الفصل 16 | من 16 فصل

الفصل السادس عشر

المشاهدات
8
كلمة
1,060
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية وتيد ضي الجزء السادس عشر 16 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة السادسة عشر “صلاة العِشق وعَهد الوتيد” “ثمة عهود لا تُكتب بالحبر، بل تُنقش بالأنفاس على جدار الروح. في تلك الليلة، انطوت صفحات الخوف والشتات، وتلاشت قسوة العالم عند عتبة تلك الغرفة الدافئة. لم يكن اقتراب ‘الصقر’ من ‘الضيّ’ مجرد التقاء جسدين،

بل كان صلاة شكرٍ في محراب الحب الطاهر، وامتزاجاً لنبضين عانيا من الصقيع حتى وجدا الدفء في حضنٍ واحد بين أنامل ترتجف شغفاً وهي تحرر الجسد من قيود الحرير، وقُبلةٍ طُبعت على الجبين كصكّ أمانٍ أبدي، جُرّدت العواطف من كبريائها وعادت لفضيلتها الأولى؛ حلالٌ يكلله الوفاء، وجنة نعيمٍ فُتحت أبوابها لقلبين تعاهدا أن يكون الله أولهما، ونبض الروح ثانيهما! ***** “جَنّة النعيم.. وتلاقِي الأرواح”

انغلق باب الغرفة عليهما، فبدت الحجرة وكأنها معزولة عن الكون بأسره، يلفها سكونٌ حميمي دافئ وتفوح منها رائحة العطور الفاخرة التي تليق بليلة العمر. وقفت ضيّ في وسط الغرفة بجسدها المرتعش بفعل الخجل الكاسح، تحاول الإمساك بأطراف فستانها الأبيض كأنها تحتمي به. أما كريم، فقد تخلص من وقار البدلة الرسمي وبقي بقميصه الأبيض.

خطا نحوها بخطوات بطيئة، ناعمة، تخلو من أي استعجال اقترب حتى لمس ظلّه ظلها، ثم مد كفيه الرجوليتين بحنو بالغ، محتضناً وجهها الصغير، ورفع رأسها برفق لتلتقي عيناه بعينيها الزائغتين من الكسوف. انحنى كريم ببطء طابعاً قبلة عميقة وطويلة على جبينها، استقرت في أعماق روحها كصكّ أمان أبدي. نظر في عينيها وقال بنبرة صوت خفيضة، ممتلئة بالصدق والعاطفة الجارفة: “أنا سعيد وفرحان بيكِ جداً

يا ضيّ نورتِ بيتك وقلبي وحياتي كلها، ويا رب يقدرني وأكون السند والأمان اللي يعوضك عن كل ثانية حزن شفتيها” سكت لبرهة، ثم مرر إبهامه على وجنتها بحنو وقال ناصحاً بعهد الرجال: “عايز أقولك على حاجة وتشيليها حلقة في ودنك العمر كله حتى لو زعلتِ مني في يوم من الأيام، أو أنا دايقتك بغشمي تيجي على دراعي ده، وعلى كتفي ده، وفي حضني وتعيطي وتشتكي لي أنا.. تشتكي مني ليا أنا يا ضيّ!

اوعي في يوم من الأيام تحطي أملك أو شكوتك في حد غير ربنا وأنا من بعده حماك وضهرك” ترقرقت الدموع في عينيها، ونظرت إليه بنظرة نطق فيها قلبها قبل لسانها، وسألته بصوت خافت يرتجف: “كريم أنت بتحبني بجد؟ اتسعت ابتسامته لتظهر غمازتاه الساحرتان، واشتعلت عيناه بنظرة شغف عميقة تميل للجنون وقال بنبرة تقطر عشقاً: “أنا مابحبكيش بس أنا بعشقك يا ضيّ!

أنتِ بقيتي ضيّ حياتي، وضيعتيني، وضيع قلبي كله أنا عمري في حياتي ما كنت أتخيل إن ممكن أحب حد في الدنيا دي كلها بالشكل ده ربنا يخليكِ ليا ويحميكِ يا رب” أمام هذا السيل من الحنان، تلاشت حصون خجلها لثوانٍ، ولم تحتمل دفقات المشاعر فـ ارتمت في حضنه، ودفنت وجهها في صدره العريض، مستنشقةً رائحته التي باتت تعني لها “الوطن” دثرها كريم بساعديه، وضّمها إليه بقوة كأنه يخبئها بداخل ضلوعه من قسوة الأيام.

تحرك بها كريم برفق نحو السرير، ونظر إلى طرحة زفافها وفستانها الثقيل وقال بمشاكسة رقيقة ليرفع عنها الحرج: “طب يلا يا قلبي عشان أساعدك تقلعي الفستان ده وتتحركي براحتك” أومأت برأسها خجلاً، واستدارت لتعطيه ظهرها امتدت أصابع كريم الطويلة المرتجفة قليلاً؛ بدأ يفك أزرار الطرحة برفق ورفعها عن شعرها، ثم هبطت أنامله نحو سحاب (سوستة) الفستان الأبيض.

تحركت يده ببطء شديد وبملامسة ناعمة، دافئة، كانت تمر فوق بشرتها المخملية العارية بنوع من التقدير والقدسية الشديدة لهذه اللحظة. ومع كل ملّي وئيد تتهابط فيه السوستة، كان نبض ضيّ يتصاعد وخلفه نبض كريم. وما إن انفتح الفستان جزئياً، حتى انحنى كريم وطبع قبلة دافئة ورقيقة على كتفها العاري، وجعل يده تلتف برفق حول وسطها من الخلف، وجذبها إليه هاساً في أذنها بصوت أجش وممتلئ بالشوق:

“أنا مشتاق لكِ قوي يا ضيّ ومبقتش قادر على بعدك خلاص” مالت ضيّ برأسها للخلف مستندة على كتفه، وأغمضت عينيها مستسلمة لدفء أنفاسه وقالت بنبرة عذبة: ” أنا بحبك قوي يا كريم” التقط كريم أنفاسه بصعوبة، وابتعد خطوة للخلف ضاحكاً بخفة وقال: “طب يلا يا قلبي كيمو لأن أنا بجد مش مستحمل أكتر من كده! أنا هروح أغير الهدوم دي في أوضة الأطفال، وأنتِ خدي راحتك كاملة هنا في الأوضة” هزت رأسها بامتنان وقالت: “حاضر” سألها مداعباً:

“مش هتدخلي الحمام؟ ردت بكسوف: “لا، اتفضل أنت الأول” قال لها: “لا، أنا هخس الحمام اللي بره عشان أسيب لك الجناح كله اجهزي براحتك” دلف كريم إلى الخارج، وأخذ شاور دافئ وسريع، وتخلص من قيود البدلة ليرتدي منامته الستان الكحلي المريحة التي تبرز تناسق جسده الرياضي. وفي الغرفة، أخذت ضيّ حمامها الدافئ الذي أذاب تعب اليوم بطوله، وخرجت لترتدي طقم النوم والرويال (الروب)

الحريري الطويل بلونه الكريمي الهادئ، وفكت قيد شعرها الأسود الغجري الطويل، فـ أطلقت العنان لخصلاته المتمردة لتهبط بنعومة وتغطي ظهرها وكتفيها في لوحة جمالية خطفت الأنفاس. حين فتح كريم باب الغرفة ودخل، تسمّر في مكانه كمن أصابته صاعقة من السحر. تجمدت الدماء في عروقه وهو يرى هذا الملاك الواقف أمامه؛ شعرها الغجري، عيناها اللامعتان، ورقتها الفطرية التي فاقت كل تصوراته.

لم يستطع الحراك لثوانٍ، ظل شاخصاً إليها بنظرات تقطر لوعة وعشقاً لا يرحم. تحركت خطواته نحوها كالمغناطيس، وجذبها إلى صدره مجدداً في حضن دافئ طويل، واستنشق عبير شعرها المبلل وقال بصوت هائم: “ما شاء الله.. أنتِ إيه يا بنتي؟ أنتِ جنه ربنا على الأرض يلا بينا عشان نصلي ركعتين السنة” سألته بصوت خجول محاولاً الهروب من نظراته: “مش هتاكل الأول وبعدين نصلي؟ نظر إلى شفتيها الكريزيتين وقال بنبرة ذائبة ممتلئة بالمعنى:

“لا أنا عايز آكلك أنتِ الأول! احمرّ وجهها بشدة وضغطت على صدره قائلة: “كريم! طب يلا نصلي” فرش كريم سجادتين للصلاة، ووقف في الأمام كإمام لها يقود سفينتهما نحو بر الأمان، ووقفت ضيّ خلفه بخشوع وخجل. انسابت آيات القرآن الكريم بصوت كريم الرجولي العذب، الخاشع، يرتل بآيات البركة والمودة، وكانت ضيّ تؤمّن خلفه بنبضات قلب شاكرة لله الذي عوض صبرهما خيراً.

بمجرد أن أنهيا الصلاة وسلم كريم يميناً ويساراً، التفت إليها وعيناه تشتعلان بحب طاهر لا تشوبه شائبة. انحنى نحوها بكل خفة ورجولة، وشالها بين ذراعيه فجأة كأنها ريشة لا وزن لها. شهقت ضيّ بخفة وتمسكت بعنقه، بينما سار بها نحو فراشهما الوثير، ونظر في عينيها بعمق وقال بابتسامة نصر هزت أركان روحها: “استعنّا على الشقاء بالله يا مدام كريم الهواري من انهاردة أنتِ في حمايا وفي جنتي”

وضعها برفق بالغ على السرير كأنها قطعة من الألماس يخشى عليها من الخدش، وانحنى فوقها يحيطها بجسده وضخامته الدافئة. اقتربت الأنفاس حتى ذابت المسافات، وقطف أولى القبلات من شفتيها في قبلة رقيقة، طويلة، ناعمة، حملت في طياتها كل وعود الأمان، والشهامة، والعشق المؤجل

ودخلا معاً في جَنّة النعيم، حيث تلاقت الأرواح، واحتضنت الروح الروح، لتُكتب السطور الأخيرة من روايتهما، وتبدأ الحياة الحقيقية لـ “الصقر وضيائه” في عناقٍ لا ينتهي بدوران الزمان. (تمت الرواية بحمد الله وفضله)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...