الفصل 9 | من 16 فصل

الفصل التاسع

المشاهدات
9
كلمة
1,138
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

رواية وتيد ضي الجزء التاسع 9 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة التاسعة “جَدَعنة الستات.. وفجر الأمان الجديد” ***** لِلبيوت المحترمة طقوسٌ لا تبدلها العواصف؛ وللشرف لغةٌ تفهمها الحرائر دون عناء. في عتمة الليل التي بدأت تنقشع، كانت كلمات ‘سميحة’ تُرمّم ما كسرته الأيام في روح ‘الضيّ’، تؤصل للجدعنة وتُعلي من شأن فتاةٍ حمت عرضها بسلاح الكرامة.

وحين وصلت ‘ياسمين’ مدفوعةً بقلق الأمومة وخوف الأعراف، لم يكن اللقاء صداماً، بل كان تلاحماً بين قلوبٍ ولاد حلال، يعرفون قدر الأصول. هناك، عند عتبة الباب المفتوح على الفجر، وبأعين ‘كريم’ الصقرية التي ترقب المشهد بوعودٍ غير مكتوبة، رُسمت الخطوط العريضة لغدٍ لن يجرؤ فيه ذئبٌ على الاقتراب فقد أصبح للضيّ سندٌ يحمي نوره من الانطفاء! ***** كريم بخطواته الجسورة ونزل إلى مدخل البناية.

كانت ياسمين تقف وبجوارها ابنتها نرمين، والتوتر والقلق يرتسمان على وجهيهما. تقدم كريم بوقاره المعهود، ومد يده يسلم على ياسمين قائلاً بترحيب: “أهلاً وسهلاً يا فندم، خطوة عزيزة إزيك يا أستاذة ياسمين؟ ردت ياسمين وهي تحاول التقاط أنفاسها وتهدئة روعها: “الحمد لله يا ابني أنا كويسة الحمد لله، تعبناكم معانا في وقت زي ده” أما نرمين فلم تتحمل الانتظار، ونظرت لكريم بلهفة وقالت بصوت متقطع:

“لو سمحت يا حضرة الظابط ضيّ في الدور الكام؟ رد كريم بابتسامة خفيفة: “في الدور الأول” لم تنتظر نرمين المصعد؛ بل أخذت السلم جرياً وصعدت الدرجات كالسهم. كان باب الشقة في الدور الأول مفتوحاً جزئياً بتوجيه من السيدة سميحة، ففهمت نرمين أن هذه هي الشقة المنشودة. اندفعت إلى الداخل تصرخ بلهفة: “ضيّ!

وفور أن رأتها ضيّ، انتفضت من مقعدها وارتمت الفتاتان في أحضان بعضهما البعض بالبكاء والعناق الحار الذي يترجم سنة كاملة من الأخوة والصداقة الحقيقية. في تلك الأثناء، صعد كريم وياسمين ودخلا من باب الشقة، وكانت السيدة سميحة واقفة تستقبلهم بترحيب حار وقور. تقدمت سميحة من ياسمين وسلمت عليها بحفاوة قائلة: “أهلاً وسهلاً يا حبيبتي، نورتينا ما تزعليش، أنتِ كويسة؟ ردت ياسمين بامتنان: “أهلاً بيكِ يا أمي أيوة أنا كويسة الحمد لله”

سميحة بحاتمية الأمهات: “أعملك حاجة تشربيها طيب؟ ياسمين بابتسامة تقدير: “لا يا حبيبتي، تسلمي لي مش عايزة أتعبك” ثم التفتت ياسمين نحو ضيّ التي كانت تمسح دموعها ممسكة بيد نرمين، واقتربت منها وهمست في أذنها بنبرة أمومية قلقة: “الواد الأمور ده زعلك في حاجة؟ أو ضايقك بكلام؟ ردت ضيّ بسرعة وههمست لها: “لا والله يا طنط ده أنقذ حياتي وعمل معايا كل خير هو ووالدته”

لكن السيدة سميحة، بذكائها وحذرها، سمعت الهمسة، فمالت هي الأخرى على أذن ياسمين وقالت بابتسامة فخر واعتزاز وثقة تامة: “ابني ما بيزعلش حد يا حبيبتي ابني راجل وابن ناس” فهمت ياسمين أن سميحة التقطت كلماتها، فابتسمت بإحراج طفيف وقالت بصدق متداركة الموقف: “حقك عليا يا أمي دي بنتي وكنت بطمن عليها بس، والظابط كريم بألف رجل وما قصرش” ردت سميحة بحنو: “حقك يا حبيبتي وطبعاً لازم تطمني اتفضلوا دخلوا جوه”

قادهم كريم وسارة إلى الصالون، وقامت سميحة بنفسها وقدمت لهم مشروباً دافئاً لتهدئة روع الطريق، ثم جلست بجوار ياسمين وقالت بنبرة ممتلئة بالتقدير: “نورتينا يا أم نرمين ضيّ كلمتني عنك كتير أوي في الكام ساعة اللي قعدناهم سوا، وأنا مبسوطة جداً إني اتعرفت عليكِ أنا بطبعي بحب الستات الجدعة الأ صيلة اللي زيك، اللي تشيل بنت غريبة وتعتبرها بنتها” ردت ياسمين بنبرة صادقة وعيناها تلمعان بالدموع:

“صدقيني يا أمي ضيّ دي بنتي فعلاً، وأنا كمان ما بفرقش بينها وبين نرمين في أي حاجة هي زي نرمين عندي بالظبط. والحمد لله إن ربنا وقعها في ناس ولاد حلال وأكابر زيكم النهاردة وباعتذر لكم تاني إننا أزعجناكم في وقت متأخر زي ده، وكانت فرصة سعيدة جداً وشرف لينا يلا يا نرمين، يلا يا ضيّ عشان الوقت سرقنا” قامت الفتيات يستعدون للرحيل.

وهنا وقف كريم بطوله الفارع، ووجه نظراته الصقرية الجادة نحو ضيّ ثم إلى ياسمين، وقال بنبرة شرطية صارمة تحمل في طياتها عهداً لا ينقض: “طبعاً يا أستاذة ياسمين رقمي وباياناتي بقوا مع ضيّ على التليفون، وأنا مش هسيب

جوز أمها ولا الموقف ده يعدي بالساهل أبداً أنا بالفعل كلفت رجالتنا في القسم يعملوا عنه تحريات كاملة وهنقلب دفاتر تاريخه كله وإن شاء الله، بوعدكم إن الراجل ده ما عادش هيجرؤ يقرب من ضيّ تاني، ولا هتشوف وشه مرة تانية في حياتها” نظرت إليه ضيّ بنظرة طويلة، نظرة امتنعت فيها الكلمات لكنها حملت كل معاني الامتنان والأمان الخفي الذي زرعه في قلبها.

سلمت ياسمين ونرمين وضيّ على السيدة سميحة وسارة بحرارة، وخرجوا من الشقة وهبطوا جميعهم الي أسفل بينما كان كريم يرافقهم بنظراته حتى ركبوا سيارتهم وانطلقوا راجعين إلى بيت ياسمين. صعد كريم ودلف وأغلق باب الشقة، والتفت ليجد والدته سميحة تنظر إليه بابتسامة ذات مغزى كبير، وكأن خيوط الغد قد غُزلت في هذه الليلة العاصفة، وأن “الضيّ” الذي غادر الدار سيعود إليها يوماً كصاحبة بيت!

أُغلق الباب الخارجي للشقة، وعاد السكون ليتسلل إلى الأركان بعد ليلة عاصفة لم تهدأ أحداثها. التفت كريم ليجد والدته السيدة سميحة تقف مستندة إلى حافة المقعد، تنظر إليه بنظرات دافئة تشع بذكاء الأمهات وبصيرتهن النافذة. اقتربت منه بخطوات هادئة، وعيناها تلمعان ببريق خاص، وقالت بنبرة هادئة ذات مغزى: “إيه الأخبار يا كريم؟ نظر إليها كريم، وعقد حاجبيه بابتسامة خفيفة محاولاً التهرب من نظراتها الفاحصة، وقال مستفهماً بذكاء:

“تقصدي إيه يا ست الكل؟ هزت السيدة سميحة رأسها بيقين، وابتسمت له قائلة بلهجة صادقة حاسمة: “أنت فاهم قصدي كويس يا كريم وربنا بيقطع ويوصل ! البنت ما شاء الله زي القمر، وأهو عرفنا حكايتها وظلمها وأنا عارفة ومتأكدة إنك مش هتنام الليلة دي إلا لما تكون الداتا بتاعتها كلها وتاريخ جوز أمها تحت إيدك.

صدقني يا ابني أوقات ربنا بيبعت لنا إشارات حسنة تنور حياتنا، وإحنا لازم نفهمها ونستغلها صدقني يا كريم، مش هتلاقي بنت بالجدعنة والأصل والجمال ده في الدنيا بحالها وأنا قلبي انفتح لها يا ابني وارتاح وجودها في البيت” انطلقت من بين شفتي كريم ضحكة رجولية خفيفة، وحاول مد يده ليداعب كف والدته وهو يقول برفق: “لا يا أمي أنتِ قلبك ما شاء الله بينفتح لأي حد بسرعة ما تنسيش إن قلبك كان مفتوح لمي برضه في الأول!

تغيرت ملامح السيدة سميحة فوراً، وكشرت في وشه بضيق حقيقي من المقارنة الجائرة، وقالت بنبرة حادة وصارمة: “مي دي كانت اختيارك أنت مش اختياري أنا! وكان قلبي مفتوح لها وبستحملها بس عشان كنت متخيلة ومفكرة إنك بتحبها وشاريها، لكن جرب بقى تتجوز اللي أمك تختارها لك وتشوف الفرق! تأثر كريم بنبرة والدته، وهدأت ملامحه تماماً، ونظر إليها بنظرة مليئة بالاحترام والوقار الرجولي، وقال بصوت منخفض دافئ يحمل تسليماً للأقدار:

“سيبيها على الله يا أمي واللي فيه الخير ربنا يعمله” ضحكت السيدة سميحة بفرحة خفية، ولمحت في نبرته الاستسلام اللطيف، وقالت له بانتصار أمومي ذكي: “تبقى ميّال مدام قولت كده تبقى ميال ليها يا كيمو! ابتسم كريم بحياء وخجل، وقبّل رأسها بحنو بالغ وقال متهرباً من إلحاحها: “تصبحي على خير يا حبيبتي” سحب نفسه بخطواته الجسورة والواسعة، وسابها ودخل أوضته وهو يحمل في صدره بذور فكرٍ جديد غرزته والدته ببراعة.

تنهدت السيدة سميحة براحة ودعت له في سرها، ثم دخلت هي الأخرى إلى غرفتها لتستريح بعد هذا المخاض الطويل. انتهى الحوار، وطُفئت أنوار الشقة تماماً، لتغرق جدران الدار في عتمة هادئة عتمة تحمل في طياتها ملامح فجرٍ جديد، وعقلاً للرجل الصقر لا ينام، يترقب ملفات الغد ليحمي ضيّاً أضاءت عتمة ليلته!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...