:
"جرى ايه يااما….ايه الحكاية؛ دي لو سحرالك مش هتحبيها كده!"
ثناء بجدية:
"يقـلب أمك الرحمة أهم حاجة في الدنيا؛ خليك رحيم يابني بفاطيما دي متربية من غير أم يعني اتلطمت من بدري واوعي يا حامد لو جرالي حاجة تستقوى عليها ولا تزعلها؛ راعي ربنا فيها ياحبيبي علشان ربنا يوقفلك ولاد الحلال."
تأثر حامد للغاية واقترب من والدته جاثيا تحت قدميها يقبل يديها باحترام وخوف من فقدانها قائلاً:
"بعد الشر عنك يام حامد؛ هو انا ليا غيرك في الدنيا."
ثناء:
"ياواد متخفش؛ ان شاء الله مش هموت غير لما اشوفك مع مراتك واطمن عليك."
لم يعقب حامد فكل ما يرجوه أن تبقى والدته الي جواره فهي كنزه في الحياة ولا طاقة له بالبعد عنها.
🔸🔸🔸🔸🔸
في الصباح توجهت فاطيما الي بيت حامد بعدما شاهدته يغادر الي عمله؛ طرقت باب البيت بخفة الي أن استمعت الي صوت ثناء تقول:
"تعالي يا طماطم؛ الباب مفتوح أنا ضهري واجعني ومش قادرة اقوم."
اقتربت فاطيما من مجلسها تنظر اليه بترقب قائلة:
"مالك يا ثناء؛ أوعي تكون تعبانة وابنك يقول عليا وشي وحش …اصبري شويه لما نفرح بقى …مالك بس."
ثناء:
"يابت ضهري واجعني من الحركة انبارح ونمت متأخر وانا مبحبش أسهر ..وبعدين ده اللي يهمك يابت!!"
فاطيما بحب:
"الله بقى …هو انتي هتتغيري لما اتجوز ابنك يا ثناء وتعامليني زي الحموات ..ولاايه حكايتك بقى!"
نظرت اليها ثناء بتعجب:
"اسكتي ياهبلة ….انتي بنتي قبل ما يكون ابني."
ثم ما لبثت أن تعالت ضحكاتها لتنظر اليها فاطيما بغضب طفولي قائلة:
"الله يسامحك ياثناء …بس بتضحكي ليه دلوقتي؟"
ثناء:
"بضحك علي خيبتك؛ بقى الواد يقولك كلمتين حلوين تقومي تخرعيه يابنت سيد."
فاطيما بخجل:
"الله بقى؛ ما أنا اتخضيت لما قالي كده؛ ده حامض منشف ريقي بقالي كام سنة وقارش ملحي."
بحثت ثناء عن شئ تلقيه بوجهها ولم تجد شيئاً بالقرب منها؛ وقع بصرها علي وسادة فوق الفراش المجاور لها؛ تحدثت بهدوء قائلة:
"هاتي المخدة اللي وراكي دي يا فاطيما."
ناولتها فاطيما اياها؛ لحظات والقتها ثناء بوجهها لتشهق فاطيما بفزع قائلة:
"جرى ايه يا ثناء؛ بتضربيني علي خوانة ليه دلوقتي."
ثناء:
"يابت قولتلك متقوليش علي ابني حامض تاني يا مضروبة انتي."
فاطيما بغيظ:
"لما يضايقني هقوله؛ ولما يبقى حلو وطيب هقول يا سي حامد؛ ياحمودي ياحبيبي."
ثناء:
"اقعدي يابت خلينا نشوف هنعمل ايه."
فاطيما:
"هنعـمل ايه في ايه !!"
ثناء:
"في شقتكم يا خايبة؛ عاوزين نلحق ونشطب براحتنا."
فاطيما:
"لأ؛ انا هتجوز واقعد هنا معاكي."
ثناء:
"امشي يابت تقعدي فين هو أنا بجوزكم علشان ارتاح ولا علشان تقرفوني."
فاطيما بجدية:
"افهمي يا ثناء؛ أنا مقدرش اعيش بعيد عنك."
ثناء:
"ما انتي هتفضلي معايا طول النهار؛ بس لما جوزك يرجع من شغله تاخديه وتطلعي شقتكم تاخدوا راحتكم وانا أرتاح من الدوشة."
فاطيما:
"اللي يريحك اعمليه المهم تبقي حماتي وخلاص."
ثناء بسعادة:
"ما خلاص يابت خلصنا ولا مش عاجبك؟!"
احتضنتها فاطيما بسعادة قائلة:
"ربنا يخليكي ليا ويباركلنا فيكي؛ أنا بحبك اوي."
🔸🔸🔸🔸🔸🔸🔸
تطلعت فضيلة إلى كرم ببرود لقد مضى ما يزيد عن الساعتين؛ يسعى باستماته لاصلاح شاشة التلفاز المتهالكة والتي يأبي استبدالها بأخرى جديدة؛ لم تعترض فهي باتت علي دارية بما يفعل ولن تخوض معه نقاشا جديدا.
تركتـه وتوجهت الي غرفة بناتها تطمئن على أحوالهن وتركت كرم يكمل مهمته الشاقة.
بعد قليل ابتسم بسعادة قائلاً:
"ايوة؛ عفارم عليك يا كرم."
تحرك بخفة ليقوم بتشغيل الزر الخاص بتوصيل الكهرباء بالشاشة ابتسم بسعادة بعدما أضاءت الشاشة؛ لحظات وانفجرت محدثة صوتاً قويا جعل كرم يصيح بفزع مهرولا الي غرفة بناته وزوجته قائلاً:
"حريقة؛ الحقيني يا فضيلة؟"
نظرت اليه فضيلة بشماتة قائلة:
"عملت ايه يا وحيد عصرك؛ منك لله يا كرم هتموت نفسك وتموتنا معاك."
كرم بغيظ:
"والله يا فضيلة شكلك كنتي بتدعي عليا."
فضيلة:
"ادعي عليك بأيه وانت فيك كل العبر."
كرم:
"لمي نفسك احسنلك."
فضيلة:
"حاضر يا سبعي؛ اتكل عالله روح اتشطف وغير هدومك وشك كله هباب."
كرم:
"ماشي يا فضيلة؛ عالعموم الشاشة باظت أهو توفير من عند ربنا بدل ما انتي وبناتك ليل نهار قدام التلفزيون."
فضيلة:
"وانت مفكر اني هستناك تجيب واحد جديد؛ موت ياحمار؛ اطمن أخويا هيجبلي واحد جديد وانت خليك اسمع الراديو واعمل حسابك ان فرح ابن اخوك اخر الشهر."
كرم بتوتر:
"وأنا اعمله ايه؛ ربنا يتمم بخير."
فضيلة:
"مفروض تعمل زي الناس الأصيلة وتروح تقف جنبه وتساعده؛ بس انت طبعا مش هتعمل كده."
كرم:
"وبعدين بقى؛ انتي فاكرة اكمني ساكتلك هتركبي وتدلدلي رجليكي؛ لاااا ده انا أدفنك مطرحك هنا."
ابتسمت فضيلة بخبث قائلة:
"هو انت متعرفش اللي حصل يا كرم!!"
كرم بترقب:
"لا حصل ايه!!"
فضيلة:
"بيقولوا ياخويا ان الكفن ملوش جيوب."
كرم:
"عليا الطلاق بالتلاته يا فضيلة لكون رايح لأبوكي واخواتك وقايلهم علي قلة أدبك ويانا يانتي."
🔸🔸🔸🔸🔸🔸
لم ينظر حامد الي فاطيما من قبل بتلك الكيفية؛ يراها منذ سنوات طفلة ساذجة تلتصق بظل والدته أينما توجهت لم يخيل إليه من قبل أنها رقيقة الي تلك الدرجة؛ جميلة بشكل مميز؛ لديها قدرة علي اسعاده رغماً عنها.
ستكملت فاطيما حديثها قائلة:
"بص؛ احنا مش شرط نعمل فرح كبير؛ نعمل حاجة بسيطة نفرح خالتي ثناء وابويا وخلاص."
حامد:
"يا شيخة؛ طب وانتي وصحباتك مش هتزعلوا لو ماتعملش فرح كبير واتصورتي زي البنات وعملتي حوارات."
فاطيما بثقة:
"لا مش هزعل؛ وصحباتي هيفرحوا بيا أنا وبفرحتي مش بالفرح والمظاهر الفارغة."
حامد:
"انتي عاوزة توفري يا فاطيما؛ فاكراني مش هقدر اعملك فرح؟"
فاطيما:
"اه عاوزة أوفرلك؛ انت أولى بالفلوس ومش عيب ولا حرام بالعكس لما نسهلها علي نفسنا ربنا هيكرمنا بعد كده."
ابتسم حامد قائلاً:
"طيب لو قولتلك انك حلوة اَوي يا فاطيما ينفع ولا هيغمي عليكي تاني؟"
ابتسمت بخجل قائلة:
"لا مش هيغمي عليا؛ دي كانت من المفاجأة بس."
حامد:
"طيب ياستي؛ انتي جميلة اوي وروحك حلوة يا فاطيما؛ بحس انك طفلة صغيرة وكبيرة في نفس الوقت وعلشان كده عاوزك تسمعيني كويس ممكن."
فاطيما بترقب:
"أه طبعا قول اللي انت عاوزه."
حامد:
"أنا عارف انك بتحبي أمي ومتعلقة بيها طبعا بس أمي يا فاطيما ملهاش غيري يعني يوم ما يحصل بينك وبينها حاجة واقف ما بينكم هتلاقيني في صفها حتى لو هي الغلطانة."
فاطيما:
"حقها عليك بعد ما ضيعت عمرها عليك وكبرتك انك تراعيها وتراضيها وان شاء الله مش هيحصل بيني وبينها مشاكل دي أمي، وحتي لو حصل خليك انت بعيد واحنا نحل مشاكلنا لوحدنا."
حامد:
"أه يعني اطلع منها."
فاطيما:
"أه يكون أحسن برده."
حامد:
"ماشي؛ تاني حاجة أصحابي رجالة وجدعان وعلي راسي بس بيتي خط أحمر؛ يعني اشوفك واقفة مع حد تبعي بتتكلمي ولا بتهزري ازعلك يا فاطيما؛ وهتشوفي وش مش هيعجبك.
الناس بقت وحشة ومفيش حد كبير على الغلط فواجب علينا نحرص ولا نخون؛ فهمتي؟"
نظرت اليه ببلاهة قائلة:
"لأ؛ انت تقصد ايه؟"
مسح وجهه بغيظ قائلاً:
"يعني ممنوع تكلمي رجالة يا فاطيما؛ انا وابوكي وبس غير كده يبقى كلامك معاهم سلام عليكم وعليكم السلام."
صفقت بسعادة قائلة بحماس:
"الله بقى؛ انت بتغير عليا وكده اهه.. طب ما تقول من الأول."
"لازم يعني التقل ياسكر."
"عموما اطمن أنا أصلا مبحبش الرجالة ولا بحب اكلمهم؛ مش بحب حد غيرك…"
نظر اليها بدهشة قائلاً:
"بتحبيني ليه يا فاطيما؛ أنا مش شايف حاجة فيا زيادة عن الناس تخليكي تحبيني كده."
فاطيما بصدق:
"هي خالتي ثناء بتحبك علشان شكلك؛ ولا لأنك ابنها وحته منها."
حامد:
"بس دي أمي والمثل بيقول القرد في عين أمه."
فاطيما:
"أنا بحس انك حته مني؛ معرفش ليه بس طول عمري بشوفك انت وبس."
🔸🔸🔸🔸
في ليلة مليئة بالكثير من المشاعر المتباينة كانت الزينة والصخب المحبب إلى النفس يعلوان بالمكان.
فاطيما وحامد يجلسان وحولهما الأهل والاصدقاء يتراقصون بسعادة.
كانت ثناء تنظر اليهما بسعادة تعجز الكلمات عن وصفها وحامد تغمره سعادة ممزوجة بشيء من الخوف من المستقبل؛ بينما كانت فاطيما ترتعد خوفاً؛ لقد تبادل معها صديقاتها الكثير من الحكايا المختلفة حول ليلة الزفاف وما يحدث؛ لم تستطع تخيل ما قيل لها.
هل من الممكن أن يتسبب حامد في ايذائها؟
نظرت اليه بتوتر بينما هو يبتسم اليها.
تحدثت إلى نفسها قائلة:
"بتضحك علي ايه يابن ثناء وبتبصلي بمكر كده ليه اه ياخوفي منك تطلع زي الرجالة قليلة الأدب اللي بيحكولي عنهم؛ والله يا حامض افتحلك راسك ولا يهمني."
همس اليها حامد قائلاً بمرح:
"شايفة عمي كرم مركز مع الأكل ازاي؟"
فاطيما:
"بتقول حاجة يا حامد!!"
حامد:
"انتي كويسة يا طمطم؛ مالك كده مش عادتك النهاردة؛ انتي خايفة ولا ايه؛ قالها غامزاً بشقاوة لتنظر اليها قائلة:
"هخاف من ايه يابن ثناء!!!"
ارتجفت بشدة بعدما توقفت اصوات الموسيقي وعلا صوت الزغاريد؛ اقتربت ثناء تهتف بسعادة:
"يلا ياحبيبي خد مراتك واطلع شقتك كفاية سهر بقى."
مالت ثناء علي اذنها هامسة بخفوت:
"مالك يابت بتبرقي لحامد كده ليه؛ هو مزعلك؟?"
فاطيما بصوت مسموع:
"أنا عاوزة اروح مع أبويا يا ثناء؛ مش عاوزة اتجوز."
رواية عفريت مراتي الفصل الرابع 4 - بقلم نداء علي
خيم على الحضور صمت يشوبه بعض الفضول بعدما استمع الجميع إلى صوت فاطيما الباكي ومحاولة والدها الحانية في طمأنتها.
تحدثت ثناء بحكمة قائلة:
"خدها أنت يا عم سيد وطلعها شقتها واحنا هنحصلك."
فعل سيد ما قالته ثناء في هدوء. التفتت ثناء تنظر إلى النسوة المتسائلة قبل أن يبدأن في القيل والقال ونسج حكايات وهمية قائلة:
"معلش يا جماعة، أنتوا عارفين حامد ابني حمقي حبتين وقبل الفرح كان شادد مع فاطيما."
تحدثت إحداهن قائلة:
"معلش يا ابني، طول بالك عليها دي يتيمة وغلبانة."
تبادلت النساء كلمات المواساة والتوصيات التي استقبلها حامد بابتسامة هادئة وداخله غضب قوي مما فعلته فاطيما، فقد فاجأته بخوفها الشديد منه رغم سعيه الجاد لتهدئتها.
لاحظت والدته شروده فقالت:
"يلا يا حبيبي، اطلع لمراتك ربنا يهدي سرك."
استجاب حامد لمطلب والدته وصعد إلى عروسه. غادر الكثير من الحضور ولم يبق سوى المقربين من ثناء.
مال كرم يهمس إلى زوجته فضيلة بخفوت قائلاً:
"بناتك فين؟ عاوزين نروح مع إبراهيم ابن عمي في عربيته بدل ما نتبهدل في المواصلات."
فضيلة بغيظ:
"روح أنت وهو ووفر أجرة العربية، أنا والبنات هنقعد مع ثناء لما السبوع يعدي نبقى نروح."
كرم بسعادة:
"آه وماله، عالأقل ترتاحوا من المشوار. أنتوا تعبتوا أوي يا حبيبتي."
نظرت إليه فضيلة دون تعقيب وغادر هو مسرعاً قبل أن يتركه ابن عمه.
هدأت فاطيما بعدما صعدت إلى بيتها الجديد وتحدث إليها والدها مطولاً إلى أن قالت:
"حقك عليا يا بابا، أنا آسفة مكنش قصدي أضايقك."
سيد:
"أنا مضايقتش يا بنتي، أنا خفت يكون حد زعلك."
فاطيما بتردد:
"أنا... أنا بس خايفة يا بابا. أنا متعودتش حد يقل مني، أنت طول عمرك شايلني من عالأرض شيل."
انحنت تقبل يد أبيها بحب وامتنان وابتسم هو برضا، وقد اكتملت رسالته بستر ابنته وتزويجها لرجل يرجو منه الخير.
تحدث سيد بجدية حنونة قائلاً:
"متخافيش، أنا عارف إنك خايفة وأنا والله يا بنتي لولا هظلمك مانت جوزتك أبداً من خوفي عليكي، بس أنا مش هعيشلك طول العمر ولما أموت هسيبك لمين. لكن دلوقتي بقيتي في عصمة راجل ابن ناس وأمه ست أصيلة ومربياكي زي بنتها، نخاف من إيه بقى! أنتي بس اتجدعني كده وحافظي على بيتك ومتزعليش جوزك يا فاطيما، ودايماً قوليله حاضر، كلمة حاضر بتريح حتى لو هتعملي حاجة تانية."
ابتسمت فاطيما قائلة:
"الله ماشي يا عم الحج مش هاكله… وهقوله حاضر."
أدرك سيد مزاحها واحتضنها قائلاً:
"هتوحشيني أوي وهيوحشني شقاوتك دي؛ بس أنا تقوليلي حاضر شاكك فيكي يابنت سيد. متقوليليش كده برو عتب."
قهقهت فاطيما واستشعرت أماناً بين أحضان والدها وتركها بعدما أيقن أن فاطيما كانت وستبقى طفلة تخشى العالم بأسره، يدعو لها بقلب صادق أن يكن حامد سكناً لها.
اقترب حامد الذي لم يشأ أن يقاطع حديثها مع والدها وانتظر بالخارج إلى أن غادر سيد بعدما أوصاه بها خيراً.
عضت فاطيما شفتيها بخجل وتوتر لتتساءل في هدوء وترقب:
"أنت زعلان مني يا حامض؟"
كان حامد صامتاً يتطلع إليها بتقييم، وقد كان جمالها في أوجه. فتناسى حامد غضبه منها وحل محله إعجاب ورغبة.
تحدثت إليه هي بشراسة بعدما لاحظت نظراته وعادت إلى خوفها الذي جاهدت في إبعاده بقولها:
"أنت بتبصلي كده ليه يا حامد؟ هي ثناء كانت فين وأنت بتتربي شكلها كده؟ شفت بقى إنك قليل الأدب فعلاً وثناء نسيت تربيك."
ابتسم حامد بتسلية وخلع عنه سترته.
حامد:
"بتقولي إيه؟ عيدي كده تاني. هو مين اللي مترباش؟ فيه حد يقول كده لجوزه حبيبه؟"
ابتلعت فاطيما ونظرت من حولها تبحث عن مهرب.
فاطيمة:
"استني بس هفهمك. أنت مش جوعان؟ ولا أنتوا بتجوزوني عشان تجوعوني؟ آه قولوليلي كده بقى."
حامد بمكر:
"أيوه آه متجوزك عشان كده. عندك اعتراض؟"
فاطيمه:
"يارب عصافير بطنك تاكل في بعضها ومايبقاش فيها ولا عصفورة صغننه قد كده."
سقطت لتجد نفسها بعد لحظات بين أحضانه بينما هو مسرور من تلك المشاكسة.
امتنعت فاطيما عن الكلام وربما عجزت عن ذلك، وكيف لها أن تأتي بكلمات تعبر عن مشاعرها المتداخلة ما بين خوف ورجاء وسعادة ورفض وحب يزداد بقلبها لذاك الرجل الذي لم تحب سواه من قبل.
قبلها حامد برغبة لتشهق فاطيما بعدما فاقت من صدمتها وتنظر إلى حامد بوعيد لم يدرك مغزاه إلا بعدما أمسكت يده وعضته بقوة.
صاح حامد قائلاً:
"آآآه يابنت المجانين! طب تعالي بقى يابنت عم سيد أنا هعلمك الأدب من أول وجديد."
واستغل حامد صمتها رهبتها دون اعتراض إلى عالم جديد خاص بهما فقط، عالم فاطيما وجنونها اللذيذ.
بعد عودتهم إلى البلدة تفاجأت فضيلة بكرم يهرول إليها والسعادة تحيط بوجهه، فتساءلت هي بترقب:
"إيه يا كرم؟ كسبت اليانصيب؟"
عبس كرم قائلاً:
"ليه هو أنا مبضحكش أبداً؟"
فضيلة:
"لا يا خويا نادر أوي لما بتضحك، أنا فكرت إن الضحك بيدفع عليها جمارك فانت خايف تتجمرك."
أجابها بغيظ:
"لا ياختي بس بنتك الكبيرة جايلها عريس لقطة وقولت اجي أفرحك."
هبت فضيلة واقفة تسأله بفرحة:
"بجد يا كرم؟ ياما أنت كريم يارب أخيرا النحس هيتفك."
كرم:
"نحس إيه يا وليه؟ ده أنا مش ملاحق على العرسان."
فضيلة:
"إزاي الكلام ده؟ أومال مبتقوليش ليه؟"
كرم بثقة:
"لأ ما أنا برفضه علطول لأنهم طمعانين وبيتشرطوا بقى وعاوزين يستغلوني."
فضيلة:
"أنت بتتكلم جد يا كرم؟"
كرم:
"آه والله ده الأسبوع اللي فات اتقدم لهند عريسين بس رفضتهم الاتنين لما قالولي عاوزين مطبخ المالتي."
حاظت عيناها ولم تصدق إلى أن استكمل:
"العريس اللي بقولك عليه هياخدها ويسافر، لا إحنا هندفع ولا هو هيدفع."
فضيلة:
"نهارِك مش فايت يا كرم، نهارك زي وشك... إن ما قتلتك وخلصت عليك دلوقتي."
أمسكت يد المكنسة وهرولت خلف كرم الذي بدأ في تبرير موقفه قائلاً:
"يا وليه اعقلي ده أنا بدور عالصالح."
وقفت فاطيما أمام البوتاجاز تنظر إلى الإناء بتعجب، لتصيح منادية باسم ثناء التي هرولت إليها قائلة:
"إيه ولعتي في إيه يا مايلة؟"
فاطيما:
"مولعتش يا ثناء، مش عارفة أعمل الرز بالبصلة اللي ابنك طلبه مع السمك. يعني أعمله إزاي؟ هو ماله البيض والجبنة كانوا وحشين ولا وحشينا."
ابتسمت ثناء وبدأت في تبسيط الأمر إلى فاطيما التي تحدثت في ثقة:
"خلاص روحي صلي وأنا هعمل. فهمت كل حاجة."
ثناء بتحذير:
"أوعى تلسعي نفسك، اعملي الأكل على مهلك لسه بدري على ما حامد يرجع من الشغل."
فاطيما:
"متخافيش، أنا خلاص بقيت ولا الشيف شربيني… وابنك هييجي يقولي ياتكاته ياحركاتك."
نظرت إليها ثناء متشككة مما تقول، لكن فاطيما غمزتها بشقاوة قائلة:
"على الله حكايتك بقى هوّينا يا نونه."
انتهت فاطيما من إعداد الطعام وتنظيف المكان بأكمله، إلى أن أتت ثناء قائلة:
"اطلعي خدي حمام وغيري هدومك قبل جوزك ما يرجع."
فاطيما:
"ماشي، مش هتأخر عليكي."
ثناء بحب:
"لأ خليكي لما جوزك يطلع وتشوفي طلباته وابقي انزلي معاه نتغدى."
صعدت فاطيما وجلست ثناء تشاهد التلفاز إلى أن غفت في مكانها.
عاد حامد من عمله الشاق، دلف يبحث عن والدته فوجدها نائمة، قبل رأسها بحب إلى أن انتبهت لوجوده فتحدثت إليه ومازال النوم يغالبها:
"حمد الله عالسلامة يا قلب أمك، اطلع لمراتك وارتاح شوية وهاتها وتعالي نتغدى."
حامد بغيظ:
"هي فوق وسيباكي لوحدك؟"
ثناء:
"لأ يا ابني دي لسه طالعة وطبخت ونضفت البيت كله زي ما أنت شايف."
حامد دون تصديق:
"ماشي يا أمه كملي نوم وأنا هطلع اغير وانزل."
صعد حامد إلى شقته، بحث عن زوجته المدللة من وجهة نظره، لقد تمادت في أفعالها وعليه أن يردعها.
ناداها بحدة قائلاً:
"فاطيما، أنتي فين؟"
أتت إليه تبتسم بسعادة قائلة:
"أنا هنا يا حامد، كنت بغير هدومي ونازلة."
صاح حامد بغضب قائلاً:
"إيه كل يوم ارجع من الشغل ألاقي أمي في المطبخ وانتي عند أبوكي طول اليوم وتعملي حسابك تيجي قبل ما أوصل. آه أمي بتحبك بس المفروض يبقي عندك شوية دم وتراعي إنها كبرت ومبقتش حمل تنضيف وطبيخ وبهدلة، وإنتي خلاص بقيتي ست متجوزة يعني تكني في بيتك."
أدمعت عينا فاطيما من اتهامه فتساءلت في ضعف:
"هي ثناء قالتلك إني مبعملش حاجة معاها؟"
حامد بشراسة:
"اسمها أم حامد، أو حماتي مسمعكيش تاني بتقوليلها يا ثناء، احترمي نفسك شوية."
انفجرت فاطيما في بكاء قوي تجيبه بنفي قائلة:
"أنا معملتش حاجة، أنا من يوم ما اتجوزنا بساعدها في كل حاجة وتقدر تسألها. مفيش أي حاجة بخليها تعملها حتى الأكل بعمله أنا والله العظيم كل اللي خالتي بتعمله إنها بتقول أحط إيه، ملح وتوابل لحد ما أتعلم لوحدي. أنت ليه كده بتتعمد تظلمني؟"
تنهدت بتعب قائلة:
"بالنسبة لأبويا فلو كنت بتسأل كنت عرفت إنه واخد دور برد بقاله يومين ومش قادر يصلب طوله ومن قبل ما نتجوز قولتلك أبويا ملوش حد غيري، حصل يا حامد."
حامد بندم:
"مكنتش أعرف، أنتي مقولتليش ليه؟ كنت رحتله ووديته للدكتور."
تحركت فاطيما من أمامه قائلة بشيء من اللوم بعدما أولته ظهرها:
"محبتش أتعبك، في الأول والآخر أنت جوز بنته مش ابنه."
همت أن تغادر الغرفة لكنه اعترض طريقها قائلاً:
"استني يا فاطيما، أنا مقصدش."
فاطيما ومازالت تبكي:
"سيب إيدي أنا نازلة تحت عند حماتي."
ابتسم حامد محاولاً مشاكستها:
"لو سمعتك بتقولي يا حماتي هتضربك يا طمطم."
فاطيما بحزن:
"مش هتفرق يا حامد، أوقات الكلام بيوجع أكتر من الضرب."
أغمض عينيه بألم وجذب يدها برفق إلى أن وصلا إلى فراشهما، فجلس وأجلسها إلى جوارها قائلاً بتعب:
"أنا متعصب اليومين دول يا فاطيما حقك عليا، والله غصب عني الشغل بقاله فترة مريح والحالة صعبة ومتعودتش أستلف ولا أمد إيدي لحد طول عمري شغال وكسيب الحمد لله."
ابتسمت إليه وكأنه شيئاً لم يكن ومسحت فوق شعره بحنو قائلة:
"سيبها لله هو اللي بيرزقنا مش أنت يا حامد."
تساءل بتعجب وترقب:
"أنتي قلبتي كده إزاي؟ وبتضحكي مش كنت بتعيطي من شوية؟ هو انتي عبيطة يابت؟"
اقتربت منه ناظرة إليه بغضب قائلة:
"الله بقى جرى إيه... مش قولنا لازم حد يبقى فرفوش؟ هبقى أنا وأنت ياعسل…. وبعدين أنا لسه مخصماك؛ بس مبحبش أشوف حد زعلان."
تبدلت ملامحها وسيطر الحزن عليها لتهمس بضعف:
"عارف أول يوم رحت فيه المدرسة أبويا اشترالي حاجات غالية أوي عشان يعوضني غياب أمي، كان شاريلي شنطة وجزمة إيه البنات كلهم كانوا هيموتوا عليهم بس جه يسرحلي شعري الصبح معرفش؛ فضل يجرب مرة واتنين وفي الآخر حضني وقعد يعيط. أنا وقتها مكنتش فاهمة يعني إيه موت بس دموع أبويا وجعت قلبي فقلتله نكتة وبعد ما كان بيعيط فضل يضحك ويبوس فيا. ومن يومها مبعيطش يا حامد، مش علشاني لأ ده عشان أبويا يفضل مبسوط طول ما هو شايفني بضحك وبهزر. أنا مش هبلة زي ما أنت مفكر أنا بحس إن الدنيا مش مستاهلة مشاكل وخناق."
ابتسم حامد وكأن ما قالته فاطيما حل وعلاج لما يؤرقه. اقترب بشدة من وجهها الجميل وهمس بحب يعترف به للمرة الأولى قائلاً:
"طول عمري أمي داعيالى وراضية عني يا فاطيما؛ بس صدقيني اختيارها ليكي كان أحلى حاجة حصلتلي من يوم ما وعيت عالدنيا."
فاطيمة:
"الله بقى منا عارفه مش ثناء بس اللي داعيالك دي أمهات المؤمنين بحالها.. هو أنا أي حد ده أنا عسل."
غمرها حامد بمشاعر جديدة، مشاعر رغبتها حب وليست احتياج مجرد من رجل لامرأة بل همسات من رجل بات محباً لزوجته وربما عاشق دون أن يدري.
هرولت فاطيما كعادتها تسرع الخطى كي ترى والدها وتطمئن على أحواله لتنظر إليها جارتها العجوز شديدة الفضول قائلة:
"يابت يا فاطيما."
اقتربت فاطيما منها قائلة بابتسامة ودودة:
"نعم يا خالة نعمة، عاوزة إيه؟"
نعمة:
"بـتـجـري كده ليه يابت؟ أنتي اتجوزتي مفروض تعقلي بقى وتمشي علي مهلك علشان لو حامل الحمل يثبت."
فاطيما بدهشة:
"حامل إيه يا خالة؟ ده أنا متجوزة من شهر."
نعمة:
"يابت قولي يارب جوزك وحيد وغلبان، ده في بنات بتحمل ليلة الفرح."
فاطيمة في سرها:
"نعم إزاي يعني إيه الست اللي مترتبش دي… وبعدين بقى أنا ناقصة روشتها."
فاطيما بتوتر:
"ربنا كريم يا خالة."
نعمة:
"ثناء عاملة إيه معاكي؟"
فاطيما:
"زي الفل الحمد لله."
نعمة:
"يدوم حمدك يا بنتي، بس اسمعي كلامي وشوفي محملتيش ليه عاوزين نفرح بعيالك."
نظرت فاطيما ببلاهة إلى نعمة وبدلاً من الذهاب إلى بيت والدها عادت أدراجها إلى ثناء التي فزعت عندما صاحت فاطيما بوجهها قائلة:
"هو أنا لو مخلفتش يا ثناء هتجوزي حامد عليا؟"
ثناء بغضب:
"تفي من بوقك يا بومة بتفولي على نفسك ليه يا بت!؟"
فاطيما:
"ردي يا ثناء والله أزعل منك… دلوقتي حالا بالا."
أمسكتها ثناء من حجابها تهزها بعنف قائلة:
"يابت اعقلي هتشليني؛ يابت مكملتيش شهر متجوزة وجاية تقوليلي مبخلفش."
فاطيما بحزن:
"ما أنا خايفة من ابنك يتلكك يا ست ثناء ويقول بركة يا جامع وهو أصلاً مبيحبنيش وهفضل أعبط وأحزن وأنا فرفوشه مش عايزة أكتئب أنا وأنا صغيرة كده."
ثناء ضاحكة:
"لأ ياختي اطمني بيحبك؛ ده ابني وأنا عارفاه."
فاطيما بسعادة:
"بجد يا ثناء؟ يعني هو قالك إنه بقى يحبني… قولي والله كده."
ثناء:
"أنتي إيه اللي رجعك يابت؟ أنتي مش كنتي رايحة لابوكي؟"
فاطيما:
"قولي الأول حامض بيحبني بجد!!!"
صفعتها ثناء على مؤخرة رأسها قائلة:
"آه بيحبك بس انتي اعقلي كده وبطلي جنان ومتفكريش في خلفة دي رزق وربنا بيبعته وقت ما يريد."
فاطيما بارتياح:
"حاضر؛ أنا والله مش بفكر في الحاجات دي خالص مالص؛ بس خالة نعمة سألتني حامل ولا لأ."
ثناء:
"يا ساتر عليها ولية فقر قاعدة للسقطة واللاقطة نقول إيه بس الواحد مبيرضاش يزعلها إكمنها كبيرة في السن، وانت يا جزمة متقفيش معاها كتير وتاخدي وتدي؛ فاهمة؟"
فاطيما بمرح:
"حاضر يا ست أم حامض؛ انتي تأمري واحنا نطنش يا غالية."
رواية عفريت مراتي الفصل الخامس 5 - بقلم نداء علي
تبادلت ثناء أطراف الحديث مع فضيلة تستمع إلى شكواها المريرة من أفعال كرم وجنون حرصه على المال إلى أن قالت:
"معلش يا فضيلة طولي بالك ياختي انتي طول عمرك مستحملة"
قاطعتها فضيلة قائلة:
"يا ثناء ده راجل معفن، بقولك بيطفش العرسان وأنا بقالي كام سنة حاملة الهم وكاتمة في قلبي وأقول سبحانك يارب. البنات زي قمر وبقوا فوق بعض ومفيش عريس بيتقدملهم. أكيد بسبب بخل أبوهم الناس بتخاف تهوب ناحيتهم أتاريه هو السبب برده بس بيرفضهم خايف يدفع ويجهز بناته."
فضيلة بتردد:
"سامحيني يا فضيلة أنا والله ظلمتك وقت ما فاتحت كرم وطلبت منه ايد البت مروة لحامد وقولت بنتي ومن لحمنا ودمنا جوزك قالي لأ خلينا حبايب من بعيد لبعيد. ووقتها قولت إنكم يعني شايفنا مش قد المقام."
فضيلة بصدمة:
"امتى حصل الكلام ده يا ثناء!!!"
ثناء:
"من سنتين كده، وقتها كلمته ولما حصل اللي حصل قفلت عالسيرة بس حقك عليا أنا كنت شايلة منك انتي كمان والشيطان لعب في راسي وقالي بقي كده يا فضيلة مكنش عيش وملح."
أقسمت فضيلة قائلة:
"ورب الكعبة ما قالي ولا جاب سيرة، اخص عليكي يا ثناء ده حامد راجل يتاقل بالدهب ولو كنت أعرف لا كنت جوزتهاله غصب عن عين أبوها."
ثناء:
"ربنا يرزقها بالأحسن منه ويباركله في مراته طيبة وبنت حلال وبتحبه."
قالتها ثناء بعدما لاحظت غضب فاطيما ونظراتها الشرسة.
فضيلة:
"يارب، ربنا يعوض عليهم بالخلفة الصالحة."
اقتربت فاطيما بحماس تجاه ثناء التي تراجعت إلى الخلف قائلة:
"بتبصيلي كده ليه يابت يامخبولة انتي!!"
فاطيما:
"بقى انتي كنتي عاوزة تجوزي حامض لواحدة غيري؟!"
ثناء:
"يابت ده كان كلام وحتى حامد ميعرفش عنه حاجة، بس الأصول كده ميصحش يبقى عمه عنده بنات في سن جواز وأروح أدور بره وأهو الحمد لله جت منه وموافقش…. أنا بس قولتلها لأجل ما أخلص ضميري لأني ظلمتها وقولت كرم أكيد سألني قبل ما يقولي لأ وحتى لو رفض من نفسه كان واجب يكلمني ويطيب خاطري."
فاطيما:
"آها يعني انتي عاوزة تطلعي نفسك بريئة يا ثناء مكنش العشم."
ثناء:
"بريئة إيه يابت، هو أنا خايفة منك يابت ولا إيه!!"
فاطيما بحزن:
"صدمتيني يا ثناء، ده أنا كنت فاكرة إن مفيش في دماغك غيري. أاتاريقي واخداني استبن."
ثناء مبتسمة:
"لأ يا فاطيما انتي مش استبن واحنا لو لفينا الدنيا بحالها مش هنلاقي عروسة حلوة زيك بس شغلي مخك كده يابت ماتتعبنيش. يعني مثلاً لو انتي عندك صداع وجارك دكتور وفي بينكم عشرة ويشوفك رايحة تكشفي عند دكتور تاني مش هيزعل؟"
فاطيما:
"هيزعل بس المهم أنا مزعلش وعمري ما هنسالك الحركة النص كم دي يا ثناء، كله إلا حامض، ده جوزي وقرة عيني من يوم ما وعيت عالدنيا ولو مكنش اتجوزني بمزاجه كنت هخطفه منك."
"وبعدين بذمتك أبويا العسل ولا كرم أبو المكارم!!"
ثناء ضاحكة:
"لا ده انتي أبوكي ولا في الدنيا كفاية تعبه معاكي وتربيته ليكي عالغالي."
فاطيما بجدية مريبة:
"سيبك من السيرة دي وركزي معايا."
ثناء بترقب:
"خير يارب؟!"
فاطيما:
"أنا قررت أعمل مشروع وأساعد حامد، اليومين دول الشغل مريح وهو مزاجه وحش ومش راضي يتكلم ولا يشتكي."
ثناء:
"وهو حامد هيرضى إنك تشتغل، ده دماغه صعبة يابنتي ومبيرضاش أبداً حد يساعده."
فاطيما:
"ما إحنا مش هنقوله دلوقتي."
ثناء برفض:
"لا طبعاً، بلاش مشاكل ابني مبيحبش الكدب."
فاطيما:
"اقعدي بس واسمعيني الأول."
ثناء:
"اديني قاعدة يا معدولة لما أشوف أخرتها معاكي."
ابتسم كرم بسعادة بعدما تحدث والد العريس الجالس بجواره قائلاً:
"إحنا يا حج كرم مش طالبين حاجة غير موافقتك وإن شاء الله نكتب الكتاب والعريس ياخد عروسته ويسافروا ولما يرجعوا بالسلامة يبقوا يجهزوا شقتهم على مهلهم."
تحدثت فضيلة مقاطعة لما يقوله الرجل وقبل أن يجيب كرم بالموافقة المتوقعة قائلة:
"كلامك عين العقل يا أبو أحمد بس اللي أوله شرط أخره نور ياخويا."
أبو أحمد:
"وإحنا تحت أمركم."
فضيلة:
"الأمر لله، إحنا مش ضامنين عمرنا والنهاردة إحنا عايشين ياعالم بكرة هنكون فين، بنتي والحمد لله متربية ومتعلمة ومهياش أقل من غيرها."
أبو أحمد:
"طبعاً دي ست البنات."
فضيلة:
"يبقى يتعملها قايمة نضمن بيها حقها."
أبو أحمد:
"بس القايمة هتتعمل ليه وانتوا معلش مش هتجيبوا حاجة؟"
فضيلة:
"إحنا مطلبناش منك حاجة يا أبو أحمد القايمة دي هتبقى زي وصل أمانة وبالنسبة لحق بنتي من أبوها فهو هيحطلها تمن جهازها وديعة في البنك وقت ما تنزل هي وجوزها ويبدؤا يجهزوا شقتهم تجيب اللي يعجبه."
نظر كرم بصدمة إلى زوجته التي همست إليه قائلة:
"أطلقك منك النهاردة يا كرم قصاد موافقتك على كلامي فاااهم!!"
ابتلع كرم ريقه بغضب ولم يستطع الرفض أو القبول فهي تطلب إليه المستحيل.
تحدث أبو أحمد إلى كرم قائلاً:
"إيه رأيك يا حج كرم؟!"
فضيلة:
"وهو أنا هعمل حاجة من غير ما كرم يوافق عليها."
أبو أحمد:
" مقصدش بست."
تنحنح كرم بجدية مصطنعة قائلاً:
"بستأذنك يا أبو أحمد أكلم أم مروة دقيقتين على جنب."
أبو أحمد:
"آه طبعاً اتفضل."
تحرك كرم وفي أعقابه فضيلة تطلع إليه بغيظ إلى أن وصلا إلى غرفتهما فاحكم كرم غلق الباب من خلفه ونظر إلى فضيلة بغضب ووعيد قائلاً:
"بتهدديني يا فضلية، طب إيه قولك أنا مش هدفع ولا مليم وأعلى ما في خيلك اركبيه."
فضيلة بثقة:
"وماله انت مفكر إني مش عاملة حسابي وعارفة إنك ممكن تطلقني عادي المهم متدفعش حاجة في جواز البنات، بس اللي انت متعرفوش إني مبتكلمش كلمة غير لما أكون متأكدة منها."
كرم:
"تقصدي إيه؟!"
فضيلة:
"يعني انت هتعمل اللي قولته لأبو أحمد وهتحط للبت فلوسها في البنك."
كرم:
"إيه هتضربيني مثلاً!؟"
فضيلة:
"لأاا هبلغ عنك الضرايب، هقولهم على كل حاجة والفواتير المضروبة اللي انت مخبيها عندي في الحفظ والصون."
وضع كرم كفه فوق رأسه قائلاً:
"نهار أبوكي مش فايت يا فضيلة، انت عاوزة تحبسي جوزك وأبو بناتك."
فضيلة:
"وماله ماهو لما تتحبس هتاكل وتشرب ببلاش يعني قصدي مصلحتك."
لم يجد كرم أمامه سوى الموافقة فهو على يقين أن زوجته قد تفعل ما تقول.
اعترضت ثناء قائلة:
"لا أنا قلبي مش مطمن هتخرجي لوحدك إزاي وانتي أهبل منك مافيش ممكن تتوهي يابت ومتعرفيش ترجعي افهمي بقى."
فاطيما بثقة:
"عيب عليكي يا نونه مش للدرجة دي بعدين لو حصل يعني هتصل عليكي وانتي تتصرفي."
ثناء:
"يابطي الله يهديكي بلاش أنا خايفة من حامد يتخانق معاكي."
فاطيما:
"يووة يا ثناء ركزي إحنا بس هنخبي عليه لحد المشروع ما يمشي بعدين نعرفه."
ثناء بتردد:
"خلاص روحي بس أو إوعي تتأخري."
فاطيما بحماس:
"إن شاء الله مش هتتأخر."
استقلت فاطيما حافلة لنقل الركاب وشردت بخيالها بعيداً تبتسم بين حين وآخر كلما تذكرت ما آلت إليه حياتها فقد باتت سعيدة وهي من قبل لم تعرف معنى السعادة تزوجت بحامد وتحيا بقربه ومعها ثناء تساندها بلا تردد وها هي تخطو نحو تحقيق النجاح والعمل، تنهدت بقوة إلى أن استمعت إلى الجالس جوارها يعاكسها بخفوت قائلاً:
"مالك يا قمر بتتنهدي ليه؟!"
نظرت إليه ببلاهة قائلة:
"انت بتكلمني؟!"
وضع يده بالقرب من يدها قائلاً:
"هو في غيرك قمر هنا!"
صدمت فاطيما في بادئ الأمر من تجاوزها ولمساته المقززة لكنها سرعان ما استجمعت قوتها لتحمل حقيبة يدها وتضربه بقوة فوق رأسه.
صاح الآخر بفزع وشهقت فاطيما عندما سالت الدماء من رأسه ليتوقف سائق الحافلة ويتساءل قائلاً:
"جرى إيه يا جدعان، بتضربيه ليه ياست انتي؟!"
ظلت فاطيما صامتة وكأنها مغيبة ليندفع الرجل مدعياً البكاء قائلاً:
"دي شكلها مجنونة يا عم، أنا بمد إيدي أقولها هاتي الأجرة فتحت دماغي زي ما انت شايف."
لم تدر فاطيما ما حدث إلا بعدما هتف الضابط بحدة قائلاً:
"ضربتيه ليه يابت انتي؟"
فاطيما بحدة:
"أنا اسمي فاطيما مش بت، بعدين هو اللي راجل قليل الأدب وكان…" تلعثمت بخجل قائلة: "كان بيعاكسني وبيمد إيده عليا."
حاول الضابط ألا يعنفها خاصة وقد راقه طريقتها في الحديث وملامحها البريئة.
ابتسم قائلاً:
"كان بيعاكسك تقوم تفتحي دماغه يابت؟!"
فاطيما:
"لأ أنا مكنش قصدي أبطحه، بس الشنطة فيها إزازة برفان تقريباً هي اللي عورته، عموما يستاهل."
الضابط:
"يعني انتي معترفة؟"
فاطيما:
"يعني يرضيك أسيبه يمسك إيدي، طب حامد لو عرف يبقى موقفي إيه بقى..!!"
الضابط بتعجب:
"حامد ده مين كمان؟"
فاطيما:
"ده جوزي حبيبي قرة عيني ومينفعش حد غيره يلمسني أساساً."
قهقه الضابط قائلاً:
"أنا بدأت أصدق فعلاً إنك مجنونة."
فاطيما بجدية:
"لأ والله أنا مش مجنونة، أنا كنت رايحة أجيب بضاعة."
الضابط:
"مخدرااات!! نهار أمك مش فايت النهارده."
فاطيما بخوف:
"يا نهار أسود، مخدرات إيه يا باشا، أنا هفهم حضرتك."
قصت فاطيما على مسامعه خطتها نحو توفير بعض المال لمساعدة زوجها في أعباء الحياة إلى أن انتهت قائلة:
"بس يابه، هي دي الحكاية والبضاعة دي ملابس ببيعها أنا وثناء."
أخذ يدور بلا وجهة معلومة يتحرك داخل وخارج مسكنه عله يراها يتنهد بثقل وكأنه عاجز عن التقاط أنفاسه إلى أن اقتربت منه والدته فهرول مسرعاً إليها قائلاً:
"إيه يامه، لقيتيها؟!"
أجابته ثناء بقلق:
"لأ يا بني البت سها قالت مشفتهاش."
حامد بجنون:
"طب راحت فين، إزاي تخرج لوحدها وتتأخر كده."
ثناء:
"والله يابني قالت هتنزل تشتري شوية حاجات و.."
حامد بترقب:
"وإيه يام حامد؟!"
ثناء متراجعة عن مصارحته:
"مفيش يابني زمانها جاية الغايب حجته معاها."
اقتربت من مدخل الحارة سيارة شرطة فتوجهت أنظار المارة إليها لتهبط منها بعد لحظات فاطيما التي أسرعت إليها ثناء بلهفة تحتضنها بخوف قائلة:
"رحتي فين يابت يا فاطيما والحكومة قبضت عليكي ليه يا ضنايا؟!"
فاطيما بثقة:
"قبضوا عليا إيه، ده بيوصلوني أصل الظابط خاف ليحصلي حاجة وأنا لوحدي."
رواية عفريت مراتي الفصل السادس 6 - بقلم نداء علي
ابتسم حامد بخفوت يدعي الامتنان لذاك الضابط الذي بقى واقفاً بصحبتهم عقب ان هبطت فاطيما من سيارة الشرطة.
تحدثت ثناء بود قائلة:
"اتفضل يا سعادة البيه نشرب حاجة، والله احنا بيتنا نضيف."
الضابط بأدب:
"علي راسي يا أمي، وبعدين خلاص أنا بقالي اصحاب في المنطقة، ولا ايه يا فاطيما؟"
فاطيما بتلقائية:
"اه طبعا ياباشا… حد يطول يصاحب حضرتك."
اقترب الضابط من حامد قائلاً بصوت هامس:
"علي فكرة انت ربنا بيحبك، أنا في حياتي كلها مقابلتش بنت بالجمال والاخلاق وخفة الدم دي، فاطيما دي تحس انها من عالم تاني ياريت متزعلهاش."
أومأ إليه حامد في صمت وغادر الضابط بعدما منح رقمه الخاص لفاطيما التي لم تدرك بعد ما هي مقبلة عليه.
انتظر حامد إلى أن تحركت السيارة واختفت عن مرمى بصرهم، وسحب فاطيما خلفه وجنون لم يعهده يتلبسه.
صاحت والدته بخوف قائلة:
"طول بالك يابني، انت ساحبها كده ليه؟!"
تحدث حامد بتحذير قائلاً:
"لو سمحتي يامه متدخليش، اقسملك بالله لو حاولتي تحوشيها من ايدي لكون مخلص عليها."
ارتعبت فاطيما من حدة صوته ونظرت برجاء إلى ثناء، فرفعت يدها قائلة:
"متخافيش يا حبيبتي، طولي بالك."
دفعها بقوة كادت أن توقعها، ولم يلبث أن اقترب منها قائلاً:
"كنتي فين وايه اللي وداكي القسم؟"
فاطيما:
"أنا معملتش حاجة."
صاح صارخاً:
"أومال كنتي بتهببي ايه مع الظابط، بيفسحك يا روح أمك!!!!"
فاطيما بتعجب:
"عيب كده، ايه روح امك دي!"
نظر اليها بشيء من الترقب، فتراجعت هي للخلف قائلة:
"بص يا حامض ياحبيبي ، والله لو ضربتني هخاصمك."
"اضربك! ده أنا هنفخك زي البلونة."
ابتسمت ببلاهة قائلة:
"متقدرش على فكرة."
أمسك ذراعها بقسوة فأدمعت عيناه وانكمشت علي نفسها بخوف قائلة:
"بص، أهدى كده وأنا هحكيلك كل حاجة بس ياريت تتفهم موقفي."
حامد بغضب:
"اتفهم ايه ياختي؟"
فاطيما:
"موقفي."
أشار إليها بيديه:
"خلصي عشان عداد عمرك بيعد."
انتهت فاطيما من سرد ما حدث بالتفصيل الممل.
تنهد حامد بهدوء إلى ان قال بلهجة جادة غير قابلة للنقاش:
"لمي هدومك وروحي بيت ابوكي لأني ممكن اطلقك دلوقتي لو فضلت في وشي."
نظرت اليه بصدمة أوجعته، لكنه لم يتراجع عن كلمته، بل كرر قوله بحدة أشد:
"دقيقتين والاقيكي مشيتي من هنا."
غادر مسرعا، ونظرت فاطيما في اثره قائلة:
"بتطردني يا حامض مكنش العشم."
حزمت بعض ملابسها وهبطت إلى الأسفل، دقت باب حماتها بقوة، فهرولت اليها ثناء.
ثناء بترقب:
"رايحة فين؟"
فاطيما:
"حامض القاسي طردني وقالي روحي لابوكي."
جذبتها ثناء واغلقت الباب قائلة:
"لأ، طول ما انا عايشة مش هتطلعي من البيت لما الموت ابقي ام."
فاطيما بحزن:
"لا لازم امشي كرامتي متسمحليش بكده."
ثناء بحدة:
"اسكتي يابت كرامة ايه، ان جيتي للحق مفروض حامد يقطع رقبتك."
فاطيما برفض:
"ليه بقى ان شاء الله أنا عملت ايه يا ثناء؟"
ثناء:
"عملك أسود ومهبب، ده انتي داخله الحارة في البوكس ولا اجدعها مجرم في المنطقة."
فاطيما بحزن:
"والله ما كنت اعرف ان الدنيا هتبوظ مني بالشكل ده."
ثناء بحب:
"اقعدي يابت واحكيلي عملتي ايه؟"
***
تحرك شادي بخفة مسرعاً تجاه ريم التي ابتسمت إليه رغم رفضها لوجوده.
شادي:
"ازيك يا ريم."
ريم:
"الحمد لله، ازيك انت يا شادي مش اتفقنا بلاش تجيلي هنا."
شادي:
"طب اعمل ايه يا ريم، اعمل ايه؟ اتقدمت بدل المرة خمسة وابوكي منه لله بيرفض."
ريم بغضب:
"متدعيش على ابويا."
شادي:
"يا شيخة بقى، ده راجل مري."
ريم:
"شااادي، احترم نفسك."
شادي:
"وبعدين يا ريم، أنا زهقت ونفسي نتجوز بقى شوفي حل وأنا موافق، اختك هتتجوز وتسافر مع عريسها اهو، أنا نفسي أفهم عم كرم بيرفض ليه؟"
تحدثت ريم إلى نفسها قائلة:
"بيوفر يابني خايف نتجوز ونطلع من البيت ووقتها جدي واخوالي هيوقفوا المساعدات."
شادي بتعجب:
"ايه ساكته ليه؟"
ريم:
"مش عارفه والله، انا هكلم ماما واخليها تتصرف."
شادي بسعادة:
"ياريت، ان شاء الله تقدر تتصرف ولو هي معرفتش تتصرف أنا ممكن اخطفك واطلب فدية من ابوكي وساعتها هيرفص يدفع وخلاص نتجوز ونعيش سعداء إلى الأبد."
ريم:
"سعداء إلى الأبد، تصدق ترجمة الكتب أثرت علي دماغك."
شادي:
"ياستي متقفيش عالكلمة وفاتحي مامتك النهاردة في موضوعنا خلينا نتجوز ونتلم بقي، انا بحبك أوي يا ريم حسي بيا شوية كفاية أبوكي وغلاسته."
***
انتهى الطبيب من فحص كرم الذي ساءت حالته بعدما وضع المبلغ المتفق عليه وديعة في أحد البنوك بإسم ابنته كما طلبت فضيلة.
فضيلة:
"سلامتك يا كرم، ان شالله عدوينك ياخويا."
كرم بغيظ:
"ان شالله ياختي."
فضيلة:
"بس الدكتور قال ان نفسيتك تعبانه، من ايه كفالله الشر."
كرم:
"انتي عاوزة تنقطيني يا فضيلة."
فضيلة:
"اخص عليك يا كرم، ده انت جوزي وابو بناتي وكنت بحبك."
كرم مستنكرا:
"ايه كنت دي!!"
فضيلة:
"ماهو الحب ده كان قبل ما اتجوزك لكن بعد ما خدت علي قفايا فقت وفهمت ان مراية الحب عامشه."
كرم بتصحيح:
"عامية."
فضيلة:
"لأ عامشة، انت هتفاصل معايا في المثل كمان!! ما علينا المهم دلوقتي صحتك علشان نعمل فرح البت قبل ما تسافر وقبل ما تتكلم وتعترض ولا يحصلك حاجة اطمن، اخويا فرج قال هيتكفل بالفرح كله نقطة منه للعروسة."
كرم بسعادة:
"طول عمره صاحب واجب والله."
فضيلة:
"علي راي المثل برة وجوة فرشتلك وانت مايل يا كرم وايه يعدلك."
***
تحدث حامد الي صديقه شاكيا مما حدث:
"لا وايه مش عجبها اني بقولها روحي لابوكي."
سمير:
"يا عم حامد طول بالك، انتوا لسه عرسان وعاوز تغضبها."
حامد:
"يابني افهم، الظابط ابن…. كان بيعاكسها وهي زي البقرة بتضحك ومش فاهمة."
سمير بمكر:
"يابني اكيد بيتهيألك، مش معقول الظابط هيعاكس يعني."
حامد بغيظ:
"لو شفته بيبصلها ازاي كنت هتصدقني، والله لو كان طول شوية لكنت مشلفط خلقته ولا يهمني ظابط ولا غيره."
سمير ضاحكاً:
"ده انت واقع يا واد يا حامد، الغيرة هتموتك."
حامد بنفي:
"ياعم مش مراتي، ولا شايفني قرني قدامك؟!"
سمير بصدق:
"يابني انت بتحبها متكابرش عالفاضي، بعدين هي تستاهل دي بنت حلال وكفاية انها شايلة همك وعاوزة تساعدك."
حامد بغضب:
"دي هتجيب أجلي يا سمير، النهاردة جيالي في البوكس بكرة الاقيها مشرفة في التخشيبة."
سمير:
"معلش هي غلبانة وبتتصرف بطبيعتها، روح راضيها ورجعها."
حامد بعناد:
"لأ، خليها لما تتعلم الأدب."
سمير:
"انت حر بس مترجعش تشتكي لما تتعود علي غيابك وقلبها يجمد."
***
قضت فاطيما عدة ساعات بصحبة ثناء إلى أن غلبها النوم وبقيت هي جالسة تنتظر عودة حامد كي تطمئن على سلامتها.
استمعت إليه يقترب من باب الشقة فادعت النوم، اقترب ينظر اليها بصدمة فقد توقع ذهابها إلى بيت والدها.
حامد بهدوء:
"قومي يا فاطيما، قاعدة هنا بتعملي ايه؟"
فاطيما:
"ثناء قالتلي افضل هنا."
حامد:
"وانا قولت روحي."
فاطيما:
"أنا بسمع كلام ثناء وبس ياحامض."
حامد:
"حامض !! ليه مش مالي عينك يابت؟"
فاطيما:
"لأ مالي عيني وقلبي بس انا مخصماك ولما اخاصمك بسمع كلام أمك وانت لأ."
حامد:
"يعني مفيش عندك دم؟!"
فاطيما:
"عندي طبعا، ليه عاوزني اتبرعلك ياحبيبي انت تعبان؟!"
نظر اليها بغيظ وصعد إلى شقته، وقالت هي:
"ماشي، بكرة تعرف تعرف ياحبيبي بعد ما يفوت الأوان علي راي الست فايزة أحمد."
***
أسبوع مضى وكاد الاسبوع الثاني أن ينتهي وحامد على موقفه يتجنب فاطيما ووالدته.
تحدثت اليه والدته قائلة:
"ما خلاص بقى يا حامد، ما قولنالك مكنتش تقصد."
حامد ببرود:
"أعملها ايه يعني، مش سمعت كلامك وقعدت عندك خليها معاكي علطول، وانا هتجوز في الشقة فوق."
فاطيما:
"تتجوز ازاي، قصدك تجبلي ضرة؟"
حامد بهدوء:
"اه."
فاطيما:
"وأنا، وعيالك يا حامض!!!"
قهقهت ثناء رغما، ونظر اليها حامد بدهشة قائلاً:
"عيالي هما فين دول يابت المهفوفه انتي !!"
فاطيما:
"باعتبار ما سيكون يعني."
حامد:
"لأ انا هتجوز واحدة عاقلة تخلف عيال عاقلين هو أنا ناقص عبط، متخافش من الهبلة وخاف من خلفتها تخيلي بقى ان مصيبة زيك تبقى ام… وولادك يبقوا ازاي!!"
فاطيما:
"لاحظ ان كلامك جارح."
ثناء:
"ايوة يا حامد ميصحش كده يابني."
حامد:
"ابنك ايه بقى، ده انتي لو مرات ابويا هتقفي في صفي شوية."
ثناء:
"ياحبيبي ما هي مراتك وبتحبك، واتأسفت كام مرة متسوقش فيها بقي."
حامد:
"خليها تروح تقعد عند أبوها وأنا هبقى أفكر علي مهلي واشوف."
فاطيما:
"طيب ايه رأيك بقى، لو خرجت من بيتك مش راجعة تاني."
حامد:
"ألف سلامة، هتوحشينا يا فطوم ياحبيبتي."
همت فاطيما أن تذهب، لكن ثناء نظرت إلى حامد قائلة بتحذير:
"لو فاطيما سابت البيت هحصلها."
حامد:
"تحصليها فين وليه؟!!!"
ثناء:
"هو كده أنا مقدرش اقعد في البيت من غيرها."
تركهما وصعد إلى شقته، فأسرعت ثناء تهمس الي فاطيما قائلة:
"اطلعي يابت ورا جوزك وصالحيه."
فاطيما:
"اعمله ايه يعني!؟"
ثناء:
"صالحيه يا منكوبة، ارقصيله."
فاطيما:
"نعم! اشتريله صباره احسن انا صحتي علي أدي ومفرهده…"
ثناء:
"الشر برة وبعيد صبارة ايه يا فقر، اطلعي يابت صالحي جوزك بدل ما اجيبك من شعرك قال صبارة قال بنات مايل أملها مش فالحين في حاجة ابدا، ده أبو حامد مكنش بياخد في ايدي غلوة، ياه فكرتوني بالذي مضى."
فاطيما:
"ايوة بقى يانمس انت يانمس."
ثناء:
"غوري يابت امشي اطلعي لجوزك كتك غوره… بنات هم…"
***
جلست ريم الي جوار والدتها ودون مقدمات قالت:
"ماما، انا عاوزة اتجوز؟"
شهقت فضيلة قائلة:
"لاااا، حرام عليكي ابوكي لسه راقد من صدمته فى جواز اختك أقوم اخلص عليه بجوازك انتي كمان."
ريم:
"يا ماما بقى."
فضيلة:
"جرى ايه يابت مستعجلة على ايه يا خايبة، قال جواز قال ده اصلاح وتهذيب زي السجن تمام."
ريم:
"يووه بقى، شادي مستعجل وممكن يطفش."
فضيلة:
"نهار ابوكي كرم ملوش ملامح، شادي مين ده!؟"
ريم:
"اخو فايزة صاحبتي."
قالتها ريم واسرعت تبتعد عن والدتها الغاضبة.
شادي:
"والله يا ماما ده ولد مؤدب وعمره ما قالي كلمة وحشة، واتقدم لبابا خمس مرات ورفضه."
فضيلة:
"يابنتي أبوكي اكيد بيختبره، بيشوفه شاريكي ولا بيتسلى."
ريم:
"يا سلام!"
فضيلة:
"اسمعي يابت أنا ماسكة نفسي بالعافية ولو عليا هقوم ارنك علقة تعلمك الأدب، بس اللي مصبرني ان الواد اتقدم لابوكي."
ريم بسعادة:
"يعني هتقنعي بابا يوافق."
فضيلة بحيرة:
"وده هيوافق ازاي، خايفة اضغط عليه ميتحملش ويبقى شهيد الغرام."
***
اقتربت فاطيما منه بحذر فهي خائفة من ثورته، ابتسمت بتوتر قائلة:
"حامد، أنا أسفة، والله كنت بحاول أساعدك، والله أنا بحبك أوي، وعمري ما أقصد أزعلك ولا أعمل حاجة تهينك، أنا بس شفت الظروف صعبة وانت بتضحك وتهزر قدامنا بس جواك متضايق."
حامد:
"تقومي تخرجي وتروحي وتيجي من ورايا، تسمحي لحد يعاكسك ويمد ايده عليكي يا فاطيما، ازاي حد غيري يلمسك."
فاطيما:
"والله ما حصل، ده انا فتحتله راسه مع اني بخاف، بس مقدرش اسمح لأي حد يمد ايده عليا… ابتسمت بخجل قائلة: غيرك انت وبس ياقرة عيني وصدقني والله الشغل مش عيب دي هدوم بشتريها وابيعها أنا وثناء واحنا قاعدين ومكسبها حلو جدا."
حامد:
"برده غلطتي وغلط كبير يا فاطيما، كفاية الظابط اللي كان هياكلك بعنيه وانت مبسوطة ومدياله وشنظرت اليه بعشق قائلة: انت بتغير عليا، معقول يا حامد غيران بجد!!!"
توتر حامد وتوقف عن الحديث، لكتها باغتته قائلة:
"بما انك غيران عليا وودانك بتنور من الحمشنة كده، أنا هصالحك بطريقة ثناء."
حامد بترقب:
"استر يارب، طريقة ايه دي!!"
فاطيما بثقة:
"هقصلك يا حامد، هغير النشاط واشتغل رقاصة…. بدل الصباره دي."
رواية عفريت مراتي الفصل السابع 7 - بقلم نداء علي
تأففت بضيق ونظرت إلى ثناء قائلة:
أووف، كل ما ألف محشي، إيه اللي بيفك ليه يا ثناء؟
ثناء: قولتلك اعصبي المحشي يا خايبة الرجا، إيه ده صباع المحشي مرخرخ شبه الجيلي كده ليه!!
فاطيما ضاحكة:
علشان يرقص.
ضحكت ثناء قائلة:
مباخدش منك غير طولت لسان، اتنيلي لفي معايا خلينا نخلص قبل ما حامد يرجع من الشغل.
فاطيما بتردد:
ثناء، مش انتي بتحبيني؟
ثناء:
بتسألي ليه يامنيلة؟
فاطيما:
أنا حامل.
ثناء:
يابت بطلي كلام وقومي شوفي الفرخة استوت ولا لسه.
نظرت ثناء إلى وجه فاطيما لتصيح بسعادة قائلة:
انتي قولتي إيه يابت، قولتي إيه يا فاطيما؟
فاطيما:
أنا حامل يا ثناء بس مقولتش لحد غيرك.
نفضت ثناء ما بيدها وقامت بصعوبة تقترب من فاطيما بسعادة طاغية تضمها إليه بقوة وحب، وكلمات الشكر لله لم تفارق لسانه.
تحدثت بصوت تغلبه الدموع:
ياما انت كريم يارب، ألف مبروك يابنتي، يا ألف نهار أبيض، هعيش وأشوف ولادك يابني، ربنا ما يحرمك ولا يوحدك يا حامد يابن بطني.
طيب مقولتيش ليه، مفروض تقعدي ترتاحي مش رايحة جاية زي فرقع لوز، بس انتي عرفتي إزاي؟
فاطيما بخجل:
جبت اختبار حمل من الصيدلية وعملته بالليل.
ثناء بتعجب:
بالليل، ومقولتيش لجوزك ليه يابت؟!
فاطيما برفض:
ابنك أساسًا ممكن يصدمني ويقولي مش عاوز عيال، ده بيعاملني كأنه متجوزني تخليص حق.
ثناء:
عمل إيه تاني يابت، مش اتصلحتوا خلاص؟!
فاطيما:
اتصلحنا بس كلامه بالقطارة ياختي، تحسي إنه خايف يجمرك.
ونفسي يتكلم ويحكي ويقولي كلام حلو زي بتوع المسلسلات التركي.
ابتسمت ثناء قائلة:
كل الرجالة كده، الاتامة طبع فيهم ومبيقولوش كلمتين حلوين غير لما يكون وراهم مصلحة أو عاملين عاملة، متشغليش بالك بيه وبطلي تتفرجي على الحاجات دي، نفوخك هيخف أكتر منك.
فاطيما بتأفف:
طيب لما نشوف آخرتها، أنا قولت بعد الجواز هيتغير وينحرف بس مفيش فايدة فيه. جايلي من أيام أبيض وأسود.
ثناء بسعادة:
سيبك منه وقوليلي نفسك في حاجة تاكليها، بتتوحمي على حاجة؟
فاطيما:
آه بتوحم على جميز.
ثناء:
جميز إيه يا عملي الأسود، أجيبه منين ده!
فاطيما بإصرار:
مليش دعوة أنا نفسي فيه.
ثناء بغيظ:
حاضر هحط الخمار على راسي وأطلع أشوف حد بيبيع جميز، خلي بالك من المحشي ليتحرق واقعدي استني حامد.
أومأت فاطيما إلى ثناء ومازالت ملامحها عابسة تشعر بالسخط والخوف والسعادة والتفاؤل، تراودها أحلام جميلة وتخشى أن تأتي بطفل فلا تستطيع حمايته وتربيته كما ينبغي، لكنها سعيدة.
جلست تنظر إلى القدر الذي بدأ في الغليان قائلة:
الله، هو المحشي ريحته حلوة كده ليه، ده ريحته جميز.
اقترب منها حامد الذي استمع إلى كلماتها بدهشة لهتف بتعجب:
محشي إيه اللي ريحته جميز، ربنا يشفيكي يا فطوم.
شهقت بفزع قائلة:
يا عم خضتني، استغفر الله العظيم، وبعدين أنا مخصماك ماشي، ابعد عني.
حامد بخبث:
ليه، مش إحنا اتصلحنا ورقصتيلي ولا نسيتي!
تورّدت وجنتاها قائلة:
اتلم يا حامض دي كانت وزة شيطان وراحت لحالها.
قهقه بقوة إلى أن سعل قائلاً:
منك لله هتفطسيني، امشي يابت اغرفي الأكل على ما اتشطف أنا واقع من الجوع.
التفتت ثناء تهتف بسعادة وفخر قائلة:
والله يابت إنتي بنت حلال مصفي، شوفتي لقيت إيه!
أسرعت فاطيما تلتقط ما بيد ثناء بغبطة جعلت حامد يتطلع إليهما قائلاً:
إيه ده إن شاء الله؟
ثناء بتردد:
جميز، فاطيما بتحبه.
غمزت ثناء إلى فاطيما علها تفهم ما ترمي إليه وتخبر حامد بأمر حملها، لكنها كانت تستعد لأكل حبات الجميز ولا تكترث لأحد.
تحدث حامد إلى والدته قائلاً:
هطلع أغير وأنزل ياما.
ثناء:
ماشي ياقلب أمك.
صعد حامد إلى شقته وتحدثت ثناء إلى فاطيما قائلة:
يابت عمالة أغمزلك وإنتي بجم مش مركزة معايا.
فاطيما:
وتغمزيلي ليه، فكرتك بتقولي آكل بسرعة عشان الوحم؟
ثناء:
اطلعي يابت قولي لجوزك وفرحيه.
فاطيما بحزن:
لأ، قوليله إنتي علشان لو قال حاجة كده ولا كده تتصرفي معاه.
ثناء:
قوليله ومتخافيش ده هيفرح ويطير من الفرحة، ده طول عمره وحيد وملوش حد حتى عمه مايل الأمل زي قلته.
فاطيما:
طيب، هروح أقوله علشان خاطرك بس والله لو زعلني بقى ما قعدالكم فيها.
ثناء:
اطلعي بس وبطلي عبط ربنا يهديكي.
تحدث شادي بسعادة إلى كرم قائلاً:
والله ياعم كرم أنا شاري ريم مش عارف ليه إنت بترفض تجوزهالي؟
كرم:
وهو يعني رفضي أثر فيك، ده إنت زي القرش البراني.
شادي بفخر:
اللي بيحب حد بيتمسك بيه.
كرم:
حبك برص ياجدع، إنت بتقولي في وشي بحب بنتك.
شادي بمشاكسة:
يعني ألف من ورا ضهرك وأقولها في قفاك يعني، ولت أعملك إيه؟
كرم بصوت خافت:
عيل سمج، أبو تقل دمك.
شادي:
على فكرة سمعتك، بس مش مهم لاجل الورد ينسقي العلق.
كرم بصدمة:
إنت بتقول إيه ياض إنت؟!
شادي:
بقول نقرا الفاتحة بقى.
كرم:
ده إحنا هنقرأها على روحك إن شاء الله.
شادي:
بص ياعم كرم من الآخر بقى علشان إنت زهقتني، أنا بحب بنتك وخلاص مش هتجوز غيرها ومهما عملت علشان تطفشني مش هطفش وأي عريس هيتقدم لها هنفخه، إنت تقرا الفاتحة وتريحني وتريح نفسك، والله أنا عريس لقطة ومترفضش.
كرم:
طيب شوف ياعريس الغبرة، أنا مبجهزتش بنات ولا بشتري حاجة، كفاية ربيتها وعلمتها، قولت إيه؟
شادي:
موافق، أنا عاوزها هي وبس.
كرم بتردد:
ولو رجعت في كلامك ولا حد من أهلك اتكلم.
شادي:
محدش له عندي حاجة ومتخافش مقدرش أرجع في كلامي، أنا ما صدقت.
صعدت إلى شقتها ببطء، تود أن تتراجع عن إخباره بأمر حملها لكنها عزمت الأمر وتوجهت إلى غرفتهما مباشرة قائلة بصوت أشبه بالهمس:
حااامد.
التفت إليها بتعب أثر عمله الشاق والمجهد قائلاً:
نعم، في إيه يا فطوم؟
فاطيما بتردد:
إنت كويس؟
حامد بصدق:
هلكان يا فاطيما، الجو حر والشغل بيهد الحيل.
اقتربت منه تدلك كتفيه بحب قائلة:
ربنا يعينك ويقويك، إنت بتحب الأطفال يا حامد؟
حامد:
وهو في حد مبيحبهمش، شدي حيلك إنتي وهاتي لنا عيل نلعب بيه.
فاطيما بترقب:
يعني هتحبه وتدلعه ولا هتعامله زي ما بتعاملني وتفضل مكشر كده وعامل لي ١١١.
حامد مبتسماً:
محسساني إني بكهربك يابت، صدقيني بحبك والله، أنا طبعي كده مش معاكي إنتي بس مع الناس كلها.
فاطيما بخجل:
طيب بص.
حامد بمشاكسة:
أبص على إيه يا طمطم.
فاطيما بغيظ:
اسكت علشان أعرف أركز، أنا أنا حامل.
ظل بصره معلقًا بملامحها يستشف مدى صدقها ليهتف بترقب:
بجد، يعني حامل بجد ولا مقلب منك؟
فاطيما بيأس:
يوووة بقى، وهي دي فيها مقالب.
احتضنها بقوة وشهقت هي من المفاجأة، تحدث بسعادة بالغة قائلاً:
عارفه أنا دلوقتي مش حاسس بأي تعب والله، أنا فرحان أوي يا فاطيما.
تحدثت هي بصوت يغلفه الاطمئنان والراحة:
الحمد لله، يارب دايما فرحان، أنا كمان هطير من الفرحة بس خفت أقولك لتزعل وتشيل الهم.
حامد:
هم إيه يابت، ده رزق وكرم من ربنا، ده أجمل حاجة في الدنيا إن الواحد منا يبقى أب، متشغليش بالك إنتي بأي حاجة وربنا هيرزقنا من وسع بس قولي يارب.
تمتمت بتمني:
يارب يا حامد، يارب.
اعترضت ريم على ما قاله والدها قائلة بدهشة:
عاوز تجوزني بلوشي يا بابا، يا ميلة بختك يا ريم يعني لما أتخانق مع شادي يقولي أنا اتجوزتك تخليص حق، شليطي مليطي.
كرم:
شفتي بقى إني عاوز مصلحتك، كده مش هتتخانقي معاه أبدا.
ريم:
واشمعنى ريهام حطلتها وديعة في البنك، ليه متعمليش كده؟
كرم بحزن بالغ:
حكم القوي يابنتي، كنت مغصوب أعمل كده، بس غلطة ومش هكررها أبدااا.
ريم:
يا بابا حرام عليك كده.
كرم:
أنا بقول كده برضه، بلاها جواز كملي تعليمك وخذي شهادة تنفعك وتشتغلي وتجيبي فلوس.
تحدثت فضيلة إلى ابنتها قائلة:
روحي إنتي يا ريم دلوقتي، أنا هـتفاهم مع بابا.
نظر كرم إلى فضيلة بغيظ قائلاً:
عاوزة إيه مني، متحلميش إني أوافق ولا أدفع مليم أحمر في الجوازة دي.
فضيلة بمهادنة:
متخافش يا خويا، أنا قولتلك حاجة، أنا بس قولت للبت تمشي علشان متتعبكش.
كرم بترقب:
إنتي ناوية على إيه يا فضيلة، مش مرتاحلك، تكونيش ناوية تحجري عليا!
ابتسمت بسخط قائلة:
يا خويا بلا هم، أحجر عليك إيه، متقلقش أنا عارفة إن جوازي منك انتقام من ربنا، حكم البتران سكته قطران وأنا ياما اتقدملي عرسان وأنا أقول لأ ده قصير، ده أسمر ده مبيعرفش يتكلم لحد ما وقعت في شر أعمالي وربنا بعتك ليا علشان أتوب على إيديك.
كرم بحنق:
ماشي يا فضيلة وماله، برضه مش هغير كلامي والواد أهبل ومتمسك ببنتك يبقى عالبركة عقبال التالتة ونخلص.
فضيلة بتركيز:
و ماله يا سبعي، اللي تقول عليه كله صح يا سيد الناس.
مساءً جلست فاطيما إلى جوار والدها الذي أتى بعدما أخبرته بحملها.
تحدثت ثناء قائلة:
ولزومه إيه الحاجات دي كلها يا عم سيد، مكلف نفسك بزيادة ليه كده؟
سيد:
ده حاجة بسيطة يا أم حامد، كله من خيرك.
ثناء:
تسلم وتعيش يارب.
همست فاطيما إلى حامد قائلة:
متجوز أمك لأبويا يا حامد، والله طيب وابن حلال.
وكزها حامد بخفة قائلة:
هزعلك يا فطوم.
فاطيما بجدية مريبة:
طب بذمتك مش فكرة، نجوزهم لبعض وأمك تبقى مرات أبويا وأبويا يبقى جوز أمك، فكر فيها كده.
حامد بيأس من أفكارها:
يامه ارحمي المجتمع من أفكارك دي، استغفر الله.
فاطيما:
الله، ده بدل ما تقولي يا حبيبتي، يا روحي.
حامد:
لما نطلع شقتنا هقولك كل حاجة.
قهقهت فاطيما بصخب فنظرت إليها ثناء بدهشة بينما حامد يدعي أنه لم يقل شيئًا.
ثناء:
بتضحكي ليه يابت؟
فاطيما:
احممم، افتكرت لما رحت القسم.
حامد:
بتفكريني ليه بس؟
فاطيما:
هقولك بس تسمعني وتطول بالك، ماشيين.
نظر إليها حامد لتبدأ قائلة:
الست صاحبة مصنع الملابس كلمتني وقالت هترخص لنا تمن الهدوم وأنها مبسوطة من شغلي وأنا شايفاها فرصة والله، مش كده يا ثناء؟
ثناء بتردد:
هي مكسبها حلو بس مينفعش خصوصي بعد الحمل، لازم ترتاح.
فاطيما:
ماهو أنا فكرت في حل كويس.
حامد بغضب:
حل إيه ده؟
فاطيما:
اسمع بس الأول، دلوقتي شغل النقاشة يوم آه ويومين لأ، فإنت هتساعدني أنا ونونه، هتروح تجبلنا الهدوم واحنا نبيعها.
سيد:
والله فكرة كويسة، وأهو إنت يابني داخل على مصاريف ولادة ودكاترة ولازم يبقى معاك قرش بزيادة.
حامد بتفكير:
بس ياعم سيد أنا عاوز فاطيما ترتاح.
سيد بسعادة:
ماهو إنت اللي هتروح تجيب الحاجة وإهي قاعدة في حتتها واللي هييجي يشتري يا مرحب بيه هي مش هتتحرك من البيت.
ثناء:
جرب يابني ولو عجبك الحال يبقى خير وبركة معجبكش نفضها سيرة وخلاص.
نظر إليها حامد وتحدث بجدية قائلاً:
خلاص هجرب وربنا يستر.
مضت عدة أشهر بدأ خلالها حامد في مساعدة فاطيما فكان يذهب لاحضار الملابس وتقوم هي ببيعها بأسلوبها الطريف المحبب للجميع، لم يتوقع حامد أن يجد الأمر بتلك السهولة بل تعجب من توفير فاطيما لبعض المال استعدادًا لولادتها.
عادت حركة البيع والشراء للازدهار من جديد وكذلك عمله في دهان وتشطيب البيوت والشقق.
استيقظ صباحًا ينتوي الذهاب لعمله فباغتته فاطيما قائلة:
استنى هنا وكلمني زي ما بكلمك.
حامد:
عاوزة إيه يا فاطيما؟
فاطيما:
مين الست اللي كانت بتكلمك دي يا حليوة إنت يامدلع.
حامد مبتسماً:
يابنتي صاحبة الشقة اللي بدهنها.
فاطيما:
وهي تكلمك ليييه، جوزها مبيكلمش ليه! أخرس!
حامد بتردد:
أصل جوزها ميت.
فاطيما:
صلاة النبي أحسن كمان. شوف يا حامض أنا بقالي فترة الفار بيلعب في عبّي ومش مرتحالك.
قهقه حامد قائلاً:
اطمني هي ست محترمة وملهاش في السكة دي، دي دكتورة هتبص لنقاش!؟
اقتربت منه تنظر إليه بتقييم قائلة:
إيه يعني دكتورة، أنا كان ممكن أدخل طب لولا بس النصيب.
حامد:
نصيب إيه ما مصيبة، ده إنتي طالعة بملاحق وأبوكي الله يكرمه عمل خدمة للمجتمع وقعدك في البيت.
فاطيما بخجل:
ما أنا مكنتش برضى أحل كويس في الامتحان علشان مجبش مجموع عالي وأدخل جامعة وساعتها بقى مكنتش هترضى تتجوزني.
حامد بصدمة:
إنتي عبيطة يابت، وافرضي بقى كنت اتجوزت واحدة غيرك..؟!
فاطيما:
كنت هتخسر واحدة زيي ووقتها هعرف إني ضحيت هنايا فداك، وهعيش على ذكراك وبعدين اسكت بقى ده مش موضوعنا إنت عاوز تتوِّهني عن الكلام المهم اللي بقوله وبعدين.
حامد بسعادة:
اطمني أنا توبت على إيدك، حد يتجوزك ويبص برة.
فاطيما بثقة:
ماشي، وخلي بالك أنا مراقباك كويس.
مسد فوق رأسها بحنو قائلاً:
انزلي افطري مع ثناء ولو حابة تروحي لعم سيد روحي بس خلي بالك من نفسك.
ابتسمت إليه بطفولية وحب قائلة:
ماشي، خدني في إيدك بقى وانت نازل.
شبكت أصابعها بين يديه وتوجهت معه إلى الأسفل وسعادتها تزين وجهها بينما استشعر هو دفء بقربها ومعها لم يناله من قبل.
رواية عفريت مراتي الفصل الثامن 8 - بقلم نداء علي
بعض الأحيان تتألق الأرواح ويشتد بريقها، تبلغ أوجه جمالها، ثم ما تلبث أن يأتيها الخريف فتذبل ويخبو بريقها، ويمحو بيده الجافة نضارتها. فلا ذاك يدوم ولا هذا دائم، لذا تقبل كل شيء تمر به، فما حياتنا إلا فصول تدور وتتجدد.
فاطيمة: يعني إيه مش عاوزني أروح كتب كتاب بنت عمك؟ مش أد المقام يا حامد ولا مش أد المقام؟
حامد بغيظ: يا رب صبرني. افهمي يا فطوم، إنتي حامل والحركة والسفر غلط عليكي. إنتي هتفضلي مع عم سيد لحد ما أرجع أنا وأمي.
فاطيما بإصرار: لأ. مليش دعوة، أنا عاوزة أروح الفيوم وأشوف السواقي اللي كنا بناخدها في المدرسة.
حامد: سواقي إيه وزفت إيه، إحنا رايحين سدر.
فاطيما: إنت بتشخط فيا يا حامد وأنا حامل؟ نهارك مش فايت.
حامد بهدوء: مبشخطش، بس إنتي شبطانه زي العيال الصغيرة وزهقتيني.
أدمعت عيناها، فتراجع قائلاً: والله المشوار طويل هتتعبي صدقيني.
فاطيما برجاء: عشان خاطري. أنا عمري ما اتحركت برة القاهرة.
حامد بتحذير: ماشي يا فاطيما، هاخدك بس ورب الكعبة لو حصل حاجة ما هعديهالك.
فاطيما: يا عم متقاطعش وتقول عليا كده. أمال ده جامد.
نظر إليها بغيظ وغادر، لتهرول مسرعة إلى ثناء قائلة:
ثنااااء، أنا جاية معاكم.
ثناء بتردد: يابت بلاش لتتعبي.
فاطيما: لأ إن شاء الله مش هتعب. أنا عاوزة بقى آكل بلح أسمر. الواد عايز كده.
ثناء بدهشة: إنتي هبلة يابت؟ واد مين؟ استغفر الله العظيم منك ومن وحمك.
فاطيما بتفكير: ابني يا ثناء. طب بلاش بلح، هاتيلي طعمية.
ابتسمت ثناء بيأس قائلة: حاضر، هقوم أعملك طعمية.
فاطيما: بالسمسم.
ثناء: بالسمسم يا أم حسن؟
فاطيما بتعجب: حسن مين يا ثناء؟
ثناء: أبويا يابت الله يرحمه. يكونش مش عاجبك ولا إيه؟
فاطيما بتركيز: حسن أبو علي. مش بطال عشان خاطرك بس يا ثناء.
ثناء: إن شاء الله يا فاطيما.
فاطيما: ولو بنت بقى نسميها ثناء.
ثناء بسعادة رغم اعتراضها: لأ ده اسم قديم.
جلست فاطيما إلى جوارها ووضعت رأسها بحجرها قائلة: أنا بحبك أوي يا ثناء، بحبك أكتر من أمي. أصل أنا مش فكراها.
ثناء: الله يرحمها، كان دمها زي الشربات. إنتي طالعلها يابت يا فطوم. الله يرحمها كانت مجننة أبوكي بعمايلها برضه.
فاطيما بترقب: بجد؟
ثناء: أه والله يابنتي. دي لما كانت تقعد وتهزر كانت بتهلك الشارع كله من الضحك.
بعد مرور ثلاث سنوات.
تبدلت الكثير من الأشياء، ولكن بعض الأشياء تبقى ثابتة. صفات يصعب التخلي عنها، وصفات تزداد وتيرتها.
في شقة ثناء، التي لا يفارقها حامد وزوجته وطفليهما المشاكسان.
فاطيما بإلحاح: وليه لأ؟ أنا عاملة الجمعية وإنت متعرفش عنها حاجة، ولازم تجيبلي غسالة أطباق. إيديا اتهرت من غسيل المواعين، وكفاية عليا عيالك القرود.
ثناء: ياختي صلي على النبي، هتحسدي العيلين. أنا ابني وحيد وغلبان.
فاطيما: يا حماتي مش موضوعنا، خليكي محضر خير. الله يكرمك.
ثناء: شوفي البت قليلة الأدب. محضر خير ليه يا بنت سميرة؟ شيفاني محضر شر؟
فاطيما: لا ياستي مقصدش، خلينا نتكلم عن الغسالة دلوقتي وبعدين نشوفك بعدين.
ثناء: صحيح ما إنتي متربية على رجل الدادة.
فاطيما: أومال إيه؟ ماهي نفس الدادة اللي مربياكي يا خالتي إنتي وأمي.
ثناء بحزن: أمك. وهو كان فيه حد زي أمك في أدبها وجمالها وكمالها؟ معرفش إنتي طالعة لسانك زالف ومخك طاقق لمين.
ثناء: أكيد ليكي يا ثناء.
أمسكت ثناء وعاء معدنيًا وأسرعت خلف فاطيما، التي هرولت تخشى أن تلحق بها حماتها، لكنها تعثرت ووقعت أرضًا.
أسرع إليها حامد متلهفًا يتطلع إليها بقلق، ولكن سرعان ما اقتربت ثناء واختطفتها بخوف، تضمها إلى صدرها بقلق ورهبة قائلة:
إنتي كويسة يا بت فاطيما؟
فاطيما وقد اشتد بكاؤها مما أفزع حامد ووالدته. سألها حامد بترقب:
أوديكي للدكتور؟
فاطيما: أنا حامل تاني يا حامد، ولازم تجيبلي غسالة الأطباق.
شددت ثناء من احتضانها قائلة: هجيبلك الغالي كله يا قلب خالتك، ومتشليش هم حاجة أبدًا. المهم تخلي بالك من روحك. بس وتقومي بالسلامة.
فاطيما: كل ده عشان حامل؟
ثناء: أومال يعني عشان سواد عينيك يا بنت سيد. أنا اللي يهمني ابني يبقى له عزوة، مش كفاية إنه وحيد.
فاطيما: أه قولي كده بقى، وأنا قلت إنك توبتي. بس على رأي المثل: يموت الزمار وصوابعه بتلعب. ماشي يا ثناء.
ثناء: عاوزاني أموت يا بنت سميرة؟
فاطيما بصدق: لا يامه، ربنا يجعل يومي قبل يومك. أنا مبقاليش غيرك.
ثناء: بعد الشر يا بنتي، ربنا يخليكي لولادك وتفرحي بيهم وتشوفي عيالهم. أنا خلاص كبرت وشبعت من الدنيا.
حامد: تصدقوا بالله أنا تعبتلكم سلف، إنتوا مبتزهقوش. وبعدين حمل إيه دلوقتي يا فاطيما وعيالك الاتنين فوق بعض؟
ثناء بغضب: جرى إيه يا ولد إنت وهي؟ جايباه من برة؟ ماهو ابنك.
فاطيما بحزن: والله غصب عني، أنا باخد الحبوب مظبوطة.
ثناء: ولا تعبريه، ده عيل وش فقر زي أبوه الله يرحمه. مد إيدك يا خويا نقومها، خليني أعملها حاجة تغذيها وتروق دمها بعد الكلمتين الفاضيين بتوعك دول. بلا هم.
ابتسم حامد قائلاً: عارفة ياما، فاطيما دي ذنب وربنا بيخلصه مني ومنك.
ثناء بحب: دي نعمة من ربنا ووش السعد، بس إنت مش فاهم حاجة.
فاطيما: أيوه صح يا خالتي، أنا نعمة ولازم تقدرها لحسن تزول يا خويا.
حامد بغيظ: هتزول فين ياختي، ده إنتي لازقة ألماني.
أدمعت عينا حامد بعدما تذكر تلك السنوات التي قضاها بسعادة وحب لم يقدرهما كما يجب، وها هو يبحث عنها ولا يجدها.
وضع حامد رأسه بين كفيه يتطلع أمامه بحزن وندم واشتياق. كم يود عودتها إليه، ولكن يبدو أن الأمر صار محالاً.
أغمض عينيه بتعب، لكنه هب واقفًا يلتفت يمينًا ويسارًا بفزع، وقد أحس بيدها تلامس جسده. نظر إليها عن قرب فوجدها كما هي، نائمة منذ شهور.
تنهد بحزن قائلاً: شكلك اتجننت يا حامد وبتتخيلها. عاكسيني يا فاطيما، مكنتش مقدر قيمتك.
تحدثت هي بغيظ وكأنه يسمعها: أه يا خويا، ماهو على رأي المثل: بعد ما دخل المقبرة؛ بقى حتة سكرة. ما كنت قدامك ومش حاسس بيا، دلوقتي جاي تتشحتف؟ بس مهما عملت مبتهونش عليا يا حامض.
قهقه بسعادة، فكم كانت تستفزه بقوله ذاك الاسم. اقترب هو من جسدها الممدد بالفراش ونام جوارها يتحدث بندم لم يفارقه قائلاً: العيال متبهدلين من غيرك، وأنا وأمي. ارجعي بقى.
أجابته هي بحزن: يا ريت بإيدي يا قلبي. أنا متشعبطة هنا زي ما عمرو دياب بيقول، عايش ومش عايش.
في عالم لا يدخل إليه الأحياء ولا الأموات، ملكوت آخر تعلق بداخله بعض النفوس التي تهفو إلى شيء لا يوجد بدنيانا. كانت فاطيما جالسة تطلع إليها بملل.
تحدثت إليها والدتها قائلة: مبوزة ليه يا فطوم؟
فاطيما: حامد وثناء وعيالي وحشوني، وأبويا ياترى عامل إيه؟
سميرة: يعني إنتي زهقتي مني؟
فاطيما: لا بالعكس، ده أنا مبسوطة أوي إني شفتك. بس ليه مترجعيش معايا بدل ما أجلك أنا؟
سميرة: هو فيه ميت بيرجع تاني؟
فاطيما: بس إنتي قولتي إني مش ميتة.
سميرة: أه، ولو عاوزة ترجعي هترجعي.
فاطيما: إزاي بس؟ أنا خايفة قاعدتي تطول هنا وحامد يلعب بديله.
سميرة: متقلقيش، لو بيحبك هيصونك وإنتي غايبة عنه.
تنهدت بحب قائلة: زي سيد ما عمل كده. ياااه أنا فرحت أوي لما عرفت منك إنه متجوزش بعدي.
فاطيما بتردد: بس حامد معرفش بيحبني ولا لأ. هو طول عمره ملوش ملامح كدهون ومحيرني.
عاد حامد إلى بيته متعبًا، استقبله طفليه حسن وفارس بسعادة وابتسامة قائلين:
كنت فين يا حامض؟
تحدثت ثناء من خلفهما قائلة: كان بيشوف ماما يا حبايبي.
حسن: هي هتفضل نايمة كده كتير؟ إيه مش هتصحى أبدا؟
تأففت فاطيما التي لا يراها أحد قائلة: أه يابن الهبلة، مش عاوزني أصحى ليه؟ مش كفاية الورطة اللي أنا مش عارفالها آخر دي. وحشتوني أوي يا كلاب.
ثناء بحزن: إن شاء الله هتقوم وترجع بالسلامة.
فاطيما: طول عمرك أصيلة يا ثناء، أنا قولتي إنك بحبك قبل كده كتير، بس بعد موقفك ده حبيتك بزيادة.
حامد بحزن: المشكلة يامه إن المستشفى طلبت مني أنقل فاطيما لمستشفى تانية. بيقولوا خلاص مفيش عندهم مكان وفي غيرها أولى. بيقولوا إن مفيش أمل.
فاطيما بغيظ: حسبي الله عليهم. يابني أنا أهو، بس معرفش محدش شايفني ليه. يكونش أنا بقيت شبح؟ أوعى تسمع كلامهم يا حامض وتدفني بالحيا.
ثناء: متشيلش هم يابني، أنا هروح لمرات عمك، هطلب من فضيلة فلوس وننقل مراتك مستشفى نضيفة يمكن ربنا يكتب لها عمر جديد.
حامد بتوتر: لأ، بلاش عمي، مش عاوزين منه حاجة.
ثناء بترقب: ليه، إنت طلبت منه فلوس؟
جلس حامد قائلاً بتعب: لأ، هو اللي كلمني، قالي هديلك الفلوس اللي تطلبها بس تتجوز ريم.
ضربت فاطيما على صدرها، بينما صاحت ثناء قائلة: جنازة لما تشيله. البت مكتوب كتابها وبتحب عريسها، لولا بس يا عيني اتاخد في الرجلين في قضية ملوش يد فيها.
حامد: ما أنا رفضت يامه، هو أنا معقول أتجوز غير فاطيما؟
اقتربت فاطيما منه وكأنه يحتضنه لتهمس إليه عله يسمعها.
روح لحضرة الظابط وليد، هيساعدك يا حامد ويمكن تقدر تطلع الواد جوز ريم.
حامد بسعادة: أنا هروح للظابط وليد يامه. فكراه؟
ثناء: أه يابني، ده كان بيعز فاطيما أوي وجدع ابن حلال.
حامد بغيرة: أه، بيعزها حبتين بس مضطر أروحله يمكن يساعدنا ونطلع الواد فادي، ده عيل أهبل ولا في السياسة ولا يعرفها من الأصل.
ثناء: وماله يابني، ربنا بيجعل لكل شيء سبب. تحدثت بصوت شجي قائلة: يا حبيبتي يا فاطيما، حتى وإنتي غايبة بتنفعي غيرك يابنتي. يارب رجعهالنا بالسلامة.
فاطيما: يارب يا ثناء، يارب. لأحسن أنا مش فاهمة أيتها حاجة.
رواية عفريت مراتي الفصل التاسع 9 - بقلم نداء علي
تحرك حامد إلى قسم الشرطة وقد عزم على طلب المساعدة من الضابط وليد، لم يلتق به منذ ما يزيد عن الستة أشهر.
ولج إلى مكتبه فوقف وليد يرحب به بجدية قائلاً:
ازيك يا حامد، اخبارك ايه؟
حامد بجدية: بخير يا باشا الحمد لله.
وليد: وفاطيما، انا آسف والله وعارف اني قصرت معاكم بس كنت بحاول أوصل للمجرم ده بأي تمن والحمد لله قدرنا نقبض عليه.
حامد بحزن: فاطيما لسه في غيبوبة، والمستشفى طلبوا مني انقلها في مكان تاني، بيقولوا مفيش أمل.
وليد بغضب: ايه الكلام الفاضي ده، حقك عليا انا السبب مفروض من أول يوم كنت اتصرفت ودخلتها مستشفى كبيرة بس التعليمات كانت بتلزمني ابعد عن الصورة ومفيش حد يعرف باللي حصل لحد ما نوصل للفاعل، متقلقش يا حامد ان شاء الله فاطيما هتتنقل لأحسن مستشفى وهتفضل فيها لحد ما تقوم بالسلامة وبعتذر منك على اهمالي وتقصيري في حقكم.
حامد بامتنان: ربنا يكرمك يا وليد بيه، مش عارف اشكرك ازاي؟
وليد: تشكرني على ايه بس ده لولا مراتك كان زماني...
حامد بتردد: أنا كنت جاي لحضرتك وطالب منك خدمة.
وليد: اتفضل قول وانا تحت امرك.
حامد: واحد قريبي، شاب محترم والله وملوش في السياسة ولا بيفهم فيها من الأساس اتاخد في مظاهرة بالغلط ومسجون يابيه ومنعرفش عنه حاجة.
وليد: قولي اسمه بالكامل واتمسك فين بالظبط وانا هتصرف ولو فعلا ملوش في القضية الممسوك فيها اطمن هيخرج منها ان شاء الله.
ابتسم حامد قائلاً: ان شاء الله يا باشا، ان شاء الله.
كان فادي ومنذ اعتقال قوات الأمن لا يكف عن النواح والتذمر، اقترب منه أحد المتهمين قائلاً:
يابني ارحم نفسك وارحمني، ده انت وجودك معانا عقاب في حد ذاته.
فادي: ياعم سبني في حالي أنا حقي اتكلم ولا هو الكلام ممنوع.
المتهم: اتكلم بس بطل ولولة، ده انت صدعت أهلي، ايه شغال في الأوبرا؟
فادي: أنا برييييء.
المتهم: اعوذ بالله ايه يابني بتصرخ في وشي ليه، ماشي يا سيدي انت بريء وأنا مصدقك، اطمن اكيد أهلك مش هيسيبوك.
فادي بترقب: بجد، يعني هيطلعوني؟
اقترب متهم اخر قائلاً: لا طبعا، مفيش حد هيقدر يوصلك.
فادي: يا نهار أسود، يا وقعة سودة.
المتهم: يابني ليه كده حرام عليك، أنا ما صدقت اهديه.
المتهم الأخر: وتخدعه ليه، هو اكده ميت وكده ميت.
قهقه كلاهما فقد اعتادا الأمر ونظر فادي إليهما بسخط قائلاً:
منكم لله، انتم ارهابيين أنا ذنبي ايه اتاخد في الرجلين.
المتهم: اخرس يا حمار ارهابيين ايه هتجبلنا مصيبة، احنا بندور على مصلحة الوطن.
فادي: ولقيتوها؟
المتهم الثاني بمرح: لأ لسه، تحب تدور معانا.
فادي: لاااا، انا عاوز اخرج واتجوز ريم قبل ما كرم يطلقها مني.
المتهم بترقب: كرم مين ده؟
فادي: عملي الأسود، اقولك اقعد انت وهو وأنا احكيلكم شكلنا مطولين مع بعض.
تناول حامد كوب الشاي من يد سمير صديقه وابتسم إلى زوجته بود وامتنان قائلاً:
والله يا ام عمر جميلك هيفضل في رقبتي ليوم الدين.
زوجة سمير بصدق: عيب كده يا حامد، ده انت اكتر من اخ وفاطيما ربنا يشفيها حتة سكر، طب تصدق بالله بنتك دي مهونة عليا عمايل سمير وولاده ده البنات نعمة.
سمير: ياعم دي ممكن مترضاش ترجعلكم فرح، الحق لله بنتك روحها حلوة اوي يا حامد ووشها الله اكبر بيضحك علطول.
زوجة سمير: اه والله طالعة لأمها، بتضحك علطول وبتلغي.
سمير: وبعدين ياعم اطمن هنجوزها لعمر ويبقى كده زيتنا في دقيقنا.
حامد: وانا اقدر اتكلم دي بقت بنتكم ولكم فيها اكتر ما ليا، انتوا واخدينها سن شهرين بقالها معاكم ست شهور وعارف اني تقلت عليكم بس أمي متقدرش عليها هي وأخواتها.
زوجة سمير: هزعل منك كده، تقلت علينا ايه احنا اخوات، يلا يا سمير اتغدوا وسيبك من الشاي الأكل جاهز.
كانت ثناء تتابع مسلسلها المفضل وتبتسم بحزن قائلة:
عارفين يا عيال لو امكم قاعدة كان زمانها عملالي كوباية الشاي وجيبهالي دلوقتي بدل ما أنا نفسي اشرب شاي وخايفة اقوم التمثيلية تخلص ومشوفش الفرح.
تحدثت فاطيما بغيظ قائلة:
يا ثناء ده انتي شفتي المسلسل عشروميت مرة، استغفر الله العظيم.
قهقه ثناء قائلة:
دلوقتي بقى الرقاصة هتدخل ومرات الوزير تتعفرت.
فاطيما: والله مافي حد متعفرت غيري أنا، هو انتي مش سمعاني يا ثناء، طب اعمل ايه احدفلك التلفزيون بطوبة يمكن تعرفي اني هنا، ولا بلاش لحسن تتسرعي وأنا مش ناقصة.
ابتسمت ثناء من جديد وهي تتابع احداث الحلقة التلفزيونية لتقول:
والله فاطمة وعبدالغفور دول عسل، عارف ياواد يا حسن بيفكروني بأمك وابوك، مع ان فاطمة عاقلة عن امكم كتير، بس قلبها أبيض زيها.
فاطيما بغيظ:
شوف الولية بتقول عليا ايه، قصدها اني مجنونة ولا ايه، بذمتك يا ثناء حد في عقلي وكمال.
تحدث الصغير إلى جدته قائلاً:
أنا جعان يا تيته.
احتضنته ثناء بود قائلة:
من عنيا ياقلب تيته، ربنا يبعد عنك الجوع يابني ويرجعلكم امكم بالسلامة.
فاطيما بسعادة:
تعرفي يا ثناء انا بحبك كل يوم اكتر من اليوم اللي كان قبله على رأي حماقي.
حملت ثناء الصغير وامسكت أخيه بحنو قائلة:
يلا نتغدى، ولما ابوكم يجي يبقى ياكل هو براحته.
صاحت فضيلة بغضب وصدمة قائلة:
نهار مش فايت، بتطلب من ابن اخوك يتجوز بنتك، انت خلاص مخك ضرب، ياراجل يا ظالم الواد متجوز ومراته بين ايادي ربنا، مفروض تتعظ، عيلة صغيرة اهي وراحت في ثانية، وبعدين انت ناسي ان بنتك مكتوب كتابها يعني في عصمة راجل.
كرم: يا ولية افهمي، البت فاطيما في غيبوبة وشكلها هتفضل كده علطول.
فضيلة: فال الله ولا فالك.
كرم: يا ولية مقصدش، انا بس قولت نضرب عصفورين بحجر واحد، حامد طلب مني فلوس سلف قولت بلاش ارفض وازعله وفي نفس الوقت الواد عريس بنتك متاخد أمن دولة، يعني مهواش راجع.
فضيلة: يا شيخ منك لله، انت ايه يا راجل انت.
كرم: ايه يا ولية انت هو الجواز حرام.
فضيلة: حرمة عليك عيشتك يا كرم.
كرم: بتدعي عليه يا فضيلة، وماله وحطي في راسك اني مش هرتاح غير لما اطلق ريم من الواد ده، انا من الأول مبحبوش.
فضيلة: مش هيحصل يا كرم، وهيطلع بالسلامة ويتجوز ريم.
كرم: ياختي اللي يشوفك كده يقول انه عدل اوي، ده اهطل.
فضيلة: وهو العاقل هيناسبك على ايه يا راجل انت.
هدأت ثورت فضيلة بعدما لاحظت الاجهاد البادي بوجه كرم واقتربت منه بحذر قائلة:
مالك يا كرم، انت كويس.
كرم بتعب: هاتيلي دكتور يا فضيلة بس ادفعيله انتي انا حاسس اني بموت.
اغمض حامد عيناه باشتياق متذكرا لحظاته الخاصة مع فاطيما ومشاكستها له وحبها الذي طالما غمرته به.
عاد بذاكرته إلى ليلة الحادث.
فلاش باك
كانت تدور كما الفراشة، تنظر الي ردائها الرائع وزينتها الكاملة برضا وسعادة، تنهدت بخفوت قائلة:
النهاردة بقى لازمن تعترف انك بتحبني يا حامض، اظن مفيش بعد كده بقيت مزة أهو.
حنح حامد بملل من خارج الغرفة قائلاً:
خلصتي لبس يا فاطيما ولا لسه، زهقتين.
فاطيما مسرعة: خلصت ياعم، انت خلقك ضيقك كده ليه.
تحركت بخفة تلتقط حقيبة يدها وهي تتمتم بغيظ:
علطول مستعجل، مش عارفه ماله ده.
هبطت في عقبه، تحدث إلى والدته قائلاً:
ان شاء الله مش هنتأخر يامه، لو حصل حاجة اتصلي عليا واحنا نجيلك علطول.
ثناء: يابني براحتكم، انتوا يعني مقطعين الخروج.
فاطيما: قوليله والنبي يا نونه لحسن هيجنني.
ثناء: اللهم صل عالنبي، ايه الحلاوة دي يابت يا فطوم، ربنا يسترها عليكم من عين نسوان الحارة.
فاطيما بغبطة: حلوة بجد!
ثناء: ما ترد يا واد حامد، بذمتك مش زي القمر.
حامد: اه حلوة، خلصينا بقى الفرح هيبدأ والراجل مأكد علينا نروح بدري.
ثناء: ابن حلال والله وليد بيه ده.
حامد: اه فعلا اول مرة اشوف ظابط متواضع ومؤدب كده.
فاطيما: ربنا يسعده، ياااه عقبال ما اشوف ولادي رجالة ملو هدومها زيه كده.
حامد بغيرة: عجبك اوي؟
فاطيما بحب: ربنا يحميه لأهله يا حامد ويباركلي فيك.
ودائما كانت قادر على امتصاص غضبه في لحظات، ابتسم إليها وغادرا معاً إلى الحفل.
دلفا سويا إلى قاعة الافراح الفخمة، شهقت فاطيما بخفوت قائلة:
ايه الناس دي كلها يا حامد، أنا بخاف من الزحمة.
حامد باحتواء: متخافيش يابت ما انا معاكي اهو.
فاطيما: بس الستات شكلهم شيك وحلو أوي، انا شكلي عبيط ما بينهم.
حامد: انتي أحلى منهم كلهم.
فاطيما: بجد يا حامد، يعني انت شايفني حلوة وبتحبني.
حامد: هو ده وقته يا فاطيما.
نظرت اليه بحزن ولم ينتبه هو الى نظراتها فقد اقترب وليد من وقفتهم قائلاً بحبور:
اهلا يا حامد، منورة يا فاطيما.
حامد: ألف مبروك يا باشا، بالرفاء والبنين.
فاطيما: مبروك يا وليد بيه.
وليد: فين الست والدتك، مجتش معاكم ليه؟
حامد: معلش يا باشا، العيال بقى سيبناهم معاها، وفاطيما لسه والدة من شهرين ولولا غلاوتك مكناش خرجنا وسيبنا العيال.
وليد: ده العشم برده، تعالى معايا يا حامد هعرفك على ناس عجبهم شغلك في الفيلا وعاوزين ياخدوا تليفون.
اندمج حامد بين الحضور وساعده وليد على كسب ثقة في الحديث إليهم بعدما أثنى كثيراً على براعته وجديته في اداء عمله.
كانت فاطيما على مقربة منهم تتابع في صمت ما يحدث، كانت تنظر إلى العروس بإعجاب وهي تتمايل بين اصدقائها.
تحدثت بخفوت قائلة: سبحان الله الواحد مبيحبش افراح الناس الأغنية دي، تحس ان القعدة منشية، يااه كان يوم فرحنا عالمي يا حامض.
تحرك أحد الرجال بخطوات مريبة جعلت فاطيما تراقبه بتركيز إلى أن رأته يخرج من داخل سترته سلاحاً ودون أن ينتبه أحد وجهه إلى وليد الذي كان بمحاذاة حامد.
تحدثت فاطيما بتشجيع إلى نفسها قائلة:
انا لازم اتصرف وانقذ حامض والظابط اللي مش هيلحق يخش دنيا ده، أنا قولت مبحبش افراح الناس الذوات دول ابدا.
هرولت بخطوات راكضه تصيح بصوت خائف:
خلي بالك يا حامد، أوعى وشك يا وليد بيه، الراجل هيجيب اجلك يا مسكين.
تحدثت إليها حامد بتعجب قائلاً:
بتقولي ايه يا فاطيما وبتجري زي الهربانة من حكم الاعدام كده ليه.
اطلق الرجل رصاصته تجاه وليد ولكن بعدما اقتربت فاطيما تحرك وليد بدوره لتصيب تلك الرصاصة فاطيما وتقع بين يدي حامد الذي لم يدرك بعد ما اصابها لكن تحدثت بمرح قبل أن تغمض عينيها قائلة:
نشنت يا فالح.
رواية عفريت مراتي الفصل العاشر 10 - بقلم نداء علي
عدلَ الطبيب من نظارته ونظر بترقب وتقييم إلى وجه كرم الشاحب ليتحدث بصوت هامس قائلاً:
عندك كام سنه ياعم كرم؟
أجابه كرم بنفس الهمس: خمسه وستين سنه يادكتور، هو في ايه؟
الطبيب: خير إن شاء، انت آخر مره رحت للدكتور كان من كام شهر؟
فضيلة: عمره ما راح لدكتور، بعيد عنك عنده حساسية من ناحيتهم.
الطبيب بصوت مريب: اممم، الحقيقة أنا شاكك في حاجات كتير..
أكمل بصوت هامس من جديد: هو انت بتدخن يا حج كرم؟
كرم: لا يا دكتور بس بشيش.
الطبيب: بتشيش!
فضيلة: اه يا باشا أصل الشيشه أرخص.
كرم بغيظ: لأ يا دكتور أنا مليش في السجاير، مش حكاية فلوس ابدا.
الطبيب: للأسف يا حج كرم من واقع خبرتي المهولة أحب اقولك انك hopeless case.
كرم بدهشه: وده مرض خطير !؟
الطبيب: يا حج كرم انت كل حاجة عندك بايظه خالص، ضغط سكر، كسل في الكبد، املاح و….
كرم: بس اسكت الله ياخدك، ايه اللي بتقوله ده، وبعدين انت عمال توشوشني ليه، جبتلي الخفيف، أنا كويس يا دكتور نص لبه انت، مبسوطة كده يا فضيله، جيبالي دكتور اهبل وبتسترخص.
فضيلة: والله ابدا، ده واخد ٢٠٠ جنيه.
كرم: لااااا، أنا كده هروح فيها بجد!!!
الطبيب وكأنه لم يستمع إلى ما قاله كرم وبنظرات ثاقبه:
أهدى ياعم كرم، الانفعال غلط عليك، انت مش مقدر حجم المشكلة.
كرم منفعلا: شدي ايدي يا فضيله، قوميني اخلص عالراجل ده.
فضيلة: اهدى يا كرم بدل ما تتعب تاني.
كرم باجهاد: اه يا راسي، منك لله يا دكتور الهم، الصداع هيموتني.
الطبيب بثقه: قولتلك مصدقتنيش، احسن تستاهل.
كرم بغضب: طلعيه بره يا فضيله، هيموتني منه لله.
الطبيب بجديه: اطمن، انت قدامك كام شهر مش هتموت دلوقتي.
فضيلة: جرى ايه يا دكتور، في حد يقول كده لواحد عيان؟
الطبيب: أنا بتبع مدرسة مصارحة المريض بحالته يا حجة فضيله، الطب مدارس ومذاهب.
كرم: مذاهب ايه، ده انت ولا كفار قريش، امشي يابني بدل ما اخلص عليك.
الطبيب بهدوء: أنا ماشي، كتبتلك نظام غذائي وادوية تلتزم بيه وإلا الحاله هتدهور جدا، سلام عليكم.
نظر كرم إلى زوجته قائلاً بخوف:
يعني ايه يا فضيله، هموت واسيبكم واسيب فلوسي وحال ومال.
فضيلة: كلنا هنموت ياخويا حد ضامن نفسه، وبعدين سيبك منه شكله دكتور مبيفهم.
كرم: ويمكن بيفهم، كان مستخبيلك ده كله فين يا كرم؟
فضيلة بتعاطف معه وخوف من فقده:
اطمن يا فضل مفيش فيك غير الصحة والعافيه، هروح اعملك فرخ شامورت تاكله يرم عضمك وهتبقى زي الفل.
كرم: طول عمرك اصيله يا فضيله، اعمليلي شوية محشي بالمره.
فضيلة ضاحكة: حاضر ياخويا هعملك اللي نفسك فيه.
كرم: تسلمي وتعيشي.
غادرت فضيلة وتوجه كرم مسرع يبحث عن مفتاح الصندوق الذي يخبيء بداخله ما لديه من أموال طائلة.
نظر بحزن وندم إلى تلك الأموال قائلاً:
معقول هسيبكم لوحدكم ياحبايبي، وغيركم ياخدكم ويضيعكم، ليه كده بس، اعمل ايه واتصرف ازاي!!
بداخل سيارة وليد الذي سعى بكل جدية مستخدماً ماله من نفوذ وسلطة لتبرئة ساحة فادي من التهم المنسوبة إليه.
تحدث وليد الي فادي بتحذير قائلاً:
المهم بعد كده تركز، تشوف الناس اللي بتتعامل معاهم.
فادي: حرام وتوبة يا باشا، أنا أساسا هقفل المكتبة وافتح مقلاة ابيع فول ولب.
وليد بتعجب: لب ايه يابني، المكتبه مشروع كويس انت بس ركز.
فادي: يا باشا أنا عارف ان كل اللي بيحصلي ده تكفير ذنوب، وأنا صغير كنت عيل غتيت ومؤذي بس وربنا أنا توبت لما كبرت يلا حصل خير، ده أنا انضربت على قفايا جوة السجن لما قفايا ورم.
مال وليد على اذن حامد قائلاً:
هو الواد ده يقرب لفاطيما؟
حامد مبتسماً: لا يا باشا تقريباً عندهم نفس المرض.
وليد: مرض ايه؟
حامد: البراءة، مبيعرفوش يكرهوا حد يا وليد بيه، قلوبهم نضيفة وصعب تلاقي زيهم كتير.
وليد بجدية: ورغم كده وقت الجد تلاقيهم سند، أنا لحد النهارده مش قادر اتخيل ازاي مراتك ضحت بحياتها علشان تنقذني، ربنا يقومها بالسلامة.
حامد: يارب يا وليد بيه.
وليد: هنطلع دلوقت عالمستشفى نطمن عليها ونشوف الدكاتره رايهم ايه، ان شاء الله يطمنونا.
حامد: معقول يا باشا، أنا بدأت افقد الأمل انها ترجعلي من تاني.
وليد: خلي أملك في ربنا كبير، المستشفي دي من اكبر المستشفيات العسكرية ومهتمين بحالتها جدا، أنا اسف والله المفروض كنت اتدخلت ونقلتها من أول ما حصلت الحادثة.
حامد: ولا يهمك يا بيه، كل شيء بأوانه.
تدخل فادي قائلاً:
أنا جعان يا جماعة، متجبولي سندوتش ينوبكم ثواب.
ابتسم حامد ونظر إليه وليد قائلاً:
تعرف يا فادي أنا بقول نرجعك الحبس من تاني ونرتاح.
فادي: لااااا، خلاص انا شبعان يا باشا، عالأقل اعرف اتعامل مع حمايا ويحس اني موفر ومش هكلفه كتير.
نظر فادي الي حامد قائلاً:
ااااه، لا مؤاخذه يا حامد نسيت انه عمك وربنا، ده عم كرم ده سيد الناس.
قهقه حامد تلك المرة فكما يبدو أن فادي يشبه إلى حد بعيد فاطيما كما قال وليد.
اقترب منها والدها كحاله كل يوم يقبل يدها بضعف واشتياق يهمس إليها قائلاً:
ارجعي بقى يابت يا فطيما، هان عليكي تسيبي ابوكي حبيبك لوحده، تعالي يا قلب ابويا.
فاطيما: لا تعالى انت يا سيد، أنا هنا مع أمي، تعالى بقى وخلاص أنا ما صدقت شوفتها اسيبها ليه؟
سيد باكياً: ولادك وجوزك محتاجينك.
فاطيما: يووة بقى بص جمبك هتشوفني أنا اهو يا عم بس زي ما تقول متشعبطة بين اه ولأ، عارف يا سيد انت حضنك وحشني خالص بس مش عارفه ارجعلك وبيني وبينك خايف ارجع، الدنيا بتاعتنا دي صعبه أوي، بس برده حلوة، كفايه انت وحامد وثناء والعيال ولادي…
حتى بنتي اللي لسه معرفش شكلها بقى عامل ازاي دلوقتي بس اكيد هتطلع حلوة زي أبوها.
أنا تعبت يا سيد، اعمل ايه في الحوسه اللي أنا فيها، يكونش بقيت عفريت، لا لا، لو بقيت عفريت كان زمانها فضلت اتنطط وانت بتقرأ قرآن…
طب ايه اللي حصلي يا عم انت.
اقتربت من اذنه قائلة:
توووووووت، رد بقى يا سيد والله اخاصمكم كلكم.
استمع حامد ووليد إلى الطبيب بانصات تام إلى أن شرح باستفاضة ما يراه من وضع صحي تمر به فاطيما.
وليد: يعني حضرتك شايف ان الغيبوبه ملهاش سبب عضوي؟؟
الطبيب: اكيد، الحاله عضويا الحمد لله تمام، المشكله غالباً نفسيه.
حامد: بس فاطيما عمرها ما زعلت من حد ولا حاجة ضايقتها، دي اربعة وعشرين ساعه بتضحك يا دكتور وتعمل مقالب، الضحكة مبتفارقش وشها.
الطبيب مبتسماً: حضرتك أنا قدامك اهو ببتسم، تعرف ان والدتي متوفيه من اسبوع وللأسف مليش حد غيرها في الدنيا..
الانسان اللي بيحاول يسعد اللي حواليه ويبين انه دايما سعيد وفرحان ومفيش حاجة تعباه ده جبل وقت ما بيقع صعب يقوم تاني لأنه بيكون خلاص استنفذ كل طاقته، يمكن فعلا زوجتك دايما بتهزر وبتضحك بس اكيد في أمور كتير كانت بتضايقها وبترفض تقولها علشانك انت واسرتها.
انصرف وليد بصحبة الطبيب وغادر فادي مشتاقاً الى بيته، وبقي حامد وكلمات الطبيب تدور برأسه وتصفعه…
متى سأل هو فاطيما عن حالها، لمَ لم يجلس إليها من قبل ويستمع إلى يومها وكيف تقدر على القيام بتلك الأمور السهلة الهيئة صعبة التنفيذ، كانت تضمه إليها كل حين ان لم يكن بيديها فكان قلبها يفعل، تذكر ما حدث بالحفل وكم طلبت إليه أن يعترف بحبه لها لكنه أبى …
هرول تجاه غرفتها وجلس إلى جوارها قائلاً بندم:
أنا فعلا غبي يا فاطيما، غبي ومستاهلش نعمه زيك..
كنتي شمس منوره دنيتي بس زي عادة البني أدم بيشوف الشمس كل يوم فميحسش بقيمتها غير لما تغيب والبرد يموته..
أنا بحبك، أه والله بحبك من أول ما كبرت ووعيت عالحب وشفت بنات كتير ومفيش واحدة كانت بتجنني غيرك…
لما كان يفوت يوم وابوكي ميجبكيش عندنا كنت بحبس نفسي في الأوضة واقول الدنيا وحشه ليه كده…
بس خفت يا فاطيما، طول عمري وحيد مليش حد وحبي ليكي كان غريب عليا أوي..
فضلت اقول بكره هقولها، لأ استنى شويه لاحسن لما تعرف اني مليش غيرها سند ودار تبعد عني، خفت ومعرفش السبب يمكن طبعي كده…
غبي مبعرفش اتكلم، غيرك انتي، أنا بحس انك نجمة بتلف الدنيا، بتعرفي تعملي كل حاجة ارجعي يا فاطيما وأنا هعوضك عن اي حاجة.
وقفت هي في دائرة مغلقة من الضوء في منتصفها ترتدي والدتها ثوب يتلألأ وتنظر إليها بأعين دامعة، مدت فاطيما يدها إليها قائلة:
تعالي يا ماما هاتي ايدك.
اجابتها بحب: ارجعي لولادك، عوضيهم عن كل اللي اتحرمتي منه يا حبيبتي.
فاطيما باكيه بانهيار: لأ أنا عاوزاكي معايا، مش هسيبك ابداً.
ضمتها بكلماتها قائلة: هنتقابل يا قلب امك، كلنا هنتلاقى في يوم مفيش من بعده فراق، بس يومك لسه مجاش.
غابت والدتها عن ناظريها واغلقت الدائرة بعدما خرجت من داخلها فاطيما التي صاحت بكامل قوتها تبحث عن والدتها، التفت من خلفها عندما تبينت صوتاً باكياً يناديها قائلاً:
محتاجلك أوووي، مابقتش قادر اصبر علي غيابك ولا قادر اشكي لحد غيرك.
كانت تنتظر حامد أن تجيبه لكن دون فائدة، كفف دموعه بحزن وهم بالخروج إلى ان سمع صوتها الهامس قائلة:
يعني بتحبني يا حامض.
اقترب ينظر إليها دون تصديق إلى أن قالت:
ما ترد بقى.
صاح بجنون دون تحفظ أو خوف:
بحبك يا فاطيما، يخربيت اللي يزعلك، أنا بحبك يابت.
فاطيما: وهتجبلي غسالة اطباق.
حامد: هغسل أنا المواعين وانضف واعمل كل حاجة بس ارجعيلي.
فاطيما: حامض.
فاطيما: هتصدقني يا حامد لو حكيتلك.
حامد: لو قولتيلي كنتي في الجنة هصدقك، عارفه ليه يا فاطيما!
فاطيما بهدوء: ليه؟
حامد: لأنك حته منها.